Indexed OCR Text
Pages 121-140
الآية : ١٨٣ ١٢١ سُورَةُ الْبَنَّة وصامت الريح: ركدت، وصامت الشمسُ: إذا استوتْ في منتصف النهار. وشرعاً: إمساكٌ عن أشياءَ مخصوصةٍ على وجهٍ مخصوص، في زمان مخصوص، ممن هو على صفات مخصوصة. ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: الأنبياء والأمم من لَدُنْ آدم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا، كما هو ظاهرُ عموم الموصول، وعن ابن عباس ومجاهد ◌ًا: أنَّهم أهل الكتاب. وعن الحسن والسدِّيِّ والشعبيّ: أنَّهم النصارى. وفيه تأكيدٌ للحكم وترغيبٌ فيه، وتطييبٌ لأنفس المخاطَبين فيه، فإنَّ الأمور الشاقَّة إذا عمَّت طابت، والمراد بالمماثلة إما المماثلة في أصل الوجوب - وعليه أبو مسلم والجبائيّ - وإما في الوقت والمقدار بناءً على أنَّ أهل الكتاب فُرِضَ عليهم صومُ رمضان، فتركه اليهود إلى صوم يوم من السنة زعموا أنَّه اليوم الذي أُغرق فيه فرعون، وزاد فيه النصارى يوماً قبلُ وَيوماً بعدُ احتياطاً حتى بلغوا فيه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحرِّ، فنقلوه إلى زمن نزول الشمس برج الحمل. وأخرج ابن حنظلة والنحاس والطبراني عن دَغْفل(١) بن حنظلة مرفوعاً: ((كان على النصارى صومُ شهر رمضان، فمرض ملكُهم فقالوا: لئن شفاه الله تعالى لنزيدن عشراً، ثمَّ كان آخَرُ فأكل لحماً فأوجع فوه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثمَّ كان عليهم ملك آخر، فقال: ما نَدَعُ من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمَّها ونجعلَ صومنا في الربيع ففعل، فصارت خمسين يوماً))(٢). وفي ((كما)) خمسة أوجه: (١) في الأصل و (م): مغفل، وفي الدر المنثور ١٧٦/١ (والكلام منه): معقل، والمثبت هو الصواب. (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٩٢/١، والمعجم الأوسط للطبراني (٨١٨٩)، وأخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الكبير ٢٥٤/٣ - ٢٥٥، وهو من طريق الحسن عن دغفل بن حنظلة. قال البخاري: لا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك النبي وَلتر. وأخرجه الطبراني في الكبير (٤٢٠٣)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (ترجمة دغفل) ٤٨٦/٨ من طريق الحسن عن دغفل قوله. سُورَةُ الْبََّة ١٢٢ الآية : ١٨٣ أحدها أنَّ محلَّه النصب على أنَّه نعتٌ لمصدر محذوف، أي: كتب كَتْباً مثلَ ما كُتب. الثاني: أنَّه في محلِّ نصبٍ حالٍ من المصدر المعرفة، أي: كُتب عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبِهاً ما كتب، و ((ما)) على الوجهين مصدرية. الثالث: أنْ يكون نعتاً لمصدر من لفظ الصيام، أي: صوماً مماثلاً للصوم المكتوب على من قبلكم. الرابع: أنْ يكون حالاً من الصيام، أي: حالَ کونه مماثلاً لِمَا كُتب. و ((ما)» على الوجهين موصولة. الخامس: أنْ يكون في محلِّ رفع على أنَّه صفةٌ للصيام بناءً على أنَّ المعرَّف بأل الجنسية قريبٌ من النكرة. ﴿لَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٨)﴾ أي: كي تَحْذَروا المعاصيّ، فإنَّ الصوم يعقم الشهوة التي هي أمُّها أو يكسرها. فقد أخرج البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله رَُّه قال: قال لنا رسولُ اللهِوَّهِ: ((يا مَعْشَرَ الشبابِ مَنِ استطاعَ منكُمُ الباءة فليتزوجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاء))(١). ويحتمل أن يقدَّر المفعول: الإخلال بأدائه. وعلى الأول: يكون الكلام متعلقاً بقوله: ((كتب)) من غير نظر إلى التشبيه، وعلى الثاني بالنظر إليه، أي: كتب عليكم مثل ما كتب على الأولين لكي تتقوا الإخلال بأدائه بعد العلم بأصالته وقدمه؛ ولا حاجة إلى تقدير محذوف، أي: أَغْلَمْتکم الحکم المذکور لذلك، كما قيل به. وجوِّز أن يكون الفعل منزَّلاً منزلةَ اللازم، أي: لكي تَصِلوا بذلك إلى رتبة التقوى. ﴿أَيَّامًا فَعْدُودَاتٍ﴾ أي: معيَّنات بالعدِّ، أو: قليلات؛ لأنَّ القليل يسهل عدُّه (١) صحيح البخاري (١٩٠٥)، وصحيح مسلم (١٤٠٠)، وهو في مسند أحمد (٣٥٩٢). الآية : ١٨٤ ١٢٣ سُؤَةُ الْبَقَة فيعدُّ، والكثير يؤخذ جزافاً. قال مقاتل: كل (معدودات)) في القرآن أو ((معدودة)) دون الأربعين، ولا يقال ذلك لِما زاد. والمراد بهذه الأيام: إما رمضان، واختار ذلك ابن عباس والحسن وأبو مسلم، وأكثر المحققين، وهو أحد قولي الشافعي، فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر أولاً أنه كتب علينا الصيامَ، ثمَّ بيَّنه بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ فزال بعضُ الإبهام، ثمَّ بيَّنه بقوله عزَّ مِنْ قائل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] توطيناً للنفس عليه . واعترض بأنَّه لو كان المراد ذلك، لكان ذكرُ المريض والمسافر تكراراً. وأجيب بأنَّه كان في ابتداء الإسلام(١) صومُ رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية، فحين نُسخ التخيير وصار واجباً على التعيين، كان مظنَّةَ أن يُتوهّم أنَّ هذا الحكمَ يعمُّ الكلَّ حتى يكون المريض والمسافر فيه كالمقيم والصحيح، فأعيد حكمهما تنبيهاً على أنَّ رخصتهما باقيةٌ بحالها لم تتغير كما تغير حكمُ المقيم والصحيح. وإما ما وجب صومُه قبل وجوبه، وهو ثلاثة أيام من كلِّ شهر - وهي الأيام البيض - على ما روي عن عطاء، ونُسب إلى ابن عباس ﴾. أو ثلاثة من كلِّ شهر ويوم عاشوراء، على ما روي عن قتادة. واتفق أهلُ هذا القول على أنَّ هذا الواجب قد نُسخ بصوم رمضان. واستشكل بأنَّ فرضيته إنَّما ثبتت بما في هذه الآية، فإن كان قد عُمل بذلك الحكم مدة مديدة كما قيل به، فكيف يكون الناسخ متصلاً، وإن لم يكن عُمِلَ به لا يصحُّ النسخ إذ لا نَسْخَ قبل العمل. وأجيب: أما على اختيار الأول فبأنَّ الاتصال في التلاوة لا يدلُّ على الاتصال في النزول، وأما على اختيار الثاني فبأنَّ الأصحَّ جوازُ النسخ قبل العمل، فتدبر. وانتصاب ((أياماً)) ليس بالصيام - كما قيل - لوقوع الفصل بينهما بأجنبي، بل بمضمٍ دلَّ هو عليه، أعني: صوموا، إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً . (١) في (م): الابتداء، بدل: ابتداء الإسلام. سُورَةُ الْبَّفَقَة ١٢٤ الآية : ١٨٤ وقيل: منصوب بفعل يستفاد من كاف التشبيه، وفيه بيانٌ لوجه المُمَاثَلة، كأنَّه قيل: كتب عليكم الصيام مماثلاً لصيام الذين من قبلكم في كونه أياماً معدودات، أي: المُمَاثَلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه، وهو تعلّق كلٍّ منهما بمدة غيرِ متطاولة، فالكلام من قبيل زيدٌ كعمرو فقهاً. وقيل: نصب على أنَّه مفعول ثان لـ ((كتب)) على الاتساع. وردّه في ((البحر))(١) بأنَّ الاتساع مبنيٍّ على جواز وقوعه ظرفاً لـ ((كتب)) وذا لا يصح؛ لأنَّ الظرف محلٌّ الفعل، والكتابةُ ليست واقعةً في الأيام، وإنَّما الواقع فيها متعلِّقها وهو الصيام. وأجيب بأنَّه يكفي للظرفية ظرفيةُ المتعلّق كما في ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوْتِ وَاْأَرْضُِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] و[التغابن: ٤] وبأنَّ معنى ((كتب)): فرض، وفرضية الصيام واقعة في الأيام. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾ مرضاً يَعْسُر عليه الصوم معه، كما يُؤْذِنُ به قولُه تعالى فيما بعد: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الُْسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وعليه أكثرُ الفقهاء، وذهب ابنُ سيرين وعطاءٌ والبخاريُّ إلى أنَّ المرخّصَ مطلقُ المرض عملاً بإطلاق اللفظ، وحكي أنَّهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فاعتلَّ بوجع إصبعه(٢). وهو قول للشافعية(٣). ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أو راكبُ سفرٍ مُسْتَعْلٍ عليه متمكِّنٌّ منه بأن اشتغل به قبلَ الفجر، ففيه إيماءٌ إلى أنَّ مَن سافر في أثناء اليوم لم يفطر، ولهذا المعنى أُوثِرَ على: مسافراً. واستدل بإطلاق السفر على أنَّ القصير وسفرَ المعصية مرخّصٌ للإفطار، وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وما يلزمه العسر غالباً، وهو السفر إلى المسافة المقدَّرة في الشرع. (١) البحر المحيط ٣١/٢. (٢) أخرجه الطبري ٢٠٢/٣ - ٢٠٣، وراويه عن ابن سيرين هو طريف بن شهاب؛ قال الذهبي في الميزان ٣٣٦/٢: ضعفه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك. (٣) كذا ذكر، والذي في المجموع ٢٨٣/٦: قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يُلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا. وينظر الأم ٨٩/٢ .. الآية : ١٨٤ ١٢٥ سُورَةُ الْبَقَة ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَبَاءٍ أُخَرِّ﴾ أي: فعليه صومُ عدةِ أيام المرض والسفر من أيام أُخَرَ إن أفطر، وحذف الشرط والمضافان للعلم بهما، أما الشرط فلأنَّ المريض والمسافر داخلان في الخطاب العامٌّ فدلَّ على وجوب الصوم عليهما، فلو لم يتقيَّد الحكم هنا به، لزم أن يصير المرض والسفرُ اللذان هما من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً موجبين للعسر، وأمَّا المضاف الأول: فلأنَّ الكلامَ في الصوم ووجوبه، وأمَّا الثاني فلأنَّه لمَّا قيل: مَن كان مريضاً أو مسافراً فعليه عدَّة، أي: أيام معدودة موصوفة بأنَّها من أيام أخر، عُلم أنَّ المراد: معدودة بعدد أيام المرض والسفر، واستُغني عن الإضافة. وهذا الإفطار مشروع على سبيل الرُّخصة، فالمريض والمسافر إن شاءا صاما وإن شاءا أفطرا، كما عليه أكثرُ الفقهاء. إلا أنَّ الإمام أبا حنيفة، ومالكاً قالا: الصوم أحبُّ، والشافعيُّ وأحمد والأوزاعي قالوا: الفطر أحبُّ. ومذهب الظاهرية: وجوب الإفطار، وأنَّهما إذا صاما لا يصحُّ صومُهما؛ لأنَّه قبل الوقت الذي يقتضيه ظاهر الآية، ونسب ذلك إلى ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة ه، وبه قال الإمامية، وأطالوا بالاستدلال على ذلك بما رووه عن أهل البيت. واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرِّقاً، وأنه ليس على الفور، خلافاً لداود. وعَلَى أنَّ مَن أفطر رمضان كلَّه قضى أياماً معدودة، فلو كان تامًّا لم يُجْزِه شهرٌ ناقص، أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل، خلافاً لمن خالف في الصورتين. واحتَجَّ بها أيضاً مَن قال: لا فدية مع القضاء. وكذا مَن قال: إنَّ المسافر إذا أقام والمريضَ إذا شفي أثناء النهار، لم يلزمهما الإمساك بقيتَه؛ لأنَّه تعالى إنَّما أوجب عدةً من أيام أخر، وهما قد أفطرا، فحُكُم الإفطار باق لهما، ومن حُكْمِه أنْ لا يجب أكثر من يوم، ولو أمرناه بالإمساك ثمَّ القضاء، لأوجبنا بدلَ اليوم أكثر منه، ولا يخفى ما فيه. وقرئ: ((فعدةً بالنصب(١) على أنَّه مفعولٌ لمحذوف، أي: فليَصُمْ عدةً، ومَن قدَّر الشرط هناك قدَّره هنا. (١) الكشاف ٣٣٥/١، والبحر ٣٢/٢. سُورَةُ البَرَة ١٢٦ الآية : ١٨٤ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا ﴿فَدِيَةٌ﴾ أي: إعطاؤها ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هي قَدْرُ ما يأكله كلَّ يوم، وهي نصفُ صاعٍ من برِّ أو صاعٌ من غيره عند أهل العراق، ومدٌّ عندَ أهل الحجاز لكلِّ يوم، وكان ذلك في بدء الإسلام لِمَا أنَّه قد فرض عليهم الصوم وما كانوا متعوِّدين له، فاشتدَّ عليهم فرُخِّص لهم في الإفطار والفدية. أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ والطبرانيُّ وآخرون عن سلمة بن الأكوع ◌َّه قال: لمَّا نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان مَنْ شاء منَّا صام، ومَنْ شاء أَفطر ويفتدي، فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُ الشَّهْرَ فَلَيَصُمْةٌ﴾(١). وقرأ سعيد بن المسيب: (يُطيِّقونه)) بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية(٢). ومجاهد، وعكرمة: ((يَطَّقونه)) بتشديد الطاء والياء الثانية(٣). وكلا القراءتين على صيغة المبني للفاعل على أنَّ أصلَهما يُطَيْوِقونه ويَتَطَيْوَقونه من فَيْعَلَ وتَفَيْعَلَ لا من فَعَّلَ، وتَفَعَّلَ، وإلا لكان بالواو دون الياء؛ لأنَّه من طوَّق وهو واويّ، وقد جعلت الواو ياءً فيهما ثم أدغمت الياء في الياء ومعناهما: يتكلَّفونه. وعائشة : ((يُطوَّقونه))(٤) بصيغة المبني للمفعول من التفعيل، أي: يكلّفونه أو يقلَّدونه من الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة. ورويت الثلاث عن ابن عباس ما أيضاً (٥)، وعنه: ((يتطوّقونه))(٦) بمعنى يتكلَّفونه أو يتقلَّدونه، و((يَطَّوَّقونه)) بإدغام التاء في الطاء(٧). وذهب إلى عدم النسخ (١) صحيح البخاري (٤٥٠٧)، وصحيح مسلم (١١٤٥)، وسنن أبي داود (٢٣١٥)، وسنن الترمذي (٧٩٨)، وسنن النسائي ١٩٠/٤، والمعجم الكبير للطبراني (٦٣٠٢). وأخرجه أحمد (٢٢١٢٤) من حديث معاذ بن جبل ظبه مطولاً . (٢) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢، وابن جني في المحتسب ١١٨/١ لابن عباس. (٣) المحتسب ١١٨/١. (٤) المحتسب ١١٨/١. (٥) المحتسب ١١٨/١. وأخرج الأخيرة عنه البخاري (٤٥٠٥). (٦) القراءات الشاذة ص١١. وذكرها ابن جني في المحتسب ١١٩/١ بدون نسبة. (٧) المحتسب ١١٨/١. الآية : ١٨٤ ١٢٧ سُورَةُ الْجَمَة - كما رواه البخاري وأبو داود(١) وغيرهما - وقال: إنَّ الآيةَ نزلتْ في الشيخ الكبير الهرم، والعجوز الكبيرة الهرمة. ومن الناس مَن لم يقل بالنسخ أيضاً على القراءة المتواترة، وفسّرها: بيصومونه جهدَهم وطاقتهم، وهو مبنيٌّ على أنَّ الوسع: اسم للقدرة على الشيء على وجه السهولة، والطاقة: اسم للقدرة مع الشدة والمشقَّة، فيصير المعنى: وعلى الذين يصومونه مع الشدَّة والمشقّة، فيشمل نحوَ الحبلى والمرضع أيضاً. أو على أنَّه من أطاق الفعل: بلغ غاية طوقه، أو: فرَّغ طوقه فيه. وجاز أن تكون الهمزة للسلب، كأنَّه سُلِبَ طاقته بأن كلَّف نفسَه المجهود فسُلب طاقته عند تمامه، ويكون مبالغة في بذل المجهود؛ لأنَّه مشارفٌ لزوال ذلك كما في ((الكشف)). والحقُّ أنَّ كلَّ من القراءات يمكن حملُها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا يحتمله، ولکِّ ذهب بعض. وروي عن حفصة أنَّها قرأت: ((وعلى الذين لا يطيقونه))(٢). وقرأ نافع وابن عامر بإضافة الفدية إلى الطعام وجمع المسكين(٣)، والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه كـ : خاتم فضة؛ لأنَّ طعام المسكين يكون فدية وغيرها، وجمع المسكين لأنَّه جُمع في ((وعلى الذين يطيقونه)) فقابَلَ الجمع بالجمع، ولم يَجمع ((فدية))؛ لأنَّها مصدرٌ والتاء فيها للتأنيث لا للمرَّة، ولأنَّه لَمَّا أضافها إلى مضاف إلى الجمع فُهِم منها الجمع. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بأن زاد على القَدْر المذكور في الفدية، قاله مجاهد. أو زاد على عدد مَن يلزمه إطعامُه، فيطعم مسكينين فصاعداً، قاله ابن عباس. أو جَمَع بين الإطعام والصوم، قاله ابن شهاب. (١) صحيح البخاري (٤٥٠٥)، وسنن أبي داود (٢٣١٨). (٢) ذكرها النسفي في تفسيره ٩٤/١. (٣) التيسير ص٧٩، والنشر ٢٢٦/٢، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر من العشرة، وهي رواية ابن ذكوان عن ابن عامر أما رواية هشام عنه فهي بالتنوين ورفع الميم وجمع المسكين. سُورَةُ الَرَة ١٢٨ الآية : ١٨٥ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ أي: التطوُّع، أو الخير الذي تطوَّعه. وجَعَل بعضهم الخير الأول مصدر: خِرْتَ يا رجل وأنت خائر، أي: حَسَن، والخير الثاني اسم تفضيل، فيفيد الحمل أيضاً بلا مرية. وإرجاع الضمير إلى ((مَن)) أي: فالمتطوِّع خيرٌ من غيره لأجل التطوُّع، لا يخفى بعده. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أي: أيُّها المُطيقون المقيمون الأصحَّاء، أو المطوَّقون من الشيوخ والعجائز، أو المرخّصون في الإفطار من الطائفتين والمرضى والمسافرين، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب جبراً لكلفة الصوم بلذَّة المخاطبة. وقرأ أبيّ: ((والصيام))(١). ﴿غيّرٌ لَكُمْ﴾ من الفدية أو تطوُّع الخير على الأوَّلين، أو منهما ومن التأخير للقضاء على الأخير. ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (3)﴾ ما في الصوم من الفضيلة، وجواب ((إن)) محذوفٌ ثقةً بظهوره، أي: اخترتموه. وقيل: معناه: إن كنتم من أهل العلم علمتم أنَّ الصوم خيرٌ لكم من ذلك، وعليه تكون الجملة تأكيداً لخيرية الصوم، وعلى الأول تأسيساً. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأ خبره الموصول بعده، ويكون ذكرُ الجملة مقدِّمةً لفرضية صومه بذكر فضله. أو ((فمَن شهد))، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط؛ لكونه موصوفاً بالموصول. أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلكم الوقتُ الذي كتب عليكم الصيام فيه، أو: المكتوبُ شهر رمضان. أو بدلٌ من الصيام بدلَ كلِّ بتقديرِ مضاف، أي: كُتب عليكم الصيام صيامُ شهر رمضان، وما تخلَّل بينهما من الفصل متعلِّقٌ بـ ((كُتب)) لفظاً أو معنى، فليس بأجنبي مطلقاً، وإن اعتبرتَه بدلَ اشتمال استغنيتَ عن التقدير، إلا أنَّ كون الحكم السابق - وهو فرضية الصوم - مقصوداً بالذات، وعدم کون ذكر المبدل منه مشوقاً إلى ذكر البدل، يُبْعِدُ ذلك. وقرئ: ((شهرَ) بالنصب(٢) على أنه مفعولٌ لـ ((صوموا)) محذوفاً. وقيل: إنَّه مفعولُ ((وأن تصوموا)). وفيه لزومُ الفصل بين أجزاء المصدرية بالخبر. وجوِّز أن (١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣٣٥/١. (٢) القراءات الشاذة ص ١٢. الآية : ١٨٥ ١٢٩ سُورَةُ الََّفَة يكون مفعول ((تعلمون» بتقدير مضاف، أي: شرفَ شهرِ رمضان، ونحوه. وقيل: لا حاجة إلى التقدير، والمراد: إنْ كنتم تعلمون نفسَ الشهر ولا تشكُّون فيه، وفيه إيذانٌ بأنَّ الصوم لا ينبغي مع الشك، وليس بشيء كما لا يخفى. والشهر: المدة المعيّنة التي ابتداؤها رؤيةُ الهلال، ويُجمع في القلّة على أشهرٍ، وفي الكثرة على شهور، وأصلُه من شَهَر الشيء: أظهره، وهو لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات صار مشهوراً بين الناس. ورمضان: مصدرُ رَمِضَ بكسر العين: إذا احترق، وفي شمس العلوم(١): من المصادر التي يشترك فيها الأفعال: فَعَلان بفتح الفاء والعين، وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب والاضطراب، كالخَفَقان والعَسَلان واللَّمَعان. وقد جاء لغير المجيء والذهاب كما في شَنِئْتُه شنآناً: إذا بغَضْته. فما في ((البحر)) من أنَّ كونه مصدراً يحتاج إلى نقلٍ، فإنَّ فَعَلاناً ليس مصدرَ فَعِلَ اللازم، فإن جاء شيء منه كان شاذًّا، فالأَوْلى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً (٢)= ناشئ عن قلَّة الاطّلاع. والخليل يقول: إنَّه من الرَّمْض - مسكّن الميم - وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهّر وجه الأرض عن الغبار(٣). وقد جُعل مجموعُ المضاف والمضاف إليه عَلَماً للشهر المعلوم، ولولا ذلك لم يَحْسُنْ إضافة ((شهر)) إليه، كما لا يحسن: إنسان زيد، وإنَّما تصحُّ إضافة العامِّ إلى الخاصِّ إذا اشْتَهَر كونُ الخاصِ من أفراده، ولهذا لم يسمع: شهر رجب، وشهر شعبان، وبالجملة فقد أطبقوا على أنَّ العَلَم في ثلاثة أشهر مجموعُ المضاف والمضاف إليه: شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الثاني، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه، وقد نظم ذلك بعضهم فقال: (١) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان بن سعيد الحميري المتوفى سنة (٥٧٣هـ)، والكلام فيه ٣٨/١. (٢) البحر ٢٦/٢. (٣) كتاب العين ٣٩/٧. سُورَةُ النَّبَةُ ١٣٠ الآية : ١٨٥ إلّا لِمَا أَوَّلُه الرّا نَاذْرِ ولا تُضِفْ شَهْراً إلى اسمٍ شهر لأَنَّه فِيْما رَوَوه ما سُمِغْ واسْتَثْنٍ منها رَجَباً فَيَمْتَنِعْ ثمَّ في الإضافة يُعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع اللام ووجوبها حال المضاف إليه، فيمتنع في مثلٍ: شهر رمضان وابن دأية، من الصرف ودخول اللام. وينصرف في مثل: شهر ربيع الأول، وابن عباس. ويجب اللام في مثل: امرئ القيس؛ لأنَّه وقع جزءاً حالَ تحليته باللام. ويجوز في مثل: ابن عباس، أما دخولُه فلِلَمْحِ الأصل، وأمَّا عدمُه فلتجرُّده في الأصل، وعلى هذا فنحوُ: مَن صام رمضان، مِن حَذْفِ جُزْءِ العَلَمِ لعدمِ الإلباس. کذا قیل، وفيه بحث: أمّا أولاً: فلأِنَّ إضافة العامِّ إلى الخاصِّ مرجعُها إلى الذوق، ولهذا تَحْسُن تارةً كشجر الأراك، وتقبح أخرى كإنسان زيد، وقبحُها في شهر رمضان لا يعرفه إلا مَن تغيَّر ذوقُه من أثر الصوم. وأمَّا ثانياً: فإنَّ قولهم: لم يُسمع شهر رجب إلخ، مما سمع بين المتأخِّرين ولا أصل له، ففي ((شرح التسهيل)) جوازُ إضافة ((شهر)) إلى جميع أسماء الشهور، وهو قول أكثر النحويين، فادِّعاءُ الإطباق غيرُ مُطْبَقٍ عليه. ومنشأ غلط المتأخرين ما في [شرح] ((أدب الكاتب)) من أنَّه اصطلاح الكتَّاب، قال: لأنَّهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمرَ ◌َُه، وجعلوا أولَ السنة المحرم، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهراً إلا مع رمضان والربيعين(١). فهو أمر اصطلاحيٌّ لا وَضْعيٍّ لُغويٌّ، ووجهه في رمضان موافقةُ القرآن، وفي ربيع الفصل عن الفصل(٢)، ولذا صحّح سيبويه(٣) جوازَ إضافة الشهر إلى جميع أسماء الشهور، وفرَّق بين ذِكْره وعَدَمِه بأنَّه حيث ذُكر لم يُفد العموم وحيث حُذف أفاده، وعليه يظهر الفرق بين إنسان زيد وشهر رمضان، ولا یغُّ هلال ذلك. (١) الكلام في الاقتضاب في شرح أدب الكتاب للبطليوسي ١٩٨/١ - ١٩٩. (٢) أي: لئلا يلتبس بفصل الربيع. حاشية الشهاب ٢٧٨/٢، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في الكتاب ٢١٧/١. الآية : ١٨٥ ١٣١ سُورَةُ الْبَّهُوَة وأما ثالثاً: فلأنَّ قوله: ثم في الإضافة ... إلخ، مما صرَّح النحاة بخلافه، فإنَّ ابن دأية سمع مَنْعُه وصَرْفُه كقوله: ولَمَّا رأيتُ النَّسْرَ عزَّ ابنَ دايةٍ وعشَّش في وَكْرَیه جاشَ له صدري(١) قالوا: ولكلٍّ وجهٌ، أما عدم الصَّرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمةً بالتسمية، فكان كطلحة مفرداً وهو غير منصرف، وأما الصرف فلأنَّ المضاف إليه في أصله اسمُ جنس، والمضاف كذلك، وكلٌّ منهما بانفراده ليس بعَلَم، وإنَّما العَلَمُ مجموعُهما فلا يؤثِّر التعريف فيه، ولا يكون لمنع الصرف مدخلٌ فليحفظ. وبالجملة: المعوَّل عليه أنَّ رمضان وحده عَلَم، وهو عَلَمُ جنسٍ لِمَا علمتَ، ومنع بعضهم أن يقال: ((رمضان)) بدون ((شهر))؛ لما أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عديّ، والبيهقيُّ، والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً: ((لا تقولوا رمضان؛ فإنَّ رمضان اسمٌ من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان))(٢) وإلى ذلك ذهب مجاهد. والصحيح الجواز، فقد روي ذلك في الصحيح(٣)، والاحتياط لا يخفى. وإنَّما سمي الشهر به؛ لأنَّ الذنوب تُرمض فيه (٤)؛ قاله ابن عمر. وروى ذلك (١) البيت للكميت بن زيد، وهو في ديوانه ص٢٣٦، والفاضل للمبرد ص ٤٧، والخزانة ٦/ ٤٥٧ . وهو دون نسبة في تهذيب اللغة ٨/ ٥٠، ومقاييس اللغة ٣٩/٤. أراد بالنسر الشيب، شبهه به لبياضه، وشبه الشباب بابن دأية، وهو الغراب الأسود، لأن شعر الشباب أسود. اللسان (لغز). (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣١٠ موقوفاً، والمرفوع في الكامل ٢٥١٧/٧، وسنن البيهقي ٢٠١/٤، ومسند الفردوس ٥٢/٥ (٧٤٣٣). وفي إسناده أبو معشر نجيح المدني. قال فيه البخاري كما في ميزان الاعتدال ٢٤٦/٤: منكر الحديث. وقال ابن كثير عن تفسير هذه الآية: أبو معشر إمام في المغازي والسير، لكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعاً عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي، وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث. (٣) ينظر حديث أبي هريرة به عند أحمد (٩٥٠١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٩). وحديث أبي هريرة أيضاً عند أحمد (٨٦٨٤)، والبخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩)، وفيه ((إذا جاء رمضان ... )) وينظر تفسير القرطبي ١٥١/٣ وما بعدها. (٤) أي: تُحرق؛ قال القرطبي ٣/ ١٥٠: سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها بالأعمال الصالحة. سُورَةُ الْبَقَة ١٣٢ الآية : ١٨٥ أنسٌ وعائشةُ مرفوعاً إلى النبي ◌ََّ(١). وقيل: لوقوعه أيام رمض الحرِّ، حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، وكان اسمه قبلُ ناتقاً، ولعلَّ ما روي عنه وَّهِ مبِيِّنٌ لما ينبغي أن يكون وجهُ التسمية عند المسلمين، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير على ما هو الظاهر. ﴿الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ أي: ابتُدئ فيه إنزالُه، وكان ذلك ليلةَ القَدْر، قاله ابن اسحاق. وروي عن ابن عباس ﴿ وابن جبير والحسن: أنَّه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا، ثمَّ نزل منجَّماً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ﴾. وأخرج الإمام أحمد والطبرانيُّ من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي وَّ أنَّهـ قال: ((نزلتْ صُحُفُ إبراهيمَ أول ليلةٍ من رمضان، وأنزلتْ التوراةُ لستُّ مَضَين، والإنجيل لثلاثَ عشرة، والقرآن لأربعٍ وعشرين))(٢) . ولمَّا كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبةٌ عظيمة، كان هذا الشهر المختصُّ بنزولها مختصًّا بالصوم الذي هو نوعٌ عظيمٌ من آيات العبودية، وسببٌ قويٌّ في إزالة العلائق البشريّة المانعة عن إشراق الأنوار الصَّمَدية. ﴿هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ حالان لازمان من القرآن، والعامل فيهما ((أنزل)) أي: أنزل وهو هدايةٌ للناس بإعجازه المختصِّ به - كما يُشعر بذلك التنكير - وآياتٌ واضحاتٌ من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحقِّ، والفارقةِ بين الحقِّ والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك جَعْلُه بِيّنات منها، فهو هادٍ بواسطة أمرين: مختصٍّ وغيرٍ مختصٍّ، فالهدى ليس مكرراً. (١) أخرجه من حديث أنس به مرفوعاً القزويني في أخبار قزوين ٢٤٢/٢. وينظر الدر المنثور ١٨٣/١. (٢) مسند أحمد (١٦٩٨٤)، والطبراني في الكبير ١٨٥/٢٢، وفي الأوسط ٣٧٥٢، وإسناده ضعيف. الآية : ١٨٥ ١٣٣ سُورَةُ الْبَقَة وقيل: مكرَّرٌ تنويهاً وتعظيماً لأمره، وتأكيداً لمعنى الهداية فيه كما تقول: عالم نحرير. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الثَّهَرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ (مَنْ)) شرطية أو موصولة، و((الفاء)) إما جواب الشرط، أو زائدةٌ في الخبر، و((منكم)) في محلِّ نصب على الحال من المستكنِّ في (شَهِدَ))، والتقييد به لإخراج الصبيِّ والمجنون. (شهد)): من الشهود، والتركيبُ يدلُّ على الحضور إما ذاتاً أو عِلْماً، وقد قيل بكلِّ منهما هنا، و ((الشهر)) على الأول مفعول فيه، والمفعولُ به متروٌ لعدم تعلُّق الغرض به، فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء، وعلى الثاني مفعول به بحذف المضاف، أي: هلالَ الشهر، فـ ((أل)) فيه على التقديرين للعهد. ووُضع المُظْهَرُ موضع المُضْمَرِ للتعظيم، ونُصب الضمير المتصل في ((يَصُمْه)) على الاتِّساع؛ لأنَّ صام لازم، والمعنى: فمَن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه، أو: مَنْ علم هلال الشهر وتيقَّن به فليصم، ومَفادُ الآية على هذا عدمُ وجوب الصوم على مَن شكَّ في الهلال، وإنَّما قدِّر المضاف لأنَّ شهود الشهر بتمامه إنَّما يكون بعد انقضائه، ولا معنى لترتّب وجوب الصوم فيه بعد انقضائه، وعليه يكون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَمِدَةٌ مِنْ أَبَاءٍ أُخَرُّ﴾ مخصِّصاً بالنظر إلى المريض والمسافر كليهما، وعلى الأول مخصِّصٌ بالنظر إلى الأول دون الثاني، وتكريره حينئذ لذلك التخصيص، أو لئلا يُتوهّم نسخُه كما نسخ قرينه، والأول - كما قيل - على رأيٍ مَن شَرَطَ في المخصِّص أن يكون متراخياً موصولاً، والثاني على رأي مَن جوَّز كونه متقدماً وهذا بجعل المخصِّص هو الآية السابقة، وما هنا لمجرد دفع(١) التوهم. ورُجِّح المعنى الأول من المعنيين بعدم الاحتياج إلى التقدير، وبأنَّ الفاء في ((فمن شهد)» عليه وقعت في مخْرها (٢) مفصّلة لِمَا أُجْمِلَ في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ من وجوب التعظيم المستفاد مما في أثره على كلِّ مَن أدركه، ومُدْرِكُه إما حاضرٌ أو مسافر، فمَن كان حاضراً فحُكْمُه كذا إلخ، ولا يحسن أن يقال: مَنْ (١) في الأصل: ((رفع)). (٢) أي: مكانها. ينظر اللسان (مخر). سُورَةُ الْبَقَة ١٣٤ الآية : ١٨٥ علم الهلال فليصم، ومَن كان مريضاً أو على سفر فليقض، لدخول القسم الثاني في الأول، والعاطف التفصيلي يقتضي المغايرة بينهما، كذا قيل، لكن ذكر المريض يقوِّي كونَه مخصِّصاً لدخوله فيمَن شهد على الوجهين، ولذا ذهب أكثر النحويين إلى أنَّ الشهر مفعول به، فالفاء للسببية أو للتعقيب، لا للتفصيل. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بهذا الترخيص ﴿يِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لغاية رأفته وسعة رحمته. واستدل المعتزلةُ بالآية على أنَّه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى، وذلك لأنَّ المريض والمسافر إذا صاما حتى أجهدهما الصومُ، فقد فعلا خلاف ما أراده الله تعالى؛ لأنَّه أراد التيسير ولم يقع مراده. ورُدَّ بأنَّ الله تعالى أراد التيسير وعدمَ التعسير في حقّهما بإباحة الفطر، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عزَّ شأنه: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ من غير تخلف، وفي (البحر)): تفسير الإرادة هنا بالطلب(١)، وفيه أنَّه التزام لمذهب الاعتزال من أنَّ إرادته تعالى لأفعال العباد عبارةٌ عن الأمر. وأنَّه تعالى ما طلب منا اليسرَ بل شرعه لنا. وتفسير ((اليسر)) بما يسر بعيد. وقرأ أبو جعفر: ((الْيُسُر)) و: ((العُسُر)) بضمتين(٢). ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ عِلَلٌ لفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ إلخ، أي: وشَرَعَ لكم جملةً ما ذُكر من أمرِ الشاهد بصوم الشهر، المستفادِ من قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُنّةٌ﴾، وأمرِ المرشّص له بالقضاء كيفما كان متواتراً أو متفرِّقاً، وبمراعاة عدَّة ما أفطره من غير نقصان فيه، المستفادين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اٌلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، أو من قوله تعالى: ﴿فَعِذَّةٌ﴾ إلخ- لتكملوا، إلخ. والأول علَّةُ الأمر بمراعاة عدَّة الشهر، بالأداء في حال شهود الشهر، وبالقضاء في حال الإفطار بالعذر، فيكون علَّةً لمعلَّلين، أي: أمرناكم بهذين الأمرين لتكملوا (١) البحر المحيط ٢/ ٤٢. (٢) النشر ٢٢٦/٢. الآية : ١٨٥ ١٣٥ سُورَةُ الْبَََ عدة الشهر بالأداء والقضاء، فتحصِّلوا خيراته، ولا يفوتكم شيء من بركاته، نقصت أيامه أو كملت. ((ولتكبروا الله)) علة الأمر بالقضاء وبيانٍ كيفيته، ((ولعلكم تشكرون)) علَّة الترخيص والتيسير، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى أنَّ هذا المطلوب بمنزلة المرجوّ لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله، وهو ظهور كون الترخيص نعمة، والمخاطب موقنٌ بكمال رأفته وكرمه، مع عدم فوات بركات الشهر. وهذا نوعٌ من اللَّف لطيف المسلك قلَّما يُهْتَدَى إليه؛ لأنَّ مقتضى الظاهر تركُ الواو لكونها عملاً لِمَا سبق، ولذا قال مَن لم يبلغ درجةَ الكمال: إنَّها زائدة، أو عاطفةٌ على علَّة مقدَّرة، ووجه اختياره: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلِمَا فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف؛ لأنَّ الفعل المقدَّر لكونه مشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينةً عليه مع بقاء التعلیل بحاله، ولكونه مغايراً له بالإجمال والتفصيل يصحُّ عطفه عليه. وفي ذكر الأحكام تفصيلاً أولاً وإجمالاً ثانياً، وتعليلها من غير تعيينٍ ثقةً على فهم السامع بأن يلاحظها مرَّة بعد أخرى، ويردّ كلَّ علَّة إلى ما يليق به، ما لا يخفى من الاعتناء. وجوِّز أن تكون عملاً لأفعال مقدَّرةٍ كلُّ فعل مع علَّة، والتقدير: ((ولتكملوا العدة)) أوجب عليكم عدَّة أيام أخر ((ولتكبروا الله على ما هداكم)) علَّمكم كيفية القضاء ((ولعلكم تشكرون)) رشخّصكم في الإفطار. وإن شئتَ جَعَلْتَها معطوفة على علَّة مقدَّرة، أي: ليسهّل عليكم، أو: لتعلموا ما تعملون، ولتكملوا إلخ، وجعلتَ المجموع علَّةً للأحكام السابقة: إمّا باعتبار أنفسها، أو باعتبار الإعلام بها، فقوله: ليسهِّل أو لتعلموا، علَّةٌ لما سبق باعتبار الإعلام، وما بعده علَّة للأحكام المذكورة كما مرّ. ولك أن لا تقدِّر شيئاً أصلاً وتجعلَ العطف على ((اليسر))، أي: ويريد بكم لتكملوا إلخ، واللام زائدةٌ مقدَّرةٌ بعدها أنْ، وزيدت - كما قيل - بعد فعل الإرادة تأكيداً له؛ لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، وقيل: إنَّها بمعنى أنْ كما في الرضيّ. إلا أنَّه يلزم على هذا الوجه أن يكون ((ولعلكم تشكرون)» عطفاً سُورَةُ الَرَة ١٣٦ الآية : ١٨٥ على ((يريد)؛ إذ لا معنى لقولنا: يريد لعلكم تشكرون، وحينئذٍ يحصل التفكيك بين المتعاطفات، وهو بعید. ولاستلزام هذا الوجه ذلك، وكثرةِ الحذف في بعض الوجوه السابقة، وخفاء بعضها، عدلَ بعضُهم(١) عن الجميع، وجعل الكلام من الميل مع المعنى؛ لأنَّ ما قبله علةٌ للترخيص، فكأنَّه قيل: رَخَّص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسرَ دون [العسر] ولتكملوا إلخ. ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم. والمراد من التكبير: الحمدُ والثناءُ مجازاً لكونه فرداً منه، ولذلك عُدِّي بـ ((على))، واعتبارُ التضمين، أي: لتكبروا حامدين، ليس بمعتبر؛ لأنَّ الحمد نفسُ التكبير، ولكونه على هذا عبادة قولية ناسب أن يعلَّل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمةٌ قوليَّة أيضاً. وأخرج ابن المنذر(٢) وغيرُه عن زيد بن أسلم أنَّ المراد به التكبير يوم العيد. وروي عن ابن عباس ظًّا: أنَّه التكبير عند الإهلال. وأخرج ابن جرير(٣) عنه أنه قال: حقّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ﴾. وعلى هذين القولين لا يلائم تعليل الأحكام السابقة. و((ما)) يحتمل أن تكون مصدريَّة، وأن تكون موصولة، أي: الذي هداكموه، أو هداکم إليه . والمراد من الشكر ما هو أعمُّ من الثناء، ولذا ناسَبَ أن يُجعل طلبه تعليلاً للترخيص الذي هو نعمة فعلية. وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((ولتكمِّلوا)) بالتشديد(٤). ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ في تلوين الخطاب مع توجيهه لسيِّد ذوي الألباب عليه (١) هو الشهاب في الحاشية ٢٧٩/٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) كما في الدر المنثور ١٩٤/١، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٣١٤/١. (٣) في تفسيره ٢٢٢/٣. (٤) التيسير ص٧٩، والنشر ٢٢٦/٢. وهي قراءة يعقوب من العشرة. الآية : ١٨٦ ١٣٧ سُورَةُ الْبَرَة الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ورفعٍ المحل. ﴿عَنِّىَ﴾ أي: عن قُرْبي وبُعْدي، إذ ليس السؤال عن ذاته تعالى. ﴿فَإِنِ قَرِيبٌ﴾ أي: فقل لهم ذلك بأن تخبر عن القرب بأيِّ طريق كان، ولا بد من التقدير؛ إذ بدونه لا يترتَّب على الشرط، ولم يصرَّح بالمقدَّر كما في أمثاله؛ للإشارة إلى أنه تعالى تكفَّل جوابَهم ولم يَكِلْهم إلى رسوله وَّه، تنبيهاً على كمال لطفه . والقرب حقيقةٌ في القرب المكاني المنزَّوِ عنه تعالى، فهو استعارةٌ لِعِلْمِه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على سائر أحوالهم، وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الله بن أحمد عن أبيّ قال: قال المسلمون: يا رسول الله، أقریب ربُّنا فتُناجِيَه، أم بعيدٌ فننادِيَه؟ فأنزل الله الآية(١). ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ دليلٌ للقرب وتقريرٌ له، فالقطعُ لكمال الاتصال، وفيه وعدُ الداعي بالإجابة في الجملة على ما تشير إليه كلمة ((إذا)) لا كلِّياً، فلا حاجة إلى التقييد بالمشيئة المؤذن به قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١] ولا إلى أنَّ القول بأنَّ إجابة الدعوة غيرُ قضاء الحاجة؛ لأنَّها قوله سبحانه وتعالى: لَيَّيك يا عبدي، وهو موعودٌ موجود لكلِّ مؤمن يدعو. ولا إلى تخصيص الدعوة بما ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أو الداعي بالمطيع المُخْبِتِ. نعم كونه كذلك أرجى للإجابة، لاسيما في الأزمنة المخصوصة، والأمكنة المعلومة، والكيفية المشهورة، ومع هذا قد تتخلَّف الإجابة مطلقاً، وقد تتخلف إلى بدل، ففي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسولُ الله ◌َلتر: ((ما من مسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحم إلا أعطاهُ اللهُ تبارك وتعالى إحدى ثلاث: إمَّا أن (١) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر المنثور، والذي في الزهد لأحمد ص٨٦ من طريق سفيان بن عيينة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن كعب قال: قال موسى: يارب، أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ قال: يا موسى، أنا جليس من ذكرني. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة ٢١٢/١٣، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٤٢، والبيهقي في الشعب (٦٨٠) من طريق سفيان به. والحديث الذي ذكره المصنف أخرجه ابن حبان في الثقات ٤٣٦/٨، والطبري ٢٢٣/٣، وابن أبي حاتم ٣١٤/١ من حديث معاوية بن حيدة سُورَةُ الْبَقَة ١٣٨ الآية : ١٨٧ يعجِّل له دعوتَه، وإمَّا أن يدَّخرَ له، وإما أن يكفّ عنه من السوء مثلها))(١) وسيأتي تحقیقُ ذلك إن شاء الله تعالى. ﴿فَلَسْتَجِيبُواْ لِ﴾ أي: فليطلبوا إجابتي لهم إذا دعوني، أو: فليجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. واستجاب وأجاب واحد، ومعناه: قطع مسألته بتبليغه مرادَه، من الجوب بمعنى القطع، وهذا ما عليه أكثرُ المفسرين، ولا يُغْني عنه ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِ﴾ لأنَّه أمر بالثبات والمداومة على الإيمان. ﴿لَمَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾﴾ أي: يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم، وأصلُ الباب إصابة الخير، وقرئ بفتح الشين وكسرها(٢). ولمَّا أمرهم سبحانه وتعالى بصوم الشهر ومراعاة العِدَّة، وحثَّهم على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنَّه تعالى خبيرٌ بأفعالهم، سميعٌ لأقوالهم، مُجازيهم على أعمالهم، تأكيداً له وحثاً عليه. أو أنَّه لمَّا نسخ الأحكام في الصوم، ذكر هذه الآيةَ الدالَّةَ على كمال علمه بحال العباد، وكمال قدرته عليهم، ونهاية لطفه بهم في أثناء نسخ الأحكام، تمكيناً لهم في الإيمان، وتقريراً لهم على الاستجابة، لأنَّ مقام النسخ من مظانِّ الوسوسة والتزلزل. فالجملة على التقديرين اعتراضية بين كلامين متصلين معنًى، أحدهما ما تقدَّم، والثاني قولُه سبحانه وتعالى: ﴿أُجَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَيْكُمْ﴾ أخرج أحمد وجماعةٌ عن كعب بن مالك قال: كان الناسُ في رمضان إذا صام الرجلُ فنام حَرُمَ عليه الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفْطِر من الغد، فرجع عمرُ بن الخطاب ﴿ُه من عند النبيِ وَّ ذاتَ ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأيقظها وأرادها، فقالت: إنِّي قد نمت، فقال: ما نِمْتٍ، ثمَّ وقع بها، وصنع كعبُ بنُ مالك مثلَ ذلك، فغدا عمرُ بن (١) أخرجه أحمد (١١١٣٣). (٢) القراءات الشاذة ص١٢. الآية : ١٨٧ ١٣٩ سُورَةُ الَّنَة الخطاب وعظ ◌ُبه إلى النبيِّ وَّل﴿ فأخبره فنزلت(١). وفي رواية ابن جرير عن ابن عباس : بينما هو نائم إذ سؤَّلت له نفسه، فأتى أهلَه ثمَّ أتى رسولَ الله وَّه، فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله تعالى وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنَّها زيَّنتْ لي فواقعتُ أهلي، هل تجدُ لي من رخصة؟ قال: ((لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر)) فلمَّا بلغ بيتَه أرسل إليه فأنبأه بعُذْرِه في آية من القرآن، وأمر الله تعالى رسولَه أن يضعَها في المئة الوسطى من سورة البقرة، فقال: ﴿أُحِلَ لَكُ﴾ إلخ(٢). وليلةُ الصيام: الليلة التي يصبح منها صائماً، فالإضافة لأدنى مُلابَسَةٍ، والمراد بها الجنس، وناصِبُها «الرفث)) المذكور، أو المحذوفُ الدالُّ هو عليه بناءً على أنَّ المصدر لا يعمل متقدماً، وجوِّز أن يكون ظرفاً لـ «أُحِلَّ)؛ لأنَّ إحلالَ الرفث في ليلة الصيام وإحلالَ الرفث الذي فيها متلازمان. والرفث: من رَفَثَ في كلامه وأَرْفَثَ وتَرَفَّثَ: أَفْحَشَ وأَفْصَحَ بما يُكْنَى عنه، والمراد به هنا الجماع؛ لأنَّه لا يكاد يخلو من الإفصاح، وما روي عن ابن عباس ﴿ًّا أنَّه أنشد وهو مُخْرِمٌ: وهنَّ يمشينَ بنا هَمِيْسَا إنْ تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا فقيل له: أرفئت؟ فقال: إنَّما الرفث ما كان عند النساء(٣). فالرفث فيه يحتمل أن يكون قولاً وأن يكونَ فعلاً . والأصل فيه أن يتعدَّى بالباء، وعدِّي بإلى لتضمُّنه معنى الإفضاء، ولم يجعل من أول الأمر كناية عنه لأنَّ المقصود هو الجماع فقصرت المسافة، وإيثاره ها هنا على ما كُني به عنه في جميع القرآن من التغشية والمباشرة واللمس والدخول ونحوِها استقباحاً لِمَا وجد منهم قبل الإباحة، ولذا سماه اختياناً فيما بعد. (١) مسند أحمد (١٥٧٩٥)، وتنظر شواهده في حاشية المسند. (٢) تفسير الطبري ٢٣٧/٣، وإسناده ضعيف. (٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٥ - تفسير)، والطبري ٤٥٨/٣ - ٤٥٩، والهميس: هو صوت نقل أخفاف الإبل. اللسان (همس). سُورَةُ الْبَقَة ١٤٠ الآية : ١٨٧ والنساء جمع نسوة، فهو جمع الجمع، أو جمع امرأة على غير اللفظ، وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص؛ إذ لا يحل الإفضاء إلا لمن اختصَّ بالمفضي إمَّا بتزويج أو ملك. وقرأ عبد الله: ((الرُّفُوتُ))(١). ﴿هُنَّ لِيَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ أي: هنَّ سكنٌّ لكم وأنتم سكنٌّ لَهنَّ؛ قاله ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق وأنشد ◌ًا - لمَّا قال له: هل تعرف العرب ذلك؟ - قول الذبياني: إذا ما الضَّجيعُ ثنى عطفَهُ تَثَنَّتْ عليه فكانتْ لباسا(٢) ولمَّا كان الرجلُ والمرأةُ يتعانقان ويشتمل كلٌّ منهما على صاحبه، شُبِّه كلُّ واحد بالنظر إلى صاحبه باللباس، أو لأنَّ كلَّ واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه عن الفجور، وقد جاء في الخبر: (مَن تزوَّج فقد أَخْرزَ ثلثي دينه))(٣). والجملتان مستأنفتان استئنافاً نحويًّا، والبيانيُّ يأباه الذوق، ومضمونهما بيانٌ لسبب الحكم السابق، وهو قلَّة الصبر عنهنَّ كما يستفاد من الأولى، وصعوبةٌ اجتنابهن كما تفيده الثانية، ولظهور احتياج الرجل إليهن وقلّة صبره قدَّم الأولى، وفي الخبر: ((لا خير في النساء ولا صبر عنهنَّ، يَغْلِيْن كريماً ويغلبهنَّ لئيم، وأحبُّ أن أكونَ كريماً مغلوباً، ولا أحبُّ أن أكونَ لتيماً غالباً))(٤). (١) ذكرها الطبري في تفسيره ٢٢٩/٣، وأبو حيان في البحر ٤٨/٢. (٢) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ١٩٨/١، وعنه نقل المصنف. والصواب في البيت أنه للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٨١، والشعر والشعراء ٢٩٥/١، وتهذيب اللغة ٤٤٤/١٢، واللسان (لبس)، ووقع في الدر واللسان: عِظْفَها، وفي الديوان والشعر والشعراء: جيدها . (٣) أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٦١٢/٢، من حديث أنس بلفظ: ((فقد أحرز نصف دينه)). وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَر: اهـ. وأخرج الحاكم ١٦١/٢ من حديث أنس ◌َته وصححه ((من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني)). (٤) لم نقف عليه، وأخرج ابن عساكر في تاريخه ٤٤٨/١٩ عن معاوية ﴿به أنه قال: يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام.