Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ٣
٤٠١
سُورَةُ النَّصْرِ
وللإشارة إلى قصور العابد عن الإتيان بما يليقُ بجلال المعبود وإن بذلَ
المجهودَ، شُرِعَ الاستغفارُ بعد كثيرٍ من الطاعات، فذكروا أنه يُشرَعُ لمصلِّي
المكتوبة أن يستغفرَ عَقِبَها ثلاثاً، وللمتهجِّدِ في الأسحار أن يستغفرَ ما شاء الله
تعالى، وللحاجِّ أن يستغفرَ بعد الحجّ، فقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وروي أنه يُشرَعُ لختم الوضوء. وقالوا: يُشرَعُ لختم كلِّ مجلسٍ، وقد
كان 9 يقول إذا قام من المجلس: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب
إليك)»(١) .
ففي الأمر بالاستغفار رمزٌ من هذا الوجه على ما قيل إلى ما فُهِمَ من النَّعي،
والمشهورُ أنَّ ذلك للدلالة على مُشارفة تمام أمر الدعوة، وتكامل أمر الدين،
والكلامُ وإن كان مشتملاً على التعليق لكنَّ ذلك واقعٌ في معرِض الوعد، ووعدُ
الكريم يدلُّ على قُرْبِ الموعود به، لأنَّ أهنى البرِّ عاجله، ولذا قال البلغاء:
جعل الله عُمُرَ عِدَاتك، كعمر عُدَاتِكَ(٢).
وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار، قيل: على طريقة النزول من الخالق
إلى الخلق، كما قيل: ما رأيتُ شيئاً إلا ورأيتُ الله تعالى قبله؛ لأنَّ جميع الأشياء
مرايا لِتَجلِّيه جلَّ جلاله، وذلك لأنَّ في التسبيح والحمد توجُّهاً بالذات لجلال
الخالق وكماله، وفي الاستغفار تَوَجُّهاً بالذات لحال العبد وتقصيراته.
ويجوز أن يكون تأخيرُ الاستغفار عنهما لما أشرنا إليه في مشروعية تعقيب
العبادة بالاستغفار. وقيل: في تقديمها عليه تعليمُ أدب الدعاء، وهو أن لا يسأل
فجأة من غير تقديم الثناء على المسؤول منه (٣).
﴿إِنَُّ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: منذ خَلَقَ المكلَّفين، أي: مبالغاً في قبول توبتهم،
(١) أخرجه أحمد (٨٨١٨) من حديث أبي هريرة
ـئه .
(٢) من قوله: لكن ذلك واقع ... إلى هنا ليس في (م). والعداة بكسر العين جمع العِدَة مصدر
وَعَد، والعُداة بضمها جمع العادي بمعنى العدو. ينظر القاموس (وعد) و(عدا).
(٣) في الأصل: المسؤول عنه.

سُورَةُ الْتَصْرِّ
٤٠٢
الآية : ٣
فليكنِ المستغفرُ التائبُ متوقِّعاً للقبول، فالجملةُ في موضع التعليل لما قبلها، واختيارُ
(توَّاباً)) على ((غفَّاراً)) مع أنه الذي يستدعيه ((استَغْفِره)) ظاهراً للتنبيه - كما قال بعض
الأجِلَّةِ - على أنَّ الاستغفار إنما ينفعُ إذا كان مع التوبة، وذكر ابن رجب أنَّ
الاستغفارَ المجرَّدَ: هو التوبةُ مع طَلَبِ المغفرة بالدعاء، والمقرونَ
بالتوبة - كـ: أستغفر (١) الله تعالى وأتوب إليه سبحانه - هو طلبُ المغفرة بالدعاء فقط.
وقال أيضاً: إنَّ المجرَّدَ طلبُ وقايةٍ شَرِّ الذنب الماضِي بالدعاء والندم عليه،
ووقاية شَرِّ الذنب المتوقَّع بالعزم على الإقلاع عنه. وهذا الذي يمنعُ الإصرارَ
كما جاء: ((ما أَصرَّ مَن استغفرَ ولو عاد في اليوم سبعين مرَّةً))(٢)، و: ((لا صغيرةً مع
الإصرار ولا كبيرةً مع الاستغفار))(٣)، والمقرون بالتوبة مختصٍّ بالنوع الأول، فإنْ لم
يصحبهُ الندمُ على الذنب الماضي فهو دعاءٌ محضٌ، وإن صَحِبَهُ نَدَمٌ فهو توبة. انتهى.
والظاهر أنَّ ذلك الدعاء المحضَ غيرُ مقبولٍ، وفيه من سوء الأدب مع الله
تعالى ما فيه.
وقال بعض الأفاضل: إنَّ في الآية احتباكاً (٤)، والأصل: واستغفره إنه كان
غفَّاراً، وتُبْ إليه إنه كان توَّاباً. وأُيِّدَ بما قدَّمناه من حديث الإمام أحمد ومسلم عن
عائشة رقا.
وحَمْلُ الزمان الماضي على زمان خَلْقِ المكلَّفين هو ما ارتضاه غيرُ واحدٍ (٥).
(١) في (م): فاستغفر.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥١٤) من حديث أبي بكر الصديق .
عبّه
(٣) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٨٥٣) من حديث ابن عباس رضيًّا مرفوعاً، وفي إسناده
أبو شيبة الخراساني، قال عنه الذهبي في الميزان ٤ /٥٣٧: أتى بخبر منكر. ثم ذكر له هذا
الحديث. وأخرجه البيهقي في الشعب (٧٢٦٨) عن ابن عباس شيئًا موقوفاً.
وجاء في هامش الأصل: أخرجهما ابن أبي الدنيا .
(٤) هو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
الإتقان ٨٣١/٢.
(٥) منهم البيضاوي وأبو السعود، وقيل: إنه ردٌّ لما سيأتي من كلام الماتريدي. ينظر حاشية
الشهاب ٨/ ٤٠٧ .

الآية : ٣
٤٠٣
سُورَةُ النَّصْ
وقال الماتريدي في ((التأويلات))(١) أي: لم يزلْ توّاباً، لا أنه سبحانه توَّابٌ
بأمرٍ اكتسبه وأحدثه على ما يقوله المعتزلة من أنه سبحانه صارَ توّاباً إذ أنشأ الخلقَ
فتابوا فَقَِّلَ توبتهم، فأما قبل ذلك فلم يكن تواباً .
وَرُدَّ عليه بأنَّ قبول التوبة من الصفات الإضافية، ولا نزاعَ في حدوثها .
واختار بعضُهم ما ذهب إليه الماتريدي، على أنَّ المرادَ أنه تعالى لم يزلْ بحيثُ
يقبلُ التوبةَ، ومآله قِدَمُ منشأ قبولها من الصفات اللائقة به جلَّ شأنه، وفي ذلك ممَّا
يقوِّي الرجاءَ به عزَّ وجلَّ ما فيه. وصَحَّ: ((لو لم تذنبوا لَذَهَبَ الله تعالى بكم ولجاءَ
بقومٍ يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم))(٢).
وفي الاستغفار خيرُ الدنيا والآخرة، أخرج الإمام أحمد من حديث عطيةً عن
أبي سعيدٍ مرفوعاً: ((من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو
الحيُّ القيوم وأتوبُ إليه، غَفَرَ [اللهُ] له ذنوبه وإن كانت مثل زَبَدَ البحر، وإن كانت
مثلَ رَمْلٍ عالج، وإن كانت عَدَدَ وَرَقِ الشجر))(٣).
وأخرج أيضاً من حديث ابن عباس: ((مَنْ أكثرَ من الاستغفار جَعَلَ الله تعالى له
من كلِّ همٍّ فَرَجاً))(٤).
وأنا أقولُ: سبحان الله وبحمده، أستغفرُ الله تعالى وأتوبُ إليه، وأسأله أن
يجعلَ لي من كلِّ همٍّ فَرَجاً، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجاً، بحُرْمة كتابه وسَيِّد أحبابه وَله .
(١) تأويلات أهل السنة ٥/ ٥٣٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٨/ ٤٠٧.
(٢) أخرجه أحمد (٨٠٨٢)، ومسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة بظلاله.
(٣) مسند أحمد (١١٠٧٤). وما بين حاصرتين استدرك منه.
(٤) مسند أحمد (٢٢٣٤).

سورة تبت
وتُسمَّى سورةَ المسد، وهي مكيةٌ، وآيها خمسٌ بلا خلافٍ في الأمرين.
ولَمَّا ذكر سبحانه فيما قبلُ دخولَ الناس في ملَّةِ الإسلام، عَقَّبه سبحانه بذِكْرِ
هلاك بعضٍ ممن لم يدخل فيها وخسرانه:
وليس له منها نصيبٌ ولا سهمُ(١)
على نفسه فليبكِ من ضاع عمرُهُ
كذا قيل في وجه الاتصال.
وقيل: هو من اتصال الوعيد بالوعد، وفي كلِّ مسرَّةٌ له عليه الصلاة والسلام.
وقال الإمام في ذلك: إنه تعالى لَمَّا قال: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) فكأنه ◌َِّ قال:
إلهي، فما جزائي؟ فقال الله تعالى: لك النصرُ والفتحُ. فقال: فما جزاءُ عمِّي الذي
دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: تَبَّتْ يداه. وقدَّمَ الوعدَ على الوعيد ليكونَ النصرُ
متَّصلاً بقوله تعالى: (وَلَِ دِينِ) والوعيد راجعاً إلى قوله تعالى: (لَكُرُّ دِينُّكُؤْ) على
حَدٍّ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦] فتأمل هذه المجانسةَ الحاصلةَ بين
هذه السور، مع أنَّ سورة النصر من آخر ما نزل بالمدينة، و(تَبَّت)) من أوائل ما نزل
بمكة، لتعلم أنَّ ترتيبها من الله تعالى وبأمره عزَّ وجلَّ.
ثم قال: ووجهٌ آخرُ، وهو أنه لمَّا قال: (لَكُرْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينٍ) فكأنه قيل: إلهي
ما جزاءُ المطيع؟ قال: حصولُ النصر والفتح. ثم قيل: فما جزاءُ العاصي؟ قال:
الخسارُ في الدنيا، والعقاب في العقبى، كما دلَّت عليه سورة ((تبت)). انتهى (٢)،
وهو كما ترى.
(١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٤٣ .
(٢) تفسير الرازي ١٥٠/٣٢.

الآية : ١
٤٠٥
سُورَةُ المَسِدِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَّتْ﴾ أي: هلكت، كما قال ابن جبير وغيره، ومنه قولهم: أشابَّة أم تابَّة،
یریدون: أم هالكة من الهرم والتعجيز.
أو (١): خسرت كما قال ابن عباس(٢) وابن عمر وقتادة.
وعن الأول أيضاً: خابت.
وعن يمان بن وثّاب(٣): صَفِرَتْ من كلِّ خير.
وهي على ما في ((البحر)) أقوالٌ متقاربة(٤).
؛
وقال الشهاب: إنَّ مادةَ الثَّباب تدورُ على القَطْع، وهو مؤدٍّ إلى الهلاك، ولذا
فُسِّرَ به. وقال الراغب: هو الاستمرارُ في الخسران، ولتضمُّنه الاستمرارَ قيل:
استتبَّ لفلانٍ كذا، أي: استمرَّ(٥). ويرجعُ هذا المعنى إلى الهلاك.
﴿َيَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ هو عبد العُزَّى بن عبد المطلب عمّ رسول الله وَّل، وكان
شديدَ المعاداة والمناصبة له عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما في ((المجمع)) عن
طارق المحاربي قال: بينا أنا بسوقٍ ذي المجاز، إذا أنا برجلٍ حديث السِّنِّ يقول:
((أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)) وإذا رجلٌ خَلْفَهُ يرميه، قد أدمى ساقيه
وعُرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس إنه كذَّابٌ فلا تُصدِّقوه. فقلت: من هذا؟ فقالوا:
هو محمد نَّهِ يزعُمُ أنه نبيٍّ، وهذا عمُّهُ أبو لهب يزعُمُ أنه كذَّاب(٦).
(١) في (م): أي.
(٢) في هامش الأصل: قاله في الدر المنثور.
(٣) في الأصل و(م): وثاب، وهو تصحيف، والمثبت من البحر ٥٢٥/٨، والكلام منه.
(٤) البحر ٥٢٥/٨.
(٥) حاشية الشهاب ٤٠٨/٨، ومفردات الراغب (تبب).
(٦) مجمع البيان ٢٦٩/٣٠، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٦١٢/٢، وله شاهد من حديث
ربيعة بن عباد الدِّيلي عند أحمد (١٦٠٢٣).

سُورَةُ المَدِ
٤٠٦
الآية : ١
وأخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: لما نزلت (وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) صَعِدَ النبيُّ وَّر على الصفا، فجعل ينادي: ((يا بني فِهْر، يا بني
عَدي)) لبطونٍ قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجلُ إذا لم يستطع أن يخرجَ أرسلَ
رسولاً لينظرَ ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: ((أرأيتَكم لو أخبرتُكم أنَّ خيلاً
بالوادي تريد أن تُغِيرَ عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ)»؟ قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك
إلا صِدْقاً. قال: ((فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد)) فقال أبو لهب: تبَّا لك
سائرَ الأيام، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت(١).
ويُروى أنه مع ذلك القول أخذَ بيديه حجراً ليرمي بها رسولَ الله وَّر، ومن هذا
يُعلَمُ وجهُ إيثار التباب على الهلاك ونحوه مما تقدم، وإسناده إلى يديه، وكذا
مما روى البيهقيُّ في ((الدلائل))(٢) عن ابن عباس أيضاً أنَّ أبا لهبٍ قال لَمَّا خرج
من الشِّعْب وظاهرَ قريشاً: إنَّ محمداً يَعِدُنا أشياءَ لا نراها كائنةً، يزعُمُ أنها كائنة
بعد الموت، فماذا وضع في يديَّ(٣)؟! ثم نفخ في يديه ثم قال: تبًّا لكما ما أرى
فيكما شيئاً مما يقول محمد، وَّ، فنزلت: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ).
ومما رُويَ عن طارقٍ يُعلَمُ وجهُ الثاني فقط، فاليدان على المعنى
المعروف، والكلامُ دعاءٌ بهلاكهما، وقوله سبحانه: (وَتَبَّ) دعاء بهلاك كلِّه.
وجُوِّزَ أن يكونا إخبارين بهلاك ذَينك الأمرين، والتعبيرُ بالماضي في الموضعين
لتحقُّقِ الوقوع.
وقال الفراء: الأولُ دعاءٌ بهلاك جملته، على أنَّ اليدين إما كنايةٌ عن الذات
والنفس لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجازٌ من إطلاق الجزء على الكلِّ
كما قال محيي السنة(٤). والقول في رَدِّهِ: إنه يُشترطُ أن يكون الكلُّ يُعدَمُ بعَدَمه
(١) أحمد (٢٥٤٤)، والبخاري (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨)، والترمذي (٣٣٦٣).
(٢) كذا نسبه المصنف للبيهقي، والصواب أنه لأبي نعيم في دلائله ٣٦٦/١ كما في الدر المنثور
٤٠٨/٦، وعنه نقل المصنف.
(٣) في (م): يديه.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٥٤٣ .

الآية : ١
٤٠٧
سُوَّةُ المَدِ
كالرأس والرقبة، واليدُ ليست كذلك = غيرُ مُسَّلم؛ لتصريح فحولٍ بخلافه هنا وفي
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الَُّكَةُ﴾ [البقرة: ١٩٥]. أو المراد - على ما قيل - بذلك
الشرط: يُعدَمُ حقيقةً أو حكماً كما في إطلاق العين على الربيئة، واليد على
المعطي، أو المتعاطي لبعض الأفعالِ، فإنَّ الذاتَ من حيث اتصافُها بما قُصِدَ
اتصافُها به تُعْدَمُ بعَدَمِ ذلك العضو. والثاني إخبارٌ بالحصول(١)، أي: وكان ذلك
وحصل، كقول النابغة:
جزاني جزاه الله شرَّ جزائه
جزاءَ الكلاب العاويات وقد فعلْ(٢)
واستُظهر أنَّ هذه الجملةَ حاليةٌ، و((قد)) مقدَّرةٌ على المشهور كما قرأ به ابن
مسعود(٣). وفي ((الصحيحين)) وغيرهما من حديث ابن عباس في سبب النزول:
فنزلت هذه السورة: ((تَبَّتْ يدا أبي لهبٍ وقد تبَّ))(٤)، وعلى هذه القراءة يمتنعُ أن
يكون ذلك دعاءً؛ لأنَّ ((قد)) لا تدخلُ على أفعال الدعاء.
وقيل: الأولُ إخبارٌ عن هلاك عمله، حيث لم يُفِدْهُ ولم ينفعه؛ لأنَّ الأعمال
تُزاوَلُ بالأيدي غالباً(٥). والثاني: إخبارٌ عن هلاكِ نفسه.
وفي ((التأويلات)): اليدُ بمعنى النعمة، وكان يُحسِنُ إلى النبيِّ وَّهِ وإلى قريشٍ
ويقول: إن كان الأمرُ لمحمدٍ فلي عنده يدٌ، وإن كان لقريشٍ فكذلك، فأُخبر أنه
خَسِرَتْ يدُهُ التي كانت عند النبيِّ ◌َّهِ بعناده له، ويده التي عند قريش أيضاً بخُسْران
(١) قوله: والثاني ... ، عطف على قوله: الأول دعاء ... ، وكلام الفراء في معاني القرآن
٢٩٨/٣، ولفظه: الأول دعاء والثاني خبر.
(٢) البيت بهذه الرواية دون نسبة في الكشاف ٢٩٦/٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب
٤٠٩/٨، والبحر ٥٢٥/٨، وهو في ديوان النابغة ص ١٣٠ بلفظ:
جزى ربُّهُ عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٩٨/٣، والكشاف ٢٩٦/٤، والبحر ٥٢٥/٨.
(٤) صحيح البخاري (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨).
(٥) جاء في هامش الأصل: ولعل من قال: المراد باليدين الدنيا والآخرة، حمل اليد على
العمل أولاً لأنها آلته وسببه، ثم حمل اليدين على ما ذكر لأن العمل إما للدنيا أو للآخرة،
فتدبر .

سُوَبَُّ المَسِدِ
٤٠٨
الآية : ١
قريشٍ وهلاكهم في يد النبيِّ عليه الصلاة والسلام(١). فهذا معنى ((تبت يدا أبي لهب))
والمراد بالثاني الإخبار بهلاكه نفسه.
وذُكِرَ بكنيته لاشتهاره بها، وقد أُريد تشهيرُهُ بدعوة السوء وأن تبقى سمةً له،
وذِكْره بأشهر عَلَميهِ أوفقُ بذلك(٢)، ويؤيد ذلك قراءةُ مَنْ قرأ: ((يدا أبو لهب))(٣)
كما قيل: عليّ بن أبو طالب، ومعاويةُ بن أبو سفيان؛ لئلّا يُغيَّرَ منه شيءٌ فيُشكِل
على السامع، أو لكراهة ذِكْر اسمه القبيح، أو لأنه كما روي عن مقاتلٍ كان يكنى
بذلك لِتَلَهُّبٍ وَجنتیه وإشراقهما، فذُكِرَ ذلك تھّماً به وبافتخاره بذلك، أو ليجانس
(ذات لهب)) ويوافقه لفظاً ومعنّى، والقولُ بأنه ليس بتجنيسٍ لفظيٍّ لأنه ليس في
الفاصلة = وَهْمٌ، فإنهم لم يشترطوه فيه، أو لِجَعْلِهِ كناية عن الجهنَّميِّ، فكأنه قيل:
تَبَّتْ يدا جهنميٍّ، وذلك لأنَّ انتسابه إلى اللَّهب كانتساب الأب إلى الولد، يدلُّ على
ملابسته له وملازمته إياه، كما يقال: هو أبو الخير وأبو الشر، وأخو الفضل وأخو
الحرب؛ لمن يلابسُ هذه الأمور ويلازمها، وملازمته لذلك تستلزمُ كونه جهنّميًّا
لزوماً عرفيًّا، فإنَّ اللَّهبَ الحقيقيّ هو لَهَبُ جهنمَ، فالانتقالُ من ((أبي لهب)» إلى
((جهنّميٍّ)) انتقالٌ من الملزوم إلى اللازم، أو بالعكس على اختلاف الرأيين في
الكناية، فإنَّ التلازمَ بينهما في الجملة متحقِّقٌ في الخارج والذهن، إلّا أنَّ هذا
اللزومَ إنما هو بحَسَبِ الوضع الأول - أعني الإضافي - دون الثاني، أعني العَلَميّ،
وهم يعتبرون في الكُنى المعاني الأصلية، فأبو لهب باعتبار الوضع العَلَميِّ مستَعْمَلٌ
في الشخص المعيَّن، وينتقلُ منه باعتبار وَضْعِهِ الأصلي إلى مُلابِسِ اللَّهب
ومُلازمه، لينتقلَ منه إلى أنه جهنّميٌّ، فهو كنايةٌ عن الصفة بالواسطة، وهذا ما اختاره
العلامة الثاني.
وقال السيد السند: أبو لهب معناه الأصلي: مُلابس اللهب ملابسة لازمة؛ لأنَّ
لفظ الأب هاهنا مستعملٌ في معنى الملابس دون معناه الحقيقي، فأطلق أبو لهب
(١) تأويلات أهل السنة للماتريدي ٥/ ٥٣٤.
(٢) جاء في هامش الأصل: وقيل: إن لهباً لقب أحد أولاده كان يكنى به.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والكشاف ٢٩٦/٤.

الآية : ١
٤٠٩
سُورَةُ المَسِدِ
على الشخص المسمَّى به، ولوحظ معه معناه الأصلي - أَعني ملابس اللهب - لينتقل
منه إلى ملزومه، وهو كونه جهنميًا(١). انتهى.
فعنده كنايةٌ بلا واسطة؛ لأنَّ معناه الأصلي - أعني ملابس اللهب - ملحوظٌ مع
معناه العَلَمي، والحقُّ مع العلامة؛ لأنَّ ((أبا لهب)) يُستعملُ في الشخص المعيَّن،
والمتكلِّم بناءً على اعتبارهم المعاني الأصلية في الكنى ينتقل منه إلى المعنى
الأصلي، ثم ينتقلُ منه إلى الجهنَّميِّ، ولا يُلاحظُ معه معناه الأصلي، وإلا لكان
لفظ أبي لهب في الآية مجازاً، سواء لوحِظَ معه معناه الأصلي بطريق الجزئية أو
التقييد؛ لكونه غيرَ موضوعٍ للمجموع.
وما قيل: إنَّ المعنى الحقيقي لا يكون مقصوداً في الكناية، وإنَّ مناطَ الفائدة
والصدق والكذب فيها هو المعنى الثاني، وهاهنا قُصِدَ الذاتُ المعيّنُ = فليس
بشيءٍ؛ لأنَّ الكنايةَ لفظٌّ أُريد به لازمُ معناه، مع جواز إرادته معه، فيجوزُ هاهنا أن
يكون كِلَا المعنيين مراداً، وفي ((المفتاح)) تصريحٌ بأنَّ المرادَ في الكناية هو المعنى
الحقيقي ولازمه جميعاً.
وزَعَمَ السيد أيضاً أنَّ الكنايةَ في أبي لهب لأنه اشتهر بهذا الاسم، وبكونه
جهنَّميًّا، فدلَّ اسمُهُ على كونه جهنميًّا دلالة حاتم على أنه جواد، فإذا أطلق وقُصِدَ
به الانتقالُ إلى هذا المعنى، يكون كنايةً عنه.
وفيه أنه يلزمُ منه أن تكونَ الكنايةُ في مثله موقوفةً على اشتهار الشخص بذلك
العَلَم، وليس كذلك، فإنهم ينتقلونَ من الكُنية إلى ما يلزم مُسمَّاها باعتبار الأصل
من غير توقُّفٍ على الشهرة، قال الشاعر:
لشوقٍ كاد يجذبني إليه
قصدتُ أبا المحاسنِ كي أراه
ولم أرَ مِن بَنِيه ابناً لديه(٢)
فلما أن رأيت رأيتُ فرداً
على أنَّ فيه بَعْدُ ما فيه.
(١) من قوله: وقال السيد ... إلى هنا ليس في (م).
(٢) البيتان في المحاضرات في الأدب واللغة لليوسي ٢٤/١ بدون نسبة. وفيه:
فلما أن أتيت رأيت فرداً

سُورَةُ المَدِ
٤١٠
الآية : ٢
وقرأ ابن محيصن وابن كثير: ((أبي لَهْب)» بسكون الهاء(١)، وهو من تغيير
الأعلام على ما في ((الكشاف))(٢). وقال أبو البقاء: الفتحُ والسكون لغتان(٣). وهو
قياسٌ على المذهب الكوفي.
﴿مَّ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ أي: لم يُغْنِ عنه مالُهُ حين حلَّ به التباب، على أنَّ ((ما))
نافيةٌ، ويجوز أن تكون استفهاميةً في محلِّ نَصْبٍ بما بعدها، على أنها مفعولٌ به،
أو مفعولٌ مطلقٌ، أي: أيَّ إغناء، أو: أيَّ شيءٍ أغنى عنه ماله.
﴿وَمَا كَسَبَ﴾ أي: والذي كَسَبَهُ(٤)، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ، وجُوِّزَ أن تكون
مصدرية، أي: وكَسْبه. وقال أبو حيان: إذا كان ((ما)) الأولى استفهامية، فيجوز أن
تكون هذه كذلك، أي: وأيَّ شيءٍ كَسَبَ، أي: لم يَكْسَبْ شيئاً (٥).
وقال عصام الدين: يحتملُ أن تكونَ نافيةً، والمعنى: ما أبعد(٦) عنه مالُهُ
مضرَّةً، وما كَسَبَ منفعةً. وظاهره أنه جَعَلَ فاعلَ ((كَسَبَ)) ضمير المال، وهو
كما ترى.
واستظهر في (البحر))(٧) موصوليَّتَها، فالعائدُ محذوفٌ، أي: والذي گَسَبَهُ به من
الأرباح والنتائج والمنافع والوجاهة والأتباع، أو: ما أغنى عنه ماله الموروث من
أبيه، والذي كَسَبَهُ بنفسه، أو ماله والذي كَسَبه من عمله الخبيث الذي هو كيده في
عداوة النبيِّ ◌َ﴿ كما قال الضحاك، أو: من عمله الذي يظنُّ(٨) أنه منه على شيءٍ كقوله
تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآَهُ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] كما قال قتادة.
(١) قراءة ابن كثير في التيسير ص ٢٢٥، والنشر ٢/ ٤٠٤، وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز
٥٣٤/٥.
(٢) ٢٩٦/٤.
(٣) الإملاء ٤ / ٤٨٦ .
(٤) في (م): کسب.
(٥) البحر المحيط ٥٢٥/٨.
(٦) تصحف في (م) إلى: أعبد.
(٧) ٨ / ٥٢٥.
(٨) في الأصل: يزعم.

الآية : ٢
٤١١
سُورَةُ المَسَدِ
وعنِ ابن عباس ومجاهد: ما كَسَبَ من الولد، أخرج أبو داود(١) عن عائشة
مرفوعاً: ((إنَّ أطيبَ ما يأكلُ الرجلُ من كَسْبِهِ، وإنَّ ولده من كَسْبه)).
وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابنُ أخي حقًّا، فأنا أفتدي منه نفسي
بمالي وولدي(٢)، وكان له ثلاثةُ أبناء: عُثْبةٍ ومُعِّب، وقد أسلما يومَ الفتح وسُرَّ
النبيُّ عليه الصلاة والسلام بإسلامهما، ودعا لهما، وشهدا حُنيناً والطائف، وعُتيبةٌ
بالتصغير، ولم يُسلمْ، وفي ذلك يقول صاحب كتاب الألباء(٣):
وأحببتُ عُتْبة إذا أسلما
كرهتُ عُتيبة إذ أجرما
وخَفْ أن تسبَّ فتّى مسلما
كذا مُعتِبٌ مسلمٌ فاحترز
وكانت أم كلثوم بنت رسول الله وَّل عند عُتيبة، ورقيةُ أختها عند أخيه عُتْبة،
فلما نزلتِ السورةُ قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرامٌ إن لم تُطلِّقا ابنتي
محمد وَّله، فطلَّقاهما، إلا أنَّ عُتيبة - المُصَغَّر - كان قد أراد الخروجَ إلى الشام مع
أبيه، فقال: لآتينَّ محمداً (عليه الصلاة والسلام) وأُوذيَّنه، فأتاه فقال: يا محمد،
إني كافرٌ بالنَّجْم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلَّى، ثم تَفَلَ تجاه رسول الله وَّهِ ولم يُصبْهُ
عليه الصلاة والسلام شيءٌ، وطلَّقَ ابنته أمّ كلثوم، فأغضبه عليه الصلاة والسلام
بما قال وفعل، فقال ◌َّر: ((اللهمَّ سَلِّظ عليه كلباً من كلابك))، وكان أبو طالب
حاضراً، فكَرِهَ ذلك. وقال له: ما أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع إلى
أبيه، ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلاً، فَأَشْرف عليهم راهبٌ من دَيْرٍ وقال لهم:
إنَّ هذه أرضٌ مَسْبَعَةٌ. فقال أبو لهب: أغيثوني يا معشر قريش في هذه الليلة، فإني
أخافُ على ابني دعوةَ محمدٍ بَّهَ، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولَهم خوفاً من
الأسد، فجاء أسدٌ يتشمَّمُ وجوههم، حتى أتى عُتيبة فقتله، وفي ذلك يقول حسان:
مَن يرجعُ العامَ إلى أهله فما أَكيلُ السبع بالراجعِ(٤)
(١) في سننه (٣٥٢٨)، وهو عند أحمد (٢٤٠٣٢).
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥٤٣/٤ عن ابن مسعود تظ له.
(٣) البيتان في حاشية الشهاب ٤٠٩/٨ وفيه أن اسم الكتاب: الألباب.
(٤) تنظر القصّة في الذرية الطاهرة للدولابي (٧٤)، ودلائل النبوة لأبي نعيم (٣٨٠) و(٣٨١)،
=
٢٠

سُورَّةُ المَسَدِ
٤١٢
الآية : ٣ - ٤
وهلكَ أبو لهبٍ نفسُهُ بالعَدَسة(١) بعد وقعة بدر لسَبْع ليالٍ، فاجتنبه أهله مخافةً
العدوى، وكانت قريشٌ تَّقيها كالطاعون، فبقي ثلاثاً حتى أنتنَ، فلما خافوا العارَ
استأجروا بعضَ السُّودان، فاحتملوه ودفنوه. وفي رواية: حفروا له حفرةً ودفعوه
بعودٍ حتى وَقَعَ فيها، فقذفوه بالحجارة حتى واروه. وفي أخرى: إنهم لم يحفروا له
وإنما أَسندوه لحائطِ، وقذفوا عليه الحجارةَ من خَلْفِهِ حتى توارى. فكان الأمرُ
كما أخبر به القرآن.
وقرأ عبد الله: ((وما اكتسب)) بتاء الافتعال(٢).
﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾، سيدخلها لا محالةَ في الآخرة، ويُقاسي حَرَّها، والسينُ لتأكيد
الوعيد، والتنوينُ للتعظيم، أي: ناراً عظيمة.
﴿ذَاتَ لٍَ﴾ ذاتَ اشتعالٍ وتوقُّدٍ عظيم، وهي نارُ جهنم.
وجملة ((ما أغنى)) إلخ قال في ((الكشف)): استئنافٌ جواباً عمَّا كان يقول: أنا
أفتدي بمالي، ویتوهّم من صِدْقه، وفيه تحسیرٌ له وتھگُّمٌ بما كان يفتخرُ به من المال
والبنين، وهذه الجملةُ تصويرٌ للهلاك بما يظهرُ معه عدمُ إغناء المال والولد، وهو
ظاهرٌ على تفسير ((ما كَسَبَ)) بالولد.
وقال بعض الأفاضل: الأُولى إشارةٌ لهلاك عمله، وهذه إشارةٌ لهلاك نفسه،
وهو أيضاً على بعض الأوجه السابقة، فتذكَّرْ ولا تغفل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرَأَتُهُ﴾ عَظْفٌ على المستكنِّ في ((سيصلى)) لمكان الفصل
بالمفعول.
وقوله تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ نَصْبٌ على الشتم والذم. وقيل: على الحالية
بناءً على أنَّ الإضافةَ غيرُ حقيقيةٍ للاستقبال على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى، وهي
أمُّ جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، أخرج ابنُ عساكر عن جعفر الصادق عن أبيه
= ومعجم الصحابة لابن قانع ٢٠٧/٣، والمستدرك ٥٣٩/٢، وسلفت ٤٠/٧.
(١) العدسة: بثرةٌ تخرج بالبدن فتقتل. القاموس المحيط (عدس).
(٢) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والبحر ٥٢٥/٨.

الآية : ٤
٤١٣
سُورَةُ المَسِدِ
محمد الباقر ﴿ًّا أنَّ عقيل بن أبي طالب دخلَ على معاويةَ، فقال معاوية له: أين
ترى عمَّكَ أبا لهبٍ من النار؟ فقال له عقيل: إذا دخلتَها فهو على يسارك، مفترشٌ
عمَّتَكَ حمالةَ الحطب، والراكبُ خيرٌ من المركوب(١). ولا أظنُّ صحةَ هذا الخبر
عن الصادق؛ لأنَّ فيه ما فيه.
وكانت - على ما في ((البحر))(٢) - عوراء. وَوُسِمَتْ بذلك لأنها - على ما أخرج
ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد - كانت تأتي بأغصانِ الشوك تطرحُها بالليل
في طريق رسول الله وقال﴾(٣).
وقيل: كانت تحملُ حُزْمةَ الشوك والحَسَك والسَّعَدان، فتنشرها بالليل في
طريقه عليه الصلاة والسلام، وكان رسول الله وَلهم يطؤه كما يطأُ الحرير.
وروي عن قتادة أنها مع كَثْرةِ مالِها كانت تحملُ الحَطَبَ على ظهرها لِشِدَّةٍ
بخلها، فَعُيِّرتْ بالبخل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه وعن مجاهد أنها كانت تمشي بالنميمة(٤)،
وأخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن أيضاً (٥)، وروي عن ابن عباس والسدي، ويقال
لمن يمشي بها: يحملُ الحَطَبَ بين الناس، أي: يُوقد بينهم النائرة، ويورث الشَّرَّ،
فالحطبُ مُستعارٌ للنميمة، وهي استعارةٌ مشهورةٌ، ومن ذلك قوله:
ولم تمشٍ بين الحيِّ بالحَطَبِ الرَّطْبِ(٦)
من البيض لم تُصْطَّدْ على ظهرٍ لَأُمةٍ
وجعله رَظْباً ليدلَّ على التدخينِ الذي هو زيادةٌ في الشَّرِّ، ففيه إيغالٌ حَسَنٌ(٧)،
(١) تاريخ دمشق ٤١/ ٢٣.
(٢) ٥٢٦/٨.
(٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٧٢٠، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٤٠٩/٦.
(٤) تفسير الطبري ٢٤/ ٧٢٠، والدر المنثور ٤٠٩/٦.
(٥) الدر المنثور ٤٠٩/٦.
(٦) البيت في الكشاف ٢٩٧/٤، والبحر ٥٢٦/٨.
(٧) جاء في هامش الأصل: كما في قول امرئ القيس:
حملت ردينيًّا كأن سنانه سنا لهب لم يتصل بدخان
=

سُورَُّ المَسَدِ
٤١٤
الآية : ٤
وكذا قولُ الراجز:
إنَّ بني الأَدْرَمِ حمَّالو الحَطَبْ
هم الوُشاةُ في الرِّضاء والغضب(١)
وقال ابن جبير(٢): حمالة الخطايا والذنوب، من قولهم: فلانٌ يحطبُ على
ظهره، إذا كان يكتسب الآثامَ والخطايا .
والظاهرُ أنَّ الخَطَبَ عليه مستعارٌ للخطايا، بجامع أنَّ كلّ منهما مبدأ للإحراق.
وقيل: الحَطَبُ جمعُ حاطِبٍ كحارس وحَرَسٍ، أي: تحملُ الجناةَ على
الجنايات. وهو محملٌ بعيدٌ.
وقرأ أبو حيوة وابن مقسم: ((سَيُصَلَّى)) بضمِّ الياء وفتح الصاد وشَدّ اللام
((ومَريئته)) بالتصغير والهمز(٣).
وقرئ: ((ومُرَيَّتُهُ)) بالتصغير وقلب الهمزة ياءً وإدغامها (٤).
وقرأ الحسن وابن إسحاق: ((سيُصْلى)) بضم الياء وسكون الصاد(٥).
واختلسَ حركةَ الهاء في ((امرأته)) أبو عمرو في روايةٍ (٦).
وقرأ أبو قلابة: ((حاملةَ الحطب)) على وزن فاعلة مضافاً (٧).
اهـ منه. والإيغال: ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كقوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ
=
أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ * أَتَّبِعُواْ مَنْ لَّا يَسَتَلُكُمْ أَجْرً وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠-٢١] فقوله: ((وهم
مهتدون)) إيغال، إذ الرسول مهتدٍ لا محالة، لكن فيه زيادة مبالغة في الحث على اتباع الرسل
والترغيب فيه. الإتقان ٨٦٩/٢.
(١) البيت في النكت والعيون ٦/ ٣٦٧.
(٢) في (م): ابن جرير. والمثبت من الأصل والبحر المحيط ٥٢٦/٨ والكلام منه.
(٣) الكشاف ٢٩٧/٤، والبحر ٥٢٥/٨.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والكشاف ٤/ ٢٩٧.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والكشاف ٤/ ٢٩٧.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والبحر ٥٢٦/٨.
(٧) القراءات ص ١٨٢، والبحر ٥٢٦/٨، وضبطت في القراءات بالضم.

الآية : ٥
٤١٥
سُؤَّةُ المَدِ
وقرأ الأكثرون: ((حمالةُ الحطب)) بالرفع والإضافة(١).
وقُرئ: ((حمالة للحَطَب)) بالتنوين رَفْعاً ونَصْباً، وبلام الجرِّ في ((الحطب))(٢).
وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَمِ ﴾﴾ جملةٌ من خبرٍ مقدَّم ومبتدأ
مؤخّرٍ في موضع الحال من الضمير في ((حمّالة))، وقيل: من ((امرأته)) المعطوف
على الضمير. وقيل: الظرفُ حالٌ منها، و((حبلٌ)) مرتفعٌ به على الفاعلية. وقيل: هو
خبرٌ لـ : امرأته، وهي مبتدأٌ، لا معطوفةٌ على الضمير، و((حبلٌ)) فاعلٌ.
وعلى قراءة ((حمالةٌ)) بالرفع قيل: ((امرأته)) مبتدأٌ و((حمالةُ)) خبرٌ، و((في جيدها
حبل)) خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من ضمير ((حمالة)) أو الظرفُ كذلك، و((حبلٌ)) مرتفعٌ به على
الفاعلية. أو ((امرأته)) مبتدأً و((حمالةُ)) صفته؛ لأنه للماضي، فيتعرَّفُ بالإضافة، والخبرُ
على ما سمعتَ. أو ((امرأته)) عَطْفٌ على الضمير، و((حمالةٌ)) خبرُ مبتدأ محذوف، أي:
هي حمالةٌ، وما بعدُ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من ضمير ((حمالة)) على نظير ما مرَّ.
وفي التركيب غيرُ ذلك من أَوْجُهِ الإعراب سيُذْكَر إن شاء الله تعالى، وبعضُ
ما ذكرناه هاهنا غيرُ مُظَردٍ على جميع الأوجه في معنى الآية، كما لا يخفى عند
الاطلاع عليها على المتأمل.
والمَسَدُ: ما مُسِدَ - أي: قُتل من الحبال فَتْلاً شديداً - من ليف المُقْلِ على
ما قال أبو الفتح، ومن أيِّ ليفٍ على ما قيل. وقيل: من لحاء شجرٍ باليمن يُسمَّى
المَسَدِ، وروي ذلك عن ابن زيد، وقد يكون كما في ((البحر)) (٣) من جلود الإبل أو
أوبارها، ومنه قولُه :
ومَسَدٍ أُمِرَّ من أَيانِقِ
ليست بأنيابٍ ولا حقائقٍ(٤)
(١) التيسير ص٢٢٥، والنشر ٤٠٤/٢، ولم يقرأ بالنصب سوى عاصم.
(٢) المحتسب ٣٧٥/٢، والكشاف ٢٩٧/٤، والبحر ٥٢٦/٨.
(٣) ٥٢٤/٨.
(٤) الرجز في الصحاح واللسان (مسد)، وفيه: ومسد فُتل من أيانق: جمع أينُق، وأينُق
=

سُؤَدَّةُ المَسِدِ
٤١٦
الآية : ٥
أي: في عنقها حبلٌ مما مُسِدَ من الحبال، والمراد تصويرُها بصُوَرِ الحطّابة:
التي تحمِلُ الحُزْمة وتربطُها في جيدها تخسيساً لحالها وتحقيراً لها؛ لتمتعضَ من
ذلك، ويمتعضَ بعلُها؛ إذ كانا في بيت العِزِّ والشرف، وفي منصب الثروة
والجِدَة، ولقد عَيَّرَ بعضُ الناس الفضلَ بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بحمالة
الحطب فقال :
أم ما تعيِّر من حمالة الحطب
ماذا أردتَ إلى شتمي ومنقصتي
كانت سليلةَ شيخِ ثاقبِ الحَسَب(٢)
غرَّاءُ شادخةٌ(١) في المجد غُرَّتها
وقد أغضبها ذلك، فيُروى أنها لما سمعت السورةَ أتت أبا بكر رَظُه وهو مع
رسول الله ◌َّ﴿ في المسجد، وبيدها فِهْرٌ(٣)، فقالت: بلغني أنَّ صاحبَكَ هجاني،
ولأفعلنَّ وأفعلنَّ، وإن كان شاعراً فأنا مثله أقول:
مُذمَّماً أبينا
ودينه(٤) قلينا
وأمره عصينا
وأعمى الله تعالى بَصَرها عن رسول الله وََّ، فروي أنَّ أبا بكرٍ قال لها: هل
تري معي أحداً؟ فقالت: أتهزأ بي، لا أرى غيرَكَ. فسكت أبو بكر ومضت وهي
= جمع ناقة، والأنياب جمع ناب، وهي الهرمة، والحقائق جمع حُقَّة، وهي التي دخلت
في السنة الرابعة. والرجز أنشده الأصمعي لعمارة بن طارق، وقال أبو عبيد: هو لعقبة
الهُجيمي.
وجاء في هامش الأصل: أوله:
إن سرَّك الإرعاء غير سائق فاعْجَلْ بِغَرْبٍ مثل غَرْبٍ طارقٍ
والغرب: الدلو العظيمة، وطارق: اسم رجل. اهـ منه.
(١) جاء في هامش الأصل: شدوخ الغرة اتساعها إلى الأنف من غير إصابة العينين ويكون في
العتاق. اهـ منه.
(٢) البيتان في الأغاني ١٧٧/١٦ و١٨٤، والمستقصى ١٠١/١.
(٣) الفِهْر: الحجر ملء الكف، وقيل: الحجر مطلقاً. النهاية (فهر).
(٤) في (م): ورینه.

الآية : ٥
٤١٧
سُؤَدَّةُ المَسِدِ
تقول: قريشٌ تعلمُ أني بنتُ سيِّدها. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لقد
حجبني عنها ملائكةٌ فما رأتني، وكفى الله تعالى شرَّها))(١).
وقيل: إنَّ ذلك ترشيحٌ للمجاز، بناءً على اعتباره في حمالة الحطب.
وفي «الكشاف)»(٢): يحتملُ أن يكون المعنى: تكونُ في نار جهنمَ على الصورة
التي كانت عليها حين كانت تحملُ حُزْمةَ الشوك، فلا تزالُ على ظهرها حُزْمٌ من
حَطَبِ النار من شجرة الزقوم، أو من الضريع، وفي جيدها حبلٌ مما مُسِدَ من
سلاسل النار، كما يُعذّبُ كلُّ مجرمٍ بما يُجانس حاله في جُرْمه.
وعليه فالحبلُ مستعارٌ للسلسلة، وروي هذا عن عروة بن الزبير ومجاهد
وسفيان، وأَمْرُ الإعراب على ما في ((الكشف)): أنه إنْ نصبَ ((حمالة)) يكون حالاً
هو والجملة - أعني ((في جيدها حبلٌ)) - عن المعطوف على ضمير ((سَيَصْلَى))، أي:
ستَصْلَى امرأتُهُ على هذه الحالة، أو يكونُ ((حمالةَ)) نَصْباً على الذَّمِّ، والجملةُ
وحدها حالاً، أو ((امرأته في جيدها حبلٌ)) جملةٌ وقعتْ حالاً عن الضمير، ويحتملُ
عَظْفَ الجملة على الجملة على ضَعْفٍ. وعلى الرفع يحتملُ أن تكونَ الجملةُ حالاً ،
وأن يكون ((امرأته)) عَطْفاً على الفاعل، و((حمالة الحطب في جيدها)) جملةٌ لا محلَّ
لها من الإعراب وقعتْ بياناً لكيفية صَلْيها، أي: هي حمالةُ الحطب. انتهى، فتأمل
ولا تغفل.
وعلى جميع الأوجه والاحتمالات إنما لم يقلْ سبحانه: في عنقها، والمعروفُ
أنْ يُذْكَرَ العنقُ مع الغُلِّ ونحوِهِ مما فيه امتهانٌ، كما قال تعالى: ﴿فِىَ أَعْتَقِهِمْ أَغْلَلًا﴾
[يس: ٨] والجِيْد مع الحَلْي كقوله:
وأحسن من جِيْد المليحة حَلْيها(٣)
(١) مسند الحميدي (٣٢٣) بنحوه، وينظر السيرة النبوية ٣٥٦/١.
(٢) ٤ / ٢٩٧.
(٣) ذكره السهيلي في الروض الأنف ١١٣/٢، والشهاب في الحاشية ٤١٠/٨ بلفظ:
وأحسن من عقد المليحة جيدها

سُوَّةُ المَسِ
٤١٨
الآية : ٥
ولو قال: عنقها، كان غَثًّا من الكلام = قال في ((الروض الأنف)): لأنه تهكُّمٌ
نحو: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أي: لا جِيْدَ لها فيُحلَّى، ولو كان
لكانت حُلْيتُهُ هذه، ولتحقيرها قيل: امرأته، ولم يقل: زوجه(١). انتهى.
وهو بديعٌ جدًّا، إلا أنه يُعكِّرُ على آخره قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَأَتُهُ، قَآَيِمَةٌ﴾ [هود:
٧١] ولعلَّهُ استعانَ هاهنا على ما قال بالمقام.
وعن قتادة أنه كان في جيدها قلادةٌ من وَدَعِ، وفي معناه قول الحسن: من
خَرَزٍ. وقال ابن المسيب: كانت قلادةً فاخرةً من جوهرٍ، وأنها قالت: واللات
والعُزَّى لأُنفقَّها على عداوة محمد زَِّ، ولعلَّ المراد على هذا أنها تكونُ في نار
جهنّم ذاتَ قلادةٍ من حديد ممسودٍ بدلَ قلادتها التي كانت تقولُ فيها:
لأُنفقثَها .. إلخ، وعلى ما قبله تهجينُ أمرٍ قلادتها لتأكيد ذَمِّها بالبُخْلِ الدالِّ عليه
قوله تعالى: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) على ما نقلناه سابقاً عن قتادة. ويحتملُ غير ذلك،
ووجهُ التعبير بالجِيد على ما ذُكِرَ مما لا يخفى.
وزَعَمَ بعضُهم أنَّ الكلامَ يحتملُ أن يكون دعاءً عليها بالخَنْقِ بالحبل، وهو عن
الذهن مناطُ الثريا، نعم ذُكِرَ أنها ماتت يومَ ماتت مخنوقة بحبلٍ حملتْ به حُزْمةً
حطب، لكنَّ هذا لا يستدعي حَمْلَ ما ذُكِرَ على الدعاء.
هذا واستشكل أمرُ تكليفِ أبي لهبٍ بالإيمان مع قوله تعالى: (سَيَصْلَ) إلخ بأنه
بعد أن أخبرَ الله تعالى عنه بأنه سيصلى النار، لا بدَّ أن يصلاها، ولا يصلاها
إلا الكافرُ، فالإخبار بذلك يتضمَّنُ الإخبارَ بأنه لا يؤمنُ أصلاً، فمتى كان مكلَّفاً
بالإيمان بما جاء به النبيُّ وَّ ـ ومنه ما ذُكِرَ - لَزِمَ أن يكون مكلَّفاً بأن يؤمنَ بأن
لا يؤمن أصلاً، وهو جَمْعٌ بين النقيضين، خارجٌ عن حَدِّ الإمكان.
وأجيب عنه بأنَّ ما كُلِّفه هو الإيمانُ بجميع ما جاء به النبيُّ عليه الصلاة
والسلام إجمالاً، لا الإيمانُ بتفاصيل ما نطقَ به القرآن الكريم، حتى يلزمَ أن يكلَّفَ
الإيمانَ بعدم إيمانه المستمرِّ، ويقال نحو هذا في الجواب عن تكليف الكافرين
(١) الروض الأنف ١١٣/٢، وحاشية الشهاب ٤١٠/٨.

الآية : ٥
٤١٩
سُؤَرَّةُ المَسَدِ
المذكورين في قوله تعالى: (قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) إلخ بالإيمان بناءً على تعيُّنهم مع
قوله تعالى (وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ) إلخ بناءً على دلالته على استمرار عدم عبادتهم
ما يَعبدُ عليه الصلاة والسلام.
وأجاب بعضُهم بأنَّ قوله تعالى: (سَيَصْلَ) إلخ ليس نصًّا في أنه لا يؤمنُ
أصلاً، فإنَّ صَلْيَ النار غيرُ مختصٍّ بالكفار، فيجوزُ أن يَفْهَمَ أبو لهبٍ منه أنَّ دخولَهُ
النارَ لِفِسْقِهِ ومعاصيه، لا لكُفْره، ولا يجري هذا في الجواب عن تكليف أولئك
الكافرين بناءً على فهمهم من(١) السورة إرادةَ الاستمرار.
وأجاب بعضٌ آخرُ بأنَّ مَنْ جاء فيه مثلُ ذلك، وعَلِمَ به، مكلَّفٌ بأن يؤمنَ
بما عداه مما جاء به گۆ.
وأجاب الكعبيُّ وأبو الحسين البصري، وكذا القاضي عبد الجبار بغير ما ذُكِرَ
مما ردَّهُ الإمام(٢). وقيل في خصوص هذه الآية: إنَّ المعنى: سيصلى ناراً ذات
لهبٍ، ويخلدُ فيها إن مات ولم يؤمن. فليس ذلك مما هو نصٌّ في أنه لا يؤمنُ.
وما لهذه الأجوبة وما عليها يُطلَبُ من مطوّلات كتب الأصول والكلام.
واستُدِلَّ بقوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ) على صِحَّة أنكحةِ الكفار، والله تعالى أعلم.
(١) قوله: من، ليس في (م).
(٢) في تفسيره ١٧١/٣٢.

سُورَةُ الإِخْلَاضِ
وسُمِّيتْ بها لما فيها من التوحيد، ولذا سُمِّت أيضاً بالأساس، فإنَّ التوحيدَ
أصلٌ لسائر أصول الدين. وعن كعب كما قال الحافظ ابن رجب: أُسِّستِ
السماواتُ السبعُ والأرضون السبع على هذه السورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ). ورواه
الزمخشريُّ عن أُبيِّ وأنسٍ مرفوعاً (١)، ولم يذكره أحدٌ من المحدِّثين المعتبَرين
كذلك، وكيف كان فالمرادُ به كما قال: ما خُلقتِ السماواتُ والأرضونَ إلا لتكونَ
دلائلَ على توحيد الله تعالى، ومعرفة صفاته التي تضمَّنتها هذه السورة.
وقيل: معنى تأسيسها عليها أنها إنما خُلقتْ بالحقِّ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ ﴿ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨-٣٩] وهو
العدلُ والتوحيدُ، وهو إن لم يرجعْ إلى الأول لا يخلو عن نظر.
وقيل: المراد أنَّ مُصحِّحَ إيجادهما - أي: بَعْدَ إمكانهما الذاتي - ما أشارت إليه
السورةُ من وَحْدته عزَّ وجلَّ، واستحالة أن يكونَ له سبحانه شريكٌ؛ إذ لولا ذلك لم
يمكن وجودهما؛ لإمكان التمانُع كما قرَّره بعضُ الأجلة في توجيه برهانية قوله
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَإِمَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وفيه بُعْدٌ.
وتسمَّى أيضاً سورةَ ((قل هو الله أحد)) كما هو مشهورٌ، ويشير إليه الأثرُ أيضاً.
والمقشقشةُ لما سمعتَ في تفسير سورة الكافرون(٢)، وسورةَ التوحيد، وسورةَ
(١) الكشاف ٢٩٩/٤. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٩٠: لم أجده مرفوعاً،
وأخرجه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن من رواية عبد الله بن غيلان الثقفي عن كعب
الأحبار موقوفاً.
(٢) ص٣٧٤ من هذا الجزء.