Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ٧ - ٨
٢٦١
فقرأ عليه الآيةَ، فقال: حسبي، لا أبالي أن لا أسمعَ من القرآن غيرَها (١). انتهى.
وأقول: الظاهر عمومُ ((مَن)) وكونُ المراد رؤيةَ الجزاء كما تقدَّم، وكذا الظاهرُ
كونُ ذلك في الآخرة ولا إشكال، وذلك لأنَّ الفقرة الأولى وعدٌ، والثانية وعيدٌ،
ومذهبنا أن الوعد لازمُ الوقوع تفضُّلاً وكرماً، والوعيد ليس كذلك، فيفوَّضُ أمر
الشرِّ في الثانية على الدلائل، وهي ناطقةٌ بأنه إن كان كفراً لا يُغْفر، وإن كان
صغيرةً مِن مؤمنٍ مجتنِبٍ الكبائر يكفّر، وإن كان كبيرةً من مؤمنٍ أو صغيرةً منه وهو
غيرُ مجتنبِ الكبائر فَتَحْتَ المشيئةِ، وخبرًا أنسٍ وأبي أيوب السابقان لا يأبيان ذلك
بعد التأمُّل، ولا يبعُد فيما أرى أن يكون ما عدا الكُفْرَ من الكافر كذلك.
وأما أمرُ الخير فباقٍ على ما يقتضيه الظاهر وهو بالنسبة إلى المؤمن ظاهر،
وأما بالنسبة إلى الكافر فتخفيفُ العذاب؛ الأحاديث الصحيحة؛ فقد ورد أنَّ حاتماً
يخفِّف الله تعالى عنه لكرمه(٢)، وأنَّ أبا لهب كذلك لسروره بولادة النبيِّ وَّه
وإعتاقِهِ لجاريته ثُوَيبةَ حين بشَرته بذلك(٣)، والحديثُ في تخفيف عذاب أبي طالب
(١) مسند أحمد (٢٠٥٩٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٦٣٠)، والمعجم الكبير (٧٤١١)،
والزهد لابن المبارك (٨٠)، والمستدرك ٦١٣/٣. وجاء عند ابن المبارك: عم الفرزدق
أو جدُّه. وعند الطبراني والحاكم: عم الأحنف بن قيس، وهو ما صوَّبه ابن الأثير في
أُسْد الغابة ٢١/٣-٢٢، والمزيُّ في تهذيب الكمال ١٧٤/١٣-١٧٥، والحافظ في
الإصابة ١٤١/٥-١٤٢. وذكروا أنه ليس للفرزدق عمّ اسمه صعصعة، ولكن جده
صعصعة بن ناجية، وهو صحابي.
وجاء في هامش الأصل: وفي رواية لابن المبارك وعبد الرزاق عن الحسن: أنه سمعها
لما نزلت رجلٌ من المسلمين فقال: انتهت الموعظة. اهـ منه. وهو في الزهد لابن المبارك
(٨٢)، وتفسير عبد الرزاق ٣٨٨/٢.
(٢) ذكر أحمد بن غنيم النفراوي في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ١/ ٨١ أنه
لما أسلم عدي بن حاتم قال له رسول الله وهي: ((إن الله رفع عن أبيك العذاب الأليم بسبب
سخائه)). اهـ. ولم نقف عليه في كتب الحديث. وجاء في حديث لابن عباس: ((إن الله
تعالى يأمر بالكافر السخي إلى جهنم، فيقول لمالك خازن جهنم: عذِّبه، وخفّف عنه
العذابَ على قدر سخائه الذي كان في دار الدنيا)). مسند الفردوس (٥٥٤)، وعزاه في كنز
العمال (١٦٢١١) لأبي الشيخ في ((الثواب)).
(٣) أخرج البخاري (٥١٠١) عن عروة قال: وثويبة مولاة أبي لهب، كان أبو لهب أعتقها،
=

سُؤَدَّةُ الزَُّلَّةِ
٢٦٢
الآية : ٧ - ٨
مشهورٌ(١)، وما يدلُّ على عدم تخفيف العذاب فالعذابُ فيه محمولٌ على عذاب
الكفر بحسب مراتبه، فهو الذي لا يخفّف، والعذابُ الذي دلَّت الأخبارُ على
تخفيفه غيرُ ذلك.
ومعنى إحباط أعمال الكفار أنها لا تُنجيهم من العذاب المخلَّد كأعمال
غيرهم، وهو معنى كونها سراباً وهباءً، ودعوى الإجماع على إحباطها بالكلية غيرُ
تامَّةٍ، كيف وهم مخاطبون بالتكاليف في المعاملات والجنايات اتفاقاً، والخلافُ
إنما هو في خطابهم في غيرها من الفروع، ولا شكَّ أنه لا معنى للخطاب بها
إلا عقاب تاركها وثواب فاعلها، وأقلُّه التخفيف، وإلى هذا ذهب العلامة شهاب
الدين الخفاجي عليه الرحمة (٢)، ثم قال:
وما في ((التبصرة))(٣) و((شرح المشارق)) و((تفسير الثعلبي)) من أنَّ أعمالَ الكَفَرَة
الحسنة التي لا يشترط فيها الإيمانُ كإنجاء الغريق وإطفاء الحريق وإطعام ابن
السبيل يُجزَون عليها في الدنيا ولا تُدَّخر لهم في الآخرة كالمؤمنين بالإجماع؛
للتصريح به في الأحاديث، فإن عَمِل أحدُهم في كفره حسناتٍ ثم أسلم اختلف
فيه: هل يُثاب عليها في الآخرة أم لا؟ بناءً على أنَّ اشتراطَ الإيمان في الاعتداد
بالأعمال وعدم إحباطها هل هو بمعنى وجود الإيمان عند العمل، أو وجودِه ولو
بعدُ؛ لقوله ◌َّهَ في الحديث: ((أسلمتَ على ما سَلَفَ لك من خير))(٤) = غير مسلّم،
ودعوى الإجماع فيه غيرُ صحيحة؛ لأنَّ كون وقوع جزائهم في الدنيا دون الآخرة
كالمؤمنين مذهبٌ لبعضهم. وذهب آخرون إلى الجزاء بالتخفيف، وقال الكرماني:
= فأرضعت النبيَّ ◌َّهِ، فلما مات أبو لهب أُرِيَه بعضُ أهله بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال له: ماذا لقيتَ؟ قال
أبو لهب: لم ألقَ بعدكم غير أني سُقيت في هذه بِعَتَاقَتي ثُويبة. اهـ. وزاد في رواية
عبد الرزاق (١٣٩٥٥): وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه.
(١) ينظر في ذلك حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٦٥٦٤)، ومسلم (٢١٠). وحديث
ابن عباس عند مسلم (٢١٢).
(٢) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٩٠/٨.
(٣) لعله تبصرة الأدلة في علم الكلام لأبي المعين ميمون بن محمد النسفي المتوفى (٥٠٨هـ).
كشف الظنون ١/ ٣٣٧.
(٤) أخرجه البخاري (٢٢٢٠) عن حكيم بن حزام ضربه.

الآية : ٧ - ٨
٢٦٣
سُؤَدَّةُ الزَّقْلَةِ
إنَّ التخفيف واقعٌ لكنه ليس بسبب عملهم، بل لأمرٍ آخر كشفاعة النبيِّ يَّر ورجائه.
ومنه ما يكون لأبي لهب كما قال الزركشيُّ(١). انتهى.
ولقائل أن يقول: إنَّ الشفاعةَ من آثار عَمَل المشفوعِ الخيرَ أيضاً. فتأمَّل.
وسبب نزول الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه لَمَّا نزل
﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى خُيٍّ﴾ [الإنسان: ٨] كان المسلمون يرون أنهم لا يُؤْجَرون على
الشيء القليل إذا أَغْطَوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلَّون أن يعطوه التمرة
والبسرةَ، فيرقُونه ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نُؤْجَر على ما نعطي ونحن نحبُّه.
وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة
وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله تعالى النارَ على الكبائر. فنزلت الآية تُرغِّبهم
في القليل من الخير أن يعملوه، وتحذِّرهم اليسيرَ من الشرِّ أن يعملوه(٢). وفيها من
دلالة الخطاب ما لا يخفى، وقد كان الصحابة ﴿ه بعدها يتصدَّقون بما قلَّ وكثر؛
فقد رُوي أنَّ عائشة ◌َؤُها بعث إليها ابنُ الزبير بمئة ألفٍ وثمانينَ ألفَ درهم في
غرارتين، فدَعَت بطبقٍ وجعلت تَقسمها بين الناس، فلما أمست قالت لجاريتها :
هَلُمِّي. وكانت صائمةً، فجاءت بخبزٍ وزيت، فقالت: ما أمسكتِ لنا درهماً نشتري
به لحماً نفطر عليه. فقالت: لو ذكَّرتيني لفعلتُ(٣).
وجاء في عدَّة روايات أنها أعطَت سائلاً يوماً حبَّة من عنبٍ، فقيل لها في
ذلك، فقالت: هذه أثقل من ذرِّ كثيرٍ. ثم قرأت الآية (٤). ورُوي نحوُ هذا عن عمر
وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك ﴾(٥)، وكان غرضُهم تعليمَ الناس أنَّه
(١) حاشية الشهاب ٣٩٠/٨، وينظر شرح البخاري للكرماني ٥٥/٢٥.
(٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٦/ ٣٨١.
(٣) أخرجه هناد في الزهد (٦١٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤٧/٢.
(٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٩١٠)، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/ ٤٩٠، والبيهقي في
الشعب (٣٤٦٦).
(٥) أخرجه عن عمر ﴿له عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣٨٢/٦. وأخرجه عن
عبد الرحمن بن عوف به أبو عبيد في الأموال (٩٠٨)، والبيهقي في الشعب (٣٤٦٧).
وأخرجه عن سعد ◌ُه أبو عبيد في الأموال (٩٠٩).

سُوَةُ الزَُّلَّةِ
٢٦٤
الآية : ٧ - ٨
لا بأسَ بالتصدُّق بالقليل، ولهم بذلك أسوةٌ برسول الله وَ ﴿ فقد أخرج الزجاجي في
أماليه عن أنس بن مالك أنَّ سائلاً أتى النبيَّ نَّهِ فأعطاه تمرةً فقال السائلُ: نبيٍّ من
الأنبياء يتصدَّق بتمرة؟! فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما علمتَ فيها مثاقيلُ ذرِّ
کثیرةٍ)»(١).
وجاء أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((اتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ) ثم قرأ
الآية (٢).
وتقديم عمل الخير لأنَّه أشرفُ القسمين، والمقصود بالأصالة لا يخفى حسنُ
موقعه، ويُعلم منه أنَّ هذا الإحصاء لا ينافي كرمَه عز وجل المطلق، وما يُحكى من
أنَّ أعرابيًّا أخر (خَيْرًا يَرَهُ) فقيل له: قدَّمتَ وأَخّرتَ. فقال:
خُذا بطنَ هَرشى أو قَفاها فإنَّه كِلَا جَانِبَيْ هَرشَى لهنَّ طريقُ (٣)
فغفلةٌ عن اللطائف القرآنية، أو لعلَّه أراد أنه فيما يتعلَّق بالعمل لا بأسَ به قُدِّم
أو أخّر، لا أنَّ القراءةَ به جائزة.
وقرأ الحسين بن علي - على جدِّه وعليهما الصلاة والسلام - وابن عباس .
وعبد الله بن مسلم وزيد بن علي وأبو حيوة والكلبي وخليد بن نشيط وأبان عن
عاصم والكسائيُّ في روايةٍ حميد بن الربيع عنه: ((يُرَه)) بضم الياء في الموضعين (٤).
(١) عزاه للزجاجي السيوطي في الدر ٦/ ٣٨٢ -٣٨٣، ولم نقف عليه في أماليه. وقد أخرجه
البيهقي في الشعب (٩١٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦) (٦٧) عن عدي بن حاتم حظ ه، وقد سلف
٤٤٨/٤. وليس فيه ذكر قراءة الآية. ورواية المصنف أخرجها ابن مردويه كما في الدر
المنثور ٣٨٢/٦ من حديث عائشة ﴿نا، وفيه: ثم قرأت، بدل: ثم قرأ.
(٣) أخرجه الأصبهاني في الأغاني ١٢/ ٢٦٠-٢٦١ عن عقيل بن عُلَّفة من شعراء الدولة الأموية.
وهو في القراءات الشاذة ص١٧٧، والكشاف ٢٧٦/٤. وهَرشى: ثنية في طريق مكة قريبة
من الجحفة يُرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلك واحداً منهما أفضى به إلى موضعٍ
واحد. معجم البلدان (هرش). والشطر الثاني من البيت مَثَلٌ يُضرب للأمرين يستويان من
أيِّ مأخذٍ أخذْتَهما. قاله الأصمعي كما في جمهرة الأمثال ١٤٨/٢ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٧٧، والمحرر الوجيز ٥١٢/٥، والبحر المحيط ٥٠٢/٨.

الآية : ٧ - ٨
٢٦٥
سُؤَّةُ الزَُّلَّةِ
وقرأ هشام وأبو بكر: ((يَرَه) بسكون الهاء فيهما(١). وأبو عمرو بضمها مُشبعةً،
وباقي السبعة بالإشباع في الأول والسكون في الثاني(٢). والإسكانُ في الوصل لغةٌ
حكاها الأخفش ولم يَحكها سيبويه، وحكاها الكسائي أيضاً عن بني كلاب وبني
عقيل(٣).
وقرأ عكرمة: ((يراه)) بالألف فيهما (٤)، وذلك على لغةٍ مَن يرى الجزمَ بحذف
الحركة المقدَّرة على حرف العلة كما حكى الأخفش، أو على ما يقال في غير
القرآن من تَوهُّم أنَّ (مَن)) موصولةٌ لا شرطيةٌ، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ، مَنْ
يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في قراءةٍ مَن أثبت ياءَ (يَتَّقي)) وجَزَمَ (وَيَصْبِرْ)(٥). وجُوِّز
أن تكون الألف للإشباع، والوجه الأول أولى. والله تعالى أعلم.
(١) التيسير ص٢٢٤، والنشر ٣١١/١ عن هشام، والكلام من البحر ٥٠٢/٨.
(٢) البحر ٥٠٢/٨، وفي التيسير ص٢٢٤، والإتحاف ص٥٩٤، والبدور الزاهرة ص٣٤٦ أن
قراءة السبعة سوى هشام عن ابن عامر بضم الهاء موصولة بالواو وصلاً، وبإسكانها وقفاً،
وقال السمين في الدر المصون ٧٧/١١-٧٨: وسكون الثانية لأجل الوقف على آخر السورة
غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول ((العاديات)) كان الحكم الإشباع. هذا مقتضى أصولهم،
وهو المنقول.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٢/٥، والبحر ٥٠٢/٨.
(٤) البحر ٨/ ٥٠٢.
(٥) هي قراءة قنبل عن ابن كثير كما في التيسير ص١٣١، وهي على توقُّم أن ((مَن)) شرطية
لا موصولة، فَجُزِمَ ((ويصبرْ)) عطفاً على التوهُّم. البحر ٥٠٢/٨، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ الْغَّاِبَات
مكيةٌ في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء، مدنيةٌ في قول أنس
وقتادة وإحدى الروايتين عن ابن عباس(١)؛ وقد أخرج عنه البزار وابن المنذر وابن
أبي حاتم والدارقطني في ((الأفراد)) وابن مردويه أنه قال: بَعَث رسول الله،وَل خيلاً
فاستمرت شهراً لا يأتيه منها خبرٌ، فنزلت: (وَالْعَدِيَتِ) إلخ(٢).
وآیها إحدى عشرة بلا خلاف.
وأخرج أبو عبيد في فضائله من مرسل الحسن أنها (تُعدل بنصف القرآن))(٣).
وأخرج ذلك محمد بن نصر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس
مرفوعاً (٤)، ولم أقف على سرِّه.
ولَمَّا ذكر سبحانه فيما قبلها الجزاء على الخير والشرِّ أَتْبَعَ ذلك فيها بتعنيفٍ مَن
آثر دنياه على آخرته ولم يستعدَّ لها بفعل الخير، ولا يخفى ما في قوله تعالى هناك:
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] وقوله سبحانه هنا: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِىِ الْقُبُورِ﴾
[العاديات: ٩] من المناسبة والعلاقة على ما سمعتَ من أنَّ المراد بالأثقال ما في
جوفها من الأموات أو ما يعمُّهم والكنوزَ.
(١) النكت والعيون ٣٢٣/٦، والبحر ٥٠٣/٨.
(٢) مسند البزار (٢٢٩١ - كشف)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه
السيوطي في الدر ٣٨٣/٦، قال الهيثمي في المجمع ١٤٢/٧ : فيه حفص بن جميع وهو
ضعيف .
(٣) فضائل القرآن ص١٤١ .
(٤) عزاه لمحمد بن نصر السيوطي في الدر ٣٨٣/٦.

الآية : ١
٢٦٧
سُورَةُ الْغَازِيَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَدِيَتِ﴾ الجمهورُ على أنَّه قسمٌ بخيل الغزاة في سبيل الله تعالى التي تَعْدُو،
أي: تجري بسرعةٍ نحو العدوِّ. وأصل ((العاديات)): العادِوَات بالواو، فقلبت ياءً
الانكسارِ ما قبلها .
وقوله تعالى: ﴿ضَبْحًا﴾ مصدرٌ منصوبٌ بفعله المحذوف، أي: تَضْبَحُ - أو:
يَضْبحن - ضبحاً، والجملةُ في موضع الحال، وضَبحُها: صوتُ أنفاسِها عند
عَدْوِها؛ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: الخيلُ إذا عَدَت قالت: أخْ
أخْ، فذلك ضبحُها(١).
وأخرج ابن جرير عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: الضَّبْحُ من الخيل الحَمْحَمَة،
ومن الإبل التنفُس(٢).
وفي ((البحر))(٣): تصويتٌ جهيرٌ عند العدْوِ الشديد، ليس بصهيلٍ ولا رُغاءٍ
ولا نُباح، بل هو غيرُ الصوت المعتاد من صوت الحيوان الذي يُنسب هو إليه،
وعن ابن عباس: ليس يضبَح من الحيوان غيرُ الخيل والكلاب (٤)، ولا يصحّ عنه
فإن العرب استعملت الضبْحَ في الإبل والأسْوَد من الحيات والبوم والأرنب
والثعلب، وربما تُسنِده إلى القوس؛ أنشد أبو حنيفة في صفتها :
تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثعلَبِ (٥)
حَتَّانَةٌ من نَشَم أو تَأْلبٍ
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ٥٧٥، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٨٤/٦.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٥٧٥ .
(٣) ٨/ ٥٠٢.
(٤) أخرجه عنه عبد الرزاق ٢/ ٣٩٠، والطبري ٢٤/ ٥٧٢.
(٥) البيت في المحرر الوجيز ٥١٣/٥، واللسان (ضبح)، والبحر ٥٠٢/٨، والكلام منه.
والحنَّانة: المصوِّتة من القوس؛ من حَنَّت تَحِنّ. ونَشَم: شجرٌ للقسِيِّ. والتألَب: شجر.
القاموس (حنن) و(نشم) و(ألب).

سُوَّةُ الْغَادِيَاتِ
٢٦٨
الآية : ٢
وذكر بعضهم أنَّ أصلَه للثعلب فاستعير للخيل كما في قول عنترة:
والخيلُ تكدَح حين تَضْ بَحُ في حِياض الموت ضَبْحَا (١)
وأنَّه من: ضَبَحَتْه النارُ: غيّرت لونَه ولم تُبالغ فيه، ويقال: انضبح لونُه: تغيَّر
إلى السواد قليلاً .
وقال أبو عبيدة: الضبْحُ وكذا الضَّبْعُ بمعنى العَدْو الشديد(٢). وعليه قيل: إنَّه
مفعولٌ مطلقٌ لـ ((العاديات))، وليس هناك فعلٌ مقدَّرٌ. وجوِّز على تفسيره بما تقدَّم أن
يكون نصباً على المصدرية به أيضاً، لكن باعتبار أنَّ العدْوَ مستلزم للضَّبْح، فهو في
قوة فعل الضبح.
ويجوز أن يكون نصباً على الحال مؤوَّلاً باسم الفاعل، بناءً على أنَّ الأصلَ
فيها أن تكون غير جامدةٍ، أي: والعاديات ضَابِحاتٍ.
﴿قَالْمُورِيَتِ قَدْحًا ﴾ الإيراء: إخراجُ النار، والقدحُ هو الضربُ والصكُّ
المعروف، يقال: قَدَحَ فأوْرَى: إذا أخرج النارَ. وقَدَحَ فأصْلَد: إذا قَدَحَ ولم
يُخرِجها. والمرادُ بها الخيلُ أيضاً، أي: فالتي تُورِي النارَ من صَدْمٍ حوافرها
للحجارة. وتسمَّى تلك النارُ نارَ الحُباحِب، وهو اسم رجلٍ بخيلٍ كان لا يُوقِد
إلا ناراً ضعيفة مخافةَ الضيفان(٣)، فضربوا بها المثل حتى قالوا ذلك لِمَا تقدَحه
الخيل بحوافرها والإبلُ بأخفافها .
وانتصابُ ((قدحاً)) كانتصابٍ ((ضبحاً)) على ما تقدَّم. وجوِّز كونه على التمييز
المحوَّل عن الفاعل، أي: فالمُورِي قدحُها. ولعلها أَمْيزُ وأبعدُ عن القدح.
(١) الصحاح (ضبح)، والكشاف ٢٧٧/٤، واللسان (ضبح)، والبحر ٥٠٣/٨.
(٢) مجاز القرآن ٣٠٧/٢، والكلام من البحر ٥٠٣/٨.
(٣) وقيل: إنه كان لا يوقد ناراً لخبز أو غيره حتى تنام العيون، فيوقد نويرة تَقِدُ مرة وتخمد
أخرى، فإن استيقظ أحد أطفأ كراهية أن ينتفع بها أحد. ينظر معاني القرآن للفراء ٢٨٤/٣،
وتفسير أبي الليث ٥٠٣/٣، وتفسير الرازي ٦٥/٣٢، وتفسير القرطبي ٤٣٣/٢٢.

الآية : ٣ - ٤
٢٦٩
سُوَّةُ الْغَائِبَات
وعن قتادة: الموريات مجازٌ في الخيل تُوري نارَ الحرب وتُوقِدها(١). وهو
خلاف الظاهر.
﴿فَالْخِيَتِ﴾ مِن: أغار على العدوِّ: هجم عليه بغتةً بخيله لنهبٍ أو قتلٍ أو
إسارٍ. فالإغارةُ صفةُ أصحاب الخيل، وإسنادها إليها إما بالتجوُّز فيه أو بتقدير
المضاف، والأصل: فالمُغِير أصحابُها، أي: فالتي يُغير أصحابُها [على] العدوِّ
عليها، وقيل: بسببها .
﴿سُبْعًا﴾ أي: في وقت الصبح، فهو نصبٌ على الظرفية، وذلك هو المعتاد في
الغارات، كانوا يَعْدُون ليلاً لئلا يشعُر بهم العدوُّ، ويهجمون صباحاً ليَروا ما يأتون
وما يذرون، وكانوا يتحمَّسون بذلك، ومنه قولُه:
قومي الذين صبَّحوا الصباحا
يومَ النخيلِ غارةً مِلحَاحًا(٢)
﴿فَثَرَّنَ بِهِ﴾ من الإثارة، وهي التهييج وتحريكُ الغبار ونحوِهِ، والأصل:
أَثْوَرْنَ، نُقلت حركة الواو إلى ما قبلها وقُلبت ألفاً، وحُذفت لاجتماع الساكنين.
والفعل عطفٌ على الاسم قبلُ وهو ((العاديات)) أو ما بعده؛ لأنه اسم فاعل
وهو في معنى الفعل، خصوصاً إذا وقع صلةً، فكأنه قيل: فاللاتي عَدَون
فأوْرَيْنَ فأغَرْنَ فأثَرْنَ. ولا شذوذَ في مثله؛ لأنَّ الفعل تابعٌ فلا يلزم دخولُ ((أل))
عليه، ولا حاجة إلى أن يقال: هو معطوفٌ على الفعل الذي وُضع اسمُ الفاعل
موضعه .
(١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٧٦ .
(٢) الرجز لليلى الأخيلية، كما في الخزانة ٢٤/٦، وهو في نوادر أبي زيد ص ٤٧ منسوب
لأبي حرب بن الأعلم، شاعر جاهلي. والرواية المشهورة فيه: اللذون، بدل: الذين. ينظر
مغني اللبيب ص ٥٣٥، وشرح ابن عقيل ١٤٤/١، والخزانة ٢٣/٦، والنخيل: بالتصغير،
عينُ ماء قربَ المدينة، وموضعٌ من نواحي الشام. والغارة: اسم من الإغارة على العدو.
وملحاحاً: صفة غارة، أي: ذات إلحاح. الخزانة ٢٣/٦-٢٤.

الآية : ٤
٢٧٠
سُورَةُ الْغَائِبَاتِ
والحكمة في مجيء هذا فعلاً بعد اسم فاعل - على ما قال ابن المنير - تصويرُ
هذه الأفعال في النفس، فإنَّ التصوير يحصل بإيراد الفعل بعدَ الاسم لِما بينهما من
التخالف، وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتناسقة، وكذلك التصوير بالمضارع
بعد الماضي (١)، كقول ابن معد يكرب:
بشهب کالصحيفة صَحْصَحَانِ
بأني قد لقيتُ الغولَ يهوي
صَريعاً لليدَينِ وللجِرَانِ (٢)
فآخذه فأضربه فخَرَّت
وخُصَّ هذا المقام من الفائدة - على ما قال الطيبي - أنَّ الخيل وُصف
بالأوصاف الثلاثة ليُرتَّب عليها ما قُصد من الظفر بالفتح، فجيء بهذا الفعل الماضي
وما بعده مسبَّبَينِ عن أسماء الفاعِلينَ، فأفاد ذلك أنَّ تلك المداومة أنتجت هاتين
البُغيتَينِ. ويُفهم منه أنَّ الفاء لتفريع مَا بعدها عما قبلها وجَعْلِهِ مسبَّباً عنه، وسيأتي
الكلام فيها قريباً إن شاء الله تعالى.
وضميرُ ((به)) للصُّبح، والباء ظرفيةٌ، أي: فَهَيَّجْنَ في ذلك الوقت ﴿نَفْعً﴾ أي:
غباراً، وتخصيصُ إثارته بالصبح لأنَّه لا يثور أو لا يظهر ثورانُه بالليل، وبهذا يظهر
أنَّ الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقعٌ في الليل، وفي ذكر إثارة الغبار
إشارةٌ - بلا غبارٍ - إلى شدَّة العَدْوِ وكثرةِ الكرِّ والفرِّ، وكثيراً ما يشيرون به إلى ذلك،
ومنه قول ابن رواحة:
عدمتُ بُنيَّتي إن لم تروها تُثير النقْعَ مِن كَنَفَيْ كَداءٍ(٣)
(١) في (م): المضارع. وهو خطأ.
(٢) الانتصاف ٢٧٨/٤. ونُسب البيتان في الأغاني ١٢٩/٢١-١٣٤، والكشاف ٣٠٢/٣،
وتفسير القرطبي ٣٥٢/١٧، والبحر ٣٠٢/٨ لتأبط شرًّا، وكذا سلف عند المصنف ٣١٦/٨،
وهما في ديوانه ص٢٢٤ -٢٢٥. وصدر البيت الثاني عندهم عدا الانتصاف: فأضْرِبُها بلا دهْش
فخرَّت. وكذا: بسَهْب، بدل: بشهب. وعزاهما البصري في حماسته ٣٩٧/٢، والبغدادي في
الخزانة ٤٣٨/٦ لأبي البلاد الطهوي باختلاف يسير. والسَّهْب بالفتح: الفلاة، وبالضم:
المستوي من الأرض في سهولة. والصحصحان: المستوي من الأرض. والجِرَان: مقدَّم
العنق. القاموس (سهب) و(صحح) و(جرن).
(٣) النكت والعيون ٣٢٤/٦-٣٢٥، وتفسير القرطبي ٤٣٤/٢٢، والبحر ٥٠٣/٨. والصواب أن
=

الآية : ٤
٢٧١
سُورَةُ الْغَازِيَاتِ
وقال أبو عبيد(١): النقع: رفعُ الصوت، ومنه قول لبيد :
فمتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادقٌ يُحلِبوه(٢) ذاتَ جَرْس وَزَجَلْ(٣)
وقولُ عمر ◌َّه - وقد قيل له يوم تُوفِّي خالد بن الوليد: إنَّ النساء قد اجتمعن
يبكين على خالد -: ما على نساء بني المغيرة أن يَسفِكن على أبي سليمان دموعَهنَّ
وهُنَّ جلوس، ما لم يكن نَفْعٌ ولا لقلقة(٤).
والمعنى عليه: فهيَّجْنَ في ذلك الوقت صياحاً، وهو صياحُ مَن هُجم عليه
وأُوقع به. والمشهور المعنى الأول.
وجوِّز كونُ ضمير ((به)) للعَدْوِ الدالّ عليه ((العاديات))، أو للإغارة الدالِّ عليها
((المغيرات))، والتذكير لتأويلها بالجَرْي ونحوه. والباء للسببية أو للملابسة(٥)،
= قائله حسان بن ثابت كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢١، وأخبار مكة للفاكهي ١٨٠/٤،
وتهذيب الآثار (مسند عمر بن الخطاب) ٢/ ٦٦٤، وجمهرة اللغة ٢٤٤/٣، ودلائل النبوة
للبيهقي ٤٨/٥، وتاريخ الإسلام ٣٥٩/١، والخزانة ٢٣١/٩، وهو في ديوان حسان
ص٦٠، ورواية سيرة ابن هشام والجمهرة والخزانة والديوان:
عدِمِنا خيلَنا إن لم تروها تثير النَّفْع موعدُها كداءُ
قال البغدادي: كداء: الثنية التي في أصلها مقبرة مكة، ومنها دخل الزبير يومئذ (يعني يوم
الفتح).
(١) في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٥٠٣/٨: أبو عبيدة. والمثبت من تفسير القرطبي ٤٣٥/٢٢،
والدر المصون ٨٦/١١، والكلام في غريب الحديث لأبي عبيد ٢٧٥/٣.
(٢) ورد هنا في هامش الأصل حاشية: أي: يعينوه، من: أحلبتُ الرجلَ: إذا أعنته. ويقال
للقوم إذا جاؤوا للنصرة من كل أوب: قد أحْلبوا. وكان معناه: أتوا بالحلبة، وهي خيل
تجمع للسباق من كل أوب، لا تخرج من إصطبل واحد. اهـ منه.
(٣) ديوان لبيد ص١٩١، وغريب الحديث ٢٧٥/٣. قال شارح الديوان: الجرس: الصوت.
والزجل كذلك، إلّا أن فيه تطريباً. أراد: كتيبة ذات جرس وزَجَل. والمعنى: أنهم إذا ارتفع
صوت الصريخ هُبُّوا للنجدة بكتيبة هذه حالها .
(٤) غريب الحديث ٢٧٤/٣، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٦٨٥). وجاء في هامش
الأصل: فسِّر النقع بالصوت، واللقلقةُ نحوه. وقيل: اللقلقة: صوت النائحة باللسان،
والنقع: وضع التراب على الرأس، من النقيع: الغبار المرتفع. وقيل: شق الجيوب. اهـ منه.
(٥) ورد في هامش الأصل: وهي تصريح بما تقتضيه الفاء على ما سمعتَ عن الطيبي،
فلا تغفل. اهـ منه.

سُورَةُ الْغَادِيَات
٢٧٢
الآية : ٥
وجوِّز كونها ظرفيةً أيضاً والضميرُ للمكان الدالِّ عليه السياقُ، والأول أظهر
وألطف، ومثلُه ضميرُ ((به)) في قوله عز وجل: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ.﴾ أي: فتوسَّطن في ذلك
الوقت ﴿بَّعًا﴾ من جموع الأعداء، وجوِّز فيه وفي بائه نحوُ ما تقدَّم في ((به)» قبله،
وجوِّز أيضاً كونُ الضمير للنَّقْع والباء للملابسة، أي: فتوسَّطن ملتبساتٍ بالنقع
جمعاً. أو هي - على ما قيل - للتعدية إن أريد أنَّها وَسَّطَت الغبارَ.
والفاءات كما في ((الإرشاد)) للدلالة على ترتّب(١) ما بعد كلٍّ منها على ما قبله،
فتوسُّط الجمع مترتِّب على الإثارة المترتّبة على الإيراء المترتِّب على العدوِ (٢).
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ((فأثَّرْنَ)) و: ((فوسَّطْنَ)) بتشديد الثاء والسين(٣).
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي وقتادة وابن أبي ليلى الأولَ
کالجمهور، والثاني كذین(٤).
والمعنى على تشديد الأول: فأظهرن به غباراً، لأنَّ التأثير فيه معنى الإظهار.
وعلى تشديد الثاني على نحو ما تقدَّم، فقد نقلوا أنَّ ((وَسطَ)) مخفَّفاً ومثقَّلاً بمعنَّى
واحدٍ، وأنهما لغتان، وقال ابن جنِّي: المعنى: ميَّزْنَ به جمعاً، أي: جعلْنه
شطرين، أي: قسمين وشقَّين(٥).
وقال الزمخشري(٦): التشديد فيه للتعدية والباءُ مزيدة للتوكيد، كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَنُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٥] في قراءة، وهي مبالغة في ((وَسَطْن)) وجوّز أن يكون
قُلِبَ ثوَّرن إلى وثَّرن، ثم قُلبت الواو همزةً، فالمعنى على ما مرَّ، وهو تمثّل
مستغنّی عنه.
وعن السديِّ ومحمد بن كعب وعبيد بن عمير أنهم قالوا: ((العاديات)) هي الإبل
(١) في (م): ترتيب. وهو تصحيف.
(٢) تفسير أبي السعود ١٩٠/٩-١٩١.
(٣) القراءات الشاذة ص١٧٨، والمحتسب ٣٧٠/٢، والبحر ٥٠٤/٨. والكلام منه.
(٤) المصادر السابقة .
(٥) المحتسب ٢/ ٣٧٠.
(٦) في الكشاف ٤/ ٢٧٨.

الآية : ٥
٢٧٣
سُورَةُ الْغَائِبَاتِ
تَعدُو ضَبْحاً من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى. ونسب إلى عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب ((الأضداد»
وابن مردويه والحاكم وصحَّحه عن ابن عباس قال: بينما أنا في الحجر جالس إذ
أتاني رجلٌ فسألني عن: (وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا)؟ فقلتُ: الخيل حين تُغِير في سبيل الله تعالى
ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامَهم ويُورُون نارَهم. فانفتل عني فذهب إلي عليٍّ بن
أبي طالب رَؤُه وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن: (وَالْعَدِيَتِ ضَبْحً)؟ فقال:
سألتَ عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألتُ عنها ابنَ عباس. فقال: هي الخيل حين
تُغير في سبيل الله تعالى. فقال: اذهب فادْعه لي. فلمَّا وقفتُ على رأسه قال: تُفتي
الناسَ بما لا علمَ لك به، والله إن كانت لأوَّلَ غزوة في الإسلام بدرٌ(١)، وما كان معنا
إلا فَرَسان، فرسٌ للزبير تَظُه وفرسٌ للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات
ضبحاً؟! إنما العاديات ضبحاً الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة، فإذا آوَوْا إلى
المزدلفة أَوْرَوا النيرانَ، والمغيرات صبحاً من المزدلفة إلى منى فذلك جمعٌ، وأما
قوله تعالى: (فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَفْعً) فهو نفْعُ الأرض حين تَطؤها بخِفافها. قال ابن عباس:
فنزعتُ عن قولي إلى قول عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه ورضي الله عنه(٢).
واستشكل ردُّه كرم الله تعالى وجهه كونَ المراد بها الخيلَ بما كان من أمر غزوة
بدر بأنَّ ابنَ عباس لم يَدَّع أنَّ ((أل)) في ((العاديات)) للعهد، وأنها إشارةٌ إلى عاديات
بدر، ولا أنَّ السورة نزلت في شأن تلك الغزوة ليلزم تحقّق ذلك فيها ودخولُها
تحتَ العموم، بل ظاهرُ كلامه حملُ ذلك على جنس الخيل التي تعدو في سبيل الله
عز وجل. وإن حُملت على العهد، وقيل: إن المعهود هو الخيلُ التي بعثها عليه
الصلاة والسلام للغزو على ما سمعتَ صدرَ السورة، وكذا على ما رُوي من أنه
عليه الصلاة والسلام بعث إلى أناس من بني كنانة سريةً واستعمل عليها المنذر بن
(١) في (م): لبدر.
(٢) تفسير الطبري ٥٧٣/٢٤-٥٧٤، والأضداد ص٣٦٤-٣٦٣، والمستدرك ١٠٥/٢. وعزاه
لابن مردويه وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٣٨٣/٦. وهو من طريق أبي صخر، عن
أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وسيأتي الكلام على هذا الإسناد
قريباً .

سُوَرَةُ الْغَّادِيَاتِ
٢٧٤
الآية : ٥
عمرو الأنصاريَّ وكان أحد النقباء، فأبطأ عليه وَّهِ خَبَرُها شهراً، فقال المنافقون:
إنَّهم قُتِلوا. فنزلت السُّورة إخباراً له عليه الصلاة والسلام بسلامتها وبشارةً له وَله
بإغارتها على القوم(١) = لم يَبْعُد.
وأجيب بأنه كرم الله تعالى وجهه أراد أنَّ غزوة بدر هي أفضلُ غزوات
الإسلام، وبدرُها الذي ليس فيه انثلامٌ، ولم يكن فيها ما يصحُّ أن يكون مصداقاً
لهذه الآية على ذلك التأويل، وما غيرها من الغزوات بالنسبة إليها حتى يكون حريًّا
بمثل هذا التعظيم والتبجيل(٢)؟ فيتعيَّن أن لا يكون المراد ذلك، ويُسلك في الآية
ما يناسبها من المسالك.
ولا يخفى أن هذا الجواب لا يتحمَّل ـ لمزيدٍ ضَعْفِه - الإغارةَ عليه وإطلاقَ أعَّةِ
عادياتِ الأفكار إليه، والأحرى أنَّ الخبر لا صحَّة له، وتصحيحُ الحاكم محكومٌ عليه
عند أهل الأثر بكثرة التساهل فيه، وأنه غيرُ معتبَرٍ (٣). ثم إنَّ النقلَ عنه رَُّه في المراد
بالعاديات متعارضٌ، فما تقدَّم أنه إبل الحُجَّاج، ونقل صاحب ((التأويلات)) أنه كرَّم الله
تعالى وجهَه فسَّرها بإبل بدر، وأنَّ ابنَ مسعود هو الذي فسَّرها بإبل الحُجَّاج(٤).
ويرجِّح إرادةَ الخيل أنَّ إثارة النقع فيها أظهرُ منها في الإبل.
(١) تفسير أبي الليث ٣/ ٥٢، وأسباب النزول للواحدي ص٤٩٨، وزاد المسير ٢٠٧/٩، وعزوه
لمقاتل. وأورده ابن الأثير في أسد الغابة ١٧٨/٥، والحافظ في الإصابة ٩/ ٢٠٧ عن مقاتل
أيضاً، لكن فيه أن الأمير على السرية هو المسيّب بن عمرو.
(٢) قوله: ولم يكن فيها ما يصح ... إلى هنا ساقط من (م).
(٣) قال الحاكم في المستدرك ١٠٥/٢ عقب حديث علي تظنه: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، فقد احتجا بأبي صخر وهو حميد بن زياد الخراط المصري، وبأبي معاوية
البجلي، وهو والد عمار بن أبي معاوية الدهني الكوفي. اهـ. فتعقبه الذهبي في التلخيص
بقوله: لا والله، ولا ذكر لأبي معاوية في الكتب الستة، ولا احتج البخاري بأبي صخر،
والخبر منكر. وقال في الميزان ٤/ ٥٧٥: أبو معاوية البجلي، يقال: هو والد عمار الدهني،
فيه جهالة، روى عنه أبو صخر حميد بن زياد وآخر.
(٤) جاء في تأويلات أهل السنة ٥٠٨/٥: قال علي كرم الله وجهه وعبد الله مؤقتًا: هي الإبل.
غير أن عليًّا ◌َبه قال: ذلك يوم بدر، وقال ابن مسعود به ذلك. اهـ. كذا فيه، ولعل في
المطبوع سقطاً. وأخرج الطبري عن ابن مسعود أنه قال: هي الإبل. وفي رواية قال: هو في
الحج. تفسير الطبري ٢٤/ ٥٧٤ .

التفسير الإشاري
٢٧٥
سُوَّةُ الْغَّاِيَاتِ
ثم إنَّ ذلك الخبر يقتضي أنَّ المقسَمَ (١) به نوعان: الخيلُ أو الإبلُ، وجماعةٌ
الغزاةٍ أو الحُجَّاج الموقدةُ ناراً لطعامها أو نحوه، وفي بعض الآثار عن ابن عباس
ما هو أصرح مما تقدَّم في تفسير ((الموريات)) بما يُغايِرِ ((العاديات)) بالذات، ففي
((البحر)) عنه أنَّها الجماعة التي تُوري نارَها بالليل لحاجتها وطعامها. وفي رواية
أخرى عنه: تلك جماعةُ الغزاة تُكثِر النارَ إرهاباً(٢).
ورُويت المغايرةُ عن آخرين أيضاً، فعن مجاهد وزيد بن أسلم وهي رواية
أخرى عن ابن عباس: هي الجماعة تمكر في الحرب(٣)، فالعرب تقول إذا أرادت
المكر بالرجل: والله لأُورِيَنَّ له.
ومن الغريب ما روي عن عكرمة أنها ألسنةُ الرجال، تُوري النارَ من عظيم ما تتكلّم
به وتظهر من الحُجَج والدلائل وإظهار الحقِّ وإبطال الباطل (٤). وهو كما ترى.
ومن البطون والإشارات أن يكون المقسَمُ به النفوسَ العادِيَةِ إِثْر كمالهنَّ،
((الموريات)) بأفكارهنَّ أنوارَ المعارف، و((المغيرات)) على الهوى، و((العاديات))(٥)
إذا ظهر لهنَّ مثل أنوار القدس، ((فَأَثَرْنَ به)) شوقاً، ((فوسطن)) بذلك الشوق ((جمعاً))
من جموع العلِّيين.
ومثله ما قيل: إنَّ ذلك قَسَمٌ بالهِمَم القالبية التي تعدو في سبيل الله تعالى
خارجاً من جوف اشتياقها صوتُ الدعاء من شدَّة العدْو وغايةِ الشوق، بحيث يَسمَع
الروحانيُّون ضجيجَ دعائها وتضرُّعِها والتماسِها تسهيلَ سلوك الطريق الوعرِ الذي
يتعلَّق بجبال القالب، ((الموريات)) بحوافر الذكر نارَ الهداية المستكثَّة في حجر
القالب وقتَ تخمير اللطيفة، و((المغيراتِ)) بعدَ سلوكها فى جبال القالب الراسيةَ في
(١) في (م): للقسم. وهو تصحيف.
(٢) البحر ٥٠٣/٨، والنكت والعيون ٤٢٤/٦.
(٣) أخرج هذه الرواية عن ابن عباس ومجاهد الطبريُّ في تفسيره ٢٤/ ٥٧٧.
(٤) زاد المسير ٢٠٨/٩، وأخرجه الطبري ٥٧٧/٢٤ مختصراً.
(٥) في الأصل و(م): والعادات، والمثبت من تفسير البيضاوي ٣٩١/٨، والكلام منه.

الآية : ٦
٢٧٦
سُورَةُ الْغَائِبَاتِ
ظلام الليل القالبيِّ، وعبورِها عنها إلى أفق عالم النفس وتنفّسٍ صُبح النَّفَس، على
الخواطر النفسية وشؤونها، فهيَّجْنَ بذلك الجري غبارَ الخواطر وأثَرْنه لئلا يختفي
خاطرٌ من الخواطر، ((فوَسَطْن)) بذلك ((جمعاً)) من جنود القُوى القلبية وحزبٍ
الخواطر الذكرية التي هي حزب الرحمن في وسط عالم النفس.
ولهم في هذا الباب غير ذلك.
وأيَّاما كان فالمقسمَ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِهِ، لَكَنُوٌ ﴾﴾ أي:
لكفورٌ جحودٌ، من كَنَدَ النعمة: كَفَرَها ولم يشكرها، وأنشدوا :
كَنوداً لنعماء الرجال يُبَعَّدِ(١)
کَنودٌ لنعماءِ الرِّجال ومَن یکنْ
وعن ابن عباس ومقاتل: الكَنُود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان
ربيعة ومضر: الكفور، وبلسان كنانة: البخيلُ السيِّئُ المَلَكَة، ومنه الأرضُ الكَنُود
التي لا تُنِت شيئاً (٢).
وقال الكلبيُّ نحوه، إلا أنه قال: وبلسان بني مالك البخيلُ. ولم يذكر
حضرَموت بل اقتصر على كندة(٣).
وتفسيره بالكَفور هنا مرويٌّ عن ابن عباس والحسن(٤)، وأخرجه ابن عساكر عن
أبي أمامة مرفوعاً إلى رسول الله وَلية (٥).
وفى رواية أخرى عن الحسن أنه قال: هو اللائم لربِّه عز وجل، يعدُّ السيئات
وينسى الحسنات(٦). وقال الفضيل: هو الذي تُنسيه سيئةٌ واحدة حسناتٍ كثيرة،
(١) البيت في تفسير القرطبي ٤٣٧/٢٢، والبحر ٥٠٣/٨، والدر المصون ٨٩/١١، واللباب
٢٠ / ٤٦٤.
(٢) تفسير القرطبي ٤٣٧/٢٢، والبحر ٥٠٣/٨.
(٣) الكشاف ٢٧٨/٤، والبحر ٥٠٣/٨.
(٤) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ٥٨٤/٢٤-٥٨٥ .
(٥) عزاه لابن عساكر السيوطي في الدر ٦/ ٣٨٤ وينظر ما سيرد قريباً من حديث أبي أمامة حظ
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٧٨/٢٤ .

الآية : ٦
٢٧٧
سُوَّةُ الْغَائِبَاتِ
ويعامل الله تعالى على عَقْدِ عِوَضٍ.
وقال عطاء: هو الذي لا يعطي في النائبات مع قومه(١). وإرادته هنا غير
ظاهرة(٢) .
وروى الطبراني وغيره بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وتليفون:
((أتدرون ما الكنود))؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم. قال: ((هو الكفور الذي
يضرب عبده ويمنع رِفْدَه ويأكل وحده))(٣).
وأخرج البخاري فى ((الأدب المفرد)) والحكيم الترمذي وغيرُهما تفسيرَه بالذي
يمنع رِفْدَه، وينزل وحدَه، ويضرب عبده، موقوفاً على أبي أمامة (٤).
وأخرج البيهقي في ((الشعب)) عن قتادة والحسن أنهما قالا: الكَنود: الكفورُ
للنعمة، البخيلُ بما أُعطي، الذي يَمْنَعُ رِفِدَه، ويُجيع عبدَه، ويأكل وحدَه، ولا يُعطي
النائبةٍ تكون في قومه. ولا يكون كَنُوداً حتى تكون هذه الخِصالُ فيه(٥) .
والجمهور على تفسيره بالكَفُوْر، وكلٌّ مما ذُكر لا يخلو عن كفران، والكفرانُ
المبالَغُ فیه یجمع صُنوفاً منه.
و ((أل)) في ((الإنسان)) للجنس، والحكم عليه بما ذُكر باعتبار بعض الأفراد.
(١) قول الفضيل وعطاء في تفسير البغوي ٥١٨/٤، والبحر ٥٠٤/٨-٥٠٥، والكلام منه.
(٢) الكلام من: وقال الفضيل .... إلى هنا ساقط من (م).
(٣) المعجم الكبير (٧٩٥٨)، وتفسير الطبري ٥٨٦/٢٤، والمجروحين لابن حبان ٢١٢/١.
وهو من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة به. وجعفر بن الزبير متروك،
وقال ابن حبان: روى عنه القاسم نسخة موضوعة. وذكر منها هذا الحديث.
(٤) الأدب المفرد (١٦٠)، ونوادر الأصول ص ٢٦٧، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره
٠٥٨٧/٢٤
(٥) الدر المنثور ٣٨٥/٦، والذي في مطبوع شعب الإيمان (٤٦٢٨) أنَّ تفسير ((كنود)) بالكفور
هو من قول قتادة والحسن ﴿يا، وأما الكلام الذي بعده فهو فيه من قول الكلبي، وهو
الأشبه؛ لأنه قد روي تفسير ((كَنود)) بالكفور من قول قتادة والحسن دون أن تذكر تلك الزيادة
فيه. ينظر تفسير عبد الرزاق ٣٩١/٢، وتفسير الطبري ٢/ ٣٩١، والنكت والعيون ٣٢٥/٦،
وزاد المسير ٩/ ٢١١.

سُورَةُ الْغَائِبَاتِ
٢٧٨
الآية : ٧ - ٨
وقيل: المراد به كافرٌ معيَّن؛ رُوي عن ابن عباس أنها نزلت في قُرط بن
عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشيّ(١)، وأيِّد بقوله تعالى بعدُ: (أَفَلاَ يَعْلَمُ) إلخ؛ لأنه
لا يليق إلا بالكافر. وفي الأمرین نظرٌ.
وقيل: المراد به كلُّ الناس، على معنى أنَّ طبعَ الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا
عصمه الله تعالى بلطفه وتوفيقه من ذلك. واختاره عصام الدين، وقال: فیه مدحٌ
للغُزاة لسَعْيهم على خلاف طبعهم.
و (لربِّه)) متعلِّقٌ بـ ((كنود))، واللامُ غيرُ مانعةٍ من ذلك، وقدِّم للفاصلة مع كونه
أهمَّ من حيث إنَّ الذَّّ البالغ إنَّما هو على كُنُود نعمتِّه عز وجل. وقيل: للتخصيص
على سبيل المبالغة.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الإنسان، كما قال الحسن ومحمد بن كعب ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾ أي:
على كُنُوده ﴿لَشَهِيدٌ﴾ لظهور أثره عليه، فالشهادةُ بلسان الحال الذي هو أفصحُ من
لسان المقال. وقيل: هي بلسان المقال لكن فى الآخرة.
وقيل: ((شهيد)) من الشهود لا من الشهادة، بمعنى أنه كَفورٌ مع علمه بكفرانه،
وعَمَلُ السوء مع العلم به غايةُ المذمَّة. والظاهر الأول.
وقال ابن عباس وقتادة: ضميرُ ((إِنَّ)) عائدٌ على الله تعالى، أي: وإنَّ ربَّه سبحانه
شاهدٌ عليه، فيكون الكلام على سبيل الوعيد، واختاره التبريزيُّ فقال: هو الأصح؛
لأنَّ الضميرَ يجب عودُه إلى أقرب مذكورٍ قبله(٢).
وفيه أنَّ الوجوبَ ممنوعٌ، واتساقُ الضمائر وعدمُ تفكيكها يرجّح الأولَ، فإنَّ
الضمير السابق - أعني ضميرَ ((لربه)) - للإنسان ضرورةً، وكذا الضميرُ اللاحقُ أعني
الضميرَ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي: المالِ، وورد بهذا المعنى في
(١) تفسير الرازي ٦٧/٣٢، وهو في تفسير أبي الليث ٥٠٣/٣، وزاد المسير ٢٠٩/٩ عن
مقاتل.
(٢) نقله المصنف من البحر ٨/ ٥٠٥.

الآية : ٨
٢٧٩
سُوَرَّةُ الْغَائِبَاتِ
القرآن كثيراً حتى زعم عكرمة أنَّ ((الخيرَ)) حيث وقع في القرآن هو المالُ(١)،
وخصّه بعضهم بالمال الكثير، وفشِّر به في قوله تعالى: ﴿إِن تَّرَّكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾
[البقرة: ١٨٠].
وإطلاقُ كونه ((خيراً)) باعتبار ما يراه الناس، وإلا فمنه ما هو شرٌّ يومَ القيامة.
واللامُ للتعليل، أي: إنه لأجل حبِّ المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أي: لبخيلٌ، كما قيل.
وكما يقال للبخيل: شديدٌ، يقال له: متشدِّدٌ، كما في قول طرفة:
أرى الموتَ يَعتامُ الكرامَ ويَصْطفي عَقِيلةَ مالِ الفاحش المتشدِّدِ (٢)
وشديدٌ فيه(٣) يجوز أن يكون بمعنى مفعول، كأنَّ البخيلَ شُدَّ عن الإفضال.
ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنَّه شَدَّ صرَّتَه فلا يُخرج منها شيئاً .
وجوَّز غيرُ واحد أن يراد بالشديد القويُّ، ولعله الأظهر. وكأنَّ اللامَ عليه
بمعنى ((في))، أي: وإنَّه لقويٌّ مبالغ في حُبِّ المال، والمراد قوةُ حبِّه له. وقال
الزمخشري: المعنى: وإنَّه لحبِّ المال وإيثارِ الدنيا وطلبها قويٌّ مُطيق، وهو لحبِّ
عبادة الله تعالى وشُكر نعمته سبحانه ضعيفٌ مُتقاعِس؛ تقول: هو شديدٌ لهذا الأمر
وقويٌّ له: إذا كان مُطيقاً له ضابطاً(٤).
وجعل النيسابوريُّ(٥) اللامَ على هذا التعليل، وليس بظاهر. فتأمَّل.
وقال الفراء: يجوز أن يكون المعنى: وإنه لحبِّ الخير لشديدُ الحبّ، يعني:
(١) المحرر الوجيز ٥١٥/٥، وهو في البحر ٥٠٥/٨ عن قتادة. وأخرجه الطبري ١٣٥/٣ عن
مجاهد .
(٢) ديوان طرفة ص٣٤. والمحرر الوجيز ٥١٥/٥، وتفسير القرطبي ٤٤٠/٢٢، والبحر ٥٠٥/٨،
وفي تفسير الطبري ٥٨٨/٢٤: النفوس. بدل: الكرام. قال النحاس في شرح المعلقات
٨٣/١: يعتام: يختار. ويصطفي: يأخذ صفوته وهو خيرته. وعقيلة المال: أكرمه وأنفسه
عند أهله.
(٣) قوله: فيه، أي: في البخيل.
(٤) الكشاف ٢٧٩/٤.
(٥) في غرائب القرآن ٣٠/ ١٦٢.

الآية : ٩
٢٨٠
سُورَةُ الغَّاِبَاتِ
إنه يحبُّ المالَ ويحبُّ كونَه محِبًّا له، إلا أنه اكتفي بالحبِّ الأول عن الثاني كما قال
تعالى: ﴿أَشْتَدَّتْ بِهِ الْرِيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أي: في يومٍ عاصف الريح،
فاكتفي بالأولى عن الثانية(١).
وقال قطرب: أي: إنه شديدٌ لحبِّ الخير، كقولك: إنَّه لزيدٍ ضَروبٌ، في: إنه
ضَروبٌ لزيدٍ(٢).
وظاهر التمثيل أنَّه اعتبر (حُبّ الخير)) مفعولاً به لـ ((شديد))، وأنَّ ((شدید)) اسمُ
فاعل جيء به على فعيل للمبالغة، وأنَّ اللام في ((لحبٌّ)) للتقوية. وفيه ما فيه.
وقيل: يجوز أن يعتبر أنَّ شديداً صفةٌ مشبهةٌ كانت مضافةً إلى مرفوعها وهو ((حبُّ))
المضاف إلى ((الخير) إضافةً المصدر إلى مفعوله، ثم حوَّل الإسنادُ وانتصب
المرفوعُ على التشبيه بالمفعول به، ثم قدِّم وجُرَّ باللام. وفيه - مع قطع النظر عن
التكلُّف - أنَّ تقدُّم معمول الصفة عليها لا يجوز، وكونه مجروراً في مثل ذلك
لا يُجدي نفعاً، إذ ليس هو فيه نحوَ: زيدٌ بك فَرِح، كما لا يخفى.
وجوَّز ابن عطية(٣) أن يرادَ بالخير الخيرُ الدنياويُّ من مالٍ وصحة وجاءٍ عند
الملوك، ونحو ذلك ممَّا يَعُدُّه الجهَّالُ خيراً، والمعنى على نحوٍ ما سمعتَ عن
الزمخشري(٤). ويُفهم من كلامه في ((الكشاف)) جوازُ أن يراد به ما هو عنده تعالى
من الطاعات، على أنَّ المعنى: إنه لحبِّ الخيراتِ غيرُ هشٍّ منبسطٍ ولكنَّه شديدٌ
منقبض(٥).
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِىِ الْقُبُورِ ﴾﴾ إلخ تهديدٌ ووعيدٌ، والهمزة
للإنكار، والفاءُ للعطف على مقدَّر يقتضيه المقامُ، ومفعول ((يَعْلَم)) محذوفٌ، وهو
(١) معاني القرآن ٢٨٣/٣-٢٨٤.
(٢) ذكره عن قطرب الرازيُّ في تفسيره ٦٨/٣٢ بلفظ: أي: إنه شديدُ حبِّ الخير، كقولك: إنه
لزيدٍ ضروبٌ، أي: إنه ضروبُ زيدٍ. ومثله في تفسير النيسابوري ١٦٢/٣٠.
(٣) في المحرر الوجيز ٥١٥/٥.
(٤) قوله: وجوز ابن عطية ... إلى هنا ليست في (م)، وضرب عليه في النعمانية (ب).
(٥) الکشاف ٢٧٩/٤ .