Indexed OCR Text

Pages 201-220

الآية : ٣
٢٠١
سُؤَدَّةُ القَدْرِ
تُصبحُ من ذلك اليوم، تطلعُ الشمس ليس لها شعاع))(١).
وبعض الأخبار عن ابن عباس ظاهرةٌ في ذلك، وفي بعضها الاستئناسُ له بما يدلُّ
على جلالة شأن السبعةِ التي قالوا فيها أنَّها عددٌ تامٌّ من كون السماوات سبعاً،
والأرضين سبعاً، والأيام سبعاً، والجمار سبعاً، والطواف بالبيت سبعاً، والسجود
على سبع، إلى غير ذلك مِمَّا ذكره واستأنس له أيضاً بأنَّ لفظة ((هي)) الراجعة لليلة
القدر في السورة وقعت سابعة وعشرين من كلماتها التي هي ثلاثون كلمةً(٢)، وبأنَّ
لفظ ليلة القدر ذكر فيها ثلاث مرات، مع أنَّ الظاهر في الموضعين الأخيرين الضمير،
وهو تسعة أحرف، فكان في ذكرها ثلاثاً رمزاً إلى أنَّها السابعة والعشرون.
والذي أميل إليه أنها في العشر الأخير(٣)؛ لما علمتَ من الأخبار الصحيحة
المتضافرة، وهو زمانُ ضعف البدن وفيه يزيد أجرُ العمل، ووقتُ قوَّة الاستعداد
للتجليات لمزيد التصفية، وأنَّها في الأوتار أرجى للأحاديث أيضاً، مع أنَّ الله
تعالی وترٌ یحبُّ الوتر.
وقال ابنُ حجر الهيتميُّ: اختارَ جمعٌ أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر الأواخر،
بل تنتقلُ في لياليه، فعاماً أو أعواماً تكون وتراً؛ إحدى أو ثلاثاً أو غيرهما، وعاماً أو
أعواماً شفعاً؛ اثنتين أو أربعاً أو غيرهما، قالوا: ولا تجتمع الأحاديثُ المتعارضة
فيها إلَّا بذلك، وكلام الشافعيِّ رَظُه في الجمع بين الأحاديث يقتضيه. انتهى.
ولا يخفَى أنَّ الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها مطلقاً مِمَّا لا يتسنَّى،
وإنَّما يتسنَّى الجمعُ بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها بالنظر إلى العشر.
وقيل في الجمع مطلقاً: إنَّها تنتقل، وما صحَّ من التعيين في الجملة أو على
التحقيق محمولٌ على ليلة قدر في شهر رمضان مخصوص، بأنْ يكونَ قد علم وَّ
(١) مسند أحمد (٢١١٩٣)، وصحيح مسلم (٧٦٢) ص٨٢٨، وسنن أبي داود (١٣٧٨)، وسنن
الترمذي (٣٣٥١)، والسنن الكبرى للنسائي (٣٣٩٢)، وصحيح ابن حبان (٣٦٩٠).
(٢) قال أبو حيان في البحر ٨/ ٤٩٧: ولا يصح مثل هذا عن ابن عباس، وإنما هذا من باب
اللغز المنزه عنه كلام الله تعالى.
(٣) من قوله: واستأنس له ... إلى هنا ساقط من (م)، ومضروب عليه في النسخة النعمانية (ب).

سُوَّةُ القَدز
٢٠٢
الآية : ٣
أنَّها في أَوَّلِ شهرِ رمضان فُرِضَ ليلةُ كذا، فقال عليه الصلاة والسلام: هي ليلة
كذا، أي: في هذا الشهر رمضانَ المخصوص، وعلم عليه الصلاة والسلام أنَّها في
شهر رمضان بعدَه ليلةُ كذا، غير تلك الليلة التي ذكرها قبل، فقال صل﴾: هي ليلة
كذا، وعَلم ◌َلَّ أنَّها في آخر في العشر الأخير منه، فقال: هي في العشر الأخير،
أي: من هذا الشهر المخصوص، وهكذا. وهو كما ترى.
وعلى القول بانتقالها اذَّعى بعضُهم أنَّه إذا كان أولُ الشهر ليلةً كذا، فهي الليلة
السابعة والعشرون، وإن كانت ليلة كذا، فهي الليلة الحادية والعشرون، إلى آخر
ما قال. وقد ذكرناه مع نظمه في ((الطراز المذهب))، وليس في ذلك ما يقوم حَجَّةً
على الغير.
وفي بعض الأخبار ذكرُ علامات لها، ففي حديث الإمام أحمد والبيهقي
وغيرهما عن عبادة بن الصامت: ((من أماراتها أنها ليلةٌ بَلْجَةٌ صافيةٌ ساكنةٌ، لا حارةٌ
ولا باردةٌ، كأنَّ فيها قمراً ساطعاً لا يُرْمَى فيها بنجمٍ حتى الصباح))(١).
وأخرجَ نحواً منه ابنُّ جرير في ((تهذيبه)) وابن مردويه عن جابر بن عبد الله
مرفوعاً(٢).
وحَمْلُ ذلك - إنْ صحَّ - على ليلة قدرٍ من شهر رمضان مخصوصٍ كالمتعيِّن
لعدم اطراده ولا أغلبيته(٣) فيما يظهر.
والحكمة في إخفائها أنْ يَجتَهد مَنْ يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها، كأنْ
يُحييَ ليالي شهر رمضان كلَّها، كما كان دأبُ السلف، وللإمام في هذا المقام كلامٌ
يجلُّ مثله عن التكلُّم بمثله، ولعمري لقد سها فيه سهواً بيِّناً، وأتى فيه بما يوشك أن
يدلّ على جهله(٤).
(١) مسند أحمد (٢٢٧٦٥)، وشعب الإيمان للبيهقي (٣٦٩٤).
(٢) الدر المنثور ٣٧٢/٦.
(٣) بعدها في الأصل: على.
(٤) انظر تفسير الرازي ٢٨/٣٢-٢٩، ولعلَّ الكلام المذكور أعلاه ليس من كلام الرازي نفسه،
بل من كلام تلميذه شمس الدين أحمد الخويي المتوفى سنة (٦٣٧هـ)، أو من كلام العلامة

الآية : ٣
٢٠٣
ـة القدر
ومعنى ليلة القدر: ليلة التقدير، وسمِّيت بذلك لما رُوي عن ابن عباس وغيره
أنَّه يُقَدَّرُ فيها ويُقْضَى ما يكون في تلك السنة من مطرٍ ورزقٍ وإحياءٍ وإماتةٍ إلى السنة
القابلة.
والمراد إظهارُ تقديره تعالى ذلك للملائكة عليهم السلام المأمورين بالحوادث
الكونية، وإلَّا فتقديره تعالى جميعَ الأشياء أزليٍّ قبل خلق السماوات والأرض،
لكن قال بعض الأجلَّة: كونُ التقدير في هذه الليلة يشكلُ عليه قولُ كثيرٍ: إنه ليلة
النصف من شعبان، وهي المراد بالليلة المباركة التي قال الله تعالى فيها: ﴿فِيهَا
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وأجاب بأنَّ هاهنا ثلاثة أشياء:
الأوَّل: نفسُ تقدير الأمور، أي: تعيين مقاديرها وأوقاتها، وذلك في الأزل.
والثاني: إظهار تلك المقادير للملائكة عليهم السلام، بأنْ تُكْتَب في اللوح
المحفوظ، وذلك في ليلة النصف من شعبان.
والثالث: إثباتُ تلك المقادير في نُسخ، وتسليمها إلى أربابها من المدبِّرات،
فتدفَعُ نسخة الأرزاق والنباتات والأمطار إلى ميكائيل عليه السلام، ونسخة الحروب
والرياح والجنود والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل عليه السلام، ونسخةٌ
الأعمال إلى إسرافيل عليه السلام، ونسخةُ المصائب إلى ملك الموت، وذلك في
ليلة القدر.
وقيل: يقدَّرُ في ليلة النصف الآجال والأرزاق، وفي ليلة القدر الأمور التي فيها
الخير والبركة والسلامة.
وقيل: يقدَّر في هذه ما يتعلَّق به إعزاز الدين، وما فيه النفع العظيم للمسلمين،
وفي ليلة النصف يكتبُ أسماء من يموت، ويسلّم إلى ملك الموت. والله تعالى
أعلم بحقيقة الحال.
= نجم الدين القمولي المصري المتوفى سنة (٧٢٧هـ)، حيث كتب كلاهما تتمة لتفسير الرازي،
ينظر تفصيل المسألة في كتاب ((النحو وكتب التفسير)) لإبراهيم رفيدة ٨٢٧/٢-٨٤٣، حيث
جزم بهذه التتمة بما يشبه اليقين.

الآية : ٣
٢٠٤
سُؤَةُ القَدُ
وقال الزهريُّ: المعنى: ليلة العظمة والشرف، من قولهم: رجلٌ له قَدْرٌ عند
فلان، أي: منزلةٌ وشرفٌ، وسمِّيت بذلك لأنَّ من أتى بفعل الطاعات فيها صار ذا
قَدْرٍ وشرفٍ عند الله عزَّ وجلَّ، أو لأنَّ الطاعات لها فيها ذلك.
وقيل: لأنَّه نزل فيها كتابٌ ذو قدرٍ، بواسطة مَلَكِ ذي قَدْر، على رسولٍ ذي
قدر، لأمَّةٍ ذات قَدْرٍ .
وقيل: لأنَّه يتنزَّل فيها ملائكةٌ ذوات قدر.
وقال الخليل بن أحمد: المعنى: ليلة الضيق، مِن قَدَر عليه رزقَه: ضيَّقَ،
وسُمِّيت بذلك لأنَّ الأرض تضيقُ فيها بالملائكة عليهم السلام.
وخيريَّتُها من ألف شهر باعتبار العبادة عند الأكثرين، على معنى أنَّ العبادةَ فيها
خيرٌ من العبادة في ألف شهر، ولا يعلم مقدار خيريَّتها منها إلَّا هو سبحانه وتعالى،
وهذا تفضُّلٌ منه تعالى، وله عزَّ وجلَّ أنْ يَخُصَّ ما شاء بما شاءَ، ورُبَّ عملٍ قليلٍ
خيرٌ من عملٍ كثير، ولا ينافي هذا قاعدةَ أنَّ كلَّ ما كَثُر وشقَّ كان أفضل؛ لخبر
مسلم أنَّهِ وَ ◌َّ قال لعائشة عِؤُها: ((أجرُك على قَدْرِ نصبك))(١)؛ لأنَّها أغلبيَّةٌ على
ما قال غيرُ واحد، ولا شكَّ أنَّ العملَ القليلَ قد يَفضُلُ الكثيرَ باعتبار الزمان،
وباعتبار المكان، وباعتبار كيفيَّة الأداء، كصلاة واحدة أُدَِّت بجماعة، فإنَّها تعدلُ
خمساً وعشرين مرةً صلاةً مثلها أُدِّيت على الانفراد، إلى غير ذلك. نعم هذه
الأفضليَّة قد تُعقَلُ في بعضٍ، وقد لا، كما فيما نحن فيه، ولا حجر على الله عز
وجل، ولا يَعلم ما عنده سبحانه إلَّا هو جلَّ شأنُه.
وتخصيصُ الأَلْفِ بالذكر، قيل: إمَّا للتكثير، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وكثيراً ما يراد بالأعداد ذلك. وفي ((البحر))
حكاية أنَّ المعنى عليه: خيرٌ من الدهر كلِّه(٢). أو لِمَا أخرجَ ابنُ المنذر وابن
(١) صحيح مسلم (١٢١١): (١٢٦) بنحوه، وأخرجه بنحوه أيضاً البخاري (١٧١٧). وسلف
عند تفسير الآية (١٩) من سورة ((ص)).
(٢) البحر المحيط ٤٩٦/٨.

الآية : ٣
٢٠٥
سُوَدَّةُ الْقَدْرِ
أبي حاتم والبيهقيُّ في ((سننه)) عن مجاهد أنَّ النبيَّ وَّ ذكرَ رجلاً من بني إسرائيل
لبسَ السلاح في سبيل الله تعالى ألف شهر، فعجبَ المسلمون من ذلك، وتقاصرت
إليهم أعمالهم، فأنزل الله تعالى السورة(١).
۔
وأخرج ابن أبي حاتم عن عليٍّ بن عروة قال: ذكر رسول الله وَ له يوماً أربعةً من
بني إسرائيل، عبدوا الله تعالى ثمانينَ عاماً لم يعصوه طرفةَ عينٍ، فذكر أيوبَ،
وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع بن نون، فعجبَ أصحابُ رسول الله وَله من
ذلك، فأتاه جبريلُ عليه السلام فقال: يا محمد عَجِبَتْ أمَّتُك من عبادة هؤلاء النفر
ثمانينَ سنةً، فقد أنزل الله تعالى عليك خيراً من ذلك، فقرأ عليه: (إِنَّ أَنزَلْنَهُ) إلخ،
ثم قال: هذا أفضلُ مما عَجِبْتَ أنتَ وأمَّتُك منه. فسُرَّ بذلك رسولُ اللهِ وَلِينَ(٢).
وقيل: إنَّ الرجلَ فيما مضى ما كان يقال له عابدٌ حتَّى يعبدَ الله تعالى ألف
شهر، فأُعطوا ليلةً إنْ أحيَوها كانوا أحقَّ بأنْ يسمَّوا عابدين من أولئك العباد.
وقال أبو بكر الوراق: كان مُلْكُ كلٍّ من سليمان وذي القرنين خمس مئة شهر،
فجعل الله تعالى العملَ في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما.
وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّه إن أُريد بذي القرنين الأوَّل، فهو على القول به قد ملكَ
أكثرَ من ذلك بكثير، وإن أريد به الثاني، أعني قاتِلَ دارا، فهو قد ملكَ أقلَّ من
ذلك بكثير.
وقيل: أُرِيَ وَّهِ أعمارَ الأمم كافَّةٌ، فاستقصرَ أعمار أمَّته، فخاف عليه الصلاة
والسلام أنْ لا يبلُغوا من العمل مثلَ ما بلغ غيرُهم في طُوْل العمر، فأعطاه الله تعالى ليلةً
القدر، وجعلَها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم، وذكره الإمام مالك في ((الموطأ))(٣).
(١) الدر المنثور ٣٧١/٦، وأخرجه البيهقي في سننه ٣٠٦/٤، وقال: هذا مرسل.
(٢) الدر المنثور ٣٧١/٦، وأورده ابن كثير في تفسيره ٤٤٣/٨ وهو من طريق مسلمة بن عُليّ
عن علي بن عروة، وهما متروكان كما قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب.
(٣) ٣٢١/١. قال ابن عبد البر في التمهيد ٣٧٣/٢٤: لا أعلم هذا الحديث يروى مسنداً من
وجه من الوجوه، ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلاً ولا مسنداً، وهذا أحد الأحاديث التي
انفرد بها مالك.

سُوَّةُ القَدرِ
٢٠٦
الآية : ٣
وقد سمعتَ ما يدلُّ على أنَّ الألفَ إشارةٌ إلى مُلكِ بني أميّة، وكان - على
ما قال القاسم بن الفضل - ألف شهرٍ لا يزيدُ يوماً ولا ينقص يوماً، وعلى ما قيل
ثمانين سنةً، وهي ألف شهر تقريباً؛ لأنَّها ثلاثةٌ وثمانون سنةً وأربعةُ أشهر، ولا يعكِّر
على ذلك مُلكهم في جزيرة الأندلس بعد؛ لأنَّه ملكٌ يسيرٌ في بعض أطراف
الأرض، وآخرٍ عمارة العرب، ولذا لم يعدّ مَن مَلَك منهم هناك من خلفائهم،
وقالوا بانقراضهم بهلاك مروان الحمار.
وطعن القاضي عبد الجبار في كون الآية إشارةً لما ذُكرَ بأنَّ أيام بني أميّة كانت
مذمومةً - أي: باعتبار الغالب - فيبعدُ أنْ يقال في شأن تلك الليلة: إنَّها خيرٌ من
ألف شهر مذمومة :
ألم تر أنَّ السيفَ ينقصُ قدره
إذا قيل إنَّ السيفَ خيرٌ من العصا(١)
وأجيبَ بأنَّ تلكَ الأيام كانت عظيمةً بحسب السعادات الدنيويَّة، فلا يَبْعُدُ أن
يقول الله تعالى: إنِّي أعطيتك ليلةً هي في السعادات الدينيَّة أفضل من تلك في
السعادات الدنيوية(٢).
وقيل: الأمرُ مبنيٌّ على زَعْمِ أنَّ في تلك الأيام خيراً، ومثلُه في القرآن كثير.
وزعم بعضهم أنَّه يُبْعِدُ صحَّةَ الخبر أنَّه تُشعر القصّةُ عليه بأنَّه ليس لبني أمية
من خيريَّةٍ ليلة القدر نصيبٌ، وألَّ يجتمع لهم الخيران، فلا تبقى فائدةٌ في
التسلية.
والتزامُ أنْ لا نصيب لهم لا يخفى حاله، وفيه نظر، ويترجَّح عندي ضعف ذلك
الخبر، وقد سمعت ما قيل فيه(٣).
(١) لا يعرف قائله، وسلف ٨٨/٨.
(٢) بعدها في (م): فلا تبقى فائدة.
(٣) ومما يرد على هذا المعنى: أنَّ السورة مكيَّةٌ، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني
أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة الهجرة،
فهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته. والله أعلم. قاله ابن كثير في تفسيره
٨/ ٤٤٢، وينظر ما سلف في بداية تفسير هذه السورة.

الآية : ٣
٢٠٧
سُورَةُ القَدْرِ
وذهب المُعْظَم إلى أنَّ المراد: خيرٌ من ألف شهر ليس فيها ليلةُ قدر، حتى
لا يلزمَ تفضيلُها على نفسها.
وقيل: إذا كان المراد بذلك المبالغة في تفضيلها على غيرها مطلقاً، لا يحتاج
إلى ما ذكر، فتأمَّله.
ثمَّ الظاهرُ أنَّ تلك الشهور غيرُ معينةٍ، بل هي ألف شهرٍ، أيِّ شهر كان. وقال
أبو العالية: المراد: خيرٌ من ألف شهر رمضان ليس فيها ليلة القدر. وهو خلافُ
الظاهر جداً (١).
واختلف في أنَّ تلك الليلةَ هل تستتبعُ يومَها أم لا؟
فقال الشعبيُّ: نعم، يومُها مثلها. وقيل: لعلَّ الوجه فيه أنَّ ذكرَ الليالي يستتبعُ
الأيَّام، ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين لزمتاه بيومَيْهما .
والكثير: لا. لكن قيل: يسُّ الاجتهادُ في يومها، كما يسنُّ فيها، ولذا جاء في
وصفها: ((إن الشمسَ تطلع صبيحتها وليس لها شعاع)) كما تقدَّم، أي: لعظم أنوار
الملائكة الصاعدين والنازلين فيها، فإنَّه لا فائدةَ فيه سوى معرفة يومها، ولا فائدةً
فیها لو لم يُسنَّ الاجتهاد فيه.
ومنع بأنَّه يجوزُ أنْ تكون الفائدة معرفتها نفسها؛ ليجتَهد فيها مِن قَابِل، بناءً
على أنَّها لا تنتقل.
وظاهرُ الآية أنَّها أفضلُ من ليلة الجمعة، والمسألةُ خلافيَّةٌ، وأكثرُ الأئمة على
أنَّها أفضل منها للآية، ولأنَّ الله تعالى أنزلَ فيها القرآن، وهو هو، ولم ينزله في
غيرها، ولأنَّه سبحانَه أمر بطلبها، فعن ابن عباس أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَبْتَغُواْ
مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: ليلة القدر، ولأنَّه عزَّ وجل جعلَها ليلة الفَرْق
والحكم، فقال جلَّ شأنُه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِرٍ﴾ [الدخان: ٤] وسَمَّاها جلَّ
وعلا ليلةَ القدر، أي: التقدير، ولما رُوي عن كعب أنَّه قال: إنَّ الله تعالى اختارَ
(١) من قوله: وقيل: الأمر ... إلى هنا ساقط من (م). وضرب عليه في النسخة النعمانية (ب).
٠٠

سُورَةُ القَحدر
٢٠٨
الآية : ٣
الساعات، فاختارَ ساعات أوقات الصلاة، واختار الأيام، فاختار يوم الجمعة،
واختار الشهور، فاختار(١) رمضان، واختار الليالي، فاختار ليلة القدر، فهي أفضلُ
ليلةٍ في أفضل شهر. ولأنَّ النبيَّ وَّةِ حثَّ على العمل فيها، فقد صحَّ: ((من قام ليلةً
القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه))(٢). وفي رواية: ((وما تأخّر))(٣).
ونهى (٤) عليه الصلاة والسلام أنْ يخصَّ ليلة الجمعة بقيامٍ ويومَها بصيام(٥)، ولأنَّه
سبحانه وتعالى أخفاها ولم يعيِّنها، كما أخفى سبحانه أعظمَ أسمائه عزَّ وجلَّ،
وكما أخفى جلَّ شأنُه أفضلَ الصلوات، وهي الصلاة الوسطى، إلى غير ذلك.
وذهب أكثر الحنابلة كأبي الحسن الجزريّ(٦) وأبي عبد الله بن بطَّةَ(٧) وأبي حفص
البرمكيّ(٨) وغيرهم إلى أنَّ ليلة الجمعة أفضل(٩)؛ لما أخرجَ مقاتلٌ عن الضحَّاك
(١) بعدها في (م): شهر.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٦٠) من حديث أبي هريرة ضـ
(٣) أخرجها النسائي في الكبرى (٢٥٢٣). قال ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٠٥ : وزيادة
((وما تأخر)) زيادة منكرة. وانظر التعليق على الحديث (٧٢٨٠) في مسند أحمد.
(٤) جاء في هامش الأصل ما نصه: قيل: إن ذلك لئلا يضعف المرء عن صلاة الجمعة، أو
يغلبه النوم عنها لسهرة في ليلتها، فلا دلالة فيه على المقصود. اهـ منه.
(٥) أخرجه مسلم (١١٤٣): (١٤٨) من حديث أبي هريرة، ولفظه: ((لا تختصوا ليلة الجمعة
بقيام من بين الليالي، ولا تخصُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام، إلّا أن يكون في صومٍ
یصومه أحدكم».
(٦) بغدادي، له قدم في المناظرة ومعرفةٍ الأصول والفروع، تخصص بصحبة أبي علي النجَّاد،
وصحب غيره، وله اختيارات. طبقات الحنابلة ١٧٦/٢. وقيل: هو عبد العزيز بن أحمد
الخرزي (كذا)، المتوفى سنة (٣٩١هـ). انظر تسهيل السابلة ٤٤٥/١، وانظر ما علقه
المعلمي في تحقيقه لأنساب السمعاني ٨٢/٥.
(٧) هو عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي، صاحب كتاب الإبانة الكبرى. توفي سنة (٣٨٧هـ).
طبقات الحنابلة ٢/ ١٤٤، وسير أعلام النبلاء ٥٢٩/١٦.
(٨) هو عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي، من الفقهاء الأعيان النساك. من مصنفاته:
المجموع، وشرح بعض مسائل الكوسج، توفي سنة (٣٣٧هـ). مختصر طبقات الحنابلة
للنابلسي ص٣٤٩.
(٩) والمعتمد الصحيح من المذهب - كما قال المرداوي في الإنصاف ٧/ ٥٥٨ - أنّ ليلة القدر
أفضل الليالي.

الآية : ٣
٢٠٩
سُورَةُ القَدةِ
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((يغفرُ الله تعالى ليلةَ الجمعةِ لأهل الإسلام
أجمعين))(١)، وهذه فضيلةٌ لم تجئ لغيرها، ونحوه ما رُوي عن ابن مسعود قال:
قال رسول الله وَله: ((ما من ليلة جمعةٍ إلَّا وينظرُ الله تعالى إلى خلقه ثلاث مرات،
فيغفر لمن لا يشرك بالله تعالى شيئاً))(٢).
ولأنَّه رَوى ابن بشكوال بسنده إلى عمر ◌َ به أنَّهِ وَ لتر قال: ((أكثروا الصلاةَ عليَّ
في الليلة الغرَّاء واليوم الأزهر)) (٣)، ليلة الجمعة ويوم الجمعة، والغُرَّةُ من الشيء
خيارُه.
ولأنَّه قد رَوى كثيرون - منهم الإمام أحمد - أنَّ يومها سيِّدُ الأيَّام وأعظمُها،
وأعظمُ عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى (٤).
وصحَّح ابنُ حبان خبر: ((لا تطلع الشمسُ ولا تغرب على يومٍ أفضلَ من يوم
الجمعة)»(٥)، فهي لذلك سيِّدةُ الليالي وأعظمها وأفضلها .
ولأنَّها معيَّنَةٌ مشهودةٌ يشهدها الخاصُّ والعامُ من ذكرٍ وأنثى، وصغيرٍ وکبیرٍ،
وبصيرٍ وضرير، وتصل بركتُها إلى الأحياء والأموات، وليلة القدر غير معيَّنةٍ،
فلا ينتفعُ بها إلَّا قليلٌ. إلى غير ذلك.
وأجاب هؤلاء عن الآية بأنَّه لَمَّا أريد فيها أنَّها خيرٌ من ألف شهر ليس فيها ليلة
القدر - كما قال قتادة وغيره - فليُرَدْ أيضاً أنَّها خيرٌ من ألف شهر ليس فيها ليلةُ
جمعة، ويدلُّ للأمرين أنَّ أكثر أسباب النزول السابقة تدلُّ على أنَّ المراد بالشهور
شهورُ مَن تقدَّمَنا، وهي ليس فيها ليلةٌ قَدْرٍ، ولا ليلة جمعة، أي: لم يكونا فيها
(١) لم نقف عليه، ومقاتل ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) أورده العجلوني في كشف الخفاء ١٨٩/١ وذكر أن ابن بشكوال أخرجه بسند ضعيف. اهـ،
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٤١) من حديث أبي هريرة ظه، قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ١٦٩/٢: فيه عبد المنعم بن بشير الأنصاري، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه أحمد (١٥٥٤٨) من حديث أبي لبابة البدري مرفوعاً.
(٥) صحيح ابن حبان (٢٧٧٠).

سُورَّةُ القَدر
٢١٠
الآية : ٣
بوصف الفضل المعروف، وهذا معنى كونهما من خصائصنا (١).
وعن سائر(٢) المستندات بأنَّ بعضها معارَضٌ، وبعضها لا يدلُّ على أكثر من
فضلها، وهو مِمَّا(٣) لم ينكره أحدٌ.
والأوَّلون أجابوا عن مستنداتهم بنحو ما أجابوا، وللتعارض قال أحمد بن
الحسين بن يعقوب بن قاسم المقري من الحنابلة: إنَّ القولين في المسألة قولان
شائعان بين الأصحاب، ولكلٍّ دلائلُ تدلُّ على صوابيته، فلا ينبغي لأحدٍ أن يُطلق
الخطأ على قائل كلٍّ منهما .
وأنت بعد التأمُّل في أدلَّة الطرفين، والوقوف على أحوالها يتعيَّنُ عندك أفضليَّةُ
ليلة القدر تعيُّنَ ليلة الجمعة.
وهاهنا قولٌ متوسّطٌ بين القولين، حكى القاضي أبو يعلى أنَّ أبا الحسن
التميميَّ(٤) من الحنابلة أيضاً كان يقول: ليلةُ القدر التي أنزل فيها القرآن أفضلُ من
ليلة الجمعة؛ لما حصل فيها من الخير الكثير الذي لم يحصل في غيرها، فأمَّا
أمثالُها من ليالي القدر فليلةُ الجمعة أفضل منها .
وقيل نظيره في ليلة المعراج مع ليلة الجمعة ونحوها .
ثم إنَّ ظاهر كلام بعض الحنفيَّة كصاحب ((الجوهرة)) أنَّ ليلة النحر أفضلُ من
ليلة القدر وسائرٍ ليالي السنة. ويرِدُ عليه ظاهر الآية أيضاً، ولعله يجيبُ بنحو ما سبق
آنفاً .
ونقل الطحطاويُّ عليه الرحمة في ((حواشي الدرِّ المختار)) عن بعض الشافعية
أنَّ أفضل الليالي ليلةُ مولده عليه الصلاة والسلام، ثمَّ ليلة القدر، ثمَّ ليلةُ الإسراء
(١) من قوله: أي: لم يكونا ... إلى هنا ليس في (م)، وضرب عليها في النسخة النعمانية
(ب).
(٢) معطوف على قوله: وأجاب هؤلاء ....
(٣) في (م): ما.
(٤) هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد، صاحب تصانيف في الأصول والفروع والفرائض. توفي
سنة (٣٧١هـ). طبقات الحنابلة ١٣٩/٢.

الآية : ٤
٢١١
سُؤَدَّةُ القَدْرِ
والمعراج، ثمَّ ليلة عرفة، ثمَّ ليلة الجمعة، ثمَّ ليلة النصف من شعبان، ثمَّ ليلة
العيد(١).
وأنا لا أرى أنَّ له ما يعوِّل عليه في ذلك. والله تعالى أعلم.
وما أشير إليه من كونها من خصائص هذه الأمة هو الذي يقتضيه أكثرُ الأخبار
الواردة في سبب النزول، وصرح به الهيتميُّ(٢) وغيره، وقال القسطلانيُّ: إنه
معترَضٌ بحديث أبي ذرِّ عند النسائي، حيث قال فيه: يا رسول الله، أتكون مع
الأنبياء، فإذا ماتوا رُفِعَت. قال: ((بل هي باقية))(٣)، ثمَّ ذكر أنَّ عمدةَ القائلين بذلك
الخبرُ الذي قدَّمناه في سبب النزول من رؤيته وَّ تقاصُرَ أعمار أمَّته عن أعمار
الأمم، وتعقَّبه بقوله: هذا محتمِلٌ للتأويل، فلا يَدْفَعُ الصريحَ في حديث أبي ذرِّ،
كما قاله الحافظان ابنُ كثير في ((تفسيره)) وابن حجر في ((فتح الباري)). انتهى(٤) .
والحُّ الأوَّل، والصراحة في حيِّز المنع، وقد أخرجَ الديلميُّ عن أنس عن
النبيِّ وَّ﴿ قال: ((إنَّ الله تعالى وهبَ لأمَّتي ليلةَ القدر، ولم يعطها من كان
قبلَهم))(٥). فتأمَّل ولا تغفل.
وقوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لمناط فضلها على تلك
المدَّة المديدة، فضميرُ ((فيها)) لـ («ليلة))، وزعم بعضهم أنَّ الجملةَ صفةٌ لـ ((ألف
شهر))، والضمير لها. وليس بشيء.
وجوَّزَ بعضُهم كونَ الضمير للملائكة، على أنَّ ((الروحَ)) مبتدأ، لا معطوفٌ على
(١) حاشية الطحطاوي ١/ ٥٠٥.
(٢) المنهاج القويم ص٣٨٤.
(٣) سنن النسائي الكبرى (٣٤١٣)، وهو عند أحمد (٢١٤٩٩).
(٤) المواهب اللدنية بشرح الزرقاني ١٣٩/٨. وانظر تفسير ابن كثير ٤٤٥/٨-٤٤٦، وفتح
الباري ٤/ ٢٦٣.
(٥) الفردوس ١٧٣/١. ورمز السيوطي لضعفه في الجامع الصغير. قال المناوي في فيض القدير
٢٦٩/٢: وفيه إسماعيل بن أبي زياد الشامي، قال الذهبي في الضعفاء عن الدارقطني: ممن
يضع الحديث.

الآية : ٤
٢١٢
سُورَةُ القَدرِ
((الملائكة))، و((فيها)) خبره، لا متعلِّق بـ ((تَنَزَّلُ))، والجملة حالٌ من ((الملائكة)). وهو
خلاف الظاهر.
و((الروح)) عند الجمهور هو جبريل عليه السلام، وخُصَّ بالذكر؛ لزيادة شرفه،
مع أنَّه النازل بالذكر.
وقيل: مَلَكٌ عظيمٌ، لو التقمَ السماوات والأرض كان ذلك له لقمةً واحدةً.
وذكر في ((التيسير)) من وصفه ما يُبهر العقول، والله تعالى أعلم بصحة الخبر.
وقال كعب ومقاتلٌ: الروحُ طائفةٌ من الملائكة، لا تراهم الملائكة إلَّا تلك
الليلة، كالزُّهاد الذين لا نراهم إلَّا يوم العيد أو الجمعة.
وقيل: حفظة على الملائكة، كالملائكة الحفظة علينا .
وقيل: خلقٌ من خلق الله تعالى يأكلون ويلبسون، ليسوا من الملائكة ولا من
الإنس ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]،
ج
ولعلَّهم - على ما قيل - خدمُ أهل الجنة.
وقيل: هو عيسى عليه السلام، ينزلُ لمطالعة هذه الأُمَّة، وليزورَ النبيَّ ◌َّهِ.
وقيل: أرواحُ المؤمنين، ينزلون لزيارة أهليهم.
وقيل: الرحمة، كما قرئ: ((لا تيأسوا من رُوْح الله)) [يوسف: ٨٧] بالضمِّ (١).
وعلى الأول المعوَّل.
والظاهرُ الذي تشهدُ له الأخبار أنَّ التنزُّل إلى الأرض، فقيل: إنَّ ذلك لِمَا
ذكر الله تعالی بعدُ، وسيأتي إن شاء الله تعالی الكلام فيه.
وقيل: ينزلون إليها للتسليم على المؤمنين.
وقيل: لأنَّ الله تعالى جعلَ فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في
الأرض، فهم ينزلون إليها لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً، كما أنَّ الرجلَ منَّا يذهبُ
(١) هي قراءة عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة كما سلف ٤٦٩/١٢.

الآية : ٤
٢١٣
سُورَةُ الْقَدْرِ
إلى مكّة لتصير طاعتُه كذلك، فيكون المقصود من الإخبار بذلك ترغيبَ الإنسان
في الطاعة.
وقال عصام الدين: يحتملُ أن يكون تنزلُّهم لإدراكها، إذ ليس في السماء ليلٌ،
والجملة حينئذٍ مقرِّرةٌ لما سبق، لا مبيّنَةٌ لمناط الفضل. وفيه نظرٌ لا يخفى.
وقيل غيرُ ذلك ممَّا سنشيرُ إليه إن شاء الله تعالى.
وقيل: المرادُ تنزُّلُهم إلى السماء الدنيا. وهو خلاف المتبادر، وأنْزَلُ منه بكثيرٍ
كونُ المراد بتنزُّلهم تنزُّلهم عن مراتبهم العليَّةِ من الاشتغال بالله تعالى والاستغراقِ
بمطالعة جلاله عزَّ وجلَّ ليسلِّموا على المؤمنين.
واستُظهر أنَّ المرادَ بالملائكة عليهم السلام جميعُهم، واستُشكِل بأنَّ لهم كثرةً
عظيمةً لا تتحمَّلُها الأرض وكذا السماء الدنيا؛ لأنَّها قبلَ نزولهم مملوءةٌ؛ ((أَّتِ
السماء وحُقَّ لها أن تئطّ، ما فيها موضعُ قدم إلَّا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ أو راكعٌ أو
قائم))(١).
وأجيبَ بأنَّهم ينزلون فوجاً فوجاً، فمِن نازلٍ وصاعد، كالحُجَّاج، فإنَّهم على
كثرتهم يدخلون الكعبةَ مثلاً بأسرهم، لكنْ لا على وجه الاجتماع، بل هم بين
داخلٍ وخارج، وفي التعبير بـ ((تنزَّل)) المفيد للتدريج دون: تَنْزِل، رمزٌ إليه.
وقيل: إنَّهم لكونهم أنواراً لا تزاحُمَ بينهم، فالنورُ إذا ملأ حجرةً - مثلاً - لا يمنع
من إدخال ألف نورٍ عليه. وهو كما ترى.
ومن الناس مَن خَصَّ الملائكة ببعض فرقهم، وهم سكانُ سدرة المنتهى، أو
بعضٍ منهم، وفي ((الغنية)) للقطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلانيّ قُدِّس سره:
عن ابن عباس رضيه قال: إذا كان ليلة القدر، يأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن
ينزل إلى الأرض ومعه سكان سدرة المنتهى، سبعون ألف ملك، ومعهم ألويةٌ من
نور، فإذا هبطوا إلى الأرض رَكز جبريل عليه السَّلام لواءَه والملائكةُ عليهم السلام
(١) سلف ٨٧/٢ من حديث أبي ذر

سُورَةُ القَدرِ
٢١٤
الآية : ٤
ألويتَهم في أربعة مواطن، عند الكعبة، وقبر النبيِّ وَّـ، ومسجد بيت المقدس،
ومسجد طور سيناء، ثم يقول جبريل عليه السلام: تفرَّقوا، فيتفرَّقون، ولا يبقى دارٌ
ولا حجرٌ ولا بيتٌ ولا سفينةٌ فيها مؤمنٌ أو مؤمنةٌ إلَّا دخلته الملائكة عليهم السلام،
إلَّا بيتاً فيه كلبٌ، أو خنزيرٌ، أو خمرٌ، أو جُنُبٌّ من حرام، أو صورةُ تماثيل،
فيسبِّحون، ويقدِّسون، ويهلِّلون، ويستغفرون الأمَّة محمدٍ بَّ، حتى إذا كان وقت
الفجر، ثمَّ يصعدون إلى السماء، فيستقبلهم سكان السماء الدنيا، فيقولون لهم: من
أين أقبلتم؟ فيقولون: كثّا في الدنيا؛ لأنَّ الليلةَ ليلةُ القدر لأمَّةِ محمَّدٍ وَ لَّ، فيقول
سكان السماء الدنيا: ما فعلَ الله تعالى بحوائج أمَّة محمدٍ بَّه؟ فيقول جبريل عليه
السلام: إنَّ اللهَ تعالى غفرَ لصالحهم، وشفَّعهم في طالحهم، فترفعُ ملائكة السماء
الدنيا أصواتَهم بالتسبيح والتقديس والثناء على ربِّ العالمين؛ شكراً لما أعطى الله
تعالى هذه الأمّة من المغفرة والرضوان، ثم تشيِّعهم ملائكةُ السماء الدنيا إلى الثانية
كذلك، وهكذا إلى السابعة، ثمَّ يقول جبريل عليه السلام: يا سكان السماوات،
ارجعوا. فيَرجعُ ملائكةُ كلِّ سماءٍ إلى مواضعهم، فإذا وصلُوا إلى سدرة المنتهى،
يقول لهم سكانها: أين كنتم؟ فيجيبونهم مثل ما أجابوا أهل السماوات، فيَرفعُ
سكانُ سدرة المنتهى أصواتهم بالتسبيح والتهليل والثناء، فتسمعُ جنَّة المأوى، ثمَّ
جنَّة النعيم، وجنَّة عدن، والفردوس، ويسمعُ عرش الرحمن، فيَرفعُ العرشُ صوتَه
بالتسبيح والتهليل والثناء على ربِّ العالمين؛ شكراً لما أعطى هذه الأمّة، ويقول:
إلهي، بَلَغني عنك أنَّك غفرتَ البارحةَ لصالحي أُمَّة محمدٍ بَّهِ، وشفَّعتَ صالحها
في طالحها، فيقول الله عز وجل: صدقتَ يا عرشي، ولِأُمَّة محمدٍ عليه الصلاة
والسلام عندي من الكرامة ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب
(١)
بشر(١) .
وفي رواية عن كعب: نزولُ جميع ملائكة سدرة المنتهى مع جبريل عليهم
السلام، ولا يعلم عددهم إلَّ الله تعالى، وإنَّ جبريل عليه السلام لا يدعُ أحداً من
الناس إلَّا صافحه.
(١) الغنية ١٤/٢.

الآية : ٤
٢١٥
سُوَّةُ القَدْرِ
وفي رواية: لا يدع مؤمناً ولا مؤمنةً إلَّا سلَّم عليه إلَّا مدمن الخمر، وآكل لحم
الخنزير، والمتضمِّخُ بالزعفران، وإنَّ علامةَ مصافحته عليه السلام اقشعرارُ الجلد،
ورقَّة القلب، ودمع العينين.
ورُوي في نزوله مع الملائكة عليهم السلام وعروجِه معهم غيرُ ذلك، وقد ذكرَ
بعضاً من ذلك الإمام(١) وغيره، ونسأل الله تعالى صحّة الأخبار.
وذكر بعضهم أنَّ جبريل عليه السلام يقسمُ تلك الليلة ما ينزلُ من رحمة الله
تعالى، حتى يستغرقَ أحياء المؤمنين، فيقول: يا ربّ، بقي من الرحمة كثير،
فما أصنع به؟ فيقول الله عزَّ وجلَّ: قسِّم على أموات أمَّة محمد بَّز، فيقسم حتى
يستغرقهم، فيقول: يا رب، بقي من الرحمة كثير، فما أصنعُ به؟ فيقول سبحانه
وتعالى: قسِّمْه على الكفار، فيقسمه عليهم، فمن أصابه منهم شيءٌ من تلك الرحمة
ماتَ على الإيمان.
﴿ بِإِذْنِ رَبِهِم ﴾ متعلِّق بـ ((تَنَزَّلُ))، أو بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعله، أي: مُلْتَبِسين
بإذن ربِّهم، أي: بأمره عزَّ وجلَّ. والتقييد بذلك لتعظيم أمر تنزّلهم، وقيل: للإشارة
إلى أنَّهم يرغبون في أهل الأرض من المؤمنين، ويشتاقون إليهم، فيستأذنون فيؤذنُ
لهم. وفيه نوعُ ترغيبٍ في الاجتهاد في الطاعة.
واستشكل أمرُ هذه الرغبة مع كثرة المعاصي.
وأجيبَ بأنَّهم غير واقفين على تفاصيلها، أو لم يعتبروها مانعةً من ذلك؛ لأنَّهم
يرون من أنواع الطاعات ما لا يرونه في السماء، أو ليسمعوا أنينَ العصاة التائبين،
ففي الحديث القدسيّ: ((لأنينُ المذنبين أحبُّ إليَّ من زجلِ المسبِّحين))(٢)، أو
ليجتمعوا مع مَن بينه وبينهم مناسبةٌ من الصديقين؛ أداءً لمراسم المحبة، فإنَّ أرواحَ
(١) تفسير الرازي ٣٣/٣٢-٣٤.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٥١) عن أبي علي صاحب عبيد الله الحبلي يقول:
أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام: أنين المذنبين أحبُّ إليَّ من صراخ الصديقين.
وأورده العجلوني في كشف الخفا ٣٠٥/١ وقال بعده: لينظر.

الآية : ٤
٢١٦
سُورَّةُ الْقَدْرِ
الصديقين المتجرِّدةَ عن جلابيب الأبدان لم تَزَلْ تزور الملائكة عليهم السلام في
مواضعهم بعروجها إليهم، فناسبَ أن تزورَهم الملائكةُ عليهم السلام في زواياهم،
وإن اقتضى ذلك الاجتماعَ مع غيرهم ممَّن ليسوا كذلك، فإنَّه أمرٌ تبعيٍّ :
ولِأَجْلِ عينٍ ألفُ عينٍ تكرَمُ(١)
﴿مِّنِ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: من أجل كلِّ أمرٍ تعلَّق به التقدير في تلك السنة إلى قابل،
وأظهرَه سبحانه وتعالى لهم، قاله غيرُ واحد، فـ ((من)) بمعنى اللام التعليليَّة متعلِّقةٌ
بـ ((تَنَّل)).
قال عصام الدين: فإن قلت: المقدَّراتُ لا تُفْعلُ في تلك الليلة، بل في تمام
السنة، فلماذا تنزلُ الملائكة عليهم السلام فيها لأجل تلك الأمور.
قلت: لعلَّ تنزُّلهم لتعيين إنفاذ تلك الأمور لهم، وتنزُّلُهم لأجْل كلِّ أمرٍ ليس
على معنى تنزُّلِ كلِّ واحدٍ لأجل كلِّ أمرٍ، ولا تنزُّلِ كلِّ واحدٍ لأمر، بل على معنى
تنزُّل الجميع لأجل جميع الأمور، حتى يكون في الكلام تقسيمُ العلل على
المعلولات. انتهى.
وأقول: يمكنُ أن يكون تنزُّلهم لإعداد القوابل لقَبول ما أمروا به، وأشار
بما ذكره من التقسيم إلى أنَّه يجوزُ أن يكونَ نزولُ الواحد منهم لعدَّة أمور.
وقولهم: من أجل كلِّ أمرٍ تعلَّق .. إلخ، قد تقدَّم ما فيه من البحث فتذكَّر.
وقال أبو حاتم: ((من)) بمعنى الباء، أي: تَنَزَّلُ بكلِّ أمر، فقيل: أي: من الخير
والبركة، وقيل: من الخير والشرِّ، وجُعِلت الباءُ عليه للسببيَّة، فيرجع المعنى إلى
نحو ما مرَّ، ومنهم من جعلَها للملابسة، والمراد بملابستهم له ملابستهم للأمر به،
فكأنَّه قيل: تنزَّل الملائكةُ وهم مأمورون بكلِّ أمرٍ يكون في السنة، وكونُهم يتنزَّلون
وهم كذلك لا يستدعي فعلَهم جميعَ ما أُمروا به في تلك الليلة.
والظاهرُ - على ما قالوا - أنَّ المراد بالملائكة المدبِّرات، إذ غيرُهم لا تعلُّق له
(١) هو للشاب الظريف، وسلف بتمامه ٢٧٧/١.

الآية : ٥
٢١٧
سُؤَدَّةُ القَدْرِ
في الأمور التي تعلَّق بها التقدير ليتنزَّلوا لأجلها على المعنى السابق، وهو خلاف
ما تدلُّ عليه الآثار من عدم اختصاصهم بالمدبِّرات، فتدبّر. وكأنَّه لذلك قيل: إنَّ
(من كلِّ أمر)) متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿سَلَهُ﴾ وهو مصدرٌ بمعنى السلامة، خبرٌ مقدَّمٌ،
وقوله تعالى: ﴿هِىَ﴾ مبتدأ، أي: هي سلامٌ من كلِّ أمرٍ مخوف، وتعلَّقُه بذلك على
التوسُّع في الظرف، وإلَّا فمعمول المصدر لا يتقدَّم عليه في المشهور.
وقيل: هو متعلِّقٌ بمحذوفٍ مقدَّم يفسِّره المذكور، ومَن وقف على كلام العلامة
التفتازانيّ في أوائل ((شرح التلخيص)) في مثل ذلك استغنى عما ذُكر.
وقيل: ((من كلِّ أمر)) متعلّقٌ بـ ((تَنَزَّلُ))، لكن على معنى: تنزل إلى الأرض
منفصلةً من كلِّ أمرٍ لها في السماء، وتاركةً له. وفيه إشارةٌ إلى مزيد الاهتمام
بالتنزُّل إلى الأرض، وفيه من البُعد ما فيه.
وتقديمُ الخبر للحصر، كما في: تميميٌّ أنا، والإخبار بالمصدر للمبالغة، أي:
ما هي إلَّا سالمةٌ جدًّا، حتَّى كأنَّها عينُ السلامة.
قال الضَّحَّاك في معنى ذلك: إنَّه تعالى لا يُقَدِّر ولا يقضي فيها إلَّ السلامة.
قيل: أي: لا يَنفذُ تقديره تعالى ويَتعلَّق قضاؤه إلّ بذلك(١). وحاصله: لا يوجد إلَّ
ذلك .
وقال مجاهد: إنَّها سالمةٌ من الشيطان وأذاه، وروي أنَّ الشيطان لا يخرجُ في
ليلة القدر حتى يضيء فجرُها(٢)، ولا يستطيع أنْ يصيبَ فيها أحداً بخبلٍ أو داءٍ أو
ضربٍ من ضروب الفساد، ولا يَنفذُ فيها سحرُ ساحرٍ .
ولعلَّ ما يصدرُ من المعاصي ـ على هذا - من النفس الأمَّارة بالسوء، لا بواسطة
الشيطان .
واستشكل كلامُ الضَّحَّاك - بناءً على ما قيل فيه - بأنَّه لا تَخلو ليلةٌ من الشرِّ
(١) بعدها في الأصل: هو.
(٢) قوله: أن الشيطان لا يخرج ... إلى هذا الموضع أخرجه ابن خزيمة (٢١٩٠)، وابن حبان
ـك.
(٣٦٨٨) من حديث جابر

الآية : ٥
٢١٨
سُورَةُ القَدرِ
والأمر المَخُوف، ولا مُؤْجِدَ إلَّ الله عزَّ وجلَّ، فلعلَّه أرادَ ما تقدَّم نقلُه غيرَ بعيدٍ من
أنَّ الله تعالى إنَّما يقدِّرُ في هذه الليلة السلامةَ والخير، أي: لا يُظهِر سبحانَه
للملائكة عليهم السلام إلَّا تقديره عزَّ وجلَّ ذلك.
وقيل: ما هي إلَّا سلامةٌ، على نحو: ما رسولُ اللهِلَّهِ إلَّ رحمة، والمراد أنَّها
سببٌ تامٌّ للسلامة والنجاة من المهالك يومَ القيامة، حيث إنَّ مَن قامها إيماناً
واحتساباً غُفِرٍ له ما تقدَّم من ذنبه.
وقيل: السلام مصدرٌ بمعنى التسليم، أي: ما هي إلَّا تسليمٌ؛ لكثرة التسليم
والمسلِّمين من الملائكة على المؤمنين فيها، وروي ذلك عن الشعبيٍّ ومنصور.
وجَعْلُها عينَ التسليم للمبالغة أيضاً .
وقوله تعالى: ﴿حَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِ﴾ غايةٌ تبيِّنُ تعميمَ السلامة أو التسليم كلَّ
الليل(١)، فالجارُّ متعلِّقٌ بـ ((سلامٌ))، و((مطلع)) اسم زمان، وقد صرَّحوا أنَّه مِن يَفْعُلُ،
ويَفْعل بفتح العين وضمِّها، على مفعَل مفتوح العين. وجُوِّزَ كونُه مصدراً ميميًّا،
بمعنى الطلوع، ويحتاج إلى تقدير مضافٍ قبلَه هو: وقت، أو ما في معناه؛ لتَّحِد
الغايةُ والمغيًّا، فیکونان من جنسٍٍ واحد.
وصَحَّ تعلُّق الجارِّ بذلك مع الفصل؛ لأنَّه ليس بمصدرٍ نظراً للحقيقة.
وأفاد الطبرسيُّ وغيره أنَّه لابدَّ من تأويله بـ: سالمة، أو: مسلَّمة؛ ليصحَّ
التعلُّق، أمَّا لو أبقي على مصدريَّته، فلا يصحُّ؛ للزوم الفصل بين الصلة
والموصول(٢).
وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الفصلَ بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفرٌ.
وجُوِّز أن تتعلَّق الغايةُ بـ (تَنَزَّل))، على معنى أنَّه لا ينقطعُ تنزُّلهم فوجاً بعد فوج
إلى وقت طلوع الفجر.
(١) في (م): الليلة.
(٢) مجمع البيان ١٩١/٣٠.

الآية : ٥
٢١٩
سُؤَدَّةُ الْقَدَةِ
وتُعقِّبَ بأنَّه تعسُّفٌ؛ لأنَّ ((سلامٌ هي)) أجنبيٍّ وليس باعتراض، فلا يحسن
الفصلُ به. وجعلُه حالاً عن(١) الضمير المجرور في قوله تعالى: ((فيها))، أي: ذات
سلامة، أو سلام، لا يخفى حاله.
وقيل: يجوزُ أنْ يكون الوقف على ((سلام))، وهو خبرٌ لمحذوف، و((من كلِّ
أمر)) متعلِّقٌ به، و((هي)) مبتدأ، و((حتى مطلع الفجر)) خبره.
ولم يجوِّز ذلك الطيبيُّ والطبرسيُّ وغيرهما؛ قالوا: لعدم الفائدة بالإخبار عنها
بأنَّها حتى مطلع الفجر، إذ كلُّ ليلةٍ بهذه الصفة(٢).
وأجيب بأنَّه لمَّا أَخبرَ عنها بأنَّها خيرٌ من ألف شهر، وفَهَّم أنَّها مخالفةٌ لسائر
الليالي في الصفة، وكان ذلك مظنَّةَ توهُّم أنَّ ذاتَها في المقدار مغايرةٌ لذوات الليالي
فيه أيضاً، دفعَ ذلك بقوله تعالى: (هِىَ حَّ مَطَلَعَ الْنَجْرِ) أي: لم تخالف سائرَ الليالي
في ذلك، وإنْ خالفَتْهَا في الفضل والخيريَّة.
وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبيُّ: ((من كلِّ امرئ» بهمزٍ في آخره(٣)، أي: تنزَّلُ
من أجل كلِّ إنسانٍ، أي: من أجل ما يتعلَّق به ممَّا قُدِّر في تلك الليلة، ويرجعُ إلى
نحو ما تقدَّم، أو من أجل مصلحته من الاستغفار له ونحوه، على أنَّ المرادَ بذلك
كلُّ امرئ مؤمنٍ، على ما قيل.
وقيل: الجارُّ متعلِّقٌ بـ ((سلام))، والمراد بـ ((كلِّ امرئٍ)) الملائكةُ عليهم السلام،
أي: سلامٌ وتحيَّةٌ هي على المؤمنين من كلِّ مَلَك.
وأنكر - كما قال ابن جنِّي - هذه القراءةَ أبو حاتم (٤).
وقرأ أبو رجاء والأعمش وابن وثَّاب وطلحة وابن محيصن والكسائيُّ،
(١) في (م): من.
(٢) مجمع البيان ١٩٢/٣٠.
(٣) القراءات الشاذة ص١٧٦، والمحتسب ٣٦٨/٢، والبحر المحيط ٤٩٧/٨.
(٤) المحتسب ٣٦٨/٢.

سُورَةُ القَدُ
٢٢٠
الآية : ٥
وأبو عمرو بخلافٍ عنه: ((مَطْلِع)) بكسر اللام(١)، على أنَّه مصدرٌ، كالمرجع، ويقدَّر
مضافٌ كما سمعتَ، أو اسمُ زمانٍ على غير قياس، كالمشرِق، فإنَّ مفعِلاً بالكسر
قياس يَفْعِلُ مكسور العين.
وفي ((البحر)): قيل: مطلَع ومطلِع بالفتح والكسر مصدران في لغة تميم، وقيل:
المصدر بالفتح، وموضع الطلوع بالكسر عند أهل الحجاز(٢). انتهى. وإرادة
الموضع هاهنا لا موضعَ لها كما لا يخفى هذا.
واعلم أنَّه يُسَنُّ الدعاء في هذه الليلة المباركة، وهي أحدُ أوقات الإجابة،
وأخرج الإمام أحمد، والترمذيُّ وصححه، والنسائيُّ، وابن ماجه وغيرهم، عن
عائشة ﴿ّا قالت: قلت يا رسول الله: إنْ وافقتُ ليلةَ القدر، فما أقول؟ قال:
((قولي: اللهمَّ إِنَّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني))(٣).
ويجتهد فيها بأنواع العبادات من صلاة وغيرها .
وقال سفيان الثوريُّ: الدعاء في تلك الليلة أحبُّ من الصلاة، ثم أفاد أنَّه إذا
قرأ ودعا كان حسناً، وكان وَل﴿ يجتهدُ في ليالي شهر رمضان، ويقرأ فيها قراءةً
مرثَّلةً، لا يمرُّ بآية رحمةٍ إلَّا سأل، ولا بآية عذابٍ إلَّا تعوَّذ(٤).
(١) البحر المحيط ٤٩٧/٨، وقراءة الكسائي في التيسير ص ٢٢٤، والنشر ٤٠٣/٢، وهي قراءة
خلف من العشرة. وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٩٧.
(٣) مسند أحمد (٢٥٣٨٤)، وسنن الترمذي (٣٥١٣)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٦٦٥)، وسنن
ابن ماجه (٣٨٥٠).
(٤) أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٧٧٢) من حديث حذيفة أنه صلى مع النبي ◌َّ ذات
ليلة ... يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيحُ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ
تعوَّذ.
وأخرجه أبو داود (٨٧١)، والترمذي (٢٦٢) و(٢٦٣)، والنسائي ١٧٦/٢-١٧٧، وابن ماجه
(١٣٥١)، وأحمد (٢٣٢٤٠) بنحوه.
وليس فيها تعيين أن تدبُّرَ النبيِّ كان في ليالي رمضان، بل هو شأن النبي ◌َّ في جميع
لياليه .