Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٨
١٦١
سُوَرَةُ التَّيْن
وقيل: الحكم بمعنى القضاء، فهي وعيدٌ للكفار، وأنه عزَّ وجلَّ يحكمُ عليهم
بما هم أهلُه من العذاب.
وأيَّاما كان، فالاستفهام على ما قيل: تقريرٌ بما بعد النفي، ويدلُّ على ذلك
ما أخرجه الترمذيُّ وأبو داود وابنُ مردويه عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَلجر: ((من قرأ منكم ((والتين والزيتون)) فانتهى إلى قوله تعالى: (أَلَيْسَ
اللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين))(١).
وجاء في بعض الروايات أنَّه وَله كان يقول: إذا أتى على هذه الآية: ((سبحانك
قبلى))(٢)، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بهذا في تفسير سورة ((لا أقسم بيوم القيامة)) فتذكَّر.
(١) سنن الترمذي (٣٣٤٧)، وسنن أبي داود (٨٨٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٣٩١)، وهو من
طريق إسماعيل بن أمية، عن أعرابي، عن أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث إنما يروى
بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمى. اهـ، وقال أبو زرعة كما في العلل
لابن أبي حاتم ٩٠/٢: الصحيح: إسماعيل بن أمية عن عبد الرحمن بن القاسم عن
أبي هريرة موقوفاً.
(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣٦٧/٦ عن صالح أبي الخليل عن النبي ◌َّو،
وهو مرسل. وصالح هو ابن أبي مريم الضُّبعي مولاهم، البصري، روى عن أبي قتادة
الأنصاري وعن أبي موسى مرسلاً. سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٩ .
*

سُورَةُ الْخَلِقِ
وتسمَّى سورة: اقرأ، لا خلاف في مكِّيتها، وإنَّما الخلافُ في عدد آيها، ففي
الحجازيِّ عشرون آية، وفي العراقيِّ تسع عشرة، وفي الشاميِّ ثماني عشرة. وفي
أنَّها أولُ نازلٍ أَوْ لا، فذهب كثيرٌ إلى أنَّها أولُ نازلٍ، فقد أخرج الطبرانيُّ في
(الكبير)) (١) بسنده على شرط الصحيح عن أبي رجاء العطارديّ قال: كان أبو موسى
الأشعريُّ يقرئنا، فيُجْلِسنا حلقاً، عليه ثوبان أبيضان، فإذا تلا هذه السورة: ((اقرأ
باسم ربك)) قال: هذه أوَّلُ سورةٍ أُنزِلت على محمدٍ رسول الله الَّه.
وقد أخرج الحاكم في ((المستدرك)) والبيهقيُّ في ((الدلائل)) وصحَّحاه عن عائشةً
نحوه(٢).
وأخرج غيرُ واحدٍ عن مجاهد قال: أوَّلُ ما نزلَ من القرآن: ((اقرأ باسم ربِّك)»،
ثم ((نَ والقلم))(٣).
وروى الشيخان(٤) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألتُ جابر بن
عبد الله: أيُّ القرآن أُنزِل أوَّلاً؟ قال: ((يا أيها المدثر)). قلت: يقولون: ((اقرأ باسم
ربك)). قال: أحدِّثُكم بما حدَّثنا به رسول الله وَله. فساق الحديث مستدلا به على
ما ادَّعاه.
(١) كما في الإتقان ٧٧/١. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٥٤٢/١٠، وابن الضريس في فضائل
القرآن (٢٤)، والطبري ٢٤/ ٥٣١، وأبو نعيم في الحلية ٢٥٦/١-٢٥٧.
(٢) المستدرك ٥٢٩/٢، ودلائل النبوة ١٥٥/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٤/ ٥٣٠.
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٢٠، وابن أبي شيبة في مصنفه ٥٤١/١٠، والطبري
في تفسيره ٢٤/ ٥٣١.
(٤) صحيح البخاري (٤٩٢٢)، وصحيح مسلم (١٦١): (٢٥٧).

١٦٣
سُورَةُ الْخَلِقِ
وأجاب عنه الأوَّلون بعدَّة أجوبةٍ مرَّ ذكرها .
وقيل: الفاتحة، واحتجَّ له بحديث مرسلٍ(١) رجاله ثقات، أخرجه البيهقيُّ في
((الدلائل)» والواحديُّ من طريق يونس بن بكير عن يونس بن عمرو (٢) عن أبيه عن
أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل(٣).
وأجيب عنه بأنَّ ما فيه يحتملُ أن يكون خبراً عمَّا نزل بعدَ ((اقرأ)) و((يا أيُّها
المدثر))، مع أنَّ غيره أقوى منه روايةً.
وجزم جابرُ بن زيدٍ بأنَّ أوَّلَ ما نزل ((اقرأ)) ثمَّ ((نَ)) ثمَّ ((يا أيُّها المزمل)) ثمَّ
(يا أيُّها المدثر)) ثمَّ ((الفاتحة)).
وقيل: أوَّل ما نزل صدرُها إلى ((ما لم يعلم)) في غار حراء، ثم نزل آخرها بعد
ذلك بما شاء الله تعالى، وهو ظاهرُ ما أخرجه الإمام أحمد والشيخان وعبدُ بن
حميد وعبد الرزاق وغيرهم من طريق ابن شهاب عن عروةً بن الزبير عن عائشة في
حديث بدءِ الوحي، وفيه: ((فأخذني فغطّني الثالثة، حتى بلغ منِّي الجهد، ثمَّ
أرسَلَني، فقال: ﴿أَقْرَأْ بِسْمِ رَيِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ ﴿أَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
الَّذِى عَلَّمَ بِلْقَلَمِ جَ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمْ ﴾﴾، فرجع بها رسولُ الله ◌َّه ترجف بوادره))
إلى أنْ قالت: ثم لم ينشَبْ ورقةُ أنْ توفي، وفتر الوحي(٤).
وفي آخر ما رووا قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة عن جابر بن عبد الله
الأنصاري قال وهو يحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي،
إذ سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراءٍ
جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فَرُعِبتُ منه، فرجعت فقلت: زمِّلوني
وَثِيَابَكَ
زمِّلوني، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿ قُرْ فَأَذِرْ ﴾ وَرَبَّكَ فَكَتِزِ
(١) قوله: مرسل، ساقط من الأصل، والمثبت من (م)، والإتقان ٧٩/١، وعنه نقل المصنف.
(٢) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من المصادر.
(٣) الإتقان ٧٩/١، والخبر في دلائل النبوة للبيهقي ١٥٨/٢ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٥٩٥٩)، والبخاري (٣) و(٤٩٥٣)، ومسلم (١٦٠)، وعبد الرزاق في
المصنف (٩٧١٩).

١٦٤
سُورَةُ الْعَلِقّ
﴿ وَالرُّجْزَ فَلَهْجُرْ﴾ [المدثر: ١-٥]، فحمي الوحيُّ وتتابعَ (١).
نَطَهِرْ
ويعلم منه ضعفُ الاستدلال على كون سورة المدثر أوَّلَ نازلٍ من القرآن على
الإطلاق بما روي أوّلاً عن جابر المذكور، كما لا يخفى على الواقف عليه، وقد
ذكرناه صدر الكلام في سورة المدثر، لقوله فيه: وهو يحدث عن فترة الوحي،
وقولِهِ: ((فإذا الملكُ الذي جاءني بحراء)) وقوله: ((فحمي الوحي وتتابع))، أي: بعد
فترته .
وبالجملة: الصحيح - كما قال البعض، وهو الذي أختاره - أنَّ صدرَ هذه
السورة الكريمة هو أوَّل ما نزل من القرآن على الإطلاق، كيف، وقد وردَ حديثُ
بدءِ الوحي المرويُّ عن عائشة من أصحِّ الأحاديث، وفيه: فجاءه الملَكُ فقال:
اقرأ، فقال: ((قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد)» إلخ.
والظاهر أنَّ ((ما)) فيه نافيةٌ، بل قال النوويُّ: هو الصواب(٢)، وذلك إنَّما يتصوَّر
أوَّلاَ (٣)، وإلا لكان الامتناعُ من أشدِّ المعاصي، ويطابقه ما ذكره الأئمةُ في باب
تأخير البيان، وسنشير إليه إن شاء الله تعالى.
وفي ((الكشف)): الوجهُ حمل قول جابر على السُّورة الكاملة، وفي ((شرح
صحيح مسلم)): الصواب أنَّ أوَّلَ ما نزل ((اقرأ))، أي: مطلقاً، وأوَّل ما نزل بعد
فترةِ الوحي: ((يا أيها المدثر)) (٤)، وأمَّا قول من قال من المفسرين أوَّل ما نزل
((الفاتحة))، فبطلانُه أظهرُ من أنْ يُذكر. انتهى.
وتمامُ الكلام في هذا المقام يطلبُ من محلِّه، والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه أحمد (١٥٠٣٥)، والبخاري (٤) و(٤٩٥٤)، ومسلم (١٦١)، وعبد الرزاق في
المصنف (٩٧١٩).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٩٩/٢. وجاء في هامش: وجعلها بعضهم استفهامية
لرواية بعضهم: ((ما أقرأ))، ولا يخفى أنها في هذا لا يتعين كونها نافية كما قال النووي عليه
الرحمة. اهـ منه.
(٣) أي: قبل نزول شيء من القرآن.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٢٠٧/٢.

الآية : ١
١٦٥
سُورَةُ الْعَلِقِّ
ولَمَّا ذكر سبحانه في سورة التين خلقَ الإنسان في أحسن تقويم، بيَّن عزَّ وجلَّ
هنا أنَّه تعالى خَلَقَ الإنسان من عَلَقٍ، فكان ما تقدَّم كالبيان للعلَّة الصُّوريَّة، وهذا
كالبيان للعلَّة الماديّة، وذكرَ سبحانه هنا أيضاً من أحواله في الآخرة ما هو أبسطُ
مِمَّا ذكرَه عزَّ وجلَّ هناك، فقال سبحانه وتعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْرَأْ﴾ أي: ما يُوحى إليك من القرآن، فالمفعولُ مقدَّرٌ بقرينة المقام كما قيل،
وليس الفعلُ منزَّلاً منزلةَ اللازم، ولا أنَّ مفعولَه قولُه تعالى: ﴿بِأَسْمِ رَيَّكَ﴾ على أنَّ
الباءَ زائدة، كما قال أبو عبيدة، وزعم أنَّ المعنى: اذكر ربَّك(١)، بل هي أصليَّةٌ،
ومعناها الملابسة، وهي متعلِّقٌ بما عندها، أو بمحذوفٍ وقع حالاً كما روي عن
قتادة، والمعنى: اقرأ مبتدئاً أو مفتتحاً باسم ربك، أي: قل: بسم الله، ثم اقرأ،
وهو ظاهرٌ في أنَّه لو افتتحَ بغير اسمه عزَّ وجلَّ لم یکن ممثلاً .
واستُدِلَّ بذلك على أنَّ البسملةَ جزءٌ من كلِّ سورةٍ، وفيه بحثٌ، وكذا
الاستدلالُ به على أنَّها ليست من القرآن للمقابلة؛ إذ لقائلٍ أنْ يقول: إنَّها تخصِّصُ
((القرآن)) المقدَّرَ مفعولاً بغيرها.
وبعضهم استدلَّ على أنَّها ليست بقرآن في أوائل السور بأنَّها لم تُذْكر فيما صحَّ
من أخبار بدء الوحي الحاكية لكيفيةِ نزول هذه الآيات، كذا أفادَه النوويُّ عليه
الرحمة، ثمَّ قال: وجوابُ المثبتين أنَّها لم تنزل أوَّلاً، بل نزلت في وقتٍ آخر،
كما نزلَ باقي السورة كذلك(٢). وهذا خلافُ ما أخرجَ الواحديُّ عن عكرمة
والحسن أنَّهما قالا: أوَّلُ ما نزل من القرآن: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وأوَّلُ سورةٍ
((اقرأ))(٣)، وكذا خلافُ ما أخرجَه ابنُ جرير وغيره من طريق الضخَّاك عن ابن
(١) مجاز القرآن ٣٠٤/٢.
(٢) المجموع ٢٩٣/٣، ٢٩٨.
(٣) أسباب النزول ص٨.

الآية : ١
١٦٦
سُورَةُ الْعَلِقِّ
عباس أنَّه قال: أول ما نزل جبريل عليه السلام على النبيِّ ◌َّ قال: يا محمد،
استعذ ثم قل: ((بسم الله الرحمن الرحيم))(١).
وقد عُدَّ القولُ بأنَّها أولُ ما نَزَل أحدَ الأقوال في تعيين أوَّل مُنْزَلٍ من
القرآن، وقال الجلال السيوطيُّ: إنَّ هذا القولَ لا يُعَدُّ عندي قولاً برأسه، فإنَّه
من ضرورة نزول السورة نزولُ البسملة معها، فهي أوَّل آيةٍ نزلت على
الإطلاق(٢).
وفیه منٌ ظاهر كما لا يخفى.
وجُوِّزَ كون الباء للاستعانة متعلّقةً بما عندها، أو بمحذوفٍ وقع حالاً،
ورُجِّحت الملابسة بسلامتها عن إيهام كون اسمه تعالى آلةً لغيره، وقد تقدَّم ما يتعلَّق
بذلك أوَّلَ الكتاب(٣).
ثم إنَّه ليس في الأمر المذكور تكليفٌ بما لا يطاق، سواءٌ دلَّ الأمرُ على الفور
أم لا؛ لأنَّ وَّـ علم أنَّ ما أوحي قرآنٌ، فهو المكلَّفُ بقراءته عليه الصلاة والسلام،
ولا محذورَ في كون ((اقرأ)) إلخ مأموراً بقراءته؛ لصدق المأمور بقراءته عليه، وهذا
كما تقول لشخصٍ: اسمع ما أقول لك، فإنَّه مأمورٌ بسماع هذا اللفظ أيضاً، وقد
ذكرَ جمعٌ من الأصوليين أنَّ هذا بيانٌ للمأمور به في قول جبريل عليه السلام: اقرأ،
المذكور في حديث بدء الوحي المتَّفق عليه (٤).
قال الآمديُّ عند ذكر أدلَّة جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، الذي ذهب
إليه جماعةٌ من الحنفيّة وغيرهم: ومن الأدلَّة ما رويَ أنَّ جبريل عليه السلام قال
للنبيِّ ◌َّهِ: اقرأ، قال: ((وما أقرأ؟))، كرَّرَ عليه ثلاث مرات ثم قال له: ((اقرأ باسم
(١) تفسير الطبري ١١١/١، وأورده ابن كثير في تفسيره ١١٣/١ وقال: وهذا الأثر غريب،
وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفاً وانقطاعاً.
(٢) الإتقان ١/ ٨٠.
(٣) ينظر ما سلف ٢٠٢/١.
(٤) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة رضي﴿ا، وقد سلف قريباً.

الآية : ١
١٦٧
سُورَةُ الْعَلِقِّ
ربِّك الذي خلق))(١)، فأخَّر بيانَ ما أمرهُ به أوَّلاً مع إجمالِه إلى ما بعد ثلاث مرات
من أمر جبريل عليه السلام، وسؤالِ النبيِّ ◌ِّ، مع إمكان بيانه أوَّلاً، وذلك دليلُ
جواز التأخيرِ. إلى آخر ما قال سؤالاً وجواباً لا يتعلَّق بهما غرضُنا(٢).
ولا يخفى أنَّ كونَ هذا بياناً للمراد على الوجه الذي ذكرناه ظاهرٌ، وكونَه
كذلك بجعل ((اقرأ باسم ربك)) إلى آخر ما نزل، أو ((بسم الله الرحمن الرحيم.
اقرأ)) إلخ - على ما ادعاه الجلال - معمولاً لـ ((اقرأ)) المكرر في كلام جبريل عليه
السلام = مِمَّا لا أظنُّ أنَّ أصوليًّا يقول به، ومثله كونه كذلك بحملِ الآية على
ما سمعت عن أبي عبيدة.
وأمَّا بناءُ الاستدلال على ما في بعض الآثار من أنَّ جبريل عليه السلام جاء إلى
النبيِّ وَّله وهو بحراء بنمطٍ من ديباج مكتوبٍ فيه: ((اقرأ باسم ربك)) إلى ((ما لم
يعلم))، فقال له: اقرأ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما أنا بقارئ)) قال: ((اقرأ باسم
ربك)»(٣) بأن يكون ((اقرأ)) إلخ بياناً وتلاوةً من جبريل عليه السلام لما في النمط
المنزَّل - لعدم العلم بما فيه وإنْ كان مشاهداً - منزلة المجمل الغير المعلوم،
فلا يخفى حاله فتأمَّل.
ثم إنَّ في كلام الآمديِّ من حيثُ روايةُ الخبر ما فيه، فلا تغفل.
والتعرُّض لعنوان الربوبيَّة المنبئةِ عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئاً
فشيئاً، مع الإضافة إلى ضميره وَّر؛ للإشعار بتبليغه عليه الصلاةُ والسلام إلى الغاية
القاصية من الكمالات البشرية، بإنزال الوحي المتواتر.
ووصفُ الربِّ بقوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ لتذكيره عليه الصلاة والسلام أوَّلَ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٢٩٢/١٤، والطبري في تفسيره ٥٢٩/٢٤-٥٣٠ من حديث
عبد الله بن شداد
(٢) إحكام الأحكام ٥٢/٣.
(٣) أخرجه الحاكم في مستدركه ٥٢٩/٢ من حديث جابر . قال الحاكم: فسمعت أبا علي
الحافظ يقول: ذكر جابر في إسناده وهم.
وقال الذهبي في التلخيص : صوابه مرسل، ليس فيه جابر.

سُورَةُ الْعَلِقِ
١٦٨
الآية : ٢
النعماء الفائضةِ عليه وفر منه سبحانه، مع ما في ذلك من التنبيه على قدرته تعالى
على تعليم القراءة بألطف وجهٍ.
وقيل: لتأكيد عدم إرادة غيره تعالى من الربِّ، فإنَّ العرب كانت تسمِّي الأصنام
أرباباً، لكنهم لا ينسبونَ الخلق إليها .
والفعل إمَّا منزَّلٌ منزلةَ اللازم، أي: الذي له الخلق، أو مقدَّرٌ مفعوله عامًا،
أي: الذي خلق كلَّ شيءٍ، والأوَّل يفيدُ العمومَ أيضاً، فعلى الوجهين يكونُ وجه
تخصيص الإنسان بالذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ أنَّه أشرفُ المخلوقات،
وفيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه، فهو أدلّ على وجوب العبادة المقصودة من
القراءة، مع أنَّ التنزيلَ إليه.
ويجوزُ أن يرادَ: خلق الإنسان، إلَّا أنَّه لم يُذكر أولاً، وذُكر ثانياً قصداً لتفخيمه
بالإبهام ثم التفسير.
وعن الزمخشريِّ أنَّ المناسبَ أن يراد: خلق الإنسان، بعدَ الأمر بقراءة القرآن؛
تنبيهاً على أنَّه تعالى خلقه للقراءة والدراية، كما أنَّ ذِكْرَ خلقِ الإنسان عقيبَ تعليم
القرآن أوَّل سورة الرحمن لنحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ أي: دم جامدٍ؛ لبيان كمال قدرته تعالى بإظهار ما بينَ
حالتيه الأولى والآخرة من التباين البَيِّن، وأتى به دالا على الجمع (١)؛ لأنَّ الإنسان
مرادٌ به الجنس، فهو في معنى الجمع، فأتى بما خُلِقٍ منه كذلك ليطابقه مع ما في
ذلك من رعاية الفواصل، ولعلَّه ـ على ما قيل - السرُّ في تخصيص هذا الطّور من
بين سائر أطوار الفطرة الإنسانية، مع كون النطفة والتراب أدلَّ على كمال القدرة؛
لكونهما أبعدَ منه بالنسبة إلى الإنسانية.
وفي ((البحر)): لم يذكر سبحانه مادّة الأصل - يعني آدم عليه السلام - وهو
التراب؛ لأنَّ خلقه من ذلك لم يكن متقرِّراً عند الكفار، فذكر مادَّة الفرع وخَلْقَه
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وهو جمع علقة كما في ((البحر)) [٨/ ٤٩٢]، واسم جنس
جمعي كما صرح به الشهاب [في حاشيته ٣٧٩/٨]. أهـ منه.

الآية : ٣ - ٥
١٦٩
سُورَةُ الْخَلِقِ
منها، وتَركَ مادّة أصل الخلقة؛ تقريباً لأفهامهم(١). وهو على ما فيه لا يحسم مادَّة
السؤال.
وقيل: خَصَّ هذا الطّور تذكيراً له عليه الصلاة والسلام لما وقع من شرح
الصدر قبلَ النبوّة، وإخراج العلق منه؛ ليتهيَّأ تهيُّؤْاً تامًّا لما يكون له بعد، فكأنَّه
قيل: الذي خلق الإنسان من جنس ما أخرجه من صدرك الشريف؛ ليهيِّئك بذلك
لمثل ما يُلقَى إليك الآن، وبهذا تَقْوَى مناسبةُ هذه السورة لسورة الشرح قبلها أتمَّ
مناسبةٍ، لاسيما على تفسير الشرح بالشقِّ، فتدبره.
ومن الناس من زعم أنَّ المرادَ بالإنسان آدمُ عليه السلام، وأنَّ المعنى: خلقَ
آدم من طينٍ يعلقُ باليد. وهو مِمَّا لا تعلَقُ به يدُ القَبول.
ولَمَّا كان خلقُ الإنسان أوَّلَ النعم الفائضة عليه منه تعالى، وأقدمَ الدلائل الدالّة
على وجوده عزَّ وجلَّ، وکمالٍ قدرته وعلمه وحكمته سبحانه، وصف ذاته تعالى
بذلك أوَّلاً ليَستشهدَ عليه الصلاة والسلام به على تمكينه تعالى له من القراءة، ثمَّ
كرَّر جلَّ وعلا الأمرَ بقوله تعالى: ﴿أَفْرأْ﴾ أي: افعل ما أمرتَ به، تأكيداً للإيجاب،
وتمهيداً لما يعقبه من قوله تعالى: ﴿وَبُكَ الْأَكْرَهُ﴾ إلخ، فإنَّه كلامٌ مستأنفٌ واردٌ
لإزاحة ما بيَّنِهِ وَّ ر من العذر بقوله عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام حين
قال له: اقرأ: ((ما أنا بقارئ)) يريدُ أنَّ القراءةَ شأنُ من يكتب ويقرأ، وأنا أمِّيٍّ،
فقيل: وربُّك الذي أمرَك بالقراءة مفتَتِحاً ومبتدئاً باسمه الأكرم ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
أي: عَلَّم ما علَّم بواسطة القلم، لا غيرُه تعالى، فكما علَّم سبحانه القارئَ بواسطة
الكتابة بالقلم، يعلِّمُك بدونها، وحقيقةُ الكرم إعطاءُ ما ينبغي لا لغرض، فهو صفةٌ
لا يشاركه تعالى في إطلاقها أحدٌ، فـ: أفعل للمبالغة.
وجوِّزَ أنْ لا يكون ((اقرأ)) هذا تأكيداً للأوَّل، وإنَّما ذُكر لیوصِل به ما یزیحُ
العذرَ، فجملة ((وربُّك)) إلخ في موضع الحال من الضمير المستتر فيه.
وقوله تعالى: ﴿عَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾﴾ بدلُ اشتمال من ((علَّم بالقلم))، أي:
(١) البحر ٨/ ٤٩٢.

سُوَّةُ الْخَلِقِ
١٧٠
الآية : ٥
علَّمه به وبدونه من الأمور الكليَّة والجزئيَّة والجليَّة والخفيَّة ما لم يخطر بباله،
وفي حذف المفعول أوَّلاً، وإيرادِه بعنوان عدم المعلوميَّة ثانياً من الدلالة على
كمال قدرته تعالى، وكمال كرمه عزَّ وجلَّ، والإشعارِ بأنَّه تعالى يعلِّمه عليه
الصلاة والسلام من العلوم ما لا يحيط به العقول = ما لا يخفى، قاله في
((الإرشاد))(١).
وقدَّر بعضُهم مفعول ((علَّم)): الخطّ، وجعل ((بالقلم)) متعلّقاً به، وأُيِّد بقراءةِ ابن
الزبير: ((الذي عَلَّم الخطَّ بالقلم))(٢) حيث صرَّح فيها بذلك.
وقال الجبائيُّ: إنَّ ((اقرأ)) الأول أمرٌ بالقراءة لنفسه - وقيل: مطلقاً - والثاني أمرٌ
بالقراءة للتبليغ (٣). وقيل: في الصلاة المشار إليها فيما بعد، وجملة ((وربُّك)) إلخ
تحتملُ الحاليّة والاستئنافيَّة، وحاصلُ المعنى على إرادة القراءة للتبليغ في قول: بلِّغ
قومَك وربُّك الأكرم الذي يثيبُك على عملك بما يقتضيه كرمُه، ويقوِّيك على حفظ
القرآن لتبلِّغه.
وأولى الأوجه وأظهرُها التأكيد، وأبعدَ بعضُهم جدًّا، فزعم أنَّ ((بسم)) في
البسملة متعلّق بـ ((اقرأ)) الأول، و((باسم ربك)) متعلِّق بـ ((اقرأ)) الثاني؛ ليفيد التقديمُ
اختصاصَ اسم الله تعالى بالابتداء.
وجُوِّزَ أيضاً أنْ يبقَى ((باسم الله)) على ما هو المشهور فيه، و((اقرأ)) أمرٌ بإحداث
القراءة، و((باسم ربِّك)) متعلّق بـ ((اقرأ)) الثاني لذلك.
ولا يخفى أنَّ الظاهرَ تعلُّقُ ((باسم ربك)) بما عنده، وتقديمُ الفعل هاهنا أوقع؛
لأنَّ السورةَ المذكورةَ - على ما سبق من التصحيح - أوَّلُ سورةٍ نزلت، فالقراءةُ فيها
أهمّ نظراً للمقام.
وقيل: إنَّه لو سُلِّم كونُ غيرها نازلاً قبلها، لا يضرُّ في حسن تقديم الفعل؛ لأنَّ
(١) إرشاد العقل السليم ١٧٨/٩.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٧، والكشاف ٢٧١/٤، والبحر المحيط ٤٩٣/٨.
(٣) ذكره عن الجبائي الطبرسي في مجمع البيان ١٨٦/٣٠، وليس فيه: وقيل مطلقاً.

الآية : ٥
١٧١
سُورَةُ الْعَلِقِ
المعنى - كما سمعت عن قتادة -: اقرأ مفتتحاً باسم ربك، أي: قل: باسم الله ثم
اقرأ، فلو افتتح بغير البسملة لم يكن ممتثلاً، فضلاً عن أنْ يفتتحَ بما يضادُّها من
أسماء الأصنام، ولو قدّم الجارُّ أفاد معنّى آخر، وهو أنَّ المطلوب عند القراءة أنْ
يكون الافتتاحُ باسم الله تعالى، لا باسم الأصنام، ولا تكونُ القراءة في نفسها
مطلوبةً؛ لما عُلِمَ أنَّ مقتضَى التقديم أنْ يكون أصلُ الفعل مسلَّماً على ما هو عليه
من زمانٍ؛ طلباً كان أو خبراً.
وأجاب من علَّقَ الجارَّ بالثاني بأنَّ مطلوبيَّة القراءة في نفسها استفيدت من
((اقرأ)) الأول، فلا تغفل.
والظاهر أنَّ المعلَّم بالقلم غيرُ معيَّن. وقيل: هو كلُّ نبيِّ كتب. وقال الضحاك:
هو إدريس عليه السلام، وهو أوَّلُ من خطّ. وقال كعب: هو آدم عليه السلام، وهو
أوَّل من كتب، وقد نسبوا لآدمَ وإدريس عليهما السلام نقوشاً مخصوصةً في كتابة
حروف الهجاء، والذي يغلب على الظنِّ عدمُ صحَّة ذلك.
وقد أدمجَ سبحانه وتعالى التنبيهَ على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع
العظيمة، ونيل الرتب الفخيمة، ولولاه لم يقم دينٌّ ولم يصلحْ عيشٌ، ولو لم يكن
على دقيق حكمة الله تعالى ولطيف تدبيره سبحانه دليلٌ إلَّا أمر القلم والخطّ لكفى
به، وقد قيل فيه:
العابُ الأفاعي القاتلاتِ لعابُهُ وأرْيُ الْجَنَى اشْتَارَتْهُ أيدٍ عَوَاسِلُ(١)
ومما نسبه الزمخشريُّ في ذلك لبعضهم، وعنى على ما قيل نفسه:
قُظْف الخُطى نَيَّالة أقصى المَدى
ورواقٍ رُقْش كمثل أراقم
إلا إذا لعبت بها بيضُ المُدى(٢)
سود القوائم ما يجدُّ مسيرُها
(١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ص١٢٣، والأريُّ: ما لزق من العسل في جوف الخلية،
والجنى: العسل، واشتارته: استخرجته، يقال: شار فلانٌ العسل شوراً وشياراً وشيارة: إذا
استخرجه، وكذلك أشاره واشتاره. والعواسل: جمع عاسلة، أي: مستخرجة العسل،
والعاسل: مشتار العسل من موضعه. انظر خزانة الأدب ٤٤٧/١ .
(٢) الكشاف ٢٧١/٤. والرواقم: جمع راقم، والرّقْمُ: الكتابة، أي: ربّ أقلامٍ رواقمٍ، فرواقم
=

سُوَّةُ الْعَلِقِ
١٧٢
الآية : ٥
ولهم في هذا الباب كلامٌ فصلٌ يضيقُ عنه الكتاب.
وظاهر الآثار أنَّ الكتابةَ في الأمم غير العرب قديمةٌ، وفيهم حادثة، لاسيما
في أهل الحجاز، وذَكر غيرُ واحدٍ أنَّ الكتابةَ نُقلت إليهم من أهل الحيرة،
وأنَّهم أخذوها من أهل الأنبار، وذكرَ الكلبيُّ والهيثم بن عديّ أنَّ الناقلَ للخطّ
العربيِّ من العراق إلى الحجاز حربُ بنُ أميَّة، وكان قد قدِمِ الحيرة، فعاد إلى
مكَّة به، وأنَّه قيل لابنه أبي سفيان: مِمَّن أخذَ أبوك هذا الخطّ، فقال: من
أسْلَم بن أسدرة، وقال: سألتُ أسلم مِمَّن أخذتَ هذا الخط؟ فقال: من واضعِه
مرامر بن مُرَّة.
وقيل: كان لحمير كتابةٌ يسمُّونها المسند، منفصلة غير متصلة، وكان لها شأنٌ
عندهم، فلا يتعاطاها إلَّا مَنْ أُذِن له في تعلُّمها.
وأصنافُ الكتابة كثيرةٌ، وزعمَ بعضُهم أنَّ جُلَّ كتابات الأمم اثنا عشر صنفاً؛
العربيَّة، والحميريَّة، والفارسيَّة، والعبرانيَّة، واليونانيَّة، والروميَّة، والقبطيَّة،
والبربريَّة، والأندلسيَّة، والهنديَّة، والصِّينيَّة، والسُّريانيّة، ولعلَّ هذا - إنْ صحَّ - باعتبار
الأصول، وإلَّا فالفروع توشكُ أن لا يحصيها قلم كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
ولم يَرَ بعضُ العلماء من الأدب وصفَ غيره تعالى بالأكرم، كما يفعلُه كثيرٌ من
الناس في رسائلهم، فيكتبون: إلى فلان الأكرم، ومع هذا يَعدُّونه وصفاً نازلاً،
ويستهجنونه بالنسبة للملوك ونحوهم من الأكابر، وقد يصفونَ به اليهوديّ والنصرانيَّ
ونحوهما، مع أنَّه تعالى يقول: (وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) فعلى العبد أن يراعي الأدب مع
مولاه، شاكراً كرمه الذي أولاه.
= صفة لمحذوف، والرقش كالنقش، يقال: حية رَقْشَاء، لترقيشٍ في ظهرها. وقوله: كمثل،
خبر. وأراقم جمع أرقم، وهي الحية التي فيها سواد وبياض. وقوله: قطف، القطوف من
الدواب: البطيء المشي. ونيّالة: صيغة مبالغة من نال بمعنى أصاب، وأقصى: مفعولُه.
والمدى في آخر البيت الأول بالفتح: الغاية، وفي آخر البيت الثاني بالضم جمع مُدية. شرحٍ
شواهد الكشاف في آخر الكشاف ٤/ ٥٦٥، وقد ذكر فيه الشارح محب الدين أفندي كلاماً
طويلاً ينظر ثمة.

الآية : ٦ - ٧
١٧٣
سُورَةُ الْخَلِقِ
» ردعٌ لمن كفر من جنس الإنسان بنعمة الله تعالى عليه بطغيانه، وإن لم
يذكر؛ لدلالة الكلام عليه، وذلك لأنَّ مفتتحَ السورة إلى هذا المقطع يدلُّ على عظيم
منَّتَه تعالى على الإنسان، فإذا قيل: ((كلا))، كان ردعاً للإنسان الذي قابلَ تلك النعم
الجلائل بالكفران والطغيان، وكذلك التعليلُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيْنَ﴾ أي:
ليتجاوزُ الحدَّ في المعصية واتباعِ هوى النفس، ويستكبرُ على ربِّه عزَّ وجلَّ.
وقال الكلبيُّ: أي: لَيَرتَفِعُ عن منزلةٍ إلى منزلةٍ في اللباس والطعام وغيرهما.
وليس بذاك.
وقَدَّر بعضُهم بعد قوله تعالى: (مَا لَمْ يَعْلَمْ): لِيَشْكِرَ تلك النعمَ الجليلة فطغى وكفر
كلّا .
وقيل: ((كلّا)) بمعنى حقًّا؛ لعدم ما يتوجَّه إليه الردع والزجرُ ظاهراً، فقوله
سبحانه: (إِنَّ الْإِنسَنَ) إلخ بيانٌ لما أريد إحقاقه.
وهذا إلى آخر السورة قيل: نزل في أبي جهل بعدَ زمانٍ من نزول الآيات
السابقة، وهو الظاهر، ومع نزوله في ذلك اللعين المرادُ بالإنسان الجنس.
وقوله سبحانه: ﴿أَنْ رََّاهُ أَسْتَغْقَ ﴾﴾ مفعولٌ من أجله، أي: يطغى لِأَنْ رأى
نفسَه مستغنياً، على أنَّ جملة ((استغنى)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((رأى))؛ لأنَّه بمعنى عَلِمَ،
ولذلك ساغَ كونُ فاعله ومفعوله ضميري واحدٍ، نحو عَلِمْتُني، فقد قالوا: إنَّ ذلك
لا يكون في غير أفعال القلوب وفَقَّدَ وعَدِمَ.
وذهب جماعةٌ إلى أنَّ رأى البصريَّة قد تُعطَى حكم القلبيّة في ذلك، وجَعلُوا منه
قولَ عائشة: لقد رأيتُنا مع رسول الله وَّه، وما لنا طعامٌ إلَّ الأسودان(١)، وأنشدوا:
من عن يميني تارةً وأمامي (٣)
ولقد أَراني للرِّماح دريَّةً(٢)
(١) أخرجه بهذا اللفظ عن عائشة أبو عبيد في غريب الحديث ٣١٨/٤، وأخرجه البخاري
(٢٥٦٧)، ومسلم (٢٩٧٢) بألفاظ قريبة.
(٢) في (م): دريئة. قال التبريزي في شرح الحماسة ٦٨/١: الدريئة تهمز ولا تهمز، فتجعل من
الدرء، وهو الدفع، ومن الدري، وهو الختل.
(٣) هو القطري بن فجاءة، كما في ديوان الحماسة ٦٨/١، وخزانة الأدب ١٥٨/١٠.

سُورَةُ الْعَلِقِ
١٧٤
الآية : ٧
فإذا جعلت ((رأى)) هنا بصريَّةً، فالجملة في موضع الحال.
وتعليلُ طغيانه برؤيته لا بنفس الاستغناء، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ
اللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، للإيذان بأنَّ مدارَ طغيانه زعمُه
الفاسدُ على الأول، ومجرَّد رؤيتِهِ ظاهرَ الحال من غيرِ رويَّة وتأمُّلٍ في حقيقته على
الثاني، وعلى الوجهين المرادُ بالاستغناء: الغنى بالمال، أعني مقابل الفقر
المعروف.
وقيل: المرادُ: أنْ رأى نفسَه مستغنياً عن ربِّه سبحانه بعشيرته وأمواله وقوَّته.
وهو خلاف الظاهر، ويبعده ظاهرُ ما روي أنَّ أبا جهلٍ قال لرسول الله وَلّى: أتزعم
أنَّ مَن استغنى طغَى، فاجعل لنا جبالَ مَّة ذهباً وفضَّة، لعلَّنا نأخذُ منها فنطغى،
فندع ديننا ونتبع دينك، فنزلَ جبريلُ عليه السلام فقال: إنْ شئتَ فعلنا ذلك، ثم إن
لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة. فكفَّ رسول الله وَالل عن الدعاء إبقاءً
عليهم(١).
وقرأ قنبل بخلافٍ عنه: ((أن رأه)) بحذف الألف التي بعد الهمزة(٢)، وهي لام
الفعل. ورَوى ذلك عنه ابن مجاهد، وغلَّطَهُ فيه، وقال: إنَّ ذلك حذفٌ لا يجوز(٣).
وفي ((البحر)): ينبغي أنْ لا يغلِّظَه، بل يتطلَّب له وجهاً، وقد حُذِفت الألف في نحوٍ
من هذا، قال :
وصَّانيَ العجَّاجُ فيمن وَصَّني(٤)
يريد: وصَّاني، فحذف الألفَ، وهي لام الفعل، وقد حذفت في مضارع ((رأى))
في قولهم: أصاب الناسَ جهدٌ، لو ترَ أهل مَّة، وهو حذفٌ لا ينقاس، لكن إذا
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، كان إذا أصابه مالٌ زاد
في ثيابه ومركبه وطعامه، فذلك طغيانه. وهذا ليس بشيء كما لا يخفى. اهـ منه.
(٢) التيسير ص٢٢٤، والنشر ٤٠١/٢.
(٣) انظر السبعة ص٦٩٢ .
(٤) البيت لرؤبة كما في خزانة الأدب ١/ ١٣١، وهو في ملحقات ديوان رؤبة ص ١٨٧. وفيهما:
فيما. بدل: فيمن.

الآية : ٨ - ١٠
١٧٥
سُورَةُ الْعَلِق
صحَّتِ الرواية وجب القبول، فالقراءات جاءت على لغة العرب قياسِها وشاذِّها(١).
تهديدٌ للطاغي، وتحذيرٌ له من عاقبة
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجَْ
الطغيان، والخطاب - قيل - للإنسان، والالتفاتُ للتشديد في التهدید.
وجُوِّزَ أن يكون الخطابُ لسيِّد المخاطبين وَِّ، والمراد أيضاً تهديدُ الطاغي
وتحذيره، ولعلَّه الأظهر نظراً إلى الخطابات قبله.
و((الرجعى)) مصدرٌ بمعنى الرجوع، كالبُشرى، والألفُ فيها للتأنيث، وتقدیمُ
الجارِّ والمجرور عليه للقَصْرِ، أي: إنَّ إلى ربِّك رجوع الكلِّ بالموت والبعث،
لا إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً، فتُرى حينئذٍ عاقبةٌ(٢) الطغيان.
وفي هذه الآيات - على ما قيل - إدماجُ التنبيه على مذمَّة المال، كما أنَّ في
الآيات الأُوَل إدماجَ التنبيه على مدح العلم، وكفى ذلك مرغِّباً في الدين والعلم،
ومنفِّراً عن الدنيا والمال.
وقوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَتْعَى
﴾ ذكرٌ لبعض آثار الطغيان،
١٠
عَبْدًا إِذَا صَلَّىَ
٩
ووعيدٌ عليها، ولم يختلف المفسرون - كما قال ابن عطية(٣) - في أنَّ العبدَ المصلِّيَّ
هو رسولُ اللهِ وَّه، والناهيَ هو اللعين أبو جهل، فقد أخرجَ أحمد ومسلم والنسائيُّ
وغيرهم عن أبي هريرة أنَّ أبا جهل حلفَ باللَّات والعُزَّى؛ لئن رأى رسولَ الله وَّهـ
يصلِّي ليطَأَنَّ على رقبته، وليعفرنَّ وجهَه، فأتى رسولَ الله عليه الصلاة والسلام وهو
يصلِّي ليفعل، فما فجأهم منه إلَّا وهو ينكصُ على عقبيه، ويتَّقي بيديه، فقيل له:
مالك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهَولاً وأجنحةً. فقال رسول الله وَّ:
(لو دَنا مِنِّي لاختطفته الملائكةُ عضواً عضواً))، وأنزل الله تعالى: (كَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ) إلى
آخر السورة(٤).
(١) البحر المحيط ٤٩٣/٨.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: فترى بالبناء للمفعول، وعاقبة نائب الفاعل. اهـ منه.
(٣) في المحرر الوجيز ٥٠٢/٥ .
(٤) مسند أحمد (٨٨٣١)، وصحيح مسلم (٢٧٩٧)، وسنن النسائي الكبرى (١١٦١٩)
و(١١٩٤٨).

سُورَةُ الْجَلِقِّ
١٧٦
الآية : ١٠
وقولُ الحسن: هو أمية بن خلف، كان ينهى سلمانَ عن الصلاة. لا يكادُ
يصحُّ؛ لأنَّه لا خلافَ في أنَّ إسلامَ سلمان ◌َ﴿به كان بالمدينة بعد الهجرة، كما أنَّه
لا خلافَ في أنَّ السورةَ مكِّيَّةٌ. نعم، حكم الآية عامٌّ، فإن كان ما حكيَ عن أميَّةً
واقعاً، فحُكُمُها شاملٌ له.
والصلاة التي أشارت إليها الآيةُ كانت - على ما حَكَى أبو حيَّان - صلاةَ الظهر،
وحكى أيضاً أنَّها كانت تُصَلَّى جماعةً، وهي أوَّلُ جماعةٍ أقيمت في الإسلام، وأنه
كان معه عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعليٍّ ﴿هَا، فمرَّ أبو طالب ومعه ابنُه جعفر،
فقال له: يا بنيَّ، صلِّ جناح ابن عمك، وانصرفَ مسروراً وأنشأ يقول:
عند ملمِّ الزمان والكُرَبِ
إنَّ عليًّا وجعفراً ثقتي
يَخذله مَن يكون مِن حَسَبي
والله لا أخذلُ النبيَّ ولا
أخي لأمي من بينهم وأبي(١)
لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما
وفي هذا نظر؛ لأنَّ الصلاةَ فُرِضَت ليلةَ الإسراء بلا خلاف، وادَّعى ابنُ حزمٍ
الإجماعَ على أنَّه كان قبل الهجرة بسنة، وجَزم ابنُ فارس بأنَّه كان قبلَها بسنةٍ
وثلاثة أشهر، وقال السُّدِّيُّ: بسنةٍ وخمسةِ أشهر، وموتُ أبي طالبٍ كان قبل
الهجرة بنحو ثلاث سنين؛ لأنَّه كانَ قبلَ وفاة خديجة بثلاثة، وقيل: بخمسة أيَّام،
وكانت وفاتُها بعد البعثة بعشر سنين على الصحيح، فأبو طالبٍ على هذا لم يدرك
فرضيَّةَ الصلاة.
نعم، حكى القاضي عياض (٢) عن الزهريِّ - ورجَّحه النوويُّ والقرطبيُّ(٣) -: أنَّ
الإسراءَ كان بعد البعث بخمس سنين، لكن قيل عليه ما قيل فليراجع.
والنهيُ قيل: بمعنى المنع، وعبَّر به إشارةً إلى عدم اقتدار اللعين على غير
ذلك، وفي بعضٍ الأخبار ما ظاهره أنَّه حصلَ منه نهيٌّ لفظيٌّ، فقد أخرج أحمدُ
(١) البحر المحيط ٤٩٣/٨. والأبيات في ديوان أبي طالب ص ٦٧ بألفاظ قريبة.
(٢) في إكمال المعلم ١/ ٤٩٧ .
(٣) شرح النووي على مسلم ٢٠٩/٢- ٢١٠، والمفهم لأبي العباس القرطبي ٣٨٦/١.

الآية : ١١ - ١٤
١٧٧
سُوَّةُ الْعَلِقِ
والترمذيُّ - وصحَّحه - وغيرهما عن ابن عباس قال: كان النبيُّ وَله يصلِّي، فجاء
أبو جهلٍ فقال: ألم أنهكَ عن هذا، ألم أنهك عن هذا؟ الحديث(١).
والتعبيرُ بما يفيدُ الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لنوع غرابةٍ، والرؤيةُ
قيل: قلبية، وكذا في قوله تعالى: ﴿أَرَدَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْمُدَّ ﴿ أَوْ أَمَرَ بِلتَّقْوَ
١٣
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَرَيْتَ إِن كَذَّبَ رَوَ ﴾﴾ والمفعولُ الأوَّلُ للأوَّل الموصولُ،
والثاني والثالث محذوفٌ، وهو ضميرٌ يعودُ علیه، أو اسمُ إشارة یشار به إليه،
والمفعول الثاني للثالث قوله سبحانه: ﴿أَلَّ ◌َعْلَم ◌َنَّ اللّهَ يَرَى ﴾ والأوَّلان متوجِّهان
إليه أيضاً، وهو مقدَّرٌ عندهما، وتُرك إظهارُه اختصاراً، ونظير ذلك: أخبرني عن
زيد إنْ وفدتَ عليه، أخبرني عنه إن استخبرته، أخبرني عنه إن توسَّلت إليه، أمَا
يوجبُ حقِّي. وليس ذلك من التنازع؛ لأنَّ الجملَ لا يصحُّ إضمارها، وإنَّما هو من
الطلب المعنويِّ والحذفِ في غير التنازع.
وجواب الشرط في الجملتين محذوفٌ لدلالة ((ألم يعلم)) عليه، ويقدَّر حسبما
تقتضيه الصناعة. وقيل: يدلُّ عليه ((أرأيت)) مراداً به ما سيذكر قريباً إن شاء الله
تعالى، ويقدَّر كذلك، والكلام عليه أيضاً نظيرُ ما مرَّ آنفاً .
والضمائر المستترة في ((كان)) وما بعدُ من الأفعال للناهي.
والمراد من ((أرأيت)»: أخبرني، فإنَّ الرؤيةَ لَمَّا كانت سبباً للعلم أُجري
الاستفهامُ عنها مجرى الاستخبار عن متعلَّقها، والاستفهامُ الواقع موقعَ المفعول
الثاني هو متعلَّق الاستخبار هنا، وهذا الإجراءُ على ما يفهم من كلام بعضِ الأئمَّة
يكونُ مع الرؤية البصريّة والرؤية القلبِيَّة، وللنحاة فيه قولان.
والخطابُ في الكلِّ - على ما اختاره جمعٌ - لكلِّ من يصلحُ أن يكون مخاطباً
مِمَّن له مُسْكة. وقيل: للإنسان، كالخطاب في ((إلى ربك)).
(١) سنن الترمذي (٣٣٤٩)، ومسند أحمد (٢٣٢١). وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى
(١١٦٢٠).
:

سُورَةُ الْعَلِقّ
١٧٨
الآية : ١٤
وتنوين ((عبداً)) على ما هو ظاهرُ كلام البعض للتنكير، وتقييد النهي بالظرف
يشعرُ بأنَّ النهي عن الصلاة حالَ التلُّس بها .
وفَصَل بين الجمل للاعتناء بأمر التشنيع والوعيد، حيث أشعرَ أنَّ كلَّ جملةٍ
مقصودةٌ على حيالها؛ فشنَّع سبحانه على الناهي أوَّلاً بنهيه عن الصلاة، وأوعدَ عليه
مطلقاً بقوله تعالى: (أَيْتَ الَّذِى) إلخ، أي: أخبرني يا مَن له أدنى تمييزٍ - أو: أيُّها
الإنسان - عَمَّن ينهى عن الصلاة بعضَ عبادِ الله تعالى، ألم يعلم بأنَّ الله تعالى يرى
ويطَّلع، فيجازيه على ذلك النهي؟
وشَنَّع سبحانه عليه ثانياً بنهيه عن ذلك وأَوْعَده عليه أيضاً، على تقدير أنَّه - على
زعمه - على هدى ورشدٍ في نفس النهي، أو أنَّه أَمَرَ بواسطته بالتقوى؛ لأنَّ النهيّ
عن الشيء أمرٌ بضدِّه، أو مستلزمٌ له، فقال تعالى شأنه: (أَيْتَ إِن كَانَ) إلخ، أي:
أخبرني عن ذلك الناهي، ألم يعلم أنَّ الله يطَّلعُ فيجازيه إن كان على هدى ورشدٍ
في نفس النهي، أو كان آمراً بواسطته بالتقوى كما يزعم؟
وشنَّع جلَّ شأنه عليه ثالثاً بذلك وأوعده عليه أيضاً - على تقدير أنَّه في نفس
الأمر وفيما يقوله تعالى مكذِّباً بحقِّيَّة الصلاةِ، متولياً عنها، معرضاً عن فعلها - بقوله
تعالى: (أَيْتَ إِن كَذَّبَ) إلخ، أي: أخبرني عن ذلك الناهي، ألم يعلم بأنَّ الله تعالى
يطَّلع على أحواله إن كذّب بحقِّية ما نُهي عنه، وأعرضَ عن فعله على ما نقول
نحن؟
والحاصل أنَّه تعالى شنَّع وأوعدَ على النهي عن الصلاة بدون تعرُّضٍ لحال
الناهي الزعميِّ أو الحقيقيِّ، ثم شنَّع وأوعدَ جلَّ وعلا عليه مع التعرُّض لحاله
الزعميِّ، ثمَّ شنَّع عزَّ وجلَّ وأوعدَ عليه مع التعرُّض لحاله الحقيقيِّ، وهذا كالترِّي
في التشنيع.
والجمهور على عدم تقييد ما في حيِّز الشرطيتين بما ذكرنا، حيث قالوا: إنْ
كان على طريقةٍ سديدةٍ فيما يَنهى عنه من عبادة الله تعالى، أو كان آمراً بالمعروف
والتقوى فيما يأمرُ به من عبادة الأوثان، كما يزعم، وإن كان مكذِّباً للحقِّ ومتوليًّا
عن الصواب كما نقول.

الآية : ١٤
١٧٩
سُورَةُ الْعَلِقِّ
وذُكِر أنَّ الشرطَ الثاني تكرارٌ للأوَّل؛ لأنَّ معنى الأوَّل أنَّه ليس على الهدى،
وأوضحَ بأنَّ إدخال حرف الشرط في الأول لإرخاء العنان صورةً، والتهكُم
حقيقةً، إذ لا يكون في النهي عن عبادته تعالى والأمرِ بعبادة الأصنام هدّى البتّة،
وفي الثاني لذلك والتهكُّم على عكس الأول، إذ لا شكَّ أنَّه مكذِّبٌ متولّ؛
فمآلهما إلى واحد.
وقيل: إنَّ الرؤية في الجملة الأولى بصريَّة، فلا تحتاج إلى مفعولٍ ثانٍ، وفي
الثانية والثالثة قلبيَّة، والمفعولُ الأوَّل على ما تقدَّم، والمفعول الثاني سدَّ مسدّه
الجملةُ الشرطية بجوابِها، وهو في الأخيرة: ((ألم يعلم)) إلخ المذكور، وفيما قبلها
محذوفٌ دلَّ هو عليه. ولم تعطف الأخيرة على ما قبلها؛ للإيذان باستقلالها
بالوقوع في نفس الأمر، وباستتباع الوعيد الذي ينطق به الجواب، وأمَّا ما قبلها
فأمرُ الشرط فيه ليس إلَّا لتوسيع الدائرة، وهو السرُّ في تجريده عن الجواب
والإحالة به على جواب الشرطيّة بعده، والخطاب في الكلِّ لمن يصلحُ له. والتنوين
في ((عبداً)) لتفخيمه عليه الصلاة والسلام واستعظام النهي وتأكيدِ التعجيب منه.
والمعنى: أخبرني عن ذلك الناهي إن كان على الهدى فيما يَنهى عنه من عبادة الله
تعالى إلى آخر ما ذُكر آنفاً، ألم يعلم أنَّ الله يرى ويطَّلع على أحواله، فيجازيه بها
حتى اجترأ على ما فعل.
وقيل: إنَّ ((أرأيت)) في الجمل الثلاث من الرؤية القلبيَّة، والمفعولُ الأوَّل
للأولى الموصولُ، ومفعولها الثاني الجملةُ الشرطيّة الأولى بجوابها المحذوف
اكتفاءً عنه بجواب الشرطيَّة الثانية، إذ عُلِمَ من ضرورة التقابل، و((أرأيت)) الثانية
تكرارٌ(١) للأولى، و((أرأيت)) الثالثةُ - ومفعولُها الأوَّلُ محذوفٌ للقرينة - مستقلَّةٌ؛
لأنها تقابلُ الأولى للتقابل بين الشرطين، يعني قوله تعالى: ((إن كان)) إلخ، وقوله
سبحانه: (إن كذَّب)) إلخ، وفي الإتيان بالجملة الأخيرة من دون العطف ترشيحٌ
للكلام المبكِّت، وتنبيهٌ على حقِّيَّة الشرط، ولهذا صرَّح بجوابه ليتمخَّض وعيداً،
والخطاب على ما تقدَّم أوَّلاً، والكلامُ من قبيل الكلام المنصف وإرخاء العنان،
(١) في (م): تكراراً.

سُورَةُ الْعَلِقْ
١٨٠
الآية : ١٤
ولذا قيل: ((عبداً)، ولم يقل: نبيًّا مجتبى، فكأنَّه قيل: أخبرني يا من له أدنى تمییزٍ
عن حال هذا الذي ينهَى بعض عباد الله تعالى - فضلاً عن النبيِّ المجتبى - عن
صلاته، إنْ كان ذلك الناهي على هدّى فيما يَنهى عنه من عبادة الله تعالى، أو كان
آمراً بالتقوى فيما يأمرُ به من عبادة الأصنام كما يزعم، وكذلك إنْ كان على
التكذيب للحقِّ والتولِّي عن الدين الصحيح - كما تقول(١) - ألم يعلم .. إلخ.
وقيل: ((أرأيت)) في الجملتين الثانية والثالثة تكرارٌ للأولى، والشرطيتان
بجوابهما سادَّتان مسدّ المفعول الثاني للأولى، و((ألم يعلم)) إلخ جوابُ الشرط
الثاني، وجوابُ الأول محذوفٌ لدلالته عليه، ولم يقل: أو إن كذّب .. إلخ؛ لأنَّه
ليس بقسيم لما قبله على ما قيل، والمعنى على نحو ما سمعت.
وأُورد على جميع هذه الأقوال أنَّ في تجويز الإتيان بالاستفهام في جزاء الشرط
من غير الفاء - وإنْ صرَّح به الزمخشريُّ في ((كشافه))(٢)، وارتضاه الرضيّ، واستشهدَ
له بقوله تعالى: ﴿قُلّ أَرَءَيْتَّكُمْ إِنْ أَنْكُمْ عَذَابُ الَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] - بحثاً؛ لأنَّ ظاهرَ نقل الزمخشريِّ نفسِه في ((المفصّل))
ونقلٍ غيره: وجوبُ الفاء إذا كان الجزاءُ جملةً إنشائيَّةٌ (٣)، والاستفهامُ وإن لم يبق
على الحقيقة لم يخرج - على ما في ((الكشف)) - من الإنشاء.
وقال أبو حيان: إنَّ وقوع جملة الاستفهام جواباً للشرط بغير فاء لا أعلمُ أحداً
أجازه، بل نصُّوا على وجوب الفاء في كلِّ ما اقتضى طلباً بوجهٍ ما، ولا يجوزُ
حذفها إلَّا في ضرورةٍ أو شعر (٤).
وقال الدمامينيُّ في ((شرح التسهيل)): إنَّ جَعْلَ (هَلْ يُهْلَكُ) جزاءً مشكلٌ؛ لعدم
اقترانه بالفاء، والاقترانُ بها في مثل ذلك واجبٌ.
(١) في (م): تقول. وكلاهما صواب، فإن كان بالنون، فهي نون العظمة، وإن كان بالتاء
فالخطاب للنبي وَ الر. ينظر حاشية الشهاب ٣٨١/٨.
(٢) ٤ / ٢٧١.
(٣) ينظر شرح المفصل ٢/٩، وحاشية الشهاب ٣٨٠/٨.
(٤) البحر المحيط ٤٩٥/٨.