Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ٦
١٤١
سُورَةُ الشرح
للتفخيم (١)، وقد يقال: إنَّ فائدتَه الظهور في التأسيس؛ لأنَّ النكرةَ المعادةَ ظاهرُها
التغايرُ والإشعارُ بالفرق بين العسر واليسر.
ويظهر مِمَّا ذكر وجهُ ما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقيُّ عن
الحسن قال: خرج رسولُ الله عليه الصلاة والسلام فرحاً مسروراً وهو يضحك
ويقول: ((لن يغلب عسرٌ يسرين، إنَّ مع العسر يسراً، إنَّ مع العسر يسراً))(٢).
وأفاد بعض الأجلَّة أنَّ الكلامَ تقريرٌ لما قبله، وعِدَةٌ له وَلِهِ بتيسير كلِّ عسرٍ (٣)،
فالفاء قيل: سبيَّةٌ، ودخلت على السبب، وإن تعارفَ دخولُها على المسبّب؛ لتسبب
ذكره عن ذكره، فإنَّ ذكر أحدهما يستدعي ذكرَ الآخر، و((أل)) في ((العسر))
للاستغراق، فيدخل فيه سببُ النزول، والتنوين في ((يسراً)) على ما سبق، كأنَّه قيل:
فعلنا لك كذا وكذا؛ لأنَّ مع كلِّ عسرٍ كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر
والخمول يسراً عظيماً كالشرح والوضع ورفع الذكر، فلا تيأس من رَوْح الله تعالى
إذا عَرَاك ما يغمُّك.
وقال بعضهم: الفاء للتفريع، وهو من قبيل تفريع الحكم على الدليل في صورة
الاستدلال بالجزئيّ على الكليِّ، وذلك كما تقول: أمَا تَرى إلى الإنسان والفرس
والغنم كلُّها تحرِّك الفكَّ الأسفل عند المضغ؟ فاعلم بذلك أنَّ كلَّ حيوان يفعلُ
كذلك. فتدبّر.
وفي الجملة الثانية الاحتمالان السابقان، والاستئنافُ أيضاً هو الراجح؛
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وذكر بعضهم أنَّ في تعريف العسر وتنكير اليسر إشارةً لطيفةً
إلى أن الدنيا دار العسر، فالعسر عند السامع معهود، واليسر مبهم. منه.
(٢) الدر المنثور ٣٦٤/٦، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠، والطبري في تفسيره
٤٩٨/٢٤، والحاكم في المستدرك ٥٢٨/٢، والبيهقي في الشعب (١٠٠١٣). وهو مرسل.
قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٦ : وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه
من طريق عطية عن جابر موصولاً، وإسناده ضعيف، وفي الباب عن عمر ظه ذكره مالك
في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ته، وهذا أصح طرقه. اهـ، وسيرد خبر
عمر قريباً.
(٣) في (م): عسير.

سُورَةُ الشَرع
١٤٢
الآية : ٦
لما تقدَّم، وعلى اتِّحاد العسر وتعدُّد اليسر يكون الحاصلُ من الجملتين أنَّ مع كلِّ
عسرٍ يسرين عظيمين، والظاهر أنَّ المرادَ بذينك اليسرين يسرٌ دنيويٌّ ويسرٌ أخرويٌّ.
وقيل: الظاهرُ أنَّ الجملةَ الثانية تكريرٌ للأولى وتأكيدٌ لها، فاليسرُ فيها عينُ
اليسر في الأولى، كما أنَّ العسرَ كذلك، والكلام نظيرُ قولك: إنَّ مع الفارس
رمحاً، إنَّ مع الفارس رمحاً، وهو ظاهرٌ في وحدة الفارس والرمح، و((لن يغلب
عسرٌ يسرين)) ليس نصًّا في الحمل على الاستئناف، إذ يصحُّ على التأكيد أيضاً بأن
يكون مبنيًّا على كون التنوين في ((يسراً)) للتفخيم، فحُمل - لقوَّة الرجاء - على يسر
الدارين، وذلك يسران في الحقيقة، ويشهدُ لذلك أنَّه ليس في مصحف ابن مسعود
الجملةُ الثانية(١)، مع أنَّه جاء عنه أيضاً: لن يغلب عسرٌ يسرين(٢).
وقيل: يمكن أن يُحمَل الخبرُ على أنَّه لن يَغلب فردٌ من أفراد العسر ذِكْرَ الْيُسْرِ
مرتين، وتكريرَه في مقام الوعد. وهو كما ترى.
والمشهور على جميع الأوجه أنَّه شُبِّه التقارب بالتقارن، فاستعير لفظ ((مع))
لمعنى بَعْدَ، وذلك للمبالغة في معاقبة اليسرِ العسرَ واتِّصالِه به.
واستشكل أمرُ الاستغراق بأنَّ من العسر ما لا يعقبه يسرٌ دنيويٌّ، كالفقر
والمرض الدائمين إلى الموت، ولا أراك ترضَى القول بأنَّ الموتَ يسرٌ دنيويٌّ. وأنَّ
من العسر ما لا يعقبه يسرٌ أخرويٌّ أيضاً، كعسر الكافر.
والجوابُ بأنَّ الحكم بالنسبةِ للمؤمنين، كما يقتضيه مقام التسلية والتنفيس،
ويشعرُ به ما رواه مالك في ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم قال: كتبَ أبو عبيدة إلى
عمر بن الخطاب ﴿ يذكر له جموعاً من الروم، وما يتخوَّفُ منهم، فكتبَ إليه
عمر ته: أمَّا بعد، فإنَّه مهما ينزل بعبدٍ مؤمنٍ شدَّةٌ، يجعل الله تعالى بعده فرجاً،
ولن يغلبَ عسرٌ يسرين(٣) = لا يحسمُ الإشكال، إذ يبقى معه أنَّ من عسر المؤمن
(١) القراءات الشاذة ص ١٧٥ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٨٠/٢-٣٨١، والطبري ٤٩٦/٢٤.
(٣) الموطأ ٤٤٦/٢.

الآية : ٦
١٤٣
سُورَةُ الشرح
ما لا يعقُبه يسرٌّ دنيويٌّ، كما هو ظاهر، بل منه ما لا يعقُبه يسرٌ أخرويٌّ أيضاً،
وذلك كعسر المؤمن الجازع، فإنَّه لا يثابُ عليه في الآخرة، والظاهر من اليسر
الأخرويِّ هو الثوابُ فيها على ذلك العسر، وإرادةُ المؤمن الصابر يبقى معها أنَّ مِنْ
عسره أيضاً ما لا يعقبه اليسرُ الدنيويُّ.
وأجاب بعضٌ على وجه التأكيد بأنَّ الاستغراقَ عرفيٍّ، ويكفي فيه أنَّ العسرَ في
الغالب يعقبُه يسرٌ، وعلى وجه التأسيس بهذا، مع كون الحكم بالنسبة للمؤمن الصابر.
وآخرُ بأنَّ الحكمَ مشروطٌ بمشيئته تعالى، وإن لم تذكر. قيل: ويشعر بذلك
ما أخرجه عبدُ بن حميد وابنُ جرير عن قتادة في الآية قال: ذُكر لنا أنَّ رسول الله وَه
بشَّرَ بهذه الآية أصحابَه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لن يَغْلِبَ عسرٌ - إن شاء الله
تعالی ۔ یسرین)»(١).
ويفهمُ من كلام بعض الأفاضل أنَّه يجوزُ على وجه التأكيد أنْ تكونَ ((مع)) على
ظاهرها، والتنوين في ((يسراً)) للنوعية، ولا إشكال في الاستغراق، إذ لا يخلو المرءُ
في حال العسر عن نوعٍ من اليسر، وأقلُّه دفعُ ما هو أعظم مِمَّا أصابه عنه، ويجوز
أنْ يكون التنوينُ للتفخيم أيضاً، ويكون اليسرُ العظيمُ المقارنُ للعسر هو دفعُ ذلك
الأعظم، وما من عسر إلَّا وعند الله تعالى أعظمُ منه وأعظم، وأنَّه لا يأبى ذلك:
(لن يغلب عسرٌ يسرين))، إمّا لأن المعنى: لن يغلب فردٌ من أفراد العسر، ذِكْرَ اليسرِ
مرتين في مقام التسلية، أو لأنَّ الآيةَ أفادت أنَّ مع العسر يسراً، وقد علم أنَّ بعده
آخرُ على ما جرت به العادة الغالبة، أو فهم من قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
يُسْرَأَ﴾ [الطلاق: ٧] إن كان نزوله متقدِّماً.
وذكر بعضهم أنَّ المعية على حقيقتها عند الخاصة، على معنى أنَّ كلَّ ما فَعَلَ
المحبوبُ محبوبٌ، كما يشير إليه قول الشيخ عمر بن الفارض قُدِّس سره:
وتعذيبكم عذبٌ لديَّ وجورُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكُمُ عدلُ(٢)
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٩٦.
(٢) البيت لابن الفارض، وسلف ٢/ ١٥٠ .

سُورَة الشرح
١٤٤
الآية : ٧
وقول الآخر:
بَرْ جَانَم آَزْ تُوهَرْجِهِ رَسَدْ جاي مِنَّتَ اسْتْ کَرْ ناوَكِ جَفَا سْت وَکَرْ خَنْجَرِ سِتَمْ (١)
وتسمية ذلك عسراً؛ لأنَّه في نفسه وعند العامة كذلك، لا بالنسبة إلى مَن أصابه
من المحبّين المستعذِبین له. والکلُّ كما ترى.
ثم إنه يُبعِدُ إرادةَ المعيَّة الحقيقية ما أخرجَه البزَّار وابن أبي حاتم والطبرانيُّ في
((الأوسط)) والحاكم والبيهقي في ((الشعب)) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله محصله
جالساً وحياله جُحْرٌ، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو جاء العسرُ فدخل هذا الجُحر
لجاء اليسر حتى يدخلَ عليه فيخرجَه، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) إلخ، ولفظ
الطبرانيُّ: وتلا رسولُ اللهِ وَّهِ: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)(٢).
وإرادةُ العهد أَسْلَمُ من القيل والقال، وكأنَّ مَن اختاره اختاره لذلك، مع
الاستئناس له بسبب النزول، لكن الذي يقتضيه الظواهر ومقاماتها الخطابية
الاستغراق، فإذا قيل به فلا بدَّ من التقييد بكون من أصابه العسرُ واثقاً بالله تعالى،
حَسَنَ الرجاء به عزَّ وجلَّ، منقطعاً إليه سبحانه، أو بنحو ذلك من القيود فتدبّر، والله
تعالى الميسِّر لكل ما يتعسَّر.
وقرأ ابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: ((العسُر)) و((يسُرا)) في الموضعين بضم
السين(٣).
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أي: من عبادة كتبليغ الوحي ﴿فَأَنْصَبْ﴾ فاتعب في عبادةٍ أخرى
(١) المعنى: كل ما أصابني من طَرَفك (منك) فهو في مقام الامتنان، سواء كان سهم الجفا أو
خنجر الظلم.
(٢) البزار (٢٢٨٨ - كشف الأستار)، والطبراني في الأوسط (١٥٢٥)، والحاكم في المستدرك
٢٥٥/٢، والبيهقي في الشعب (١٠٠١٣). قال الحاكم: هذا حديث عجيب، غير أن
الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٩/٧ : رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه عائذ بن
شريح، وهو ضعيف.
(٣) البحر المحيط ٤٨٨/٨.

الآية : ٨
١٤٥
سُورَة الشرح
شكراً لما عدَّدنا عليك من النعم السالفة ووعدناك من الآلاء الآنفة، كأنَّه عزّ
وجلَّ لَمَّا عدَّد عليه ما عدَّد، ووعده وَّر بما وعد، بعثَه على الشكر والاجتهاد
في العبادة، وأنْ لا يخليَ وقتاً من أوقاته منها، فإذا فرغَ من عبادةٍ أتبعَها
باخری.
﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ وحده ﴿فَأَرْغَبِ﴾ فاحرص بالسؤال، ولا تسأل غيرَه تعالى، فإنَّه
القادرُ على الإسعاف لا غيره عزَّ وجلَّ.
وأخرج ابنُ جرير وغيرُه من طرقٍ عن ابن عباس أنَّه قال: أي: إذا فرغت من
الصلاة فانصب في الدعاء(١). ورُوي نحوه عن الضحَّاك وقتادة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود: أي: إذا فرغتَ من الفرائض فانصب في
(٢)
قيام الليل(٢).
وعن الحسن: أي: إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة. وأخرج ابن
أبي حاتم عن زيد بن أسلم نحوه.
وأخرج ابن نصر وجماعة عن مجاهد: أي: إذا فرغت من أسباب نفسك - وفي
لفظ: من دنياك ــ فصلٌ(٣). وفي روايةٍ أخرى عنه نحو ما روي عن ابن عباس.
والأنسبُ حمل الآية على ما تقدَّم، وأمَّا قول ابن عباس ومن معه فهو
تخصيصٌ لبعض العبادات فراغاً وشغلاً؛ إمَّا مثالاً - لا أنَّ اللفظ خاص - وهو
الأظهر، وكذا يقال فيما رُوي عن ابن مسعود، وإمَّا لأنَّ الصلاةَ أمُّ العبادات
البدنيَّة، والدعاءَ مُّ العبادة، فهما هما.
وقول الحسن لَحِظَ فيه ما شاعَ من قوله نَّهِ: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى
الجهاد الأكبر)»(٤)، وهو قريبٌ، إلَّا أنَّه قيل عليه: إنَّ السورة مكِيَّة، والأمرَ بالجهاد
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٩٧ .
(٢) الدر المنثور ٦/ ٣٦٥.
(٣) الدر المنثور ٦/ ٣٦٥، وأخرجه أيضاً ابن المبارك في الزهد (١١٤٦)، والطبري ٤٩٩/٢٤.
(٤) حديث ضعيف، وسلف عند تفسير الآية (٩٦) من سورة النساء.

سُورَةُ الشّرع
١٤٦
الآية : ٨
بعد الهجرة، ولعلَّه يقول بمدنيتها، أو مدنية هذه الآية، أو أنَّها مِمَّا تأخّر حكمُه عن
نزولِه، كآیات أُخَر.
وقول مجاهد نَظَر فيه إلى أنَّ الفراغَ أكثرُ ما يستعمل في الخلوِّ عن الأشغال
الدنيويَّة، كما في قوله ◌َّهِ: ((اغتنم فراغَكَ قبل شُغلك))(١). وهو أضعفُ الأقوال
لبعده عمَّا يقتضيه السياق، وتؤذنُ به الفاء.
وقال عصام الدين: الأنسب أن يراد: ((فإذا فرغت)) من يسرٍ ((فانصب)) بعسرٍ
آخر، طلباً لليسرين، فإذا كنت كذلك، فكنْ راغباً إلى ربِّك، يعني لا تتحمَّل عسرَ
الدنيا طمعاً في يسرين فيها، بل تحمَّل عسرَ طلبٍ الربِّ وقربِهِ جلَّ شأنه لليسرين.
انتهى.
والعَمري إنَّه خلافُ ما يفهمه مَن لا سقم في ذهنه من اللفظ.
وأشعرت الآيةُ بأنَّ اللائقَ بحال العبد أن يستغرقَ أوقاته بالعبادة، أو بأن يَفْرَغَ
إلى العبادة بعد أن يفرغ من أمور دنياه، على ما سمعتَ من قول مجاهد فيها،
وذكروا أنَّ قعودَ الرجل فارغاً من غير شُغْلٍ، أو اشتغاله بما لا يعنيه في دينه أو
دنياه، من سفه الرأي، وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة، وعن عمر له: إنِّي
لأكره أن أرى أحدكم فارغاً سبهللاً، لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته(٢).
وروي أنَّ شريكاً مرَّ برجلين يصطرعان، فقال: ما بهذا أُمِرَ الفارغ.
وقرأ أبو السمَّال: ((فَرِغت)) بكسر الراء (٣)، وهي لغةٌ قال الزمخشريُّ: ليست
بفصيحة (٤).
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٠٦/٤، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٢٤٨). وأخرجه ابن
المبارك في الزهد (٢)، وأبو نعيم في الحلية ١٤٨/٤، والقضاعي في مسند الشهاب
(٧٢٩)، والخطيب في اقتضاء العلم العمل (١٧٠) من حديث عمرو بن ميمون مرسلاً.
(٢) الكشاف ٢٦٧/٤، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٦: لم أجده. اهـ،
وأخرجه بنحوه من قول ابن مسعود وكيع في الزهد (٣٦٩)، وهناد في الزهد (٦٧٦).
(٣) القراءات الشاذة ص١٧٥، والبحر المحيط ٤٨٨/٨.
(٤) الكشاف ٢٦٧/٤ .

الآية : ٨
١٤٧
سُورَةُ الشرح
وقرأ قومٌ: ((فانصبَّ)) بشدِّ الياء مفتوحة(١) من الانصباب، والمراد: فتوجَّه إلى
عبادةٍ أخرى كلَّ التوجُّه.
ونُسب إلى بعض الإماميّة أنَّه قرأ: ((فانصِب)) بكسر الصاد(٢)، فقيل: أي: ((فإذا
فرغتَ)) من النبوّة ((فانصِب)) عليًّا للإمامة. وليس في الآية دليلٌ على خصوصيَّة
المفعول، فللسُّنيِّ أن يقدِّرهُ أبا بكر ◌َظُه، فإنِ احتجَّ الإماميُّ بما وقع في غدیرِ
◌ُمّ(٣)، منعَ السُّنِّيُّ دلالته - على ما ثبتَ عنده - على النصب، وصحَّته على ما يرويه
الإماميُّ، واحتجَّ لِمَا قدَّره بقوله ◌َّهِ: (مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))(٤)، وقال: إنَّه
أوفق بـ ((إذا فرغت)) لما أنَّه صدر منه عليه الصلاة والسلام في مرض وفاته قبيل
وفاته وَّ، بخلاف ما كان في الغدير، فإنَّه لا يظهرُ أنَّ زمانه زمانُ فراغٍ من النبوّة
ظهورَ كون زمان الأمر كذلك، وإن رجع وقال: المراد: فإذا فرغت من الحجِّ
فانصِب عليًّا، وَرَدَ عليه أمرُ مكِّيَّة السورة مع ما لا يخفى.
وقال في ((الكشاف)): لو صحَّ ذلك للرافضيِّ لصحَّ للناصبيِّ أن يقرأ هكذا،
ويجعلَه أمراً بالنصب الذي هو بغضُ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وعداوتُهُ(٥). وفيه نظر.
ومن الناس من قدَّرَ المفعولَ: خليفةً، والأمرُ فيه ھیِّن.
وقال ابن عطية: إنَّ هذه القراءةَ شاذَّةٌ ضعيفةُ المعنى، لم تثبت عن عالم(٦).
وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة: ((فرغٌّب))، أمرٌ من رَّبَ بشدِّ العَيْن(٧)، أي:
فرّغِّب الناسَ إلى طلب ما عنده عزَّ وجلَّ.
(١) البحر المحيط ٤٨٩/٨.
(٢) الكشاف ٢٦٧/٤، والمحرر الوجيز ٤٩٨/٥، وتفسير القرطبي ٣٦١/٢٢، والبحر المحيط
٤٨٩/٨.
(٣) سلف ٣٦/٧.
(٤) أخرجه البخاري (٧١٢)، ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة
(٥) الكشاف ٢٦٧/٢-٢٦٨.
(٦) المحرر الوجيز ٤٩٨/٥.
(٧) القراءات الشاذة ص ١٧٥، وتفسير القرطبي ٣٦٢/٢٢، والبحر المحيط ٤٨٩/٨.

سُورٌ وَالتِيْنِ
ويقال لها: سورة التين، بلا واو، مكِّيَّة في قول الجمهور، وعن قتادة أنَّها
مدنيَّةٌ، وكذا عن ابن عباس على ما في ((البحر))(١) و((مجمع البيان)) برواية
المعدّل(٢). وأخرج عنه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقيُّ(٣) ما يوافقُ
قولَ الجمهور، ويؤيِّدهُ إشارة الحضور في قوله تعالى: ((وهذا البلد الأمين))، فإنَّ
المراد به مگَّة بإجماع المفسرين فيما نعلم.
وآيُها ثمان آياتٍ في قولهم جميعاً .
ولَمَّا ذكر سبحانه في السورة السابقة حالَ أكمل النوع الإنسانيِّ بالاتفاق، بل
أكملٍ خلق الله عزَّ وجلَّ على الإطلاق، وَِّ، ذكر عزَّ وجلَّ في هذه السورة حالَ
النوع وما ينتهي إليه أمرُه، وما أعدَّ سبحانه لمن آمن منه بذلك الفرد الأكمل، وفخرِ
هذا النوع المفضَّلِ، صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ وشرَّف وعظّم وكرَّم، فقال عزَّ
قائلاً:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَطُورٍ سِنَ ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾﴾ إقسامٌ ببقاعٍ مباركةٍ
﴿وَأَلِيْنِ وَالزُّونِ )
شريفةٍ، على ما ذهب إليه كثير، فأمَّا ((البلد الأمين)) فمكَّة - حماها الله
(١) البحر المحيط ٤٨٩/٨.
(٢) مجمع البيان ١٧٦/٣٠ .
(٣) الدر المنثور ٣٦٥/٦، وهو في فضائل القرآن لابن لضريس (١٧)، والناسخ والمنسوخ
للنحاس ١٣٢/٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٧/ ١٤٣ .

الآية : ١ - ٣
١٤٩
سُوَرَّةُ التَّيْن
تعالى - بلا خلافٍ، وجاء في حديثٍ مرفوع(١)، وهو مكانُ البيت الذي هو هدِی
للعالمين، ومولدُ رسول اللهِ وَالتِّ ومبعثُه.
و((الأمين)) فعيل، إمَّا بمعنى فاعل، أي: الآمن، من أمُن الرجل - بضمِّ
الميم - أمانةً، فهو أمين، وجاء أُمَّانٌ أيضاً، كما جاء كريم وكُرَّام، ولم يسمع آمن
اسم فاعل، وسُمع على معنى النسب، كما في قوله تعالى: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾
[القصص: ٥٧] بمعنى ذي أمن، وأمانتُه أن يَحفظ مَن دَخَله، كما يَحفظ الأمين
ما يؤتمنُ عليه، ففيه تشبيهُه(٢) بالرجل الأمين. وإمَّا بمعنى مفعول، أي:
المأمون، مِن أمِنَه، أي: لم يَخَفْه، ونسبتُه إلى البلد مجازيَّة، والمأمون حقيقةً
الناس، أي: لا تخافُ غوائلَهم فيه، أو الكلام على الحذف والإيصال، أي:
المأمون فيه من الغوائل. وإقحام اسم الإشارة للتعظيم.
وأمَّا ((طور سينين)) فالجبل الذي كلَّم الله تعالى شأنه موسى عليه السلام عليه،
ويقال له: طور سيناء، بكسر السين والمد، وبفتحها والمد، وقد قرأ بالأول هنا
بدل ((سينين)) عمرُ بن الخطاب وعبد الله وطلحة والحسن، وبالثاني عمر أيضاً
وزيد بن عليّ(٣).
و (طور سَينين)) بفتح السين، وهي لغةُ بكرٍ وتميم، وقد قَرأ بها ابن أبي إسحاق
وعمرو بن میمون وأبو رجاء (٤).
وفي (البحر)) أنَّه لم يُختَلَفْ في أنَّه جبلٌ بالشام(٥) .
وتعقَّبه الشهابُ بأنَّه خلافُ المشهور، فإنَّ المعروفَ اليوم بطور سينا ما هو
بقرب التّيْه بين مصر والعَقَبة (٦).
(١) ينظر حديث أنس به في الموضوعات لابن الجوزي (٢٦٠).
(٢) في (م): تشبيه.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧٦، وتفسير القرطبي ٣٦٧/٢٢، والبحر المحيط ٤٩٠/٨.
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٩/٥، والبحر المحيط ٤٨٩/٨- ٤٩٠، وفي القراءات الشاذة ص١٧٦ أنَّ
عمرو بن ميمون وابن أبي إسحاق قرأا: سنين، بلا ياء كما قال ابن خالويه.
(٥) البحر المحيط ٤٨٩/٨.
(٦) حاشية الشهاب ٣٧٦/٨.

رَةُ التَّر
١٥٠
الآية : ١ - ٣
وسينين قيل: اسمٌ للبقعة (١) التي فيها الجبل أضيف إليه الظُور، ويُعامَل في
الإعراب معاملة بَيْرون ونحوه، فيعرب بالواو والياء، ويقرُّ على الياء وتحرك النون
بحركات الإعراب.
وقال الأخفش: سينين جمعٌ بمعنى شجر، واحده(٢): سينة(٣)، فكأنَّه قيل:
طور الأشجار.
وأخرج ابن أبي حاتم وابنُ المنذر وعبدُ بن حميد عن ابن عباس أنَّه قال:
(سينين)) هو الحَسَن. وأخرج عبد بن حميد نحوه عن الضحاك، وكذلك أخرج هو
وجماعةٌ عن عكرمة بزيادة: بلسان الحبشة (٤). وأخرج هو أيضاً وابن جرير وابن
عساكر وغيرهما عن قتادة أنَّه قال: ((سينين)): مباركٌ حَسَنٌ ذو شجر(٥). والإضافة
على ما ذُكر من إضافة الصفة إلى الموصوف.
وأمَّا التين والزيتون فرَوى جماعةٌ عن قتادة أنَّ الأوَّلَ منهما الجبل الذي عليه
دمشق، والثاني الجبل الذي عليه بيت المقدس(٦)، ويقال ــ على ما أخرج سعيد بن
منصور وابن أبي حاتم عن أبي حبيب الحارث بن محمد - للأوَّل: طور تينا،
والثاني: طور زيتا(٧). وذلك لأنَّهما منبتا التين والزيتون. وكأنَّ الكلامَ على هذا إمَّا
على حذف مضاف، أو على التجوُّز بأن يكون قد تجوّزَ بالتين والزيتون عن
منبتيهما، وشاع ذلك.
(١) في الأصل: للعقبة.
(٢) في (م): واحدته.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والذي في معاني القرآن للأخفش ٢/ ٧٤٠ أن واحدها: السينينة. ومثله
في معجم ما استعجم ٨٩٨/٣، وتفسير القرطبي ٣٦٧/٢٢، والمحرر الوجيز ٤٩٩/٥،
والبحر المحيط ٤٩٠/٨، والدر المصون ٥١/١١.
(٤) تنظر هذه الآثار في الدر المنثور ٣٦٦/٦، وأخرج قول عكرمة الطبري في تفسيره ٢٤/ ٥٠٦،
والزيادة المذكورة وردت في الدر المنثور في خبر ابن عباس أيضاً.
(٥) الدر المنثور ٣٦٦/٦، وهو في الطبري ٥٠٧/٢٤، وتاريخ ابن عساكر ٢١٦/١.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٨٢/٢، والطبري ٢٤/ ٥٠٣.
(٧) الدر المنثور ٣٦٦/٦.

الآية : ١ - ٣
١٥١
سُوَرَّةُ التَّيْن
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الله الفارسيّ أنَّ التينَ مسجدُ دمشق،
والزيتونَ بيتُ المقدس(١). ولعل إطلاقهما عليهما لأنَّ فيهما شجراً من جنسهما.
وعن كعب الأحبار أنَّهما دمشق وإيلياء بلدُ بيت المقدس. وكأنَّ تسميتها بذلك
من تسمية المحلِّ باسم الحالِ فيه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنَّهما مسجدُ أصحاب
الكهف، ومسجد إيلياء.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنَّهما مسجدُ نوح عليه السلام
الذي بُني على الجودي، وبيت المقدس(٢).
وعن شهر بن حوشب أنَّهما الكوفة والشام.
وتعقِّب بأنَّ الكوفة بلدةٌ إسلاميَّة مصَّرها سعدُ بن أبي وقاص في أيّام أمير
المؤمنين عمر ته، ولعلَّه أراد الأرض التي تسمَّى اليوم بالكوفة، فقد كانت - كما في
(القاموس))(٣) وغيره - منزلَ نوحٍ عليه السلام.
وقال بعضهم: إنَّ الكوفة بلدٌ كانت قبلُ، لكنَّها خربت، فجدِّدت(٤) أيامَ
عمر تظله، وهو المراد بكونها إسلامية(٥).
وقيل: هما جبال ما بين حُلْوان وهَمَذان (٦) وجبال الشام؛ لأنَّهما منابتهما.
وأيًّا ما كان، فالمتعاطفات متناسبةٌ في أنَّ المرادَ بها أماكن مخصوصةٌ.
(١) تنظر هذه الأخبار في الدر المنثور ٣٦٦/٦، وخبر ابن عباس في تفسير الطبري ٢٤/ ٥٠٤.
(٢) الدر المنثور ٣٦٥/٦، وأخرجه الطبري ٥٠٤/٢٤ .
(٣) مادة (كوف).
(٤) بعدها في (م): في.
(٥) قوله: وهو المراد بكونها إسلامية. ليس في (م).
(٦) في الأصل: هَمَدان. والمثبت هو الصواب، أمَّا هَمْدان، بسكون الميم وبالمهملة، فهي
قبيلة باليمن، وجميع ما في الصحابة والرواة ومصنفات الحديث فهو نسبة لهذه القبيلة،
أما هَمَذان البلد، فلا ينسب إليها أحد من الرواة لا في الصحيحين ولا في غيرهما من كتب
الحديثِ السّة. انظر القاموس (همد) و(همذ) وما جاء في هامش الموضعين.

سُؤَدَّةُ التّيْن
١٥٢
الآية : ١ - ٣
وقيل: المراد بهما الشجران المعروفان، وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم
وصحَّحه عن ابن عباس أنَّه قال: التين والزيتون: الفاكهةُ التي يأكلُها الناس(١).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد نحوه(٢). وحكاه في ((البحر))
أيضاً عن إبراهيم النخعيّ وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيّ
وعكرمة والحسن(٣).
وخصَّهما الله تعالى - على هذا القول - بالإقسام بهما من بين الثمار؛
لاختصاصهما بخواصَّ جليلة، فإنَّ التينَ فاكهةٌ طيِّةٌ(٤) لا فضلَ لها، وغذاءٌ لطيفٌ
سريعُ الانهضام، بل قيل: إنَّه أصحُ الفواكه غذاءً إذا أُكل على الخلاء ولم يُتَبَع
بشيء، وهو دواءٌ كثيرُ النفع؛ يفتح السدد، ويقوي الكبد، ويذهبُ الطحالَ، وعسرَ
البول، وهزال الكلى والخفقان، والربوَ، وعسر النَّفس، والسعال، وأوجاعَ
الصدر، وخشونة القصبة، إلى غير ذلك.
وعن علي الرضا بن موسى الكاظم - على جدِّهما وعليهما السلام - أنَّه يزيلُ
نكهةَ الفم، ويطوِّلُ الشعرَ، وهو أمانٌ من الفالج.
وروى أبو ذرِّ أنَّه أهديَ إلى النبيِّ وَِّ طبقٌ من تين، فأكلَ منه وقال لأصحابه:
(كلوا، فلو قلت: إنَّ فاكهةً نزلت من الجنة لقلت هذه؛ لأنَّ فاكهة الجنة بلا عجم،
فكلوها فإنَّها تقطعُ البواسير، وتنفع من النِّقْرِس)»(٥).
(١) الدر المنثور ٣٦٦/٦، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٢٥٨/٢.
(٢) الدر المنثور ٣٦٦/٦، وأخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٤/ ٥٠٢.
(٣) البحر المحيط ٤٨٩/٨.
(٤) جاء في هامش الأصل ما نصه: وهو معتدلٌ في الحرارة، رطب في الثالثة، أو هو حارٌّ في
الأولى فإذا جفَّ كان حارًّا في الثانية رطباً في الأولى. اهـ منه.
(٥) الوسيط ٥٢٣/٤، والفردوس بمأثور الخطاب (٤٧١٦)، والكشاف ٢٦٨/٤، وقال ابن
حجر في الكافي الشاف ص١٨٦: أخرجه أبو نعيم في الطب، والثعلبيُّ من حديث أبي ذر،
وفي إسناده من لا يعرف. اهـ. والعجم بفتحتين: النوى، وكلُّ ما كان في جوف مأكول
کالزبيب ونحوه. مختار الصحاح (عجم).

الآية : ١ - ٣
١٥٣
سُوَرَّةُ التَّيْن
ولم أقف للمحدِّثين على شيءٍ في هذا الحديث، لكن قال داود الطبيب(١) بعد
سرد نبذةٍ من خواصِّ التين: وفي نفعه من البواسير حديثٌ حسن، وذكرَ أنَّ نفعه من
النِّقْرِس إذا دُقَّ مع دقيق الشعير أو القمح أو الحُلْبَةُ(٢)، وذكر أنَّه حينئذٍ ينفعُ من
الأورام الغليظة وأوجاع المفاصل، وله مفرداً ومركّباً خواصُّ أخرى كثيرةٌ.
وكذا لشجرته كما لا يخفى على من راجع كتب الطب. وما أشبه شجرته بمُؤْثِرٍ
على نفسه، وبِكَرِيمٍ يفعلُ ولا يقول.
وأمَّا الزيتونُ فهو إدامٌ ودواءٌ وفاكهةٌ (٣)، فيما قيل، وقالوا: إنَّ المكلَّس منه
لا شيءَ مثلُه في الهضم والتسمين وتقوية الأعضاء، ویکفیه فضلاً دهنه الذي عمَّ
الاصطباح به في المساجد ونحوها، مع ما فيه من المنافع، كتحسين الألوان،
وتصفية الأخلاط، وشدِّ الأعصاب، وكفتح السدد، وإخراج الدود، والإدرار،
وتفتيتٍ الحصى، وإصلاح الكلى، شرباً بالماء الحارِّ، وكقلع البياض، وتقوية
البصر اكتحالاً، إلى غير ذلك.
وشجرته هي (٤) الشجرة المباركة المشهودُ لها في التنزيل، وإذا تتبعتَ خواصَّ
أجزائها ظهر لك أنَّها أجدى من تفاريق العصا.
وعن معاذ بن جبل أنَّه مرَّ بشجرةٍ زيتون، فأخذَ منها سواكاً، فاستاكَ به، وقال:
سمعتُ النبيَّ وَّه يقول: ((نعم السِّواكُ الزيتون من الشجرة المباركة، يطيِّب الفمَ،
ويَذهبُ بالحَفْرة))، وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول: ((هو سواكي وسواكُ الأنبياء
عليهم السلام قبلي))(٥).
(١) هو داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة، له كتب في الطب منها: استقصاء الملل ومشافي
الأمراض والعلل، وبغية المحتاج إلى معرفة أصول الطب والعلاج، وكفاية المحتاج في علم
العلاج، وغيرها. توفي سنة (١٠٠٨هـ). هدية العارفين ٣٦٢/١. وكلامه في كتابه تذكرة
أولي الألباب والجامع للعجب العجاب ١٠٠/١.
(٢) الحلبة: نبات عشبيٍّ من فصيلة القرنيات، يؤكل ويعالج به. المعجم الوسيط (حلبَ).
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: وهو إن لم ينضج فبارد يابس في الثانية، وإن نضج فكورقه
حار يابس في الثانية. اهـ منه.
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٧٨)، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٨٦: أخرجه
(٤) في (م): من.

سُوْدَةُ التَّيْن
١٥٤
الآية : ٤
وقال بعضهم: إنَّ تفسيرهما بما ذُكر هو الصحيح، وكأن المراد عليه تينُ
تلك الأماكن المقدسة وزيتونُها. والغرضُ من القَسَم بتلك الأشياء الإبانةُ عن
شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها (١) من الخير والبركة، ويرجعُ إلى القَسَم
بالأرض المباركة وبالبلد الأمين، وفيه رمزٌ إلى فضلِ البلد، كما يشعر به كلامُ
صاحب ((الكشاف)(٢)، وبيَّن ذلك في ((الكشف)) بقوله: وذلك أنَّه فضَّل بَرَكتي
الأرض المقدسة الدنيوية والدينية بذكر الشجرتين أو ثمرتيهما، والطورِ الذي
نودي منه موسى عليه السلام، ونابَ المجموعُ منابَ: والأرض المباركة، على
سبيل الكناية، فظهر التناسبُ في العطف على وجهٍ بيِّنٍ، إذ عطفُ البلد على
مجموع الثلاثة؛ لأنَّها كالفرد بهذا الاعتبار، كأنَّه قيل: والأرض التي باركنا فيها
ديناً ودُنيا، والبلدِ الآمنِ مَنْ دخلَه في الدارين، وذلك بركةٌ يتضاءلُ دونَها كلُّ
بركةٍ(٣). ويتضمَّن ذلك أنَّ شرفَ تلك البقاع بمناجاة موسى عليه السلام ربَّه عزَّ
وجلَّ أيَّاماً معدودةً، وكم قد (٤) نوجيت في البلد الأمين. ثم قال: والحملُ على
الظاهر - أريدَ المنابتُ أو الشَّجَران - يفوته المناسبةُ بين الأوَّلَين والبلدِ الأمين؛
لأنَّ مناسبةً طورسينين للبلد غيرُ مناسبته لهما، والكلام مسوقٌ للأوَّل. انتهى.
فتأمَّل فإنَّه دقيقٌ.
وأيًّا ما كان فجوابُ القسم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ﴾ إلخ، وأريدَ
بـ ((الإنسان)) الجنس، فهو شاملٌ للمؤمن والكافر، لا مخصوصٌ بالثاني، واستدلَّ
عليه بصحّة الاستثناء، وأنَّ الأصلَ فيه الاتصال.
وقوله تعالى: ﴿فيّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ في موضع الحال من ((الإنسان)) أي: كائناً في
تقويم أحسنٍ تقويم، والتقويم: التثقيفُ والتعديل، وهو فعلُ الله عزَّ وجلَّ، فمعنى
الطبراني في الأوسط والثعلبي من حديث البراء بن عازب، وإسناده واه. اهـ. والحفر:
صفرة تعلو الأسنان. القاموس (حفر).
(١) في الأصل: منها.
(٢) ٤ / ٢٦٩.
(٣) تكرر بعدها في (م) قوله: يتضاءل دونها كل بركة.
(٤) لفظة: قد. ليست في (م).

الآية : ٤
١٥٥
سُورَةُ التَّيْن
كون الإنسان كائناً في ذلك - على ما قيل - أنَّه ملتبسٌ به، نظير قولك: فلانٌ في
رضی زید، بمعنى أنَّه مرضيٍّ عنه.
وقال الخفاجيُّ(١): هو مؤوَّل بمعنى القوام أو المقوَّم، أو فيه(٢) مضاف مقدَّر،
أي: قوامٍ أحسن تقويم، أو ((في)) زائدة، وما بعدَها في موضع المفعول المطلق،
وقد نابَ فيه عن المصدر صفتُه، والتقدير: قوَّمناه تقويماً أحسنَ تقويم. والمرادُ
بذلك جَعْلُه على أحسن ما يكون صورةً ومعنّى، فيشمل ما له من انتصاب القامة،
وحُسْن الصورة، والإحساس، وجودة العقل، وغير ذلك.
ومن أمْعَنَ نظرَه في أمره، وأجال فكره في دقائق ظاهره وسرِّه؛ رآه - كما قال
بعض الأجلَّةِ - مجمع بَحْرَي(٣) الغيب والشهادة، ومطلعَ نيِّري فَلَكَي الإفادة
والاستفادة، والنسخةَ الجامعة لما في رسائل إخوان الصفا وسائر المتون، والشارح
بسطورٍ طروسَ العجائب الإلهية المودعةِ فيه لِمَا كان وسيكون، وظهرَ له صدقُ
ما قيل - ونسب لعليّ کرم الله تعالی وجهه -:
وداؤك منك وما تبصرُ
دواؤك فيك ولا تـشـعـر
وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ(٤)
وتزعم أنَّك جرم صغيرٌ
ومما يدلُّ على أحسنَّة تقويمه أنَّ الله تعالى رَسَم فيه من الصفات ما تذكِّره
صفاتَه عزَّ وجلَّ، وتدلُّه عليها، فجعله عالِماً، مريداً، قادراً، إلى غير ذلك.
وقال(٥): ((تخلَّقوا بأخلاق الله)(٦) لئلا يُتَوهَّمَ أنَّ ما للسيِّد على العبد حرام، ويكفي
في هذا الباب - وهو القول الفصل - أنَّ الله تعالى خلقَه بيديه، وأمرَ سبحانه ملائكته
(١) في حاشيته ٨/ ٣٧٧.
(٢) في الأصل و(م): وفيه، والمثبت من حاشية الشهاب.
(٣) في (م): مجرى.
(٤) سلفا ٢٧٢/١-٢٧٣.
(٥) بعدها في الأصل و(م): تعالى، وهو خطأ واضح.
(٦) روي على أنه حديث عن النبي ◌َّر، ولا يعرف له أصل في شيء من كتب السنة. ينظر
مدارج السالكين لابن القيم ٢٤١/٣، وشرح العقيدة الطحاوية ١/ ١٨١.

سُوَةُ التّيْنِ
١٥٦
الآية : ٥
عليهم السلام بالسجود له، وهم المكرمون لديه، وجاء: ((إنَّ الله تعالى خلقَ آدم
على صورته))، وفي رواية: ((على صورة الرحمن))(١)، وهي تأبى احتمالَ عود
الضمير على آدم على معنى خلقِه غير متنقِّلٍ في الأطوار كَبَنِيْه.
ولكونه النسخةَ الجامعة قال يحيى بن معاذ الرازي: مَن عرف نفسه فقد عرف
ربَّه. والناسُ يزعمونه حديثاً، وليس - كما قال النوويُّ - بثابت(٢).
وعن يحيى بن أكثم وبعض الحنفيّة أنَّهما أفتيًا من قال لزوجته: إن لم تكوني
أحسنَ من القمر فأنت طالق، بعدم وقوع الطلاق، واستدلَّا بهذه الآية في قصّةٍ
مشهورةٍ (٣)، وللشعراء في تفضيل معشوقيهم على القمر ليلةَ تمِّه ما يضيقُ عنه نطاقُ
الحصر. والحقُّ أنَّ الفرقَ مثلُ الصبح ظاهر.
للتراخي الزمانيٍّ أو الرتبيِّ،
و (ثمَّ)) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ
والردُّ إمَّا بمعنى الجعل، فيَنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، كما في قوله:
فردَّ شعورهنَّ السودَ بيضاً وردَّ وجوههنَّ البيضَ سُؤْدا (٤)
فـ ((أسفل)) مفعولٌ ثانٍ له هنا، والمعنى: ثمَّ جعلناه من أهل النار الذين هم أقبحُ
من كلِّ قبيحٍ وأسفلُ من كلِّ سافل خلقاً وتركيباً؛ لعدم جريه على موجب ما خلقناه
عليه من الصفات.
وجُوِّزَ أنْ يكون المرادُ بالردِّ تغييرَ الحال، فهو متعدٍّ لواحد، و((أسفل)) حالٌ من
المفعول، أي: رددناه حال كونه أقبحَ من قَبْح صورةً وأشوهَه خلقةً، وهم أصحاب
النار.
وأن يكونَ الردُّ بمعناه المعروف، و((أسفل)) منصوبٌ بنزع الخافض، وجُعِل
الأسفلُ عليه صفةً لمكان، وأريد بالسافلين الأمكنةُ السافلة، أي: رددناه إلى مكانٍ
(١) سلفت الروايتان ٢/ ٩٠-٩١.
(٢) فتاوی النووي ص٢٤٨ .
(٣) تنظر هذه القصة في الفرج بعد الشدة للتنوخي ٣٧٧/٤، وأحكام القرآن لابن العربي
٤ / ١٩٤٠، وتفسير القرطبي ٣٦٩/٢٢.
(٤) البيت لعبد الله بن الزبير الأسدي، وسلف ٣٥٨/٤.

الآية : ٦
١٥٧
سُورَةُ التّْ
أسفل الأمكنة السافلة، وهو جهنم، أو الدرك الأسفل من النار. ويعكِّر على هذا
جمعُها جمعَ العقلاء. وكونُه للفاصلة أو التنزيلِ منزلةَ العقلاء ليس مما يهتشُّ له،
ولعلَّ الأَوْلَى على ذلك أن يُراد: إلى أسفل مَن سَفُلَ مِن أهل الدركات.
وقال عكرمة والضَّحَّاك والنخعيُّ، وقتادة في رواية: المرادُ بذلك رَدُّه إلى الهرم
وضَعْفِ القوى الظاهرة والباطنة، أي: ثمَّ رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفلَ
من سفل في حسن الصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوِّس ظهرُه بعد
اعتداله، وابيضَّ شعرُه بعد سواده، وتشتَّن جلده وكان بضًّا، وكَلَّ سمعُه وبصره
وكانا حديدين، وتغيَّر كلُّ شيءٍ منه، فمشیه دليف، وصوته خفات، وقوَّته ضعف،
وشهامته خَرَف. والآيةُ على هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ
الْعُمُرٍ﴾(١) [الحج: ٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ تُعَِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]
وهو باعتبار الجنس، فلا يلزمُ أن يكون كلُّ إنسانٍ(٢) كذلك. وفي إعراب ((أسفل))
قيل الأوجُه السابقة، والأوجَه منها غيرُ خفيٍّ. ثمَّ المتبادر من السياق الإشارةُ إلى
حال الكافر يوم القيامة وأنَّه يكونُ على أقبح صورةٍ وأبشعها بعد أنْ كان على أحسن
صورةٍ وأبدعِها؛ لعدم شكره تلك النعمة وعملِهِ بموجبها، وإرادةُ ما ذكر لا يلائمه،
ومن هنا قيل: إنَّه خلافُ الظاهر، والظاهرُ ما لاءم ذلك، كما هو المرويُّ عن
الحسن ومجاهد وأبي العالية وابن زيد وقتادة أيضاً(٣).
وقرأ عبد الله: ((السافلين)) مقروناً بـ ((أل))(٤).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ على ما تقدَّم استثناءٌ متَّصلٌ من
ضمير ((رددناه)) العائد على الإنسان، فإنَّه في معنى الجمع، فالمؤمنون لا يُرَدُّون
أسفل سافلين يومَ القيامة، ولا تقبح صورُهم، بل يزدادون بهجةً إلى بهجتهم،
(١) وقع في الأصل و(م): ثم يردُّ إلى أرذل العمر.
(٢) في (م): الإنسان.
(٣) وهو قولهم: أسفل سافلين في النار على كفره. البحر ٤٩٠/٨.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٧٧/٣، وتفسير البغوي ٥٠٤/٤، والكشاف ٢٦٩/٤، والمحرر
الوجيز ٥٠٠/٥، والبحر المحيط ٤٩٠/٨.

الآية : ٦
١٥٨
سُورَةُ التّْ
وحسناً إلى حسنهم، وقولُه تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَنُونٍ﴾ - أي: غير مقطوعٍ، أو غيرُ
ممنونٍ به عليهم - مقرِّرٌ لما يفيده الاستثناءُ من خروجهم عن حكم الردِّ، ومبيِّنٌ
لکیفيّة حالهم.
وعلى الأخير (١) الاستثناء منقطع، والموصولُ مبتدأً، وجملة ((لهم أجر)) خبرُه،
والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط، والكلامُ على معنى الاستدراك، كأنَّه قيل: لكن
الذين آمنوا لهم أجرٌ .. إلخ، وهو لدفع ما يتوهّم من أنَّ التساوي في أرذل العمر
يقتضي التساوي في غيره، فلا يَرِدُ أنَّه: كيف يكون منقطعاً، والمؤمنون داخلون في
المردودين إلى أرذل العمر، غيرُ مخالفين لغيرهم في الحكم؟
وقال بعض المحققين: الانقطاع لأنَّه لم يقصد إخراجهم من الحكم، وهو
مدار الاتصال والانقطاع - كما صُرِّح به في الأصول - لا الخروج والدخول،
فلا تغفل.
وحمل غيرُ واحدٍ هؤلاء المؤمنين على الصالحين من الهرمى، كأنَّه قيل: لكن
الذين كانوا صالحين من الهرمى لهم ثوابٌ دائمٌ غيرُ منقطع، أو غير ممنون به
عليهم؛ لصبرهم على ما ابتلوا به من الهرم والشيخوخة المانعَين إيَّهم عن النهوض
لأداء وظائفهم من العبادة. أخرج أحمد والبخاريُّ وابن حبان عن أبي موسى قال:
قال رسول الله وَله: ((إذا مرضَ العبدُ أو سافر كتبَ الله تعالى له من الأجر مثلَ
ما كان يعملُ صحيحاً مقيماً))(٢). وفي روايةٍ عنه: ثم قرأ نَ له: (فَلَهُمْ أَجْرُ غَيَّرُ
◌َمنُنٍ)(٣) .
أخرج الطبرانيُّ عن شدَّاد بن أوس قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((إن الله
تبارك وتعالى يقول: إذا ابتليتُ عبداً من عبادي مؤمناً، فحمدني على ما ابتليته،
فإِنَّه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمُّه مِن الخطايا، ويقول الربُّ عزَّ وجلَّ: إنِّي أنا
(١) يعني على القول بأن المراد الردُّ إلى الهرم وضعف القوى.
(٢) صحيح البخاري (٢٩٩٦)، ومسند أحمد (١٩٦٧٩)، وصحيح ابن حبان (٢٩٢٩).
(٣) أخرجها ابن مردويه، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧.

الآية : ٧
١٥٩
سُوَّةُ التّْ
قيَّدتُ عبدي هذا وابتليته، فَأَجْرُوا له ما كنتم تُجْرُون له قبل ذلك وهو
صحيح))(١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: إذا كَبِر العبد، وضَعُف
عن العمل، كُتِب له أجرُ ما كان يعملُ في شبيبته(٢).
ومن الناس مَن حَمَلَهم على قرَّاء القرآن، وجعل الاستثناءَ متَّصلاً مُخْرِجاً لهم
عن حكم الردِّ إلى أرذل العمر، بناءً على ما أخرجَ الحاكمُ وصححه والبيهقي في
(الشعب)) عن الحبر قال: مَن قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله تعالى:
(ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِينَ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا) قال: إلَّا الذين قرؤوا القرآن(٣).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة نحوه (٤)، وفيه أنَّه لا ينزل تلك
المنزلةَ - يعني الهرم كي لا يعلم من بعد علم شيئاً - أحدٌ من قرّاء القرآن.
ولا يخفى أنَّ تخصيصَ ((الذين آمنوا)) بما خصص به خلافُ الظاهر، وفي كون
أحدٍ من القرَّاء لا يردُّ إلى أرذل العمر توقُّفٌ فليتبع.
(٥)
عند الجمهور
والخطابُ في قوله تعالى: ﴿قَمَا يُكَذِبُكَ بَعْدُ بِآلِینِ
للإنسان(٦)، على طريقة الالتفات لتشديد التوبيخ والتبكيت، والفاء لتفريع التوبيخ
عن البيان السابق، والباء للسببيَّة، والمراد بالدين الجزاءُ بعدَ البعث، أي:
فما يجعلك كاذباً بسبب الجزاء وإنكاره بعد هذا الدليل. والمعنى: إنَّ خلقَ الإنسان
من نطفةٍ، وتقويمَه على وجهٍ يبهرُ الأذهان ويَضيقُ عنه نطاقُ البيان، أو هذا مع
(١) المعجم الكبير (٧١٣٦)، والأوسط (٤٧٠٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧١١٨)، وتنظر
شواهده في حاشية المسند.
(٢) الدر المنثور ٣٦٧/٦.
(٣) المستدرك ٥٢٨/٢-٥٢٩، وشعب الإيمان (٢٧٠٦).
(٤) الدر المنثور ٣٦٧/٦، وأخرجه الطبري ٥١٧/٢٤ .
(٥) جاء في هامش الأصل ما نصه: حتى إنَّ مجاهداً سُئل: هل الخطاب في ذلك للنبيِّ ◌َِّ،
فقال: معاذ الله تعالى، إنَّما عَنى به الإنسان. أخرجه جماعة. اهـ منه.
(٦) جاء في هامش الأصل ما نصه: أي باعتبار الجنس، فلا تغفل. اهـ منه.
١

سُورَةُ التَّيْرة
١٦٠
الآية : ٨
تحويله من حالٍ إلى حال، من أوضح الدلائل على قدرة الله عزَّ وجلَّ على البعث
والجزاء، فأيُّ شيءٍ يضطرك أيُّها الإنسان بعد هذا الدليل القاطع إلى أنْ تكون كاذباً
بسبب تكذيبه، فإنَّ كلَّ مكذِّبٍ بالحقِّ فهو كاذب.
وقال قتادة والأخفش والفرَّاء: الخطابُ للرسول ◌َلِيٍ(١)، أي: فأيُّ شيءٍ
يكذِّبُك بالجزاء بعد ظهور دليله، وهو من باب الإلهاب والتعريض بالمكذِّبين، أي:
إِنَّه لا يكذِّبُك شيءٌ ما بعدَ هذا البيان بالجزاء، لا كهؤلاء الذين لا يبالون بآيات الله
تعالى، ولا يرفعون بها رأساً، فالاستفهام لنفي التكذيب وإفادةٍ أنَّه عليه الصلاة
والسلام - لاستمرارِ الدلائل وتعاضُدِها - مستمرٌّ على ما هو عليه من عدم التكذيب.
وفيه من اللطف ما ليس في الأوَّل.
وجُوِّزَ على هذا الوجه كونُ الباء بمعنى ((في))، وكونها للسببية، وتقديرُ مضاف
عليهما، والمعنى: أيُّ شيء ينسبُك إلى الكذب في إخبارك بالجزاء، أو بسبب
إخبارك به، بعد هذا الدليل.
وكونُها صلةَ التكذيب، و((الدين)) بمعناه، والمعنى: أيُّ شيءٍ يجعلُك مكذِّباً
بدين الإسلام، وروي هذا عن مجاهد وقتادة، والاستفهام على ما سمعت. وجُوِّزَ
كونُ الدين بمعناه على الوجه الأول أيضاً.
وبعضُ من ذهب إلى كون الخطاب لسيِّد المخاطبين وَّ جَعَل ((ما)) بمعنى
(مَن))؛ لأنَّ المعنى عليه أظهر.
وضُعِّف بأنَّه خلافُ المعروف في ((ما)»، فلا ينبغي ارتكابُه مع صحَّة بقائها على
المعروف فيها .
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْكَمِ الْحَكِمِينَ ﴾﴾ أي: أليس الذي فعل ما ذُكِر بأحكم الحاكمين
صنعاً وتدبيراً، حتى يتوهّم عدم الإعادة والجزاء، وحيثُ استحال عدم كونه سبحانه
أحكمَ الحاكمين تعيّن الإعادة والجزاء. والجملة تقريرٌ لما قبلَها .
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٧٧/٣، وللأخفش ٧٤٠/٢، والبحر ٤٩٠/٨، وحاشية الشهاب
٣٧٧/٨.