Indexed OCR Text

Pages 61-80

سُورَةُ الشَّمْسِ
مكيةٌ بلا خلاف، وآيها سِتَّ عشرةَ آيَةً في المكي والمدني الأول، وخمسَ
عشرةَ في الباقية (١).
ولمَّا خَتم سبحانه السورة المتقدِّمة بذِكْر أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة،
أعاد جلَّ شأنه في هذه السورة الفريقين على سبيل الفَذْلكة بقوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفَحَ
مَنْ زَّكَّنِهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا
١٠
وهو كالبيان لقوله تعالى في الأولى:
وفي هذه ﴿فَأَهَمَهَا لُوَّرَهَا وَتَقْوَنُهَا
على أول التفسيرين.
وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
وخَتَمَ سبحانه الأولى بشيءٍ من أحوال الكَفَرة في الآخرة، وخَتَمَ جَلَّ وعلا هذه
بشيءٍ من أحوالهم في الدنيا، فقال عزَّ من قائل:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾﴾ أي: ضوئها كما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن
عباس(٢)، والمراد: إذا أشرقت وقامَ سُلْطانها .
وقال بعض المحققين: حقيقةُ الضُّحى تباعُدُ الشمس عن الأفق الشرقي
المرئي، وبروزُها للناظرين، ثم صار حقيقةً في وقته، ثم إنه قيل لأول الوقت:
(١) في هامش الأصل: اختلافها ((فعقروها)» مكي والمدني الأول.
(٢) المستدرك ٢/ ٥٢٤.

الآية : ٢
٦٢
سُورَةُ الشَّمْسِ
ضَحْوة، ولِما يليه: ضُحى، ولِمَا بعده إلى قريب الزوال: ضَحاء بالفتح والمدِّ، فإذا
أُضيف إلى الشمس فهو مجازٌ عن إشراقها كما هنا .
ونُقِلَ عن المبرّد أنَّ الضُّحى مشتقٌّ من الضّحِّ، وهو نورُ الشمس، والألفُ
مقلوبةٌ من الحاءِ الثانية، وكذلك الواو من ضحوة مقلوبةٌ منها .
وتعقبه أبو حيان بقوله: لعلَّه مُخْتَلَقٌ عليه؛ لأنَّ المبرّد أَجلُّ من أن يذهب إلى
هذا، وهاتان مادَّتان مختلفتان، لا تُشتَقُّ إحداهما من الأخرى(١).
وأجيب بأنه لم يُرِد الاشتقاقَ الصغير، ولا يخفى حالُهُ على الصغير والكبير.
وعن مقاتلٍ: أنَّ ضُحَاها: حَرّها، وهو تفسيرٌ باللازم.
وعن قتادة(٢): المراد به النهار كلُّه، وفيه أنه تعالى أقسم به بُعَيدَ ذلك.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا نَلَهَا ﴾﴾ أي: تَبِعها، فقيل: باعتبار طلوعه وطلوعها، أي: إذا
تلا طلوعُهُ طلوعَها بأنْ طَلَعَ من الأفق الشرقي بعد طلوعها، وذلك أول الشهر، فإنَّ
الشمسَ إذا طلعتْ من الأفق الشرقي أولَ النهار، يطلعُ بعدها القمر، لكن لا سلطانَ
له، فيُرى بعد غروبها هلالاً، ومناسبةُ ذلك للقسم به لأنه وَصْفٌ له بابتداء أمره،
فكما أنَّ الضُّحى كشباب النهار، فكذا غُرَّةُ الشهر كولادته.
وقيل: باعتبار طلوعه وغروبها، أي: إذا تلا طلوعُهُ غروبَها، وذلك في ليلة
البدر رابعَ عَشَرَ الشهر، فإنه حينئذٍ في مقابلة الشمس، والبعدُ بينهما نصفُ دور
الفلك، فإذا كانت في النصف الفوقاني منه - أعني ما يلي رؤوسنا - كان القمرُ في
التحتاني منه، أعني ما يلي أقدامنا، فإذا غربتْ طَلَعَ من الأفق الشرقي. وهو
المرويُّ عن قتادة، وقولهم: سُمِّيَ بدراً؛ لأنه يسبقُ طلوعُهُ غروب الشمس، فكأنه
بَدَرَها بالطلوع، لا ينافيه؛ لأنه مبنيٌّ على التقريب، ومناسبةُ ذلك للقَسَم به لأنه
وقتُ ظهور سلطانه، فيناسبُ تعظيم شأنه.
(١) البحر المحيط ٤٧٨/٨.
(٢) في الأصل و(م): مقاتل، وهو خطأ، والمثبت من البحر ٤٧٨/٨، والكلام منه.

الآية : ٣
٦٣
سُوَّةُ الشَّمْسِ
وقال ابن زيد: تَبِعَها في الشهر كلِّه، ففي النصف الأول تَبعَها بالطلوع، وفي
الآخر بالغروب. ومراده ما ذُكِرَ في القولين.
وقيل: المراد تَبِعَها في الإضاءة بأن طَلَعَ وظهر مضيئاً عند غروبها، آخذاً من
نورها، وذلك في النصف الأول من الشهر، فإنه فيه يأخذ كلَّ ليلةٍ منه قَدْراً من
النور، بخلافه في النصف الثاني، وهو مرويٌّ عن ابن سلام، واختاره
الزمخشري(١).
وقال الحسن والفراء كما في ((البحر))(٢): أي: تبعها في كلِّ وقتٍ؛ لأنه
يستضيءُ منها، فهو يتلوها لذلك.
وأنكر بعضُ الناس ذهابَ أحدٍ من السلف إلى أنَّ نورَ القمر مستفادٌ من ضوء
الشمس، وزَعَمَ أنه رأيُ المنجّمين لا غير، وما ذُكِرَ حُجَّةٌ عليه، والحُجَّةُ عن أصل
المسألة أظهرُ من الشمس، وهي اختلافُ تشكُّلاته النورية قُرْباً وبُعْداً منها، مع
ذهاب نوره عند حَيلولة الأرض بينه وبينها، وكون الاختلاف لاحتمال أن يكونَ
أحدُ نصفيه مضيئاً والنصفُ الآخر غيرَ مضيءٍ، وأنه يتحرَّكُ على محوره حركةً
وَضْعيةً حتى يُرى كلُّ نصفٍ منهما تدريجاً، وكون ذهاب النور عند الحيلولة
لاحتمال حيلولة جسم كثيفٍ بيننا وبينه لا نراه، أضعفُ من حبال القمر
كما لا يخفى.
وقال الزجاج(٣) وغيره: ((تلاها)) معناه: امتلأ واستدار، فكان تابعاً لها في
الاستدارة وكمال النور.
﴿وَنَّهَارِ إِذَا جَلَّهَا ﴾﴾ أي: جلَّى النهارُ الشمسَ، أي: أظهرها، فإنها تتجلَّى
وتظهرُ إذا انبسطَ النهارُ ومضى منه مدَّة، فالإسنادُ مجازيٌّ كالإسناد في نحو: صامَ
نهاره.
(١) في الكشاف ٢٥٨/٤.
(٢) ٤٧٨/٨.
(٣) في معاني القرآن ٣٣١/٥.

سُورَةُ الشّمْسِ
٦٤
الآية : ٤
وقيل: الضميرُ المنصوبُ يعودُ على الأرض.
وقيل: على الدنيا. والمراد بها وجهُ الأرض وما عليه.
وقيل: يعود على الظلمة، و((جلّاها)) حينئذٍ بمعنى أزالها.
وعدمُ ذِكْرِ المرجع على هذه الأقوال للعلم به، والأولُ أولى لِذِكْرِ المرجع
واتِّساق الضمائر.
وجَوَّزَ بعضُهم أن يكونَ الضميرُ المرفوعُ المستترُ في ((جلّاها)) عليه عائداً
على الله عزَّ وجلَّ، كأنه قيل: والنهار إذا جلَّى اللهُ تعالى الشمسَ. فيكونُ قد أقسم
سبحانه بالنهار في أکمل حالاته، وهو كما ترى.
﴿وَلَّلِ إِذَا يَغْشَنْهَا ﴾﴾ أي: الشمس، فيغطّي ضوءَها، والإسنادُ كما مرَّ.
وقيل: أي: الأرض. وقيل: أي: الدنيا.
وجيء بالمضارع هنا دون الماضي كما في السابق بأن يقال: إذا غَشِيَها، قال
أبو حيان: رعايةً للفاصلة(١). ولم يقل: غشًّاها؛ لأنه يحتاج إلى حَذْفِ أحد
المفعولين لتعدِّيه إليهما، فإنه يقال: غَشَّيتُهُ كذا كما قال الراغب(٢)، كذا قيل.
وقال بعض الأجِلَّة: جيءَ بالمضارع للتنبيه على استواء الأزمنة عنده تعالى
شأنه.
وقال الخفاجي: الأَوْلَى أن يقال: المراد بالليل الظلمةُ الحادثةُ بعد(٣) الضوء،
لا العدمُ الأصليُّ والظلمةُ الأصلية، فإنَّ هذه أظهرُ في الدلالة على القدرة، وهي
مستقبلةٌ بالنسبة لما قبلها، فلا بدَّ من تغيير التعبير ليدلَّ على المراد(٤).
واستصعب الزمخشريُّ الأمر في نَصْبٍ ((إذا)) بأنَّ ما سوى الواو الأُولى إن
كانت عاطفةً لَزِمَ العَطْفُ على معمولَي عاملين مختلفين، كعطف النهار مثلاً على
(١) البحر المحيط ٤٧٨/٨.
(٢) في المفردات (غشي).
(٣) في (م): بعدم، وهو تصحيف.
(٤) حاشية الشهاب ٨/ ٣٦٤.

الآية : ٤
٦٥
سُؤَرَةُ الشّمْسِ
الشمس المعمول لِحَرْفِ القَسَمِ، وعَظْفِ الظرف - أعني ((إذا)) في ((إذا جلّاها)) - على
نظيرتها في ((إذا تلاها)) المعمولة لفعل القَسَم، وإن كانت قَسَميةً لَزِمَ اجتماعُ
المقسَمات (١) المتعدِّدة على جوابٍ واحدٍ، وقد استكرهه الخليلُ وسیپویه، وأجاب
باختيار الشَّقِّ الأول، ونفى ما لَزِمَه فقال: إنَّ واوَ القَسَمِ مُطَّرَحٌ معها إبرازُ الفعل
اطّراحاً كُلِّيًّا(٢)، فكان لها شأنٌ خلاف شأن الباء، حيثُ أُبرِزَ معها الفعلُ تارةً،
وأُضمِرَ أخرى، فكانت الواو قائمةً مقامَ فعل القَسَم وبائه(٣) سادَّةً مسدَّهما معاً،
والواواتُ والعواطفُ نوائبُ عن هذه الواو، فهي عاملةٌ الجرَّ وعاملةُ النَّصْبَ،
فالعطفُ من قبيل العَظْفِ على معمولَي عاملٍ واحدٍ، وهذا كما تقول: ضَرَبَ زيدٌ
عَمْراً وبكرٌ خالداً، فترفعُ بالواو وتنصبُ لقيامها مقامَ ((ضَرَب)) الذي هو عاملهما(٤).
انتھی.
وأنت تعلم أنَّ أولَ الواوات العواطف هاهنا ليس معها ما تعملُ فيه النصب،
فلعلَّه أراد أنها تعملُ ذلك إن كان هناك منصوبٌ، أو هي عاملةٌ باعتبار أنَّ معنى
((والشمس وضحاها)): والشمس وضوئها إذا أشرقت.
وفيه أيضاً أنه لم يقلْ أحدٌ بأنَّ الحروفَ العواطفَ عواملُ.
وأيضاً الإشكالُ مبنيٍّ على امتناع العطف على معمولَي عاملين مطلقاً، حتى لو
جُوِّزَ مطلقاً أو بشرطِ كون المعطوف مجروراً على ما ذهب إليه جمعٌ، كما في
قولك: في الدار زيدٌ والحجرةِ عمروٌ، لم يكن إشكالٌ.
وأيضاً هو مبنيٍّ على قبول هذا الاستكراه، وعدم إمكان التخلّص من الاجتماع
بتقدير جوابٍ لكلِّ من المقسمات، حتى إذا لم يُقبلْ أو قُبِلَ وقُدِّرَ لكلِّ جوابٌ لم
يبقَ إشكالٌ.
(١) في الأصل: القسمات.
(٢) في هامش الأصل: وصرح ابن كيسان بجواز التصريح بفعل القسم مع الواو، فلا تغفل.
(٣) في (م): وباؤه.
(٤) في (م): عاملها. والمثبت من الأصل والكشاف ٢٥٨/٤.

سُوَةُ الشّمْسِن
٦٦
الآية : ٥
وأيضاً هو مبنيٌّ على أنَّ ((إذا)) ظرفيةٌ، وهو ممنوعٌ؛ لجواز أن تكونَ قد تجرَّدت
عن الظرفية، وحينئذٍ تكونُ بدلاً مما بعد الواو، كما قيل في قوله:
إذا راحَ أصحابي ولستُ برائح(١)
وبعد غدٍ يا لهفَ نفسي من غدٍ
إنَّ ((إذا)) بدلٌ من ((غد))، وعلى تسليم أنها ظرفيةٌ يجوزُ أن يُقدَّرَ مع كلِّ مضافٌ
تتعلَّقُ به، كأنْ يُقدَّر: وتُلُوِّ القمر إذا تلاها، وتجليةِ النهار إذا جلّاها، وغشيانِ الليل
إذا يغشاها، أو تُجعلَ متعلِّقةً بمحذوفٍ وَقَعَ حالاً مقدَّرةً مما تليه، أي: أقسم بالقمر
كائناً إذا تلاها، وبالليل كائناً إذا جلّاها، كما زعمه بعضهم. وفيه بحثٌ.
وأيضاً يَرِدُ على الزمخشري مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَيْلِ إِذَا عَسْمَسَ ® وَالصُّبْحِ إِذَا
نَنَفَسَ﴾ [التكوير: ١٧-١٨] لأنَّ الواو هنالك عاطفةٌ، وقد تقدَّم صريحُ فعل القَسَم
كما ذكره الشيخ ابن الحاجب، على أنَّ التحقيقَ - كما قال بعضُ المحققين - أنَّ
الظرفَ ليس معمولاً لفعل القَسَم؛ لفساد المعنى إذ(٢) التقييدُ بالزمان غيرُ مرادٍ،
حالاً كان أو استقبالاً، وإنما هو معمولُ مضافٍ مقدَّرٍ من نحو العَظَمة؛ لأنَّ
الإقسامَ بالشيء إعظامٌ له، فكأنه أقسمَ بعَظَمة زمان كذا.
وما قيل عليه من أنَّ إقسامه تعالى بشيءٍ مستعارٌ لإظهار عَظَمته وإبانة شَرَفه،
فيجوزُ تقييدُهُ باعتبار جزءٍ المعنى المراد، يعني: الإظهار، وأيضاً إذا كان الإقسامُ
إعظاماً لَغَا تقديرهُ = فلو سُلِّم فالاستعارةُ إما تبعيةٌ أو تمثيليةٌ، وعلى كلِّ حالٍ فليس
ثمةً ما يكون متعلّقاً (٣) بحسب الصناعة والتقدير ليتعلق به وليظهر ما أُريد منه
مؤكّداً، فلا لَغْوِيَةَ.
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَهَا ﴾﴾ أي: ومَنْ بناها، وإيثارُ ((ما)) على ((مَنْ)) الإرادة الوصفية
تفخيماً على ما تقدم في ((وما ولد))، كأنه قيل: والقادرِ العظيم الشأن الذي بناها،
ودلَّ على وجوده وكمال قدرته بناؤها(٤)، والمراد به إيجادها بحيث تدلُّ على ذلك،
(١) قائله أبو الطمحان القيني كما في حماسة المرزوقي ١٢٦٦/٣.
(٢) في (م): إذا، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٦٥/٨، والكلام منه.
(٣) في حاشية الشهاب: متعلقاً به.
(٤) في (م): بناؤهما.

الآية : ٦ - ٨
٦٧
سُورَةُ الشَّمْسِن
ويُستدلُّ بها عليه، وهو أولى من تفسيره بيانيها؛ لإشعاره بالمراد من البناء(١)، وكذا
الكلام في قوله تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضِ وَمَا تَهَا ﴾﴾ أي: بسطها من كلِّ جانب ووطأها
كدحاها، ويكون طحا بمعنى ذهب، كقول علقمة:
طَحا بكَ قلبٌ في الحسان طروبُ بُعيدَ الشباب عصرَ حانَ مشيبُ(٢)
وبمعنى أَشْرَف وارتفع، ومن أيمانهم: لا، والقمر الطاحي، ويقال: طَحًا
يطحو طَحْواً، وطَحَى يَطْحَى طَحْياً.
وقوله سبحانه: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا (٣)﴾ أي: أنشأها وأبدعها مستعدَّةً لكمالها،
وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة والباطنة، والتنكيرُ للتكثير، وقيل: للتفخیم،
على أنَّ المرادَ بالنفس آدم عليه السلام. والأولُ أنسبُ بجواب القَسَم الآتي، ومَنْ
ذهب إلى ذلك جعله من الاستخدام.
وذهب الفرَّاء والزجَّاج والمبرّد وقتادة وغيرهم إلى أنَّ ((ما)) في المواضع الثلاث
مصدرية، أي: وبنائها وطَحْوِها وتسويتها(٣). وتعقّبه الزمخشريُّ بأنه ليس بالوجه؛
لقوله تعالى: ﴿فَأَمَهَا لُوْرَهَا وَتَقْوَنَهَا (٨) وما يؤدِّي إليه من فساد النَّظْم(٤). وذلك
على ما في ((الحواشي)) لما يلزم من عَطْفِ الفعل على الاسم، وأنه لا يكون له
فاعلٌ، لا ظاهرٌ - وهو ظاهرٌ - ولا مُضْمَرٌ لعدم مرجعه.
واعتُرض بأنَّ الأخيرَ منتقضٌ بالأفعال السابقة، أعني: ((بناها))، ((طحاها))،
((سوّاها))، على أنَّ دلالةَ السياق كافيةٌ في صِحَّةِ الإضمار، وأما الأول ففيه أنَّ
عَظْفَ الفعل على الاسم ليس بفاسدٍ وإن كان خلافَ الظاهر. على أنه عَطْفٌ على
ما بعد ((ما))، كأنه قيل: ونفسٍ وتسويتها، فإلهامها فجورها وتقواها. واعتُرض هذا
بأنَّ الفاءَ يدلُّ على الترتيب من غير مُهْلة، والتسويةُ قبل نفخ الروح، والإلهامُ بعد
البلوغ.
(١) في هامش (م): وهو أنه ذكر للاستدلال.
(٢) ديوان علقمة بن عبدة ص ٣٣.
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٦٤/٣، وللزجاج ٣٣٢/٥.
(٤) الكشاف ٢٥٨/٤ .

سُودَا الشَّمْسِّ
٦٨
الآية : ٨
وأجيب بأنَّ التسويةَ تعديلُ الأعضاء والقوى، ومنها المفكرة، والإلهامُ عبارةٌ
عن بيان كيفية استعمالها في النجدين في هذا المحلِّ، وهو غيرُ مفارقٍ عنه منذ
سُوِّيَ، نعم يزدادُ بحَسَبِ ازدياد القوى كيفيةً لا وجوداً، على أنَّ المهلةَ في نحوها
عُرفيٍّ، وقد يُعَدُّ متعقّباً دون تراخٍ، ثم إنه مشترك الإلزام، ولا معنى لقول الطيبي:
النَّظُمُ السَّريُّ يُوجبُ موافقةَ القرائن، فلا يجوز: ونفسٍ وتسويتها، فألهمها الله فهي
حاصلةٌ، وإنما ذلك بناءً على توهُّم أنَّ قوله تعالى: (فَهَمَهَا) جملةٌ. وبالجملة
لا یلوحُ فسادُ هذا الوجه.
وأبى القاضي عبد الجبار إلا المصدريةَ دون الموصولية، قال: لما يلزمُ منها
تقديمُ الإقسام بغير الله تعالى على إقسامه سبحانه بنفسه عزَّ وجلَّ.
وأجاب عنه الإمامُ بأنَّ أعظمَ المحسوساتِ الشمسُ، فَذَكَرها الله تعالى مع
أوصافها الأربعة الدالة على عِظَمها، ثم ذَكَرَ سبحانه ذاته المقدَّسة، وَوَصَفَها جلَّ
وعلا بصفاتٍ ثلاثٍ ليحظى العقلُ بإدراك جلال الله تعالى وعَظَمته سبحانه كما يليق
به جلَّ جلاله، ولا ينازعه الحسُّ، فكان ذلك طريقاً إلى جَذْبِ العقل من حضيض
عالم المحسوسات إلى بيداء أوج كبريائه جلَّ شأنه(١).
وجُوِّزَ أن تكون ((ما)) عبارةً عن الأمر الذي له بنيت السماء وطحيت الأرض
وسُوِّيت النفس من الحِكَم والمصالح التي لا تُحصى، ويكونُ إسنادُ الأفعال إليها
مجازاً، وفاعلُ ((ألهمها)) يجوز أن يكونَ ذلك الأمر(٢) ويكون الإسناد مجازاً أيضاً،
وهو كما ترى.
والفجور والتقوى على ما أخرج عبد بن حميد وغيره(٣) عن الضحاك: المعصيةُ
والطاعةُ مطلقاً قَلْبيَّين كانا أو قالبيَّين، وإلهامُهما النفسَ - على ما أخرج هو وابن
جرير (٤) وجماعة عن مجاهد - تعريفُهما إياها بحيث تُميِّزُ رُشْدها من ضلالها.
(١) تفسير الرازي ١٩١/٣١-١٩٢.
(٢) في (م): أمر.
(٣) كما في الدر المنثور ٣٥٦/٦.
(٤) في تفسيره ٢٤/ ٤٣٥.

الآية : ٩ - ١٠
٦٩
سُؤَةُ الشّمْسِ
وروي ذلك عن ابن عباس كما في ((البحر))(١). وقريبٌ منه قول ابن زيد: ((ألهمها
فجورها وتقواها)): بيَّنهما لها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهما نحوه
عن قتادة(٢).
والآيةُ على ذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
وقُدِّمَ الفجورُ على التقوى لأنَّ إلهامه بهذا المعنى من مبادي تجنُّبه، وهو
تخليةٌ، والتخليةُ مقدَّمةٌ على التحلية. وقيل: قُدِّمَ مراعاةً للفواصل.
وأُضيفا إلى ضمير النفس قيل: إشارةً إلى أنَّ الملهِمَ للنفس فجورٌ وتقوى قد
استعدَّت لهما، فهما لها بحكم الاستعداد، وقيل: رعايةً للفواصل أيضاً.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا (٦﴾ جوابُ القَسَم على ما أخرجه الجماعة
عن قتادة (٣)، وإليه ذهب الزجاج(٤) وغيره، وحَذْفُ اللام كثيرٌ لاسيَّما عند طول
الكلام المقتضي للتخفيف، أو لِسَدِّهِ مَسَدَّها.
وفاعلُ ((زكّاها)) ضميرُ ((مَنْ))، والضميرُ المنصوبُ للنفس، وكذا في قوله تعالى:
﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنِهَا (®﴾ وتكريرُ ((قد)) فيه لإبراز الاعتناء بتحقيق مضمونه،
والإيذانِ بتعلُّق القَسَم به أصالةً.
والتزكية: التنميةُ. والتدسيةُ: الإخفاء، وأصل دسّى: دَسَّسَ، فأُبدل من ثالث
المتماثلات(٥) ياء، ثم أُبدلتْ ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وأَطلقَ بعضُهم فقال:
أبدل من ذلك حرف علة كما قالوا في تقضَّضَ: تقضَّى. ودَسَّسَ مبالغةٌ في دَسَّ
بمعنى أخفى، قال الشاعر:
ودسَسْتَ عَمْراً في التراب فأصبحتْ
حلائلهُ منه أراملَ ضُيَّعًا(٦)
(١) ٤٨١/٨.
(٢) الدر المنثور ٣٥٦/٦.
(٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٤٤، وينظر الدر المنثور ٣٥٦/٦.
(٤) في معاني القرآن ٣٣١/٥.
(٥) في (م): التماثلات.
(٦) البيت في الزاهر لابن الأنباري ٤٢٤/١، وتهذيب اللغة ٤١/١٣، وجمهرة اللغة ٢٤٢/٣،
=

سِوَّةُ الشّمْسِن
٧٠
الآية : ١١
وفي ((الكشاف)): التزكيةُ: الإنماء والإعلاء، والتدسيةُ: النقص والإخفاء (١).
أي: لقد فاز بكلِّ مطلوبٍ ونجا من كلِّ مكروه، من أنمى نفسَهُ وأعلاها بالتقوى
علماً وعملاً، ولقد خَسِرَ مَنْ نَقَصَها وأخفاها بالفجور جهلاً وفسوقاً.
وجُوِّزَ أن تُفَسَّرَ التزكيةُ بالتطهير من دَنَسِ الهَيُوْلَى، والتدسيةُ بالإخفاء فيه
والتلوُّث به.
وأيَّاما كان ففي الوعد والوعيد المذكورين مع إقسامه تعالى عليهما بما أقسم به
مما يدلُّ على العلم بوجوده تعالى ووجوب ذاته سبحانه وكمال صفاته عزَّ وجلَّ،
ويذكِّر عظائِمَ آلائه وجلائل نعمائه جلَّ وعلا، من اللَّطف بعباده ما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَفْوَنَهَاَ ®﴾ استئنافٌ واردٌ لتقرير مضمون قوله
تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا)، وجعل الزمخشريُّ قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ) إلخ تابعاً
لقوله تعالى: (فَأَمَهَا) إلخ على سبيل الاستطراد، وأبى أن يكونَ جوابَ القَسَم،
وجَعَل الجواب محذوفاً مدلولاً عليه بهذا(٢)، كأنه قيل: لَيُدَمْدِمَنَّ الله تعالى على
كفَّار مكة لتكذيبهم رسولَ الله وَِّ كما دَمْدَمَ على ثمود لتكذيبهم صالحاً عليه
السلام(٣). فقيل: إنَّ ذلك لما يلزمُ من حَذْفِ اللام، وأنه لا يليقُ بالَّظْم المعجز
أن يُجعَلَ أدنى الكمالين - أعني التزكية؛ لاختصاصها بالقوة العملية - المقصودَ
بالإقسام، ويُعرَضُ عن أعلاهما، أعني: التحلية بالعقائد اليقينية التي هي لبُّ
الألباب، وزبدةُ ما مخَّضَتْهُ الأحقاب، ولو سُلِّم عدمُ الاختصاص فهي مقدّمة
التحلية في البابين، وأما حَذْفُ المقسَمِ عليه فكثيرٌ شائعٌ لاسيما في الكتاب
العزيز.
وتُعقِّبَ بأنَّ حَذْفَ اللام كثيرٌ لاسيما مع الطول، وهو أسهلُ من حَذْفِ الجملة
= ومقاييس اللغة لابن فارس ٢٧٧/٢، والنكت والعيون ٢٨٤/٦، وتفسير القرطبي ٣١٥/٢٢،
وهو في هذه المصادر برواية: وأنت الذي دسيت عمراً، وذكر رواية المصنف أبو حيان في
البحر ٨/ ٤٧٧. وقال ابن دريد عن البيت: زعم أبو حاتم أنه مصنوع.
(١) الكشاف ٢٥٩/٤.
(٢) في هامش الأصل: وقيل: هو محذوف تقديره: لتبعثن. وليس بشيء.
(٣) الكشاف ٢٥٩/٤.

الآية : ١١
٧١
سُورَةُ الشَّمْسِ
بتمامها، وقد ذكره في ((قد أفلح المؤمنون))(١) فما عدا (٢) مما بدا، وأنَّ التزكية
مراداً بها الإنماءُ لا اختصاصَ لها، وليست مقدَّمةً بل مقصودة بالذات، ولو سُلِّمَ
فلا مانع من الاعتناء ببعض المقدِّمات أحياناً لتوقُّفِ المقاصد عليها، فتدبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال في
(فألهمها)): ألزمها(٣). وأخرجه الديلميُّ عن أنسٍ مرفوعاً (٤). وعلى ذلك قال
الواحديُّ(٥) وصاحب ((المطلع)): الإلهام أن يُوقِعَ في القلب التوفيق والخذلان، فإذا
أوقعَ سبحانه في قلب عبدٍ شيئاً منهما فقد ألزمه سبحانه ذلك الشيء.
ويزيد ذلك قوةً ما أخرجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين أنَّ
رجلين من مزينة أتيا رسولَ اللهِ وَ ﴿ فقالا: يا رسول الله، أرأيتَ ما يعملُ الناسُ
ويَكدَحون فيه، أشيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم مِنْ قَدَرٍ قد سَبَق، أو فيما يُستقبَلون
به مما أتاهم به نبيُّهم وثَبَتَتِ الحُبَّةُ عليهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا، بل
شيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتاب الله تعالى: (وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا
فَهَمَهَا لُوْرَهَا وَتَقْوَنَهَا))(٦) .
ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لقدرة العبد واختياره مدخلٌ في الفجور والتقوى
بالكلية - وإن قيل: إنَّ مآله إلى خلق الله تعالى إياهما - ليقال: يأباه حينئذٍ قوله
تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنْهَا) إلخ حيث جُعل فيه العبدُ فاعلَ التزكية بالتقوى،
(١) لم نقف عليه.
(٢) في الأصل و(م): حدا، والمثبت هو الصواب، والكلام مَثَل مشهور، وهو: ما عدا مما
بدا، ومعناه: ما مَنَعَك مما ظهر لك أولاً. مجمع الأمثال للميداني ٢٩٦/٢ .
(٣) الدر المنثور ٣٥٦/٦.
(٤) الفردوس ١٥٤/٣، وفي إسناده مؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، قال عنه أبو حاتم: ضعيف.
الميزان ٢٢٩/٤.
(٥) في الوسيط ٤ / ٤٩٥.
(٦) الحديث بهذا اللفظ في صحيح مسلم (٢٦٥٠)، وهو في صحيح البخاري (٦٥٩٦)،
وصحيح مسلم (٢٦٤٩)، وسنن أبي داود (٤٧٠٩) بلفظ: قيل: يا رسول الله، أعُلمَ أهل
الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم)) قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال ((كل ميسر لما خلق له))
هذا لفظ مسلم وأبي داود، وفي البخاري: ((كل سيعمل لما خُلق له، أو لما يَُسَّر له)).

سُورَةُ الشَّمْسِ
٧٢
الآية : ١١
والتدسية بالفجور؛ لأنَّ الإسنادَ يقتضي قيامَ المسنَدِ ويكفي فيه المدخليةُ المذكورةُ،
ولا يتوقَّفُ صحةُ الإسناد حقيقةً إلى العبد على كون فعله الإيجاد، فالاستدلالُ بهذا
الإسناد على كونه متمكِّناً من اختيار ما شاء من الفجور والتقوى، وإيجاده إياه بقدرةٍ
مستقلةٍ فيه على خلاف ما يقوله الجماعة، ليس بشيءٍ، على أنَّ الضميرَ المستترَ في
(زكّاها)) وكذا في ((دسّاها)) لله عزَّ وجلَّ، والبارزَ لـ ((مَنْ)) بتأويل النفس، فقد أخرج
ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في ذلك: يقول الله
تعالى: قد أفلحَ مَنْ زَّى اللهُ تعالى نفسَهُ فهداه، وقد خاب مَنْ دسَّى الله تعالى نفسَهُ
فاضلَّه(١).
بل أخرج عنه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي أنه قال: سمعت
رسول الله وَّ يقول في قوله تعالى: (قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكَّلَهَا) الآية: ((أفلحَتْ نفسٌ
زكّاها الله تعالى، وخابتْ نفسٌ خيَّيها الله تعالى من كلِّ خيرٍ))(٢).
وأخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال:
كان رسول الله وَل﴿ يقول: ((اللهم آتِ نفسي تقواها، وزِّها أنت خيرُ مَنْ زكّاها،
أنت وَلِيُّها ومولاها))(٣).
وفي رواية الطبراني وغيره عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام إذا تلا هذه
الآية وقف وقال ذلك(٤).
(١) تفسير الطبري ٤٤٣/٢٤، ٤٤٥، والدر المنثور ٣٥٧/٦.
(٢) الفردوس للديلمي ٢١١/٣، والدر المنثور ٣٥٧/٦.
(٣) أحمد (١٩٣٠٨)، وابن أبي شيبة ١٨٦/١٠، ومسلم (٢٧٢٢)، والنسائي في المجتبى
٠٢٦٠/٨
(٤) المعجم الكبير (١١١٩١)، وجاء في هامش الأصل: وفيه: وهو عليه الصلاة والسلام في
الصلاة. اهـ. وقد وردت هذه الزيادة في رواية أخرى أخرجها الشهاب في مسنده (١٤٨١)
من حديث أبي هريرة به، وإسناده ضعيف، وأخرج أحمد (٢٥٧٥٧) بإسناد رجاله ثقات
من حديث عائشة ﴿نا أنها فقدت النبي وت طاير من مضجعه فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو
ساجد وهو يقول: ((رب أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها
ومولا ها».

الآية : ١١
٧٣
سُوَّةُ الشَّمْسِ
ولهذه الأخبار ونحوها قال بعضُهم: إنَّ ذلك هو المرجّح، ورجَّحه صاحب
(الانتصاف))(١) بأنَّ الضمائرَ في ((والسماء وما بناها)) إلخ تكونُ عليه مُتَّسقةٌ عائدةً
كلّها إلى الله تعالى، وبأنَّ قوله تعالى: (قَدْ أَفَحَ مَن زَّكَّنِهَا) أوفقُ به؛ لأنَّ ((تزَّى))
مطاوعُ ((زَّى)) فيكون المعنى: قد أفلح مَنْ زَّاه الله تعالى فتزَّى.
ومع هذا كلّه لا ينبغي أن يُنكَرَ أنَّ المعنى السابق هو السابقُ إلى الذهن،
وما ذُكِرَ من الأخبار ليس نصًّا في تعيين المعنى الآخر، نعم هو نصٌّ في تكذيب
الزمخشريِّ في زَعْمه أنه من تعكيس القدرية، يعني بهم أهلَ السنة والجماعة،
فتأمل.
والطّغوى مصدرٌ من الطغيان بمعنى تجاوزِ الحدِّ في العصيان، فصلوا بين
الاسم والصفة في فَعْلَى من بنات الياء بأن قلبوا الياءَ واواً في الاسم، وتركوا
القلبَ في الصفة، فقالوا في الصفة: امرأةٌ صَدْيا وخَزْيا، وفي الاسم: تَقْوى
وطَغْوى. كذا في ((الكشاف))(٢) وغيره، وكلامُ الراغب(٣) يدلُّ على أنَّ ((طغى))
واويٌّ ويائيٍّ، حيث قال: يقال: طَغَوْتُ وطَغَيْتُ طُغْواناً وطُغْياناً. فلا تغفل.
والباء عند الجمهور للسببية، أي: فعلتِ التكذيبَ بسبب طُغيانها، كما تقول:
ظلمني الخبيثُ بجرأته على الله تعالى، وجعلها الزمخشريُّ للاستعانة(٤)، والأمر
سَهْلٌ.
وجُوِّزَ أن تكونَ صلةً للتكذيب، على معنى: كذَّبتْ بما أُوعِدَتْ به في لسان
نبيِّها من العذاب ذي الطّغوى، أي: التجاوز عن الحدِّ والزيادة، ويُوصَفُ العذابُ
بالطغيان بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿فَأُمْلِكُواْ بِالطَّاعِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وقد
يُوصَفُ بالطَّغوى مبالغةً كما يُوصَفُ بسائر المصادر، لذلك فلا يكونُ هناك مضافٌ
محذوفٌ.
(١) بهامش الكشاف ٢٥٩/٤.
(٢) ٢٥٩/٤.
(٣) في المفردات (طغى).
(٤) الكشاف ٢٥٩/٤.

سُؤَدَّةُ الشَّمْسِ
٧٤
الآية : ١٢ - ١٣
وقرأ الحسن ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة: ((طُغْواها)) بضم الطاء (١)، وهو
مصدرٌ أيضاً كالرُّجْعَى والحُسْنى في المصادر، إلا أنه قيل: كان القياس الظُّغيا
كالسُّقيا؛ لأنَّ فُعْلى بالضَّمِّ لا يُفرَّقُ فيه بين الاسم والصفة، كأنهم شذّوا فيه فقلبوا
الياءَ واواً، وأنت تعلم أنَّ الواو عند مَنْ يقول: طَغوْتُ، أصليةً.
وَإِذِ أَنْبَعَثَ﴾ متعلِّقٌ بـ ((كذَّبتْ)) أو بـ ((طَغْوى))، و((انبعث)) مطاوعُ: بَعَثَهُ بمعنى
أرسله، والمراد: إذ ذهب لِعَقْرِ الناقة.
﴿أَشْقَنِهَا﴾ أي: أشقى ثمود وهو قُدار(٢) بن سالف، أو هو ومَنْ تصدَّى معه
لِعَقْرها من الأشقياء: اثنان - على ما قال الفراء(٣) - أو أكثر؛ فإنَّ أفعلَ التفضيل إذا
أضيف إلى معرفةٍ يصلحُ للواحد والمتعدِّد والمذكَّر والمؤنَّث. وفَضْلُ شقاوتهم على
مَنْ عَدَاهم لمباشرتهم العَقْرَ مع اشتراك الكلِّ في الرضا به، ولخبائثَ غير ذلك
يعلمها الله تعالى فيهم هي فوق خبائث مَنْ عداهم.
﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾ أي: لثمود، أو لأشقاها على ما قيل بناءً [على] (٤) أنَّ المرادَ به
جمعٌ، ولا يأباه ((وسُقياها)) كما لا يخفى.
﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ هو صالح عليه السلام، وعبّر عنه بعنوان الرسالة إيذاناً بوجوب
طاعته، وبياناً لغاية ◌ُتوِّهم وتماديهم في الطغيان، وهو السِّرُّ في إضافة الناقة إليه
تعالى في قوله سبحانه: ﴿نَاقَةَ الَّهِ﴾ وهو نَصْبٌ على التحذير. وشَرْطُهُ لیس تکریرَ
المحذَّر منه، أو كونه محذَّراً ممّا بعده(٥) فقط، ليقال: هو منصوبٌ بتقدير: ذروا،
(١) القراءات الشاذة ص١٧٤، والمحتسب ٣٦٣/٢، والكشاف ٢٥٩/٤، والبحر ٤٨١/٨.
(٢) في هامش الأصل: بوزن غلام ومعناه الجزار.
(٣) في معاني القرآن ٢٦٨/٣.
(٤) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٥) مثل: إياك والشر، والتكرير مثاله: الكذب الكذب، فالاسم المذكور في النوع الأول
يكون محذَّراً، وما بعده محذَّراً منه، وفي النوع الثاني يكون محذَّراً منه، ويكون المحذَّر
محذوفاً دائماً. ووقع في الأصل و(م): بما بعده، والمثبت هو الصواب. ينظر دستور
العلماء للأحمدنَكِري ٢٧٧/١، وحاشية الشهاب ٣٦٧/٨.

الآية : ١٤
٧٥
سُوَّةُ الشَّمْسِن
أو: احذروا، لا على التحذير = بل شرطه ذاك، أو العطفُ عليه كما هنا على
ما نصَّ عليه مكيٌّ، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: احذروا عَقْرَ ناقة الله، أو
المعنى على ذلك وإن لم يُقدَّرْ في نَظْمِ الكلام.
وجُوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: عَظّموا أو الزموا ناقةَ الله. وليس بشيءٍ .
﴿وَسُقْيَهَا﴾ أي: واحذروا سُقياها، فلا تتعرَّضوا بمنعها عنها في نوبتها،
ولا تستأثروا بها عليها .
وقيل: الواو للمعية، والمراد: ذروا ناقةً الله مع سُقْياها، ولا تَحُولوا بينهما.
وهو كما ترى.
وقرأ زيد بن علي: ((ناقةُ الله)) بالرفع، فقيل: أي: هَمُّكم ناقةُ الله وسُقياها،
فلا تعقروها، ولا تستأثروا بالسُّقيا عليها .
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: في وعيده إياهم كما حكى عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَشُّوهَا
بِسُوَةٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلٌِ﴾ [الأعراف: ٧٣] فالتكذيبُ لخبرٍ مقدَّرٍ، ويجوز أن يكونَ
لخبرٍ تضمَّنه الأمرُ التحذيريُّ السابقُ، وهو الخبرُ بحلول العذاب إن فعلوا ما حذَّرهم
منه .
وقيل: إنَّ ما قاله لهم من الأمر قاله ناقلاً له عن الله تعالى كما يُؤْذِنُ بذلك
التعبيرُ عنه عليه السلام بعنوان الرسالة، ومآلُ ذلك أنه قال لهم: إنه قال الله تعالى:
ناقة الله وسقیاها. فالتكذيبُ لذلك. وهو وجهٌ لا بأس به.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: فنحروها، أو فقتلوها، وضميرُ الجمع للأشقى، وجَمْعُهُ على
تقدير وَحْدته لرضا الكلِّ بفعله. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرُهم
وكبيرُهم، وذَكَرُهم وأُنتاهم(١).
﴿فَدَمْدَمَ عَيَّهِمْ رَبُّهُمْ﴾ فأطبقَ عليهم العذاب، وقالوا: دمدم عليه القبر، أي:
أطبقه، وهو مما تكرَّرَ فيه الفاء، فوزنه فَعْفَلَ، لا فَعْلَلَ، من قولهم: ناقةٌ مدمومةٌ،
(١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٥٠ .

سُورَةُ الشَّمِن
٧٦
الآية : ١٥
إذا لَبِسَها الشحمُ وغَطَّاها. وقال في ((القاموس)) معناه: أتمَّ العذابَ عليهم(١). وقال
مؤرِّج: الدمدمةُ: إهلاكٌ باستئصال. وفي ((الصحاح))(٢): دمدمتُ الشيءَ: ألزقته
بالأرض وطحطحته.
وقرأ ابن الزبير: ((فَدَهْدَمَ)) بهاءٍ بين الدالين(٣)، والمعنى كما تقدم.
تُبِهِمْ﴾ بسبب ذنبهم المحكي، والتصريح بذلك مع دلالة الفاء عليه للإنذار
بعاقبة الذنب ليعتبرَ به كلُّ مذنب.
﴿فَسَوَّلَهَا﴾ الضمير للدمدمة المفهومة من دَمْدَمَ، أي: فجعل الدمدمةَ سواء
بينهم، أو جعلها عليهم سواء فلم يُفلِتْ سبحانه منهم أحداً، لا صغيراً ولا كبيراً،
أو هو لثمود، والتأنيثُ باعتبار القبيلة كما في ((طَغْواها)) و((أشقاها)) والمعنى ما ذُكِرَ
أيضاً، أو: فسؤَّاها بالأرض.
﴿وَلَا يَخَافُ﴾ أي: الربُّ عزَّ وجلَّ ﴿عُقْبَهَا﴾ أي: عاقبتها وتَبِعَتها كما يخاف
المعاقِبون من الملوك عاقبةً ما يفعلونه وتَبِعَته، وهو استعارةٌ تمثيليةٌ لإهانتهم وأنهم
أذلّاءُ عند الله جلَّ جلاله، والواو للحال أو للاستئناف.
وجُوِّزَ أن يكون ضميرُ ((لا يخاف)) للرسول، والواو للاستئناف لا غير على
ما هو الظاهر، أي: ولا يخاف الرسولُ عقبى هذه الفعلة بهم إذ كان قد أنذرهم
وحذّرهم.
وقال السديُّ والضحاك ومقاتل والزجاج وأبو علي (٤): الواو للحال، والضمير
عائدٌ على ((أشقاها)) أي: انبعثَ لِعَقْرِها وهو لا يخافُ عُقبى فعله؛ لكفره وطغيانه.
وهو أبعدُ مما قبله بكثير.
(١) ينظر القاموس (دمم)، وحاشية الشهاب ٣٦٧/٨.
(٢) مادة (دمم).
(٣) المحرر الوجيز ٤٨٩/٥، والبحر ٤٨٢/٨.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٣٣/٥، والحجة لأبي علي ٦/ ٤٢٠، والكلام من البحر ٤٨٢/٨.

التفسير الإشاري
٧٧
سُوَّةُ الشَّمْسِ
وقرأ أبيٍّ والأعرج ونافع وابن عامر: ((فلا يخاف)) بالفاء(١)، وقرئ: ((ولم
يخف)) بواوٍ وفعلٍ مجزومٍ بـ ((لم))(٢).
هذا واختلف في هؤلاء القوم، هل آمنوا ثم كفروا، أو لم يؤمنوا أصلاً،
فالجمهور على الثاني، وذهب بعضٌ إلى أنهم آمنوا وبايعوا صالحاً مدَّةً، ثم كذَّبوه
وكفروا، فأُهلكوا بما فُصِّلَ في موضعٍ آخر.
وقال الشيخ الأكبر محيي الدين قُدِّسَ سِرُّهُ في ((نصوصه)): إنهم وقومَ لوط عليه
السلام لا نجاةً لهم يوم القيامة بوجهٍ من الوجوه. ولم يساو غيرهم من الأمم
المكذِّبة المُهْلَكة في الدنيا كقوم نوح عليه السلام بهم، ولكلامه قُدِّسَ سِرُّهُ أهلٌ
يفهمونه فارجع إليهم في فهمه إن وجدتهم.
وذكر بعضُ أهل التأويل أنَّ الشمسَ إشارةٌ إلى ذاتٍ واجبٍ الوجود سبحانه
وتعالى، وضحاها: إشارةٌ إلى الحقيقة المحمدية، والقمر: إشارةٌ إلى ماهية الممكن
المستفيدة للوجود من شمس الذات، والنهار: إشارةٌ إلى العالم بسائر أنواعه الذي
ظهرتْ به صفاتٌ جمال الذات وجلاله وكماله، والليل: إشارةٌ إلى وجود ما يُشاهَدُ
من أنواع الممكنات الساتر في أعين المحجوبين للوجود الحق، والسماء: إشارةٌ
إلى عالَم العقل، والأرض: إشارةٌ إلى عالم الجسم، والنفسُ معلومةٌ، وناقةُ الله:
إشارةٌ إلى راحلةِ الشوق الموصلة إليه سبحانه، وسقياها: إشارةٌ إلى مَشْرَبها من عين
الذكر والفكر.
وقال بعضٌ آخرُ: الشمس إشارةٌ إلى الوجود الحقِّ الذي هو عينُ الواجب
تعالى، فهو أظهرُ من الشمس ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ﴾، وقال شيخُ مشايخنا
البندنيجي قُدِّسَ سِرُّهُ:
ظاهرٌ أنتَ ولكن لا تُرى
لعيونٍ حجبتها النقط
(١) التيسير ص٢٢٣، والنشر ٤٠١/٢ عن نافع وابن عامر، والكلام من البحر ٤٨٢/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٤، والكشاف ٢٦٠/٤، والرازي ١٩٧/٣١.

سُورَةُ الشَّمْسِن
٧٨
التفسير الإشاري
وضحاها: إشارةٌ إلى أول التعينات بأيِّ اسم سمَّيته، والقمرُ إشارةٌ إلى الأعيان
الثابتة المفاضَةِ بالفيض الأقدس، أو الشمسُ إشارةٌ إلى الذات، وضحاها إشارةٌ إلى
وجودها، والإضافةُ للتغاير الاعتباري، والقمرُ إشارةٌ إلى أول التعيُّنات، والنهارُ
إشارةٌ إلى الممكنات المفاضة بالفيض المقدَّس، والليلُ إشارةٌ إليها أيضاً باعتبار
نظر المحجوبين، أو النهارُ إشارةٌ إلى صفة الجمال، والليلُ إشارةٌ إلى صفة القهر
والجلال، والسماءُ إشارةٌ إلى عالم اللطافة، وذِكْرُ النفس بعدُ مع دخولها في هذا
العالم للاعتناء بشأنها، والأرضُ إشارةٌ إلى عالم الكثافة، وناقةُ الله إشارةٌ إلى
الطريقة، وسقياها مشربها من عين الشريعة.
وقيل غيرُ ذلك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

سُورَةُ الليَِّ
لا خلافَ في أنها إحدى وعشرون آیةً، واختلف في مکیتها ومدنیتها،
فالجمهورُ على أنها مكية، وقال عليّ بن أبي طلحة: مدنية. وقيل: بعضُها مكيٍّ
وبعضها مدنيٍّ.
وكذا اختلف في سبب نزولها، فالجمهور على أنها نزلت في شأن أبي بكر
الصديق ظه، وروي ذلك بأسانيدَ صحيحة عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما(١).
وقال السديُّ: إنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري، وذلك أنه كان في دارٍ
منافقٍ نخلةٌ يقعُ منها في دار يتامى في جواره بعضُ بلحٍ، فيأخذه منهم، فقال له وَّر:
((دعها لهم ولك بدلها محلٌّ في الجنة)) فأبى، فاشتراها أبو الدحداح بحائطها، فقال
للنبيّ وَّهِ: أَهَبُها لهم بالنخلة التي في الجنة، فقال ◌َّهِ: ((افعل)) فوهبها فنزلت(٢)،
وروى نحوه مطوّلاً مبهماً فيه أبو الدحداح ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس بسندٍ
ضعيفٍ كما نص عليه الحافظ السيوطيُّ(٣).
وذكر بعضُهم أنَّ قوله تعالى فيها: (وَسَيُجَتَُّهَا الْأَنْفَى) إلخ نزل في أبي بكر
الصديق ﴿ه، وسكت عمّا عداه، ونُقِلَ عن بعض المفسِّرين أنَّ هذا مُجمعٌ عليه،
وإن زَعَمَ بعضُ الشيعة أنه نزل في الأمير كرم الله تعالى وجهه، وسيأتي إن شاء الله
تعالى شرحُ ما له نزل.
(١) أخرجه عن ابن مسعود ابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في الدر المنثور ٣٥٨/٦، والواحدي
في أسباب النزول ص٤٨٦، وذكره عن ابن عباس الواحدي أيضاً ص ٤٨٨ .
(٢) ذكره عن السدي أبو حيان في البحر ٤٨٣/٨.
(٣) في الدر المنثور ٣٥٧/٦، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية وقال: وهو حديث غريب
جدًّا.

سُورَةُ اللَيِّ
٨٠
الآية : ١ - ٣
ولَمّا ذَكَرَ سبحانه فيما قبلها ((قد أفلح)» إلخ ذَكَرَ سبحانه فيها من الأوصاف
ما يحصلُ به الفلاح، وما يحصل به الخيبة، ففيها نوعُ تفصيلٍ لذلك، لاسيما وقد
عقَّبَ جلَّ وعلا ذلك بشيءٍ من أنواع الفلاح وأنواع الخيبة والعياذ بالله تعالى، فقال
عزَّ من قائل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَأَيْلِ إِذَا يَفْثَى ﴾ أي: حين يغشى الشمسَ، كقوله تعالى: ﴿وَأَيْلِ إِذَا
يَغْشَنهَا﴾ [الشمس: ٤]، أو النهار كقوله تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ اَلنَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] أو
كلَّ ما يواريه في الجملة بظلامه، والمقسَمُ به في الأوجه الثلاثة الليلُ كلُّه.
﴿وََّارِ إِذَا غَى ﴾﴾ ظَهَرَ بزوال ظُلْمة الليل، أو تبيَّن وانكشفَ بطلوع الشمس،
والأولُ على تقدير كون المغشيِّ النهار، أو كلَّ ما يُوارَى؛ إذ مالهما اعتبارُ وجود
الظلام، والثاني على تقدير كونه الشمس؛ إذ مآله اعتبار غروبها، فيحسُنُ التقابلُ
بين القرينتين على ذلك.
واختلافُ الفعلين مُضِيًّا واستقبالاً قد تقدم الكلام فيه.
وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير: ((تتجلى)) بتاءين، على أنَّ الضميرَ للشمس،
وقرئ: ((تُجْلَى)) بضم التاء وسكون الجيم، على أنَّ الضميرَ لها أيضاً(١).
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَ ﴾﴾ أي: والقادرِ العظيم القدرةِ الذي خلق صنفي الذكر
والأنثى من الحيوان المتَّصف بذلك. وقيل: من بني آدم.
وقال ابن عباس والحسن والكلبي: المراد بالذَّكر آدم عليه السلام، وبالأنثى
حواء پا.
وأيًّا ما كان فـ ((ما)) موصولةٌ بمعنى: ((مَنْ))، وأُوثرت عليها لإرادة الوصفية على
ما سمعتَ، وتحتملُ المصدريةَ وليس بذاك.
(١) القراءتان في البحر المحيط ٤٨٣/٨.