Indexed OCR Text

Pages 1-20

2
وج المجـ
د
?
في
تَفِي القرآن العَظِيمُ والِسُنْع المثَانِ
تأليفُ
شِهَابُ الدِّينُ أب ◌ُ الثَّناء
◌َجٌمُودَيْن عَبِّدُ اللَّه الألوسيْ الْبُعْدادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّ هَذَا الجزء
يَاهِرْجَ بُوشٌ
سَاهُمْ في تحقيقه
لِأريُسْ الجنائي
المجدّد التاسع والعشرون
مؤسسة الرسالة

3
-

٠٠
◌ُفُ الْبَعَانِى
فيْ
تفِي القرآن العظيم والَِنْ المَان
(٢٩)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلنّاشِرْ
الطَّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنّشْرَ وَالتوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah. com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الفَجْزِ
مكيةٌ في قول الجمهور، وقال عليُّ بن أبي طلحة: مدنيةٌ. وآيها اثنتان وثلاثون
آيَةً في الحجازي، وثلاثون في الكوفي والشامي، وتسعٌ وعشرون في البصري(١).
ولَمَّا ذَكَرَ سبحانه فيما قبلها ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ خَشِمَةً (
﴾ و﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاعِمَةٌ
٨
أتبعه تعالى بذِكْرِ الطوائف المكذِّبين من المتجبِّرين الذين وجوههم خاشعة، وأشار
جلَّ شأنه إلى الصنف الآخر الذين وجوههم ناعمة بقوله سبحانه فيها: ﴿يَأَّهَا النَّفْسُ
﴾. وأيضاً فيها ما يتعلَّقُ بأمر الغاشية ما فيها.
اُلْمُطْمَبِنَّةُ
وقال الجلال السيوطيُّ: لم يظهر لي في وجه ارتباطها سوى أنَّ أوَّلها كالإقسام
على صحة ما ختم به السورة التي قبلها، أو على ما تضمَّنته من الوعد والوعيد،
هذا مع أنَّ جملة ((ألم تر كيف فعل ربك)) مشابهةٌ لجملة ((أفلا ينظرون))(٢). وهو
کما ترى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَلْفَجْرِ ﴾﴾ أقسم سبحانه بالفجر، كما أقسم عزَّ وجلَّ بالصبح في قوله
تعالى: ﴿وَلُبْحِ إِذَا نَنَفَسَ﴾ [التكوير: ١٨] فالمراد به الفجر المعروف كما روي عن
عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن الزبير وغيرهم . وقيل: المراد
عموده وضوءُه الممتدُّ.
(١) جاء في هامش الأصل: اختلافها أربع آيات: ((ونعَّمه)) ((فقدر عليه رزقه)) كلتاهما حجازي،
((بجهنم)) حجازي شامي، ((في عبادي)» كوفي.
(٢) تناسق الدرر ٩٥ -٩٦ .

٦
الآية : ٢
سُوَرَةُ الْفَجْزِ
وأصله شَقُّ الشيءِ شَقًّا واسعاً، وسُمِّيَ الصبحُ فجراً لكونه فاجرَ الليل، وهو
كاذبٌ: لا يتعلَّقُ به حُكْمُ الصوم والصلاة، وصادقٌ: به يتعلَّقُ حكمهما، وقد
تكلَّموا في سبب كلِّ بما يطول، وتقدَّم بعضُ منه.
ولعلَّ المراد به هنا الصادقُ، فهو أحرى بالقسم به، والمراد به عند کثیرٍ جنسُ
الفجر، لا فجرُ يومٍ مخصوص، وعن ابن عباس ومجاهد: فجرُ يوم النحر، وعن
عكرمة: فجرُ يوم الجمعة، وعن الضحاك: فجرُ ذي الحجة، وعن مقاتل: فجرُ ليلة
جَمْعِ.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن ابن عباس أنه قال: هو
فجرُ المحرَّم فجر السنة(١). وروي نحوه عن قتادة.
وعن الحبر أيضاً أنه النهار كلُّه.
وأخرج ابن جرير عنه أيضاً أنه قال: يعني صلاة الفجر(٢). وروي نحوه عن
زيد بن أسلم. فهو إما على تقدير مضافٍ، أو على إطلاقه على الصلاة مجازاً، وهو
شائعٌ.
وقيل: المراد فَجْرُ العيون من الصخور وغيرها .
﴿وَيَالٍ عَشْرٍ ﴾﴾ مُنَّ العشر الأُوَلُ من الأضحى كما أخرجه الحاكم وصححه
وجماعة عن ابن عباس(٣)، وروي عن ابن الزبير ومسروق ومجاهد وقتادة وعكرمة
وغيرهم، وأخرج ذلك أحمد والنسائيُّ والحاكم وصححه والبزار وابن جرير وابن
مردويه والبيهقي في ((الشعب)) عن جابرٍ يرفعه (٤).
(١) شعب الإيمان (٣٧٧١).
(٢) تفسير الطبري ٣٤٤/٢٤.
(٣) المستدرك ٢/ ٥٢٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٤٥/٢٤-٣٤٦.
(٤) أحمد (١٤٥١١)، والنسائي في الكبرى (٤٠٨٦) و(١١٦٠٨)، وابن جرير ٣٤٨/٢٤، والبيهقي
في الشعب (٣٧٤٣)، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٣٤٥/٦.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٣٧: رواه البزار وأحمد، ورجالهما رجال الصحيح غير
عياش بن عقبة وهو ثقة.

الآية : ٢
٧
سُورَةُ الفَجْرِ
ولها من الفضل ما لها، وقد أخرج أحمد والبخاريُّ عن ابن عباس
مرفوعاً: ((ما من أيام فيهنَّ العملُ أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ وأفضلُ من أيام .
العشر)) قيل يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في
سبيل الله، إلا رجلٌ جاهدَ في سبيل الله بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك
بشيء))(١).
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنهنَّ العشرُ الأواخر من
رمضان(٢). وروي أيضاً عن الضحاك، بل زعم التبريزيُّ الاتفاقَ على أنهنَّ هذه
العشر، وأنه لم يخالف فيه أحدٌ، واستدلَّ له بعضُهم بالحديث المتفق على
صحته، قالت عائشة رضيؤُها: كان رسول الله وَّ إذا دخل العَشْرُ - تعني العشر
الأواخر من رمضان - شَدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله(٣). وتعقّبه بعضُهم بأنَّ
ذلك محتمِلٌ لأنْ يَحْظَى عليه الصلاة والسلام بليلة القدر؛ لأنها فيها، لا لكونها
العشرَ المرادةَ هنا .
وعن ابن جريج: أنهنَّ العشر الأول من رمضان.
وعن يمان وجماعة: أنهنَّ العشرُ الأول من المحرَّم، وفيها يومُ عاشوراء، وقد
وَرَدَ في فضله ما ورد.
أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: قَدِمَ النبيُّ وَّهِ المدينةَ واليهودُ
تصومُ يوم عاشوراء، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما هذا اليوم الذي تصومونه))
قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، أنجى الله تعالى فيه موسى، وأغرق آل فرعون فيه، فصامه
موسى عليه السلام شكراً. فقال رسول الله وَلجر: ((فنحن أحقُّ بموسى منكم))
فصامه وَ له، وأمر بصيامه(٤).
(١) مسند أحمد (١٩٦٨)، وصحيح البخاري (٩٦٩).
(٢) الدر المنثور ٣٤٦/٦، وذكره أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية وقال: والصحيح القول
الأول.
(٣) أحمد (٢٤١٣١)، والبخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤).
(٤) البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠). وهو عند أحمد (٢٦٤٤).

سُدَةُ الفَجْرِ
٨
الآية : ٢
وصحَّ في الصحيحين(١) أنه عليه الصلاة والسلام أرسل غداةَ عاشوراء إلى قرى
الأنصار التي حولَ المدينة: ((مَنْ كان أصبحَ صائماً فليتمَّ يومه، ومن كان أصبح
مفطراً فليصمْ بقيةَ يومه)) فكان الصحابةُ بعد ذلك يصومونه ويُصوِّمونه صبيانهم
الصغار، ويذهبون بهم إلى المسجد، ويجعلون لهم اللعبة من العِهْن، فإذا بكى
أحدهم على الطعام أعطوه إياها حتى يكون الإفطار.
وأخرج أحمد وغيره عن الحبر قال: قال رسول الله مصر: ((صوموا يوم عاشوراء
وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً))(٢).
وجاء في الأمر بالتوسعة فيه على العيال عِدَّةُ أحاديثَ ضعيفة(٣)، لكن قال
البيهقيُّ: هي وإن كانت ضعيفة، إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ أحدثَ قوةً(٤).
وأيَّاما كان فتنكيرها للتفخيم، وقيل: للتبعيض؛ لأنها بعضُ ليالي السنة أو
الشهر. والتفخيمُ أَوْلَى؛ قيل: ولولا قَصْدُ ما ذُكِرَ كان الظاهرُ تعریفَها کأخواتها؛
لأنها ليالٍ معهودةٌ معيّنةٌ.
وقَدَّرَ بعضُهم على إرادة صلاة الفجر فيما مرَّ مضافاً هنا، أي: وعبادةٍ ليالٍ،
ويقال نحوُه فيما بعدُ على بعض الأقوال فيه، وليس بلازمٍ، ولا أثرَ فيه.
وقرأ ابن عباس بالإضافة(٥)، فضبطه بعضُهم: وليالِ عَشْرٍ. بلام دون ياء،
وبعضُهم: وليالي عشر بالياء، وهو القياسُ. والمراد: وليالي أيامٍ عَشْرٍ، فَحُذِفَ
(١) البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ ﴿ُتا.
(٢) أحمد (٢١٥٤)، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة (٢٠٩٥)، والبيهقي ٢٨٧/٤.
(٣) منها ما أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٩٧٣) و(٩٧٤) من حديث ابن مسعود
وأبي هريرة ﴿يا، ثم قال: ولا يثبت هذا الحديث عن رسول الله وَّقه في حديث مسند. وقال
الدارقطني في الأفراد بعد أن أخرجه من حديث ابن عمر: إنما يعرف هذا عن إبراهيم بن
محمد بن المنتشر من قوله. ينظر الأمالي المطلقة لابن حجر ص ٢٨- ٣٠، وينظر كذلك
تخريج هذا الحديث والكلام عليه في حاشية كشاف القناع ٣٢٢/٥.
(٤) شعب الإيمان بعد الحديث (٣٧٩٥).
(٥) البحر المحيط ٨/ ٤٦٧.

الآية : ٣
٩
سُوَةُ الفَجْرِ
الموصوفُ وهو المعدودُ، وفي مثل ذلك يجوزُ التاء وتَرْكُها في العدد، ومنه:
((وأَتْبعَه بستّ من شوال))(١)، وما حكاه الكسائيّ: صُمْنا من الشهر خمساً.
والمرجِّحُ للترك هاهنا وقوعُهُ فاصلةً.
وجُوِّزَ أن تكونَ الإضافةُ بيانيةً، وهو خلاف الظاهر.
﴿وَالشَّفْعِ وَأَلْوَتْرِ جَ﴾ هما على ما في حديث جابر المرفوع الذي أشرنا إليه فيما
تقدم: ((يوم النحر ويوم عرفة)).
وقال الطيبيُّ: رُوِّينا عن الإمام أحمد والترمذي عن عمران بن حصين أنَّ
رسول الله وَّ سُئِلَ عن الشفع والوتر، فقال: ((الصلاة بعضُها شَفْعٌ وبعضُها وَتْر))(٢)
ثم قال: هذا هو التفسيرُ الذي لا محيد عنه. انتهى.
وقد رواه عن عمران أيضاً عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه
وابن أبي حاتم [والحاكم] وصححه(٣)، لكن في ((البحر))(٤) أنَّ حديث جابر أصُ
إسناداً من حديث عمران بن حصين.
ووراء ذلك أقوالٌ كثيرةٌ، فأخرج عبد بن حميد(٥) عن الحسن أنه قال: أقسمَ
ربُّنا بالعَدَدِ كُلُّه، منه الشفعُ ومنه الوتر.
وأخرج عبد الرزاق(٦) عن مجاهد أنه قال: الخلقُ كلُّه شَفْعٌ ووتر، فأقسم
سبحانه بخلقه .
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩)، وابن
ـه .
ماجه (١٧١٦) عن أبي أيوب الأنصاري
(٢) سيأتي تخريجه لاحقاً.
(٣) الدر المنثور ٣٤٦/٦، وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (١٩٩١٩)، وسنن
الترمذي (٣٣٤٢)، وتفسير الطبري ٣٥٤/٢٤، والمستدرك ٥٢٢/٢، وإسناده ضعيف الإبهام
الراوي عن عمران.
(٤) ٨/ ٤٦٨.
(٥) كما في الدر المنثور ٣٤٦/٦.
(٦) في تفسيره ٣٦٩/٢.

سُوَدَّةُ الفَجْزِ
١٠
الآية : ٣
وأخرج ابن المنذر وجماعة(١) عنه أنه قال: الله تعالى الوَتْرُ، وخَلْقُهُ سبحانه
الشفع: الذِّكَرُ والأنثى.
وروي نحوه عن أبي صالحٍ ومسروق، وقرأا: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾
[الذاريات: ٤٩].
وقيل: المراد شَفْعُ تلك الليالي وَوَتْرُها .
وقيل: الشَّفْعُ أيامُ عادٍ، والوتر لياليها .
وقيل: الشفع أبوابُ الجنة، والوتر أبواب النار.
وقيل غيرُ ذلك، وقد ذكر في كتاب ((التحرير والتحبير)) مما قيل فيهما سِتّةً
وثلاثین قولاً .
وفي ((الكشاف))(٢): قد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناسَ
ما يقعان فيه، وذلك قليلُ الطائل جديرٌ بالتلھِّي عنه.
وقال بعض الأفاضل: لا إشعار للفظ الشفع والوتر بتخصيص شيءٍ مما ذكروه
وتعيينه، بل هو إنما يدلُّ على معنَى كُلِّيٍّ متناولٍ لذلك، ولعلَّ مَنْ فسَّرهما
بما فسَّرهما لم يَدَّعِ الانحصارَ فيما فسَّر به، بل أفرد بالذكر من أنواع مدلولهما ما رآه
أظهرَ دلالةً على التوحيد، أو مدخلاً في الدين، أو مناسبةً لما قبلُ أو لما بعدُ، أو
أكثر منفعةً موجبةً للشكر، أو نحو ذلك من النُّكات، وإذا ثبت من الشارع عليه
الصلاة والسلام تفسيرُهما ببعض الوجوه، فالظاهرُ أنه ليس مبنيًّا على تخصيص
المدلول، بل واردٌ على طريق التمثيل بما رأى في تخصيصه بالذكر فائدةً معتدًّا بها،
فحينئذٍ يجوز للمفسِّر أن يحملَ اللَّفظَ على بعضٍ آخر من محتملاته لفائدةٍ أخرى.
انتهى.
وهو ميلٌ إلى أنَّ ((أل)) فيهما للجنس لا للعهد، والظاهرُ أنَّ ما تقدَّم من
(١) كما في الدر المنثور ٣٤٦/٦.
(٢) ٢٤٩/٤.

الآية : ٤
١١
سُوَةُ الفَجْرِ
الحديثين من باب القَطْع بالتعيين دون التمثيل، لكن يُشكِلُ أمرُ التوفيق بينهما
حينئذٍ، وإذا صحَّ ما قال في ((البحر)) كان المعوَّلُ عليه حديثَ جابرٍ ◌َُه، والله
تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ والأغرُّ عن ابن عباس، وأبو رجاء وابن وثاب وقتادة
وطلحة والأعمش والحسن بخلافٍ عنه: ((والوِتْر)) بكسر الواو(١)، وهي لغةُ تميم،
والجمهورُ على فَتْحها، وهي لغة قريش، وهما لغتان كالحَبْر والحِبْر بمعنى العالم
على ما قال صاحب ((المطلع)) في الوتر المقابل للشفع، وأما في الوتر بمعنى التِّرَة،
أي: الحقد، فالكسرُ هو المسموعُ وحده، والأصمعيُّ حكى فيه أيضاً اللُّغتين.
وقرأ يونس عن أبي عمرو بفتح الواو وكسر التاء(٢)، وهو إما لغةٌ، أو نقل
حركة الواو في الوقف لما قبلها .
﴿وَلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾﴾ أي: يمضي، كقوله تعالى: ﴿وَلَِّلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]
﴿وَلَيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] والظاهر أنه مجازٌ مرسلٌ أو استعارةٌ، ووجهُ الشبه
کالنهار.
و ((إذا)) على ما صرَّح به العلامة التفتازاني في ((التلويح)) بدلٌ من ((الليل))،
وخروجُها عن الظرفية مما لا بأس به، أو ظرفٌ متعلِّقٌ بمضافٍ مقدَّرٍ، وهو العَظَمةُ
على ما اختاره بعضُهم. والإقسامُ بذلك الوقت أو تقييدُ العظمة به؛ لما فيه من
وضوح الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة.
أو: يُسْرَى فيه، على ما نقل أبو حيان عن الأخفش وابن قتيبة(٣)، كقولهم:
صلَّى المقام، أي: صلِّي فيه، على أنه تجوُّزٌ في الإسناد بإسناد ما للشيءٍ للزمان
كما يُسنَدُ للمكان.
وأيَّاما كان فالمرادُ بالليل جنسُهُ. وقال مجاهدٌ وعكرمةُ والكلبيُّ: المراد به ليلة
(١) التيسير ص ٢٢٢، والنشر ٢/ ٤٠٠ عن حمزة والكسائي، والكلام من البحر ٨/ ٤٦٧.
(٢) أي: الوَتِر. ينظر الكشاف ٢٩٤/٤، والبحر ٤٦٨/٨.
(٣) البحر ٤٦٨/٨، وقول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص ٥٢٦.

سُوَةُ الْفَجْزِ
١٢
الآية : ٤
النحر، وهي يسري الحاجُ فيها إلى المزدلفة بعد الإفاضة من عرفات. وليس بذاك.
والإقسامُ والتقييدُ على الوجه الأخير لما في السّير في الليل من نعمة الحفظ من
حَرِّ الشمس وشَرِّ قُطَّاع الطريق غالباً .
وحُذفتِ الياءُ عند الجمهور وَصْلاً وَوَقْفاً من آخر ((يسر)) - مع أنها لامُ مضارعِ
غيرِ مجزوم ـ اكتفاءً عنها بالكسرة للتخفيف، ولتتوافق رؤوس الآي، ولذا رُسمت
كذلك في المصاحف، ولا ينبغي أن يُقال: إنها حُذِفتْ لسقوطها في خَطِّها، فإنه
يقتضي أنَّ القراءةَ باتباع الرسم دون روايةٍ سابقةٍ عليه، وهو غيرُ صحيح.
وخَصَّ نافعٌ وأبو عمرو في روايةٍ هذا الحذفَ بالوقف لمراعاة الفواصل(١)،
ولم يَحذِفْ مطلقاً ابنُ كثير ويعقوب(٢).
وفي ((تفسير البغوي)): سُئل الأخفشُ عن ◌ِلَّة سقوط ياء ((يسر))، فقال: الليل
لا يسري، ولكن يُسرَى فيه(٣). وهو تعليلٌ كثيراً ما يُسأَلُ عنه لخفائه، والجواب أنه
أراد أنه لَمَّا عُدِلَ عن الظاهر في المعنى وغيِّرَ عمَّا كان حَقُّهُ معنَى غُيِّر لفظُهُ؛ لأنَّ
الشيءَ يَجُرُّ جنسه لإلفه به: إن الطيور على أمثالها تقع(٤)، وهذا كما قيل في قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أنه لمَّا عُدِلَ عن ((باغية)) أُسقطت منه
التاء، ولم يقلْ: بَغيَّة، ومثله من بدائع اللغة العربية.
ويمكن التعليل بنحوه على تفسير ((يسر)) بـ: يمضي؛ لما فيه من العدول عن
الظاهر في المعنى أيضاً؛ لما (٥) علمت من أنه مجازٌ في ذلك.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: ((والفجرِ والوترٍ ويسرٍ)) بالتنوين في الثلاثة؛ قال ابن
خالويه(٦): هذا كما روي عن بعض العرب أنه وَقَفَ على أواخر القوافي بالتنوين،
(١) التيسير ص ٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢، وخَصَّهُ بذلك أيضاً أبو جعفر.
(٢) التيسير ص٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢ .
(٣) تفسير البغوي ٢٤١/٤، وحاشية الشهاب ٣٥٧/٨، والكلام منه.
(٤) ذكره الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص٣٦٣، والميداني في مجمع الأمثال ٤٤٢/١.
(٥) قوله: لما، ساقط من (م).
(٦) في القراءات الشاذة ص١٧٣ .

الآية : ٥
١٣
سُورَةُ الْفَجْزِ
وإن كانت أفعالاً أو فيها ((أل))، نحو قوله:
أَقِلِّي اللومَ عاذلَ والعتاباً وقولي إنْ أصبتُ لقد أصاباً (١)
انتهى. وهذا كما قال أبو حيانٍ: ذكره النحويون في القوافي المطلقة - يعني
المحرَّكة - إذا لم يترتَم الشاعرُ، وهو أحد وجهين للعرب إذا لم يترتَّموا(٢).
والوجهُ الآخر الوقف، فيقولون: ((العتاب)) و((أصاب)) كحالهم إذا وقفوا على
الكلمة في النثر. وهذا الأعرابيُّ أجرى الفواصل مجرى الوقف، وعاملَها معاملةً
القوافي المطلقة، ويُسمَّى هذا التنوينُ تنوينَ الترنُّم(٣)، ولا اختصاصَ له
بالاسم، ويغلبُ على ظنِّي أنه قيلَ: يُكتَبُ نوناً، بخلاف أقسام التنوين المختصّة
بالاسم.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِ ذَلِكَ﴾ إلخ تحقيقٌ وتقريرٌ لفخامة الأشياء المذكورة المُقْسَم
بها، وكونها مستحقَّةً لأن تُعّم بالإقسام بها، فيدلُّ على تعظيم المُقْسَم عليه وتأكيده
من طريق الكناية، فذلك إشارةٌ إلى المُقْسَم به. وما فيه من معنى البعد لزيادة
تعظيمه، أي: هل فيما ذُكِرَ من الأشياء ﴿قَسَمٌ﴾ أي: مُقْسَمٌ به ﴿لَذِى حِجْرٍ﴾ أي: هل
يحقُّ عنده أن يُقْسَم به إجلالاً وتعظيماً، والمراد تحقيقُ أنَّ الكلَّ كذلك، وإنما
أُوثرت هذه الطريقةُ هَضْماً للحق وإيذاناً بظهور الأمر، وهذا كما يقول المتكلِّمُ بعد
ذِكْرٍ دليلٍ واضحِ الدلالة على مُدَّعاه: هل دلَّ هذا على ما قلناه.
وجُوِّزَ أن يكون التحقيق أنَّ ذوي الحجر يؤكِّدون بمثل ذلك المُقْسَم عليه، فيدلُّ
أيضاً على تعظيمه وتأكيده، فـ ((ذلك)) إشارةٌ إلى المصدر، أعني: الإقسام، أي(٤):
هل في إقسامي بتلك الأشياء إقسامٌ لذي حِجْر مقبولٌ عنده يعتَدُّ به ويفعلُ مثله
ويؤگِّد به المقسم علیه.
(١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٨١٣/٢. وجاء في (م): والعتابن ... أصابن.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٦٧ .
(٣) وقد عاب بعضهم قول النحويين: تنوين الترنم، وقال: ينبغي أن يسموه بـ : تنوين ترك
الترنم. الدر المصون ٧٧٨/١٠.
(٤) قوله: أي، ساقط من (م).

سُدَةُ الفَجْزِ
١٤
الآية : ٦
وحاصل الوجهين فيما يَرْجِعُ إلى تأكيد المُقْسَم عليه واحدٌ، إلا أنَّ الوجهَ
مختلفٌ كما لا يخفى، ولعلَّ الأولَ أظھرُ.
والحِجْرُ: العقل؛ لأنه يَحجُرُ صاحبه، أي: يمنعه من التهافت فيما لا ينبغي،
كما سُمِّ عقلاً ونُهْيةً؛ لأنه يَعقِلُ وينهى، وحصاً من الإحصاء، وهو الضبط. وقال
الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهراً لنفسه، ضابطاً لها(١).
والمقسَمُ عليه محذوفٌ، وهو (لَيُعَذِّبَنَّ)) كما يُنبئ عنه قوله تعالى شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾﴾ إلخ فإنه استشهادٌ بعلمه نَّهِ بما يدلُّ عليه من تعذيب عادٍ
وأضرابهم المشاركين لقومه عليه الصلاة والسلام في الطُّغيان والفساد، على طريقة
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنَّهِمَ فِ رَبِّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٨] وقوله سبحانه: ﴿أَمْ تَّرَ
أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥].
وقال أبو حيان: الذي يظهرُ أنه محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبله من آخر سورة
الغاشية، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ
لَإيابُهم إلينا وحسابُهم علينا(٢).
وأخرج ابن المنذر(٣) عن ابن مسعود رَُّبه أنه قرأ: (وَلْفَجْرٍ) إلى قوله سبحانه:
(إِذَا يَسْرٍ) فقال: هذا قَسَمٌّ على أنَّ ربك لبالمرصاد. وإلى أنه هو المقسَمُ عليه ذهب
ابن الأنباري.
وعن مقاتل أنه: ((هل في ذلك)) إلخ، و((هل)) بمعنى ((إنَّ). وهو باطلٌ روايةٌ
ودرايةً؛ إذ يبقى عليه قَسَمِّ بلا مُقْسَمٍ عليه.
والمراد بعادٍ أولاد عاد بن عاص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، قوم هودٍ
عليه السلام، سُمُّوا باسمٍ أبيهم كما سُمِّي بنو هاشم هاشماً، وإطلاقُ الأب على
نَسْله مجازٌ شائعٌ، حتى أُلحق بعضُهُ بالحقيقة، وقدّ قيل لأوائلهم: عادٌ الأولى،
ولأواخرهم: عادٌ الآخرة. قال عماد الدين بن كثير: كلما ورد في القرآن خبرُ عادٍ،
(١) معاني القرآن للفراء ٢٦٠/٣.
(٢) البحر المحيط ٤٦٨/٨.
(٣) كما في الدر المنثور ٣٤٧/٦.
﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
﴾ وتقديره:

الآية : ٧
١٥
سُوَةُ الفَجْرِ
فالمراد بعادٍ فيه عادٌ الأولى، إلا ما في سورة الأحقاف(١). ويقال لهم أيضاً: ((إرم))
تسميةً لهم باسم جَدِّهم، والتسميةُ بالجدِّ شائعةٌ أيضاً، وهو اسمٌ خاصٌّ بالأُولى،
وعليه قول ابن الرقيات:
مجداً تليداً بناهُ أوَّلُه
أَدْرَكَ عاداً وقبلها إرما(٢)
ونحوه قول زهير:
من نَسْجِ داودَ أو ما أَورثتْ إرَمُ (٣)
وآخرين ترى الماذيَّ عدَّتَهم
فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ﴾ عَظْفُ بيانٍ لعاد؛ للإيذان بأنهم عادٌ الأولى، وجُوِّزَ أن
يكون بدلاً، ومُنِعَ من الصرف للعَلَمية والتأنيث باعتبار القبيلة، وصُرِفَ ((عادٌ))
باعتبار الحيِّ، وقد يُمنَعُ من الصَّرْف باعتبار القبيلة أيضاً، وقرأ الضحاك بذلك في
إحدى الروايتين عنه(٤). ورُجِّحَ اعتبارُ الصَّرْف فيه بخقَّته لسكون وسطه، وقَدَّرَ
بعضُهم مضافاً في الكلام، أي: سِبْط إرم، وجُعل إرم عليه اسم أمَّهم، وهو قولٌ
فيه حكاه في ((القاموس))(٥)، وَوَجْهُ مَنْع الصرف فيه ظاهرٌ، وأبى بعضُهم إلا جَعْلَهُ
اسم جَدِّهم، ومعنى كونهم سِبْطه أنهم وَلَدُ ولده، ولا يظهرُ على هذا عِلَّهُ مَنْع
صَرْفه، ولعلَّ ذلك هو الذي دعا إلى جَعْله اسمَ أُمِّهم، لكن رأيتُ في تعليقات بعض
الأفاضل(٦) على ((الحواشي العصامية على تفسير البيضاوي)) أنَّ إرمَ إنما مُنِعَ من
الصرف - سواءٌ كان اسماً للقبيلة أم لجدِّها - للعَلَمية والعُجْمة، وقال: إنهما
موجودتان في عادٍ أيضاً، إلا أنه لكونه ثلاثيًّا ساكنَ الوسط يجوزُ فيه الأمران؛
الصرفُ وعَدَمُهُ، وزعم أنَّ هذا هو الحقُّ.
(١) في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ أَنَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِآلْأَحْقَانِ ... ﴾ [الآية: ٢١]، وينظر البداية والنهاية
٣٠٣/١.
(٢) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات ص ١٥٥ .
(٣) ديوان زهير ص١٥٨، وجاء في الأصل و(م): إرما. والمثبت من الديوان. قال شارحه:
الماذيُّ: الدروع السهلة اللينة.
(٤) البحر المحيط ٤٦٩/٨ .
(٥) مادة (أرم).
(٦) في هامش الأصل: محيي الدين.

سُورَةُ الفَجْرِ
١٦
الآية : ٨
وبكونه اسمَ القبيلة قال مجاهد وقتادة وابن إسحاق، ولا حاجة معه إلى تقدير
مضافٍ، فقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْحِمَارِ﴾ صفةٌ لـ ((إرم)) نفسها، والمراد: ذاتُ القُدود
الطّوال، على تشبيه قاماتهم بالأعمدة، ومنه قولهم: مُعْمَدٌ وعُمُدَّان(١): إذا كان
طويلاً، وروي هذا عن ابن عباس ومجاهد.
واشتهر أنه كان قَدُّ أحدهم اثني عشر ذراعاً وأكثر، وفي ((تفسير الكواشي)):
قالوا: كان طول الطويل منهم أربعَ مئة ذراع، وكان أحدهم يأخذ الصخرةَ العظيمةَ
فيقلبها على الحيّ فيهلكهم.
وعن قتادة وابن عباس في رواية عطاء: المراد: ذاتُ الخيام والأعمدة، وكانوا
سيَّارةً في الربيع، فإذا هاج النَّبْتُ رجعوا إلى منازلهم. وقال غير واحد: كانوا
بدوبين أهلَ عَمَدٍ وخيام يسكنونها حلًّا وارتحالاً .
وقيل: المراد: ذاتُ الرّفعة، أو: ذات الوقار، أو: ذات الثَّبات وطول العمر،
والكلُّ على الاستعارة.
﴾ صفةٌ أخرى لها، أي: لم يُخْلَقْ
وقوله تعالى: ﴿اَلَِّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ الْبِلَدِ (
مثلُهم في عِظَم الأجرام والقوة في بلاد الدنيا، وقد سمعتَ ما نُقل عن الكواشي
آنفاً، وما ذكر فيه من أنه كان أحدُهم .. إلخ جاءَ في حديثٍ مرفوعٍ أخرجه ابن
أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب(٢).
وقيل: إرم: اسمُ مدينةٍ لهم. قال محمد بن كعب: هي الإسكندرية. وقال ابن
المسيب والمقبريّ: هي دمشق.
وقيل: اسمُ أرضهم، وهي بين عُمان وحضرموت، وهي أرض رمالٍ وأحقافٍ،
فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذْكُرْ أَنَا عَادٍ إِذْ أَنَذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]
وبهذا اعتُرض القول بأنَّ مدينتهم الإسكندرية والقول بأنها دمشق، حيث إنهما ليستا
(١) مُعْمَد كمُكْرَم، وعُمُدّان كجُلُبَان.
(٢) الدر المنثور ٣٤٧/٦، وذكره عن ابن أبي حاتم أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وإسناده
ضعيف لإبهام الراوي عن المقدام.

الآية : ٨
١٧
سُوَةُ الْفَجْزِ
من بلاد الأحقاف والرمال، إلا أن يقالَ: ما هنا عادٌّ الأولى، وما في آية
((الأحقاف)) عادٌّ الآخرة، ويلتزمُ عَدَمُ اتحاد منازلهما.
وعلى القول بكونه اسم مدينتهم أو اسم أرضهم، فهو بتقدير مضافٍ لتصحيح
التبعية، أي: أهلُ إرَمَ. وقيل: يُقدَّرُ مضافٌ في جانب المتبوع، أي: بمدينة أو
بأرضٍ عاد إرم، وهو كما ترى، ومَنْعُ الصَّرْف على الوجهين لما سمعتَ.
والأكثرون على أنها اسمُ مدينةٍ عظيمةٍ في أرض اليمن، والوصفان لها،
والمرادُ: ذاتُ البناء الرفيع، أو ذاتُ الأساطين التي لم يُخلَقْ مثلُها سَعَةً وحُسْنَ
بيوتٍ وبساتین في بلاد الدنيا .
ويُروى أنه كان لعادٍ ابنان: شدَّادٌ وشديدٌ، فملَكًا وقهرا، ثم مات شديدٌ وخلصَ
الأمرُ لشدَّاد، فملك الدنيا ودانت له ملوكُها، فسمع بذِكْر الجنة، فقال: أَبْنِي مِثْلَها،
فبنى إرَمَ في بعض صحارى عَدَن في ثلاث مئة سنةٍ، وكان عمره تسعَ مئة سنة،
وهي مدينةٌ عظيمةٌ، قصورُها من الذهب والفضة، وأساطينُها من الزَّبَرْجَد
والياقوت، وفيها أصنافُ الأشجار والأنهار المُطَّردة. ولَمَّا تمَّ بناؤها سار إليها
بأهل مملكته، فلما كان منها مسيرة يوم وليلة، بعث الله تعالى عليهم صيحةً من
السماء فهلكوا(١).
وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبلٍ له، فوقع عليها، فحمل ما قدرَ
عليه مما ثَمَّ، وبلغ خبرُهُ معاویةً فاستحضره، فقصَّ علیه، فبعث إلی کعبٍ فسأله،
فقال: هي إرَمُ ذاتُ العماد، وسيدخلها رجلٌ من المسلمين في زمانك، أحمرُ أشقرُ
قصير، على حاجبه خالٌ، وعلى عَقِبه خالٌ، يخرج في طلب إبلٍ له، ثم التفتَ
فأبصر ابنَ قِلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل(٢).
(١) الكشاف ٤/ ٢٥٠.
(٢) الكشاف ٢٥٠/٤. وأخرجه مطولاً أبو الشيخ في العظمة (٩٩٥) وفيه: وعلى عنقه خال،
بدل: وعلى عقبه خال. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٤: آثار الوضع
عليه لائحة. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو
صح إلى ذلك الأعرابي (يعني عبد الله بن قلابة) فقد يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع

سُوَةُ الْفَجْزِ
١٨
الآية : ٨
وخبر شدَّاد المذكور أخوه في الضعف، بل لم تصحَّ روايته كما ذكره الحافظ
ابن حجر(١)، فهو موضوعٌ كخبر ابن قلابة.
وروي عن مجاهد أنَّ إرَمَ مصدرُ أَرِمَ يَأْرَمُ: إذا هَلَكَ، فـ ((إرم)) بمعنى هلاك،
منصوبٌ على نحو نَصْبِ المصدر التشبيهيِّ، مضافٌ إلى ((ذات))، و((التي)) صفةٌ
لـ ((ذات العماد)) مراداً بها المدينة، و((كيف فَعَلَ)) في قوة: كيف أهلك، فكأنه قيل:
ألم تَرَ كيف أهلك ربُّكَ عاداً، كهلاك ذات العماد التي لم يُخْلَقْ مثلُها في البلاد.
وهو قولٌ غريبٌ غيرُ قريب.
وقرأ الحسن: ((بعاد إرمَ)) بإضافة عادٍ إلى إرم(٢)، فجاز أن يكون إرم جدًّا
والوصفان لـ ((عادٍ))، وأن يكون مدينةً والوصفان لـ ((إرم))، وجُوِّزَ أن يكونا
لـ «عادٍ)).
وقرأ ابن الزبير: ((بعادِ أَرِمَ)) بالإضافة أيضاً، إلا أنَّ((أَرِمَ)) بفتح الهمزة وكسر
الراء (٣). قيل: وهي لغةٌ في المدينة لا غير.
وعن الضحاك أنه قرأ: ((بعاد)) مصروفاً وغير مصروف ((أَرْم)) بفتح الهمزة
وسكون الراء للتخفيف(٤)، وأصله ((آرِم)) گفَخِذ.
وقرئ: ((إِرَمِ ذاتٍ)) بإضافة ((إرم)) إلى ((ذات))(٥)؛ فقيل: الإرَمُ عليه العَلَمُ،
= من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك، وهذا مما يقطع
بعدم صحته.
(١) في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية
٣٥٨/٨.
(٢) القراءة في إعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٥، والبحر ٤٦٩/٨، وقد ذكر فيهما أن عاداً
مصروفة، ووردت هذه القراءة في القراءات الشاذة ص ١٧٣، والمحرر الوجيز ٤٧٨/٥،
والكشاف ٢٥٠/٤ على أن عاداً فيه مفتوحة ممنوعة من الصرف، ومع ذلك جعلها ابن عطية
مضافة، وتعقب السمين في الدر المصون ١٠/ ٧٨٢ ذلك بأنه لو كان مضافاً لوجب صرفه.
(٣) البحر المحيط ٤٦٩/٨.
(٤) البحر المحيط ٨/ ٤٦٩.
(٥) الكشاف ٢٥٠/٤، والبحر ٤٦٩/٨.

الآية : ٩
١٩
سُوَّةُ الْفَجْرِ
والمعنى: بعادٍ أعلام ذات العماد(١)، وهي مدينتهم، و((التي)) صفةٌ لـ ((ذات العماد))
على الأظهر.
وعن ابن عباس أنه قرأ: ((أَرَمَ)) بالتشديد فعلاً ماضياً ((ذاتَ)) بالنصب على
المفعول به (٢)، أي: جعل الله تعالى ذاتَ العماد رميماً، ويكون («أرَّ)) - على ما في
((البحر)) - بدلاً من ((فَعَلَ)) أو تبييناً له(٣). والمراد بـ ((ذات العماد)» عليه، إما عادٌ
نفسُها، ويكون فيه وَضْعُ المظهر موضعَ المضمر، والنكتةُ فيه ظاهرةٌ، وإما
مدينتهم، ويكون جَعْلُها رميماً - أي: إهلاكها - كنايةً عن جَعْلهم كذلك.
وقرأ ابن الزبير: ((لم يَخْلُقْ)) مبنيًّا للفاعل، وهو ضميره عزَّ وجلَّ، مثلُها
بالنصب على المفعولية، وعنه أيضاً: ((لم نَخْلُقْ)) بنون العَظمة (٤).
﴿َثَمُودَ﴾ عَطْفٌ على عاد، وهي قبيلةٌ مشهورةٌ سُمِّيت باسم جَدِّهم ثمود أخي
جديس، وهما ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، كانوا عَرَباً من العاربة
يسكنون الحِجْرَ بين الحجاز وتبوك، وكانوا يعبدون الأصنام.
ومَنْعُ الصرف للعَلَمية والتأنيث. وقرأ ابن وثاب بالتنوين(٥)، صَرَفَهُ باعتبار
الحيّ، كذا قالوا، وظاهره أنه عربيٍّ، وقد صُرِّحَ بذلك فقيل: هو فَعُولٌ من الثَّمْد:
وهو الماء القليل الذي لا مادَّةً له، ومنه قيل: فلانٌ مَثْمودٌ ثَمَدَتْهُ النساء، أي: قَطَعْنَ
مادةَ مائه؛ لكثرة غشيانه لهنَّ، ومثمودٌ إذا كَثُرَ عليه السُّؤَّال حتى نفدتْ مادةُ ماله.
وحكى الراغب أنه عجميٌّ(٦)، فمَنْعُ الصَّرْف للعَلَمية والعُجْمة.
(١) كذا وقعت هذه العبارة في الأصل و(م) ومطبوع البحر، والذي في الكشاف: بعادٍ أهلٍ
أعلام ...
(٢) المحتسب ٣٥٩/٢، والبحر ٤٦٩/٨.
(٣) البحر ٤٦٩/٨.
(٤) القراءة الأولى في القراءات الشاذة ص١٧٣، والكشاف ٢٥٠/٤، والبحر ٤٦٩/٨. والثانية
في البحر ٤٦٩/٨.
(٥) البحر المحيط ٨/ ٤٦٩.
(٦) مفردات الراغب (ثمد).

سُورَةُ الفَجْرِ
٢٠
الآية : ١٠
﴿الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ﴾ أي: قَطَعوا صخرَ الجبال واتخذوا فيها بيوتاً نحتوها من
الصَّخر، كقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُرْتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] قيل: أولُ مَنْ
نحتَ الحجارةَ والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفاً وسبع مئة مدينة، كلُّها
بالحجارة. ولا أظنُّ صحةَ هذا البناء.
﴿يَوَادِ﴾ هو وادي القُرى. وقرئ بالياء آخر الحروف(١)، والباءُ للظرفية،
والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((جابوا))، أو بمحذوفٍ هو حالٌ من الفاعل أو المفعول.
وقيل: الباء للآلة، أو السببية، متعلّقةٌ بـ ((جابوا))، أي: جابوا الصَّخْرَ بواديهم،
أو بسببه، أي: قطعوا الصخر وشقُّوه وجعلوه وادياً ومحلًا لمائهم فِعْلَ ذوي القوة
والآمال. وهو خلاف الظاهر.
وأيًّا ما كان فالجَوْبُ القَطْعُ، والظاهر أنه حقيقةٌ فيه، تقول: جُبْتُ البلاد
أَجُوبها، إذا قَطَعْتَها، قال الشاعر:
ولا رأيتُ قَلُوصاً قبلَها حملتْ
◌ِتِّينَ وَسْقاً ولا جابَتْ بها بلدا(٢)
ومنه: الجواب؛ لأنه يقطعُ السؤال. وقال الراغب: الجَوْبُ قطعُ الجَوْبة، وهي
الغائط من الأرض، ثم يُستعملُ في قَطْع كلِّ أرضٍ. وجوابُ الكلامِ هو ما يقطعُ
الجَوْبَ فَيَصِلُ من فَمِ القائل إلى سَمْعِ المستمع، لكنه خُصَّ بما يعودُ من الكلام
دون المبتدأ من الخطاب(٣). انتهى، فاختر لنفسك ما يحلو.
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ ﴾﴾ وُصِفَ بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي يضربون
أوتادها في منازلهم، أو لأنه كان يَدُقُّ للمعذَّبِ أربعةَ أوتادٍ، ويشدُّهُ بها مبطوحاً
على الأرض، فيعذِّبُهُ بما يريد من ضَرْبٍ أو إحراقٍ أو غيره، وقد تقدَّم الكلام في
ذلك (٤).
(١) أثبتها وصلاً ورش، وفي الحالين يعقوب وابن كثير بخلاف عن قنبل في الوقف. التيسير
ص٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢.
(٢) البيت لأبي وجزة السعدي، وهو في الكامل ٢٤٤/١، والأغاني ٢٤٤/١٢.
(٣) المفردات (جوب) وفيه: وهي كالغائط. بدل: وهي الغائط.
(٤) عند تفسير الآية (١٢) سمن سورة ﴿صَّ﴾.