Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سُوَّةُ الأَعَلى وكان ◌َّه يحبُّها، أخرج الإمامُ أحمد والبزار وابن مردويه(١) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: كان رسول الله وَلَوَ يُحبُّ هذه السورة ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَّكَ الْأَعْلَى﴾. وجاء في حديثٍ أخرجه أبو عبيد عن أبي تميم أنه عليه الصلاة والسلام سمَّاها أفضلَ المسبِّحات(٢). وأخرج أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة قالت: كان النبيُّ ◌َله يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: ((سبّح))، وفي الثانية: ﴿قُلّ يَأَيُهاَ الْكَفِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ والمعوذتين(٣). وفي حديث أخرجه المذكورون وغيرُهم إلا الترمذي عن أبيٍّ بن كعب نحو ذلك، بيد أنه ليس فيه المعوّذتان(٤). وأخرج ابن أبي شيبةَ والإمامُ أحمد ومسلم وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه(٥) عن النعمان بن بشير أن رسول الله و # كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ﴿سَتْح أَسْمَ رَيْكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ وإن وافقَ يوم الجمعة قرأهما جميعاً. وأخرج الطبرانيُّ(٦) عن عبد الله بن الحارث قال: آخرُ صلاةٍ صلّها رسول الله وَ﴿ المغرب، فقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿سَيِّعَ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلّ يَُّهَا الْكَفِرُونَ﴾. (١) أحمد (٧٤٢)، والبزار (٧٧٥)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣٣٧/٦. (٢) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٣٩، وهو مرسل؛ فإن أبا تميم - واسمه عبد الله بن مالك الجيشاني، وأصله من اليمن - ولد في حياة النبي ◌َّر، وهاجر زمن عمر، وروى عنه عدد من الصحابة. التهذيب ٤١٤/٢ . (٣) سنن أبي داود (١٤٢٤)، وسنن الترمذي (٤٦٢)، وسنن ابن ماجه (١١٧٣)، والمستدرك ٥٢٠/٢، وسنن البيهقي ٣٧/٣. (٤) سنن أبي داود (١٤٢٣)، وسنن ابن ماجه (١١٧١)، وسنن البيهقي ٣٨/٣. (٥) ابن أبي شيبة ١٧٦/٢، وأحمد (١٨٣٨٣)، ومسلم (٨٧٨)، وأبو داود (١١٢٢)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٨٤، وابن ماجه (١٢٨١). (٦) في الكبير كما في مجمع الزوائد ١١٨/٢، وهو في مسند البزار (٢١٧٤)، وفي إسناده حجاج بن نصير، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف، كان يقبل التلقين. سُورَةُ الأَعَلى ٤٦٢ الآية : ١ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿َسَبْعِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ أي: نَزِّهْ أسماءه عزَّ وجلَّ عمَّا لا يليق، فلا تؤوِّل مما ورد منها اسماً من غير مقتضٍ، ولا تُبْقِهِ على ظاهره إذا كان ما وُضِعَ له مما لا يصحُّ له تعالى، ولا تُطلقه على غيره سبحانه أصلاً إذا كان مختصًّا كالاسم الجليل، أو على وجهٍ يُشعر بأنه تعالى والغيرُ فيه سواء إذا(١) لم يكن مختصًّا، فلا تقل لمن أعطاك شيئاً مثلاً: هذا رازقي، على وجهٍ يُشعر بذلك. وَصُنْهُ عن الابتذال والتلفّظ به في محلٌّ لا يليق به، كالخلاء وحالة التغوُّط، وذِكْرِهِ لا على وجه الخشوع والتعظيم، وربما يُعَدُّ مما لا يليقُ ذِكْرُهُ عند مَنْ يَكرهُ سماعه من غير ضرورةٍ إليه. وعن الإمام مالك ه أنه كان إذا لم يجد ما يُعطي السائلَ يقول: ما عندي ما أُعطيك، أو: ائتني في وقتٍ آخر، أو نحو ذلك، ولا يقول نحو ما يقول الناس: يرزقك الله تعالى، أو يبعثُ الله تعالى لك، أو يُعطيك الله تعالى، أو نحوه، فسُئل عن ذلك فقال: إنَّ السائلَ أثقلُ شيءٍ على سمعه وأبغضُهُ إليه قولُ المسؤول له ما يفيده رَدَّه وحرمانه، فأنا أُجِلُّ اسمَ الله سبحانه من أن أذكره لمن يَكرهُ سماعه، ولو في ضمن جملة. وهذا منه رُه غايةٌ في الورع. وما ذُكِرَ من التفسير مبنيٍّ على الظاهر من أنَّ لفظ ((اسمٍ)) غير مُقْحَمٍ، وذهب كثيرٌ إلى أنه مُقْحَمٌ، وهو قد يُقْحَمُ لضَرْبٍ من التعظيم على سبيل الكناية، ومنه قول لبید : إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما(٢) فالمعنى: نَزَّهْ ربَّكَ عمَّا لا يليقُ به من الأوصاف. واستُدلَّ لهذا بما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت (١) في (م): إذ. (٢) ديوانه ص٧٩، وتمامه: ومَنْ يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر، وسلف عند تفسير الآية (٤١) من سورة هود. الآية : ١ ٤٦٣ سُؤَدَّةُ الأَعَلى ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] قال لنا رسول الله وَّيقول: ((اجعلوها في ركوعكم)) فلما نزلت ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: ((اجعلوها في سجودكم)) (١). ومن المعلوم أنَّ المجعول فيهما: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى. وبما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والطبرانيُّ والبيهقيُّ في ((سنته))(٢) عن ابن عباس أنَّ رسول الله وَّه كان إذا قرأ ﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: ((سبحان ربي الأعلى)). وروى عبد بن حميد وجماعةٌ أنَّ عليًّا كرم الله تعالى وجهه قرأ ذلك فقال: سبحان ربي الأعلى وهو في الصلاة. فقيل له: أتزيدُ في القرآن. قال: لا إنما أُمرنا بشيءٍ ففعلته(٣). وفي ((الكشاف)): تسبيحُ اسمه تعالى: تنزيههُ عمَّا لا يصحُّ فيه من المعاني التي هي إلحادٌ في أسمائه سبحانه؛ كالجبر والتشبيه مثلاً، وأن يُصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم(٤). فجعل المعنيين - على ما قيل - راجعين إلى الاسم، وإن كان الأول بالحقيقة راجعاً إليه عزَّ وجلَّ، لكن كما يصحُّ أن يقال: نزِّهِ الذاتَ عمَّا لا يصحُّ له من الأوصاف، يصحُّ أن يقال أيضاً: نَزَّهْ أسماءه تعالى الدالَّةَ على الكمال عمَّا لا يصحُّ فيه من خلافه. وليس المعنى الأولُ مبنيًّا على أنَّ لَفْظَ (اسم)» مُفْحَمٌ، ولا على أنَّ المراد به المسمَّى إطلاقاً لـ ((اسم)) الدالِّ على المدلول، نعم قال به بعضُهم هنا، وهو إن كان للأخبار السابقة كما في دعوى الإقحام فلا بأس، وإن كان لِظَنِّ أنَّ التسبيحَ لا يكون للألفاظ الموضوعة له تعالى، فليس بشيءٍ؛ لفساد هذا الظَّنِّ بظهور أنَّ التسبيحَ يكونُ لها كما سمعت، وقد قال الإمام(٥): إنه كما يجبُ تنزيهُ ذاته تعالى وصفاته جلَّ وعلا عن النقائص، يجبُ (١) أحمد (١٧٤١٤)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧). وسلف عند تفسير الآية (٩٧) من سورة الواقعة. وجاء في هامش الأصل و(م): وفي الكشاف: وكانوا يقولون في الركوع: اللهم لك ركعت، وفي السجود: اللهم لك سجدت. وليس في هذا الحديث المروي عمن سمعت. (٢) أحمد (٢٠٦٦)، وأبو داود (٨٨٣)، والطبراني في الكبير (١٢٣٣٥)، والبيهقي ٣١٠/٢. (٣) الدر المنثور ٣٣٨/٦، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٠٨/٢ دون قوله: فقيل له: أتزيد ... إلخ. (٤) الكشاف ٢٤٢/٤-٢٤٣. (٥) لم نقف على قوله في التفسير الكبير. سُورَةُ الأَعَلى ٤٦٤ الآية : ١ تنزيهُ الألفاظ الموضوعة لذلك عن الرَّفَثِ وسوء الأدب. ومن هذا يُعلَمُ ما في التعبير عنه تعالى شأنه بنحو ليلى ونُعْم كما يُدَّعى ذلك في قول ابن الفارض قُدِّسَ سِرُّهُ: أمِ ارتفعتْ عن وجه ليلى البراقعُ(١) أَبَرْقٌ بدا من جانبِ الغَوْر لامعُ و قوله : فلا أَسعدتْ سُعدَى ولا أجملتْ جُملُ (٢) إذا أنعمتْ نُعْمٌ عليَّ بنظرةٍ إلى غير ذلك من أبياته، وقد عاب ذلك بعضُ الأجلَّة وعدَّهُ من سوء الأدب، ومخالفاً لقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠]. وأجاب بعضُهم بأنَّ ذلك ليس من الوضع في شيءٍ، وفَهْمُ الحضرة الإلهية من تلك الألفاظ إنما هو بطريق الإشارة، كما قالوا في فَهْم النفس الأمَّارة من البقرة مثلاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ [البقرة: ٦٧]. والمنكِرُ لا يقنعُ بهذا، والأظهرُ أن يقال: إنَّ الكلامَ المورَدَ فيه ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية، ولا نظرَ فيها إلى تشبيه المفردات بالمفردات، فليس فيه التعبيرُ عنه عزَّ وجلَّ بليلى ونحوها، واستعمالُ الاستعارة التمثيلية في شأنه تعالى مما لا بأس به، حتى إنهم قالوه في البسملة كما لا يخفى على مَنْ تتَبَّعَ رسائلهم فيها. هذا ولعلَّ عندهم خبراً منه. وقال جمعٌ: الاسمُ بمعنى التسمية، والمعنى: نَزِّهْ تسميةَ ربِّكَ بأن تذكره وأنت له سبحانه معِّمٌ، ولذِكْره جلَّ شأنه محترِمٌ. وأنت تعلمُ أنَّ هذا يندرجُ في تسبيح الاسم كما تقدَّم. وعن ابن عباس أنَّ المعنى: صَلِّ باسم ربك الأعلى، كما تقول: أبدأ باسم الله تعالى، وحَذْفُ حرف الجر حكاه في ((البحر))(٣)، ولا أظنُّ صحّته. (١) البيت في ديوانه ص١٦٦ . (٢) البيت في ديوانه ص١٣٦ . (٣) ٤٥٨/٨. الآية : ٢ ٤٦٥ سُورَةُ الأَعَلى وقال عصام الدين: لا يبعدُ أن يُراد بالاسم(١) الأثر، أي: سَبِّح آثارَ ربِّكَ الأعلى عن النقصان، فإنَّ أثره تعالى دالٌّ عليه سبحانه كالاسم، فيكون مَنْعاً عن عيبِ المخلوقات، أي: من حيثُ إنها مخلوقةٌ له تعالى، وعلى وجهٍ ينافي قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتٌ﴾ [الملك: ٣]. ولا يَخْفَى بُعْدُه، وإن كان فیما بعدُ من الصفات ما يُستأنس به له. وأنا أقول: إن كان ((سبِّح)) بمعنى نزِّه، فكلا الأمرين - من كون ((اسم)) مقحماً وكونِهِ غيرَ مقحَم وتعلَّق التسبيح به على الوجه الذي سمعتَ ـ محتملٌ غيرُ بعيدٍ، وإذا كان معناه: قلْ سبحان، كما هو المعروف فيما بينهم، فكونه مُقحَماً متعيِّنٌ؛ إذ لم يُسْمَعْ سَلَفاً وخَلَفاً مَنْ يقول: سبحان اسم ربي الأعلى، أو سبحان اسم الله. والأخبارُ ظاهرةٌ في ذلك، وحَمْلُ ما فيها على اختيار الأخصر المستلزمِ لغيره كما ترى، ويؤيِّدُ هذا قراءة أبيّ بن كعب كما في خبر سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن جبير: ((سبحان ربي الأعلى))(٢)، وأما ما قيل من أنَّ الاسمَ عينُ المسمَّى، واستُدِلَّ عليه بهذه الآية ونحوها، فهو مما لا يُعوَّلُ عليه أصلاً، وقد تقدم الكلامُ أولَ الكتاب، فارجع إليه إن أردته. و ((الأعلى)» صفةٌ للرَّبِّ، وأُريد بالعلوِّ العلوُّ بالقهر والاقتدار، لا بالمكان؛ لاستحالته عليه سبحانه، والسلفُ وإن لم يؤوِّلوه بذلك لكنهم أيضاً يقولون باستحالة العلوِّ المكانيِّ عليه عزَّ وجلَّ. وجوِّز جعلُهُ صفةً لـ ((اسم))، وعلوُّه ترفُّعه عن أن يشاركه اسمٌ في حقيقة معناه. واستُشكل بأنَّ قوله تعالى ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ إلخ إن كان صفةً للرَّبِّ كما هو الظاهر، لَزِمَ الفَصْلُ بين الموصوف وصفته بصفةٍ غيره، وهو لا يجوز، فلا يقال: رأيتُ غلامَ هندٍ العاقلَ الحسنةِ. وإن كان صفةً لـ ((اسم)) أيضاً اختلَّ المعنى؛ إذ الاسمُ لا يتَّصفُ بالخلق وما بعده. (١) في (م): الاسم. (٢) الطبري ٣٠٩/٢٤، والحاكم ٥٢١/٢، والدر المنثور ٣٣٨/٦. سورة الأعلى ٤٦٦ الآية : ٣ وأُجيب باختيار الثاني، ولا اختلال: إما لأنَّ الاسمَ بمعنى المسمَّى، أو لأنه لَمَّا كان مُقْحَماً كان ((اسم ربك)» بمنزلة ربِّك، فَصَحَّ وَصْفُهُ بما يُوصَفُ به الرَّبُّ عزّ وجلَّ. وفيه نظرٌ، والجوابُ المقبول أنَّ ((الذي)) على ذلك التقدير إما مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أو منصوبٌ على المدح، ومفعولُ ((خلق)) محذوفٌ، ولذا قيل بالعموم، أي: الذي خلق كلَّ شيءٍ. ﴾ أي: فجعله متساوياً، وهو أصلُ معناه، والمراد: فجعل خَلْقَهُ ﴿فَسَوَّى كما تقتضيه حِكْمته سبحانه في ذاته وصفاته، وفي معناه ما قيل: أي: فجعل الأشياءَ سواءً في باب الإحكام والإتقان، لا أنه سبحانه أتقنَ بعضاً دون بعض. وَرُدَّ بما دلَّتْ عليه الآيةُ من العموم على المعتزلة في زَعْمهم أنَّ العبد خالقٌ لأفعاله، والزمخشريُّ مع أنَّ مذهبَهُ مذهبُهُمْ قال هنا بالعموم(١)، ولعلَّهُ لم يُرِدِ العمومَ الحقيقيَّ، أو أراده لكن على معنى: خَلَقَ كلَّ شيءٍ إما بالذات أو بالواسطة، وجَعَلَ ذلك في أفعال العباد بإقداره سبحانه، وتمكينهم على خَلْقها باختيارهم وقُدرهم الموهوبة لهم. وعن الكلبيِّ: خَلَقَ كلَّ ذي روح فسؤَّى بين يديه وعينيه ورجليه. وعن الزجاج: خَلَقَ الإنسانَ فَعَدَلَ قامَتَهُ، ولم يجعله منكوساً كالبهائم(٢). وفي كلِّ تخصيصٌ لا يقتضيه ظاهرُ الحَذْف. ﴿وَِّ قَدَّرَ﴾ أي: جَعَلَ الأشياءَ على مقاديرَ مخصوصةٍ في أجناسها وأنواعها وأفرادها وصفاتها وأفعالها وآجالها . فوجَّهَ كلَّ واحدٍ منها إلى ما يصدرُ عنه وينبغي له طَبْعاً أو ﴿فَهَدَى ® اختياراً، ويسَّره لما خُلِقَ له بخَلْقِ الميول والإلهامات، ونَصْبِ الدلائل وإنزال الآيات، فلو تتبّعتَ أحوالَ النباتات والحيوانات لرأيتَ في كلِّ منها ما تَحارُ فيه (١) الكشاف ٤/ ٢٤٣. (٢) مجمع البيان ١٠٦/٣٠، وهو في معاني القرآن للزجاج ٣١٥/٥ بلفظ: خلق الإنسان مستوياً . الآية : ٤ ٤٦٧ سُورَةُ الأَعَلى العقول، وتضيقُ عنه دفاترُ النقول، وأما فنونُ هداياته سبحانه وتعالى للإنسان على الخصوص ففوقَ ذلك بمراحلَ، وأبعدَ منه، ثم أبعد وأبعد بألوفٍ من المنازل، وهيهات أن يُحيط بها فَلَكُ العبارة والتحرير، ولا يكادُ يعلمها إلا اللطيف الخبير: أتزعمُ أنك جِرْمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر(١) وقيل: أي: والذي قدَّرَ الخَلْقَ على ما خلقهم فيه من الصور والهيئات، وأجرى لهم أسبابَ معاشهم من الأرزاق والأقوات، ثم هداهم إلى دينه ومعرفة توحيده بإظهار الدلالات والبيِّنات. وقيل: قَدَّرَ أقواتهم وهداهم لطلبها . وعن مقاتلٍ والكلبي: قَدَّرهم ذُكْراناً وإناثاً، وهدى الذَّكَر كيف يأتي الأنثى. وعن مجاهدٍ: قَدَّر الإنسانَ والبهائمَ، وهدى الإنسانَ للخير والشر، والبهائمَ للمراتع. وعن السُّدِّيِّ: قدَّر الولد في البطن تسعةً أشهرٍ أو أقلَّ أو أكثر، وهداه للخروج منه للتمام. وقيل: قدَّر المنافعَ في الأشياء، وهدى الإنسان لاستخراجها . والأَوْلَى ما ذُكر أولاً، ولعلَّ ما في سائر الأقوال من باب التمثيل لا التخصيص، وزَعَمَ الفراءُ أنَّ في الآية اكتفاءً، والأصلُ: فهدى وأضلَّ(٢). ولیس بشيءٍ. وقرأ الكسائيُّ: ((قَدَرَ)) بالتخفيف(٣) من القُدْرة أو التقدير. ﴿وَالَّذِىّ أَخْرَجَ الْعَىِ ﴾﴾ أي: أنبتَ ما ترعاه الدوابُّ غَضَّا رَطْباً يرفّ. (١) البيت في الديوان المنسوب لعلي ظ له ص٤٥. وسلف ٢٧٣/١. (٢) معاني القرآن ٢٥٦/٣ والاكتفاء: أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازمٌ وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة. الإتقان ٢/ ٨٣٠. (٣) التيسير ص٢٢١، والنشر ٣٩٩/٢. ! سُوَدَّةُ الأَعَلى ٤٦٨ الآية : ٥ - ٦ ﴿فَجَعَلَهُ مُثَ﴾ هو ما يَقْذِفُ به السيلُ على جانب الوادي من الحشيش والنبات، وأصله على ما في ((المجمع)) الأخلاطُ من أجناسٍ شتَّى، والعربُ تُسمِّي القومَ إذا اجتمعوا من قبائلَ شتَّى أخلاطاً وغُثاءً(١). ويقال: ◌ُثَّاءً بالتشديد، وجاء جَمْعُهُ على أغثاء، وهو غريبٌ من حيثُ جَمْعُ فُعالٍ على أفعال، والمراد به هنا اليابسُ من النبات، أي: فجعله بعد ذلك يابساً . ﴿أَحْوَىى ﴾ من الحُوَّة، وهي كما قيل السوادُ، وقال الأعلم: لونٌ يضربُ إلى السواد. وفي ((الصحاح))(٢): الحُوَّةُ: السُّمرة. فالمرادُ بأحوى أسودُ أو أسمرُ، والنبات إذا يبس اسودَّ أو اسمرَّ، فهو صفةٌ مؤكِّدةٌ للغثاء، وتُفسَّرُ الحُوَّةُ بشِدَّة الخُضْرة، وعليه قولُ ذي الرُّمة: لمياءُ في شَفَتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّئاتِ وفي أنيابها شَنَبُ(٣) ولا ينافي ذلك تفسيرُها بالسواد؛ لأنَّ شِدَّةَ الخضرة تُرى في بادئ النظر كالسواد، وجُوِّز كونُهُ حالاً من المرعى، أي: أخرج المرعى حالَ كونه طريًّا غضًّا شديدَ الخُضْرة، فجعله غُثاءً، والفَصْلُ بالمعطوف بين الحال وصاحبها ليس فصلاً بأجنبيٍّ، لاسيَّما وهو حالٌ يعاقِبُ الأولَ من غير تراخٍ، وسِرُّ التقديم المبالغةُ في استعقاب حالةِ الجفاف حالةَ الرفيف والغضارة، كأنه قبل أن يتمَّ رفيفُهُ وغضارتُهُ يصيرُ غُثاءً، ومع هذا هو خلافُ الظاهر. وهذه الأوصافُ على ما قيل يتضمَّنُ كلٌّ منها التدريج، ففي الوصف بها تحقيقٌ لمعنى التربية، وهي تبليغُ الشيء كمالَه شيئاً فشيئاً. · بيانٌ لهدايته تعالى شأنه الخاصةِ وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنسَ (١) مجمع البيان ١٠٥/٣٠. (٢) مادة (حوا). (٣) البيت في ديوانه ١/ ٣٢. قال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: اللَّمى: سُمْرَةٌ في الشفتين، وكذلك الحُوَّة شبيهةٌ باللَّمى تضرب إلى السواد، وكذلك اللَّعَسُ يكون بالشفتين واللثة. والشنب؛ قال الأصمعي: بردٌ وعذوبةٌ في الأسنان. وغيره يقول: تمديد الأسنان ودقتها. والأول أجود. الآية : ٦ ٤٦٩ سُورَةُ الأَعَلى برسوله وَ﴿ إثرَ بيان هدايته عزَّ وجلَّ العامة لكافة مخلوقاته سبحانه، وهي هدايته عليه الصلاة والسلام لتلقِّي الوحي وحفظ القرآن الذي هو هُدًى للعالمين، وتوفيقه وَّل لهداية الناس أجمعين. والسِّين إما للتأكيد، وإما لأنَّ المرادَ إقراءُ ما أوحي إليه وَّهِ حينئذٍ وما سيوحى إليه عليه الصلاة والسلام بعد، فهو وَعْدٌ كريمٌ باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، وإسنادُ الإقراء إليه تعالى مجازيٌّ، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعدُ على لسان جبريل عليه السلام - فإنه عليه السلام الواسطةُ في الوحي على سائر كيفياته ـ فلا تنسى أصلاً من قوة الحفظ والإتقان، مع أنك أميّ لم تکن تدري ما الكتابُ وما القراءة؛ ليكون ذلك لك آية، مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات البيّنات من حيثُ الإعجازُ ومن حيث الإخبارُ بالمغیبات. وجُوِّزَ أن يكون المعنى: سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة - أي: في الكتاب - من دون تعليم أحدٍ كما هو العادة، فقد روي عن جعفر الصادق ربه أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ الكتابةَ ولا يكتب(١). ويكون المراد بقوله تعالى: (فَلاَ تَنََّ) نفيُّ النسيان مطلقاً عنه عليه الصلاة والسلام؛ امتناناً عليه و سل ر بأنه أوتي قوةَ الحفظ. وفيه أنه مع كونه خلاف المأثور عن السلف في الآية، تأباهُ فاءُ التفريع. وجُوِّزَ أيضاً أن يكون المراد نفيُ نسيان المضمون، أي: سنقرئك القرآنَ فلا تغفلُ عنه فتخالفَه في أعمالك، ففيه وعدٌ بتوفيقه عليه الصلاة والسلام لالتزام ما فيه من الأحكام. وهو كما ترى. وقيل: ((فلا تنسى)) نهيٌّ، والألفُ لمراعاة الفاصلة كما في قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. وفيه أنَّ النسيانَ ليس بالاختيار، فلا يُنهى عنه إلا أن يُرادَ مجازاً تَرْكُ أسبابه الاختيارية، أو تركُ العمل بما تضمَّنه المقرأ، وفيه ارتكابُ تكلُّفٍ من غير داع، وأيضاً رَسْمُهُ بالياء يقتضي أنها من البنْية، لا للإطلاق، وكونُ رَسْم المصحف مخالفاً تكلُّفٌ أيضاً، نعم قيل: رُسِمَتْ ألفُ الإطلاق ياءً لموافقة غيرها (١) لم نقف عليه. سُورَةُ الأَعَلى ٤٧٠ الآية : ٧ من الفواصل، وموافقة أصلها، مع أنَّ الإمام المرزوقيَّ صرَّحَ بأنه عند الإطلاق تُرَةُ المحذوفة . وقيل: هو نهيٌّ لكن لم تُحذَفِ الألفُ فيه؛ إذ قد لا يَحذِفُ الجازمُ حرفَ العِلَّة، وحَسَّنَ ذلك هنا مراعاةُ الفاصلة. وفيه أيضاً ما فيه. والأهون للطالب معنى النهي أن يقول: هو خبرٌ أُريد به النهي على أحد التأويلين السابقين آنفاً . إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ استثناءٌ مفرٌ من أعمِّ المفاعيل، أي: لا تنسى أصلاً مما سنقرئكهُ شيئاً من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه، قيل: أي: أبداً. قال الحسن وقتادة وغيرهما: وهذا مما قضى الله تعالى نَسْخَهُ وأن يرتفع حكمه وتلاوته . والظاهر أنَّ النسيانَ على حقيقته، وفي ((الكشاف)) أي: إلا ما شاء الله فذهب به عن حِفْظك برَفْع حُكْمه وتلاوته(١). وجَعْلُ النسيان عليه بمعنى رَفْع الحكم والتلاوة وكنايةً عنه؛ لأَنَّ ما رُفِعَ حُكْمُهُ وتلاوته يُتْرَكُ فيُنسى، فكأنه قيل - بناءً على إرادة المعنيين في الكنايات -: سنقرئك القرآنَ فلا تنسى شيئاً منه ولا يُرفَعُ حُكمه وتلاوته، إلا ما شاء الله فتنساه ويُرفع حكمه وتلاوته. أو نحو هذا، وأنا لا أرى ضرورةً إلى اعتبار ذلك. والباء في ((برفع)) إلخ للسببية، والمراد: إما بيانُ السبب العادي البعيد الذهاب الله تعالى به عن الحفظ، فإنَّ رَفْعَ الحكم والتلاوة يؤدِّي عادةً في الغالب إلى ترك التلاوة؛ لعدم التعبُّد بها، وإلى عدم إخطاره في البال لعدم بقاء حكمه، وهو يؤدِّي عادةً في الغالب أيضاً إلى النسيان. أو بيانُ السبب الدافع لاستبعاد الذهاب به عن حفظه عليه الصلاة والسلام، وهو كالسبب المجوِّزِ لذلك. وأيًّا ما كان فلا حاجةَ إلى جَعْلِ معنى ((فلا تنسى)): فلا تتركُ تلاوةَ شيءٍ منه والعملَ به. فتأمل. (١) الكشاف ٤/ ٢٤٣. الآية : ٧ ٤٧١ سُورَةُ الأَعَلى ثم إنه لا يلزمُ من كون ما شاء الله تعالى نسيانَه مما قضى سبحانه أن يرتفع حكمه وتلاوته أن يكون كلُّ ما ارتفع حُكْمه وتلاوته قد شاء الله تعالى نسيانَ النبيِّ وَ ﴿ له، فإنَّ من ذلك ما يحفظه العلماء إلى اليوم، فقد أخرج الشيخان عن عائشة رؤثًا: كان فيما أُنزل: عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ، فَنُسِخْنَ بخمسٍ معلومات. الحديث(١)، وكونه بَّهُ نسيَ الجميعَ بعد تبليغه وبقي ما بقي عند بعضٍ مَنْ سَمِعَهُ منه عليه الصلاة والسلام فَتُقِلَ حتى وَصَلَ إلينا، بعيدٌ وإن أمكن عقلاً. وقيل: كان ◌َّهُ يَعْجَلُ بالقراءة إذا لقَّنه جبريل عليه السلام، فقيل: لا تعجلْ فإنَّ جبريل عليه السلام مأمورٌ أن يقرأه عليك قراءةً مكرَّرةً إلى أن تحفظه، ثم لا تنساه إلا ما شاء الله تعالى، ثم تذكره بعد النسيان. وأنت تعلم أنَّ الذِّكْرَ بعد النسيان وإن كان واجباً إلا أنَّ العلم به لا يُستفاد من هذا المقام. وقيل: إنَّ الاستثناءَ بمعنى القِلَّة، وهذا جارٍ في العُرْف، كأنه قيل: إلا ما لا يعلم؛ لأنَّ المشيئةَ مجهولةٌ، وهو لا محالة أقلُّ من الباقي بعد الاستثناء، فكأنه قيل: فلا تنسى شيئاً إلا شيئاً قليلاً، وقد جاء في ((صحيح البخاري)) وغيره أنه وَله أسقطَ آيَةً في قراءته في الصلاة، وكانت صلاةَ الفجر، فَحَسِبَ أُبَيِّ أنها نُسختْ، فسأله عليه الصلاة والسلام، فقال: ((نُسِّيتُها))(٢) ثم إنه عليه الصلاة والسلام لا يُقَرُّ على نسيانه القليل أيضاً، بل يُذكِّرَهُ الله تعالى، أو يُيسِّرُ من يُذكِّره، ففي (البحر)) أنه يَّر قال حين سمع قراءة عباد بن بشر(٣): ((لقد ذكَّرني كذا وكذا آية في سورة كذا وكذا)»(٤). (١) صحيح مسلم (١٤٥٢)، ولم نقف عليه في صحيح البخاري. (٢) لم نقف عليه في الصحيح، وإنما أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٩٣)، وأحمد (١٥٣٦٥)، وهو من حديث عبد الرحمن بن أبزى. (٣) في الأصل و(م) والبحر: بشير، والصواب ما أثبتناه، وهو عباد بن بشر بن وقش من بني عبد الأشهل، ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدراً، قال: واستشهد باليمامة. الإصابة ٣١١/٥، وينظر ما سيأتي في التعليق الذي بعده. (٤) البحر ٤٥٩/٨، وأخرج البخاري (٢٦٥٥)، ومسلم (٧٨٨) من حديث عائشة ﴿ا قالت: سمع رسول الله ◌َّه رجلاً يقرأ في المسجد فقال: ((رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية = سُوَةُ الأَعلى ٤٧٢ الآية : ٧ وقيل: الاستثناء بمعنى القِلَّة، وأُريد بها النفي مجازاً، كما في قولهم: قَلَّ مَنْ يقول كذا، قيل: والكلام عليه من باب: ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم(١) البيت، والمعنى: فلا تنسى إلا نسياناً معدوماً. وفي ((الحواشي العصامية على أنوار التنزيل))(٢): إنَّ الاستثناءَ على هذا الوجه لتأكيد عموم النفي، لا لنقض عمومه . وقد يقال: الاستثناءُ من أعمِّ الأوقات، أي: فلا تنسى في وقتٍ من الأوقات إلا وقتَ مشيئة الله تعالى نسيانك، لكنه سبحانه لا يشاء، وهذا كما قيل في قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَثُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقد قدمنا ذلك(٣). وإلى هذا ذهب الفراء(٤) فقال: إنه تعالى ما شاء أن يُنسيَ النبيَّ وَِّ شيئاً، إلا أنَّ المقصود من الاستثناء بيانُ أنه تعالى لو أراد أن يُصَيِّره عليه الصلاة والسلام ناسياً لذلك لَقَدَرَ عليه كما قال سبحانه: ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثم إنَّا نقطعُ بأنه تعالى ما شاء ذلك، وقال له وَلّهِ: ﴿لَبنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يُشركِ البثَّةَ، وبالجملة ففائدةُ هذا الاستثناء أن يُعرِّفه الله تعالى قُدْرته حتى يعلمَ وَ﴿ أَنَّ عَدَمَ = أسقطتهن من سورة كذا وكذا)) قال البخاري: وزاد عباد بن عبد الله عن عائشة: تهجَّد النبي ◌َّر في بيتي فسمع صوت عبَّاد يصلي في المسجد، فقال: ((يا عائشة، أصوت عباد هذا؟)) قلت: نعم. قال: ((اللهم ارحم عباداً)). قلنا: وصله أبو يعلى (٤٣٨٨) من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: تهجَّد رسول الله وَطَه في بيته وتهجد عباد بن بشر في المسجد، فسمع رسول الله وَّي صوته ... الحديث، وينظر فتح الباري ٢٦٥/٥. (١) صدر بيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١١ وتمامه: بهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائب (٢) هي حاشية عصام الدين الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن عربشاه، المتوفى سنة (٩٤٣هـ). طبقات المفسرين للأدرنهوي ص ٣٧٦ .. (٣) ينظر ١٤١/١١ وما بعدها. (٤) في معاني القرآن ٢٥٦/٣. الآية : ٧ ٤٧٣ سُورَةُ الأَعَلى النسيان من فضله تعالى وإحسانه، لا من قوته، أي: حتى يتقوَّى ذلك جدًّا، أو ليُعرِّفَ غيرَه ذلك، وكأنَّ نفيَ أن يشاء الله تعالى نسيانه عليه الصلاة والسلام معلومٌ من خارج، ومنه آية: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ الآية [القيامة: ١٦]. وقد أشار أبو حيان إلى ما قاله الفراء وإلى الوجه الذي قبله وأباهما غايةً الإباء؛ لعدم الوقوف على حقيقتهما، وقال: لا ينبغي أن يكون ذلك في كلام الله تعالى، بل ولا في كلام فصيح(١). وهو مجازفةٌ منه عفا الله تعالی عنه. ثم إنَّ المراد من نفي نسيان شيءٍ من القرآن نفي النسيان التامُّ المستمرِّ، فما (٢) لا يُقَرُّ عليه وَّ رَ كالذي تضمَّنه الخبر السابق ليس كذلك، وقد ذكروا أنه عليه الصلاة والسلام لا يُقَرُّ على النسيان فيما كان من أصول الشرائع والواجبات، وقد يُقَرُّ على ما ليس منها، أو منها وهو من الآداب والسنن، ونُقِلَ هذا عن الإمام الرازي عليه الرحمة (٣) فليحفظ. والالتفاتُ إلى الاسم الجليل على سائر الأوجه لتربية المهابة والإيذان بدَوَران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات. ورَبْطُ الآية بما قبلها على الوجه الذي ذكرناه هو الذي اختاره في ((الإرشاد))(٤)، وقال أبو حيان(٥): إنه سبحانه لما أمره وَّهِ بالتسبيح، وكان لا يتمُّ إلا بقراءة ما أُنزل عليه من القرآن، وكان ◌َلّ يتفكر(٦) في نفسه مخافةً أن ينسى، أزال سبحانه عنه ذلك بأنه عزَّ وجلَّ يُقرئه، وأنه لا ينسى إلا ما شاء أن يُنسيه لمصلحة . وفيه نظرٌ لا يخفى، ولو قيل: إنَّ ((سنقرئك)) استئنافٌ واقعٌ موقعَ التعليل (١) البحر المحيط ٤٥٩/٨. (٢) في (م): مما، وهو تصحيف. (٣) التفسير الكبير ١٤٣/٣١ . (٤) إرشاد العقل السليم ٩/ ١٤٤. (٥) في البحر ٤٥٩/٨. (٦) في البحر ٤٥٩/٨: يتذكر. سورة الأعلى ٤٧٤ الآية : ٨ للتسبيح، أو للأمر به، فيفيدُ جلالةَ الإقراء، وأنه مما ينبغي أن يقابَلَ بتنزيه الله تعالى وإجلاله، كان أهون مما ذُكر، ونحوُه كونُه في موقع التعليل على معنى: هَيِّئُ نفسَكَ للإفاضة عليك بتسبيح الله تعالى؛ لأنَّا سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله. ويتضمَّنُ ذلك الإشارةَ إلى فَضْلِ التسبيح، وقد وردتْ أخبارٌ كثيرةٌ في ذلك، وذكر الثعلبيُّ بعضاً منها، ونقله ابن الشيخ في ((حواشيه على تفسير البيضاوي)) والله تعالى أعلم بصحته. ﴿إِنَُّ يَعْلَمُ أَلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾﴾ تعليلٌ لما قبله، والجهر هنا: ما ظهر قولاً أو فعلاً أو غيرهما، وليس خاصًّا بالأقوال بقرينة المقابلة، أي: إنه تعالى يعلم ما ظهر وما بَطَنَ من الأمور التي من جملتها حالُكَ وحِرْصُكَ على حفظ ما يُوحى إليك بأسره، فيقرئك ما يقرئك، ويَحْفَظُكَ عن نسيان ما شاء منه، ويُنسِيكَ ما شاء منه مراعاةً لما نِيْطَ بكلِّ من المصالح والحكم التشريعية. وقيل: توكيدٌ لجميع ما تقدَّمه، وتوكيدٌ لما بعده. وقيل: توكيدٌ لقوله تعالى: (سَنُفْرِتُكَ) إلخ على أنَّ الجهر ما ظهر من الأقوال، أي: يعلمُ سبحانه جهرَكَ بالقراءة مع جبريل عليه السلام، وما دعاك إليه من مخافة النسيان، فيعلمُ ما فيه الصلاح من إبقاءٍ وإنساءٍ، أو: فلا تخفْ فإني أكفيكَ ما تخافُ. وقيل: إنه متعلِّقٌ بقوله تعالى: (سَبِحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). وهذا ليس بشيءٍ كما ترى. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (ج) عَظْفٌ على ((سنقرئك)) كما يُنبئ عنه الالتفات إلى الحكاية، وما بينهما اعتراضٌ واردٌ لما سمعتَ، وتعليقُ التيسير به وَلّهِ مع أنَّ الشائعَ تعليقُهُ بالأمور المسخّرة للفاعل كما في قوله تعالى: ﴿وَبَيْ لِيِّ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٦] للإيذان بقوة تمكينه عليه الصلاة والسلام من اليسرى والتصرف فيها بحيث صار ذلك مَلَكَةً راسخةً له، كأنه عليه الصلاة والسلام جُبِلَ عليها، أي: نوفِّقك توفيقا مستمرًّا للطريقة اليسرى في كلِّ بابٍ من أبواب الدين عِلْماً وتعليماً واهتداءً وهدايةً، الآية : ٩ ٤٧٥ سُورَةُ الأَعَلى فيندرجُ فيه تيسيرُ طريق تلقِّي الوحي(١) والإحاطة بما فيه من أحكام الشريعة السَّمْحة والنواميس الإلهية مما يتعلَّقُ بتكميل نفسه الكريمة وَّه وتكميل غيره كما يُفْصِحُ عنه الفاء فيما بعد. كذا في ((الإرشاد))(٢). وقيل: المراد باليسرى: الطريقةُ التي هي أيسرُ وأسهلُ في حفظ الوحي. وقيل: هي الشريعةُ الحنيفيةُ السهلة. وقيل: الأمور الحسنة في أمر الدنيا والآخرة، من النصر وعلوِّ المنزلة والرفعة في الجنة. وضَمَّ إليها بعضٌ أمرَ الدين، وهو مع هذا الضمِّ تعميمٌ حَسَنٌ، وظاهرٌ ﴾ أي: فذكِّرِ الناسَ عليه أيضاً أمر الفاء في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَ حسبما يسَّرناك بما يوحى إليك، واهدهم إلى ما في تضاعيفه من الأحكام الشرعية، كما كنت تفعله. وقيل: أي: فذكِّر بعد ما استتبَّ - أي: استقامَ وتهيّأ - لك الأمر، فإن أراد: فَدُمْ على التذكير بعد ما استقام لك الأمرُ من إقرائك الوحي وتعليمك القرآن بحيث لا تنسى منه إلا ما اقتضتِ المصلحةُ نسيانه، وتيسيرك للطريقة اليسرى في كلِّ بابٍ من أبواب الدين = فذاك، وإلا فليس بشيءٍ. وتقييدُ التذكير بنَفْع الذكرى لِمَا أنَّ رسول الله ێ کان قد ذَگَّرَ وبالغ فيه، فلم يَدَعْ في القوس مَنْزِعاً، وسَلَكَ فيه كلَّ طريقٍ، فلم يترك مَضيقاً ولا مَهْيَعَاً (٣) حرصاً على الإيمان وتوحيد الملك الديان، وما كان يزيدُ ذلك بعضَ الناس إلا كفراً وعناداً، وتمرُّداً وفساداً، فَأُمِرَ بِّهِ تخفيفاً عليه - حيثُ كاد الحرصُ على إيمانهم يُوجِّهُ سهام التلف إليه كما قال تعالى: ﴿فَعَلَّكَ بَخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَدِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] - بأن يخصّ التذكير بمواد النفع في الجملة بأن (١) في الأصل و(م): تيسير تلقي طريقي الوحي، والمثبت من إرشاد العقل السليم ٩/ ١٤٥، والكلام منه. (٢) ٩ / ١٤٥. (٣) المضيق: ما ضاق من الأماكن والأمور. والمَهْيَع: الطريق البيِّن. القاموس المحيط (ضاق) (هیع). سُورَّةُ الأَعَلى ٤٧٦ الآية : ١٠ يكون مَنْ يُذكِّره كلَّا أو بعضاً ممن يُرجى منه التذكُّر، ولا يُتْعِبَ نفسَهُ الكريمةَ في تذكير مَنْ لا يُؤْرِثُه التذكير إلا عتوًّا ونفوراً وفساداً وغروراً من المطبوع على قلوبهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَكِرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥] وقوله سبحانه: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] وعِلْمُهُ وَّلهُ بِمَنْ طُبِعَ على قلبه بإعلام الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام به، فهو ◌َّه بعد التبليغ وإلزام الحجّة لا يجب عليه تكريرُ التذكير على مَنْ عَلِمَ أنه مطبوعٌ على قلبه، فالشرطُ على هذا على حقيقته . وقيل: إنه ليس كذلك، وإنما هو استبعادُ النفع بالنسبة إلى هؤلاء المذكّرين(١) نعياً عليهم بالتصميم، كأنه قيل: افعل ما أُمرت به لتؤجَرَ وإن لم ينتفعوا به. وفيه تسليةٌ له وَلِ﴾ . ورُجِّحَ الأولُ بأنَّ فيه إبقاءَ الشرط على حقيقته مع كونه أنسب بقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىِ ﴾﴾ أي: سيذَّر بتذكيرك مَنْ مِنْ شأنه أن يخشى الله تعالى حقَّ خشيته، أو مَنْ يخشى الله تعالى في الجملة، فيزدادُ ذلك بالتذكير فيتفكّرُ في أمر ما تُذكِّرُهُ به، فيقفُ على حَقِيَّته، فيؤمنُ به. وقيل: إنَّ ((إنْ)) بمعنى ((إذا كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُم مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أي: إذ كنتم؛ لأنه سبحانه لم يُخبرهم بكونهم الأعلون إلا بعد إيمانهم، وقوله و ﴿ في زيارة أهل القبور: ((وإنَّا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون))(٢) وأَثبت هذا المعنى لها الكوفيون احتجاجاً بما ذُكِرَ ونظائره، وأجاب النافون عن ذلك بما في ((المغني))(٣) وغيره. وقيل: هي بمعنى ((قد)»، وقد قال بهذا المعنى قُطرب. وقال عصام الدين: المراد أنَّ التذكيرَ ينبغي أن يكون بما يكون مهمًّا لمن له التذكير، فينبغي تذكيرُ الكافرين بالإيمان، لا بالفروع كالصلاة والصوم والحج؛ إذ لا تنفعهُ بدون الإيمان، (١) في (م): المذكورين. (٢) أخرجه أحمد (٧٩٩٣)، ومسلم (٢٤٧) من حديث أبي هريرة (٣) ص٣٩ وما بعدها . ٠ الآية : ١١ - ١٢ ٤٧٧ سُؤَةُ الأَعَلى وتذكيرُ المؤمن التارك للصلاة بها دون الإيمان مثلاً، وهكذا، فكأنه قيل: ذَكِّرْ كلَّ واحدٍ بما ینفعه ویلیقُ به. وقال الفراء والنحاس والجرجانيُّ والزهراويُّ: الكلامُ على الاكتفاء، والأصلُ: فذكِّر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١](١). والظاهرُ أنَّ الذين لا يقولون بمفهوم المخالفة - سواء كان مفهومَ الشرط أو غيره - لا يُشكِلُ عليهم أمرُ هذه الآية كما لا يخفى. ﴿وَيَنَجَنَّبُهَ﴾ أي: ويتجنَّبُ الذكرى ويتحاماها ﴿الْأَثْقَى ﴾﴾ وهو الكافرُ المصرُّ على إنكار المعاد ونحوه، الجازمُ بنفي ذلك مما يقتضي الخشية بوجه، وهو أشقى أنواع الكَفَرة. وقيل: المراد به الكافرُ المتوغِّلُ في عداوة الرسولِ وَّ؛ كالوليد بن المغيرة، وعُتْبة بن ربيعة، وقد روي أنَّ الآية نزلت فيهما، فإنه أشقى من غير المتوغُّلِ. وقيل: المراد به الكافر مطلقاً، فإنه أشقى من الفاسق. وقيل: المفضَّل عليه كَفَرَةُ سائر الأمم، فإنه حيث كان المؤمنُ من هذه الأمة أسعد من مؤمنيهم، كان الكافر منها أشقى من كافریهم. والأوجهُ عندي في المراد بالأشقى ما تقدم. ﴿الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىُ ﴾﴾ أي: الطبقةَ السُّفلى من أطباق النار كما قال الفراء(٢)، ولا بُعْدَ في تفاضل نارٍ الآخرة وكون بعضٍ منها أكبر من بعض وأشدّ حرارة. وقال الحسن: الكُبرى: نار الآخرة، والصغرى: نار الدنيا، ففي الصحيحين (٣) (١) ذكر قولهم أبو حيان في البحر ٤٥٩/٨، وأبو السعود ١٤٦/٩، وعنه نقل المصنف، وكلام النحاس في إعراب القرآن ٢٠٦/٥. (٢) في معاني القرآن ٢٥٦/٣. (٣) البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣)، وهو عند أحمد (٧٣٢٧). سُوَّةُ الأَعَلى ٤٧٨ الآية : ١٣ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ناركم هذه جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم)) وفي روايةٍ للإمام أحمد(١) عنه مرفوعاً أيضاً: ((إنَّ هذه النار جزءٌ من مئة جزءٍ من جهنم)) فلعلَّ السبعينَ واردٌ مَوْرِدَ التكثير وهو کثیرٌ. ﴾ أي: حياةً تنفعُه. وقيل: إنَّ روحَ ◌ُمَّ لَا يَعُوتُ فِيهَ﴾ فيستريحَ ﴿وَلَا يَحْتَ أحدهم تصيرُ في حَلْقه، فلا تخرجُ فيموت ولا ترجعُ إلى موضعها من الجسد فيحيا. وهو غيرُ غنيٍّ عن التقييد بنحو حياةٍ كاملةٍ، على أنه بَعْدُ لا يخلو عن بحثٍ. و(ثم)) للتراخي في الرتبة، فإنَّ هذه الحالةَ أفظعُ وأعظمُ من نفس الصَّلْي، وقال عصام الدين: يحتملُ أن يكون هذا الكلامُ كناية عن عدم النجاة؛ لأنَّ النجاةَ عن العذاب إنما تكون بالعمل في دارٍ يموت فيها العامل ويحيا، والنَّظْمُ أقربُ إلى هذا المعنى، كيف واللائقُ بالمعنى السابق: ثم لا يكون ميتاً فيها ولا حيًّا، فتأمل. انتھی . وفي كون اللائق بالمعنى السابق ما ذكره دون ما في النَّظْم الجليل مَنْعٌ ظاهرٌ، والظاهر أنه لائقٌ به مع تضمُّنه رعايةَ الفواصل، وكذا في توجيه كون ما ذُكِرَ كنايةً عن عدم النجاة خفاءٌ، وكأنه لذلك أَمر بالتأمل. وقد يقال: إنَّ مِثْلَ ذلك الكلام يقال لمن وقع في شِدَّةٍ واستمرَّ فيها، فلا يبعدُ أن يكون فيه إشارةٌ إلى خلودهم في العذاب، وأَمْرُ التراخي الرُّتَبي عليه ظاهرٌ أيضاً؛ لظهور أنَّ الخلودَ في النار الكبرى أفظعُ من دخولها وصَلْيها . واعلم أنَّ عدم الموت في النار - على ما صرَّح به غيرُ واحدٍ - مخصوصٌ بالكَفَرة، وأما عصاةُ المؤمنين الذين يدخلونها، فيموتون فيها، واستُدلَّ لذلك بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد عن النبيِّ ◌َّهِ: ((أما أهلُ النار الذين هم أهلُها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيَوْن، ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فأماتهم الله تعالى إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْماً أُذِنَ في الشفاعة، فجِيءَ (١) رقم (٨٩٢١). الآية : ١٣ ٤٧٩ سُؤَدَةُ الأَعَلى بهم ضَبائِرَ ضبائر، فَبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء، فينبتون نباتَ الحِبَّة في حَميل السيل))(١) . قال الحافظ ابن رجب: إنه يدلُّ على أنَّ هؤلاء يموتون حقيقةً، وتفارقُ أرواحُهم أجسادهم (٢) . وأُيِّدَ بتأكيد الفعل بالمصدر في قوله عليه الصلاة والسلام: ((فأماتهم الله تعالى إماتةً)) وأظهرُ منه ما أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ أدنى أهل الجنة حظًا - أو نصيباً - قومٌ يُخرجهم الله تعالى من النار، فيرتاحُ لهم الرَّبُّ تبارك وتعالى، وذلك أنهم كانوا لا يُشركون بالله تعالى شيئاً، فيُنبَذون بالعراء، فينبتون كما ينبتُ البقل، حتى إذا دخلتِ الأرواحُ أجسادهم فيقولون: ربّنا كما أخرجتنا من النار وأرجعتَ الأرواحَ إلى أجسادنا، فاصرفْ وجوهنا عن النار، فَيَصْرِفُ وجوههم عن النار))(٣). وهذه الإماتةُ - على ما اختاره غيرُ واحدٍ - بعدَ أن يذوقوا ما يستحقُّونه من عذابها بحَسَبٍ ذنوبهم كما يُشعِرُ به حديثُ مسلم، وإبقاؤهم فيها مَيِّتين إلى أن يُؤْذَنَ بالشفاعة لإيجابِه تأخيرَ دخولهم الجنةَ تلك المدَّة كان تتمَّة لعقوبتهم بنوعٍ آخر، فتكونُ ذنوبهم قد اقتضت أن يُعذَّبوا بالنار مدَّةً ثم يُحبَسوا فيها من غير عذابٍ مُدَّةً، فهم كَمَنْ أذنبَ في الدنيا ذنباً، فَضُرِبَ وحُبِسَ بعد الضرب جزاءً لذنبه، ولم يبقوا أحياءً فيها من غير عذابٍ كخزنتها، إما ليكونَ أبعدَ عن أن يهولهم رؤيتها، أو لتكونَ الإماتةُ وإخراجُ الروحِ من تتمَّةِ العقوبة أيضاً. (١) صحيح مسلم (١٨٥)، وهو عند أحمد (١١٠٧٧). الحِبة بالكسر: بزور البقول وحب الرياحين، وأما الحَبَّة بالفتح: فهي الحنطة والشعير ونحوهما، وحميل السيل: هو ما يجيء به السيل من طين وغثاء ونحوهما، فإذا اتفقت فيه حِبةٌ واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة، فشبّه به سرعة عَوْد أبدانهم وأجسامهم إليها بعد إحراق النار لها . النهاية (حبب) و(حمل). (٢) التخويف من النار لابن رجب ص ١٨٩ . (٣) كشف الأستار (٣٥٥٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٠٠/١٠: رواه البزار ورجاله ثقات. : . سُورَةُ الأَعَلى ٤٨٠ الآية : ١٤ وقال القرطبيُّ: يجوز أن تكون إماتتهم عند إدخالهم فيها، ويكونُ إدخالهم وصَرْفُ نعيم الجنة عنهم مُدَّةَ كونهم فيها عقوبةً لهم كالحبس في السجن بلا غلِّ ولا قيدٍ مثلاً، ويجوز أن يكونوا متألِّمين حالةَ موتهم نحو تألُّم الكافر بعد موته وقبل قيام الساعة، ويكون ذلك أخفّ من تألُّمهم لو بَقُوا أحياء، كما أنَّ تألُّمَ الكافر بعد موته في قبره أخفُّ من تألَّمه إذا أُدخل النار بعد البعث. وهو كما ترى. وفي ((مطامح الأفهام))(١) يجوز أن يُرادَ بالإماتة المذكورة في الحديث: الإنامة، وقد سمَّى الله تعالى النومَ وفاةً؛ لأنَّ فيه نوعاً من عدم الحِسِّ، وفي الحديث المرفوع ((إذا أدخلَ الله تعالى الموحِّدين النارَ أماتهم فيها، فإذا أراد سبحانه أن يخرجوا أَمَسَّهم العذابَ تلك الساعة)»(٢) انتهى. والمعوَّل عليه ما ذكرناه أولاً والله تعالى أعلم. ﴿قَدّ أَفَحَ﴾ أي: نجا من المكروه وظفر بما يرجوه. ﴿مَنْ تَزََّى ﴾﴾ أي: تطهَّرَ من الشرك بتذكُّره واتِّعاظه بالذكرى، وحَمْلُهُ على ذلك مرويُّ عن ابن عباس وغيره، وأخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبيِّ نَّهِ أنه قال في ذلك: ((مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلا الله، وخَلَعَ الأنداد، وشَهِدَ أني رسول الله))(٣). واعتبر بعضُهم أمرين فقال: أي: تطّر من الكفر والمعصية. وعليه يجوزُ أن يكونَ ما تقدَّم من باب الاقتصار على الأهم. وقيل: تزَّى، أي: تكثَّر من التقوى والخشية، من الزكاء وهو النماء. وقيل: تطهّر للصلاة. (١) مطامح الأفهام في شرح الأحكام للقاضي عياض. كشف الظنون ١٧١٨/٢. (٢) ذكره الديلمي في الفردوس ٢٥٢/١ من حديث أبي هريرة ظه، وفي إسناده الحسن بن علي بن راشد، ذكره الذهبي في الضعفاء. ينظر أسنى المطالب لمحمد بن السيد درويش ص٢٨، والمغني في الضعفاء للذهبي ص ١٦٢ . (٣) الدر المنثور ٣٣٩/٦، وهو في كشف الأستار (٢٢٨٤).، وفي إسناده عباد بن أحمد العرزمي، وهو متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٧/٧ .