Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٢
٣٢١
سُورَةٌ عَلَسَ
وروي عنه أنه قال: لا يبقى يومئذٍ نجمٌ إلا سقط في الأرض.
وعنه أيضاً: أنَّ النجوم قناديلُ معلقةٌ بين السماء والأرض بسلاسلَ من نورٍ
بأيدي ملائكةٍ من نور، فإذا مات من في السماوات والأرض تساقطت من
أيديهم(١). وظاهرُ هذا أنَّ النجوم ليست في جرم أفلاك لها كما يقول الفلاسفة
المتقدِّمون، بل معلَّقةٌ في فضاءٍ، ويقرُبُ منه من وجهٍ قولُ الفلاسفة المحدثين،
فإنهم يقولون بكونها في فضاءٍ أيضاً، لكنْ بقوّى متجاذبةٍ لا معلَّقةً بسلاسلَ بأيدي
ملائكةٍ، وليس وراء ما يشاهَد منها إلا سماءٌ بمعنى جهة علوٍّ، لا سماءٌ بالمعنى
المعروف، وإنْ صحَّ خبر الحبر(٢) - وهو في حكم المرفوع - لم نَعْدِلْ عن ظاهره
إلا إن ظهر استحالتُه، وهيهاتَ ذلك، وحينئذٍ فالأمرُ سهلٌ، وقد ذكر بعض
المتألِّهين أنَّ الملائكة قد تطلَقُ على الأرباب النورية كما في خبرٍ: إنَّ لكلِّ شيءٍ
ملكاً، وإن كلَّ قطرةٍ من قطرات المطر ينزل معها ملكٌ(٣). وخبر: ((أتاني مَلَكُ
الجبال ومَلَكُ البحار)»(٤)، وتسمَّى المثلَ الأفلاطونية، وهي أنوارٌ مجرّدةٌ
قائمةٌ بنفسها، مدبِّرة بإذن الله تعالى للمربوبات حافظةٌ إياها، وهي المنمِّية والغاذيةُ
والمولِّدة في النباتات والحيوانات. ويقال في السلاسل: إنه أريدَ بها القُوى التي
بها حِفْظُ الأوضاع، أو نحوُ ذلك.
وقيل: انكدرت تغيّرت وانطمس نورُها كما هو الرواية الأخرى عن ابن عباس،
من: كَدَرْتُ الماء فانكدر، ففيه تشبيهُ انطماسِ نورِها بتكدُّر الماء الذي لا يبقى معه
صفاؤه ورونقُ منظره، وتكون هي حينئذٍ على ما في بعض الآثار مع عَبَدتها في
النار.
(١) ذكره عن ابن عباس القرطبي ٩٤/٢٢، وأبو السعود ١١٤/٩ وعنه نقل المصنف. وذكره
الواحدي في الوسيط ٤٢٨/٤، والرازي في مفاتيح الغيب ٦٧/٣١، والنيسابوري في غرائب
القرآن ٣٤/٣٠ عن عطاء. وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) والضعف عليه ظاهر، وقد ذكره المصنف ٦٨/٢٣ عن الكلبي وقال: ولا أراه إلا حديث
خرافة. وذكره أيضاً ٨/٢٩ عن عطاء وتعقبه بأنه لا يكاد يصح.
(٣) لم نقف عليه، وسلف ١/ ٤٨١.
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وينظر ما سلف ١/ ٤٨١-٤٨٢.
:

سُؤَةٌ عَلَسِ
٣٢٢
الآية : ٣ - ٤
وظاهرٌ أنَّ النجوم لا تشملُ الشّمس، وقيل: تشملُها، وذِكْرُها بعدها تعميمٌ بعد
تخصيصٍ، فلا تغفل.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُِّرَتْ
أي: أُزيلت عن أماكنها من الأرض بالرجفة الحاصلةِ،
٣
على أنَّ التسيير مجازٌ عن ذلك. وقيل: سيِّرتْ بعد رَفْعِها في الجوِّ، كما قال
تعالى: ﴿وَتَرَى الَِْالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. وهذا إنما يكون
بعد النفخة الثانية.
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ﴾ جمع عُشَراء كنِفَاسٍ جمع نُفَساء، وهي الناقة التي أتى عليها من
يوم أُرسل فيها الفحل عشرةُ أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمَها حتى تضع، وقد يقال
لها ذلك بعدما تضع أيضاً، وهي أنفسُ ما يكون عند أهلها، وأعزُّ شيء عليهم.
﴾ تُركت مهملةً لا راعيّ لها ولا طالب. وقيل: عطّلها أهلها عن
﴿ُطِلَتْ
٤
الحلب والصرِّ. وقيل: عن أن يُرسَلَ فيها الفحول. وذلك إذا كان قُبيل قيام
القيامة؛ لاشتغال أهلها بما عراهم مما يكون إذ ذاك.
وقيل: إنَّ هذا التعطيلَ يومَ القيامة؛ فقال القرطبي: الكلامُ على التمثيل؛ إذ
لا عِشَارَ حينئذٍ، والمعنى: أنه لو كانت عشارٌ لعطّلها أهلُها واشتغلوا بأنفسهم(١) .
وقيل: على الحقيقة، أي: إذا قاموا من القبور وشاهدوا الوحوش والأنعام
والدوابَّ محشورةً ورأوا عِشَارهم التي كانت كرائمَ أموالِهم فيها لم يعبؤوا بها
لشغلهم بأنفسهم. وهو كما ترى.
وقيل: المراد بالعشار السحابُ، على تشبيه السحابة المتوقَّع مطرُها بالناقة
العُشَراء القريبٍ وضعُ حملها، وفيه استعارةٌ لطيفةٌ مع المناسبة التامَّة بينه وبين
ما قبله، فإنَّ السحب تنعقد على رؤوس الجبال وتُرى عندها. ولا ينافيه كونُه مناسباً
لِمَا بعده على الأول، فإنه معنّى حقيقيٍّ مرجَّحٌ بنفسه. وتعطيلُها مجازٌ عن عدم
ارتقاب مطرها؛ لأنهم في شغلٍ عنه. وقيل: عن عدم إمطارها.
وقيل: هي الديارُ تعطّل فلا تُسْكَنُ.
(١) تفسير القرطبي ٩٥/٢٢-٩٦، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٨/ ٤٣٢.

الآية : ٥
٣٢٣
سُورَةٌ عَلَسَ
وقيل: الأرض التي يُعشَّر زَرْعُها، تعظَّلُ فلا تُزرع.
وقرأ مضرٌ عن اليزيدي: ((عُطِلَتْ)) بالتخفيف والبناء للمجهول(١)، ونقله في
((اللوامح) عن ابن كثير، ثم قال: هو وهمٌ، إنما هو عَطَلَتْ بفتحتين بمعنى تعطّلت؛
لأنَّ تشديده للتعدية؛ يقال: عطّلتُ الشيءَ وأعطلتُه فعَطَلَ بنفسه، وعَطَلتِ المرأةُ
فهي عاطل: إذا لم يكن عليها حليٍّ، فلعل هذه القراءة لغةٌ استوى فيها فَعَلت
وأَفْعَلت، أي: في التعدِّي(٢). وقيل: الأظهر أنه عدِّي بالحرف، ثم حُذِفَ وأُوْصِلَ
الفعل بنفسه .
﴿وَإِذَا الْمُحُوشُ﴾ جمعُ وحشٍ، وهو حيوانُ البرِّ الذي ليس في طبعه التأنُّسُ بيني
آدم، والمراد به ما يعمُّ البهائم مطلقاً .
﴾ أي: جُمعت من كلِّ جانبٍ، وذلك قُبيلَ النفخة الأولى حين
﴿حُشِرَتْ
تخرج نارٌ تفرُّ الناس والأنعام منها حتى تجتمعَ.
وقيل: أُميتتْ، من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس(٣): حشرتهم. ونحوُه
ما أخرج عبد بن حميد عن مجاهدٍ أنه قال: حَشْرُها موتُها (٤).
وعن ابن عباس تفسير الحشر بالجمع، إلا أنه قال كما أخرجه جماعةٌ وصححه
الحاكم: جُمِعتْ بالموت، فلا تُبعث ولا يحضر في القيامة غير الثقلين(٥).
(١) البحر ٤٣٢/٨، واليزيدي هو يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو محمد العدوي البصري،
وعرف باليزيدي لصحبته يحيى بن منصور الحميري خال المهدي، توفي سنة (٢٠٢هـ).
ومضر لعله مضر بن محمد بن خالد، أبو محمد الضبي الأسدي الكوفي، روى الحروف عنه
ابن مجاهد وابن شنبوذ وغيرهم. طبقات القراء لابن الجزري ٢٩٩/٢ و٣٧٥.
(٢) البحر ٨/ ٤٣٢، وذكرها عن ابن كثير أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٩.
(٣) أي: أهلكتهم واستأصلتهم. المغرب للمطرزي (جحف)، وحاشية الشهاب ٣٢٧/٨.
(٤) الدر المنثور ٣١٩/٦.
(٥) الدر المنثور ٣١٩/٦، وهو في المستدرك ٢/ ٥١٥، وأخرجه أيضاً الطبري ١٣٦/٢٤،
ولفظه عندهم: حَشْرُ البهائم موتها، وحَشْرُ كلِّ شيءٍ الموت غير الجن والإنس،
فإنهما يوقفان يوم القيامة. ونقل المصنف لفظه عن البحر ٤٣٢/٨ .

سُوْرَةُ عَبَسِ
٣٢٤
الآية : ٥
وقيل: بُعثت للقصاص، فيحشرُ كلُّ شيءٍ حتى الذباب. وروي ذلك عن ابن
عباس أيضاً(١)، وعن قتادة وجماعةٍ.
وفي روايةٍ عن الحبر: تُحشر الوحوش حتى يُقتصَّ من بعضها لبعضٍ، فيقتصُّ
للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقال لها: موتي، فتموت(٢).
وقيل: إذا قُضي بينها رُدَّتْ تراباً، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرورٌ لبني آدم
وإعجابٌ بصورته، كالطاووس والظبي.
وقيل: يبقى كلُّ ما لم يَنتفع به إلا المؤمنُ، كشاةٍ لم يأكل منها إلا هو، ويدخل
ما يبقى الجنةَ على حالٍ لائقةٍ بها.
وذهب كثيرٌ إلى بعث جميع الحيوانات ميلاً إلى هذه الأخبار ونحوها؛ فقد
أخرج مسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله صلّه:
(لتؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يومَ القيامة، حتى يُقاد للشاة الجمَّاء من الشاة القَرْناء))(٣)
وزاد أحمد بن حنبل: ((وحتى الذرَّةُ من الذرّةِ»(٤).
ومال حجة الإسلام الغزالي وجماعةٌ إلى أنه لا يحشر غيرُ الثَّقْلَيْنِ لعدم كونه
مكلَّفاً، ولا أهلاً للكرامة بوجهٍ، وليس في هذا الباب نصٌّ من كتابٍ أو سنَّةٍ معوَّلٍ
عليها يدلُّ على حشر غيرهما من الوحوش، وخبر مسلم والترمذيِّ وإن كان صحيحاً
لكنه لم يخرج مخرجَ التفسير للآية، ويجوز أن يكون كنايةً عن العدل التامِّ. وإلى
هذا القول أميلُ، ولا أجزمُ بخطأ القائلين بالأول، لأنَّ لهم ما يَصْلحُ مستنداً في
الجملة، والله تعالى أعلم.
وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون: ((حشِّرتْ)) بالتشديد(٥) للتكثير.
(١) أخرجه عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣١٩/٦.
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٢/ ٩٧، وقال: وهذا أصح مما رواه عنه عكرمة. ويعني بما رواه
عنه عكرمة ما أخرجه الحاكم وجماعةٌ عنه، وسلف تخريجه ولفظه قريباً .
(٣) صحيح مسلم (٢٥٨٢)، وسنن الترمذي (٢٤٢٠).
(٤) مسند أحمد (٨٧٥٦).
(٥) القراءات الشاذة ص١٦٩، والبحر ٤٣٢/٨.

الآية : ٦ - ٧
٣٢٥
سُوْلَةٌ عَبَسَ
أي: أُحْمِيتْ بأنْ تغيضَ مياهُها، وتَظْهِرَ النارُ في
وَإِذَا الْبِحَارُ سُچِرَتْ
مكانها، ولذا ورد على ما قيل: إنَّ البحر غطاءُ جهنم.
أو: ملئت بتفجير بعضها إلى بعض، حتى يكون مالحها وعَذْبُها بحراً واحداً،
من سَجَر التنور: إذا ملأه بالحطب ليُحْمِيَه.
وقيل: مُلئت نيراناً تضطرمُ لتعذيب أهل النار.
وقيل: ملئت تراباً تسويةً لها بأرض المحشر. وليس له مستندُ أثرٍ عن
السلف.
ونقل في ((البحر)) عن كتاب ((لغات القرآن)) أن ((سجِّرت)) بمعنى جُمعت بلغة
خثعم (١)، ولعل جمعها عليه بالتفجير.
وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى: مُلِكَتْ وقيِّد اضطرابها حتى لا تخرج
عن الأرض من الهول، فيكون ذلك مأخوذاً من ساجور الكلب(٢)، وهو خشبةٌ
تجعل في عنقه، ويقال: سجره، إذا شدَّه به.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((سُجِرتْ)) بالتخفيف(٣).
أي: قُرِنتْ كلُّ نفسٍ بشكلها؛ أخرج جماعةٌ منهم
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
الحاكم وصحَّحه عن النعمان بن بشير عن عمر به أنه سئل عن ذلك، فقال: يُقْرَنُ
الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويُقْرَنُ الرجل السوءُ مع الرجل السوء
في النار، فذلك تزويجُ الأنفس(٤). وفي حديثٍ مرفوعٍ رواه النعمان أيضاً ما يقتضي
ظاهرُه ذلك(٥).
(١) البحر ٨/ ٤٣٢.
(٢) المحرر الوجيز ٤٤٢/٥ .
(٣) التيسير ص٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٤) الدر المنثور ٣١٩/٦، وهو في المستدرك ٥١٥/٢-٥١٦، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٤/
١٤١-١٤٢، والحافظ في تغليق التعليق ٣٦٢/٤.
(٥) أخرجه ابن مردويه كما ذكر الحافظ في الفتح ٦٩٤/٨، وقال: والأول - يعني خبر عمر - هو
المحفوظ .

سُورَةٌ عَبَسِ
٣٢٦
الآية : ٨
وقال بعضٌ: هذا في الموقف، أن يُقْرَنَ بين الطبقات: الأنبياء ثم الأولياء ثم
الأمثل فالأمثل.
وقال مقاتل بن سليمان: تُقرن نفوس المؤمنين بأزواجهم من الحور وغيرهنَّ،
ونفوسُ الكافرين بالشياطين.
وقيل: تُقرن كلُّ نفسٍ بكتابها. وقيل: بعملها.
وجوِّز أن يراد: تُقْرَنُ كلُّ نفسٍ بخصمها فلا يمكنها الفرارُ منه. وأنت تعلم أنَّ
كون كلِّ نفسٍ ذا خصمٍ بيِّنَ الانتفاء.
وأيَّاما كان فالنفسُ بمعنى الذات، والتزويجُ جَعْلُ الشيء زوجاً، أي: مقارناً.
وقال عكرمة والضحاك والشعبي: تُقرن النفوس بأزواجها، وذلك عند البعث.
والنفسُ عليه بمعنى الروح.
وقرأ عاصم: ((زُوْوِجتْ)) على فُوْعِلَتْ(١).
﴿وَإِذَا الْمَوْهُودَةُ﴾ وهي البنت التي تُدفن حيَّةً، من الوَأْد: وهو الثِّقل، كأنها
سمِّيت بذلك لأنها تُثْقَلُ بالتراب حتى تموت. وقيل: هو مقلوبُ الأوْدِ، وحكاه
المرتضى في ((درره) عن بعض أهل اللغة(٢)، وهو غير مرتضى عند أبي حيان(٣).
وكانت العرب تئِدُ البنات مخافةَ لُحوقِ العار بهم من أجلهنَّ، وقيل: مخافةً
الإملاق، ولعله بالنسبة إلى بعضهم، ومنهم مَن يقول: الملائكةُ بناتُ الله، سبحانه
عمَّا يقولون، فألحقوا البناتِ به تعالى، فهو عزَّ وجلَّ أحقُّ بهنَّ.
وذكر غيرُ واحدٍ أنه كان الرجل منهم إذا ولدتْ له بنتٌ فأراد أن يستحييها
ألبسها جبَّةً من صوفٍ أو شعرٍ تَرْعَى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها
تركها، حتى إذا كانت سداسية(٤) فيقول لأمها: طيِّبيها وزيِّنيها حتى أذهب بها إلى
(١) المحرر الوجيز ٤٤٢/٥، والبحر ٤٣٣/٨، وهي خلاف المشهور عن عاصم.
(٢) ينظر أمالي المرتضى المسماة غرر الفوائد ودرر القلائد ٢٨٢/٢، ونقله المصنف بواسطة
الشهاب في الحاشية ٣٢٧/٨. وينظر الكشاف ٢٢٢/٤.
(٣) في البحر ٤٣٣/٨.
(٤) في هامش الأصل: بلغت قامتُها سنَّةً أشبار.

الآية : ٨
٣٢٧
سُؤَةُ عَبَسَ
أحمائها. وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها .
ثم يدفعُها مِن خَلْفِها ويُهيل عليها الترابَ حتى تستويَ البئرُ بالأرض.
وقيل: كانت الحامل إذا أَقْرَبَتْ (١) حَفَرتْ حفرةً فتمخَّضتْ على رأس الحفرة،
فإذا وَلَدتْ بنتاً رمتْ بها فيها، وإن ولدتْ ابناً حبسته.
ورأيتُ إذ أنا يافعٌ في بعض الكتب أنَّ أول قبيلةٍ وأَدَتْ من العرب ربيعةُ، وذلك
أنهم أُغِيرَ عليهم، فنُهبت بنتٌ لأميرٍ لهم، فاستردَّها بعد الصلح، فخيِّرتْ برضّى منه
بين أبيها ومَن هي عنده، فاختارت مَن هي عنده وآثرته على أبيها، فغضب وسنَّ
لقومه الوأدَ، ففعلوه غيرةً منهم ومخافةَ أنْ يقع لهم بعدُ مثلُ ما وقع، وشاع في
العرب غيرهم، والله تعالى أعلم بصحة ذلك.
وقرأ البزّي في روايةٍ: ((المؤودة)) كمعونة، فاحتَمَلَ أن يكون الأصل ((الموؤودة»
كقراءة الجمهور، فنقل حركة الهمزة إلى الواو قبلها وحذفت، ثم هُمزت تلك
الواو. واحتمل أن يكون اسمَ مفعولٍ من آد، والأصل: المأوودة، فحذف أحد
الواوين فصارت ((المؤودة)) كما حذف من مَقْؤُول فصار مقولاً(٢).
وقرئ: ((المؤُودة)) بضمِّ الواو الأولى وتسهيل الهمزة، أعني التسهيلَ بحَذْفِها،
ونَقْلِ حركتها إلى ما قبلها(٣).
وفي ((مجمع البيان)) والعهدةُ عليه: روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله وابن
عباس رِّ أنهم قرؤوا: ((المودَّة)) بفتح الميم والواو، والمراد بها الرَّحِمُ والقرابةُ،
وعن أبي جعفر: قرابةُ الرسول وَيَ(٤). ويراد بقتلها قَطْعُها، أو هو على حقيقته
والإسناد مجازيٌّ، والمراد قتلُ المتصف بها .
وتوجيه السؤال إلى ((الموؤودة)) في قوله تعالى: ﴿سُِّلَتْ (جَ بِأَتِ ذَتْبٍ قُئِلَتْ
٩
دون الوائد مع أنَّ الذنب له دونها لتسليتها وإظهارٍ كمال الغيظ والسخط لوائدها،
(١) أي: قَرُبَ وِلادُها، فهي مُقْرِب. القاموس (قرب).
(٢) البحر ٤٣٣/٨، وهذه القراءة هي خلاف المشهور عن البزي.
(٣) البحر ٤٣٣/٨، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٢/٥ عن البزي.
(٤) مجمع البيان ٤٥/٣٠ و٤٦ .

سُورَةٌ عَبَسِ
٣٢٨
الآية : ٨
وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغةِ في تبكيته، فإنَّ المجنيَّ عليه إذا سئل بمحضر
الجاني ونُسبت إليه الجنايةُ دون الجاني كان ذلك بعثاً للجاني على التفكّر في حال
نفسه وحالِ المجنيِّ عليه، فيرى براءةَ ساحته، وأنه هو المستحقُّ للعتاب والعقاب،
وهذا نوعٌ من الاستدراج واقعٌ على طريق التعريض، كما في قوله تعالى: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦].
وقرأ أبيٍّ وابن مسعود والربيع بنُ خثيم وابن يعمر: ((سَأَلتْ))(١)، أي: خاصَمَتْ،
أو: سألت الله تعالى، أو قاتِلَها، وإنما قيل: ((قُتِلَتْ)) لِمَا أنَّ الكلام إخبارٌ عنها
لا حكايةٌ لِمَا خُوطبت به حين سئلت ليقال: قُتِلْتِ على الخطاب، ولا حكايةٌ لكلامها
حين سألت ليقال: قُتِلْتُ على الحكاية عن نفسها، وقد قرأ كذلك عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه وابن عباس وابن مسعود أيضاً وجابرُ بن زيد وأبو الضحى ومجاهد(٢).
وقرأ الحسن والأعرج: ((سيلت)) بكسر السين، وذلك على لغةٍ مَن قال: سال:
بغير همزٍ(٣).
وقرأ أبو جعفر بشدِّ الياء(٤)؛ لأن الموؤودة اسمُ جنسٍ فناسَبَ التكثيرَ باعتبار
الأشخاص.
وفي الآية دليلٌ على عظم جناية الوأد، وقد أخرج البزَّار والحاكم في الكنى
والبيهقيُّ في ((سننه)) عن عمر بن الخطاب ظُه أنه قال: جاء قيس بن عاصم
التميميُّ إلى رسول اللهِوَ ﴿ فقال: إنِّي وَأَدْتُ ثمان بناتٍ لي في الجاهلية. فقال
النبيُّ وَهِ: ((أَعْتِقْ عن كلِّ واحدةٍ رقبةً)) قال: إنِّي صاحبُ إبلٍ. قال: ((فاهْدٍ عن كلِّ
واحدةٍ بَدَنةً»(٥) وكأن الأمر للندب، لا للوجوب؛ لتوقّف صحة التوبة عليه، فإنَّ
(١) البحر ٤٣٣/٨، وقد قرأ بها غيرهم كما سيرد، ولكن اختلفوا في ((قتلت))، فقرأ هؤلاء
كقراءة الجماعة، وقرأ غيرهم: ((قُتلْتُ)) بسكون اللام وضم التاء كما سيرد أيضاً.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٩، والبحر ٤٣٣/٨.
(٣) المحرر الوجيز ٤٤٢/٥، والبحر ٤٣٣/٨، والكلام منه.
(٤) النشر ٣٩٨/٢.
(٥) الدر المنثور ٣٢٠/٦، وهو في مسند البزار (٢٣٧)، وسنن البيهقي الكبرى ١١٦/٨.

الآية : ٨
٣٢٩
سُوَلاَ عَلَسَ
الإسلام يجبُّ ما قبله من مثل ذلك، وفيه تعظيمُ أمر الوأد، وكان من العرب مَن
يستقبحُه كصعصعةَ بنِ ناجية المجاشعيِّ جدِّ الفرزدق، كان يفتدي الموؤدات من
قومه بني تميم، وبه افتخر الفرزدق في قوله :
وجدِّي(١) الذي منع الوائدات فأحيا الوثيدَ فلم يُوادٍ (٢)
وأخرج الطبراني عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي عملتُ أعمالاً في
الجاهلية، فهل فيها من أجرٍ؟ أحييتُ ثلاث مئةٍ وستين من الموؤدة، أشتري كلَّ
واحد منهنَّ بناقتين عشراوين وجملٍ، فهل لي في ذلك من أجرٍ؟ فقال النبيُّ وَلاته:
(لك أجره إذ منَّ الله تعالى عليك بالإسلام))(٣) ..
وعُدَّ من الوأد العزلُ، لِمَا أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذيُّ
والنسائيُّ وابنُ ماجه والطبرانيُّ وابن مردويه عن جُذَامةً بنتِ وَهْبٍ قالت: سئل
رسول الله وَ﴿ عن العزل فقال: ((ذلك الواد الخفي)) (٤) ومن هنا قيل بحرمته.
وأنت تعلم أن المسألة خلافيةٌ، فقد قال الإمام النوويُّ في ((شرح صحيح
مسلم))(٥): العزل - وهو أن يجامع فإذا قارَبَ الإنزالَ نَزَعَ وأنزل خارج الفَرْجِ - مكروهٌ
عندنا في كلِّ حالٍ وكلِّ امرأةٍ سواءٌ رضيتْ أم لا؛ لأنه طريقٌ إلى قَطْعِ النسل،
وأما التحريم فقد قال أصحابنا - يعني الشافعية -: لا يَحْرُمُ في مملوكته ولا في
زوجته الأمَةِ سواءٌ رضيتْ أم لا؛ لأن عليه ضرراً في مملوكته بمصيرها أمَّ ولدٍ
(١) في هامش الأصل: ومنا في روايةٍ. اهـ. وهي رواية الديوان على ما يأتي.
(٢) ديوان الفرزدق ١/ ١٧٣ .
(٣) المعجم الكبير (٧٤١٢)، وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء ٢٢٨/٢. قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٩٥/١: فيه الطفيل بن عمرو التميمي، قال البخاري: لا يصح حديثه. وقال
العقيلي: لا يتابع عليه.
(٤) مسند أحمد (٢٧٤٤٧)، وصحيح مسلم (١٤٤٢)، وسنن أبي داود (٣٨٨٢)، وسنن
الترمذي (٢٠٧٧)، وسنن النسائي ١٠٦/٦-١٠٧، وسنن ابن ماجه (٢٠١١)، والمعجم
الكبير ٥٣٥/٢٤. والمذكور قطعة من الحديث، وهي لم ترد في رواية أبي داود والترمذي
والنسائي.
(٥) ٩/١٠.

سُوْدَةُ عَبَسَ
٣٣٠
الآية : ٩
وامتناعِ بيعها، وعليه ضرر في زوجته الرقيقةِ بمصير ولده رقيقاً تبعاً لأمه، وأمَّا
زوجتُه الحرَّةُ فإنْ أذِنَتْ فيه لم يَحْرُمْ، وإلا فوجهان أصحُّهما: لا يحرم. ثم
الأحاديث التي ظاهرها التعارُض في هذا المطلب يجمع بينها بأنَّ ما ورد منها في
النهي محمولٌ على كراهة التنزيه، وما ورد في الإذن في ذلك محمولٌ على أنه ليس
بحرامٍ، وليس معناه نفيَ الكراهة. انتهى.
وأجيب على الحديث السابق بأنَّ تسميته بالوأد الخفيِّ لا يدلُّ على أنَّ حُكْمه
حُكْمُ الوأد الظاهر، فقد صحَّ أن الرياء شرٌ خفيٍّ، ولم يقل أحدٌ بأنَّ حُكْمَه حُكْمُه.
ولا يَبعدُ أن يكون الاستمناء باليد كالعزل وأداً خفيًّا، وذكر بعضهم أنه إذا لم
يَخْشَ الزنا حرامٌ، وإن خشي لم يَحْرُم، وكذا لا يبعدُ أن يكون التفخيذ مع مَن يَحِلُّ
له وَظْؤُها كذلك، ولم أرَ قائلاً بحرمته، وتمامُ الكلام في هذا المقام في كتب الفقه
فلتراجع.
واستدلَّ الزمخشريُّ(١) بالآية على أنَّ أطفال المشركين لا يعذَّبون، وعلى أنَّ
العذاب لا يستحقُّ إلا بالذنب:
أمَّا الأول: فلأنَّ تبكيت قاتلها يباينُ تعذيبها؛ لأنَّ استحقاقَ التبكيت لبراءتها
من الذنب، فمتى بكَّت سبحانه الكافر ببراءتها من الذنب كيف يكرُّ سبحانه عليها
فيفعلُ بها ما يُنْسَى عنده فعلُ المبكَّت من العذاب السرمد(٢)؟
وأما الثاني: فالإشارةِ قوله تعالى: (ِأَتِّ ذَلْبٍ قُئِلَتْ) إلى أنَّ القتل إنما يُصار إليه
بذنبٍ، وأنه لا يستحسَنُ ارتكابُه دونه، ومعلومٌ أنَّ في معناه كلَّ تعذيبٍ، ثم الآية لمّا
دلَّت على أنَّ الموؤدة لا ذنبَ لها ليتمَّ التبكيتُ تضمَّنتْ عدمَ استحقاقها العقاب.
وزَعَم (٣) أنَّ ابن عباس سئل عن ذلك فاحتجَّ بهذه الآية.
(١) في الكشاف ٤/ ٢٢٢.
(٢) في (م): السرمدي.
(٣) يعني الزمخشري، والتعليل الثاني لم يذكره الزمخشري، ولعل المصنف رحمه الله ينقل من
بعض حواشي الکشاف.

الآية : ٩
٣٣١
سُوَلاَ عَبَسِ
وتعقّب بأنَّ مبنى ما ذكره التحسينُ والتقبيح، وقد بيِّن ما فيهما في موضعه، وعلى
التسليم نمنعُ انحصارَ سبب التبكيت في البراءة، على أنَّ القتل للباعث المذكور في
القرآن بمعنى خشية الإملاق رذيلةٌ يُستحَقُّ بها التبكيت، اسْتَحَقَّ بها المقتولُ التعذيبَ
الأخرويَّ أوْ لا، وإشارةُ الآية على أنَّ باعثهم على القتل لم يكن الذنبَ، لا إلى أنَّ
الذنبَ - أعني ما تستحقُّ به الموؤدةُ التعذيب - معدومٌ من كلِّ وجهٍ.
وما رُوي عن ابن عباس لا نسلِّم صحته، وفي الأخبار ما ينافيه؛ أخرج الإمام
أحمد والنسائيُّ وغيرُهما عن سلمةَ بنِ يزيد الجُعْفِيِّ عن رسول الله وَلَّ أنه قال:
((الوائدةُ والموؤدةُ في النار إلا أن تدرك الوائدةُ الإسلام فيعفو الله تعالى عنها))(١).
وأخرج البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائيُّ عن ابن عباس قال: سئل
رسول الله وَ﴿ عن أولاد المشركين، فقال: ((الله تعالى إذ خلقهم أعلمُ بما كانوا
عاملين))(٢) وتفسيره - على ما قيل - ما رَوَى أبو داود عن عائشة: قلت: يا رسول الله،
ذراريُّ المؤمنين؟ فقال: ((من آبائهم)) قلت: بلا عملٍ؟ قال: ((اللهُ تعالى أعلمُ
بما كانوا عاملين)) قلت: يا رسول الله، فذراريُّ المشركين؟ فقال: ((من آبائهم))
قلت: بلا عملٍ؟ قال: ((الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين))(٣).
وفي مسند الإمام أحمد: سألتْ خديجةُ عن ولدين ماتا لها (٤) في الجاهلية؟
فقال رسول الله وَطاهر: ((هما في النار))(٥).
(١) مسند أحمد (١٥٩٢٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٥٨٥) وهذا الحديث في متنه نكارة،
وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٢) صحيح البخاري (١٣٨٣)، وصحيح مسلم (٢٦٦٠)، وسنن أبي داود (٤٧١١)، وسنن
النسائي ٥٨/٤ .
(٣) سنن أبي داود (٤٧١٢).
(٤) في الأصل و(م) بدل ((ماتا لها)): ما بالهما، وهو تصحيف.
(٥) مسند أحمد (١١٣١)، وهو من زيادات عبد الله بن أحمد على المسند، وفي إسناده محمد بن
عثمان، قال الذهبي في الميزان ٣/ ٦٤٢: لا يُدرى من هو، فتشت عنه في أماكن، وله خبر
منكر، ثم ساق هذا الحديث. وقال ابن الجوزي في جامع المسانيد كما في كنز العمال
٥١٢/٢: في إسناده محمد بن عثمان لا يقبل حديثه، ولا يصح في تعذيب الأطفال حديث.

الآية : ٩
٣٣٢
سُؤَةُ عَبَسِ
وأنت تعلم أنَّ في مسألة الأطفال من هذه الحيثية ما عدا أطفال الأنبياء عليهم
السلام - فإنهم أُجمِعَ على كونهم من أهل الجنة كما قال اللقاني - خلافاً، فقد قال
الإمام النوويُّ في ((شرح صحيح مسلم))(١): أجمع مَن يُعتدُّ به من علماء المسلمين على
أنَّ مَن مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة؛ لأنه ليس مكلَّفاً، وتوقَّفَ فيه
بعضُ مَن لا يعتدُّ به؛ لحديثِ عائشةَ: توفِّي صبيٍّ من الأنصار، فقالت: طوبى له
عصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يدركه. قال ◌َّ: ((أَوَ غيرَ ذلك
يا عائشة، إنَّ الله تعالى خَلَقَ للجنة أهلاً، خَلَقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخَلَقَ
للنار أهلاً خَلَقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم»(٢) وأجاب العلماء عنه بأنه لعله عليه
الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليلٌ قاطٌ،
ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا قبل أن يَعْلَم أن أطفال المسلمين في الجنة،
فلمَّا علم وَِّ قال ذلك في قوله بَّ: ((ما من مسلم يموت له ثلاثٌ من الولد لم يبلغوا
الحِنْثَ إلا أدخله الله تعالى الجنة بفضله ورحمته إياهم)»(٣) وغيرِ ذلك من الأحاديث.
وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثةُ مذاهب:
قال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم؛ لحديث: سئل عن أولاد المشركين
مَن يموت منهم صغيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: ((الله تعالى أعلمُ بما كانوا
عاملین) أي: وغير ذلك.
وتوقّفتْ طائفةٌ فيهم.
وقالت الثالثة وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحقّقون: إنهم من أهل الجنة.
ويستدلُّ له بأشياء، منها حديثُ إبراهيم الخليل عليه السلام حين رآه النبيُّ بَّ في
الجنة حوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول الله، وأولادُ المشركين؟ قال: ((وأولاد
المشركين)) رواه البخاري في (صحيحه))(٤). ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّ
(١) ١٦/ ٢٠٧ .
(٢) صحيح مسلم (٢٦٦٢)، وسلف ٣٦/١٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٢٤٨) عن أنس بن مالك ظله، وقد سلف تخريجه ١٤/ ٤٣٢.
عنه .
(٤) برقم (٧٠٤٧) وهو من حديث سمرة بن جندب ـ

الآية : ٩
٣٣٣
سُورَةٌ عَلَسَ
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ولا يتوجَّه على المولود التكليفُ، ويلزمُه قولُ
الرسول: ((حتى يبلغ))، وهذا متفقٌ عليه.
والجواب عن حديث ((الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين)): أنه ليس فيه تصريحُ
بأنهم في النار، وحقيقةُ لفظهِ: الله تعالى أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا، ولم
يبلغوا، والتكليفُ لا يكون إلا بالبلوغ. انتهى.
وتعقِّب ما ذكره من الاحتمال في حديث عائشة ﴿يا بأنه يأباه ما ذكره من
حديث إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّ حديث عائشة كان بالمدينة؛ لأنه في صبيٍّ من
الأنصار، وبناؤه عليه الصلاة والسلام عليها إنما كان فيها، وحديثُ إبراهيم عليه
السلام كان بمكة؛ لأنَّ الظاهر أنَّ تلك الرؤية كانت ليلة المعراج وهو قد كان فيها،
ومنه يعلم أنه وَّر قد علم أنَّ الأطفال كلّهم في الجنة يومئذٍ، فكيف يحتمل أن
يكون ما قاله بعدُ قاله قبل أن يعلم أنَّ أطفال المسلمين في الجنة؟
وأيضاً إذا كان حديث إبراهيم عليه السلام في مكة يضعف الجواب الأول عن
حديث عائشة باحتمال أن تكون قالت ما قالت لأنه بلغها ذلك الحديث.
ثم ما ذَكَر من أنَّ المذاهب في أطفال المشركين ثلاثةٌ الظاهرُ أنه مبنيٌّ على
ما وقف عليه، وإلا فهي غير منحصرةٍ فيها، بل منها أنهم في برزخٍ بين الجنة
والنار، ومنها أنهم يُمتَحَنون بدخول النار يوم القيامة، فَمَنْ كُتب له السعادة أطاع
بدخولها فيُردُّ إلى الجنة، ومَن كتب له الشقاوةُ امتنع فيُسحَبُ إلى النار كما جاء في
بعض الروايات(١)، فلا يُحكم على معيَّنِ منهم بجنةٍ ولا نارٍ، وعليه حُمل: ((الله
تعالى أعلم بما كانوا عاملين)) وفي ((اختيارات)) الشيخ ابن تيمية أنَّ هذا أحسنُ
الأجوبة فيهم(٢). وقال الجلال السيوطيُّ: هو الصحيحُ المعتمَدُ.
(١) ينظر حديث أنس به في مسند أبي يعلى (٤٢٢٤)، وينظر كذلك ما ورد من روايات في
هذه المسألة في الحاوي للسيوطي ٢/ ٣٥٧-٣٥٩، وقد حسَّن أسانيدها ابن تيمية كما في
مختصر الفتاوى ص٦٤٣ .
(٢) لم نقف عليه في الاختيارات، وهو في الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ٣٢١/١،
ومختصر الفتاوى ص٦٤٣ .

سُؤَلةُ عَلَسِ
٣٣٤
الآية : ٩
ومنها ما ذكره هذا الجلالُ واختاره الإمام الربانيُّ الفاروقي السرهنديُّ قدِّس
سرُّه: أنهم يحشرون ثم يصيرون تراباً كالوحوش.
وإن أريدَ مما تقدَّم من أنهم في الجنة كونُهم فيها كسائر أهلها فهناك قولٌ آخرُ،
وهو أنهم فيها خدماً لأهلها، وقد نقله النسفيُّ في ((بحر الكلام)) (١) على أهل السنَّة
والجماعة، وفيه أحاديثُ جمةٌ.
والظاهر أنَّ المراد بأطفال المشركين الأطفالُ الذين ولدوا لهم وهم مشركون
ولو آمنوا بعدُ، ويدل عليه قولُه عليه الصلاة والسلام السابق في ولدي خديجة:
((هما في النار)) وهو يعكِّر على مَن يقول: أطفال الذين ماتوا مشركين في النار،
وأطفالُ المشركين الذين آمنوا بعد موتهم في الجنة إكراماً لهم.
والذي أختارُه القولُ بأنَّ الأطفال مطلقاً وكذا فرخُ الزنا، ومَن جُنَّ قبل البلوغ،
في الجنة، فهو الأخْلَقُ بكرم الله تعالى وواسعٍ رحمته عز وجل، والأوفَقُ للحكمة
بحسب الظاهر، والأكثرُ تأيُّداً بالآيات، ولا بُغَدَ في ترجّح الأخبار الدالة على ذلك
بما ذكر على الأخبار الدالة على خلافه.
والقولُ بأنَّ ما تضمَّنته هاتيك الأخبار كان منه عليه الصلاة والسلام قَبْلَ
عِلْمِهِوَله بأنَّ الأطفال في الجنة بعيدٌ عندي، نعم جوِّز أن يكون قد أَخبر وَلّ بأنهم
من أهل النار بناءً على إخبار الوحي به - كإخباره بالوَعيدات التي يعفو الله تعالى
عنها - من حيث إنه مقيدٌ بشرطٍ كـ: إن لم يشملهم الفضل، مثلاً، لكنه لم يُذكر معه
كما لم يذكر معها لحكمةٍ، ثم أَخَبَر عليه الصلاة والسلام بأنهم من أهل الجنة بناءً
على إخبار الوحي به أيضاً، ويكون متضمِّناً للإخبار بأنَّ شرط كونهم من أهل النار
لا يتحقَّق؛ فضلاً من الله تعالى وكرماً، ويكون ذلك كالعفو عمَّا يقتضيه الوعيدُ،
ومِثْلُ ذلك إخبارُه بما ذكر بناءً على مشاهدةٍ كونهم في الجنة عند إبراهيم عليه
السلام، فتأمل.
(١) بحر الكلام لميمون بن محمد، أبي المعين النسفي الحنفي، المتوفى سنة (٥٠٨هـ). كشف
الظنون ٢٢٥/١.

الآية : ١٠ - ١٣
٣٣٥
سُورَةُ عَلَسَ
﴿وَإِذَا أَلُُّفُ نُشِرَتْ ﴾﴾ أي: صحف الأعمال؛ أخرج ابن المنذر عن ابن
جريج أنه قال: إذا مات الإنسان طُويت صحيفتُه، ثم تُنشر يوم القيامة فيحاسَبُ
بما فيها(١).
وقيل: (نُشِرَتْ)) أي: فرِّقَتْ بين أصحابها؛ عن مَرْئَد بنِ وَدَاعةً(٢): إذا كان يومُ
القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنةٍ
عاليةٍ، وتقع صحيفة الكافر في يده في سمومٍ وحميم. أي: مكتوبٌ فيها ذلك،
وهي صحفٌ غيرُ صحفِ الأعمال.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ((نشِّرت)) بالتشديد(٣) للمبالغة في
النشر بمعنييه، أو لكثرة الصحف، أو لشدة التطاير.
قُلعت وأُزيلت كما يُكشَفُ الإهاب عن الذبيحة،
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُِطَتْ ®
والغطاءُ عن الشيء المستور به، فأصل الكشط السلخُ، واستُعير هنا للإزالة. وقرأ
عبد الله: ((قُشِطَتْ)) بالقاف مكانَ الكاف(٤)، واعتقابُهما غيرُ عزيزٍ كالكافور
والقافور، و: عربيٍّ قُّ وكُّ.
أي: أُوقدت إيقاداً شديداً؛ قال قتادة: سفَّرها
﴿وَإِذَا الْجَحِيُ سُعِرَتْ (4)
غضبُ الله تعالى وخطايا بني آدم. وقرأ جمعٌ منهم عليٍّ كرم الله تعالى وجهه:
(سُعِرَتْ)) بالتخفيف(٥).
﴿وَإِذَا الْجَّةُ أُنزِفَتْ (٣)﴾ أي: قرِّبتْ من المثَّقين، كقوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَّةُ
لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١] أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية أنه قال:
(١) الدر المنثور ٣٢٠/٦.
(٢) أبو قتيلة الحمصي، قال البخاري: له صحبة. الإصابة ٩/ ١٦٣، والكلام من الكشاف
٢٢٣/٤.
(٣) النشر ٣٩٨/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٦٩، والبحر ٤٣٤/٨.
(٥) البحر ٥٦/٨، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف، وشعبة عن
عاصم، وهشام عن ابن عامر، وروح عن يعقوب. التيسير ص ٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢.

سُؤٌلاَ عَسِ
٣٣٦
الآية : ١٤
ستُّ آياتٍ من هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون، وستُّ في الآخرة: ﴿إِذَا
الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ إلى ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ هذه في الدنيا، ﴿وَإِذَا اُلتُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ إلى
﴿وَإِذَا الَُّْ أُزْلِفَتْ﴾ هذه في الآخرة(١).
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه قال:
ستُّ آياتٍ قبل يوم القيامة؛ بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس،
فبينما هم كذلك إذ انكدرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه
الأرض فتحرَّكت واضطربت، ففزعت الجنُّ إلى الإنس والإنسُ إلى الجنِّ،
واختلطت الدوابُّ والطير والوحش، فماجوا بعضهم في بعض وأُهملت العشار،
وقال الجنُّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر. فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نارٌ تأجَّجُ،
فبينما هم كذلك إذ تصدَّعت الأرض صدعةً واحدةً، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم
رِيحٌ فَأَمَاتَتْهم(٢) .
وقال بعضهم: إنَّ الستَّ الأولى فيما بين النفختين، وإنه مرادُ مَن قال: إنها في
الدنيا. وقيل: هي فيما قبل النفخة الأولى، وما بعدها إلى النفخة الثانية، فلا تغفل.
جواب ((إذا))، على أنَّ المراد بها زمانٌ واحدٌ ممتدٌّ
﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ
١٤
يَسَعُ الأمور المذكورة، مبدؤه قُبيلَ النفخة الأولى، أو هي، ومنتهاه فصلُ القضاء
بين الخلائق، لكن لا بمعنى أنَّ النفس تعلم ما تعلم في كلِّ جزءٍ من أجزاء ذلك
الوقت المديد، أو عند وقوع داهيةٍ من تلك الدواهي، بل عند نشر الصحف، إلَّا
أنه لمَّا كان بعضُ تلك الدواهي من مبادیه وبعضها من روادفه نسب عِلْمُها بذلك
إلى زمانٍ وقوع كلِّها تهويلاً للخطب وتفظيعاً للحال.
والمراد بـ ((ما أحضرت)) أعمالُها من الخير والشرِّ، وبحضور الأعمال إما حضورُ
صحائفها كما يُعْرِبُ عنه نَشْرُها، وإما حضورُ أنفُسِها على ما قالوا من أنَّ الأعمال
الظاهرة في هذه النشأة بصورٍ عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصورٍ جوهرية مناسبةٍ
(١) الدر المنثور ٣١٨/٦.
(٢) الدر المنثور ٣١٨/٦، وهو في تفسير الطبري ١٢٨/٢٤.

الآية : ١٤
٣٣٧
سُورَةٌ عَلَسِ
لها في الحسن والقبح على كيفياتٍ مخصوصةٍ وهيئاتٍ معيَّنةٍ، حتى إنَّ الذنوب
والمعاصي تتجسَّم هنالك وتتصوَّر، وحُمل على ذلك نحوُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَسَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وعن ابن عباس
ما يؤيِّده(١)، ويؤيِّده أيضاً حديثُ ذبح الموت(٢) ونحوه.
قيل: ولا بُعد في ذلك، ألا يُرى أنَّ العلم يظهر في عالم المثال على صورة
اللَّبَنِ كما لا يخفى على مَن له خبرةٌ بأحوال الحضرات الخمس؟ وقد حكي عن
بعض الأكابر أنهم يشاهدون في هذه النشأة الأعمال عند العروج بها إلى السماء،
وكأنَّ ذلك بنوعٍ من التجسُّد.
وأيَّاما كان فإسنادُ إحضارها إلى النفس مع أنها تحضُر بأمر الله تعالى كما يؤذِنُ
به قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًا﴾ الآية [آل عمران: ٣٠]
لأنها لمَّا عملتها في الدنيا فكأنها أَحْضَرتْها في الموقف، ومعنى عِلْمِها بها على
التقدير الأول اطّلاعُها عليها مفصّلةً في الصحف بحيث لا يشذُّ عنها منها شيءٌ،
كما ينبئ عنه قولُهم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾
[الكهف: ٤٩] وعلى التقدير الثاني أنها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة، فإن
كانت صالحةً تشاهدها على صورٍ أحسن مما كانت تدركها في الدنيا؛ لأن الطاعات
لا تخلو فيها عن نوع مشقَّةٍ، وإن كانت سيئةً تشاهدها على خلافٍ ما كانت عندها
في الدنيا؛ لأنها(٣) كانت مزيّنةً لها موافقةً لهواها.
وتنكيرُ النفس المفيدُ لثبوت العلم لفردٍ من النفوس أو لبعضٍ منها؛ للإيذان بأنَّ
ثبوته لجميع أفرادها قاطبةً من الظهور والوضوح بحيث لا يكاد يحومُ حوله شائبةٌ
قطعاً، يعرفه كلُّ أحدٍ ولو جيء بعبارةٍ تدل على خلافه، وللرمز إلى أنَّ تلك النفوس
العالمةَ بما ذكر مع توقُّر أفرادها وتكثُّر أعدادها مما يُستقلُّ بالنسبة إلى جناب
(١) روي عنه أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة،
فتوضع في الميزان. تفسير أبي السعود ١١٧/٩، والكلام منه.
(٢) سلف ٨٩/١٦.
(٣) قوله: لأنها، ساقط من (م).

سُؤَادَةٌ عَبَسِ
٣٣٨
الآية : ١٤
الكبرياء والعظمة الذي أشيرَ إلى بعض بدائع شؤونه المُنْبِئةِ عن عظم سلطانه عز
وجل.
وفي ((الكشاف))(١) أنَّ هذا من عَكْسٍ كلامهم الذي يقصدون فيه الإفراط
فيما يُعْكَس عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿رُبَّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾
[الحجر: ٢] ومعناه: كم وأَبْلَغُ(٢)، وقولُ القائل:
قد أتركُ القِرْن(٣) مصفرًّا أناملُه كأنَّ أثوابه مُجَّتْ بفرصاد(٤)
وتقول لبعض قواد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رُبَّ فارسٍ
عندي، أو: لا تعدمُ عندي فارساً. وعنده المَقَانِبُ(٥)، وقَصْدُه بذلك التمادي في
تكثير فرسانه، ولكنه أراد إظهار براءته من التزيُّد، وأنه ممن يقلِّلُ كثيرَ ما عندَه
فضلاً أن يتزيَّد، فجاء بلفظ التقليل ففُهِمَ منه معنى الكثرة على الصحة واليقين.
وبيَّن في ((الكشف)) أنه يفيد ذلك مع ما في خصوص كلِّ موقعٍ من فائدةٍ
خاصةٍ، وذكر أنَّ من الفوائد هاهنا تهويلَ اليوم بتقليل الأنفس العالمة وإن كنَّ
جميعها، وإظهارَ أنه كلامٌ من غاية العظمة والكبرياء، وأنَّ مَن يغيِّر هذه الأجرام
العظام ويبدلها صفاتٍ وذواتٍ تُستَقلُّ الأنفسُ الإنسانية في جنب قدرته سبحانه
أيما استقلال.
وتعقّب ذلك أبو السعود(٦) بما لا يخلو عن نظر كما لا يخفى على ذي نظرٍ
(١) ٤ / ٢٢٣.
(٢) في الكشاف: ومعناه معنی (كم)) وأبلغ منه.
(٣) في الأصل و(م): القرم، والمثبت من الكشاف والمصادر على ما يأتي.
(٤) البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص٦٤، والكتاب ٢٢٤/٤، والمقتضب ٤٣/١،
والخزانة ٢٥٣/١١. وذكر الزمخشري صدره ولم يذكر العجز. قال البغدادي: القرن بكسر
القاف: المِثْل في الشجاعة، والمعنى: أقتله فينزف دمه فتصفرُّ أنامله، خصَّ الأنامل لأن
الصفرة إليها أسرع، وفيها أَظهر. ومَجَّت: دَمِيَتْ، والمراد: صُبغت. والفِرْصاد: التوت،
شبَّه الدم بحمرة عصارته.
(٥) المقانب: الذئاب الضارية. القاموس (قنب).
(٦) في تفسيره ٩/ ١١٧، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

الآية : ١٥ - ١٦
٣٣٩
سُوَلاَ عَلَسِ
جليلٍ فضلاً عن ذي نظرٍ دقيقٍ، وجوَّز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا عَلِمتْ حينئذٍ
نفسٌ من النفوس ما أحضرت، وَجَبَ على كلِّ نفسٍ إصلاحُ عملها مخافةَ أن تكون
هي تلك التي علمت ما أحضرت، فكيف وكلُّ نفسٍ تعلمه، على طريقةٍ قولك لمن
تنصحه: لعلك ستندم [على] ما فعلتَ، وربما ندم الإنسان على ما فعل. فإنك
لا تقصد بذلك أنَّ ندمه مرجوُّ الوجود لا متيقنٌ به أو نادرُ الوقوع(١)، بل تريد أنَّ
العاقل يجب عليه أن يجتنب أمراً يُرجى منه الندمُ أو قلَّما يقع فيه، فكيف إذا كان
قطعيَّ الوجود كثيرَ الوقوع.
واشتهر أنَّ النكرة هنا في معنى العموم، وهي قد تعمُّ في الإثبات إذا اقتضى
المقام أو نحوُه ذلك، ومنه قولُ ابن عمر لبعض أهل الشام وقد سأله عن المُحْرِم
إذا قتل جرادةً: أيتصدَّقُ بتمرةٍ فديةً لها؟: تمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ (٢). قيل: ولهذا
العموم ساغ الابتداءُ بالنكرة فيه، وقولُ بعضٍ: إنه لا عمومَ فيها، بل العمومُ جاء
من تساوي نسبة الجزء إلى أفراد الجنس، قيل: مبنيٌّ على ظنِّ منافاة العموم للوحدة
والإفراد، وأنت تعلم أنَّ ذلك إنما ينافي العمومَ الشموليَّ دون البدليِّ.
وقالُ بعضٍ: لا يبعُدُ أن يقال: استُفيدَ العمومُ بجعلها في حيِّز النفي معنّى؛ لأن
((علمت نفسٌ)) في معنى: لم تَجْهَلْ نفسٌ، لأن الحكم بالشيء يستلزم نفيَ ضدِّه.
ليس بشيء وإلا لعمَّت كلُّ نكرةٍ في الإثبات بنحو هذا التأويل.
وعن عبد الله بن مسعود أنَّ قارئاً قرأ هذه السورة عنده، فلما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ
أَحْضَرَتْ﴾ قال: واانقطاعَ ظهرياه(٣) .
١٥
﴾ جمعُ خانس، من الخنوس: وهو الانقباضُ والاستخفاء.
﴿فَلَّ أُقِْمُ بِأْخُنَّ
﴿اَلْجَوَارِ﴾ جمع جارية، من الجري: وهو المَرُّ السريع، وأصله لمرِّ الماء ولِمَا
يجري بجریه.
(١) في الأصل و(م): الوجود، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٢٧) من سورة لقمان.
(٣) ذكره ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٩، والزمخشري في الكشاف ٢٢٣/٤.

سُورَةٌ عَبَسِ
٣٤٠
الآية : ١٦
﴾ جمع كانسٍ وكانسةٍ، من كَنَسَ الوحشُ: إذا دخل كِنَاسه، وهو
﴿الْكُنَّسِ
بيتُه الذي يتَّخده من أغصان الشجر. والمراد بها على ما أخرج الفريابيُّ وسعيد بن
منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصحَّحه من طرقٍ عن عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه: الكواكب(١). أي: جميعها، فقيل: لأنها تَخْنسُ بالنهار فتغيبُ عن
العيون، وتَكْنِسُ بالليل أي: تَظْلُعُ في أماكنها كالوحش في كُنُسها. وفي تفسير
تَكْنِسُ بتَطْلُع خفاءٌ.
وقيل: لأنها تَخْنسُ نهاراً وتَخْفَى عن العيون مع طلوعها وكونِها فوق الأفق،
وتَكْنِسُ بعد طلوعها في المغيب وتدخل فيه كما تَكْنِسُ الظباء في الكُنُس، فتكون
تحت الأفق بعد أن كانت فوقه.
وروي تفسيرها بالكواكب عن الحسن وقتادةَ أيضاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأمير كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: هي خمسةُ
أنجم: زُحَلُ وعُطَارٌ والمشتري وبهْرام - يعني المريخ - والزُّهَرة(٢)، والخنَّس:
الرَّواجع، من خَس: إذا تأخّر، ووصفت بما ذُكر في الآية لأنها تجري مع الشمس
والقمر، وترجعُ حتى تَخْفَى تحت ضوء الشمس، فخنوسُها رجوعُها بحسب الرؤية،
وكنوسُها اختفاؤها تحت ضوئها، وتسمَّى المتحيِّرة؛ لاختلافِ أحوالها في سيرها
فيما يشاهَدُ، فلها استقامةٌ ورجعةٌ وإقامة، فبينما تراها تجري إلى جهة، إذا بها
راجعة تجري إلى خلاف تلك الجهة، وبينما تراها تجري إذا بها مقيمة لا تجري.
وسببُ ذلك على ما قال المتقدِّمون من أهل الهيئة: كونُها في تداوير في حوامل
مختلفةِ الحركات على ما بيِّن في موضعه، وللمُحْدَثين منهم النافينَ لِمَا ذكر غيرُ
ذلك مما هو مذکورٌ في کتبهم.
وهي مع الشمس والقمر يقال لها: السيارات السبع؛ لأنَّ سيرها بالحركة
الخاصة مما لا يكاد يَخْفَى على أحدٍ، بخلافٍ غيرها من الثوابت، وأخرج الخطيب
(١) الدر المنثور ٦/ ٣٢٠، وهو في المستدرك ٥١٦/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ١٥٢/٢٤.
(٢) الدر المنثور ٦/ ٣٢٠. وجاء في هامش الأصل: عطارد بضم العين، والزهرة بفتح الهاء،
وبهرام بكسر الباء، وفي لغة العجم بفتحها. منه.