Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ١١
٢٦١
سُورَةُ النَّازِعَانِتِ
أحياءً نمشي على أقدامنا ونَطَأ بها الأرضَ؟! ولا يخفى أنَّ أداء اللفظ هذا المعنى
غيرُ ظاهر.
وعن مجاهد: ((الحافرة)): القبورُ المحفورة، أي: لمردودون أحياء في
قبورنا(١). وعن زيد بن أسلم: هي النار(٢). وهو كما ترى.
وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة: ((في الحَفِرَة)) بفتح الحاء وكسر
الفاء(٣)، على أنه صفةٌ مشبَّهة من حَفِر اللازم كَعِلم، مطاوع: حُفِر، بالبناء
للمجهول، يقال: حُفِرَت أسنانُه فَحفِرَت حَفَراً بفتحتين: إذا أثَّر الإكالُ في
أسناخها(٤) وتغَيَّرت، ويرجع ذلك إلى معنى المحفورة. وقيل: هي الأرض المنتِنَة
المتغيِّرة بأجساد موتاها .
تأكيدٌ لإنكار البعث بذكر حالةٍ منافيةٍ
وقوله تعالى: ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَمًا تَّخِرَةُ ◌َـ
له، والعاملُ في ((إذا)) مضمَرٌ يدلُّ عليه ((مردودون))، أي: أَئذا كنَّا عظاماً باليةً نُرَدُّ
ونُبعَث مع كونها أبعدَ شيء من الحياة.
وقرأ نافع وابن عامر: ((إذا كنّا)) بإسقاط همزة الاستفهام(٥)، فقيل: يكون خبرَ
استهزاءٍ بعدَ الاستفهام الإنكاريِّ. واستُظهِر أنه متعلِّقٌ بـ ((مردودون)).
وقرأ عمر وأبيٌّ وعبد الله وابن الزبير وابن عباس ومسروق ومجاهد والأخوان
وأبو بكر: ((ناخِرة)) بالألف(٦)، وهو كـ ((نَخِرة)) من نَخِر العظمُ، أي: بَلِي وصار
أجوفَ تَمرُّ به الريحُ فيُسمَع له نَخِير، أي: صوتٌ، وقراءةُ الأكثرين أبلغ، فقد
صرَّحوا بأنَّ فَعِلاً أبلغُ من فاعِل، وإن كانت حروفُه أكثرَ، وقولهم: زيادة المبنى
(١) المحرر الوجيز ٤٣٢/٥ .
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٧١.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٨، والمحتسب ٣٥٠/٢، والبحر المحيط ٤٢٠/٨.
(٤) الأسناخ: جمع سِنْخ، بكسر المهملة: منبت الأسنان. القاموس (سنخ).
(٥) وهي أيضاً قراءة الكسائي ويعقوب. ينظر التيسير ص ١٣٢ -١٣٣، والنشر ٣٧٤/١.
(٦) التيسير ص٢١٩، والنشر ٣٩٧/٢ عن الأخوين (حمزة والكسائي) وأبي بكر، والكلام من
البحر ٨/ ٤٢٠.

سُوَرَّةُ النَّازِعَاتِ
٢٦٢
الآية : ١٢ - ١٣
تدلُّ على زيادة المعنى أغلبيٌّ، أو إذا اتَّحد النوعُ، لا إذا اختلف، كأنْ كان ((فاعِل))
اسمَ فاعل، و((فَعِل)) صفةً مشبهةً.
نعم تلك القراءةُ أوفق برؤوس الآي، واختيارها لذلك لا يفيد اتحادَها مع
الأخرى في المبالغة كما وهم.
وإلى الأبلغية ذهب المعظم، وفُسِّرت النخرة عليه بالأشدِّ بلّى، وقال عمرو بن
العلاء: النَّخِرة التي قد بَلِيَت، والناخرة التي لم تَنخَر بعدُ (١). ونُقل اتحادُ المعنى
عن الفراء وأبي عبيدة (٢) وأبي حاتم وآخرين.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ حكايةٌ لكفرٍ آخَرَ لهم متفرِّع على كفرهم السابق، ولعلَّ
توسيطَ (قالوا)) بينهما للإيذان بأنَّ صدورَ هذا الكفر عنهم ليس بطريق الاطّراد
والاستمرار مثل كفرهم السابق المستمرِّ صدورُه عنهم في كافّة أوقاتهم، حسبما ينبئ
عنه حكايتُه بصيغة المضارع. أي: قالوا بطريق الاستهزاء مُشيرين إلى ما أنكروه من
الردِّ في الحافرة مُشعرِين بغاية بُعدِه عن الوقوع: ﴿تِلْكَ إِذَا كَرَّةٍ خَاسِرَةٌ ﴾﴾ أي:
ذاتُ خُسْرٍ، أو: خاسرٌ أَصحابُها، أي: إذا صحَّت تلك الرجعةُ فنحن خاسرون
لتكذيبنا بها، وأبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورةٍ ما يغلب على الظنِّ
وقوعُه لمزيد الاستهزاء. وقال الحسن: ((خاسرة)): كاذبة، أي: [ليست] بكائنة(٣)،
فكأن المعنى: تلك إذا كنّا عظاماً نَخِرَةً كَرَّةٌ ليست بكائنة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ ﴾﴾ تعليلٌ لمقدَّرٍ يقتضيه إنكارُهم ذلك،
فإِنَّه لَمَّا كان مداره استصعابَهم الكرَّةَ رُدَّ عليهم ذلك فقيل: لا تحسبُوا تلك الكرَّة
صعبةً، فإنَّما هي صيحةٌ واحدةٌ، أي: حاصلةٌ بصيحةٍ واحدةٍ وهي النفخة الثانية،
عُبِّر عنها بها تنبيهاً على كمال اتصالها بها كأنَّها عينُها .
(١) المحرر الوجيز ٤٣٢/٥ .
(٢) قول الفراء في معاني القرآن ٢٣١/٣، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢٨٥/٢.
(٣) ما بين حاصرتين من المحرر الوجيز ٤٣٢/٥، والبحر ٤٢١/٨، وتحرفت كلمة: بكائنة، في
البحر إلى: بكافية.

الآية : ١٤
٢٦٣
سُؤَدَّةُ الْنَازِعَاتِ
حينئذٍ
وقيل: ((هي)) راجعٌ إلى ((الرادفة))، وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ
بيانٌ لترتُّبِ الكرَّة على الزجرة مفاجأةً، أي: فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد
ما كانوا أمواتاً في بطنها، وعلى الأول بيانٌ لحضورهم الموقفَ عقيبَ الكرَّة التي
عُبِّر عنها بالزجرة.
و((الساهرة)) قيل: وجهُ الأرض والفلاةُ، وأنشدوا قول أمية ابن أبي الصلت:
وفيها لحمُ ساهِرةٍ وبحرٍ وما فاهُوا به أبداً مُقِيمُ(١)
وفي ((الكشاف)): الأرض البيضاء - أي: التي لا نباتَ فيها - المستويةُ، سمِّيت
بذلك لأنَّ السرابَ يجري فيها، من قولهم: عينٌ ساهرةٌ: جاريةُ الماء، وفي
ضدّها : نائمة؛ قال الأشعث بن قيس:
وساهرةٍ يُضحي السرابُ مجلِّلاً
لأقطارِها قد جُبْتُها مُتلثِّمَا(٢)
أو لأنَّ سالكها لا ينام خوفَ الهَلَكة(٣). وفي الأول مجازٌ على المجاز، وعلى
الثاني السهرُ على حقيقته، والتجوُّز في الإسناد.
وحكى الراغبُ فيها قولين: الأول: أنَّها وجهُ الأرض. والثاني: أنَّها أرضُ
القيامة. ثم قال: وحقيقتُها: التي يكثُر الوطءُ بها، فكأنها سَهِرَت من ذلك، إشارةً
إلى نحو ما قال الشاعر:
تحرَّكَ يَقِظَانُ الثُّرابِ ونَائِمُهْ(٤)
وروى الضحاك عن ابن عباس أنَّ الساهرةَ أرضٌ من فضَّةٍ لم يُعصَ الله تعالى
(١) ديوان أمية ص١٢١، ومعاني القرآن للفراء ٢٣٢/٣، ومجاز القرآن ٢٨٥/٢، وتفسير الطبري
٧٤/٢٤، والنكت والعيون ١٩٦/٦، والبحر ٤١٧/٨، وعند الجميع: لَهُمُ، بدل: أبداً.
(٢) البيت في الكشاف ٢١٣/٤، والدر المصون ٦٧٤/١٠، وهو في تفسير القرطبي ٥٣/٢٢
بلفظ: جِئْتها. بدلَ: جُبْتُها .
(٣) الكشاف ٢١٣/٤.
(٤) مفردات الراغب (سهر)، وصدر البيت: إذا نحن سِرْنا بينَ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ، وهو في الأغاني
٣٨٦/١٤، والحماسة البصرية ٨/١، لحريث بن عناب الطائي، وفي أساس البلاغة (يقظ)
دون نسبة .

سُوَرَةُ الَّازِعَائْتِ
٢٦٤
الآية : ١٥ - ١٧
عليها قظٌّ، يَخلُقها عزَّ وجلَّ حينئذٍ. وعنه أيضاً أنها أرضُ مكة.
وقيل: هي الأرض السابعة، يأتي الله تعالى بها فيحاسبُ الخلائق عليها،
وذلك حين تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرض.
وقال وهب بن منبه: جبلٌ بالشام يمدُّه الله تعالى يومَ القيامة لحشر الناس.
وقال أبو العالية وسفيان: أرضٌ قريبةٌ من بيت المقدس.
وقيل: ((الساهرة)) بمعنى الصحراء على شفير جهنم.
وقال قتادة: هي جهنم لأنه لا نومَ لمن فيها(١).
ه كلامٌ مستأنَفٌ واردٌ لتسلية رسول الله وَله
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىَ ه
من تكذيب قومه وتهديدِهم عليه بأن يُصيبَهم مثلُ ما أصاب مَن كان أقوى منهم وأعظم.
ومعنى ((هل أتاك)) إن اعتُبِرَ أنَّ هذا أولُ ما أتاه عليه الصلاة والسلام من حديثه
عليه السلام = ترغيبٌ له وَّ﴿ في استماع حديثه، كأنَّه قيل: هل أتاك حديثُه؟ أنا
◌ُخبرك به.
وإن اعتُبِر إتيانُه قبلَ هذا وهو المتبادرُ من الإيجاز في الاقتصاص = أليس قد
أتاك حديثُه. وليس ((هل)) بمعنى ((قد)) على شيء من الوجهين.
﴾ ظرفٌ للحديث لا للإتيان
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَئُهُ رَبُّهُ بِلْوَدِ الْغَدَّسِ تُوَّى ®
لاختلافٍ وقتَيْهما. وجُوِّز كونُه مفعولَ: اذكر، مقدَّراً. وتقدَّم الكلامُ في ((الواد
المقدس)) واختلاف القراء في ((طوى))(٢).
﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ على إرادة القول، والتقديرُ: وقال له أو قائلاً له:
اذهب .. إلخ. وقيل: هو تفسيرٌ للنداء، أي: ناداه: اذهب. وقيل: هو على حذف
(أنْ)) المفسِّرة، يدلُّ عليه قراءةُ عبد الله: ((أن اذْهَبْ))(٣) لأنَّ في النداء معنى القول.
(١) هذه الأقوال في النكت والعيون ١٩٦/٦-١٩٧، والمحرر الوجيز ٤٣٣/٥، والبحر ٤٢١/٨.
(٢) عند تفسير الآية (١٢) من سورة طه.
(٣) الكشاف ٢١٣/٤، وتفسير الرازي ٣٩/٣١.
.

الآية : ١٨ - ١٩
٢٦٥
سُورَةُ النَّارِعَاتِ
وجُوِّز أن يكونَ بتقدير ((أن)) المصدرية قبلها حرفُ جرِّ.
﴿إِنَّهُ طَغَى
١٧
تعليلٌ للأمر أو لوجوب الامتثال به.
﴿فَقُلٌ﴾ بعد ما أتيتَه: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَرَّكَه ®﴾ أي: هل لك ميلٌ إلى أن
تَتَزَّى، فـ (لك)) في موضع الخبر لمبتدأ محذوفٍ، و((إلى أن تزكى)) متعلّقٌ بذلك
المبتدأ المحذوف، ونحوُه قولُ الشاعر:
فهل لكم فيها إليَّ فإنَّني
بصيرٌ بما أعيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما (١)
قد يقال: هل لك في كذا. فيؤتى بـ ((في)) ويقدَّر المبتدأ: رغبةٌ، ونحوُه
مما يتعدَّى بها. ومنهم من قدَّره هنا: رغبةٌ، لأنها تتعدَّى بها أيضاً.
وقال أبو البقاء: لَمَّا كان المعنى: أدعوك، جيء بـ ((إلى))(٢). ولعلَّه جَعَلَ
الظرفَ متعلِّقاً بمعنى الكلام أو بمقدَّرٍ يدلُّ عليه.
و((تزَّى)) بحذف إحدى التاءين، أي: تَتَطَهَّرُ من دَنَس الكفر والطغيان.
وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو بخلافٍ: ((تَزَّكَّى)) بتشديد الزاي(٣)، وأصلُه كما أشرنا
إليه: تَتَزَّى، فأدغمت التاءُ الثانية في الزاي.
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَيَّكَ﴾ أي: أرشِدَك إلى معرفته عز وجل فتعرفه ﴿فَخْشَى
إذ
الخشية لا تكون إلا بعدَ معرفته؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾
[فاطر: ٢٨] وجَعَلَ الخشيةَ غايةً للهداية؛ لأنها مِلاك الأمر، مَن خَشِي الله تعالى أتى
منه كلُّ خير، ومَن أَمِنَ اجْتَرَأَ على كلِّ شرٍّ، ومنه قوله وَّر فيما رواه الترمذي عن
(١) البيت في المستقصى ٢٢٠/١، ولسان العرب (نطس)، والخزانة ٣٧٣/٤ لأوس بن حجر،
وهو في ديوانه ص١١١. والشطر الثاني عند الجميع: طبيب بما أعيا ... ، وهو في البحر
٤٢١/٨: بصيرٌ، كما أورده المصنف. والنِّطاسيُّ: دقيقُ النظر في الأمور، ويقال للطبيب:
نِطاسِيٌّ، لدقَّةِ نظره في الطبِّ. وحِذْيَم: على حذف المضاف، أي: ابن حِذْيَم: وهو رجل
من أطباء العرب.
(٢) الإملاء ٤٥١/٤.
(٣) التيسير ص٢١٩، والنشر ٣٩٨/٢، عن الحرمين (نافع وابن كثير)، والكلام من البحر
٨/ ٤٢٢.

سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ
٢٦٦
الآية : ٢٠
أبي هريرة: ((من خاف أدلج، ومَن أدلج بلغ المنزلَ))(١).
وفي الاستفهام ما لا يخفى من التلظُّف في الدعوة والاستنزال عن العتوِّ، وهذا
ضربُ تفصيلٍ لقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ، فَولا لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وتقديم
التزكية على الهداية لأنها تخلية.
فصيحةٌ تُفصِح عن جُمَلٍ قد
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَرَنَّهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى
طُويت تعويلاً على تفصيلها في موضع آخرَ، كأنه قيل: فذهب وكان كيت وكيت
فأراه. واقتصر الزمخشريُّ في الحواشي على تقدير جملةٍ، فقال: إنَّ هذا معطوفٌ
على محذوفٍ، والتقديرُ: فذهب فأراه. لأنَّ قولَه تعالى: ((اذهب)) يدلُّ عليه، فهو
على نحو: ﴿أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
والإراء إما بمعنى التبصير أو بمعنى التعريف، فإنَّ اللعين حين أبصرها عرفها،
وادِّعاءُ سحريَّتها إنما كان إظهاراً للتجلُّد، ونسبتُها إليه عليه الصلاة والسلام بالنظر
إلى الظاهر، كما أنَّ نسبتها إلى نون العظمة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَّنَهُ ءَايَتِنَا﴾
[طه: ٥٦] بالنظر إلى الحقيقة.
والمراد بـ ((الآية الكبرى)) على ما رُوي عن ابن عباس: قلبُ العصا حَيَّةً، فإنها
كانت المقدِّمةَ والأصلَ، والأخرى كالتَّبَع لها. وعلى ما رُوي عن مجاهد: ذلك
واليدُ البيضاء، فإنهما باعتبارِ الدلالة كالآية الواحدة، وقد عبِّر عنهما بصيغة الجمع
في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِئَايَتِى﴾ [طه: ٤٢] باعتبار ما في تضاعيفهما من
بدائع الأمور التي كلٌّ منها آيةٌ بَيِّنَةٌ لقوم يعقلون.
وجُوِّز أن يراد بها مجموعُ معجزاته عليه السلام، والوحدةُ باعتبار ما ذُكر،
والفاءُ لتعقيب أولها، أو مجموعِها باعتبار أولها، وكونُها كبرى باعتبار معجزاتِ مَن
قبله من الرسل عليهم السلام، أو هو للزيادة المطلقة. ولا يخفى بُعده. ويزيده بُعداً
ترتيبُ حَشْرِ السَّحَرَة بعدُ، فإنَّه لم يكن إلَّا على إراءةٍ تَينك الآيتين وإدباره عن العمل
بمقتضاهما، وأمَّا ما عداهما من التسع فإنما ظهر على يده عليه السلام بعدَ ما غلب
(١) سنن الترمذي (٢٤٥٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

الآية : ٢١ - ٢٢
٢٦٧
سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ
السَّحَرَة على مهلٍ في نحوٍ من عشرين سنةً.
وزعم غُلاةُ الشيعة أنَّ ((الآية الكبرى)) عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، أراه إيَّاه
متطورةً روحُه الكريمة بأعظم طور، وهو هَذَيانٌ وراءَ طور العقل وطور النقل.
ء الله تعالى
﴿فَكَذَّبَ﴾ بموسى عليه السلام وسمَّى معجزتَه سحراً ﴿ وَعَصَى
بالتمرُّد بعد ما عَلم صحَّةَ الأمر ووجوبَ الطاعة أشدَّ عصيانٍ وأقبحَه، حيث اجترأ
على إنكار وجودِ ربِّ العالمين رأساً، وكان اللعينُ وقومُه مأمورين بعبادته عز وجل
وتَركِ العظمة التي يدَّعيها الطاغيةُ ويَقْبلُها منه فتتُه الباغية، لا بإرسال بني إسرائيل
من الأسر والقسر فقط.
وفي جعل متعلَّق التكذيب موسى عليه السلام ومتعلَّق العصيان اللهَ عز وجل
ما ليس في جعلهما موسى كما قيل: فكذَّبَ موسى وعصاه = من الذمّ كما لا يخفى.
﴾ أي: ساعياً مجتهداً في إبطالٍ أمره عليه
٢٣
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ تولَّى عن الطاعة ﴿يَنْعَى
السلام ومعارضةِ الآية، و((ثم)) لأنَّ إبطالَ ذلك ونقضَه يقتضي زماناً طويلاً. وجُوِّز أن
يكون الإدبار على حقيقته، أي: ثم انصرف عن المجلس ساعياً في إيطال ذلك.
وقيل: أدبر يسعى هارباً من الثُّعبان، فإنَّه رُوي أنه لَمَّا ألقى العصا انقلبت ثعباناً
أشعر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً، فوضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى
على سور القصر، فهرب فرعونُ وأحدث، وانهزم الناسُ مزدحمين فمات منهم
خمسة وعشرون ألفاً من قومه.
وفي بعض الآثار أنها انقلبت حيَّة وارتفعت في السماء قَدْر مِيلٍ، ثم انحّت
مُقبلة نحو فرعون وجعلت تقول: يا موسى، مُرني بما شئتَ. ويقول فرعون:
أنشدك بالذي أرسلك إلا أخذتَه. فأخذه فعاد عصاً (١).
وأنت تعلم أنَّ هذا إن كان بعد حشر السَّحَرَة للمعارضة كما هو المشهور،
فلا تظهر صحَّةُ إرادته هاهنا إذا أريد بالحشر بعدُ حَشْرُهم، وإن كان بعد التكذيب
والعصيان وقبلَ الحشر فلا يظهر تراخيه عن الأولين. نعم، قيل: إنَّ ((ثم)) عليه
(١) تفسير أبي السعود ٩/ ١٠٠ .

سُورَةُ النَّازِعَاتِ
٢٦٨
الآية : ٢٣ - ٢٥
للدلالة على استبعاد إدباره مرعوباً مسرعاً مع زعمه الإلهيّةَ.
وقيل: أريد بقوله سبحانه: ((ثم أدبر)): ثم أقبل، من قولهم: أقبل يفعل، أي:
أنشأ، لكن جُعل الإدبار موضعَ الإقبال تمليحاً وتنبيهاً على أنَّه كان عليه دماراً
وإدباراً.
﴿فَحَشَرَ﴾ أي: فجمع السَّحَرَة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآيِنِ خَشِينَ﴾
[الشعراء: ٥٣] وقوله سبحانه: ﴿فَتَوَلَّ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ، ثُمَّ أَ﴾ [طه: ٦٠] أي:
بما يُكاد به من السحَرَة وآلاتهم.
وقيل: جَمَعَ جنودَه. وجُوِّز أن يراد: جَمَعَ أهلَ مملكته.
﴿فَدَى ﴾﴾ في المجمع بنفسه، أو بواسطة المنادي، وأُيِّد الأول بقوله
تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَّكُمُ الْأَعْلَىِ ﴾﴾ وعلى الثاني فيه تقديرٌ، أي: فقال: يقول فرعون:
أنا ربكم .. إلخ، مع ما في الثاني من التجوُّز.
وفي بعض الآثار أنَّه قام فيهم خطيباً فقال تلك العظيمةَ، وأراد اللعينُ تفضيلَ
نفسه على كلِّ مَن يلي أمورَهم.
﴿فَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَّ
النكالُ بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم،
٢٥
وهو التعذيبُ الذي يُنكِّل مَن رآه أو سَمِعه، ويمنعه من تعاطي ما يُفضي إليه، وهو
نصب على أنه مصدرٌ مؤكِّد، كـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]،
كأنه قيل: نَكَّل الله تعالى به نكالَ الآخرة والأولى، وهو الإحراقُ في الآخرة
والإغراقُ والإذلال في الدنيا.
وجوِّز أن يكون نصباً على أنَّه مفعولٌ مطلَقٌ لـ (أخَذَ))، أي: أخذه الله تعالى أخْذَ
نكالِ الآخرة .. إلخ. وأن يكونَ مفعولاً له، أي: أخذه لأجلِ نكالِ .. إلخ. وأن
يكون نصباً بنزع الخافض، أي: أخذه بنكال الآخرة والأولى. وإضافته إلى الدارين
باعتبارٍ وقوعٍ نفس الأخذ فيهما، لا باعتبار أنَّ ما فيه من معنى المنع يكون فيهما،
فإنَّ ذلك لا يُتصوَّر في الآخرة بل في الدنيا، فإنَّ العقوبة الأخروية تُنكِّل مَن سَمِعها
وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها فيها .

الآية : ٢٦ - ٢٧
٢٦٩
سُورَةُ النَّازِعَانْتِ
وأن يكون في تأويل المشتقِّ حالاً، وإضافته على معنى ((في))، أي: منكِّلاً لمن
رآه أو سمع به في الآخرة والأولى. وجُوِّز أن تكون الإضافة عليه لاميَّةً.
وحمل ((الآخرة)) و((الأولى)) على الدارين هو الظاهرُ، ورُوي عن الحسن وابن
زید وغيرهما .
وعن ابن عباس وعكرمة والضحاك والشعبي أنَّ الآخرةَ قولتُه: ((أنا ربكم
الأعلى))، والأولى قولته: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]. وقيل
بالعكس. فهما كلمتان، وكان بينهما - على ما قالوا - أربعون سنة.
وقال أبو رزين: ((الأولى)) حالةُ كفره وعصيانه، و((الآخرة)) قولته: ((أَنا رَبُّكُم
الأعلى)).
وعن مجاهد أنهما عبارتان عن أول معاصيه وآخرِها(١)، أي: نُكِّل بالجميعِ.
والإضافة على جميع ذلك من إضافة المسبّب إلى السبب. ومآل من يقول بقبول
إيمان فرعون إلى هذه الأقوال وجعلِ ذلك النكال الإغراقَ في الدنيا، وقد قدّمنا
الكلامَ في هذا المقام(٢).
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من قصة فرعون وما فَعَل وما فُعِل به ﴿لَعِبْرَةَ﴾
، أي: لمن شأنُه أن يخشى، وهو مَن مِن شأنِه المعرفةُ،
عظيمةً ﴿لِّمَنْ يَخْشَ (
وهذا إما لأنَّ مَن كان في خشية لا يحتاج للاعتبار، أو ليشمَلَ مَن يخشى بالفعل
ومَن کان مِن شأنه ذلك على ما قيل.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلَا﴾ خطابٌ للمخاطبين في جواب القَسَم - أعني:
لتبعثنَّ - من أهل مكة المنكرين للبعث بناءً على صعوبته في زعمهم، بطريق التوبيخ
والتبكيت بعد ما بيَّن كمالَ سهولته بالنسبة إلى قدرة الله تعالى بقوله سبحانه: (فَإِنَّمَا
هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ).
ونصبُ (خَلْقاً)) على التمييز، وهو محوَّلٌ عن المبتدأ، أي: أخَلْقُكم بعد موتكم
(١) ينظر ما ورد من أخبار في تفسير الطبري ٨٤/٢٤-٨٧، والنكت والعيون ١٩٨/٦.
(٢) عند تفسير الآية (٩٢) من سورة يونس.

سُورَةُ النَّازِعَاتِ
٢٧٠
الآية : ٢٨
أشدُّ، أي: أشقُّ وأصعبُ في تقديركم ﴿أَِ التَُّ﴾ أي: أم خَلْقُ السماء على عِظَمها
وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقولُ عن ملاحظة أدناها .
وقوله تعالى :
﴾ إلخ بيانٌ وتفصيلٌ لكيفية خلقها المستفادِ من قوله
٢٧
وَذَـ
تعالى: ((أم السماء)). وفي عدم ذكر الفاعل فيه وفيما عُطف من الأفعال من التنبيهِ
على تعيينه وتفخيم شأنه عز وجل ما لا يخفى.
وقوله سبحانه: ﴿رَفَعَ سَتَكَهَا﴾ بيانٌ للبناء، أي: جعلَ مقدارَ ارتفاعها من
الأَرض وذهابها إلى سَمت العلوِّ مديداً رفيعاً. وجوِّز أن يفسّر السمكُ بالفِّخَن،
فالمعنى: جعل ثِخَنَها مرتفعاً في جهة العلوِّ، ويقال للِّخَن: سَمْكٌ، لِمَا فيه من
ارتفاع السطح الأعلى عن السطح الأسفل، وإذا لُوحظ هذا الامتدادُ من العلوِّ
للسفل قيل له: عُمْقٌ، ونظيرُ ذلك الدَّرَج والدَّرَك.
وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنَّ ارتفاع السماء الدنيا عن الأرض خمس مئة
عامٍ، وارتفاع كلِّ سماءٍ عن سماءٍ وثِخَنُ كلٍّ كذلك(١). والظاهرُ تقديرُ ذلك بالسير
المتعارَف، وأنَّ المراد بالعدد المذكورِ التحديدُ دون التكثير، ونحن مع الظاهر
إلا أن يمنعَ عنه مانعٌ.
، فَسَوَّنَهَا
﴾ أي: جعلها سواءً فيما اقتضته الحكمة فلم يُخلِّ عز وجل قطعةً
٢٨
منها عمَّا تقتضيه الحكمةُ فيها، ومن ذلك تزيينُها بالكواكب.
وقيل: تسويتُها: جعلُها ملساءً ليس في سطحها انخفاضٌ وارتفاعٌ.
وقيل: جعلُها بسيطةً متشابهة الأجزاء والشكل، فليس بعضُها سطحاً وبعضُها
زاويةً وبعضُها خطًا. وهو قولٌ بكُريَّتها الحقيقية، وإليه ذهب کثیرٌ وقالوا - وحكاه
الإمام -: لَمَّا ثبت أنَّها محدَثةٌ مفتقرةٌ إلى فاعلٍ مختارٍ فأيُّ ضررٍ في الدين ينشأ من
کونھا کریّة(٢)؟
وقيل: تسويتها تتميمُها بما يتمُّ به كمالُها من الكواكب والمتمِّمات والتداوير
(١) سلف عند تفسير الآية (١٢) من سورة الطلاق.
(٢) تفسير الرازي ٤٧/٣١ .

الآية : ٢٩
٢٧١
سُوَرَّةُ النَّازِعَاتِ
وغيرها مما بُيِّن في علم الهيئة، من قولهم: سوَّى أمرَه، أي: أصلحه. أو من
قولهم: استوت الفاكهةُ: إذا نَضِجَتِ .
وأنت تعلم أنَّ هذا مع بنائِه على اتحاد السماوات والأفلاك غير معروف في
الصدر الأول من المسلمين؛ لعدم وروده عن صاحب المعراج رسول الله وَّر وعدم
ظهور الدليل عليه، والأدلةُ التي يذكرها أهلُ الهيئة لتلك الأمور لا يخفى حالُها،
ولذا لم يقل بما تقتضيه مخالفوهم من أهل الهيئة اليومَ، والله تعالى أعلم بحقيقة
الحال.
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: جعله مُظلِماً؛ يقال: غَطَشَ الليلُ وأغطَشَه الله تعالى،
كما يقال: ظَلم وأظلَمَه. ويقال أيضا: أغطش الليلُ، كما يقال: أظلم. وجاء: ليلةٌ
غَطْشاءُ، وليلٌ أغطشُ وغَطِئٌ؛ قال الأعشى:
عقرتُ لهم ناقتي مَوهِناً فليلُهم مدلهمٌ غَطِشْ(١)
وفي ((البحر)) عن ((كتاب اللُّغات في القرآن)): ((أغطش)): أظْلَم، بلغة أنمار
وأشعر(٢).
﴿وَأَخْرَجَ مُحَهَا (٣)﴾ أي: أبرز نهارَها، والضحى في الأصل على ما يفهم من
كلام الراغب(٣): انبساطُ الشمس وامتدادُ النهار، ثم سمِّي به الوقتُ المعروفُ
وشاع في ذلك، وتُجوِّز به عن النهار بقرينةِ المقابلة. وقيل: الكلامُ على حذف
مضافٍ، أي: ضُحَى شمسِها، أي: ضوءً شمسها، وكنى بذلك عن النهار. والأول
أقرب.
(١) لم نقف عليه في ديوان الأعشى، وهو في جمهرة أشعار العرب ١٢١/١، والنكت والعيون
١٩٨/٦، والمحرر الوجيز ٤٣٤/٥، وتفسير القرطبي ٥٨/٢٢، وورد في بعض المصادر:
وغامرُنا. بدلَ: فليلهم، وفي بعضها: وغامرهم. وفي الجمهرة والمحرر: نحرتُ، بدل:
عقرتُ. وقوله: مَوهِناً، بفتح الميم، هو نحو من نصف الليل، أو بعدَ ساعة منه. القاموس
(وهن).
(٢) لم نقف عليه في البحر، وذكره ابن عادل في اللباب ١٤٢/٢٠.
(٣) في المفردات (ضحى).

سُورَةُ النَّازِعَاتِ
٢٧٢
الآية : ٣٠
وعُبِّر عن النهار بالضحى لأنه أشرفُ أوقاته وأطيبها، وفيه من انتعاش الأرواح
ما ليس في سائرها، فكان أوفقَ لمقام تذكير الحجّة على مُنكري البعث وإعادة
الأرواح إلى أبدانها. وقيل: إنه لذلك كان أحقَّ بالذكر في مقام الامتنان.
وإضافة الليل والضحى إلى السماء لأنهما يَحدُثان بسبب غروب الشمس
وطلوعها، وهي سماوية. أو: وهما إنما يحصُلان بسبب حركتها - على القول
بحركتها - لاتحادها مع الفلك. أو: وهما إنما يحصُلان بسبب حركة الشمس في
فلكها فيها، على القول بأنَّ السماء والفلك متغايران، والمتحرِّك إنما هو الكوكب
في الفلك، كما يقتضيه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وأنَّ
الفلك ليس إلا مَجرى الكوكب في السماء.
وقيل: أضيفا إليها؛ لأنهما أولُ ما يظهران منها؛ إذ أول الليل بإقبال الظلام
من جهة المشرق، وأولُ النهار بطلوع الفجر وإقبالِ الضياء منه.
وفي ((الكشاف)): أضيف الليل والشمس إلى السماء لأنَّ الليل ظلُّها، والشمس
هي السراج المُثقَب في جوِّها(١). واعترض بأنَّ الليلَ ظلُّ الأرض. وأجيب بأنه
اعتبارٌ بمرأى الناظر كذلك، كما أنَّ زينةَ السماء الدنيا أيضاً اعتبارٌ بمرأى الناظر.
وقيل: إضافتهما إليها باعتبار أنهما إنما يحدُثان تحتَها، وشَمَلا بهذا الاعتبار
ما لم يَكَّد يخطُر في أذهان العرب من ليلٍ ونهارٍ طولُ كلٍّ منهما سنَّةُ أشهر،
وهما ليلُ ونهارُ عرضٍ تسعين حيثُ الدَّورُ رَحَوِيٌّ.
وتعقِّب بأنهم قالوا: إنَّ ظلَّ الأرض المخروطيَّ ينتهي إلى فلك الزهرة، وهي
في السماء الثالثة، فالحصر غيرُ تامّ. وفيه نظر، فتأمَّل.
وبالجملة الإضافةُ لأدنى ملابسةٍ.
﴿وَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه إشارةٌ إلى ما تقدَّم من خَلْق السماء وإغطاشِ الليل
وإخراج النهار، دونَ خَلْق السماء فقط، وانتصابُ («الأرْضَ)) بمضمَرٍ، قيل: على
(١) الكشاف ٤/ ٢١٤.

الآية : ٣٠
٢٧٣
سُورَةُ النَّازِعَاتِ
شريطة التفسير. وقيل: تقديرُه: تَذَكَّر. أو: تدبَّر. أو: اذْكُر. وستعلم ما في ذلك
إن شاء الله تعالى.
ـُهَآَ (®﴾ بسطها ومدَّها لسكنى أهلها وتقلُّبِهم في
ومعنى قوله تعالى
أقطارها، من الدَّحْو أو الدَّحْي بمعنى البسط، وعليه قولُ أمية بن أبي الصلت:
وبثَّ الخلقَ فيها إذْ دَحَاها فَهُم قُظَّانُها حَتى الشَّنادِي(١)
وقيل: دحاها: سوَّاها، وأنشدوا قولَ زيد بن عمرو بن نفيل:
له الأرْضُ تَحمِلُ صَخْراً ثِقالَا
وأسلمتُ وَجْهِي لمن أَسْلَمَتْ
بأيدٍ وأرْسَى عَلَيها الجِبَالَا(٢)
دَحَاها فلمَّا استَوَتْ شَدَّها
والأكثرون على الأول، وأنشد الإمام بيتَ زيد فيه(٣).
والظاهر أنَّ دَحْوَها بعد خَلْقها، وقيل: مع خَلْقها. فالمراد: خَلَقَها مدحوَّةً.
ورُوي الأول عن ابن عباس، ودَفَع به توهُّمَ تعارُضٍ بين آیتین؛ أخرج عبد بن حميد
وابن أبي حاتم عنه أنَّ رجلاً قال له: آيتان في كتاب الله تعالى تُخالِف
إحداهما الأخرى. فقال: إنما أُتِيتَ من قِبَل رأيك، اقْرَأ. قال: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِأَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنٍ﴾ حتى بلغ ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى التَّمَاءِ﴾ [فصلت: ٩-١١] وقوله
تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَاً). قال: خلق الله تعالى الأرضَ قبلَ أن يخلق السماءَ،
ثم خلق السماءَ، ثم دحا الأرضَ بعدَ ما خلق السماءَ، وإنما قوله سبحانه: (دَحَنِهَا)
بَسَطَها (٤).
وتعقّبه الإمام بأنَّ الجسمَ العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي، ويستحيل أن
يكون هذا الجسمُ العظيم مخلوقاً ولا يكون ظاهرُه مدحوًّا مبسوطاً (٥).
(١) ديوان أمية ص٦٤، والنكت والعيون ١٩٩/٦، والقرطبي ٥٩/٢٢، والبحر ٤١٨/٨.
(٢) النكت والعيون ١٩٩/٦، وتفسير القرطبي ٥٩/٢٢، والبحر ٤١٨/٨، والبيت الثاني في
تفسير الرازي ٣١/ ٤٧ .
(٣) تفسير الرازي ٤٧/٣١ .
٢ (٤) عزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٣١٣/٦، وقد سلف تخريجه ١٤٨/٢٤ .
(٥) تفسير الرازي ٤٨/٣١.

سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ
٢٧٤
الآية : ٣٠
وأجيب أنه لعلَّ مرادَ القائل بخلقها أولاً ثم دحوِها ثانياً خَلْقُ مادتها أولاً ثم
تركيبها وإظهارُها على هذه الصورة والشكل مدحوَّةً مبسوطةً، وهذا كما قيل في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٌّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَةٍ﴾(١) [البقرة: ٢٩] أنَّ السماء
خُلقت مادتُها أولاً، ثم سُوِّيت وأُظهرت على صورتها اليومَ. وعن الحسن ما يدلُّ
على أنها كانت يومَ خُلقت قبل الدحو كهيئة الفِهْر(٢). ويشعر بأنها لم تكن على
عظمها اليوم.
وتعقّبه بعضُهم بشيء آخر، وهو أنه يأبى ذلك قولُه تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، فإنه يفيد أنَّ خلْقَ ما في
الأرض قبلَ خلق السماوات، ومن المعلوم أنَّ خلق ما فيها إنما هو بعدَ الدحو،
فكيف يكون الدحوُ بعد خلق السماوات؟
وأجيب بأنَّ ((خَلَقَ)) في الآية بمعنى قدَّر، أو: أراد الخلقَ. ولا يمكن أن يُراد
به فيها الإيجادُ بالفعل ضرورةَ أنَّ جميع المنافع الأرضيَّة يتجدَّد إيجادُها أولاً
فأولاً، سلَّمنا أنَّ المراد الإيجادُ بالفعل لكن يجوز أن يكون المراد خَلْقَ مادَّةِ ذلك
بالفعل، ومن الناس مَن حمل (ثُمَّ) على التراخي الرُّتْبي؛ لأنَّ خلق السماء أعجبُ
من خلق الأرض.
وقال عصام الدين: إنَّ ((بعد ذلك)) هنا كما في قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ
زَيِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] يعني فَعَل بالأرض ما فعل بعدَ ما سمعتَ في السماء، والمراد
التأخيرُ في الإخبار، فخلقُ الأرض ودَخْوها وإخراجُ مائها ومرعاها وإرساءُ الجبال
عليها عندَه قبل خَلْق السماء، كما يقتضيه ظاهرُ آية ((البقرة)»، وظاهر آية
((الدخان))(٣).
(١) في الأصل و(م): ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سماوات.
(٢) سلف ٢٤/ ١٥٤ .
(٣) آية البقرة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَ إِلَى السَّمَآءِ
فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ٢٩]، وآية الدخان: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَّ إِلَى التَّمَاءِ وَهِىَ
دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنَيْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].

الآية : ٣٠
٢٧٥
سُؤَدَّةُ النَّازِعَائِ
وأيّد حمل البعديَّة على ما ذكر بأنَّ حملَها على ظاهرها مع حمل الإشارة على
الإشارة إلى مجموع ما تقدَّم مما سمعتَ يلزم عليه أنَّ إغطاشَ الليل وإبراز النهار
كانا قبل خلقِ الأرض ودحوها، وذلك مما لا يتسنَّى على تقديرِ أنها غيرُ مخلوقةٍ
أصلاً، ومما يَبْعُدُ على تقدير أنها مخلوقةٌ غيرُ عظيمةٍ.
وأيضاً قيل: لو لم تُحْمَل البعديَّة على ما ذكر، وقيل بنحو ما قال ابن عباس من
تأّرِ الدحو عن خَلْق السماء، مع تقدُّم خَلْق الأرض من غير دحوٍ على خَلْقها = لم
تَنحَسِم مادَّةُ الإشكال؛ إذ آيةُ الدخان ظاهرةٌ في أنَّ جعل الرواسي في الأرض قبل
خَلْق السماء وتسويتها، وهذه الآية إلى آخرها ظاهرةٌ في أنَّ جعل الرواسي بعدُ.
وبالجملة إنَّه قد اختلف أهلُ التفسير في أنَّ خلقَ السماء مقدَّم على خلق الأرض
أو مؤخّرٌ؟ فقال ابن الطاشكبري: نقل الواحديُّ عن مقاتل أنَّ خلقَ السماء مقدَّم على
خلق الأرض. واختاره جمعٌ، لكنَّهم قالوا: إنَّ خلْق ما فيها مؤخّرٌ. وأجابوا عمَّا هنا
وآيةِ البقرة بأنَّ الخلقَ فيها بمعنى التقدير، أو بمعنى الإيجاد وتقدير الإرادة، وأنَّ
البعدية هاهنا لإيجاد الأرض وجميع ما فيها. وعمّا هنا وآيةِ الدخان بنحوٍ ذلك،
فقدَّروا الإرادةَ في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنٍ﴾ [فصلت: ٩] وكذا في قوله
سبحانه: ﴿وَجَعَلَ فِهَا رَسِىَ﴾ [فصلت: ١٠] وقالوا: يؤيِّد ما ذُكر قولُه تعالى: ﴿فَقَالَ لَّا
وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآَ أَنْنَا طَآيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فإنَّ الظاهرَ أنَّ المرادَ: انتيا في
الوجود. ولو كانت الأرضُ موجودةً سابقةً لما صحَّ هذا، فكأنه قال سبحانه: أئنكم
لتكفرون بالذي أراد إيجادَ الأرض وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام، ثم
قصد إلى السماء فتعلَّقت إرادته بإيجاد السماء والأرض، فأطاعا لأمر التكوين،
فأوجد سبع سماوات في يومين، وأوجد الأرضَ وما فيها في أربعة أيام.
ونكتة تقديم خلق الأرض وما فيها في الظاهر في سورة البقرة والدخان على
خلق السماوات والعكس هاهنا أنَّ المقام في الأولَيْنِ مقامُ الامتنان وتعدادِ النعم
على أهل الكفر والإيمان، فمقتضاه تقديمُ ما هو نعمةٌ بالنظر إلى المخاطَبين من
الفريقَين، فكأنه قال سبحانه: هو الذي دبّر أمرَكم قبلَ السماء، ثم خلق السماءَ.
والمقام هنا مقامُ بيانِ كمالِ القدرة، فمقتضاه تقديمُ ما هو أدلّ. انتهى.

سُورَةُ الَّازِعَاتِ
٢٧٦
الآية : ٣٠
وفي ((الكشف)): أطبق أهلُ التفسير أنه تمَّ خلقُ الأرض وما فيها في أربعة أيام،
ثم خَلْقُ السماء في يومين، إلا ما نَقل الواحديُّ في ((البسيط)» عن مقاتل أنَّ خلْقَ
السماء مقدَّم على إيجاد الأرض فضلاً عن دحوها .
والكلامُ مع مَن فرَّق بين الإيجاد والدحوِ، وما قيل: إنَّ دحو الأرض متأخِّرٌ
عن خلق السماء لا عن تسويتها، يَرِدُ عليه ((بعد ذلك)) فإنه إشارةٌ إلى السابق وهو
رفعُ السَّمْك والتسوية، والجوابُ بتراخي الرتبة لا يتمُّ لِمَا نُقِل من إطباق المفسِّرين،
فالوجهُ أن يجعَل ((الأرْض)) منصوباً بمضمَر نحو: تذكَّر وتدبّر. أو: واذكر الأرضَ
بعد ذلك. وإن جُعل مضمَراً على شريطة التفسير جُعل ((بعد ذلك)) إشارةً إلى
المذكور سابقاً من ذكرٍ خلق السماء لا خلقِ السماء نفسه؛ ليدلَّ على أنه متأخِّر في
الذكر عن خلق السماء تنبيهاً على أنه قاصرٌ في الدلالة عن الأول لكنه تتميمٌ(١)،
كما تقول جُمَلاً ثم تقول بعد ذلك: كيت وكيت. وهذا كثيرٌ في استعمال العرب
والعجم، وكأن ((بعد ذلك)) بهذا المعنى عكسُه إذا استعمل لتراخي الرتبة، وقد
تستعمل ((ثم)) بهذا المعنى وكذا الفاء.
وهذا لا ينافي قولَ الحسن أنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس
كهيئة الفِهْر، عليها دخانٌ ملتزقٌ بها، ثم أصعد الدخانَ وخلق منه السماوات،
وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرضَ، وذلك قوله تعالى: ﴿كَانَنَا رَتَّقًا
فَفَتَقْنَهُمَاْ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٠](٢). فإنه يدلُّ على أنَّ كونَ السماء دخاناً سابقٌ على
دحو الأرض وتسويتها، وهو كذلك، بل ظاهرُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ
دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] يدلُّ على ذلك، وإيجادُ الجوهرة النورية والنظرُ إليها بعين
الجلال المبطن بالرحمة والجمال، وذوبُها وامتيازُ لطيفها عن كثيفها، وصعودٌ
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: وجوِّز أن يكون للإشعار بأنه أدخل في الإلزام لِمَا أن
المنافع المنوطة بما في الأرض وتعلَّق مصالح الناس بذلك أظهر، وإحاطتهم بتفاصيل
أحواله أكمل. وقيل فيما رُوي عن الحسن: إنه ليس نصًّا في تأخّر دحو الأرض عن خلق
السماء فإن بسط الأرض معطوف على إصعادِ الدخان وخلقِ السماء بالواو والتي هي بمعزِلٍ
من الدلالة على الترتيب. اهـ.
(٢) سلف ٢٤/ ١٥٤.

الآية : ٣١
٢٧٧
سُورَةُ النَازِعَاتِ
المادة الدخانيَّة اللطيفة، وبقاء الكثيف، هذا كلّه سابقٌ على الأيام السِّتَّة، وثبت في
الخبر الصحيح، ولا ينافي الآيات(١).
وأما ما نقله الواحديُّ عن مقاتل واختاره الإمام فلا إشكالَ فيه، ويتعيَّن ((ثُمَّ))
في سورتي البقرة والسجدة على تراخي الرتبة، وهو أوفقُ لمشهورٍ قواعد الحكماء،
لكن لا يوافِقُ ما رُوي أنَّه تعالى خلق جِرم الأرض يوم الأحد ويومَ الاثنین،
ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السماوات وما فيها في يوم
الخميس والجمعة، وفي آخر يوم الجمعة تمَّ خلقُ آدم عليه السلام. انتهى.
والذي أميل إليه أنَّ تسويةَ السماء بما فيها سابقةٌ على تسوية الأرض بما فيها؛
لظهور أمر العليّة في الأجرام العلويَّة، وأمرِ المعلوليَّة في الأجرام السفليَّة، ويعلم
تأويل ما ينافي ذلك مما سمعتَ، وأما الخبر الأخير ففي صحته مقال، والله تعالى
أعلم بحقيقة الحال، وقد مرَّ شيء مما يتعلَّق بهذا المقام(٢)، وإنما أعدنا الكلامَ فيه
تذكيراً لذوي الأفهام، فتأمَّل والله تعالى الموفِّق لتحصيل المرام.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَ مَهَا﴾ بأن فجّر منها عيوناً وأجرى أنهاراً.
يقع على الرِّعْي بالكسر، وهو الكلأ، والرَّعْيُّ بالفتح، وهو
٣١
﴿وَمَهْعَنْهَا
المصدر، وكذا على الموضع والزمان. وزعم بعضهم أنَّه في الأصل للموضع.
ولعلَّه أراد أنه أشهر معانيه، والمناسب للمقام المعنى الأول، لكنَّه قيل: إنه خاصٌّ
بما يأكله الحيوان غير الإنسان، وتُجوِّز به عن مطلقِ المأكول للإنسان وغيره. فهو
مجازٌ مرسلٌ من قبيل المَرْسِن(٣).
وقال الطيبي: يجوز أن يكون استعارةً مصرّحةً، لأنَّ الكلام مع منكري الحشر
بشهادة: ((أأنتم أشد خلقا))، كأنه قيل: أيُّها المعاندون المَلزُوزون في قرن البهائم
في التمتع بالدنيا والذهول عن الآخرة.
(١) ينظر: ١٥٣/٢٤-١٥٤.
(٢) ينظر تفسير الآية [٢٩] من سورة البقرة، والآية [١١] من سورة فصلت.
(٣) المَرْسِن: موضع الرَّسَن من أنف الفرس، ثم كثر حتى قيل: مَرْسِن الإنسان. الصحاح
(رسن).

سُوْدَّةُ النَّازِعَاتِ
٢٧٨
الآية : ٣٢
بيانٌ(١) وتفسيرٌ لـ ((دحاها)) وتكملةٌ له، فإنَّ السكنى لا تتأتَّى بمجرَّد البسط
والتمهيد، بل لا بدَّ من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب. أو حالٌ من فاعله
بإضمار ((قد)) أو بدونه، وكلا الوجهين مقتضٍ لتجريد الجملة عن العاطف.
أي:
وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ﴾ منصوبٌ بمضمر يفسِّره قولُه سبحانه: ﴿أَرْسَهَا (®َـ
أثبتها، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الرُّسُوَّ المنسوبَ إليها في مواضع كثيرة من التنزيل ليس من
مقتضيات ذاتها، وللفلاسفة المحدّثين كلامٌ في أمر الأرض وكيفية بدئها لا مستندَ لهم
فيه إلا آثارٌ أرضيةٌ يزعمون دلالتها على ذلك، هي في أسفل الأرض عن ساحة القبول.
وقرأ عيسى برفع: ((الأرض))(٢). والحسن وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وابن
أبي عبلة وأبو السمال برفع ((الأرض)) و((الجبال))(٣)، وهو - على ما قيل - على
الابتداء. وتعقّبه الزجَّاج(٤) بأنَّ ذلك مرجوحٌ؛ لأنَّ العطفَ على فعليةٍ.
وأورد عليه أنَّ قوله تعالى: ((بناها)) بيانٌ لكيفية خَلْق السماء، وقوله سبحانه:
((رفع سمكها)) بيانٌ للبناء، وليس لدحو الأرض، وما بعده دخل في شيء من ذلك،
فكيف يُعطَف عليه ما هو معطوفٌ على المجموع عطفَ القصَّة على القصَّة، والمعتبرُ
فيه تناسبُ القصتين، وهو حاصلٌ هنا، فلا ضيرَ في الاختلاف، بل فيه نوعُ تنبيهٍ
على ذلك.
وقيل: إنَّ جملةَ قوله تعالى: ((والأرض)) إلخ على القراءتين ليست معطوفةً على
قوله سبحانه: ((رفع سمكها)) لأنها لا تصلح بياناً لبناء السماء، فلا بدَّ من تقدير
معطوفٍ عليه، وحينئذٍ يقدّر جملة فعلية على قراءة الجمهور، أي: فَعَل ما فَعَل في
السماء. وجملةٌ اسميةٌ على قراءة الآخرين، أي: السماءُ وما يتعلَّق بها مخلوقٌ له
تعالى .
وجوِّز عطفُ ((الأرض)) بالرفع على ((السماء)) من حيث المعنى، كأنه قيل:
(١) قوله: بيان، خبر لقوله: وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَهَا﴾ ....
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤٣٤، والبحر ٤٢٣/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٨، والمحتسب ٢/ ٣٥٠، والمحرر الوجيز ٤٣٤/٥، والبحر ٤٢٣/٨.
(٤) في معاني القرآن وإعرابه ٢٨٠/٥.

الآية : ٣٣ - ٣٤
٢٧٩
سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ
السماءُ أشدُّ خلقاً والأرضُ بعدَ ذلك. أي: والأرضُ بعدَ ما ذُكر من السماء أشدُّ
خلقاً. فيكون وزانُ قوله تعالى: ((دحاها)) إلخ وزانَ قوله تعالى: ((بناها)) إلخ.
وحينئذٍ فلا يكون ((بعد ذلك)» مُشعِراً بتأثّرٍ دحو الأرض عن بناءِ السماء.
وقوله تعالى: ﴿مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ (®﴾ قيل: مفعولٌ له، أي: فَعَلَ ذلك تمتيعاً
لكم ولأنعامكم؛ لأنَّ فائدةَ ما ذُكر من الدَّحْو وإخراج الماء والمرعى واصلةٌ إليهم
ولأنعامهم، فإنَّ المرعى كما سمعتَ مجازٌ عمَّا يأكله الإنسان وغيره.
وقيل: مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعله المضمَر، أي: متَّعكم بذلك متاعاً. أو مصدرٌ من غير
لفظه، فإنَّ قولَه تعالى: ((أخرج منها ماءها ومرعاها)) في معنى: متَّع بذلك.
وأُورِدِ على الأول أنَّ الخطابَ لمنكري البعث، والمقصودُ هو تمتيعُ المؤمنين،
فلا يلائم جعلَ تمتيع الآخرين كالغرض، فالأولى ما بعده.
وأجيب بأنَّ خطابَ المشافهة وإن كان خاصًّا بالحاضرين إلا أنَّ حكمه عامٌ،
كما تقرَّر في الأصول، فالمآل إلى تمتيع الجنس. وأيضاً النصبُ على المصدرية
بفعله المقدَّر لا يدفع المحذورَ؛ لكونه استئنافاً لبيان المقصود، ولا يخفى أنَّ كونَ
المقصود هو تمتيعُ المؤمنين محلٌّ بحثٍ.
وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّمَةُ الْكُبْرَ (٣َ﴾ إلخ شروعٌ في بيان معادهم إثرَ
بيان أحوال معاشهم بقوله عز وجل: (مَنَعًا) إلخ، والفاءُ للدلالة على ترتُّبِ ما بعدها
على ما قبلها على ما قيل، كما يُنبئ عنه لفظُ المتاع.
و ((الطّامَّة)): أعظمُ الدواهي، لأنه من ظَمَّ بمعنى: علا. كما ورد في المثل:
جرى الوادي فطَمَّ على القَرِيِّ(١). و: جاء السيلُ فطمَّ الركيَّ(٢). وعلوُّها على
(١) يضرب عند تجاوز الشرِّ حدَّه. وطمَّ: دفن، و((على)) من صلة المعنى، أي: أتى على
القَريِّ، يعنى: أهلكه بأن دفنه. مجمع الأمثال للميداني ١/ ١٥٩، وورد في هامش الأصل:
القَريُّ: فعيل، مجرى الماء في الحوض، والجمع: أَقْرِية وقُريان، وهي جداول
الأنهار. اهـ. والمثل عجز بيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٣٥٩/٣، وصدره:
وإنَّ لهم لإحساناً ولكنْ
(٢) في هامش الأصل: يقال: ظَمَّ السيلُ الركيةَ: دفنها. اهـ.

سُورَةُ النَّازِعَائْتِ
٢٨٠
الآية : ٣٥
الدواهي غلبتُها عليها. فيرجع لِمَا ذكر. قيل: فوَصْفها بـ ((الكبرى)) للتأكيد، ولو فسِّر
كونُها طامَّةً بكونها غالبةً للخلائق لا يقدرون على دفعها لكان الوصفُ مخصِّصاً.
وقيل: كونُها طامَّةً باعتبارِ أنها تغلب وتفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا، وكونُها
كبرى باعتبارِ أنها أعظمُ من جميع الدواهي مطلقاً .
وقيل غير ذلك، وأنت تعلم أنَّ ((الطَّامَّة الكُبْرى)) صارت كالعَلَم للقيامة، ورُوي
كونها اسماً من أسمائها هنا عن ابن عباس(١)، وعنه أيضاً وعن الحسن أنَّها النفخةُ
الثانية(٢).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد الهمداني أنها الساعةُ
التي يُساق فيها أهلُ الجنة إلى الجنة، وأهلُ النار إلى النار(٣).
وأخرجا عن عمرو بن قيس الكندي أنها ساعةً يساق أهلُ النار إلى النار(٤).
وفي معناه قول مجاهد: هي إذا دُفِعوا إلى مالك خازنٍ جهنم.
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اْإِسَنُ مَا سَعَى (®) بدلُ كلٍّ أو بعضٍ من ((إذا جاءَت)) على ما قيل.
وقيل: بدلٌ من ((الظَّامَّة الكبرى)) فيكون مرفوعَ المحلِّ، وفُتِح لإضافته إلى
الفعل على رأي الكوفيين، وتكون ((الطامة)) حقيقة التذكُّر والبروز؛ لأنَّ حُسن العمل
يغلب كلَّ لذَّةٍ وسواه كلَّ مشقَّةٍ، وكذا بروزُ الجحيم مع الابتلاء به يغلب كلَّ مشقَّةٍ،
ومع النجاة عنه كلَّ لذَّةٍ. ولا يخفى تعشُّفُه.
وقيل: ظرفٌ لـ ((جاءت)) وعليه الطبرسي(٥). واستُظهِر أنه منصوبٌ بـ : أعني
تفسيراً لـ ((الطَّامَّة الكبرى)).
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ٩٧.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢٠٠، والمحرر الوجيز ٤٣٤/٥.
(٣) الدر المنثور ٣١٣/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٥٥٨/١٣، وهو في تفسير الطبري ٢٤/ ٩٧.
والقاسم بن الوليد هو أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، توفي سنة (١٤١هـ). كان ثقة.
تهذيب التهذيب ٤٢٣/٣ .
(٤) الدر المنثور ٣١٣/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٨١/١٩ (تحقيق محمد عوامة).
(٥) في مجمع البيان ٣١/٣٠.