Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ١٩
٢٢١
سُورَةُ النَّبَا
يلبسون الجياب: فأهلُ الكبر والخُيَلاء والفخر)). وهذا كما قال ابنُ حجر:
حديثٌ موضوعٌ، وآثارُ الوضع لائحةٌ عليه(١).
· وعليه قيل: لا بدَّ من التغليب في قوله تعالى: ((فتأتون)) إذ لا يمكن الإتيان
للمصلوب والمسحوب على الوجه، ولا لمن قُطعت يداه ورجلاه. وتعقّب بأنَّه ليس
بشيءٍ، فإنَّ أمورَ الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا، والقادرٌ على البعث قادرٌ على
جعلهم ماشين بلا أيدٍ وأرجلٍ، وأن تمشيَ بهم عمدُ النار التي صُلبوا عليها، مع أنَّه
لا يلزم أن يأتوا بأنفسهم؛ لجواز أن تأتيَ بهم الزبانيةُ.
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَةُ﴾ عطفٌ على ((ينفخ)) على ما قيل، وصيغة الماضي للدلالة على
التحقُّق، وعن الزمخشريِّ أنه معطوفٌ على ((فتأتون))(٢)، وليس بشرط أن يتوافقا في
الزمان كما يَظنُّ مَن ليس بنحويٍّ. وأقرَّه في ((الكشف))، وقال: الشرط في حسنه أن
يكون مقرّباً من الحال، أو يكون المضارعُ حكايةَ حالٍ ماضية، وما نحن فيه مضارعٌ
جيء به بلفظ الماضي تفخيماً وتحقيقاً لوقوعه فهو أقربُ قريبٍ منه، ولو جُعل حالاً
على معنى: فتأتون وقد فُتحت السماء، لكان وجهاً .
وقرأ الجمهور - أي: مَن عدا الكوفيين -: ((فُتِّحت)) بالتشديد(٣)، قيل: وهو
الأنسب بقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ أَبْوَبًا
١٩٦)
وفُسِّر الفتح بالشَّقِّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وقوله
سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] إلى غير ذلك، والقرآن يفسِّرُ بعضُه
بعضاً، وجاء الفتح بهذا المعنى كفتح الجسور(٤) وما ضاهاها. ولعلَّ نكتةَ التعبير به
(١) نقله الخفاجي في حاشية الشهاب ٣٠٥/٨، وقال ابن حجر في لسان الميزان ٧/ ١٤٢ في
ترجمة: محمد بن زهير بن عطية السُّلَمي: وأظنه الذي روى الحديث الطويل الظاهر الوضع
في البعث، المذكور عند الثعلبي في تفسير ﴿عَمَّ يَّسَلَّلُونَ﴾ .
(٢) لم نقف عليه في الكشاف، وذكر هذا الوجه الشهاب في الحاشية ٣٠٥/٨، ولم ينسبه
لأحد.
(٣) التيسير ص ١٩٠، والنشر ٣٦٤/٢.
(٤) كذا في الأصل و(م)، والذي في حاشية الشهاب ٣٠٥/٨: كفتح الجيوب.

سُوَّةُ النَّبل
٢٢٢
الآية : ٢٠
عنه الإشارةُ إلى كمال قدرته تعالى حتى كان شقُّ هذا الجرم العظيم كفتح الباب
سهولةً وسرعةً .
و((كان)) بمعنى ((صار))، ولدلالتها على الانتقال من حالٍ إلى أخرى، وكونٍ
السماء بالشقِّ لا تصير أبواباً حقيقةً، قالوا: إنَّ الكلام على التشبيه البليغ، أي:
فصارت شقوقُها - لسعتها - كالأبواب، أو فصارت من كثرة الشقوق كأنَّ الكلَّ
أبوابٌ، أو بتقدير مضافٍ أي: فصارت ذاتَ أبواب.
وقيل: الفتحُ على ظاهره، والكلامُ بتقدير مضافٍ إلى ((السماء)»، أي: فُتحت
أبواب السماء فصارت كأن كلَّها أبوابٌ، ويجامع ذلك شَقّها فتشقُّ وتفتحُ أبوابها .
وتعقِّب بأنَّ شقَّها لنزول الملائكة كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ اٌلَّمَاءُ بِالْغَمَِ وَنُزِلَ
المَكَبِّكَةُ تَغِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] فإذا شقِّقت لا يحتاج لفتح الأبواب، وأيضاً فتحُ
أبوابها ليس من خواصٌ يوم الفصل، وفيه بحثٌ. نعم إنَّ الوجه الأول أولى.
وقيل: المعنى: يفتح مكان السماء بالكَشْط فتصيرُ كلُّها طرقاً لا يسدُّها شيءٌ.
وفيه بعدٌ.
وعلى ما تقدَّم، في الآية ردٌّ على زاعمي امتناع الخَرْق على السماء، وفيها على
هذا ردٌّ لزاعمي كَشْطها كما هو المشهور عن الفلاسفة المتقدِّمين، وإن حقَّقَ
الملا صدرا في ((الأسفار)) أنَّ أساطنتهم على خلاف ذلك، والفلاسفةُ اليوم ينفون
السماءَ المعروفة عند المسلمين، ولم يأتوا بشيءٍ تؤوَّل له الآياتُ والأخبار
الصحيحة في صفتها كما لا يخفى على الذكيِّ المنصف.
﴿وَسُِرَتِ اَلِبَالُ﴾ أي: في الجوِّ على هيئتها بعد تفتُّتها، وبعد قلعها من مقارِّها
كما يُعربُ عنه قولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الْبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُوُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:
٨٨]. وأدمجَ فيه تشبيه الجبال بحبال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها
كما ينطق به قولُه تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
أي: فصارت بعد تسييرها مثلَ سرابٍ، فتُرى بعد تفتُّتها
، فَكَانَتْ سَرَابًا
وارتفاعها في الهواء كأنَّها جبالٌ، وليست بجبال، بل غبارٌ غليظ متراكم يُرى من

الآية : ٢٠
٢٢٣
سُورَةُ النَّبّ
بعيدٍ كأنَّه جبلٌ، كالسراب يُرى كأنَّه بحرٌ مثلاً، وليس به، فالكلامُ على التشبيه
البليغ .
:
والجامع أنَّ كلَّ من الجبال والسراب يُرى على شكل شيءٍ، وليس هو بذلك
الشيء. وجُوِّز أن يكون وجهُ الشبه التخلخلَ، إذ تكون بعد تسييرها غباراً منتشراً
كما قال تعالى: ﴿وَبَّتِ الْجِبَالُ بَشَّا ﴿ فَكَانَتْ هَبَاءٍ مُبَثًا﴾ [الواقعة: ٥-
والمستفادُ من ((الأزهار البديعة في علم الطبيعة)) لمحمد الهراوي أنَّ السرابَ
هواءٌ تسخَّنت طبقتُه السفلى التي تلي الأرض؛ لتسخّنِ الأرض من حرِّ الشمس،
فتخلخلت وصعدَ جزءٌ منها إلى ما فوقَها من الطبقات فكان أكثفَ مِمَّا تحته، وخرج
بذلك التسخّنِ عن موقعه الطبيعيّ من الأرض، ولانعكاس الأشعة الضوئية وانكسارها
فيه على وجهٍ مخصوص - مبيّن في الكتاب المذكور - مع انعكاس لون السماء يُظَنُّ
ماءً، وتُرى فيه صورةُ الشيء منقلبةً، وقد تُرى فيه صورٌ سابحةٌ كقصور وعمد ومساكنَ
جميلةٍ مستغربةٍ وأشباح سائرة تتغير هيئتها في كلِّ لحظة وتنتقل عن محالّها ثم تزول،
وما هي إلَّ صورٌ حاصلةٌ من انعكاس صور مرئية بعيدةٍ جدًّا أو متراكبةٌ في طبقات
الهواء المختلفة الكثافة، فاعتبارُ التخلخلِ فقط في وجه الشبه لا يخلو عن نظر.
وأيًّا ما كان فهذا بعد النفخة الثانية عند حشر الخَلْق، فاللهُ عز وجل يسيِّرُ
الجبالَ ويجعلها هباءً منبثًا، ويسوِّي الأرضَ يومئذٍ كما نطق به قوله تعالى:
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِى نَسْفًا ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (چ لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا
وَلَآَ أَمْنَا ﴿ يَوْمِذٍ يَتَّعُونَ الدَّعِىَ﴾ [طه: ١٠٥-١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
اَلْأَرْضُ غَيّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لَِّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فإنَّ انِّباع
الداعي - الذي هو إسرافيلُ عليه السلام - وبروزَ الخلق تعالى لا يكون إلَّا بعد
النفخة الثانية، وأمَّا اندكاكُ الجبال وانصداعُها فعند النفخة الأولى.
وقيل: إنَّ تسييرها وصيرورتها سراباً عند النفخة الأولى أيضاً، ويأباه ظاهر
الآية، نعم لو جُعلت الجملةُ حاليةً، أي: فتأتون أفواجاً وقد سُيِّرت الجبال فكانت
سراباً، لكان ذلك محتملاً، والظاهرُ أنها تصير سراباً لتسوية الأرض، ولا يبعد أن
یکون فیه ◌ِگمٌ أخرى.

سُورَةُ النَّبَإِ
٢٢٤
الآية : ٢١
وقول بعضهم: إنَّها تجري جريانَ الماء وتسيل سيلانَه كالسراب، فيزيد ذلك في
اضطراب متعطّشي المحشر وغلبة شوقهم إلى الماء = خلاف الظاهر.
شروعٌ في تفصيل أحكام الفَصْل الذي أُضيف إليه
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا
الیوم إثر بيان هوله.
والمرصادُ: اسم مكان، كالمضمار للموضع الذي تضمَّرُ فيه الخيل، ومِفْعال
يكون كذلك - على ما صرَّح به الراغب والجوهريُّ(١) وغيرُهما - كما يكون اسمَ آلةٍ
وصفةً مشبَّهةً للمبالغة. والظاهرُ أنَّه حقيقةٌ في الجميع. أي: موضعُ رصدٍ وترقُّب،
تَرصدُ فيه خزنةُ النار الكفارَ ليعذِّبوهم. وقيل: ترصد فيه خزنةُ الجنة المؤمنين
ليحرسوهم من فَيْحها في مجازهم عليها. وقيل: ترصد الملائكةُ عليهم السلام
الطائفتين لتعذب(٢) إحداهما وهي المؤمنة وتعذِّب الأخرى وهي الكافرة.
وجوِّز أن يكون صيغة مبالغة كمِنْحار(٣)، أي: مُجدَّة في ترصُّد الكفرة؛ لئلا
يشذَّ منهم واحدٌ، أو مجدّة في ترصُّد المؤمنين لئلا يتضرَّر أحدٌ منهم من فَيْحها، أو
مجدَّةٌ في ترصُّد الطائفتين على نحو ما سمعتَ آنفاً .
وإسناد ذلك إليها مجازٌ أو على سبيل التشبيه. وفي ((البحر))(٤): إنَّ في:
((مرصادا)) معنى النَّسب، أي: ذات رصدٍ.
وقد يفسّرُ المرصاد بمطلق الطريق وهو أحد معانيه، فيكون للطائفتين، ومن هنا
قال الحسن كما أخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد في الآية: لا يدخلُ
الجنةَ أحدٌ حتى يجتاز النار. وقال قتادة كما أخرج هؤلاء عنه أيضاً: اعلموا أنَّه
لا سبيل إلى الجنة حتى تُقطعَ النار(٥).
(١) الراغب في ((المفردات)) (رصد)، والجوهري في ((الصحاح)) مادة (ضمر).
(٢) كذا في الأصل و(م)، وصوابه: لتحرس، أو: لتنقذ، أو نحوه.
(٣) في (م): كمتحار. ورجل منحار: يوصف بالجود. الصحاح (نحر).
(٤) البحر ٤١٣/٨.
(٥) تفسير الطبري ٢١/٢٤، والدر المنثور ٣٠٧/٦.

الآية : ٢٢ - ٢٣
٢٢٥
سُورَةُ النَّبُّ
وقوله تعالى: ﴿لِلطَّغِينَ﴾ أي: المتجاوزين الحدَّ في الطغيان، متعلِّقٌ بمضمر؛
إمَّا نعتٌ لـ (مرصادا)) أي: كائناً للطاغين، وإمَّا حالٌ من قوله تعالى: ﴿مَثَابًا
قُدِّم عليه لكونه نكرةً، ولو تأخّر لكان صفةً له، أي: كانت مرجعاً ومأوّى كائناً لهم
يرجعون إليه ويأوون لا محالةَ، وجوّز أن يكون خبراً آخر لـ ((كانت))، أو متعلقاً
بـ ((مآباً)) أو بـ ((مرصاداً))، وعليه قيل: معنى مرصاداً لهم: معدّةٌ لهم، من قولهم:
أَرْصَدْت له، أي: أعددت وكافأته بالخير أو بالشر.
و((مآباً) قيل: بدل من ((مرصاداً)) على جميع الأوجه، بدلَ كلّ من كلّ. وقيل:
هو خبرٌ ثانٍ لـ ((كانت)) أو صفةٌ لـ ((مرصاداً))، و(للطاغين)) متعلِّقٌ به أو حالٌ منه على
بعض التفاسير السابقة في ((كانت مرصاداً))، فتأمَّل.
وقرأ أبو عمرو المِنْقَريُّ وابن يعمر: ((أنَّ جهنّم)) بفتح الهمزة(١)، بتقدير لام
جرِّ؛ لتعليل قيام الساعة المفهوم من الكلام، والمعنى: كان ذلك لإقامة الجزاء.
وتعقّب بأنَّه ينبغي حينئذٍ أن يكون (إنَّ للمتقين)) أيضاً بالفتح ومعطوفاً على ما هنا؛
لأنه بكليهما يتمُّ التعليل بإقامة الجزاء، إلَّا أن يقال: ترك العطف للإشارة إلى
استقلال كلٍّ من الجزاءين في استدعاء قيام الساعة. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه بذاك يتمُّ
الجزاء، وأمَّا نفس إقامته فيكفي في تعليلها ما ذكر، على أنَّه لو كان المراد
فيما سبق: كانت مرصاداً للفريقين - على ما سمعت - لا يتسنَّى هذا الكلام أصلاً.
وقوله تعالى: ﴿لَّبِثِنَ فِيَهَا﴾ - أي: مقيمين في جهنم ملازمين لها - حالٌ مقدَّرةٌ
من المستكنِّ في ((للطاغين)).
وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن عليٍّ وابن وثَّاب وعمرو بن شُرَحْبيل وابن جبير
وطلحة والأعمش وحمزة وقتيبة وسورة وروح: ((لبثين)) بغير ألف بعد اللَّام (٢)، وفيه
(١) الكشاف ٢٠٩/٤، والبحر ٤١٣/٨، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٧ إلى
أبي معمر، وهي كنية المنقري نفسه، كما أن ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٥/٥ نسبها
لأبي معمر المنقري، ولعله يقال له أيضاً: أبو عمرو. ينظر سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٢٢،
وغاية النهاية ٤٣٩/١ وباقي مصادر ترجمته.
(٢) التيسير ص٢١٩، والنشر ٣٩٧/٢ عن حمزة وروح، والكلام من البحر ٤١٣/٨.

سُورَةُ النَّبَا
٢٢٦
الآية : ٢٣
من المبالغة ما ليس في ((لابثين)). وقال أبو حيان (١): إنَّ فاعلاً يدلُّ على مَنْ وُجد
منه الفعل، وفَعِلاً يدلُّ على مَنْ شأنُه ذلك کحاذر وحَذِر.
﴾ ظرفٌ للبثهم وهو - وكذا: أحْقُب - جمع: حُقب،
وقوله تعالى: ﴿أَحْقَابًا ®
بالضم وبضمَّتين. وهو على ما رُوي عن الحسن: زمانٌ غير محدود، ونحوه تفسير
بعض اللّغویین له بالدهر.
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصحَّحه(٢) عن ابن مسعود أنه قال: الحُقب
الواحد ثمانون سنة. وأخرج نحوه البزارُ عن أبي هريرة (٣)، وابنُ جرير (٤) عن ابن
عباس، وابنُ المنذر عن ابن عمر(٥)، ورُوي عن جمع من السلف (٦) بَيْدَ أنَّهم
قالوا: إنَّ كلَّ يومٍ منه - أي: هنا - مقدار ألف سنة من سني الدنيا .
وأخرج البزار وابنُ مردويه والديلميُّ عن ابن عمر مرفوعاً أنَّه بضعٌ وثمانون
سنة، كلُّ سنة ثلاثمئة وستُّون يوماً، واليوم ألف سنة مما تَعدُّون(٧).
وقيل: أربعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت فيه حديثاً
مرفوعاً(٨).
وقال بعض اللغويين: سبعون ألف سنة. واختار غيرُ واحد تفسيرَه بالدهر.
وأيَّاما كان فالمعنى: لابثين فيها أحقاباً متتابعةً، كلَّما مضى حُقبٌ تبعه حُقبٌ
(١) في البحر ٤١٣/٨.
(٢) المستدرك ٢/ ٥١٢، وعزاه لهما السيوطي في الدر المنثور ٣٠٧/٦.
(٣) كشف الأستار (٢٢٧٨)، وأخرجه أيضاً هناد في الزهد (٢١٩)، والطبري ٢٤/٢٤.
(٤) في تفسيره ٢٤/ ٢٤ .
(٥) الدر المنثور ٣٠٨/٦، وفيه: ابن عمرو.
(٦) ينظر تفسير الطبري ٢٤/٢٤-٢٥، والدر المنثور ٣٠٧/٦-٣٠٨.
(٧) الدر المنثور ٣٠٨/٦، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ٣٣٢/١، وابن عدي في
الكامل ١١٣٤/٣، وذكره الذهبي في الميزان ٢٢٣/٢ مع حديث آخر وقال: هما موضوعان
في نقدي.
(٨) الدر المنثور ٣٠٨/٦ وأخرجه أيضاً ابن عدي ١٧٨١/٥، وفي إسناده عمرو بن شمر
الجعفي، وهو متروك.
١

الآية : ٢٣
٢٢٧
سُورَةُ النَّبـ
آخر. وإفادةُ التتابع في الاستعمال بشهادة الاشتقاق، فإنَّه من الحقيبة وهي ما يشدُّ
خلف الراكب، والمتتابعات يكون أحدها خلف الآخر، فليس في الآية ما يدلُّ على
خروج الكفرة من النار وعدم خلودهم فيها؛ لمكان فَهْم التتابع في الاستعمال،
وصيغةُ القلَّة لا تنافي عدم التناهي، إذ لا فرق بين تتابع الأحقاب الكثيرة إلى
ما لا يتناهى، وتتابع الأحقاب القليلة كذلك.
وقيل: إنَّ الصيغة هنا مشتركةٌ بين القلّة والكثرة، إذ ليس للحُقب جمعُ كثرة
فلْيُرَدْ بها - بمعونة المقام - جمع الكثرة. وتعقّب بثبوت جمع الكثرة له، وهو الحِقَب
كما ذكره الراغب، والذي رأيته في ((مفرداته))(١) أنَّ الحِقَب ـ أي: بكسر الحاء
وفتح القاف - جمع (٢): الحقبة، المفسّرة بثمانين عاماً.
نعم قيل: إنَّه ينافيه ما ورد أنَّه يخرج أناسٌ من أهل النار من النار ويقربون من
الجنة، حتى إذا استنشقوا ريحَها ورأَوْا ما أعدَّ الله تعالى لعباده المؤمنين فيها
نُودوا: أن اصرفوهم عنها، لا نصيبَ لهم فيها، فيُردُّون إلى النار بحسرةٍ ما رجع
الأولون والآخرون بمثلها(٣). وتعقب بأنَّه إنْ صحَّ إنَّما ينافيه لو كان الخروج حقباً
تامًّا، أمَّا لو كان في بعض أجزاء الحُقب فلا؛ لبقاء تتابع الأحقاب جملةً، سلَّمنا
لكنَّ هذا الإخراجَ الذي يستعقب الردّ لزيادة التعذيب كاللَّبث في النار بل(٤) أشدّ،
والكلامُ من باب التغليب، وليس فيه الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، ثم إن وجد أنَّ
في الآية ما يقتضي الدلالة على التناهي والخروج من النار ولو بعدَ زمانٍ طويل فهو
مفهوم معارَضٌ بالمنطوق الصريح بخلافه كآيات الخلود وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم
◌ِخَرِمِينَ مِنْهَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] إلى غير ذلك.
وإن جعل قوله تعالى: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿ إِلَّا حِيمًا وَغَشَّاقًا
٢٥
حالاً من المستكنِّ في ((لابثين)) فيكون قيداً للَّبث، فيحتمل أن يلبثوا فيها أحقاباً غيرَ
(١) مادة (حقب).
(٢) لفظ: جمع، ليست في (م).
(٣) سلف تخريجه ٨/ ٤٣٧.
(٤) لفظ: بل، ليست في (م).

سُورَةُ النَّبُر
٢٢٨
الآية : ٢٤
ذائقين إلَّا حميماً وغسّاقاً، ثم يكون لهم بعد الأحقاب لبثٌ على حالٍ آخرَ من
العذاب. وكذا إن جعل ((أحقاباً) منصوباً بـ ((لا يذوقون)) قيداً له، إلَّا أنَّ فيه بُعْداً،
ومثله لو جعل ((لا يذوقون فيها)) إلخ صفةً لـ ((أحقاباً)) وضميرُ ((فيها)) لها لا لجهنم،
لكنَّه أبعدُ من سابقه.
وقيل: المراد بالطاغين ما يقابل المتقين، فيشمل العصاةَ، والتناهي بالنظر إلى
المجموع، وهو کما تری.
وقولُ مقاتل: إنَّ ذلك منسوخٌ بقوله تعالى: (فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) [النبأ:
٣٠]، فاسدٌ کما لا يخفى.
وجوّز أن يكون («أحقاباً)) جمعُ: حَقِب، كحذِر، من حَقِب الرجلُ: إذا أخطأه
الرزقُ، وحَقِبَ العامُ: إذا قلَّ مطرُه وخيرُه، والمراد: محرومين من النعيم، وهو
کنایةٌ عن کونهم معاقبین، فیکون حالاً من ضمير ((لا بثين)).
وقولُه تعالى: (لَّا يَذُوقُونَ) صفةٌ كاشفةٌ أو جملةٌ مفسِّرةٌ لا محلَّ لها من
الإعراب، وهو على ما ذُكر أولاً جملةٌ مبتدأة خبر عنهم.
والمراد بالبرد ما يروِّحهم وينفِّس عنهم حرَّ النار، فلا ينافي أنَّهم قد يعذَّبون
بالزمهرير. والشرابُ معروفٌ. والحميمُ: الماء الشديد الحرارة. والغسَّاق:
ما يقطر من جلود أهل النار من الصديد. أي: لا يذوقون فيها شيئاً ما؛ من رَوْح
ينفِّس عنهم حرَّ النار، ولا من شراب يسكِّن عطشهم، لكن يذوقون ماءً حاًّا
وصدیداً .
وفي الحديث: ((إنَّ الرجل منهم إذا أدنى ذلك مِن فِيْهِ سقط فروة وجهه حتى
يبقى عظاماً تقعقع))(١).
وعن ابن عباس ﴾: أنَّ البردَ الشرابُ البارد المستلَذُّ، ومنه قولُ حسان بن
ثابت :
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٠٨/٦ لابن مردويه.

الآية : ٢٤
٢٢٩
سُورَةُ النَّبِ
بَرْداً (١) يُصَفَّقُ بالرحيق السَّلْسل(٢) .
يَسْقون مَنْ وَرَدَ البریْصَ علیھمُ
وقولُ الآخر(٣):
أمانيُّ من سُعْدَى حِسانٌ كأنَّما سَقْكَ بها سُعْدَى على ظَمأ بَرْداً (٤)
فيكون ((ولا شراباً)) من نفي العامّ بعد الخاصِّ.
وقال أبو عبيدة(٥) والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ(٦) النحويُّ: البَرْد: النوم،
والعرب تسمّيه بذلك؛ لأنَّه يبرد سَوْرة العطش، ومن كلامهم: منعَ البردُ البردَ،
وقال الشاعر:
وإن شئتُ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْداً (٧)
فلو شِئتُ حرَّمتُ النساءَ سواكُمُ
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: النحويون ينشدون بيت حسان: بردى، بفتح الراء والدال
بعدها ألف التأنيث، وهو نهر في دمشق. اهـ. منه. ویروی البيت بالروايتين.
(٢) ديوان حسان ص٣٦٥، وسلف عند تفسير الآية (٥٦) من سورة الأعراف.
(٣) اختلف في نسبة هذا البيت كما هو مبيَّنٌ في التعليق التالي.
(٤) شعر ابن ميادة ص ٢٤٥ (القسم الذي نُسب إليه أو إلى غيره)، ونسبه أبو تمام في الحماسة
١٤١٣/٣ (شرح المرزوقي) لرجل من بني الحارث، ونسبه الجاحظ في الحيوان ٥/ ١٩٢
لبعض الأعراب، ونسبه في معاهد التنصيص ١٤١/٢ لابن سارة. ورُوي البيت بأسماء
أخرى مثل: ليلى، سلمى. ويروى: عِذابٌ، بدل: حسانٌ، ويروى: سقتني، سقتنا.
ويروى: أمانيَّ .... حساناً، بإضمار فعل، كأنه قال: أذكر أمانيَّ من سُعدى ... والمعنى
كما ذكر المرزوقي: أذكرُ أمانيَّ من هذه المرأة جميلةً، وكأن موقعها من قلوبنا موقعُ الماء
البارد من ذي الغُلَّة الصادي.
(٥) في مجاز القرآن ٢٨٢/٢.
(٦) كذا في الأصل و(م)، والمحرر الوجيز ٤٢٦/٥، والبحر ٤١٤/٨، ولعلها: أبو معاذ،
فالفضل بن خالد هو أبو معاذ النحوي، وقد نقل الحموي في معجم الأدباء ٢١٤/١٦ في
ترجمته عن الأزهري قوله: ولأبي معاذ كتاب في القرآن حسن. اهـ. وقد روى عنه الأزهري
في التهذيب فأكثر. (ت ٢١١هـ). وجاء في النسخ الخطية لتفسير القرطبي ٢٠/٢٢ :
وأبو معاذ، ولعل الواو فيها زائدة. وأما إن كانت كما هي، أي: ومعاذ، فلعله: معاذ بن
مسلم، أبو مسلم، النحوي الكوفي الهراء، أستاذ الكسائي. (ت ١٨٨هـ). إنباه الرواة
٢٨٨/٣، والسير ٤٨٢/٨.
(٧) جاء في هامش الأصل: نُقاخاً، أي: ماءً. منه. والبيت للعرجي كما في الحيوان للجاحظ
=

سُورَةُ النَّبَا
٢٣٠
الآية : ٢٦
وهو (١) مجازٌ في ذلك عند بعض، ونقل في ((البحر)) عن كتاب ((اللغات في
القرآن)) أنَّ البرد هو النوم بلغة هذيل(٢)، وعن ابن عباس وأبي العالية: الغسَّاق
الزمهرير، وهو على ما قيل مستثنّى من ((برداً)) إلَّا أنَّه أُخْر لتوافق رؤوس الآي،
فلا تَغْفُل.
وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة: ((غساقاً)) بالتخفيف(٣).
﴿جَزَآءُ﴾ أي: جُوزوا بذلك جزاءً، فـ ((جزاء)) مفعولٌ مطلق منصوب بفعل
مقدَّر، وجعلُه خبراً آخر لـ ((كانت)) ليس بشيء.
وقوله تعالى: ﴿وِفَاقًا
وفاق، أو بتأويله باسم الفاعل، أو لقصد المبالغة على ما عُرف في أمثاله.
مصدرُ وافقه، صفةٌ له بتقدير مضاف، أي: ذا
٢٦
وأيَّاما كان فالمراد: جزاءً موافقاً لأعمالهم، على معنى أنَّه بقَدْرِها في الشدَّة
والضعف بحسب استحقاقهم، كما يقتضيه عدله وحكمتُه تعالى.
والجملةُ من الفعل المقدَّر ومعموله جملةٌ حالية أو مستأنفة.
وجُوِّز أن يكون ((وفاقاً)) مصدراً منصوباً بفعل مقدَّر أيضاً أي: وافقها وفاقاً،
وهذه الجملة في موضع الصفة لـ ((جزاءً)). وقال الفراء: هو جمع: وفق(٤).
ولا يخفى ما في جعله حينئذٍ صفةً لـ ((جزاء)» من الخفاء.
وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة: ((وِفَّاقاً)) بكسر الواو وتشديد الفاء(٥)،
من وَفِقه يَفِقُه - كـ: ورثه يرثه -: وَجَدَه موافقاً لحاله. وفي ((الكشف)): وَفِقه بمعنى
= ٣٢/٥، والصحاح (نقخ)، ولسان العرب (برد)، وهو بلا نسبة في تفسير الغريب لابن قتيبة
ص١٤٦ و٥٠٩. والنقاخ: الماء العذب.
(١) قبلها في (م): أي.
(٢) البحر ٤١٤/٨، والكتاب لعله لابن حَسْنُون، عبد الله بن الحسين بن حسنون، مسند القرّاء
في زمانه وعالم باللغة. (ت ٣٨٦هـ). معرفة القراء الكبار ٣٢٧/١، والأعلام ٧٩/٤.
(٣) التيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦٠/٢. وقرأ بالتشديد حفص وحمزة والكسائي وخلف.
(٤) البحر ٨/ ٤١٤.
(٥) البحر ٨/ ٤١٤ .

الآية : ٢٧ - ٢٨
٢٣١
سُورَةُ النَّجَّ
وافقه، وليس وصف الجزاء به وصفاً بحال صاحبه كما لا يخفى، وحكى ابنُ
القُوطِيَّةَ(١): وَفق أمرُه، أي: حَسُن، وليس المعنى عليه.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾﴾ تعليلٌ لاستحقاق العذاب المذكور، أي:
كانوا لا يخافون أن يُحاسبوا بأعمالهم. ﴿وَكَذَّبُواْ بِثَلِنَا﴾ الناطقةِ بذلك، أو به
﴾ أي: تكذيباً مفرطاً، وفِعَّال بمعنى تفعيل
٢٨
وبغيره مِمَّا يجب الإيمان به. ﴿ كِذَابًا
في مصدر فَعَّل مطَّردٌ شائع في كلام فصحاء العرب، وعن الفراء: أنه لغةٌ يمانية
فصيحة، وقال لي أعرابيٌّ على جبل المروة يستفتيني: الحلقُ أحبُّ إليك أم القِصَّار؟
ومن تلك اللغة قولُ الشاعر:
لقد طالَ ما ثبَّطتني عن صحابتي وعن حاجةٍ قِضَّاؤُها من شِفائيا(٢)
وقال ابن مالك في ((التسهيل))(٣): إنَّه قليلٌ.
وقرأ عليٌّ كرم الله تعالى وجهه وعوف الأعرابي وأبو رجاء والأعمش وعيسى
بخلافٍ عنه بالتخفيف(٤). قال صاحب ((اللوامح)): وذلك لغة اليمن، يجعلون
مصدر كَذَب - مخففاً - كِذَاباً بالتخفيف، مثل: كتب كتاباً، فكِذَاباً بمعنى كَذِباً،
وعليه قول الأعشى:
فصَدَقْتُها وكذَبْتُها والمرءُ ينفعُه كِذَابُه(٥)
(١) هو محمد بن عمر بن عبد العزيز الأندلسي، القرطبي النحوي، له ((تصاريف الأفعال))،
(ت ٣٦٧هـ). السير ٢١٩/١٦.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٢٩/٣، والبيت للأعور بن براء الكلبي كما في تهذيب الألفاظ لابن
السكيت ٥٦٦/٢، والأضداد لأبي حاتم السجستاني ص٧٩، ونسبه في تهذيب اللغة (كذب)
لبعض بني كلاب، وفي لسان العرب (كذب) لبعض بني كُلیب، ويروى البيت: وعن حِوَج،
بدل: وعن حاجة.
(٣) ص٢٠٦ .
(٤) المحتسب ٣٤٨/٢، والبحر ٨/ ٤١٤.
(٥) البحر المحيط ٤١٤/٨، ولم نقف عليه في ديوان الأعشى، وقال المبرد في الكامل ٢/ ٧٤٧ :
وأنشدني المازني للأعشى، وليس مما روت الرواة متصلاً بقصيدة، ثم ذكره برواية: فصدقتهم
وكذبتهم ... ، وهو برواية المصنف في اللسان، والتاج (صدق).

سُورَةُ النَّبَإِ
٢٣٢
الآية : ٢٩
والكلام هنا عليه من باب: ﴿أَنْبَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] ففعلُهُ الثلاثي إمّا
مقدَّرٌ، أي: كذَّبوا بآياتنا وكَذَبوا كِذَاباً، أو هو مصدر للفعل المذكور باعتبار تضمُّنه
معنى كَذَبَ الثلاثي، فإنَّ تكذيبهم الحقَّ الصريح يستلزم أنَّهم كاذبون. وأيًّا ما كان
يدلُّ علی کذبهم في تكذیبھم.
وجوِّز أن يكون بمعنى مكاذبة، كقتال بمعنى مقاتلة، فهو من باب المفاعلة،
على معنى أنَّ كلَّا منهم ومن المسلمين اعتقد كذب الآخر بتنزيل الاعتقاد(١) منزلةً
الفعل، لا على معنى أنَّ كلَّا كذب الآخر حقيقةً، ويجوز أن تكون المفاعلة مجازاً
مرسلاً بعلاقة اللَّزوم عن الجدِّ والاجتهاد في الفعل، ويحتمل الاستعارة فإنَّهم كانوا
مبالغين في الكذب مبالغةً المغالبين فيه.
وعلى المعنيين: كونهِ بمعنى الكذب وكونه بمعنى المكاذبة، يجوز أن يكون
حالاً (٢)، بمعنى كاذيين أو مكاذبين، على اعتبار المشاركة وعدم اعتبارها.
وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون: ((كُذَّاباً)) بضمِّ الكاف وتشديد الذال(٣)،
وخُرِّج على أنَّه جمع كاذب، كفُسَّاق جمع فاسق، فيكون حالاً أيضاً. و: كذبوا في
حال كذبهم، نظير: إذا جاء .. حين يأتي، على ما قيل في قول طَرَفة:
إذا جاءَ ما لا بُدَّ منه فمرحباً به حين يأتي لا كِذَابٌ ولا عِلَل(٤)
وفيه بحث ظاهر. وجوّز أن يكون مفرداً صيغة مبالغةٍ، ككُبَّار وحُسَّان فيكون
صفةً لمصدر محذوف، أي: تكذيباً كُذَّاباً، فيفيد المبالغة والدلالة على الإفراط في
الكذب؛ لأنه كـ : لَيْلِ ألْيَلَ وظلامٍ مظلمٍ، والإسناد فيه مجازيٌّ.
﴿وَكُلَّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها أعمالُهم، وقال أبو حيان(٥): أي:
(١) في الأصل و(م): بتنزيل ترك الاعتقاد، والمثبت هو الصواب. ينظر حاشية الشهاب ٣٠٨/٨.
(٢) جاء في هامش الأصل: كما يجوّزون مصدر المحذوف، أي: كذبوا أو كاذبوا. اهـ منه.
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٨، وذكر أبو حيان في البحر ٨/ ٤١٥ عن ابن عطية وصاحب
اللوامح أنها قراءة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، ثم ذكر الذي عند ابن خالويه.
(٤) ديوان طرفة ص ٧٥.
(٥) في البحر ٨/ ٤١٥.

:
الآية : ٢٩
٢٣٣
سُورَةُ النَّبا
كلِّ شيءٍ مِمَّا يقع عليه الثواب والعقاب، فهو عامٌّ مخصوص، وانتصابُه بمضمَر
يفسِّره ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ أي: حفظناه وضبطناه. وقرأ أبو السَّمَّال بالرفع(١) على الابتداء.
· مصدر مؤكِّدٌ لـ «أحصيناه))، فإنَّ الإحصاء والكَتْب يتشاركان في
﴿كِتَبًا
معنى الضبط، فإمَّا أن يؤوَّلَ («أحصيناه)) بـ: كتبناه، أو كتاباً بإحصاءً، وجوِّز
الاحتباك على الحذفين من الطرفين. أو حالٌ بمعنى: مكتوباً في اللوح، أو صحف
الحفظة.
والظاهرُ أنَّ الكلام على حقيقته، وقال بعضهم (٢): الظاهر أنَّه تمثيلٌ لصورة
ضبط الأشياء في علمه تعالى بضبط المُحْصي المُجدِّ المتقن للضبط بالكتابة،
وإلا فهو عزَّ وجل مستغنٍ عن الضبط بالكتابة، وهذا التمثيلُ لتفهيمنا، وإلَّا
فالانضباط في علمه تعالى أجلُّ وأعلى من أن يُمثَّل بشيءٍ. والمشهور عند أهل
السنَّة ما قدَّمنا، وليس ذلك للاحتياج وإنَّما هو لحِكَم تقصر عنها العقول.
والجملةُ اعتراضٌ لتأكيد الوعيد السابق بأنَّ ذلك كائنٌ لا محالةَ لاحقٌ بهم؛
لأنَّ معاصيَهم مضبوطةٌ مكتوبة يُكفحون(٣) بها يوم الجزاء.
وقيل: لتأكيد كفرهم وتكذيبهم بالآيات بأنَّهما محفوظان للجزاء. وليس بذاك.
وقال البعض: الأوجَّه عندي أنَّ((كلَّ شيء)) منصوبٌ بالعطف على اسم ((إنَّ»
في (إنهم كانوا لا يرجون حساباً))، و((أحصيناه كتاباً)) عطفٌ على خبره، والرفعُ على
العطف على محلِّ اسم ((إنَّ)، والجُملُ بيانٌ لكون الجزاء المذكور موافقاً
لأعمالهم؛ لأنَّ الجزاءَ الموافق إنَّما يكون لصدور أفعالٍ موجبةٍ له عنهم، وضبطها
وعدم فوتها على المُجازي، فالجملتان الأُوليان لإفادة صدور الموجبٍ وهو الكفرُ
المعبَّر عنه بعدم رجاء الحساب والتكذيب بالآيات لما أنَّ ذلك كالعلم فيه،
والأخيرةُ لإفادة الضبط وعدم الفوت، أي: مع إدماج الإشارة إلى باقي المعاصي
فيها، وليست اعتراضاً. انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف.
(١) القراءات الشاذة ص١٦٨، والبحر ٤١٥/٨.
(٢) في هامش الأصل: عصام الدين. اهـ منه.
(٣) أي: يواجهون بها، كافحه: لقيه مواجهة. المعجم الوسيط (كفح).
1

سُورَةُ النَّبَا
٢٣٤
الآية : ٣٠
﴾ مسبَّبٌ عن كفرهم بالحساب وتكذيبِهم
﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا
بالآيات، وتسبُّبُ الذوقِ والأمرُ به في غاية الظهور، وقيل: الأظهر أنَّه مرتبطٌ بقوله
تعالى: (لَّا يَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا) إلخ، أي: إذا ذاقوا الحميمَ والغسَّاق، فيقال لهم:
ذوقوا فلن نزيدكم .. إلخ. وحينئذٍ الجملُ بينهما اعتراضية. وفيه: أنه في غاية
البعد، مع ما فيه من كثرة الاعتراض. ومجيتُه على طريق الالتفات للمبالغة؛ لتقدير
إحضارهم وقتَ الأمر ليُخاطبوا بالتقريع والتوبيخ، وهو أعظمُ في الإهانة والتحقير،
ولو قدِّر القولُ فيه لم يكن هناك التفاتٌ.
وأخرج عبدُ بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانيُّ وابن مردويه عن
الحسن قال: سألتُ أبا بَرْزة الأسلميّ عن أشدِّ آيةٍ في كتاب الله تعالى على أهل
النار؟ فقال: قول الله تعالى: (فَذُوقُواْ فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا)(١).
ووجه الأشديَّة - على ما قيل - أنَّه تقريعٌ في يوم الفصل، وغضب من أرحم
الراحمين، وتأييس لهم، مع ما في ((لن)) - أي: على القول بإفادتها التأبيد - من أنَّ
ترك الزيادة كالمُحال الذي لا يدخل تحت الصحة.
وقيل: يحتمل أن يكون المرادُ أنَّه أشدُّ حُجَج القرآن على أهل النار، فإنَّه إذا
بلغهم في الدنيا هذا الوعيدُ ولم يخافوا منه، فقد قبلوا العذابَ الأبديَّ في مقابلة
الكفر، فلا عذرَ لهم يوم القيامة في الحكم عليهم بخلود النار. وفيه من البعد
ما فيه .
واستُشكل أمرُ زيادة العذاب بمنافاتها كونَ الجزاء موافقاً للأعمال. وأجيب
بأنَّها لحفظ الأصل، إذ لولاها لأَلِفُوا ما أصابهم من العذاب أوَّل مرَّة ولم يتألَّموا
به. وهو كما ترى. وقيل: إنَّ العذاب لَمَّا كان للكفر والمعاصي وهي متزايدةٌ في
القبح في كلِّ آن، فالكفر مثلاً في الزمان الثاني أقبحُ منه في الزمن الأول وهكذا،
(١) الدر المنثور ٣٠٨/٦، وأخرجه أيضاً ابن قانع في معجم الصحابة ٥٩/٣ من طريق جسر بن
فرقد، عن الحسن، عن أبي برزة موقوفاً، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند
هذه الآية بالإسناد المذكور مرفوعاً. قال ابن كثير: جسر بن فرقد ضعيف الحديث
بالكلية. اهـ. والحسن لم يسمع من أبي برزة. المراسيل لابن أبي حاتم ص ٤٢.

الآية : ٣١ - ٣٣
٢٣٥
سُورَةُ النَّبَا
وعَلِمَ اللهُ تعالى منهم - لسوء استعدادهم - الاستمرارَ على ذلك، اقتضى ذلك زيادةً
العذاب وشدَّته يوماً فيوماً. وقيل: لَمَّا كان كفرُهم أعظمَ كفر اقتضى أشدَّ عذاب،
والعذابُ المزاد يوماً فيوماً من أشدِّ العذاب. وقيل غيرُ ذلك، فليتأمَّل.
شروعٌ في بيان محاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَانًا ﴾
أحوال الكافرين، و((مفازاً)) مصدرٌ ميميٌّ، أو اسم مكان، أي: إنَّ للذين يتقون
أعمال (١) الكفرة فوزاً وظفراً بمساعيهم، أو موضعَ فوز. وقيل: نجاةً مما فيه
أولئك، أو موضع نجاة.
﴿حَدَابِقَ﴾ بدل اشتمال من ((مفازاً)) على الأول، وبدل البعض على الثاني،
والرابطُ مقدَّرٌ، وتقديره: حدائق فيه، أو هي في محلِّه، أو نحو ذلك. وجوِّز أن
يكون بدل كلٍّ على الادِّعاء، أو منصوباً بأعني مقدَّراً.
وهو جمع: حديقة، وهي بستان فيها أنواع الشجر المثمر، زاد بعضهم:
والرياحين والزهر. وقال الراغب(٢): قطعة من الأرض ذاتُ ماء، سميت بذلك
تشبيهاً بحَدَقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها. وكأنَّه أراد: ذاتَ ماء
وشجر.
، جمع: عِنَب، ويقال للكَرْم نفسِه ولثمرته، والمتبادر عطفُه على
﴿ وَأَعْتَبًا
((حدائق)) قبلُ، وهو بعضٌ منها إذا أُريد به الكروم وبها الأشجار وموضعُها، وخُصَّ
بالذكر اعتناءً به، وأمَّا إنْ أريد به الكروم وبها الموضعُ فقط فلا، ويتعيَّن الاشتمالُ،
كما إذا أُريد به ثمرات الكروم، وجُوِّز أن يكون هو - وكذا ما بعدُ - عطفاً على
(مفازاً)) .
﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع: كاعب، وهي المرأة التي تكعَّب ثدياها واستدارا مع ارتفاع
أي: لِدَات
٣٣
يسير، ويكون ذلك في سنِّ البلوغ وأحسن الشبوبية(٣) ﴿أَقْزَابًا
(١) في الأصل و(م): أعمل. والمثبت من تفسير أبي السعود ٩/ ٩٢ والكلام منه.
(٢) في المفردات (حدق).
(٣) في الأصل و(م): التسوية، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٠٩/٨.

سُورَةُ النَّبَا
٢٣٦
الآية : ٣٤ - ٣٥
ينشأن معاً، تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر، أو
لوقوعهنَّ معاً على التراب، أي: الأرض. وفي بعض التفاسير: نساءُ الجنة
كلُّهن بنات ستَّ عشرة سنة، ورجالُهنَّ أبناءُ ثلاث وثلاثين.
﴿رَكْسَا دِهَانًا لهـ
﴾ أي: مترعة، يقال: دَهَقَ فلانٌ الحوضَ وأَدْهَقه، أي: ملأه،
وروي عن ابن عباس أنَّه فسَّره بذلك، وأنشد قول الشاعر:
أتانا عامرٌ يبغي قِرانا فأتْرَعْنا له كأساً دِهاقا (١)
وفي ((البحر))(٢): الدِّهاق: الملأى، مأخوذٌ من الدَّهْق، وهو ضغط الشيء
وشدُّه باليد، كأنَّه لامتلائه انضغط. وعن مجاهد وجماعة تفسيرُه بالمتتابعة.
وصحّح الحاكم عن ابن عباس ما رواه غيرُ واحد أنَّه قال: هي الممتلئة المترعة
المتابعة، وربَّما سمعت العباس يقول: يا غلام اسقنا وأدْهِق لنا(٣).
وأخرج ابن جرير (٤) عن عكرمة أنَّه قال: أي: صافية. ولا يخلو عن كَدَر.
والجمهور على الأول.
وَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة، وقيل: في الكأس. وجُعلت الفاء للسببية.
﴿لَغْوَا﴾، هو ما لا يعتدُّ به من الكلام، وهو على ما قال الراغب(٥): الذي يُورَد
لا عن رَوِيَّة وفِكْر، فيجري مجرى اللَّغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطير،
وقد يسمَّى كلُّ كلام قبيح لغواً، وكذا ما لا يعتدُّ به مطلقاً .
﴿وَلَ كِذَّبًا ﴾ أي: تكذيباً. وقرئ بالتخفيف(٦)، أي: كِذَاباً أو مكاذبةً.
وقد تضمَّنت هذه المذكوراتُ أنواعاً من اللذات الحسيّة كما لا يخفى.
(١) هو لخداش بن زهير كما في الصحاح واللسان (دهق). وجاء فيهما: يرجو، بدل: يبغي.
(٢) ٤٠٩/٨.
(٣) مستدرك الحاكم ٥١٢/٢، وليس فيه: المترعة.
(٤) في تفسيره ٢٤/ ٤١ .
(٥) في المفردات (لغا).
(٦) هي قراءة الكسائي كما في التيسير ص٢١٩، والنشر ٣٩٧/٢.

١
الآية : ٣٦
٢٣٧
سُوَّةُ النَّبّ
﴿َجَزَآءُ مِّن رَّكَ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ منصوب، بمعنى: إنَّ للمتقين مفازاً، فإنَّه في قوَّة
أن يُقال: جازى المتقين بمفاز(١) جزاءً كائناً من ربِّك.
والتعرُّضُ لعنوان الربوبية للإشارة إلى أنَّ ذلك حصل بتربيته (٢) وإرشاده تعالى،
وإضافةُ الربِّ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دونهم لتشريفه بَّهِ. وقيل: لم يقل:
من ربّهم؛ لئلا يحمله المشركون على أصنامهم. وهو بعيدٌ جدًّا.
ويُعلم مما ذكرنا وجه ترك ((من ربِّك)) فيما تقدَّم من قوله تعالى: ﴿جَزَآءُ
وِفَاقًا (®﴾. وعدمُ التعرُّض هناك لنسبة الجزاء إليه تعالى بعنوان آخر قيل: من
باب: اللهمّ إنَّ الخيرَ بيديك والشرَّ ليس إليك.
وقوله تعالى: ﴿عَطَاءُ﴾ - أي: تفضُّلاً وإحساناً منه عزَّ وجل، إذ لا يجب عليه
سبحانه شيءٌ - بدلٌ من ((جزاء)»، فمعنى كونه جزاءً أنَّه كذلك بمقتضى وعده جلَّ
وعلا، وجوِّز أن يكون نصباً بـ ((جزاء)) نصبَ المفعول به. وتعقّبه أبو حيان(٣) بأنَّ
((جزاء)» مصدرٌ مؤكّدٌ لمضمون الجملة، والمصدر المؤكّد لا يعمل بلا خلاف نعلمه
عند النحاة؛ لأنَّه لا ينحلُّ لفعل وحرف مصدريٍّ.
وردًّ بأنَّ ذلك إذا كان الناصب للمفعول المطلق مذكوراً، أمَّا إذا حُذف مطلقاً
ففيه خلاف: هل هو العامل أو الفعل؟.
وقال الشهاب(٤): الحقُّ ما قال أبو حيان؛ لأنَّ المذكور هنا هو المصدر المؤكِّدُ
لنفسه أو لغيره، والذي اختلف فيه النحاة هو المصدر الآتي بدلاً من اللَّفظ بفعله، كـ :
نَدْلاً زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثعالبِ(٥)
(١) في الأصل و(م): بمفازاً، والمثبت من تفسير أبي السعود ٩/ ٩٢.
(٢) في (م): بترتيبه.
(٣) في البحر ٤١٥/٨.
(٤) في الحاشية ٣٠٩/٨.
(٥) عجز بيت لأعشى همدان كما في الكامل ٢٣٩/١ وصدره:
على حينَ ألهى الناسَ جُلُّ أُمورهم
وهو دون نسبة في الكتاب ١١٦/١، والخصائص ١٢٠/١، واللسان (ندل). وزريق: قبيلة،

سُورَةُ النَّجُل
٢٣٨
الآية : ٣٦
وقوله :
يا قابلَ الثَّوبِ غُفْراناً مآئم قد أسْلَفْتُها أنا منها خائفٌ وَجِلُ (١)
فلیعرف.
صفةُ ((عطاء)) بمعنى كافياً، على أنَّه مصدرٌ أُقيم
وقوله تعالى: ﴿ِسَابًا
مقام الوصف، أو بُولغ فيه، أو هو على تقدير مضاف. وهو مأخوذٌ من قولهم:
أحْسَبَه الشَّيءُ، إذا كفاه حتى قال: حسبي. وقيل: على حسَب أعمالهم، أي:
مقسَّطاً على قَدْرِها، وروي ذلك عن مجاهد. وكأن المراد: مقسّطاً بعد التضعيف
على ذلك، فيندفع ما قيل: إنَّه غيرُ مناسب لتضعيف الحسنات، ولذا لم يقل:
وفاقاً، كما في السابق. ودُفع أيضاً بأنَّ هذا بيانٌ لما هو الأصل لا للجزاء مطلقاً .
وقيل: المعنى: عطاءً مفروغاً عن حسابه لا كَنِعم الدنيا. وتعقِّب بأنَّه بعيدٌ عن
اللَّفظ مع ما فيه من الإيهام.
وقرأ ابن قطيب: ((حَسّاباً)) بفتح الحاء وشدِّ السين(٢)، قال ابن جنِّي: بنى فعَّالاً
من أفْعَلَ، كدَرَّاكِ مِن أدْرَكَ (٣). فمعناه: مُحْسِباً، أي: كافياً. ومنع بعضُهم مجيء
فَقَّالاً من الإفعال، ودرَّاك من دَركَ، فلیحرر.
وقرأ شُريح بن يزيد الحمصي وأبو البرهسم بكسر الحاء وشدِّ السين(٤)، على
أنَّه مصدر کكذاب.
وقرأ ابن عباس: ((حَسَناً)) بالنون من الحُسن. وحكى المهدويُّ ((حَسْبَاً)) بفتح
الحاء وسكون السين والباء الموحّدة(٥)، نحو قولك: حسبُك كذا، أي: کافیك.
= وندل الثعالب: سرعة الثعالب. وهو يصف قوماً لصُوصاً - أو تجّاراً - يأتون وقت انشغال
الناس بالفتن والحروب فيسرقون.
(١) لم نهتد إلى قائله، وهو في حاشية الشهاب ٣٠٩/٨.
(٢) المحتسب ٣٤٩/٢، والبحر ٤١٥/٨ .
(٣) المحتسب ٣٤٩/٢.
(٤) البحر ٤١٥/٨، وفي القراءات الشاذة ص١٦٨: ((عِطا حِسَّاناً)) قراءة أبي البرهسم.
(٥) البحر ٨/ ٤١٥، وقال في القراءات الشاذة ص١٦٨ عن قراءة ابن عباس: وهي في مصحف
عبد الله كذلك.

الآية : ٣٧
٢٣٩
سُؤَدَّةُ النَّبَإِ
﴿َرَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بدلٌ من لفظ ((ربِّك))، وفي إبداله تعظيمٌ
لا يخفى، وإيماءٌ ـ على ما قيل - إلى ما رُوي في كتب الصوفية من الحديث
القدسيِّ: ((لولاك لما خلقت الأفلاك))(١).
وقوله تعالى: ﴿الرَّمْنِ﴾ صفةٌ لـ ((ربِّك))، أو لـ ((ربِّ السماوات))، على الأصحِّ
عند المحقّقين من جواز وصف المضاف إلى ذي اللَّام بالمعرَّف بها، وجُوِّز أن
يكون عطفَ بيان، وهل يكون بدلاً من لفظ ((ربك))؟ قال في ((البحر))(٢): فيه نظر؛
لأنَّ الظاهر أنَّ البدل لا يتكرَّر.
﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما أفادته الربوبية العامة
وقوله تعالى: ﴿لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا
من غاية العظمة، واستقلالِه تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن يكون
لأحدٍ قدرةٌ علیه.
والقراءةُ كذلك مرويةٌ عن عبد الله وابن أبي إسحاق والأعمش وابن محيصن
وابن عامر وعاصم(٣).
وقرأ الأعرجُ وأبو جعفر وشيبة وأبو عمرو والحِرْميَّان برفع الاسمين (٤)، فقيل:
على أنَّهما خبران لمبتدأ مضمَرٍ، أي: هو ربُّ السماوات .. إلخ. وقيل: الأول هو
الخبر، والثاني صفةٌ له أو عطف بيان. وقيل: الأول مبتدأ والثاني خبره،
و((لا يملكون منه)) خبرٌ آخرُ، أو هو الخبر والثاني نعتٌ للأول أو عطف بيان. وقيل:
((لا يملكون)) حالٌ لازمة. وقيل: الأول مبتدأ أول والثاني مبتدأ ثانٍ، و((لا يملكون))
خبرُه، والجملةُ خبرٌ للأول، وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه على رأي مَنْ يقول
به. واختير أن يكون كلاهما مرفوعاً على المدح، أو يكون الثاني صفةً للأول،
و ((لا يملكون)) استئنافاً على حاله؛ لما في ذلك من توافق القراءتين معنًى.
(١) حديث موضوع، وسلف ٢١٢/١.
(٢) ٨/ ٤١٥.
(٣) التيسير ص٢١٩ والنشر ٣٩٧/٢ عن ابن عامر وعاصم ويعقوب، والكلام من البحر ٤١٥/٨.
(٤) التيسير ص٢١٩، والنشر ٣٩٧/٢ عن الحرميين وأبي عمرو وأبي جعفر، والكلام من البحر
٨/ ٤١٥، والحرميان هما: نافع، وابن كثير.

سُورَةُ النَبل
٢٤٠
الآية : ٣٨
وقرأ الأخوان والحسن وابن وثّاب والأعمش وابن محيصن بخلاف عنهما بجرِّ
الأول - على ما سمعتَ - ورفع الثاني(١) على الابتداء والخبرُ ما بعده، أو على أنَّه
خبرٌ لمبتدأ مضمَر وما بعده استئنافٌ، أو خبرٌ ثانٍ.
وضميرُ: ((لا يملكون)) لأهل السماوات والأرض، و(منه)) بيانٌ لـ ((خطاباً)) مقدَّمٌ
عليه، أي: لا يملكون أن يخاطبوه تعالى من تلقاء أنفسهم - كما ينبئ عنه لفظ
المِلْك - خطاباً مّا في شيءٍ مّا، والمرادُ نفيُ قدرتهم على أن يخاطبوه عزَّ وجلَّ
بشيءٍ من نقص العذاب أو زيادة الثواب من غير إذنه تعالى على أبلغ وجهٍ وآكده.
وجۇِّز أن یکون ((منه)) صلةً ((يملكون))، و((من)) ابتدائية، والمعنى: لا يملكون
من الله تعالى خطاباً واحداً، أي: لا يملِّكُهم الله تعالى ذلك، فلا يكون في أيديهم
خطابٌ يتصرَّفون فيه تصرُّف الملَّاك فيزيدون في الثواب أو ينقصون من العقاب،
وهذا كما تقول: مَلَكت منه درهماً. وهو أقلُّ تكلُّفاً وأظهرُ من جعل (منه)) حالاً من
((خطاباً)) مقدَّماً، وإضمارٍ مضافٍ، أي: خطاباً من خطاب الله تعالى، فيكون
المعنى: لا يملكون خطاباً واحداً من جملة ما يخاطب به اللهُ تعالى ويأمر به في أمر
الثواب والعقاب.
وظاهرُ كلام البيضاويٌّ(٢) حملُ الخطاب على خطاب الاعتراض عليه سبحانه
في ثواب أو عقاب، و((منه)) على ما سمعتَ منَّا أولاً، أي: لا يملكون خطابه تعالى
والاعتراضَ عليه سبحانه في ثواب أو عقاب؛ لأنَّهم مملوكون له عز وجل على
الإطلاق، فلا يستحقُّون عليه سبحانه اعتراضاً أصلاً.
وأيًّاما كان فالآيةُ لا تصلح دليلاً على نفي الشفاعة بإذنه عز وجل. وعن عطاء
عن ابن عباس أنَّ ضمير ((لا يملكون)) للمشركين. وعدمُ الصلاحية عليه أظهرُ.
﴿يَوَ يَقُ الزُِّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّ﴾ قيل: ((الروح)) خلقٌ أعظم من الملائكة وأشرف
منهم، وأقرب من ربِّ العالمين.
(١) التيسير ص٢١٩ والنشر ٣٩٧/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ٤١٥/٨،
والأخوان هما: حمزة والكسائي.
(٢) في تفسيره ٣١٠/٨ (مع حاشية الشهاب).