Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١٣
٣٨١
سُورَةُ الّقلة
(البحر))(١): قيل: هو خطأ، وينبغي أن يُتأوَّل على أنه أُريد به شدَّة بيان الياء احترازاً
ممن سكَّنها، لا إدغامُ حرفٍ في حرف، ولا ينبغي أن يُجعل ذلك من التضعيف في
الوقف، ثم أجري الوصل مجرى الوقف، وإن كان قد ذهب إليه بعضُهم.
ورُوي عن حمزة وموسى بن عبد الله العَبْسي: ((وتَعِيْها)) بإسكان الياء(٢)،
فاحتمل الاستئناف، وهو الظاهرُ، واحتمل أن يكون مثل قراءة: ((من أوسط
ما تُطعمون أهاليكم)) بسكون الياء(٣)، وقرأ نافعٌ: ((أُذْن)) بإسكان الذال للتخفيف(٤).
شروعٌ في بيان نفسِ الحاقَّة وكيفية وقوعها،
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الْصُورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (®﴾
إثرَ بيانِ عِظَم شأنها بإهلاك مكذِّبيها، والمرادُ بالنفخة الواحدة: النفخةُ الأولى التي
عندها خرابُ العالم كما قال ابنُ عباس. وقال ابنُ المسيّب ومقاتل: هي النفخةُ
الآخرة. والأولُ أولى؛ لأنه المناسبُ لِمَا بَعْدُ، وإن كانت الواو لا تدلُّ على
الترتيب، لكنَّ مخالفةَ الظاهر من غير داعٍ مما لا حاجةً إليه.
والنفخة: قال جارُ الله في حواشي ((كشَّافه)): المرّة، ودلالتها على النفخ اتفاقيةٌ
غيرُ مقصودة، وحدوثُ الأمر العظيم بها وعلى عقبها إنما استُعِظِم من حيث وقوعُ
النفخ مرَّةً واحدةً، لا من حيث إنه نَفْخٌ، فنّه على ذلك بقوله سبحانه: ((واحدة)).
وعن ابن الحاجب أنَّ ((نفخة)) لم يُوضع للدلالة على الوحدة على حيالها،
وإنما وُضع للدلالة على النفخ، والدلالةُ على الوحدة اتفاقيةٌ غيرُ مقصودة. وتُعقّب
بأنَّ هذا - بعد التسليم - لا يضرُّ؛ لأن الكلامَ في مقتضى المقام، لا أصلِ الوضع،
قال في التيسير ص٢١٣: وجاء عن ابن كثير وعاصم وحمزة في ذلك ما لا يصح. اهـ. ولم
=
يذكر خلافاً في قراءتها، وكذلك ابن الجزري في النشر.
(١) البحر المحيط ٣٢٢/٨.
(٢) البحر المحيط ٣٢٢/٨، وهي من الشواذِّ، وورد في مطبوعه: العنسي، بدل: العبسي، ولم
نقف له على ترجمة، وإنما ترجم الذهبي في معرفة القراء الكبار ٣٤٧/١ لعبيد الله بن موسى
العبسي الكوفي المقرئ شيخ البخاري.
(٣) والقراءة المتواترة: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والقراءة التي ذكرها
المصنف شاذة قرأ بها جعفر بن محمد الصادق، كما في المحرر الوجيز ٢٣٠/٢ .
(٤) التيسير ص٩٩، والنشر ٢١٦/٢.

سُورَةُ الدّقلية
٣٨٢
الآية : ١٤
وقد تقرَّر أن الذي سِيْق له الكلامُ يُجعل معتمداً، حتى كأنَّ غيرَه مطروحٌ، فالمرَّةُ
هي المعتمدةُ؛ نظراً للمقام، دون النفخ نفسه، وإن كان النظرُ إلى ظاهر اللفظ
يقتضي العكسَ، فافهم.
وأيَّاما كان فإسنادُ الفعل إلى ((نفخة)) ليس من إسناد الفعل إلى المصدر المؤكّد،
كضُرِبَ ضَرْبٌ، وإن لم يُلاحَظ ما بعده من قوله سبحانه: ((واحدة)). وحَسُنَ تذكيرُ
الفعل للفصل، وكونِ المرفوع غيرَ حقيقيِّ التأنيث، وكونه مصدراً؛ فقد ذكر
الجاربردي(١) في ((شرح الشافية)) أن تأنيثَه غيرُ معتبرٍ، لتأويله بـ ((أنْ)) والفعل،
والمشهورُ أنَّ ((واحدة)) صفةٌ مؤكِّدة، وأطلق عليها بعضُهم التوكيد، وبعضُهم البيان،
وذكر الطَّيبيُّ أن التوابع - كالبدل، وعطفِ البيان، والصفة - بيانٌ من وجهٍ للمتبوع
عند أرباب المعاني، وتمامُ الكلام في ذلك في ((المطوّل)).
وقرأ أبو السمَّال: ((نفخةً واحدةً)) بنصبهما(٢) على إقامةِ الجارِّ والمجرور مقامَ
الفاعل.
﴿وَحُلَتِ الْأَرَضُ وَالْجِبَالُ﴾ رُفعتا من أَحْيازِهما(٣) بمجرَّد القدرة الإلهية من غير
واسطةٍ مخلوق، أو بتوسُّط نحو ريح أو مَلَك، قيل: أو بتوسُّط الزَّلزلة، أي: بأنْ
يكون لها مدخلٌ في الرفع، لا أنَّها رافعةٌ لهما، حاملةٌ إيَّهما، ليقال: إنها ليس
فيها حملٌ، وإنما هي اضطرابٌ.
وقيل: يجوز أن يخلق الله تعالى من الأجرام العلويَّة ما فيه قوَّةُ جَذْبِ الجبالِ
ورفعِها عن أماكنها، أو أن يكون في الأجرام الموجودةِ اليوم ما فيه قوَّةُ ذلك،
إلا أن في البين مانعاً من الجذب والرفع، وأنه يزولُ بعدُ فيحصل الرفعُ، وكذا
يجوز أن يُعتبر مثلُ ذلك بالنسبة إلى الأرض، وأن تكون قوَّتا الجاذبَين مختلفتين،
فإذا حصل رفعُ كلِّ إلى غايةٍ يريدُها الله تعالى حدَثَ في ذلك الجاذب ما لم يبقَ معه
(١) في الأصل: الجابردي، والمثبت من (م).
(٢) الكشاف ٤/ ١٥١، والبحر المحيط ٣٢٣/٨.
(٣) الأحياز جمع حَيِّز: وهو الناحية. الصحاح (حيز).

الآية : ١٤
٣٨٣
سُورَةُ الدُقلة
ذلك الجذبُ من زوال مُسامِتِهِ(١) ونحوه، وحصَلَ بين الجبال والأرض ما يوجب
التصادمَ، ويجوزُ أيضاً أن يحدث في الأرض من القوى ما يُوجب قذفَها للجبال،
ويحدث للأرض نفسها ما يوجب رفعَها عن حيِّزها، وكونُ القوى منها ما هو متنافرٌ
ومنها ما هو متحابّ مما لا یکاد یُنگر.
وقيل: يمكن أن يكون رفعُهما بمصادمة بعض الأجرام - كذوات الأذناب، على
ما قيل فيها جديداً - للأرض، فتنفصلُ الجبالُ، وترتفع من شدَّة المصادمة، ورفع
الأرض من حيِّزها .
ولا يخفى أن كلَّ هذا على ما فيه لا يُحتاج إليه، ويكفينا القولُ بأن الرفعَ
بالقدرة الإلهية التي لا يتعاصاها شيء.
وقرأ ابنُ أبي عَبْلة، وابنُ مِقْسَم، والأعمش، وابنُ عامر في رواية يحيى:
(وحُمِّلت)) بتشديد الميم(٢)، وحُمِلَ على التكثير، وجوِّز أن يكون تضعيفاً للنقل،
فيكون ((الأرض والجبال)) المفعولَ الأول أُقيم مقامَ الفاعل، والمفعول الثاني
محذوفٌ، أي: قدرة، أو ريحاً، أو ملائكة، أو يكون المفعول الثاني أُقيم مقامَ
الفاعل، والأول محذوفٌ، وهو أحدُ المذكورات.
﴿فَدِّكََّا دَكَّةُ وَحِدَةً ﴾ فضُربت الجملتان إثر رفعهما بعضُها ببعضٍ ضربةً واحدةً
حتى تُفَتَّتَ وتَرْجِعَ كما قال سبحانه: ﴿كَئِبًا فَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]. وقيل: تتفرَّق
أجزاؤها، كما قال سبحانه: ﴿هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وفرَّقوا بين الدِّ والدقِّ بأن في الأول تفرُّقَ الأجزاء، وفي الثاني اختلافها.
وقال بعض الأجلَّة: أصلُ الدِّ: الضربُ على ما ارتفَعَ لينخفض، ويلزمه التسويةُ
غالباً، فلذا شاع فيها حتى صار حقيقةً، ومنه أرضٌ دّاء: للمتسعة المستوية، وبعيرٌ
(١) قال الفيومي في المصباح المنير (سمت): سامَتَه مسامَتَةً، بمعنى وازاه وقابله.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦١، والمحتسب ٣٢٨/٢، والبحر ٣٢٣/٨، وعنه نقل المصنف.
ويحيى: هو ابن الحارث الغساني الذماري، أبو عمرو، شيخ القراءة بدمشق بعد ابن عامر،
قال عنه أبو حاتم: ثقة، كان عالماً بالقراءة في دهره بدمشق. توفي سنة (١٤٥ هـ). غاية
النهاية ٣٦٧/٢-٣٦٨.

سُورَةُ الدُّقلية
٣٨٤
الآية : ١٥ - ١٦
أدُّ وناقة دكّاء: إذا ضَعُفا فلم يرتفع سَناماهما، واستوت خدجتهما(١) مع
ظهريهما، فالمراد هاهنا: فُبُسِطتا بسطةً واحدة، وسُوِّيتا فصارتا أرضاً لا ترى فيها
عِوَجاً ولا أَمْتاً. ولعلَّ التفتّت مقدِّمةٌ للتسوية أيضاً .
وقال الراغب: الدُّ: الأرض اللِّينةُ السهلةُ، وقوله تعالى: ((فدكتا)) أي: جُعِلتا
بمنزلة الأرض اللَّينة(٢). وهذا أيضاً يرجع إلى التسوية كما لا يخفى.
وحكى في ((مجمع البيان))(٣) أنهما إذا دَُّتا تتفتَّتُ الجبال، وتنسفُها الريحُ،
وتبقى الأرضُ مستويةً. وثنَّى الضمير لإرادة الجملتين كما أشرنا إليه.
﴿فَمَيدِ﴾ أي: فحينئذٍ، على أن المرادَ باليوم مطلقُ الوقت، وهو هاهنا متَّسِعٌ
يقع فيه ما يقَعُ، والتنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه، أي: فيومَ إذ نُفِخَ في الصور،
وکان گیْتَ وکیت.
﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (٣)﴾ أي: قامت القيامةُ، وتفسيرُ ((الواقعة)) بصخرةٍ بيت
المقدس واقعٌ عن درجة القبول.
﴿وَأَنْشَقَتِ السَّمَّةُ﴾ تفظَّرت، وتميَّز بعضُها عن بعض، ولعلَّه إشارةٌ إلى
ما تضمَّنه قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِ وَزْلَ المَلَكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]
وأخرج ابنُ المنذر عن ابن جُرَيج أنه قال: ذلك قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ
فَكَانَتْ أَبْوَبًا﴾ (٤) [النبأ: ١٩]. ولا منافاة بينهما، وكذا لا منافاةً بين كونِ الانشقاقِ
لنزول الملائكة وكونِهِ لهول يوم القيامة؛ لأن الأمرَ قد يكون له عِلَلُ شتَّی مثل
هذه العلل.
والمراد بـ ((السماء)) جنسُها، وقيل: السماواتُ السَّبع، وأيُّما كان فلا يُشترط
(١) كذا في الأصل و(م)، ولم نقف على معناه، ولعله: حَجَبتهما، والحَجَبة: رأس الورك،
وهما حجبتان تشرفان على الخاصرتين. الصحاح (حجب).
(٢) مفردات ألفاظ القرآن (دك).
(٣) ٢٩ /٤٣.
(٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٠، وزاد نسبته لابن جرير، ولم نقف عليه في
تفسيره.

الآية : ١٧
٣٨٥
سُورَةُ الَّقلة
لصحَّة الانشقاقِ كونُها أجساماً صلبةً؛ إذ يتَّصفُ بنحو ذلك ما ليس بصلبٍ أيضاً،
فقد وُصِفَ البحرُ بالانفلاق.
﴿فَقِىَ﴾ أي: السماءُ ﴿يَوْمَدٍ وَاحِيَّةٌ ﴾﴾ ضعيفةٌ، من وَهَى الشيءُ: ضَعُفَ
وتَداعى للسقوط. وقال ابنُ شَجَرة: من قولهم: وَهَى السِّقاءُ: إذا انخرَقَ، ومن
أمثالھم قولُ الراجز:
خَلِّ سبيلَ مَنْ وَهَى سقاؤه
ومَنْ هُرِيقَ بالفلاةِ ماؤه(١)
﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: الجنسُ المتعارفُ بالمَلَك، وهو أعمُّ من الملائكة عند
الزمخشريٌّ(٢) وجماعة، وقد ذكره الجوهريُّ(٣) أيضاً، وقال أبو حيان (٤): المَلَك
اسمُ جنس يراد به الملائكة، ولا يظهر أنه أعمُّ من الملائكة. وتحقيقُ هذا المقام
بما لا مزيد عليه في (شرح التلخيص)) للعلَّامة الثاني و((حواشيه))، فارجع إن أردتَ
إليه.
﴿عَلَى أَزباپھا﴾ أي: جوانبها، جمع: رجا، بالقصر، وهو من ذواتِ الواو،
ولذا برزت في التثنية، قال الشاعر:
كأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً مقيَّدا
ولا رجلاً يُرمى به الرَّجَوانِ(٥)
(١) الرجز في جمهرة الأمثال ٤١٤/١، ونقل قول الأصمعي بأن المراد به: من لم يستقم أمره
فلا تُعانِه.
(٢) الكشاف ٤/ ١٥٢.
(٣) الصحاح (ملك).
(٤) البحر المحيط ٣٢٣/٨.
(٥) نسبه صاحب الأغاني ١٧١/١٢ لرجل من لصوص بني تميم يعرف بأبي النشناش، ونسبه
الزمخشري في المستقصى ٢٦٩/٢-٢٧٠ لطهمان الأعور، ونسبه صاحب الحماسة البصرية
١٠٧/١ لعطارد بن قُرَّان الحنظلي. ومن أمثالهم: لا يُرمى به الرجوان، لمن لا يخدع فیزال
عن وجهٍ إلى وجه، والرجوان: الناحيتان، وأصله أن الدلو إذا استقي بها فتارة يُرمى بها هذا
الرجاء وأخرى هذا، فشبه بها الرجل المستذل المزال من وجه إلى وجه. ينظر المستقصى
٢٧٠/٢، وأساس البلاغة (رجو).

سُوَّةُ الم قلية
٣٨٦
الآية : ١٧
والضميرُ للسماء، والمرادُ بجوانبها أطرافُها التي لم تنشقّ؛ أخرج ابنُ المنذر
عن ابن جُبَير والضخَّاك قال: إنهما قالا: ((والملكُ على أرجائها))، أي: على ما لم
ينشقَّ منها(١). ولعلَّ ذلك التجاء منهم للأطراف ممَّا داخَلَهم من ملاحظة عظمة الله
عزَّ وجل، أو اجتماع هناك للنزول.
وأخرج ابنُ المنذر وعَبْد بن حميد عن الرَّبيع بن أنس قال: ((والملك على
أرجائها))، أي: الملائكة على شِقِّها ينظرون إلى شقِّ الأرض وما أتاهم من
الفزع(٢).
والأولُ أظهر، ولعلَّ هذا الانشقاقَ بعد موت الملائكة عند النفخة الأولى
وإحيائهم، وهم يحيون قبل الناس كما تقتضيه الأخبار، ويجوز أن يكون ذلك بعد
النفخة الثانية والناسُ في المحشر؛ ففي بعض الآثار ما يُشعر بانشقاق كلٍّ سماء
يومئذٍ ونزولِ ملائكتها، واليومُ متِّع كما أشرنا إليه.
وقال الإمامُ: يحتمل أنهم يقفون على الأرجاء لحظةً، ثم يموتون، ويحتمل أن
يكون المرادُ بهم الذين استئناهم الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
[النمل: ٨٧] وعلى الوجهين ينحلُّ ما يقال: الملائكةُ يموتون في الصَّعْقة الأولى؛
لقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف يقال: إنهم يقفون على
أرجاء السماء(٣)؟
وفي ((أنوار التنزيل)) (٤): لعلَّ قوله تعالى: ((وانشقت السماء)) إلخ تمثيلٌ لخراب
العالم بخراب المبنيَّات، وانضواءِ أهلها إلى أطرافها، وإن كان على ظاهره فلعلَّ
موتَ الملائكة إثرَ ذلك. انتهى. وأنا لا أقولُ باحتمال التمثيل.
وفي ((البحر))(٥) عن ابن جُبير والضَّّاك أن ضمير ((أرجائها)) للأرض وإن بعُد
(١) الدر المنثور ٢٦٠/٦.
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٠، وفيه: ينظرون إلى أهل الأرض.
(٣) تفسير الرازي ١٠٨/٣٠.
(٤) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٣٧/٨.
(٥) البحر المحيط ٣٢٣/٨.

الآية : ١٧
٣٨٧
سُؤَةُ الدولة
ذِكْرُها، قالا: إنهم ينزلون إليها يحفظون أطرافَها، كما رُوي أنَّ الله تعالى يأمر
ملائكةَ السماء الدنيا فيقفون صفًّا على حافَّات الأرض، ثم ملائكةَ الثانية فيصفُّون
حولَهم، ثم ملائكة كلِّ سماء، فكلَّما ندَّ أحدٌ من الجنِّ والإنس وجد الأرضَ أُحيط
بها. ولعلَّ ما نقلناه عنهما أَولى بالاعتماد.
﴿وَيَِّلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: فوق الملائكة الذين على الأرجاء المدلولِ عليهم
بـ ((المَلَك))، وقيل: فوق العالم كلّهم، وقيل: الضميرُ يعود على الملائكة الحاملين،
أي: يحمل عرشَ ربِّك فوق ظهورهم أو رؤوسهم ﴿يَوْمَذٍ ثَمَنِيَةٌ (٣) والمرجعُ وإن
تأخّر لفظاً لكنَّه متقدِّم رتبةً، وفائدةٌ ((فوقهم)) الدلالةُ على أنه ليس محمولاً بأيديهم،
كالمعلَّق مثلاً، وأُيِّد هذا، واعتبارُ الظُّهور، بما أخرج الترمذيُّ، وأبو داود، وابن ماجه
عن العبّاس بن عبد المطلب في حديث: ((وفوق ذلك ثمانية أَوْعال، بين أظلافهنَّ
ووركهنَّ ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهنَّ العرشُ، بين أسفله وأعلاه مثلُ
ما بين السماء إلى السماء)»(١). والمراد بالأوعال فيه: ملائكةٌ على صورة الأوعال،
كما قال ابنُ الأثير(٢) وغيرُه، وهي جمعُ: وَعِل، بكسر العين: تيسُ الجبل.
واستُدِلَّ به على أنَّ المراد ثمانيةُ أشخاص، والأخبارُ الدالَّةُ على ذلك كثيرةٌ،
إلا أنَّ فيها تدافعاً من حيث دلالةُ بعضها على أن بعضَهم على صورة الإنسان،
وبعضَهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة
النسر، ودلالةُ بعضٍ آخر على أنَّ لكلِّ واحد منهم أربعةُ أوجه: وجه ثور، ووجه
نسر، ووجه أسد، ووجه إنسان، وفيه لكلِّ واحدٍ منهم أربعةُ أجنحة؛ أما جناحان
فعلى وجهه مخافةً من أن ينظر إلى العرش فيُصعق، وأما جناحان فيطيرُ بهما .
وأبو حيان(٣) لم يقل بصحّة شيء من ذلك، حيث قال: ذكروا في صفاتٍ
هؤلاء الثمانية أشكالاً متكاذبةً ضربنا عن ذِكْرها صَفْحاً.
(١) سنن الترمذي (٣٣٢٠)، وسنن أبي داود (٤٧٢٣)، وسنن ابن ماجه (١٩٣) وجاء في
المصادر: ورکبھن، بدل: وورکھن.
(٢) في النهاية في غريب الحديث (وعل).
(٣) البحر المحيط ٣٢٤/٨.

سُورَةُ الرَّقلم
٣٨٨
الآية : ١٧
وأخرج عَبْد بنُ حُمَيد عن ابن زيد، عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: ((يحملُه اليومَ أربعةٌ،
ويوم القيامة ثمانية))(١).
وأخرج عنه ابنُ أبي حاتم أنه لم يُسَمَّ من حملة العرش إلا إسرافيل عليه
السلام، قال: وميكائيل عليه السلام ليس من حَمَلة العرش(٢). وعليه فمن زعم
أنهما وجبرائیل وعزرائیل علیهم السلام من جملة حَمَلتہ یلزمہ إثباتُ ذلك بخبرٍ
يعوّل عليه.
وعن شَهْر بن حَوْشَب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك، لك
الحمدُ على عفوكَ بعد قدرتك، وأربعةٌ يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك، لك
الحمدُ على حِلْمك بعد علمك.
وفي خبرٍ عن وَهْب بن مُنِّّه: ليس لهم كلامٌ إلا قولهم: قدّسوا الله القويّ الذي
ملأت عظمتُه السماواتِ. وأكثرُ الأخبار في هذا الباب لا يعوَّل عليه.
وأخرج عَبْد بن حُمَيد عن الضحَّاك أنه قال: يقال: ثمانيةٌ صفوفٍ لا يعلم
عِدَّتهم إلا الله عزَّ وجلَّ. وأخرج هذا القولَ ابنُ جرير، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم
من طرقٍ عن ابن عباس(٣).
وقال الحسن: الله تعالى أعلمُ كم هم، أثمانيةُ أصنافٍ أم ثمانيةُ أشخاص.
وأنتَ تعلم أن الظاهرَ المؤيَّد ببعض الأخبار المصحّحة أنهم ثمانيةُ أشخاصٍ.
وأيّاً ما كان فالظاهرُ أن هناك حملاً على الحقيقة، وإليه ذهب محيي الدين
قُدِّس سرُّه، قال: إن لله تعالى ملائكةً يحملون العرشَ الذي هو السرير على
(١) أورده السيوطي في الدر ٢٦١/٦، وعزا إخراجه إلى ابن جرير، وهو في تفسيره ٢٢٩/٢٣،
وكذلك أخرج الطبري نحوه ٢٢٩/٢٣ من طريق ابن إسحاق بلاغاً عن النبي وَ ل ، وأورد
نحوه الماوردي في تفسيره ٦/ ٨٢ من حديث أبي هريرة مرفوعاً .
(٢) الدر المنثور ٦/ ٢٦١.
(٣) تفسير الطبري ٢٢٨/٢٣، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢٦١/٦، وأورد كذلك قول
الضحاك.

الآية : ١٨
٣٨٩
سُورَةُ الدّقلية
كواهلهم، هم اليوم أربعةٌ وغداً يكونون ثمانيةً؛ لأجل الحَمْل إلى أرض المحشر.
وله قُدِّس سرُّه في الباب الثالث عشر من ((فتوحاته)) (١) كلامٌ واسعٌ في حَمَلة
العرش، لا سيَّما على تفسيره بالملك، فليَرجع إليه من اتَّسع كرسيُّ ذهنِهِ لفهم
کلا مه .
وجُوِّز أن يكون ذلك تمثيلاً لعظمته عزَّ وجل بما يُشاهد من أحوال السلاطين
يوم خروجهم على الناس للقضاء العامِّ، فالمرادُ تجلِّيه عزَّ وجل بصفة العَظَمة.
وُعل العَرْضُ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ﴾ مجازاً عن الحساب،
والمراد: يومئذٍ تُحاسَبون، لكنه شبَّه ذلك بعَرْضِ السلطانِ العسكرَ ليعرفَ
أحوالهم، فعبّر عنه به.
وأخرج الإمام أحمدُ، وعَبْد بن حُمَيد، والترمذيُّ، وابنُ ماجه، وابنُ أبي حاتم،
وابنُ مردويه عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَّر: ((يُعرض الناسُ يوم القيامة
ثلاثَ عرضات، فأمَّا عرضتان فجدالٌ ومَعَاذير، وأما الثالثةُ فعند ذلك تَطايَرُ
الصُّحفُ في الأيدي، فآخذٌ بيمينه وآخذٌ بشماله))(٢).
والجملةُ المعوّضُ عنها التنوينُ على ما يدلُّ عليه كلامُهم: نُفِخَ في الصور،
وجعل ((يومئذ تعرضون)) بدلاً من ((فيومئذ)» إلخ، وقد سمعتَ أن الزمانَ متَّسِعٌ لجميع
ما ذُكر وغیرِه.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَغْفَى مِنْكُرْ خَافِيَّةُ
حالٌ من مرفوع ((تعرضون))، أي:
شـ
تُعرضون غيرَ خافٍ عليه عزَّ وجلَّ سرٌّ من أسراركم قبل ذلك أيضاً، وإنما العرضُ
الإفشاء الحال، وإقامةِ الحجَّة، والمبالغة في العدل. أو: غير خافٍ يومئذٍ على
الناس، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَ التَّرَآبِرُ﴾ [الطارق: ٩].
(١) الفتوحات المكية ١٤٧/١-١٤٩.
(٢) الدر المنثور ٢٦١/٦، ومسند الإمام أحمد (١٩٧١٥)، وسنن ابن ماجه (٤٢٧٧). ولم
يخرجه الترمذي من حديث أبي موسى، إنما أخرجه (٢٤٢٥) من حديث أبي هريرة، وأشار
عقبه إلى حديث أبي موسى، وضعَّف الحديثين للانقطاع بين الحسن البصري وبين أبي هريرة
وأبي موسى.

سُورَةُ الّقلة
٣٩٠
الآية : ١٩
وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ وثَّاب، وطلحة، والأعمش، وابنُ مِقسم عن
عاصم، وغيرُهم: ((لا يخفى)) بالياء التحتانية(١).
﴿فَأَّا مَنْ أُوتِ كِتَبَهُ بِهِ﴾ تفصيلٌ لأحكام العَرْض، والمرادُ بـ ((كتابه)) ما كتبت
الملائكةُ فيه ما فعله في الدنيا. وقد ذكروا أنَّ أعمالَ كلِّ يومٍ وليلةٍ تُكتَب في
صحيفة، فتتعدَّدُ صحفُ العبد الواحد، فقيل: تُوصَلُ له فيُؤْتاهاً موصولةً. وقيل:
ينسخ ما في جميعها في صحيفةٍ واحدة، وهذا ما جزم به الغزاليُّ عليه الرحمة،
وعلى القولين يصدُقُ على ما يُؤْتاه العبدُ كتاب.
وقيل: إن العبدَ يكتُبُ في قبره أعمالَه في كتاب، وهو الذي يُؤْتاه يوم القيامة.
وهذا قولٌ ضعيف لا يعوَّل عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانُ كيف يُؤْتى العبدُ
ذلك.
قال الرضيُّ(٢): ((ها)) اسمُ
١٩
﴿فَقُولُ﴾ تبجّحاً وافتخاراً: ﴿هَآؤُمُ أَقْرَهُوا كِنَبِيَةْ
لـ : خذ، وفيه ثمان لغات:
الأولى: بالألف مفردةً ساكنةً، للواحد والاثنين والجمع، مذكَّراً كان أو مؤثّئاً.
الثانية: أن تلحَقَ هذه الألف المفردة كافُ الخطاب الحرفية، كما في ((ذلك))،
وتصرُّفها نحو: هاكَ، هاكُما، [هاكِ]، هاكُم، هاكنَّ.
الثالثة: أن تلحَقَ الألف همزةٌ مكانَ الكاف، وتصريفُها تصريفُ الكاف، نحو:
هاءَ، هاؤما، هاؤم، هاءٍ، هائما، هائنَّ.
الرابعةُ: أن تلحَقَ الألف همزةٌ مفتوحة قبل كاف الخطاب، وتُصرَّف الكاف.
الخامسة: هَأْ، بهمزة ساكنةٍ بعد الهاء للكلِّ.
السادسة: أن تصرّف هذه الجملة(٣) تصريفَ: دَعْ.
(١) قراءة حمزة والكسائي في التيسير ص٢١٣، وزاد ابن الجزري في النشر ٣٨٩/٢ نسبتها
لخلف من العشرة، والكلام من البحر ٣٢٤/٨.
(٢) في شرحه على الكافية ٣/ ٩٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) في شرح الرضي: الخامسة، بدل: الجملة.

الآية : ١٩
٣٩١
سُورَةُ الدِّقلم
السابعة: أن تصرفها تصريف: خف، ومن ذلك ما حكى الكسائيُّ من قول مَنْ
قيل له: هاءَ بالفتح [فقال]: إلامَ أهاء؟ وأهاء بفتح همزة المتكلِّم وكسرها.
الثامنة: أن تلحق الألف همزةٌ وتصرّفها تصريف: نادٍ.
والثلاثةُ الأخيرةُ أفعالٌ غير متصرِّفة؛ لا مضيَّ لها ولا مضارع، وليست بأسماء
أفعال.
قال الجوهريُ (١): هاءٍ بكسرة الهمزة بمعنى: هاتٍ، وبفتحها بمعنى: خذ،
وإذا قيل لك هاءَ بالفتح قلتَ: ما أهاءُ؟ أي: ما آخُذُ، وما أُهاء؟ على ما لم يُسمَّ
فاعلُه، أي: ما أُعطي؟ وهذا الذي قال مبنيٌّ على السابعة نحو: ما أخاف؟
وما أخاف؟ انتهى.
وقال أبو القاسم (٢): فيها لغاتٌ أجودُها ما حكاه سيبويه في ((كتابه))، فقال:
العرب تقول: هاءَ يا رجل، بفتح الهمزة، وهاءِ يا امرأة، بكسرها،
وهاؤما يا رجلان، أو امرأتان، وهاؤم يا رجال، وهاؤنَّ يا نسوة، فالميمُ في هاؤم
كالميم في أنتم، وضمُّها كضمِّها في بعض الأحيان.
وفسّرها هنا بـ : خذوا، وهو متعدٍّ بنفسه إلى المفعول تعديتَه، والمفعولُ
محذوفٌ دلَّ عليه المذكور، أعني («كتابيه)) وهو مفعولُ ((اقرؤوا))، واختير هذا دون
العكس؛ لأنه لو كان مفعولَ ((هاؤم)) لقيل: اقرؤوه؛ إذ الأولى إضمارُ الضمير إذا
أمكنَ كما هنا، وإنما لم يظهر في الأول لئلا يعود على متأخّرٍ لفظاً ورتبةً، وهو
منصوبٌ، مع أنَّ العامل على اللغة الجيِّدة اسمُ فعلٍ، فلا يَتَّصل به الضمير.
وقيل: ((هاؤم)) بمعنى: تعالوا، فيتعدَّى بـ ((إلى)). وزعمَ القُتَبُّ(٣) أن الهمزةَ بدلٌ
من الكاف، قيل: وهو ضعيفٌ، إلا إن كان قد عنى أنها تحلُّ محلَّها في لغةٍ
كما سمعت، فيمكن، لا أنه بدلٌ صناعيٌّ؛ لأن الكاف لا تُبدل من الهمزة،
ولا الهمزةُ منها .
(١) في الصحاح (هوأ)، والكلام من شرح الرضي.
(٢) هو الزجَّاجي، وكلامه، وما سيرد من كلام سيبويه ذكره الرازي في تفسيره ٣٠/ ١١٠.
(٣) تفسير غريب القرآن ص ٤٨٤ .

سُورَةُ الدّقلة
٣٩٢
الآية : ١٩
وقيل: ((هاؤم)) كلمةٌ وُضِعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط، وفي الحديث
أنه عليه الصلاة والسلام ناداه أعرابيٍّ بصوتٍ عالٍ، فجاوبه وَله: ((هاؤم)) بصولة
صوته(١). وُجُوِّز إرادةُ هذا المعنى هنا؛ فإنه يحتمل أن ينادي ذلك المؤتَى كتابَه
بيمينه أقرباؤه وأصحابُه مثلاً ليقرؤوا كتابَه، فيُجيبُهم لمزيدٍ فرحه ونشاطه بقوله:
هائم.
وزعم قومٌ أنها مركّبةٌ في الأصل: ها أمّوا، أي: اقصدوا، ثم نقله التخفيفُ
والاستعمالُ إلى ما ذُكر. وزعم آخرون أن الميم ضميرُ جماعةِ الذكور.
والهاءُ في ((كتابيه))، وكذا في ((حسابيه))، و((ماليه))، و((سلطانيه))، وكذا ﴿مَا
هِيَة ﴾﴾ في ((القارعة)) للسَّكت، لا ضمير غيبة، فحقُّها أن تُحذف وصلاً،
وتثبت وقفاً؛ لتصان حركةُ الموقوف عليه، فإذا وُصل استغني عنها، ومنهم من
أثبتَها في الوصل؛ لإجرائه مجرى الوقف، أو لأنه وصل بنيَّة الوقف، والقراءاتُ
مختلفة، فقرأ الجمهور بإثباتها وصلاً ووقفاً. قال الزمخشريُّ(٢): اتِّباعاً للمصحف
الإمام. وتعقَّبه ابنُ المنير(٣) فقال: تعليلُ القراءة باتِّباع المصحف عجيبٌ، مع أن
المعتقَدَ الحقَّ أنَّ القراءات بتفاصيلها منقولةٌ عن النبيِّ وَلّهِ. وأطال في التشنيع
علیه، وهو كما قال.
وقرأ ابنُ مُحَيصن بحذفها وصلاً ووقفاً، وإسكان الياء فيما ذُكر، ولم يُنقل ذلك
في ((ماهيه) فيما وقفتُ عليه. وابنُ أبي إسحاق والأعمش بطرح الهاء فيهنَّ في الوصل
لا في الوقف(٤)، وطرَحَها حمزةُ في ((مالي) و((سلطاني) و((ما هي) في الوصل لا في
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥) من حديث صفوان بن عسال المرادي، وقال: هذا حديث حسن
صحيح. وأخرجه أحمد (١٨٠٩٥) بلفظ: ((هاءُ)). وقوله: بصولة صوته، فسره الرواية التي
أوردها القرطبي ٢٠٦/٢١، وفيها: يُطَوِّلُ صوتَه. وعند الترمذي: فأجابه رسول الله وَهـ
نحواً من صوته: ((هاؤم)).
(٢) في الكشاف ٤/ ١٥٣ .
(٣) في الانتصاف ٤/ ١٥٢.
(٤) قراءة ابن محيصن ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦١، وذكر القراءات كلها
أبو حيان في البحر ٣٢٥/٨.

الآية : ٢٠
٣٩٣
سُؤَّةُ الدِّقلة
الوقف، وفَتَح الياء فيهنَّ(١). وما قاله الزهراويُّ من أن إثباتَ الهاءِ في الوصل لحنٌ
لا يجوز عند أحدٍ علمتُه. ليس بشيء؛ فإن ذلك متواترٌ، فوجب قَبولُه.
﴾ أي: علمتُ ذلك، كما قاله الأكثرون بناءً على
﴿إِنّ ◌َنْتُ أَنِّى مُكَقٍ حِسَايَة هـ
أن الظاهر من حال المؤمن تيقُّنُ أمور الآخرة، كالحساب، فالمنقولُ عنه ينبغي أن
يكون كذلك، لكن الأمورَ النظريةَ لكون تفاصيلها لا تخلو عن تردُّدٍ مّا في بعضها
مما لا يفوت اليقين فيه، كسهولة الحساب وشدَّته مثلاً = عبّر عن العلم بالظنِّ
مجازاً؛ للإشعار بذلك. وقيل: لمَّا كان الاعتقادُ بأمور الآخرة مطلقاً مما لا ينفكُ
عن الهواجس والخَطَرات النفسية، كسائر العلوم النظرية، نزِّل منزلةً الظنِّ، فعبّر عنه
به لذلك. وفيه إشارةٌ إلى أن ذلك غيرُ قادح في الإيمان.
وجُوِّز أن يكون الظنُّ على حقيقته، على أن يكون المرادُ من حسابه: ما حصل
له من الحساب اليسير(٢)؛ فإنَّ ذلك مما لا يقين له به، وإنما ظنَّه ورجَّحه لمزيد
وثوقه برحمة الله عزَّ وجل. ولعلَّ ذلك عند الموت؛ فقد دلَّت الأخبارُ على أنَّ
اللائق بحال المؤمن حينئذٍ غلبةُ الرجاء وحسنُ الظنِّ، وأما قبلَه، فاستواءُ الرجاء
والخوف، وعليه يظهرُ جدّاً وقوعُ هذه الجملة موقعَ التعليل؛ لما تُشعر به الجملةُ
الأولى من حسن الحال، فكأنه قيل: إني على ما يحسُنُ من الأحوال، أو إني فَرِحٌ
مسرور؛ لأني ظننتُ بربِّي أنه سبحانه يُحاسبني حساباً يسيراً، وقد حاسبني كذلك،
فالله تعالى عند ظنِّ عبده به. وهذا أولى مما قيل: يجوز أن يكون المرادُ: إني
ظننتُ أني ملاقٍ حسابي على الشدّة والمناقشة لما سلف منِّي من الهفوات، والآن
أزال الله تعالى عنِّي ذلك، وفرَّج همِّي.
وقيل: يطلقُ الظنُّ على العلم حقيقةً، وهو ظاهرُ كلام الرضيِّ(٣) في أفعال
القلوب، وفيه نظر.
(١) وكذلك قرأ يعقوب من العشرة، وحذف الهاء كذلك من ((كتابيه)) و((حسابيه)) وصلاً، وأثبتها
وقفاً. النشر ١٤٢/٢، وقراءة حمزة في التيسير كذلك ص٢١٤، ٢٢٥.
(٢) في هامش الأصل ما نصه: فالإضافة للعهد. اهـ منه.
(٣) شرح الرضي على الكافية ٤/ ١٥٠.

سُوَّةُ الدُّقلية
٣٩٤
الآية : ٢١ - ٢٣
٢١
قال أبو عُبيدة والفرَّاء: أي: مَرْضِيَّة(١). وقال غيرُ
﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّضِيَةِ
واحد: أي: ذاتٍ رضَى، على أنه من باب النسبة بالصيغة، كلابنٍ وتامِرٍ، ومعنى
ذات رضى: ملتبسة بالرِّضا، فيكون بمعنى مرضيّة أيضاً. وأُورد عليه أنَّ ما أُريد به
النسبةُ لا يؤنَّث كما صرَّح به الرضيِّ(٢) وغيرُه، وهو هنا مؤنَّث، فلا يصحُّ هذا
التأويل، إلا أن يُقال: التاءُ فيه للمبالغة، وفيه بحث.
وقال بعضُ المحقّقين: الحقُّ أنَّ مرادَهم أن ما قُصد به النسبةُ لا يلزم تأنيثُه،
وإن جاء فيه على خلاف الأصل الغالب أحياناً .
والمشهور حَمْلُ ما ذُكر على أنه مجازٌ في الإسناد، والأصل: في عيشةٍ راضٍ
صاحبُها، فأسند الرضا إليها؛ لجعلها - لخلوصها دائماً عن الشوائب ــ كأنها نفسَها
راضية. وُجُوِّز أن يكون فيه استعارةٌ مكنيَّة وتخييليَّة، كما فُصِّل في مطوَّل كتب
المعاني.
﴾﴾ مرتفعةِ المكان؛ لأنها في السماء، فنسبةُ العلوِّ إليها
﴿فِي جَنَّةِ عَلَِةِ
حقيقةٌ، ويجوز أن تكون مجازاً، وهي حقيقة لدرجاتها وما فيها من بناء ونحوه، أو
يكون هناك مضافٌ محذوفٌ، أي: عالية درجاتُها، أو بناؤها، أو أشجارها، وفي
((البحر))(٣): ((عالية)) مكاناً وقدراً. ولا يخفى ما في استعمال العلوِّ فيهما من
الكلام.
﴿قُطُوفُهَا﴾ جمعُ: قِطف، بكسر القاف، وهو ما يُجتنى من الثمر، زاد
بعضهم: بسرعة، وكأن ذلك لأنها من شأن القَطف بفتح القاف، وهو مصدرُ
قطف، ولم يجعلوا ((قطوفها)) جمعاً له؛ لأن المصدر لا يطَّرِدُ جمعُه، ولقوله
أي: قريبةٌ يتناول الرجل منها وهو قائم، كما قال البراء بنُ
تعالى: ﴿دَايَةٌ
(١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٦٨/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٨٢/٣. وعبارة الفراء: فيها
الرضاء، والعرب تقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلاً وهو مفعول
في الأصل، وذلك أنهم یریدون وجه المدح.
(٢) شرح الرضي على الكافية ٣٣١/٣.
(٣) البحر المحيط ٣٢٥/٨.

الآية : ٢٤
٣٩٥
سُورَةُ الڤلة
عازب ظُه، وقال بعضهم: يدركُها القائمُ والقاعد والمضطجع بِفِيْه من
شجرتها، وعليه: يجوز أن يكون مرادُ البراء التمثيلَ.
وأخرج عَبْد بنُ حُمَيد عن قتادة أنه قال: دَنَتْ فلا يَرُدُّ أيديَهم عنها بُعْدٌ
ولا شوكٌ(١). وفُسِّر الدنوُّ عليه بسهولة التناول.
﴿كُواْ وَأَثْرَبُوا﴾ بإضمار القول، أي: يقال فيها ذلك. وجمع الضمير رعايةً
للمعنى. ﴿هَنِيَا﴾ صفةٌ لمحذوفٍ وقع مفعولاً به، والأصل: أكلاً وشرباً هنيئاً،
أي: غير منغّصين، فحُذِف المفعول به، وأُقيمت صفتُه مقامه، وصحَّ جعلُه صفةً
لذلك مع تعدُّده؛ لأنَّ فعيلاً يستوي فيه الواحدُ فما فوقَه. وجعل بعضهم المحذوف
مصدراً، وكذا صفته، أعني ((هنيئاً)، ووجّه عدم تثنيته بأنَّ المصدر يتناول المثنّى
أيضاً، فلا تغفل. وجُوِّز أن يكون نصباً على المصدرية لفعلٍ من لفظه، وفَعِيل من
صيغ المصادر، كما أنه من صيغ الصفات، أي: هنئتُم هنيئاً، والجملةُ في موضع
الحال، والكلامُ في مثلها مشهور.
﴿يِمَّ أَسْلَفْتُمْ﴾ بمقابلة ما قدَّمتُم من الأعمال الصالحة ﴿فِي الْأَيَّمِ لَْلَِّ
٢٤
أي: الماضية، وهي أيامُ الدنيا، وقيل: أي: الخالية من اللذائذ، أي: الحقيقية،
وهي أيامُ الدنيا أيضاً، وقيل: أي: التي أخليتُموها من الشهوات النفسانية، وحُمِلَ
عليه ما رُوي عن مجاهد وابن جُبير ووكيع من تفسير هذه الأيام بأيام الصيام.
وأخرج ابنُ المنذر عن يعقوب الحنفي قال: بلغني أنه إذا كان يوم القيامة
يقول الله تعالى: يا أوليائي، طالما نظرتُ إليكم في الدنيا، وقد قلصت شفاهكم
عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا
واشربوا هنيئاً بما أسلفتُم في الأيام الخالية(٢).
والظاهر أن ((ما)) على تفسير ((الأيام الخالية)) بأيام الصيام غيرُ محمولةٍ على
العموم، والعمومُ في الآية هو الظاهر.
(١) الدر المنثور ٢٦٢/٦، وأخرجه كذلك الطبري ٢٣٤/٢٣.
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٦٢/٦، غير أنه جاء اسم القائل فيه: يوسف بن يعقوب
الحنفي. وقلص الشيء: ارتفع. مختار الصحاح (قلص).

سُؤَدَّةُ الوقلة
٣٩٦
الآية : ٢٥ - ٢٩
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَلَِةْ
٢٥
﴿وَمَا مَنْ أُوِيَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُوْتَ كِنِيَهْ
لما يرى من قُبْح العمل، وانجِلاء الحساب عمَّا يسوءه ﴿يَلَتْتَهَا﴾ أي: الموتةَ
أي: القاطعة لأمري، ولم أُبعث
٢٧
التي منُّها في الدنيا ﴿كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
بعدها، ولم ألقَ ما ألقى. فالضميرُ للموتة الدالّ عليها المقام، وإن لم يسبِقْ لها
ذِكْر، ويجوز أن يكون لِمَا شاهده من الحالة، أي: ليتَ هذه الحالة كانت
الموتة التي قضت عليَّ؛ لما أنه وجدها أمرَّ من الموت، فتمنَّاه عندها، وقد
قيل: أشدُّ من الموت ما يُتمنَّى الموتُ عنده. وقد جُوِّز أن يكون للحياة
الدنيا المفهومة من السياق أيضاً، والمراد بـ ((القاضية)) الموتة، فقد اشتهرت في
ذلك، أي: يا ليت الحياةَ الدنيا كانت الموتةَ ولم أُخلق حيًّا. وبتفسير ((القاضية))
بما ذُكر اندفع ما قيل: إنها تقتضي تجدُّد أمرٍ، ولا تجدُّد في الاستمرار على
العدم، نعم هذا الوجهُ لا يخلو عن بُعْدٍ.
﴿مّ أَغْنَى عَّ مَالَّةٌ (®﴾ أي: ما أغنى عنِّ شيئاً الذي كان لي في الدنيا من
المال ونحوه، كالأتباع، على أنَّ (ما)) في ((ما أغنى)) نافيةٌ، و((ما)) في ((ما ليه))
موصولةٌ فاعلٌ ((أغنى))، ومفعوله محذوفٌ، و((لِيَه)) جارٌّ ومجرور في موضع الصِّلة.
ويجوز أن يُجعل ((ماليه)) عبارة عن ((مال)) مضافٍ إلى ياء المتكلم، والأولُ أظهر
شمولاً للأتباع ونحوها؛ إذ لا يتأتَّى اعتبارُ ذلك على الثاني إلا باعتبار اللزوم.
ويجوز أن تكون ((ما)) في ((ما أغنى)) استفهاميةً للإنكار، و((ما ليه)) على احتماليه،
أي: أيُّ شيء أغنى عنِّي مالي؟
: أي: بطلت حُجَّتي التي كنتُ أحتجُّ بها في الدنيا، وبه
﴿هَلَكَ عَنِّى سُلْطَنِيَهْ
٢٩
فسَّرِه ابنُ عباس، ومجاهد، والضحَّاك، وعكرمة، والسُّدِّي، وأكثرُ السلف. أو:
مُلكي وتسلُّطي على الناس، وبقيتُ فقيراً ذليلاً، أو: تسلُّطي على القوى والآلات
التي خُلِقت لي، فعجزتُ عن استعمالها في الطاعات، يقول ذلك تحسُّراً وتأسُّفاً.
وإلى هذا ذهب قتادةُ مشيراً إلى وجه اختياره دون الثاني؛ أخرج عَبْد بنُ حُمَيد عنه
أنه قال: أَمَا والله ما كلُّ من دخل النار كان أميرَ قرية، ولكنَّ الله تعالى خلقَهم

الآية : ٢٩
٣٩٧
سُورَةُ الّڤلة
وسلَّطهم على أبدانهم، وأمرَهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته (١). وبما أشار إليه
رُجِّح الأول على الثاني أيضاً، لكن قيل: ما بَعْدُ أشدُّ مناسبةً له، وستطّلع إن شاء الله
تعالى على ذلك.
وعن ابن عباس أنها نزلت في الأسود بن عبد الأسد (٢).
ويُحكى عن فنّاخسرَةَ(٣) الملقَّب بعَضُد الدولة ابن بُوَيْه أنه لمَّا أنشد قوله:
وغناءٌ من جَوارٍ فِي سَحَرْ
ليس شربُ الكاس إلا في المطرْ
ناعماتٌ في تضاعيفِ الوترْ
غانياتٌ سالباتٌ للتُّهى
ساقياتُ الراحِ مَنْ فاق البشرْ
مبرزاتُ الكاسِ من مطلعها
ملكَ الأملاك غلابَ القدرْ
عضدَ الدولة وابنَ ركنها
لم يُفلح بعده، وجُنَّ، وكان لا ينطلق لسانُه إلا بهذه الآية. وفي ((يتيمة))(٤)
الثعالبي أنه لما احتُضِرَ لم ينطلق لسانُه إلا بتلاوة: (مَا أَغْنَى عَنِّ مَالِيَةٌ (٨َ هَكَ عَنِّى
سُلْطَنِيَة) نسأل الله تعالى العفو والعافية.
ورُوي عن أبي عمرو أنه أدغم هاءَ السكت من ((ما ليه)) في هاء ((هلك))(٥)،
(١) الدر المنثور ٢٦٢/٦، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٢٣٦/٢٣، وجاء عنده: وسلّطهم
على أقرانهم.
(٢) في الأصل و(م): الأشد، وضبط في الأصل بتشديد الدال، والأسود قتل كافراً يوم بدر،
وهو أخو أبي سلمة زوج أم سلمة قبل رسول الله وَطاهر، انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم
ص١٤٤.
(٣) كذا ضبط اسمه في الأصل، وجاء في الوافي بالوفيات ٨٧/٢٤: فناخسرو.
وهو أبو شجاع بن الحسن بن بويه كان محباً للعلم، مشتغلاً به مقرباً لأهله، كثير المجالسة
لهم، مبالغاً في تعظيمهم، محباً للفضائل، تاركاً للرذائل، حسن السياسة، شيعي المذهب،
وهو أول من خوطب في الإسلام بالملك شاهنشاه، توفي ببغداد بعلة الصرع سنة (٣٧٢هـ).
الوافي بالوفيات، وفيه الأبيات الآتية بعدُ.
(٤) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ٢٥٩/٢، والأبيات السابقة فيه كذلك.
(٥) لم نقف على من نسب الإدغام هنا لأبي عمرو، وانظر تفصيل المسألة في التبصرة لمكي
ص٨٨، والنشر ٢١/٢، وإتحاف فضلاء البشر ص٥٥٥ .

سُورَةُ الدّقلة
٣٩٨
الآية : ٣٠ - ٣٢
وهو ضعيفٌ قياساً؛ لأن هاء السكت لا تُدغم؛ لكون الوقف عليها محقَّقاً أو مقدَّراً
كما في ((شرح التوضيح))، وفيه روايةُ الإدغام فيما ذكر عن وَرْش، وتُعقِّب بأن
المرويَّ عنه إنما هو النقلُ في ((كتابيه انِّي))(١). والله تعالى أعلم.
﴿نُذُوُ﴾ بتقدير القول، أي: فيقولُ الله تعالى للزَّبانية: خذوه ﴿فَتُوهُ (®
آي:
﴾ أي: لا تصلوه إلا الجحيم - وهي النارُ العظيمةُ،
شدُّوه بالأغلال ﴿ثُرَّ الْبَحِيمَ صَلُُّ
الشديدةُ التأجُّج - لعِظَم ما أتى به من المعصية، وهي الكفرُ بالله تعالى العظيم.
وقيل: حيث كان يتعظّم على الناس، وهو مبنيٌّ على اختصاص ما قبلُ
بالسلاطين، بقرينةٍ تعظيم أمره، وتنصيص الله تعالى على تعذيبه.
وأُجيب عمَّا يخدِشُه مما يُفهم من كلام قتادة بأنه لا ضيرَ في كونه بياناً لحال
بعض مَنْ أُوتي كتابه بشماله، ومثلُه ما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه:
﴿وَلَا يَحُّ﴾ إلخ [الآية: ٣٤]، فكم من أهل الشمال مَنْ لا يكونُ كذلك.
وأيضاً قد ذكروا أنَّ (الجحيم)) اسمٌ لطبقةٍ من النار، فتأمَّل.
﴿ثَُّّ فِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ أي: قياسُها ومقدارُ طولها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاءًا﴾ يجوزُ أن يُراد
ظاهرُه من العدد المعروف، والله تعالى أعلم بحكمةِ كونها على هذا العدد، ويجوز
أن يُراد به التكثيرُ؛ فقد كثر السبعة والسبعون في التكثير والمبالغة، ورُجِّح بأنه أبلغُ
من إبقائه على ظاهره.
والذراعُ مؤنَّث، قال ابنُ الشّحنة: وقد ذكره بعضُ عُكْل، فيقال: الثوبُ خمس
أذرع، وخمسة أذرع.
والمرادُ بها المعروفة عند العرب، وهي ذراعُ اليد؛ لأنَّ الله سبحانه إنما خاطَبَهم
بما يعرفون. وقال ابنُ عباس، وابن جُرَيج، ومحمد بن المُنْكَدر: ذراع المَلَك.
(١) أورد ابن الجزري في النشر ٤٠٩/١ الاختلاف على ورش في النقل والتحقيق، وذكر أن
رواية الجمهور عنه بإسكان الهاء وتحقيق الهمزة، وذكر أن الشاطبي أشار إلى ضعف النقل
عنه، وكذلك نَقَل ترجيح تركِ النَّقْل عن مكيّ، ثم قال: وتركُ النقلِ فيه هو المختار عندنا،
والأصح لدينا، والأقوى في العربية ... إلخ.

الآية : ٣٢
٣٩٩
سُورَة الهقلية
وأخرج ابنُ المبارك وجماعةُ عن نَوْف البِكاليِّ أنه قال وهو يومئذٍ بالكوفة: الذراعُ
سبعون باعاً، والباع ما بينكَ وبين مكة (١). ويحتاج إلى نقلٍ صحيح.
وقال الحسن: الله تعالى أعلم بأيِّ ذراع هي.
والسلسلة حَلَقٌ تدخل في حَلَق على سبيل الطول، كأنها من تسلسَلَ الشيءُ:
اضطربَ، وتنوينُها للتفخيم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: لو وُضع منها حَلْقةٌ
علی جبل لذاب کالرَّصاص.
﴿قاسلگُوهُ ﴾﴾ أي: فأدخلوه، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَلَگهُ يَنِعَ فِى
اْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] وإدخالُه فيها بأن تُلَفَّ على جسده، وتُلوى عليه من جميع
جهاته، فيبقى مرهَقاً فيما بينها لا يستطيع حَراكاً ما. وعن ابن عباس أنَّ أهل النار
يكونون فيها كالثعلب في الجُبَّة، والثعلبُ: طرفُ خشبة الرُّمح، والجُبَّة: الزجّ.
وأخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن جُرَيج قال: قال ابن عباس: إنَّ
السلسلةَ تدخُلُ في اسْتِهِ، ثم تخرج من فِيْهِ، ثم يُنظَمون فيها كما يُنْظَم الجَراد في
العود، ثم يُشوى(٢). وفي رواية أخرى عنه(٣) أنها تُسْلَكُ في دُبُره حتى تخرجَ من
منخريه. ومن هنا قيل: إنَّ في الآية قلباً، والأصلُ: فاسلكوها فيه، والجمهور على
الظاهر.
والفاءُ جزائيَّةٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِرْ﴾ [المدثر: ٣] والتقديرُ: مهما يكُنْ
من شيءٍ فاسلكوه في سلسلة .. إلخ، فقدّم الظرف وما معه عوضاً عن المحذوف،
ولتتوسّط الفاءُ كما هو حقُّها، وليدلَّ على التخصيص، كأنه قيل: لا تسلكوه إلا في
هذه السلسلة، كأنها أفظعُ من سائر مواضع الإرهاق من الجحيم. ويجوز أن يكون
(١) الدر المنثور ٢٦٢/٦، والزهد لابن المبارك (٢٨٨ - زوائد نعيم)، وأخرجه أيضاً هناد في
الزهد (٢٦٩).
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٢.
(٣) تحرفت في (م) إلى: أخرج عنهم.
وأخرج هذه الرواية ابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث والنشور، كما قال السيوطي في الدر
٢٦٢/٦.

سُورَةُ الدّولة
٤٠٠
الآية : ٣٣ - ٣٤
التقدير هكذا: ثم مهما يكن من شيء ففي سلسلةٍ ذَرْعُها سبعون ذراعاً اسلكوه، ففيه
تقديمان: تقديمُ الظرف على الفعل؛ للدّلالة على التخصيص، وتقديمُه على الفاء
بعد حذفٍ حرف الشَّرط؛ للتعويض وتوسيطِ الفاء.
و(ثم)) في الموضعين لتفاوتِ ما بين أنواع ما يُعذَّبون به من الغَلِّ، والتَّصْلية،
والسَّلْك، على ما اختاره جمعٌ. وجوَّز بعضُهم كونَها على ظاهرها من الدلالة على
المُهْلة، ورُجِّح الأولُ بأنه أنسبُ بمقام التهدید.
وزعم بعضٌ أن ((ثم)) الثانية لعطف قولٍ مضمَرٍ على ما أُضمر قبل «خذوه))؛
إشعاراً بتفاوت ما بين الأمرين، وفاء ((فاسلكوه)) لعطفِ المقول على المقول؛
لئلا يتوارَدَ حرفا عطفٍ على معطوف واحد، ويلزمُه أن يكون تقديمُ السلسلة على
الفاء بعد حذف القول؛ لئلا يلزَمَ التواردُ المذكور، ومبنى هذا التكلُّف البارد الغفلةُ
عمّا ذكرناه، فلا تغفل.
ويُعلم منه وَهْنُ ما قيل: إنه ليس في الآية ما يفيدُ التخصيصَ، لأنَّ ((في سلسلة))
ليس معمولاً لـ ((اسلكوه))؛ لئلا يلزمَ الجمعُ بين حرفَي عطفٍ، بل هو معمولٌ
لمحذوف، فيقدَّر مقدَّماً على الأصل، على أن تقديمَ («الجحيم)) كالقرينة على كون
(في سلسلة)) مقدَّماً على عامله.
تعليلٌ على طريقة الاستئناف للمبالغة، كأنه
﴿إِنَُّ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (
قيل: لم استحقَّ هذا؟ فقيل: لأنه كان في الدنيا مستمرّاً على الكفر بالله تعالى
العظيم. وقيل: أي: كان في علم الله تعالى المتعلّقِ بالأشياء على ما هي عليه في
نفس الأمر أنه لا يتَّصفُ بالإيمان به عزَّ وجل، والأولُ هو الظاهر.
وذكر ((العظيم)) للإشارة إلى وجهِ عِظَم عذابه، وقيل: للإشعار بأنه عزَّ وجل
المستحقُّ للعَظَمة فحسب، فمن نسَبَها إلى نفسه استحقَّ أعظمَ العقوبات.
أي: ولا يحثُّ على بذلِ طعامه الذي يستحقُّه
﴿وَلَا يَعُّ عَلَى طَعَاعِ آلْمِسْكِينِ
٣٤
في مال الموسِر، ففيه مضافٌ مقدَّر؛ لأن الحثَّ إنما يكون على الفعل، والطعامُ
ليس به، ويجوز أن يكون الطعامُ بمعنى الإطعام بوضعِ الاسم موضعَ المصدر،