Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٢٢
٣٢١
وليست للمطاوَعَة، ومطاوع كبَّ إنما هو انكبَّ، وقد ذهب إلى ذلك ابنُ سِيْدَه في
((المحكم)) تبعاً للجوهريّ(١) وغيره، وتبعه ابنُ الحاجب(٢) وأكثرُ شرَّاح ((المفصَّل))،
إلا أن كلامَ بعض الأجلَّة ظاهرٌ في التسوية بين المطاوعة والصيرورة.
وحكى ابنُ الأعرابيّ: كَبَّه الله تعالى وأكَّه بالتعدية. وفي ((القاموس)»(٣) ما هو
نصٌّ فيه، وعليه لا مخالفة للقياس، والمعنى: أفمن يمشي وهو يعثُرُ في كلِّ ساعةٍ،
ويخرُّ على وجهه في كلِّ خطوةٍ؛ لتوتُر طريقه، واختلاف أجزائه بانخفاضِ بعضٍ
وارتفاعٍ بعضٍ آخَرَ، أهدى وأرشَدُ إلى المقصدِ الذي يؤمُّه، أم مَنْ يمشي قائماً
سالماً من الخَبْط والعِثَار على طريق مستوي الأجزاء لا اعواجَ فيه ولا انحراف؟
ولم يُصرَّح بطريق الكافر بل أُشير إليه بما دلَّ على توتُّره وعدم استقامته - أعني:
(مكبّا)) - للإشعار بأنَّ ما عليه لا يليقُ أن يُسمَّى طريقاً.
وفسَّر بعضُهم السويَّ بمستوي الجهة قليلِ الانحراف، على أنَّ المكبَّ:
المتعسِّف الذي ينحرفُ هكذا وهكذا، وهو غيرُ مناسبٍ هنا؛ لأن قولَه تعالى:
((على صراط مستقيم)) يصير كالمكرَّرِ، وأفعل هنا مثلُه ــ على ما في ((البحر)) - في
قولك: العسل أحلى من الخلِّ(٤).
والآيةُ - على ما رُوي عن ابن عباس - نزلت في أبي جهلٍ عليه اللعنةُ،
وحمزةَ ◌َه، والمرادُ العموم كما رُوي عن ابن عباس أيضاً، ومجاهد،
والضخّاك.
وقال قتادة: نزلت مخبرةً عن حال الكافر والمؤمن في الآخرة، فالكفَّارُ
يمشون فيها على وجوههم، والمؤمنون يمشون على استقامةٍ، ورُوي أنه قيل
(١) في صحاح الجوهري (كبب): كبه الله لوجهه، أي: صرعه، فأكب على وجهه، وهذا من
النوادر أن يقال: أفعلتُ أنا، وفعلتُ غيري .... وأكب فلان على الأمر يفعله، وانكب،
بمعنى .
(٢) ينظر شرح الشافية ٨٨/٢-٨٩.
(٣) القاموس: (كبب).
(٤) البحر ٣٠٣/٨ ومعنى المثل: أن العسل في الأصناف الحلوة أميز من الخل في الأصناف
الحامضة.

سُورَةُ الملك
٣٢٢
الآية : ٢٣ - ٢٥
للنبيِّ وَّهِ: كيف يمشي الكافرُ على وجهه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الذي
أمشاهُ في الدنيا على رجليه قادرٌ على أن يُمشيه في الآخرةِ على وجهه))(١). وعليه
فلا تمثيلَ.
وقيل: المرادُ بالمُكِبِّ: الأعمى، وبالسَّويِّ: البصير، وذلك إمّا من باب
الكناية، أو من باب المجاز المرسَل، وهو لا يأبى جعلَه بعدُ تمثيلاً لمن سمعت،
كما هو معلومٌ في محلِّه.
﴿قُلْ هُوَ اَلَّذِىّ أَنشَأَكُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَالأَفْئِدَةٌ﴾ أي: القلوب ﴿قَلِيلًا مَّا
تَشْكُرُونَ ﴾ أي: تلك النعم، كأنْ تستعملوا السمعَ في سماع الآيات التنزيلية على
وجهِ الانتفاع بها، والأبصارَ في النظر بها في الآيات التكوينية الشاهدةِ بشؤون الله
عزَّ وجلَّ، والأفئدةَ بالتفكُّر بها فيما تسمعونه وتشاهدونه.
ونصب ((قليلاً)) على أنه صفةُ مصدرٍ مقدٍَّ، أي: شكراً قليلاً، و((ما)) مزيدةٌ
لتأكيد التقليل، والجملةُ حالٌ مقدَّرة، والقلَّة على ظاهرها، أو بمعنى النفي إن كان
الخطابُ للكَفَرة. وجُوِّز في الجملة أن تكون مستأنفةً، والأول أولى.
﴿قُلَّ هُوَ الَّذِ ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: خلقَكم وكثَّركم فيها، لا غيرُه عزَّ وجلَّ
للجزاء لا إلى غيره سبحانه، اشتراكاً أو استقلالاً، فابنوا أمرَكم
﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
على ذلك.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِنْ فَرْط عتوِّهم ونفورِهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: الحشرُ الموعود،
كما يُنبئُّ عنه قوله تعالى: ((وإليه تحشرون)).
﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ يخاطبون به النبيَّ ◌َّر والمؤمنين حيث كانوا مشاركين له
عليه الصلاة والسلام في الوعد وتلاوةِ الآيات المتضمِّنة له. وجوابُ الشرط
محذوفٌ، أي: إن كنتم صادقين فيما تخبرونه من مجيء الساعة والحَشْر فبيِّنوا
وقته.
(١) أخرجه أحمد (١٣٣٩٢)، والبخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦) من حديث أنس بن
مالك

الآية : ٢٦ - ٢٧
٣٢٣
سُورَةُ المِلكِ
﴿قُلّ إِنََّا الْعِلْمُ﴾ أي: العلمُ بوقته ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ عزَّ وجلَّ لا يطَّلع عليه غيرُه
عزَّ وجلَّ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ﴿وَإِنَّمَآ أَنْ نَذِيرٌ
مُّبِينٌ ﴾﴾ أنذرُكم وقوعَ الموعود لا محالة، وأما العلمُ بوقت وقوعِه فليس من
وظائف الإنذار.
والفاءُ في قوله تعالى ﴿فَلَّا رَأَوَهُ﴾ فصيحةٌ معربةٌ عن تقدير جملتين، وترتيب
الشرطية عليهما، كأنه قيل: وقد أتاهم الموعودُ فرأوه: فلمَّا رأوه، إلخ، وهذا نظير
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ [النمل: ٤٠] إلا أن المقدَّر هناك أمرٌ واقع مرتَّب
على ما قبلَه بالفاء، وهاهنا أمرٌ منزَّلٌ منزلةَ الواقع، واردٌ على طريقة الاستئناف.
وقوله تعالى ﴿زُلْفَةٌ﴾ حال من مفعول ((رأوه)) إما بتقدير المضاف، أي: ذا زلفةٍ
وقرب، أو على أنه مصدرٌ بمعنى الفاعل، أي: مزدلفاً، أو على أنه مصدرٌ نُعِتَ به
مبالغةً، أو ظرفٌ، أي: رأوه في مكانٍ ذي زلفةٍ. وفسَّر بعضُهم الزلفةَ بالقريب،
والأمر عليه ظاهرٌ، وكذا على ما رُوي عن ابن زيد من تفسيره بالحاضر.
وقال الراغبُ: الزُّلفة: المَنْزِلةُ والحُظوة. وما في الآية قيل: معناه زلفة
المؤمنين، وقيل: زلفةً لهم، واستعمل الزُّلفة في منزلة العذاب كما استُعملت
البِشارة ونحوُها من الألفاظ(١). انتهى. ولا زلفةً في كلا القولين.
﴿يسِيَّتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ساءتها رؤيتُه، بأن غَشِيَتها بسببها الكآبةُ ورهقَها
القَتَرُ والذِّلة، ووضع الموصول موضع ضميرهم لذَمِّهم بالكفر، وتعليلِ المساءة به .
وأَشَمَّ أبو جعفر، والحسنُ، وأبو رجاء، وشَيْبة، وابن وثَّاب، وطلحة، وابنُ
عامر، ونافع، والكسائيُّ كسر سين ((سيئت)) الضمَّ(٢).
﴿وَقِيلَ﴾ توبيخاً لهم وتشديداً لعذابهم: ﴿هَذَا الَّذِى كُمْ بِهِ تَذَّعُونَ ﴾﴾ أي:
تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه إنكاراً واستهزاءً، على أنه تفتعلون من الدعاء. والباءُ
(١) مفردات ألفاظ القرآن (زلف).
(٢) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢٠٨/٢. وقراءة الحسن، وأبي رجاء، وشيبة، وابن وثاب،
وطلحة في البحر ٣٠٣/٨.

سُورَةُ الّات
٣٢٤
الآية : ٢٨
صلةُ الفعل، وقيل: هو من الدعوى، أي: تدَّعون أن لا بعثَ ولا حشرَ، فالباءُ سببيةٌ
أو للملابسة باعتبار الذِّكر، وأُيِّد التفسيرُ الأول بقراءة أبي رجاء والضحَّاك والحسن
وقتادة وابن يسار وعبد الله بن مسلم، وسلام، ويعقوب: ((تَدْعون)) بسكون الدال،
وهي قراءةُ ابن أبي عَبْلة، وأبي زيد، وعصمة عن أبي بكر، والأصمعيِّ عن نافع(١).
وذكر الزمخشريُّ في ((سورة المعارج)) أن ((يَدْعون)) مخفَّفاً من قولهم: دعا
بكذا: إذا استدعاه(٢).
وعن الفرَّاء(٣) أنه من دعوت أدعو، والمعنى: هذا الذي كنتُم به تستعجلون
وتَدْعون الله تعالى بتعجيله، يعني قولهم: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ إلخ
[الأنفال: ٣٢].
ورُوي عن مجاهد أن الموعود عذابٌ يوم بدر، وهو بعيد.
وأما ما قيل من أن الموعود الخسفُ والحاصبُ، وقد وقعا؛ لأنَّ المراد
بالخسف الذلُّ، كما في قوله:
ولا یُقیمُ علی خَسْفٍ ◌ُراد به
إلا الأذلَّانِ عَيرُ الحيِّ والوقتِدُ (٤)
وبالحاصب الحصى، وقد رَمَى وَّ به في وجوههم، كما في الخبر
المشهور(٥). أو لم يقعا، بناءً على ما عُرف أولاً من المراد بهما، ولا يضرُّ ذلك؛
إذ تخلُّفُ الوعيد لا ضيرَ فيه = فليس بشيء كما لا يخفى.
وكان كفارُ مكةَ يَدْعون على رسول اللهِ وَ ل﴿ وعلى المؤمنين بالهلاك، فقال
سبحانه له عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ أَرَبَيْتُمْ﴾ أي: أرُوني، كما هو المشهور، وقد
(١) قراءة يعقوب في النشر ٣٨٩/٢، والكلام من البحر ٣٠٤/٨.
(٢) الكشاف ١٥٦/٤ عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآَيِلٌ﴾ .
(٣) معاني القرآن ١٧١/٣ .
(٤) البيت للمتلمس الضبعي، وبعده كما في ديوانه ص٢٠٨- ٢١١ :
هذا على الخسف مربوطُ برمّته وذا يشجُّ فما يرثي له أحدٌ
والعَيْر: الحمار. أساس البلاغة: (غير).
(٥) سلف ٦٨/١٠.

الآية : ٢٨
٣٢٥
سُؤَرَّةُ المِلكِ
مرَّ تحقيقُه ﴿إِنْ أَهْلَكِىَ اَللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ﴾ أي: من المؤمنين ﴿أَوَ رَمَنَا﴾ أي: بالنُّصرة
عليكم ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ أي: فمن يجيرُكم من عذاب النار.
وأُقيم الظاهرُ مقام المضمَرِ المخاطَبِ دلالةً على أن موجِبَ البَوَار محقَّق؛ فأَنَّى لهم
الإجارة.
والظاهر أن جوابَ الشرط والمعطوفَ عليه شيءٌ واحد. وحاصلُ المعنى:
لا مجيرَ لكم من عذاب النار؛ لكفركم الموجِبٍ له، انقلبنا إلى رحمة الله تعالى
بالهلاكِ كما تمثّون؛ لأن فيه الفوزَ بنعيم الآخرة، أو [رُحِمْنا](١) بالنُّصرة عليكم
والإدالَةِ للإِسلام كما نرجو؛ لأن في ذلك الَّفَرَ بالبُغيتين. ويتضمَّن ذلك حثَّهم على
طلب الخَلاص بالإيمان، وأنَّ فيما هم فيه شغلاً شاغلاً عن تمنِّ هلاك النبيِّ عليه
الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين. وهذا أوجَهُ أوجهٍ ثلاثةٍ ذكرها الزمخشريُ (٢) .
ثانيها: أن المعنى: إن أهلكنا الله تعالى بالموت ونحن هُداتُكم، والآخذون
بحُجزِكم، فمن يُجيرُكم من النار؟ وإن رحِمَنا بالغَلَبة عليكم وقتلكم، عكس
ما تمثّون، فمن يُجيرُكم؟ لأن المقتول على أيدينا هالكٌ في الدنيا والآخرة. وعلى
هذا الجوابُ متعدِّدٌ؛ لتعدُّد موجبه. ورجّح الأول بأن فيه تسفيهاً لرأيهم؛ لطلبهم
ما هو سعادةُ أعدائهم، ثم الحثَّ على ما هو أحرى، وهو الخلاصُ ممَّا هم فيه من
موجِبِ الهلاك. وهذا فيه الأول من حيث إنهم يتمنَّون هلاكَ من يُجيرهم من
العذاب بإرشاده. والسياقُ أدعى للأول.
وثالثها: أن المعنى: إنْ أهلكنا الله تعالى في الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون،
فمن يُجيرُ الكافرين، وهم أَولى بالهلاك؛ لكفرهم؟ وإن رحِمَنا بالإيمان فمَنْ يُجير
مَنْ لا إيمانَ له؟ وعلى هذا الجوابُ متعدِّد أيضاً، والهلاكُ فيه محمولٌ على المجازِ
دون الحقيقة كما في سابقه، والغرضُ الجزمُ بأنهم لا مُجيرَ لهم، وأن حالَهم إذا
تردَّدت بين الهلاكِ بالذّنب والرَّحمة بالإيمان وهم مؤمنون، فماذا يكون حالُ مَنْ
لا إیمان له؟ وهذا فيه بعدٌ.
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. ينظر الكشاف ٤/ ١٤٠.
(٢) الكشاف ٤ / ١٤٠.

سُورَةُ العِلكِ
٣٢٦
الآية : ٢٩ - ٣٠
﴿قُلْ﴾ أي: لهم، جواباً عن تمنِّيهم ما لا يُجديهم، بل يُرْدِيهم، معرِّضاً بسوءِ
ما هم عليه: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ أي: الله الرحمن ﴿ءَامَنَّا بِهِ﴾ أي: فيجيرُنا برحمته عزَّ
وجلَّ من عذاب الآخرة، ولم نكفُرْ مثلَكم حتى لا نُجارَ البتّةَ.
ولمَّا جعَلَ الكفرَ سببَ الإساءةِ في الآية الأولى جعَلَ الإيمانَ سببَ الإجارةِ في
هذه؛ ليتَّ التقابُلُ، ويقعَ التعريضُ موقعَه. ولم يقدّم مفعول ((آمنا)) لأنه لو قيل: به
آمنًّا، كان ذهاباً إلى التعريض بإيمانهم بالأصنام، وكان خروجاً عمَّا سِيْقَ له
الكلامُ.
وحَسُنَ التقديمُ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّهِ فَوَّنَا﴾ لاقتضاء التعريض بهم في أمرٍ
التوكّل ذلك، أي: وعليه توثَّلنا، ونعم الوكيلُ، فَنَصْرُنا لا على العَدَد والعُدَد
كما أنتم عليه. والحاصلُ أنه لما ذكر فيما قبل الإهلاك والرحمة، وفُسِّر برحمة
الدنيا والآخرة، أكَّد هاهنا بحصولها لهم في الدارين؛ لإيمانهم وتوكُّلهم عليه تعالى
خاصَّة، وفي ذلك تحقيقُ عدم حصولها للكافرين؛ لانتفاء الموجبين، ثم في الآية
خاتمةٌ على منوال السابقة، وتبيينُ أن أحسن العمل الإيمانُ والتوكُّل على الله تعالى
وحدَه، وهو حقيقةُ التقوى.
وقوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُِّينٍ ﴾﴾ أي: في الدارين، وعيدٌ بعد
تلخيص الموجِبٍ، لكنه أُخرج مخرَجَ الكلام المنصِف، أي: مَنْ هو منَّا ومنكم
في .. إلخ.
وقرأ الكسائي: ((فسيعلمون))(١) بياء الغيبة نظراً إلى قوله تعالى: (فَمَن يُّجِيرُ
اُلْكَفِرِينَ).
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآ ؤُكُمْ غَوْرَا﴾ أي: غائراً
ذاهباً في الأرض بالكُلِّية، وعن الكلبي: لا تنالُه الدِّلاء. وهو مصدرٌ وُصِفَ به
للمبالغة، أو مؤوَّلُ باسم الفاعل. وأيّاً ما كان، فليس المرادُ بالماء ماءً معيَّناً، وإن
كانت الآيةُ - كما روى ابنُ المنذر والفاكهيُّ عن ابن الكلبيِّ - نازلةً في بئر زمزم وبئر
(١) التيسير ص٢١٢، والنشر ٣٨٩/٢.

الآية : ٣٠
٣٢٧
سُورَّةُ المِلكِ
﴾﴾ أي: جارٍ، أو ظاهر سَهْلٍ
ميمون بن الحَضْرمي. ﴿فَمَنْ يَأْتِكُم بِمٍَّ مَعِينٍ
المأخذ؛ لوصول الأيدي إليه، وهو فَعِيل من مَعَنَ، أو مفعول من عين = وعيدٌ في
الدنيا خاصَّة(١)، وأردف الوعيد السابق به تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وأنكم إذا لم
تعبدوه عزَّ وجلَّ للحياة الباقية فاعبدوه للفانية.
وتُليت هذه الآيةُ عند بعض المستهزئين، فلمَّا سمع: ((فمن يأتيكم)) إلخ، قال:
تجيءُ به الفؤوسُ والمعاوِلُ، فذهب ماء عينيه، نعوذ بالله تعالى من الجراءة على الله
جلَّ جلالُه وآياتِهِ .
وتفسيرُ الآياتِ على هذا الطَّرْزِ هو ما اختاره بعضُ الأئمّة، وهو أبعدُ مغزى من
غيره، والله تعالى أعلمُ بأسرار كلامه.
(١) قوله: وعيد ... ، خبر لقوله قبلُ: وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾ ... إلخ.

سورة ((نّ))
هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة، فقد نزلت - على ما رُوي عن ابن
عباس - ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ثم هذه، ثم ((المزمل))، ثم ((المدثر)). وفي
(البحر)) أنها مكية بلا خلافٍ فيها بين أهل التأويل(١). وفي ((الإتقان))(٢): استُثني
منها: ﴿إِنَّا بَوْنَهُمْ﴾ إلى ﴿يَعْلَمُونَ
[١٧ - ٣٣]، ومن: ﴿فَأَصْبِرْ﴾ إلى ﴿الصَّالِمِينَ
٣٣
[٤٨-٥٠] فإنه مدنيٌّ. حكاه السَّخاويُّ في ((جَمال القرَّاء))(٣).
٥٠
وآيُّها ثنتان وخمسون آيةً بالإجماع.
ومناسبتُها لسورة ((الملك)) - على ما قيل - من جهة خَتْم تلك بالوعيد، وافتتاح
هذه به. وقال الجلال السُّيوطيُّ في ذلك: إنه تعالى لمَّا ذكر في آخر ((الملك))
التهديدَ بتغويرِ الماء، استظهر عليه في هذه بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلةٍ
بطائفٍ طافَ عليهم وهم نائمون، فأصبحوا ولم يجدوا له أثراً، حتى ظنُّوا أنهم
ضلُّوا الطريق، وإذا كان هذا في الثمار، وهي أجرامٌ كثيفةٌ، فالماءُ الذي هو لطيفٌ
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِح
١٩
أقربُ إلى الإذهاب، ولهذا قال سبحانه هنا: ﴿وَهُرْ نَآيِمُونَ
[١٩-٢٠] وقال جلَّ وعلا هناك: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [٣٠] إشارةً إلى أنه يسري
عليه في ليلةٍ كما أُسري على الثمر في ليلة (٤). انتهى. ولا يخلو عن حُسْن.
وقال أبو حيان فيه: إنه ذكر فيما قبلُ أشياء من أحوال السُّعداء والأشقياء،
وذكر قدرتَه الباهرةَ وعلمَه تعالى الواسعَ، وأنه عزَّ وجلَّ لو شاء لخَسَفَ بهم
(١) البحر ٣٠٧/٨، وانتفاء الخلاف نقله أبو حيان عن ابن عطية.
(٢) ١/ ٥١.
(٣) ١٤٥/١.
(٤) تناسق الدرر في تناسب السور ص ٨٧.

الآية : ١
٣٢٩
سُورَةُ القَلْنِ
الأرض، أو لأرسل عليهم حاصباً، وكان ما أخبر به سبحانه هو ما أَوحى به إلى
رسوله وَّ*، فتلاه عليه الصلاةُ والسلام، وكان الكفَّارُ ينسبونه في ذلك مرَّة إلى
الشِّعر، ومرَّة إلى السِّحر، ومرَّة إلى الجنون، فبدأ جلَّ شأنُه هذه السورةَ الكريمةَ
ببراءته ويّيه مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون، وتعظيم أجرِهِ على صبرِه على أذاهم،
وبالثناء على خُلُقه(١)، فقال عزَّ من قائل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تْ﴾ بالسكون على الوقف، وقرأ الأكثرون بسكونِ النُّون وإدغامِها في واوِ
﴿وَالْقَلِمِ﴾ بغنَّةٍ عند بعضٍ، وبدونها عند آخرين(٢). وقُرئ بكسر النون، وقرأ ابنُ
عباس، وابنُ أبي إسحاق، وعيسى بخلافٍ عنه بفتحها (٣)؛ وكلٌّ لالتقاء الساكنين.
وجُوِّز أن يكون الفتحُ بإضمار حرفِ القَسَم في موضع الجرِّ، كقولهم: اللهِ لأفعلنَّ،
بالجرِّ، وأن يكون ذلك نصباً بإضمار: اذكر ونحوه، لا فتحاً، وامتناعُ الصَّرف
للتعريف والتأنيث على أنه عَلَم للسورة، ثم إن جُعل اسماً للحرف مسروداً على
نمط التعديد للتحدِّي، على ما اشتهر وبُيِّنَ في موضعه، أو اسماً للسورة منصوباً
على الوجه المذكور، أو مرفوعاً على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٌ، فالواو في قوله
تعالى: ((والقلم)) للقَسَم، وإن جُعل مُقْسَماً به فهي للعطف عليه على الشائع.
واختار السَّلفُ أن ((ن)» من المتشابه، وغيرُ واحد من الخَلَف أنه هنا من أسماء
الحروف، وقالوا: يؤيِّدُ ذلك أنه لو كان اسمَ جنسٍ أو علماً لأُعرِب منوَّناً أو
ممنوعاً من الصرف، ولكُتب كما يُتلقَّظ به، وكونُ كتابته كما ترى لنيَّةِ الوقف
(١) البحر المحيط ٣٠٧/٨.
(٢) انظر تفصيل ذلك في التيسير ص ١٨٣، والنشر ١٨/٢، وتفسير القرطبي ١٣٥/٢١، والبحر
المحيط ٣٠٧/٨.
(٣) كذا نسب المصنف القراءة، غير أن ما وقفت عليه في المصادر أن قراءة ابن عباس وابن
أبي إسحاق بكسر النون لا بفتحها. ونسبت قراءة الفتح لسعيد بن جبير وعيسى بن عمر
بخلاف عنه. انظر القراءات الشاذة ص١٥٩، وتفسير القرطبي ١٣٥/٢١، والبحر المحيط
٣٠٧/٨.

الآية : ١
٣٣٠
سُوَّةُ القَآمي
وإجراءِ الوصل مجراه خلافُ الأصل، وكونُ خطّ المصحف لا يُقاسُ مسلَّم، إلا أنَّ
الأصلَ إجراؤه على القياس ما أمكن.
وقيل: هو اسمٌ لحوتٍ عليه الأرضُ، يقال له: اليَهْموت بفتح الياء المثنَّاة
التحتية وسكون الهاء، ففي حديثٍ رواه الضياء في ((المختارة))، والحاكم وصحَّحه،
وجمعٌ عن ابن عباس: خلق الله تعالى النُّونَ، فبُسِطت الأرضُ عليه، فاضطربَ
النونُ، فمادَت الأرضُ، فأُثبتت بالجبال، ثم قرأ: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ﴾ إلخ (١). ورُوي
ذلك عن مجاهد.
ورُوي عن ابن عباس أيضاً، والحسن، وقتادة، والضحَّاك أنه اسمٌ للدَّواة.
وأنكر الزمخشريُّ(٢) وُرُودَ الُّون بمعنى الدواة في اللغة، أو في الاستعمالِ المُعتدِّ
به. وقال ابنُ عطية: يحتمل أن يكون لغةً لبعض العرب، أو لفظةً أعجميةً عربية،
وأنشد قول الشاعر:
إذا ما الشوقُ برَّح بي إليهم
أَلَقْتُ النون بالدمع السجوم(٣)
والأوَّلون منهم مَن فسَّر ((القلم)) بالذي خَطَّ في اللوح المحفوظ ما هو كائنٌ
إلى يوم القيامة، ومنهم من فسَّره بقلم الملائكة الكرام الكاتبين. و((أل)) فيه على
التفسيرين للعهد، والآخِرون منهم من فسَّره بالجنس، على أن التعريف فيه
جنسيٌّ، ومنهم - وهم قليل - مَنْ فسَّره بما تقدَّم أيضاً، لكن الظاهر من كلامهم أن
الدَّواة ليست عبارةً عن الدواة المعروفة، بل هي دواةٌ خُلقت يومَ خُلق ذلك
القلمُ.
وعن معاوية بن قُرَّة يرفعُه: ((إنَّ ((ن)) لوحٌ من نور، و((القلم)) قلمٌ من نور يجري
بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة))(٤). وعن جعفر الصادق أنه نهرٌ من أنهار الجنة.
(١) المختارة ١٨/١٠، والمستدرك ٤٩٨/٢، وأخرجه أيضاً ابن جرير في التفسير ١٤١/٢٣.
(٢) في الكشاف ٤/ ١٤٠-١٤١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٥/٥، والبيت أورده أيضاً الرازي في تفسيره ٧٧/٣٠، وأبو حيان في
البحر ٣٠٧/٨.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤٤/٢٣، قال ابن كثير بعد أن أورده: وهذا مرسل غريب.

الآية : ١
٣٣١
سُورَةُ القَلْ
وفي ((البحر)): لعلَّه لا يصحُّ شيء من ذلك(١)، أي: من جميع ما ذُكر في ((ن)»،
ما عدا كونه اسماً من أسماء الحروف، وكأنه إن كان مطَّلعاً على الروايات التي
ذكرناها لم يعتبر تصحيحَ الحاكم فيما رُوي أولاً عن ابن عباس، ولا كونَ أحدٍ
رواته الضياءُ في ((المختارة)) التي هي في الاعتبار قريبةٌ من الصِّحاح، ولا كثرةَ
راويه عنه، وهو الذي يغلب على الظنِّ؛ لكثرة الاختلاف فيما رُوي عنه في تعيين
المراد به، حتى إنه رُوي عنه أنه آخرُ حرفٍ من حروف ((الرحمن))، وأن هذا الاسمَ
الجليل فُرِّق في (آلَر)) و((حم)) و((ن)).
ولا يخفى أنه إن أُريد الحوثُ أو نهرٌ في الجنة يصيرُ الكلام من باب: كُمُّ
الخليفةِ وألفُ باذنجانة (٢)، وأما إن أُريد الدواةُ فالتنكيرُ آبٍ عن ذلك أشدَّ الإباء،
على أنه - كما سمعتَ عن الزمخشريِّ - لغةٌ لم تثبت، والردُّ عليه إنما يتأتَّى بإثبات
ذلك عن الثقات، وأنَّى به! وذِكْر صاحبٍ ((القاموس))(٣) لا ينتهض حجَّةً على أنه
معنّى لغويٌّ، وفي صحَّة الروايات كلامٌ، والبيتُ الذي أنشده ابنُ عطيةً لم يثبت
عربيّاً. وكونُه بمعنى الحوت أُطلق على الدّواة مجازاً بعلاقة المشابهة؛ فإنَّ بعض
الحيتان يُستخرج منه شيءٌ أشدُّ سواداً من النّفْس(٤) يُكتب به = لا يخفى ما فيه من
السَّماجة؛ فإنَّ ذلك البعضَ لم يشتهر حتى يصحّ جعلُه مشبّهاً به، مع أنه لا دلالةَ
للمنكِر على ذلك الصِّنف بعينه، وكونُه بمعنى الحرف مجازاً عنها أدهى وأمرٌّ. كذا
قيل، وللبحث في البعض مجال.
وللقُصَّاص في هذا الفصل روايات لا يعوَّل عليها، ولا ينبغي الإصغاء إليها .
ثم إن استحقاقَ ((القلم)) للإعظام بالإقسام به إذا أُريد به قلمُ اللوح الذي جاء
في الأخبار أنه أولُ شيء خلقَه الله تعالى أو قلمُ الكرام الكاتبين ظاهرٌ،
(١) البحر المحيط ٣٠٧/٨.
(٢) لعله يريد - والله أعلم - أنه لا يكون حينئذ بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة،
كما أنه ليس هنالك شيء مشترك بين كمِّ الخليفة وألف باذنجانة.
(٣) مادة (نون).
(٤) النقس: المِداد. القاموس: (نفس).

سُورَةُ القَلْي
٣٣٢
الآية : ٢
وأما استحقاقُ ما في أيدي الناس - إذا أُريد به الجنسُ - لذلك، فلكثرةِ منافعه، ولو
لم يكن له مزيةٌ سوى كونه آلةً لتحرير كُتُب الله عزَّ وجل لكفى به فضلاً موجباً
لتعظيمه .
والضميرُ في قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَسْظُرُونَ ﴾ أي: يكتبون، إما لـ ((القلم)) مُراداً
به قلمُ اللوح، وعبَّر عنه بضمير الجمعِ تعظيماً له، أو له مُراداً به جنسُ ما به الخطُ،
فضميرُ الجمع لتعدُّدِهِ، لكنه ليس بكاتبٍ حقيقة، بل هو آلةٌ للكاتب، فالإسنادُ إليه
إسنادٌ إلى الآلةِ مجازاً، والتعبيرُ عنه بضمير العقلاء لقيامِهِ مقامَهم، وجعلِهِ فاعلاً.
أو للكتَبة أو الحَفَظة المفهومين من ((القلم»، أو لهم باعتبار أنه أُريد بـ ((القلم»
أصحابه تجوُّزاً، أو بتقدير مضافٍ معه، ولا يخفى ما هو الأوجهُ من ذلك.
وأما كونُه لـ ((ما)) وهي بمعنى ((مَن)) فتكلُّفٌ بارد، والظاهرُ فيها أنها إمَّا
موصولةٌ، أي: والذي يسطُرونه، أو مصدريةٌ، أي: وسَظْرِهم.
﴿مَّ أَنْتَ بِعْمَةِ رَيْكَ بِمَجْنُونٍ ﴾﴾ جوابُ القَسَم، والباءُ الثانية مزيدةٌ لتأكيد النفي،
و((مجنون)) خبرُ ((ما))، والباءُ الأولى للمُلابسة، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال
من الضمير في الخبر، والعاملُ فيها معنى النفي، والمعنى: انتفى عنكَ الجنونُ في
حال كونك مُلتبساً بنعمة ربِّك، أي: منعماً عليك بما أنعم من حَصَافة الرأي،
والنبوَّةِ، والشَّهامةِ، واختاره ناصرُ الدِّين(١).
وقريبٌ منه جعلُ الباء للسببية، والجارَّ والمجرور متعلِّقاً بالنفي كالظرف اللغوِ،
كأنه قيل: انتفى عنك الجنونُ بسبب نعمةِ ربِّك عليك.
وجُوِّز أن تكون الباءُ للملابسة في موضع الحال، والعاملُ ((مجنون))، وباؤه
لا تمنعُ العمل؛ لأنها مزيدةٌ.
وتعقَّبه ناصرُ الدِّين(٢) بأن فيه نظراً من حيث المعنى، ووُجِّه بأنَّ محصِّلَه على
هذا التقدير أنه انتفى عنك الجنونُ وقتَ التباسك بنعمة ربِّك، ولا يُفهم منه انتفاءُ
(١) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٢٧/٨.
(٢) تفسير البيضاوي ٢٢٧/٨ .

الآية : ٢
٣٣٣
سُوَّةُ القَلْ
مطلقِ الجنون عنه ◌َِّ، وهل المرادُ إلا هذا؟! وقيل عليه: لا يخفى أنه واردٌ على
ما اختاره هو أيضاً، أي: وذلك لأنَّ المعنى حينئذٍ: انتفى عنك ملتبساً بنعمةٍ ربِّك
الجنونُ، ولا يُفهم منه انتفاؤه عنه عليه الصلاة والسلام في جميع الأوقات، وهو
المرادُ.
وأُجيب بأن تلك الحالة لازمةٌ له ◌َّةِ، غيرُ منفكَّةٍ عنه، فنفيُه عنه فيها مستلزمٌ
لنفيه عنه دائماً، وسائر الحالات.
وتُعقّب بأن هذا متأثٍّ على كلا التقديرين، لا اختصاصَ له بأحدهما دون الآخر.
وأنت خبيرٌ بأنه فُرِّقَ بينهما؛ إذ يصيرُ المعنى على تقدير كونِ العاملِ ((مجنون)»
كما أُشير إليه: إنه انتفى عنك الجنونُ الواقعُ عليك حالةَ الالتباس المذكور، وهذا
يدلُّ على إمكانٍ وقوعه في تلك الحالة، بل على تحقُّقه أيضاً، وهو معنّى لاغ إذ
كيف يُتصوَّر وجودُ الجنون ووقوعُه وقتَ التباسِهِ وَّه بالنِّعمة، ومن جملتها
الحَصَافة .
ولا يَرِدُ هذا على التقديرِ المختارِ؛ إذ الانتفاءُ المفهومُ حينئذٍ لا يكونُ وارداً
على الجنون المقيّد بما ذُكر، وهو وإنْ كان مقيّداً فيه أيضاً لا ضيرَ به؛ لكون قيدِهِ
لازماً لذات المنفيّ عنه كما عرفت.
هذا، وقيل: إذا حُمِل الباءُ على السببية واعتُّبِرَ الظرفُ لغواً، يظهر عدمُ جواز
تعلُّقه بما بعده من حيث المعنى :
ظهورَ نار القِرَى ليلاً على علمٍ (١)
ولهم في الجملةِ الحاليَّةِ والحال إذا وقعت بعد النفي كلامٌ ذكرَهُ الخفاجيُّ،
وحقَّقَ أنه حينئذٍ إنما يلزمُ انتفاءُ مقارنةِ الحال لذي الحال، لا نفيُها نفسَها(٢). فتدبّر
ولا تغفل.
(١) قوله: ظهور نار ... عجز بيت من بردة البوصيري، وصدره كما في القصائد البصيرية:
دعني ووصفيَ آيات له ظهرت
(٢) حاشية الشهاب ٢٢٧/٨.

سُورَةُ القَآت
٣٣٤
الآية : ٣ - ٤
وجُوِّز كون ((بنعمة ربك)) قَسَمَاً متوسِّطاً في الكلام لتأكيده، من غيرِ تقدير
جواب، أو يُقدَّر له جوابٌ يدلُّ عليه الكلامُ المذكور، واستظهرَ هذا الوجهَ
أبو حیان(١).
والتعرُّضُ لوصفِ الربوبية المنبئةِ عن التبليغ إلى معارج الكمال، مع الإضافة إلى
ضميرٍهٍ عليه الصلاةُ والسلام، لتشريفه وََّ، والإيذانِ بأنّه تعالى يُتُمُّ نعمتَه عليه،
ويبلغه في العلوِّ إلى غايةٍ لا غايةً وراءها، والمرادُ تنزيهُهُ وَالأَعمَّا كانوا ينسبونه إليه وَل
من الجنون، حَسَداً وعداوةً ومكابرةً، فحاصلُ الكلام: أنتَ منزَّهُ عمَّا يقولون.
﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ بمقابلةِ مُقاساتك ألوانَ الشدائدِ من جهتهم، وتحمُّلك أعباءَ الرسالة
﴿لَأَجْرًا﴾ لَثواباً عظيماً لا يُقَادَرُ قدرُه. ﴿غَيّرَ مَعْنُونٍ ﴾﴾ أي: مقطوع مع عِظَمِه، أو
غيرَ ممنونٍ عليك من جهة الناس؛ فإنه عطاؤه تعالى بلا واسطة، أو من جهته
تعالى؛ لأنك حبيبُ الله تعالى، وهو عزَّ وجلَّ أكرمُ الأكرمين، ومن شِيْمة الأكارم
أن لا يمنُّوا بإنعامهم، لاسيَّما إذا كان على أحبابهم، كما قال:
سأشكرُ عَمراً إن تراخت مَنيَّتي
أياديَ لم تُمْنَنْ وإن هي جَلَّتِ(٢)
لا يدرِكُ شأوَه أحدٌ من الخَلْقِ، ولذلك تحتمِلُ من
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (
جهتهم ما لا يحتمِلُه أمثالُك من أُولي العزم.
وفي حديث مسلم، وأبي داود، والإمام أحمد، والدارميٍّ، وابن ماجه،
والنسائيٌّ، عن سَعْد بن هشام قال: قلتُ لعائشة ◌َّا: يا أمَّ المؤمنين، أنبئيني عن
خُلُق رسول الله وَّةِ، قالت: ألستَ تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإنَّ خُلُقَ
نبيِّ الله كان القرآن(٣). وأرادت بذلك - على ما قيل - أن ما فيه من المكارم كلَّه كان
(١) البحر المحيط ٣٠٧/٨.
(٢) البيت في الحماسة البصرية ١٣٥/١، وخزانة الأدب ٢٦٥/٢ منسوب لعبد الله بن الزَّبِير
الأسدي، قال في الحماسة: وتروى لعمرو بن كميل، وانظر كلام الأستاذ عبد السلام
هارون في نسبة البيت في تعليقه على رسائل الجاحظ ٣٨/١.
(٣) صحيح مسلم (٧٤٦)، وسنن أبي داود (١٣٤٢)، ومسند الإمام أحمد (٢٤٢٦٩)، ومسند
الدارمي (١٥١٦)، وسنن ابن ماجه (٢٣٣٣)، والمجتبى للنسائي ١٩٩/٣.

الآية : ٥ - ٦
٣٣٥
سُورَةُ القَآي
فيه وَّر، وما فيه من الزَّجر عن سَفْساف الأخلاق كان منزجراً به عليه الصلاة
والسلام؛ لأنه المقصودُ بالخطاب بالقَصْد الأول ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾
[الفرقان: ٣٢] وربَّما يرجع إلى هذا قولُها، كما في رواية ابن المنذر وغيرِه عن
أبي الدرداء أنه سألَها عن خُلُقه عليه الصلاةُ والسلام، فقالت: كان خلقُه القرآن،
يرضى لرضاه، ويَسْخَط لسَخَطه (١).
وقال العارفُ بالله تعالى المُرصفي: أرادت بقولها: كان خلُقُه القرآن: تخلُّقَه
بأخلاق الله تعالى، لكنها لم تُصرِّح به تأذُّباً منها .
وفي ((الكشف)) أنه أدمج في هذه الجملة أنه وّ﴾ متخلِّق بأخلاق الله عزَّ وجل
بقوله سبحانه: ((عظيم)).
وزعم بعضُهم أن في الآية رمزاً إلى أنَّ الأخلاق الحسنةَ مما لا تُجامع
الجنونَ، وأنه كلَّما كان الإنسان أحسنَ أخلاقاً كان أبعدَ عن الجنون، ويلزمُ من
ذلك أن سوءَ الأخلاق قريبٌ من الجنون.
، أي: المجنون؛ كما أخرجه ابنُ
﴿فَسَنِبْصِرُ وَيُصِرُونَ ﴿ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
جرير عن ابن عباس(٢)، وابنُ المنذر عن ابن جُبير، وعَبْد بنُ حُميد عن مجاهد (٣) .
وأُطلق على المجنون لأنه فُتِنَ، أي: مُحِنَ بالجنون، وقيل: لأن العربَ
يزعمون أنَّ الجنون من تخييل(٤) الجنِّ، وهم الفتَّان للفُتَّاك منهم، والباءُ مزيدةٌ في
المبتدأ، وجوَّز ذلك سيبويه(٥) .
(١) سلف ٣٣٣/٢.
(٢) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر ٦/ ٢٥١، والذي في تفسير الطبري ١٥٤/٢٣ عن
ابن عباس هو قوله: بأيكم الجنون. وقال الطبري في توجيهه ١٥٣/٢٣: وكأن الذين قالوا
هذا القول وجَّهوا ((المفتون)) إلى معنى الفتنة أو الفُتُون، كما قيل: ليس له معقول ولا معقود
رأي، بمعنى: ليس له عقل ولا عقد رأي، فكذلك وضع ((المفتون)) موضع الفتون. وسيرد
القول بأن «المفتون)» مصدر بمعنى الجنون قريباً.
(٣) وكذلك أخرجه الطبري في تفسيره ٢٣/ ١٥٣ .
(٤) في (م): تخبيل.
(٥) الكتاب ٦٧/١-٦٨.

الآية : ٦
٣٣٦
سُورَةُ القَآتُ
أو: الفتنة، فـ ((المفتون)) مصدرٌ كالمَعْقول والمَجْلود، أي: الجنون؛ كما أخرجه
عَبْد بنُ حُميد عن الحسن وأبي الجوزاء(١)، وهو بناء على أنَّ المصدر يكون على
وزن المفعول كما جوَّزه بعضُهم، والباءُ عليه للملابسة.
أو: بأيِّ الفريقين منكم الجنونُ، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين، أي: في
أيِّهما يوجد مَنْ يستحقُّ هذا الاسم، وهو تعريضٌ بأبي جهل والوليد بن المُغيرة
وأضرابهما. والباءُ على هذا بمعنى ((في))، وقُدِّر: بأيِّ الفريقين منكم؛ دفعاً لما قيل
من أنَّ الخطابَ لرسول الله وَّهِ وجماعةِ قريش، ولا يصحُّ أن يُقال لجماعةٍ وواحدٍ:
في أيكم زيدٌ.
وأُيِّد الاعتراضُ بأنَّ قوله تعالى: ((فستبصر ويبصرون)) خطابٌ له عليه الصلاة
والسلام خاصَّة.
وجوابُ التأييد: أنَّ الخطابَ بظاهره خُصَّ برسول اللهِوَّ ليجري الكلامُ على
نهج السَّوابق ولا يتنافر، لكنَّه ليس كالسوابق في الاختصاص حقيقةً؛ لدخول الأمَّة
فيه أيضاً، فيصحُّ تقدير: بأيِّ الفريقين. وادَّعى صاحبُ (الكشف)) أن هذا أوجهُ
الأوجه؛ لإفادته التعريض، وسلامتِهِ عن استعمال النادر، يعني: زيادةً الباء في
المبتدأ، وكون المصدر على زِنَةِ المفعول، وإليه ذهب الفرَّاءُ(٢)، ويُؤْيِّده قراءةُ ابن
أبي عَبْلة: ((في أيكم))(٣).
وأيّاً ما كان فالظاهرُ أن ((بأيكم المفتون)» معمولٌ لما قبلَه على سبيل التنازع،
والمراد: فستعلم ويعلمون ذلك يومَ القيامة، حين يتبيَّنُ الحقُّ من الباطل. ورُوي
ذلك عن ابن عباس.
وقيل: ((فستبصرُ ويبصرون)) في الدنيا بظهور عاقبة الأمر بغَلَبة الإسلام،
واستيلائك عليهم بالقتل والنَّهب، وصيرورتِكَ مَهيباً معّماً في قلوب العالمين،
(١) كذا ذكر المصنف، والذي في الدر المنثور ٢٥١/٦ عن عبد بن حميد أن الحسن قال:
المجنون، وأبا الجوزاء قال: الشيطان.
(٢) معاني القرآن ١٧٣/٣.
(٣) البحر المحيط ٣٠٩/٨.

الآية : ٧
٣٣٧
سُوَّةُ القَلْ
وكونهم أذلَّةً صاغرين، ويشملُ هذا ما كان يوم بدر. وعن مقاتل: أن ذلك وعيدٌ
بعذاپ یوم بدر .
وقال أبو عثمان المازنيُّ: إنَّ الكلام قد تمَّ عند قوله تعالى: ((ويبصرون))، ثم
استأنَفَ قوله سبحانه: ((بأيكم المفتون)) على أنه استفهامٌ يُراد به التَّردادُ بين أمرين
معلومٌ نفيُ الحكم عن أحدهما، وتعیُّنُ وجودِهِ للآخر. وهو كما ترى.
استئنافٌ لبيان
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
ما قبلَه، وتأكيدٌ لما تضمَّنه من الوعد والوعيد، أي: هو سبحانه أعلمُ بمَنْ ضلَّ عن
سبيله المؤذِّي إلى سعادة الدارين، وهامَ في تيهِ الضلال متوجّهاً إلى ما يقتضيه من
الشقاوة الأبدية، ومَزِيد النّكال، وهذا هو المجنونُ الذي لا يُفرِّقُ بين النفع والضرِّ،
بل يحسِبُ الضرر نفعاً فيُؤْثره، والنفعَ ضرراً فيهجُرُه، وهو عزَّ وجلَّ أعلمُ بالمهتدين
إلى سبيله، الفائزين بكلِّ مطلوبٍ، الناجين عن كلِّ محذورٍ، وهم العقلاءُ
المراجيح، فَيَجْزي كُلَّا من الفريقين حسبما يستحقُّه من العقاب والثواب.
وفي (الكشاف))(١): إنَّ ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين
ضلُّوا عن سبيله، وهو أعلمُ بالعقلاء وهم المهتدون، أو يكونُ وعيداً ووعداً، وأنه
سبحانه أعلمُ بجزاء الفريقين.
قال في ((الكشف)): هو على الأول تذييلٌ مؤكِّد لِمَا رمز إليه في السابق من أنَّ
المفتون: مَن قَرَفَك به، جارٍ على أسلوب المؤكد في عدم التصريح، ولكن على
وجه أوضح؛ فإن قوله تعالى: ((بأيكم المفتون)) لا تعيين فيه بوجهٍ، وهذا بدل: هو
أعلمُ بالمجنون وبالعاقل، يدلُّ على أن المجنون بهذا الاعتبار، لا بما توهّموه،
فأثبت لهم صرفَ الضلال في عينِ هذا الزَّعم. وعلى الثاني: هو تذييلٌ أيضاً،
ولكن على سبيل التصريح؛ لأنَّ((بمن ضل)) أُقيم مقامَ بهم، و(بالمهتدين)) أُقيم مقامَ
بکم.
ولعلَّ ما اعتبرناه أملأُ بالفائدة، وكأنَّ تقديم الوعيدِ ليتَّصلَ بما أشعر به أولاً،
(١) ٤ / ١٤٢.

سُورَةُ القَآَتْ
٣٣٨
الآية : ٨ - ٩
والتعبير في جانب الضلال بالفعل للإيماء بأنه خلافُ ما تقتضيه الفِطْرة، وزيادة ((هو
أعلم)) لزيادة التقرير، مع الإيذان باختلاف الجزاء.
لترتيب النهي على ما يُنبئُ عنه
والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
ما قبلَه من اهتدائه وَّر وضلالهم، أو على جميع ما فصّل من أول السورة، وهذا
تهييجٌ وإلهابٌ للتصميم على معاصاتهم، أي: دُمْ على ما أنتَ عليه من عدم
طاعتهم، وتصلَّبْ في ذلك.
وجُوِّز أن يكون نهياً عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلافٍ ما في ضميره وَّ
استجلاباً لقلوبهم، لا عن طاعتهم حقيقةً، ويُنبئُ عنه قولُه تعالى: ﴿وَذُواْ لَوْ تُدْهِنُ﴾
لأنه تعليلٌ للنهي، أو للانتهاء، وإنما عبّر عنها بالطاعة للمبالغة في التنفير، أي:
أي: فهم يدهنون
٩
أَحَبُّوا لو تُلاينُهم وتُسامحهم في بعض الأمور ﴿فَيِّدْهِنُونَ
حينئذٍ، أو: فهم الآن يدهنون طمعاً في إدهانك، فالفاءُ للسببية داخلةٌ على جملة
مسبَّة عمَّا قبلها، وقُدِّر المبتدأ لمكان رفع الفعل.
والفرق بين الوجهين: أنَّ المعنى على [الأول](١) أنهم تمنّوا لو تُدهن، فترتَّب
مداهنتُهم على مداهنتك، ففيه ترتُّبُ إحدى المُداهنتين على الأخرى في الخارج،
و (لو)) فيه غيرُ مصدرية، وعلى الثاني هي مصدريةٌ، والترتُّبُ ذهنيٌّ على وَدَادتهم
وتمنِّهم .
وجُوِّز أن تكون الفاءُ لعطف ((يدهنون)) على ((تدهن))، على أنه داخلٌ معه في
حيِّز (لو)) مُتَمَنَى مثلُه، والمعنى: ودُّوا لو يدهنون عَقِيب إدهانك. وما تقدَّم أبعدُ عن
القيل والقال.
وأيَّاما كان فالمعتَبرُ في جانبهم حقيقةُ الإدهان الذي هو إظهارُ المُلاينة،
وإضمارُ خلافها، وأما في جانبه عليه الصلاة والسلام فالمعتبرُ بالنسبة إلى وَدَادتهم
هو إظهارُ المُلاينة فقط، وأمَّا إضمارُ خلافها فليس في حيِّز الاعتبار، بل هم في
غاية الكراهة له، وإنما اعتبارُه بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام.
(١) قوله: الأول، ساقط من (م).

الآية : ١٠ - ١١
٣٣٩
سُورَةُ القَلْ
وفي بعض المصاحف - كما قال هارون -: ((فيدهنوا)) بدون نون الرفع(١).
فقيل: هو منصوبٌ في جواب التمنِّ المفهوم من («وُّوا))، وقيل: إنه عطفٌ على
(تدهن))، بناءً على أن ((لو)) بمنزلة ((أنْ)) الناصبة، فلا يكونُ لها جوابٌ، وينسَبِكُ
منها وممَّا بعدها مصدرٌ يقع مفعولاً لـ ((ودُّوا))، كأنه قيل: ودُّوا أن تُدهن فيدهنوا،
ولعلَّ هذا مرادُ من قال: إنه عطفٌ على توهُّم ((أنْ)).
وجمهورُ النُّحاة على أنَّ (لو)) على حقيقتها، وجوابها محذوفٌ، وكذا مفعولُ
((ودُوا))، أي: ودُوا إِذْهانَكَ، لو تُدْهن فيُدهنون لسُرُّوا بذلك.
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ كثيرِ الحلف في الحقِّ والباطل. وكفى بهذا مزجرةً لمن
اعتادَ الحلف؛ لأنه جُعل فاتحة المَثالب، وأساسَ الباقي، وهو يدلُّ على عدم
استشعار عظمةِ الله عزَّ وجلَّ، وهو أُمُّ كلِّ شرِّ عقداً وعملاً. وذكر بعضُهم أن كثرةَ
الحلف مذمومةٌ ولو في الحقِّ؛ لما فيها من الجُرأة على اسمه جلَّ شأنُه.
وهذا النهيُ للتهييج والإلهاب أيضاً، أي: دُمْ على ما أنتَ عليه من عدم طاعة
حقيرِ الرأي والتدبير. وقال الرُّمَّانيُّ: المهينُ: الوضيعُ؛
كلِّ حلَّافٍ ﴿فَهِينٍ ®
لإكثاره من القبيح، من المَهانة وهي القلّة. وأخرج ابنُ المنذر وعَبْد بنُ حُميد عن
قتادة أنه قال: هو المِكْثَارُ في الشرِّ (٢). وأخرج ابنُ جريرٍ وغيرُه عن ابن عباس أنه
الكذَّاب(٣).
◌ِمَّازٍ﴾ عيَّاب طعَّان. قال أبو حيان(٤): هو من الهَمْز، وأصلُه في اللغة:
الضَّرْب طعناً باليد، أو بالعصا ونحوِها، ثم استُعير للذي يَنال بلسانه. قال مُنْذِر بنُ
سعید: وبعينه وإشارته.
١١
نقَّال للحديث من قومٍ إلى قوم على وجهِ الإفساد بينهم؛ فإنَّ
﴿مَشَآِ يِنَمِيٍ
(١) البحر المحيط ٣٠٩/٨. وهارون: هو ابن موسى الأزدي العتكي، روى عن أبي عمرو بن
العلاء، وعنه شعبة، توفي قبل المئتين. طبقات القراء ٣٤٨/٢، وتهذيب التهذيب.
(٢) الدر المنثور ٢٥١/٦-٢٥٢.
(٣) الدر المنثور ٢٥٣/٦، وتفسير الطبري ١٥٨/٢٣.
(٤) البحر المحيط ٣٠٥/٨.

سُورَةُ القَلْ
٣٤٠
الآية : ١٢ - ١٣
النميمَ والنميمةَ مصدران بمعنى السّعاية والإفساد. وقيل: النميمُ جمعُ نميمة،
يريدون به الجنس، وأصلُ النميمة: الهمسُ والحركةُ الخفيفة، ومنه: أسكَتَ الله
تعالى نامَّتَه، أي: ما ینُّ عليه من حركته.
﴿َتَِّ لِلْخَيْرِ﴾ أي: بخيل مُمْسكٍ، مِن منَعَ معروفه عنه: إذا أمسَكَه، فاللامُ
للتقوية، و((الخير)) - على ما قيل - المالُ، أو منَّاع الناس الخير: وهو الإسلام، من
منعتُ زيداً من الكفر: إذا حملتَه على الكفّ، فذَكَر الممنوعَ منه، كأنه قيل: منَّاع
من الخير، دون الممنوع، وهو الناس، عكس الوجه الأول، والتعميمُ هنالك،
وعدمُ ذِكْر الممنوع منه أوقعُ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ مجاوزٍ في الظلم حدَّه.
﴿أَثِمٍ ﴾﴾ كثيرِ الآثام: وهي الأفعالُ المبطئةُ عن الثواب، والمرادُ بها
المعاصي والذنوب.
﴿عُثُلِ﴾ قال ابنُ عباس: الشديدُ الفاتكُ، وقال الكلبيُّ: الشديد الخُصومة
بالباطل، وقال مَعْمَر وقتادة: الفاحشُ اللئيم، وقيل: هو الذي يَعْتُل الناس، أي:
يجرُّهم إلى حبسٍ أو عذاب بعنفٍ وغِلْظة. ويقال: عتَنَه بالنون، كما يقال: عتَلَه
باللام، كما قال ابنُ السِّكِّيت. وقرأ الحسن: ((عتلٌّ) بالرفع على الذمِّ(١).
﴿َبَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من مَثَالبه وقبائحه، و(بعد)) هنا كـ ((ثمَّ)) الدالَّةِ على
التفاوت الرُّتبيِّ، فتدُّ على أنَّ ما بعدُ أعظمُ في القَباحة.
وفي ((الكشف)): أشعر كلامُ الزمخشريِّ أنه متعلّقٌ بـ ((عتل)) فلزِمَ تبايُنُه من
الصفات السابقة، وتباينُ ما بعدَه أيضاً، لأنه في سِلْكه(٢).
دَعِيٍّ، مُلْحَقٍ بقومٍ ليس منهم كما قال ابنُ عباس، والمراد به ولدُ
رَبِيرٍ أ
الزِّنى كما جاء بهذا اللفظ عنه رظُاته، وأنشد لحسان:
(١) القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر المحيط ٣١٠/٨.
(٢) انظر الكشاف ٤/ ١٤٢ - ١٤٣.