Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ١ ٢٨١ سُورَةُ الّلك ولهذا ونحوه قيل: يندب قراءتُها كلَّ ليلةٍ. والحمدُ لله الذي وفَّقني لقراءتها كذلك منذ بلغتُ سنَّ التمييز إلى اليوم، وأسألُ الله تعالى التوفيق لما بعدُ، والقَبول. ورأيتُ في بعض شروح البخاريِّ نَذْبَ قراءتها عند رؤية الهلال رجاءَ الحفظِ من المكاره في ذلك الشهر ببركة آيها الثلاثين. والله تعالى الموفّقُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿َبَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ﴾ البركةُ: النماء والزيادة، حسيّةً كانت أو عقليَّةً، وكثرةُ الخير، ودوامُه، ونسبتُها إلى الله عزَّ وجل على المعنى الأول - وهو الأليقُ بالمقام - باعتبار تعاليه جلَّ وعلا عمَّا سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، وصيغةُ التفاعل للمبالغة في ذلك؛ كما في نظائره مما لا يُتُصوَّر نسبتُه إليه تعالى من الصِّيغ، كالتكبُّر. وعلى الثاني باعتبار كثرةٍ ما يفيضُ منه سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات. والصيغةُ حينئذٍ يجوز أن تكون لإفادة نماءِ تلك الخيرات وازديادِها شيئاً فشيئاً وآناً فاناً، بحسب حدوثها أو حدوثٍ متعلَّقاتها . قيل: ولاستقلالها بالدلالة على غاية الكمال، وإنبائها عن نهاية التعظيم، لم يَجُز استعمالُها في حقِّ غيره سبحانه، ولا استعمالُ غيرِها من الصيغ في حقِّه تبارك وتعالى. وقد مرَّ تمامُ الكلام في هذا المقام. وإسنادُها إلى الموصول للاستشهاد بما في حيِّز الصِّلة على تحقُّق مضمونها؛ لأن المرادَ بذلك أنه سبحانه كاملُ الإحاطة والاستيلاء، بناءً على أن ((بيده الملك)» استعارةٌ تمثيلية لذلك، ولا تجوُّزَ في شيءٍ من مفرداته، أو أن ((الملك)» على حقيقته، واليد مجازٌ عن الإحاطة والاستيلاء كما قيل، ولاستدعاء ذلك استغناءً المتَّصِف به مع افتقار الغيرِ إليه في وجوده وکمالاتٍ وجودِهِ کان له اختصاصٌ بالموجود، وكذلك في العرف العاميّ لا يُطلق الملك على ما ليس كذلك، فلذا قيل هنا في بيان معنى الآية: تعالى وتَعاظَمَ بالذات عن كلِّ ما سواه ذاتاً وصفةً وفعلاً، الكامل الإحاطة والاستيلاء على كلِّ موجود. سُورَةُ المملك ٢٨٢ الآية : ١ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ تكميلٌ لذلك؛ لأن القرينة الأولى تدلُّ على التصرُّف التامّ في الموجودات على مقتضى إرادته سبحانه ومشيئته من غير منازعٍ ولا مدافع، لا متصرِّفَ فيها غيرُه عزَّ وجل كما يُؤْذِنُ به تقديمُ الظرف، وهذه تدلُّ على القدرة الكاملة الشاملة، ولو اقتصَرَ على الأولى لأوهَمَ أن تصرُّفَه تعالى مقصورٌ على تغييرٍ أحوال الملك؛ كما يُشاهَد من تصرُّف الملاك المجازيِّ، فقُرنت بالثانية ليُؤذن بأنه عزَّ سلطانُه قادرٌ على التصرُّف، وعلى إيجاد الأعيان المتصرَّف فيها، وعلى إيجاد عوارضها الذاتية وغيرها، ومن ثَمَّ عقَّبَ ذلك بالوصف المتضمِّنِ للعوارض، وهذا ما اختاره العلامةُ الطَّيبيُّ. وصاحبُ ((الكشاف)) (١) اختار في القرينة الأولى ما ذكرناه فيها من التخصيص بالموجود، فقال: أي: تعالى وتعاظَمَ عن صفات المخلوقين الذي بيده الملكُ على كلِّ موجود؛ لما سمعتَ، وفي الثانية التخصيص بالمعدوم، فقال: وهو على كلِّ ما لم يوجد مما يدخُلُ تحت القدرة قديرٌ. ووجهه على ما في ((الكشف)): أن الشيءَ وإن كان عامّاً في كلِّ ما يصحُّ أن يُعلم ويُخبَرَ عنه، لكن لمَّا قُرن بالقدرة اختصَّ بالمعدوم؛ لاستغناء الموجود عن الفاعل عند جمهور المتكلِّمين القائلين بأنّ علَّةً الاحتياجِ الحدوث، وعليه الزمخشريُّ وأصحابُه، وأما عند القائلين بأن علَّةً الاحتياج الإمكان كالمحقّقين؛ فلأن الاختيار يستدعي سَبْق العَدَم، وجيء بالقرينة الثانية عليه تكميلاً أيضاً؛ لأن الاختصاص بالموجود فيه إيهامُ نقصٍ. واختار صاحبُ («التقريب)) أن قوله تعالى: (الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ) مُطلَق، وقوله سبحانه: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) عامٌّ لما وُضع له الشيء، فيكون قد قصد بيانَ القُدرة أولاً، وعمومَها ثانياً، ولم يرتضٍ صنيعَ الزمخشريِّ، وَنَظرَ فيه بأنَّ الشيء إمّا أن يختصَّ بالموجود، أو يشمل الموجودَ والمعدوم، وعلى المذهبين فلا وجه لتخصيصه بما لم يُوجد مع انضمام كلِّ إليه، اللهم إلا أن يقال: خصَّصه به ليُغاير ما قبله إذ خصَّصه بالموجود، وفيه أيضاً نظر؛ إذ لو عمَّم الثاني لتحقّقَ التَّغايُر أيضاً، مع أنَّ اليد مجازٌ عن القدرة، فإن تخصّصت به كما هو مذهبه تخصَّص (١) الكشاف ٤/ ١٣٣. الآية : ٢ ٢٨٣ سُورَةُ المِلكِ الأول بالمعدوم، وإن لم تَتخصَّص لم يتخصَّص الثاني بالمعدوم. وادَّعى صاحبُ ((الكشف)) سقوطَه بما نقلناه عنه، واعتُرض عليه، وأُجيب بما لا يخلو عن نظر، فليُتأمَّل. ومن الناس مَن حمل ((المُلك)) على الموجودات، وجعل اليد مجازاً عن القُدرة، فيكون المعنى: في قُدرته الموجودات، وتعقّبه بعضُهم بأن فيه ركاكةً، وأشار إلى أنَّ الخلاص منها إما بجعل اليد مجازاً عن التَّصرُّف، أو بتفسير ((المُلك)) بالتصرُّف، وقيل: المراد من کون الملك بيده تعالی أنه عز وجل مالِكُه، فمعنى (بيده الملك)»: مالكُ الملك. وفسَّر الرَّاغب (١) المُلك في مثل ذلك بضبط الشيء المتصرَّف فيه بالحكم، وشاع تخصيصُه بعالم الشهادة، ويقابله حينئذ الملكوت. وليس بمراد هنا كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالخَوَّةَ﴾ شُروع في تفصيل بعض أحكام الملك وآثارِ القُدرة، وبيان ابتنائهما على قوانين الحِكَم والمصالح، واستتباعهما لغاياتٍ جليلة . والموصول بدلٌ من الموصول الأوَّل، وصلتُه كصلتِه في الشهادة بتعاليه عزَّ وجل، وجوَّز الطبرسيُّ(٢) كونَه خبرَ مبتدأ محذوف، أي: هو الذي .. إلخ. و ((الموتُ)) على ما ذهب إليه الكثير من أهل السنة صفةٌ وجوديَّة تضادُّ الحياة، واستُدلَّ على وجوديَّته بتعلُّق الخلق به، وهو لا يتعلَّق بالعَدَمي؛ الأزليَّةِ الإعدام، وأما ما رُوي عن ابن عباس من أنَّه تعالى خلق الموت في صورة كَبْش أمْلَح، لا يمرُّ بشيءٍ إلا مات، وخلَقَ الحياة في صورة فرسٍ بَلْقاء، لا تمرُّ بشيء ولا يجدُ رائحتَها شيء إلا حَيي (٣) = فهو أشبهُ شيءٍ بكلام الصوفية، لا يُعقل ظاهرُه. وقيل: هو وارد على منهاج التمثيل والتصوير. (١) في مفردات ألفاظ القرآن (ملك). (٢) في مجمع البيان ٥/٢٩. (٣) تفسير البغوي ٣٦٩/٤. سُؤَدَّةُ المِلكِ ٢٨٤ الآية : ٢ وذهب القدريَّة وبعضُ أهل السنة إلى أنه أمرٌ عَدَميٌّ، هو عدمُ الحياة عمَّا هي من شأنه، وهو المتبادر الأقرب. وأُجيب عن الاستدلال بالآية بأن الخلقَ فيها بمعنى التقدير، وهو يتعلَّق بالعَدَميِّ كما يتعلَّق بالوجوديِّ، أو أن الموت ليس عَدَماً مطلقاً صِرفاً، بل هو عدمُ شيء مخصوص، ومثلُه يتعلَّق به الخلقُ والإيجادُ؛ بناءً على أنه إعطاء الوجود ولو للغير، دون إعطاء الوجود للشيء في نفسه، أو أن الخلق بمعنى الإنشاء والإثبات دون الإيجاد، وهو بهذا المعنى يجري في العَدَميَّات، أو أن الكلام على تقدير مضاف، أي: خلق أسبابَ الموت، أو أن المراد بخلق الموت والحياة خلقُ زمانٍ ومدَّةٍ معيَّنةٍ لهما لا يعلمها إلا الله تعالى، فإيجادُهما عبارة عن إيجاد زمانهما مجازاً، ولا يخفى الحال في هذه الاحتمالات. ومن الغريب ما قيل: إنه كنى بـ ((الموت)) عن الدنيا، إذ هو واقع فيها، وبـ ((الحياة)) عن الآخرة من حيث لا موتَ فيها، فكأنه قيل: الذي خلق الدنيا والآخرة. والحقُّ أنهما بمعناهما الحقيقي، و((الموت)) على ما سمعت. و((الحياة)): صفة وجوديَّة بلا خلاف، وهي ما يصحُّ بوجوده الإحساس، أو معنى زائدٌ على العلم والقدرة، يوجب للموصوف به حالاً لم يكن قبلَه من صحة العلم والقدرة. وتقديم ((الموت)) على تقدير كونه عَدَماً مطلقاً - أعني عَدَمَ الحياة عمَّا هي من شأنه - ظاهرٌ؛ لسبقه على الوجود، وعلى تقدير كونه العدَم اللاحق كما هو الأنسب بالإرادة هنا - أعني: عدم الحياة عما اَّصف بها فلان - فيه مزيدُ عِظَةٍ وتَذْكرة وزجٍ عن ارتكاب المعاصي، وحثّ على حسن العمل، ولذا ورد: ((أكثروا من ذِكْر هاذم اللذَّات))(١)، والحياةُ وإن كانت داعيةً لذلك ضرورةَ أن مَنْ عرف أنها نعمةٌ عظيمة وكان ذا بصيرةٍ، عمل شكراً لله تعالى عليها، لكنها ليست بمثابة الموت في ذلك، فمن زعم أنها لا داعيةَ فيها أصلاً، وإنما ذُكرت باعتبار توقُّف العمل عليها، لم يُدقِّق النَّظر. (١) سلف ١٧٨/٥. الآية : ٢ ٢٨٥ سُورَةُ الأَلكِ و((أل)) في الموضعين عوضٌ عن المضاف إليه، أي: الذي خلق موتكم الطَّارئ وحياتَكم أيُّها المكلَّفون ﴿ِبْلُوَكُمْ﴾ أي: ليُعاملكم معاملةَ مَن يختبرُكم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَبَلَاً﴾ أي: أصوبُه وأخلصُه، فيُجازيكم على مراتبَ متفاوتة حَسْبَ تفاوت مراتب أعمالكم. وأصل البلاء: الاختبارُ، ولأنه يَقتضي عدمَ العلم بما اختبره، وهو غيرُ صحيح في حقِّه عزَّ وجل، حُمِل الكلام على ما ذُكر، ويرجع ذلك إلى الاستعارة التمثيلية، واعتبارُ الاستعارة التبعيَّة فيه دونها دونٌ في البلاغة. والمرادُ بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، ولذا قال وَ ﴿ في الآية: ((أيُّكم أحسنُ عقلاً، وأورعُ عن محارم الله تعالى، وأسرعُ في طاعة الله عز وجل)) (١)، أي: أيُّكم أتمُّ فَهماً لما يصدر عن جناب الله تعالى، وأكمل ضبطاً لما يُؤخذ من خطابه سبحانه. وإيرادُ صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شاملٌ للمكلَّفين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضاً، لا إلى الحسن والأحسن فقط، للإيذان بأن المراد بالذات والمقصِدَ الأصليَّ من الابتلاء هو ظهورُ كمال إحسان المحسنين، مع تحقّق أصل الإيمان والطاعة في الباقين أيضاً؛ لكمال تعاضُدِ الموجبات له. وأما الإعراض عن ذلك فبمعزلٍ من الاندراج تحت الوقوع، فضلاً عن الانتظام في سلك الغاية أو الغرض عند من يراه لأفعال الله عز وجل، وإنما هو عملٌ يصدر عن عامله؛ لسوء اختياره، من غير مصحِّح له ولا تقريب. وفيه من الترغيب في التَّرقِّي إلى معارج العلوم ومدارج الطاعات، والزَّجر عن مباشرة نقائصها ما لا يخفى، وجعلُ ذلك من باب الزيادة المطلقة، أو من باب: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] ليس بذاك. و((أيكم أحسن) مبتدأ وخبر، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ ((يبلوكم))، وذلك - على ما في ((الكشاف))(٢) - لتضمُّنه معنى العلم. وهل يُسمَّى نحو هذا تعليقاً أم لا؟ قيل: فيه خلاف، ففي ((البحر))(٣) لأبي حيان (١) سلف ٣٦٠/١١. (٢) ٤ / ١٣٤. (٣) البحر المحيط ٢٩٧/٨. سُورَة الملك ٢٨٦ الآية : ٢ نقلاً عن أصحابه أنه يسمَّى بذلك، قال: إذا عُدِّي الفعلُ إلى اثنين ونَصَبَ الأول؛ وجاءت بعده جملةٌ استفهامية، أو مقرونةٌ بلام الابتداء، أو بحرف نفي، كانت الجملةُ معلّقاً عنها الفعلُ، وكانت في موضع نصب؛ كما لو وقعت في موضع المفعولين وفيها ما يُعلِّق الفعلَ عن العمل. وفي ((الكشاف)) (١) هنا: لا يُسمَّى تعليقاً، إنما التعليقُ أن يُوقع بعد الفعل الذي يعلّق ما يسدُّ مسدَ المفعولين جميعاً، كقولك: علمتُ أيّهما زيد، وعلمت أزيدٌ منطلقٌ. وأما إذا ذُكر بعده أحدُ المفعولين، نحو: علمتُ القومَ أيُّهم أفضل، فلا يكون تعليقاً، والآية من هذا القبيل. واعترضه صاحبُ ((التقريب)) بأن العلم مُضمَرٌ، وهو المعلَّق كما قال الفرَّاء والزَجَاج (٢)، ولا يلزم ذكرُ المفعول معه، بل التقدير: ليبلوكم فيعلم أيُّكم أحسن. وأيضاً لا تقع الجملةُ الاستفهامية مفعولاً ثانياً لعَلِمْتُ، وإنما تقع موقع المفعولين في: علمتُ أيُّهم خرج؛ لأن المعنى: علمتُ جواب هذا الاستفهام، ولا معنى لتقدير مثله في: علمته أيُّهم خرج. وأُجيب بأن التضمين يُغني عن الإضمار، وكونُ الجملة الاستفهامية لا تقع مفعولاً ثانياً ضعيف؛ لأنها إذا وقعت مفعولاً أولاً في نحو: ﴿لَنَفْزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] على معنى: لننزعنَّ الذين يقال فيهم: أيُّهم أشد، كما قال الخليل، فلم يمتنع وقوعُها مفعولاً ثانياً بتأويل: ليُعْلِمَكم الذين يقال في حقٌّهم: أيُّهم أحسن. وإليه ذهب الطّيبي، ثم قال: وقد أنصف صاحبُ ((الانتصاف)) حيث قال: التعليقُ عن أحد المفعولين فيه خلاف، والأصح هو الذي اختاره الزمخشريُّ، وهذا النحو عثُّه فيه يدرج، ویدري کیف يدخل ويخرج(٣). انتهى. والذي ذكره في سورة ((هود))(٤) أن في الآية تعليقاً؛ لما في الاختبار من معنى (١) ٤ / ١٣٤. (٢) معاني القرآن للفراء ١٦٩/٣، وللزجاج ١٩٧/٥. (٣) الانتصاف ٤/ ١٣٤. (٤) الكشاف ٢٥٩/٢ عند تفسير الآية (٧) منها . الآية : ٣ ٢٨٧ سُورَةُ المِلكِ العلم؛ لأنه طريقٌ إليه، ومثَّله بقوله: انظر أيُّهم أحسنُ وجهاً. فجعلوا بين كلاميه تنافياً . وفي ((الكشف)) أن كلامه هناك صريحٌ بأن التعليق فيه بمعنى تعليقٍ فعل القلب على ما فيه استفهام، وهو بهذا المعنى خاصٌّ بفعل القلب من غير تخصيصٍ بالسبعة المتعدِّية إلى مفعولين، وفي الاستفهام خاصَّة دون ما فيه لامُ الابتداء ونحوها، صرَّح به الشيخ ابنُ الحاجب نصّاً، فلا ينافي ما ذُكر في هذه السورة من أنه ليس بتعليق، فإنما نفى التعليقَ بالمعنى المشهور، وأما الحملُ على الإضمار في آية ((هود)) والتَّضمينِ في آية ((الملك)) للتفتُّن، فلا وجهَ له بعد تصريحه بأنه استعارةٌ. انتھی . وكذا على هذا لا وجهَ لكون ما هناك اختياراً لمذهب الفرَّاء والزجَّاج، وما هنا اختيار لمذهبٍ آخر، فتدبّر وتذكّر، فإنه كثيراً ما يُسأل عن ذلك قديماً وحديثاً، والله تعالى الموفِّق. لمن ٢ ﴿وَهُوَ الْعَزِزُ﴾ أي: الغالبُ الذي لا يُعجِزُه عقابُ مَنْ أساء ﴿الْغَفُورُ شاء منهم، أو لمن تاب، على ما اختاره بعضهم؛ لأنه أنسبُ بالمقام. ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ﴾ قيل: هو نعتٌ للعزيز الغفور، أو بيانٌ، أو بدلٌ، واختار شيخُ الإسلام أنه نصبٌ أو رفعٌ على المدح، متعلِّقٌ بالموصولَين السابقين معنّى، وإن كان منقطعاً عنهما إعراباً، منتظمٌ معهما في سِلْك الشهادة بتعاليه سبحانه وتعالى، ومع الموصول الثاني في كونه مداراً للبلاء كما نطقَ به قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَّاءٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧](١). وقوله تعالى: ﴿ِبَانًا﴾ صفة لـ ((سبع))، وكونُ الوصف للمضاف إليه العددُ لیس بلازم، بل أكثريٌّ. وهو مصدر طابقتُ النعلَ بالنَّعلِ: إذا خَصَفتَها، وُصف به للمبالغة، أو على حذفٍ مضاف، أي: ذاتِ طباق، أو بتأويل اسم المفعول، أي: (١) تفسير أبي السعود ٣/٩. سُورَةُ اللّلك ٢٨٨ الآية : ٣ مطابقة، وجُوِّز أن يكون مفعولاً مطلقاً مؤكّداً لمحذوف، أي: طُوبقتْ طِباقاً، والجملةُ في موضع الصفة، وأن يكون جمعَ: طَبَقٍ، كجمَلٍ وجمال، أو جمع: طَبَقة، كرَحَبة - بفتح الحاء - ورِحاب، والكلامُ بتقدير مضاف؛ لأنه اسمٌ جامد لا يُوصف به، أي: ذات طباق، وقيل: يجوز كونُه حالاً من («سبع سماوات)»؛ لقُربه من المعرفة بشُموله الكلَّ، وعدم فَردٍ وراء ذلك، وتُعقّب بأن قُصارى ذلك بعد القيل والقال أن يكون نحو شمس، مما انحصر في فرد، وهو لا تجيء الحال المتأخِّرة منه، فلا يقال: طلعت علينا شمسٌ مشرقة. وأيَّما كان، فالمرادُ كما أخرج عَبْد بنُ حُميد: بعضُها فوق بعض (١). ولا دليل في ذلك على تلاصقها كما زعمه متقدِّمو الفلاسفة ومَن وافقهم من الإسلاميين، مخالفين لما نطقت به الأحاديثُ الصحيحة، وإن لم يُكفَّر مُنكر ذلك فيما أرى. واختلف في موادها، فقيل: الأولى من مَوج مكفوف، والثانية من دُرَّةٍ بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من زُمُرُّدة بيضاء، وقيل غير ذلك، ولا أظنك تجد خبراً يُعوَّل عليه - فيما قيل - ولو طرتَ إلى السماء، وأظنُّك لو وجدتَ لأوَّلتَ؛ مع اعتقاد أنَّ الله عزَّ وجل على كلِّ شيء قدير. وقوله تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوَتِ﴾ صفةٌ أخرى على ما في ((الكشاف))(٢) ل ((سبع سموات))، وضع فيها ((خَلْق الرحمن)) موضع الضمير الرابط؛ للتعظيم والإشعار بعلَّة الحكم، بحيث يمكن أن يترتَّب قياسٌ من الشكل الأول ينتج نفيَ رؤيةٍ تفاوتٍ فيها، وبأنه عزَّ وجل خلقها بقدرته القاهرة رحمةً وتفضُّلاً، وبأن في إبداعها نِعَماً جليلة. وما ذكره ابنُ هشام في الباب الرابع من ((المغني))(٣) من أن الجملة الموصوفَ بها لا يربطُها إلا الضمير إما مذكوراً وإما مقدَّراً، ليس بحجَّة على جار الله، والتوفيقُ بأن ذلك إذا لم يقصد التعظيم ليس بشيء؛ لأنه لا بدَّ له من (١) أخرجه من قول ابن عباس كما في الدر المنثور ٢٤٨/٦. (٢) ٤ / ١٣٤. (٣) مغني اللبيب ص٦٥٣ . الآية : ٣ ٢٨٩ سُورَةُ الملك نُكتة، سواء كانت التعظيمَ أو غيره. واستظهر أبو حيَّان(١) أنه استئناف، وأن ((خلق الرحمن)) عامٌّ للسماوات وغيرها، والخطابَ لكلِّ أحدٍ ممن يصلحُ للخطاب، وجوّز أن يكون لسيِّد المخاطبين وَّةِ، ولعلَّ الأول أولى. و(من)) لتأكيد النفي، أي: ما ترى شيئاً من تفاوتٍ، أي: اختلافٍ وعدمٍ تناسُبٍ كما قال قتادةُ وغيرهُ، من الفَوت، فإن كلَّا من المتفاوتَين يَفوت منه بعضُ ما في الآخر. وفسَّر بعضُهم التفاوتَ بتجاوزِ الشيء الحدَّ الذي يجب له زيادةً أو نقصاً، وهو المعنيُّ بالاختلاف، وعلى ذلك قولُ بعض الأدباء: بهنَّ اختلافاً بل أتينَ على قَدْرٍ (٢) تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى وقال السُّدي: أي: من عيبٍ، وإليه يرجع قولُ من قال: أي: من تفاوتٍ يورثُ نقصاً، وقال عطاء بن يسار: أي: من عدم استواء. وقيل: أي: من اضطراب. وقيل: أي: من اعوجاجٍ. وقيل: أي: من تناقُض. ومآلُ الكلِّ ما ذكرنا. ومن الغريب ما قاله شيخُ الطائفة الكشفية في زماننا من أنَّ بين الأشياء جميعها ربطاً؛ وهو نوع من التجاذُب لا يفوتُ بسببه بعضُها عن بعض، وحَمَلَ الآية على ذلك، وإلى نحو هذا ذهب الفلاسفةُ اليوم؛ فزعموا أن بين الأجرام عُلويِّها وسُفليِّها تجاذباً على مقادير مخصوصة، به حُفِظت أوضاعُها، وارتبط بعضُها ببعض، لكن ذهب بعضُهم إلى أن ما به التجاذُبُ والارتباط يَضعف قليلاً قليلاً على وجهٍ لا يظهر به أثرٌ إلا في مُدَدٍ طويلة جدًّا، واستشعروا من ذلك إلى أنه لا بدَّ من خروج هذا العالَم المشاهَدِ عن هذا النظام المحسوس، فيحصل التَّصادُمُ ونحوه بين الأجرام، وقالوا: إن كان قيامةً فهو ذاك، ولا يخفى حالُ ما قاله وما قالوه، وأن الآيةَ - على ما سمعتَ - بمَعْزِلٍ عن ذلك. وقرأ عبد الله وعلقمةُ والأسود وابنُ جُبير وطَلْحة والأعمش: ((من تَفَوُّت))، بشدٍ (١) البحر المحيط ٢٩٨/٨. (٢) سلف عند تفسير الآية (٤٩) من سورة الصافات. الآية : ٤ سُورَةُ المِلك ٢٩٠ - الواو (١)، مصدر تَفَوَّتَ، وحكى أبو زيدٍ عن العرب في تفاوت فتحَ الواو وضَمَّها وكسرَها، والفتح والكسر شاذَّان كما في ((البحر))(٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ ﴾﴾ متعلّقٌ بما قبله على معنى التَّسبب، أي: عن الإخبار بذلك؛ فإنه سببٌ للأمر بالرجوع؛ دفعاً لما يُتوهّم من الشُّبهة، فهو في المعنى جوابُ شرط مقدَّر، أي: إن كنتَ في ريبٍ من ذلك فارجع البصر حتى يتّضح الحالُ، ولا يبقى لك ريبٌ وشُبهة في تحقّق ما تضمَّنه ذلك المقال من تناسب خلقِ الرحمن واستجماعِه ما ينبغي له. و((الفُطور)): قال مجاهد: الشُّقوق، جمع فَظْر وهو الشَّقُّ، يقال: فَطَرِه فانفطَر، والظاهرُ أن المراد الشقُّ مطلقاً، لا الشقُّ طولاً على ما هو أصله كما قال الراغب(٣)، وفي معناه قول أبي عبيدة (٤): الصُّدوع، وأنشدوا قولَ عبيد الله بن عُتبة بن مسعود: شققتِ القلب ثم ذَرَرْتٍ فيه هواكٍ فَلِيْطَ فالتأمَ الفُطورُ(٥) وقول السدي: الخُروق. وأُريد بكلِّ ذلك على ما يُفهم من كلام بعض الأجلَّة: الخَلَل، وبه فسَّره قتادة، وفسَّره ابنُ عباس بالوَهْن. وجملة: ((هل ترى)) إلخ؛ قال أبو حيَّان: في موضع نصبٍ بفعلٍ معلَّق محذوف، أي: فانظر هل ترى، أو ضُمِّن ((فارجع البصر)) معنى: فانظُر ببصرك(٦). مَ أَرْجِعِ الْعَرَ كَزٍَّ﴾ أي: رجعتَين أُخربَين في ارتياد الخَلَل، والمرادُ بالتثنية: (١) المحرر الوجيز ٣٣٨/٥، والبحر المحيط ٢٩٨/٨، وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. التيسير ص٢١٢، والنشر ٣٨٩/٢. (٢) البحر المحيط ٢٩٨/٨. (٣) في مفردات ألفاظ القرآن (فطر). (٤) في مجاز القرآن ٢/ ٢٦٢. (٥) البيت في الحماسة بشرح المرزوقي ١٣٥٤/٣، والأغاني ١٥١/٩. وفيهما: فَلِيْمَ، بدل: فليط. ولاط الشيءُ بقلبي يليط: حُبب وألصق. القاموس: (لوط). (٦) البحر المحيط ٢٩٨/٨. الآية : ٤ ٢٩١ سُورَةُ المِلكِ التكريرُ والتكثير، كما قالوا في لبّيك وسَعْدَيك، أي: رَجعةً بعد رَجعة، أي: رَجعات كثيرة بعضُها في إثْر بعض، وهذا كما أُريد بأصل المثنَّى التكثير في قوله: لو ◌ُدَّ قبرٌ وقبرٌ كان أكرمَهم بيتاً وأبعدَهم عن منزلِ الذَّامِ (١) فإنه يريد: لو عُدَّت قبورٌ كثيرة. وقيل: هو على ظاهره. وأُمر برَجع البصر إلى السماء مرَّتين، إذ يمكن غَلَطُ في الأُولى، فيستدرك بالثانية، أو الأولى ليرَى حُسنها واستواءها، والثانية ليُبصرَ كواكبَها في سيرها وانتهائها، وليس بشيءٍ، ويؤيِّد الأولَ قولُه تعالى: ﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِتًا﴾؛ فإنه جوابُ الأمر، والجوابيَّةُ تقتضي الملازمة، وما تضمَّنه لا يلزمُ من المرَّتين غالباً. والمعنى: يَعُدْ إليك البصرُ محروماً من إصابة ما التمَسَه من إصابة العَيب والخَلل، كأنه طُرد عنه طَرْداً بالصَّغار، بناءً على ما قيل: إنه مأخوذٌ من خَسَأ الكلبَ، المتعدِّي، أي: طَرَدَه، على أنه استعارةٌ، لكن في ((الصحاح))(٢): يُقال: خَسَأ بصرُه حَسْأً وخُسوءاً؛ أي: سَدِر. والسَّدَر: تحيُّر النّظر، فكأنَّ تفسير ((خاسئاً)) بمتحيّراً أخذاً له من ذلك أقرب. وكأنهم اختاروا ما تقدَّم لأن فيه مبالغةً وبلاغةً ظاهرة، مع كونه أبعدَ عن التكرار مآلاً مع قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾﴾ أي: كَلِيلٌ من طُول المعاودة، وكثرةِ المراجعة، يقال: حسَر بعيرُه يَحْسُر حُسوراً، أي: كَلَّ وانقطع، فهو حَسير ومَحْسُور، وقال الراغب(٣): الحَسْر: كشفُ الملبس عمَّا عليه، يقال: حَسَرْتُ عن الذِّراع، أي: كشفتُ، والحاسرُ: مَن لا دِرْع عليه ولا مِغْفَر، وناقةٌ حَسِير: انحَسَر عنها اللحمُ والقُوَّة، ونُوقٌ حَسْرَى، والحاسِرُ أيضاً: المُعْيَا؛ لانكشاف قُواه، ويُقال (١) نسبه أبو تمام في الحماسة ١١٢٢/٣ بشرح المرزوقي إلى عصام بن عبيد الله، ونسبه الجاحظ في البيان والتبيين ٣١٦/٢ إلى همَّام الرَّقاشي، ونسبه المرزباني في معجم الشعراء ص١١٤ إلى عصام بن عبيد الزِّمَّاني اليمامي. وفي المصادر الثلاثة: كنت أكرمهم، والرواية التي ذكرها المصنف أوردها أبو حيان في البحر ٢٩٨/٨ . (٢) مادة: (خساً). (٣) في مفردات ألفاظ القرآن (حسر). الآية : ٥ ٢٩٢ سُورَةُ المِلكِ له أيضاً: مَحْسور، أما الحاسِر فتُصُوِّر أنه قد حَسَر بنفسه قُواه، وأما المَحْسُور فتُصُوِّر أن الثَّعب قد حَسَره، و((حَسير)) في الآية يصحُّ أن يكون بمعنى حاسِر، وأن یکون بمعنی محسور. والجملةُ في موضع الحال - كالوصف السابق - من ((البصر))، ويحتمل أن تكون حالاً من الضمير فيه. وقرأ الخوارزميُّ عن الكسائي: ((ينقلبُ)) بالرفع، وخُرِّج على أن الجملةَ في موضع حال مقدَّرة(١). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زََّا السَّمَةَ﴾ إلخ، كلامٌ مَسوق للحثِّ على النظر قدرةً وامتناناً، وفي ((الإرشاد))(٢): بيانٌ لكون خَلْق السماوات في غاية الحُسْن والبهاء إثرَ بيانِ خلُوِّها عن شائبةِ العَيْب والقصور، وتصديرُ الجملة بالقَسَم لإبراز كمال العناية بمضمونها، أي: وبالله لقد زيَّنا السماء ﴿الذُّنًْا﴾، منكم، أي: التي هي أتمُّ دنوًّا منكم من غيرها، فدُنوُّها بالنسبة إلى ما تحت، وأما بالنسبة إلى مَن حول العرش فبالعكس. ﴿بِمَصَبِيحَ﴾: جمع مِصباح: وهو السِّراج، وتُجوِّز به عن الكوكب، ثم جُمع، أو تُجوِّز بالمصابيح ابتداءً عن الكواكب، وفسَّره بعضُ اللغويين بمقرِّ السِّراج، فيكون حينئذٍ تَجوُّزاً على تَجوُّز، ولا حاجة إليه مع تصريحهم بأن المصباح نفسُ السِّراج أيضاً. وتنكيرُها للتعظيم، أي: بمصابيح عظيمةٍ ليست كمصابيحكم التي تعرفونها، وقيل: للتَّنويع، والأول أَولی. والظاهر أن المراد الكواكبُ المضيئة بالليل إضاءةَ السِّراج من السيارات والثوابت، بناءً على أنها كلَّها في أفلاكِ ومجارٍ متفاوتةٍ قُرباً وبُعداً في ثخن السماء الدنيا، وكونُ السماء هي الفلك خلافُ المعروف عن السلف، وإنما هو قولٌ قاله (١) القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر المحيط ٢٩٩/٨، وذكر أبو حيان وجهاً آخر: وهو أنه على حذف الفاء، أي: فينقلب. (٢) تفسير أبي السعود ٩/ ٤. الآية : ٥ ٢٩٣ سُؤَدَّةُ المِلكِ مَن أراد الجمع بين كلام الفلاسفة الأولى وكلام الشريعة، فشاع فيما بين الإسلام، واعتقده مَن اعتقده. وعن عطاء أن الكواكب في قناديل مُعلَّقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور في أيدي ملائكة. وعليه فـ: زيَّنا السماءَ بمصابيح، كقول القائل: زيَّنتُ السقفَ بالقناديل، وهو ظاهر، لكن الخبرَ لا یکاد یصحُ. ومَن اعتقد أن السماءَ الدنيا فَلَكُ القمر، والستّ الباقية أفلاكُ السيارات الباقية على الترتيب المشهور، وأن للثوابت فلكاً مخصوصاً يُسمَّى بلسان الشرع بالكرسيِّ، أو جَوَّز أن تكون هذه في فَلَك زُحل وهو السماء السابعة، أو يكون بعضُها في فَلَك وبعضُها الآخر في آخر فوقه، أو كلٌّ منها في فَلَك وسماءٍ غيرِ السبع، والاقتصارُ على العدد القليل لا ينفي الكثير = قال: إن تخصيصَ السماء بالتَّزيين بها؛ لأنها إنما تُرى عليها، ولا يُرى جُرم ما فوقها، أو رِعايةً لمقتضى أفهام العامة؛ لتعذُّر التمييز بين سماء وسماء عليهم، فهم يرون الكواكب كجواهر مُتلألئة على بساط الفَلَك الأزرق الأقرب. ومَن اعتبر ما عليه أهلُ الهيئة اليوم من أن الكواكب فَلَكُ عجائب القُدرة، مَواخِرُ في بحر جوِّ الفضاء على وجهٍ مخصوص تقتضيه الحكمة، ومَجاريها فيه هي أفلاكُها، وقد تحرَّكت إذ تحرَّكت في خلاء أو ما يُشبهه مع قوى بها تجاذبت وارتبطت، ولها حركات على أنفسها، وحركات غير ذلك، وليست مَركوزةً كما اشتهر في أجرام صُلبة شفّافة لا ثقيلة ولا خفيفة تُسمَّى أفلاكاً أو سماء، وهي متفاوتة قرباً وبعداً تفاوتاً كلياً؛ وإن رُئيت كلُّها قريبةً لسبب خفي إلى الآن عليهم، حتى إن منها ما لا يصل شُعاعُه إلينا إلا في عدَّة سنين، مع أن شعاع الشمس - وبيننا وبينها أربعةٌ وثلاثون مليوناً من الفراسخ، والمليونُ ألف ألف - يصلُ إلينا في ثمانِ دقائق وثلاث عشرة ثانية، إلى آخر ما زعموا فيها = قال: يجوز أن يُراد بـ ((السماء الدنيا)» طبقةً مخصوصة في هذا الفضاء، وبالمصابيح كواكب فيها نفسها قد زُيِّنت تلك الطبقةُ بها تزیینَ فضاءٍ دارٍ بطیور یطرن حائماتٍ فیه مثلاً، أو جمیع ما یُری من الكواكب وإن كان فوقها، وتزيينُها بذلك بإظهاره فيها كما مرَّ. الآية : ٥ ٢٩٤ سُورَةُ المِلكِ وأنت تعلمُ أن مَن تصدَّى لتطبيق الآيات والأخبار على ما قاله الفلاسفةُ مطلقاً فقد تصدَّى لأمرٍ لا يكادُ يتمُّ له، والله تعالى ورسولُهُ وَّرِ أحقُّ بالاتِّباع. نعم تأويلُ النَّقليّ إنما ينبغي إذا قام الدليلُ العقليُّ على خلاف ما دلَّ عليه، وأكثرُ أدلة الفلاسفة قاعدة على العجز عن إثباتها إثباتاً صحيحاً ما يخالف أدلَّة أهل الشرع، كما لا يخفى على من استضاء بمصابيحه. ﴿وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلِشَيَطِيْنّ﴾ الضميرُ للمصابيح على ما هو الظاهر، لا للسماء الدنيا، على معنى: جعلنا منها، أي: من جهتها، كما قيل، والرُّجوم: جمع رَجَم بالفتح، وهو مصدر سُمِّي به ما يُرجَم به، أي: يُرمى، فصار له حكمُ الأسماء الجامدة، ولذا جُمع وإن كان الأصلُ في المصادر أنها لا تُجمع. وقيل: إنه هنا مصدرٌ بمعنى الرَّجم أيضاً. والمراد بالشياطين: مسترِقُو السَّمع، ورجمُهم على ما اشتهر: بانقضاض الشُّهب المسيَّةِ عن الكواكب، وإليه ذهب غيرُ واحد من المفسِّرين، وهو مبنيٌّ على ما قرَّره الفلاسفةُ المتقدِّمون من أن الكواكب نفسَها غيرُ منقضَّةٍ، وإنما المنقضُّ شعلٌ نارية تحدُثُ من أجزاء متصاعدة لكرة النار، لكنها بواسطة تسخين الكواكب للأرض، فالتجوُّزُ في إسناد الجعل إليها، أو في لفظها، وهو مجازٌ بوسائط. وقال الشهاب: لا مانع من جعل المنقضِّ نفسه من جنس الكواكب، وإن خالفَ اعتقادَ الفلاسفة وأهلِ الهيئة، ولكن في النصوص الإلهية ما فيه رجومٌ للشياطين(١). انتهى. وأقول: لا يخفى أن ذلك المبنيَّ لا يتمُّ أيضاً إلا بثبوتٍ كرة النار الذي لا تراهم يستدلُّون عليه إلا بحدوث هذه الشُّهب، وسلفُ الأمة لا يقولون بذلك، وكذا أهلُ الفلسفة الجديدة، وهؤلاء لم يُحقِّقوا إلى الآن أمرَ هذه الشهب، لكن يميلون إلى أنها أجسامٌ انفصلتْ عن الكواكب التي يزعمونها عوالمَ مشتملةً على جبال ونحوِها اشتمالَ الأرض على ذلك، وخرجتْ لبعض الحوادث عن حدِّ القوى الجاذبةِ لها (١) حاشية الشهاب ٢١٨/٨. الآية : ٥ ٢٩٥ سُوَرَّةُ المِلكِ إلى ما انفصلتْ عنه، ولم تصل إلى حدٍّ جذبٍ قوةِ الأرض لها، فبقيت تدورُ عند منتهى كرةِ الأرض وما يُحيطُ بها من الهواء، فإذا عرَضَ لها الدخولُ في هواء الأرض أثناءَ حركتها احترقت كُلَّا أو بعضاً؛ كما تحترقُ بعضُ الأجسام المحفوظة عن الهواء إذا صادَمَها الهواءُ، وربما تصلُ في بعض حركاتها إلى حدٍّ جذبٍ الأرض، فتقعُ عليها . وبعضُهم يزعم في الحجارة الساقطة من الجوِّ التي تُسمَّى عندهم بـ : الأَيْرُوليت(١) - يعنون حجارةَ الهواء - أنها من تلك الأجسام، وكلُّ ذلك حديثُ خرافةٍ، ورجٌ بظنونٍ فاسدة. وقُصارى ما يقال في هذه الشُّهب: إنها تحتملُ أن تكون ناشئةً من أجرام من جنس الكواكب فيها قوةُ الإحراق، سواء كان كلُّ مضيء محرقاً أم لا، متكوِّنةً في جوِّ هذا الفضاء المشاهَد، إلا أنها لغاية صِغَرها لا تُشاهَدُ ولو بالنّارات، حتى إذا قربت بانقضاضها شُوهدت، وقد تُصادِفُ في انقضاضها أجساماً متصاعدةً من الأرض، فتُحرقُها، وربما يتّصل الحريقُ إلى ما يقرُبُ من الأرض جدّاً، وربما تكوَّنت الحجارةُ من ذلك، ثم إن العقل يُجوِّز أن يكون لها دورانٌ على شكلٍ من الأشكال، فترجعُ بعد ما يُشاهَدُ لها من الانقضاض، وأن تتلاشى بعد انقضاضها، ويخلقَ الله تعالى غيرَها من مادَة لا يعلمُها إلا هو عزَّ وجل. والضميرُ المنصوب في ((جعلناها)) وإن عاد على المصابيح، لكن لم يعُدْ عليها إلا باعتبارِ الجنس، دون خصوصيَّةٍ كونها مُزَيَّنَةً بها السماءُ الدنيا، نظير: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍ﴾ [فاطر: ١١] و: عندي درهمٌ ونصفُه؛ لما أنَّ التزيينَ باعتبار الظهور، ولا ظهورَ لهذه الأجرام قبل انقضاضها . وإن اعتبُر في كونها مصابيح، أو كواكب، أو نجوماً، ظهورُها(٢) في نفسها ولمن يقرُبُ منها، دون خصوصيَّة ظهورها لنا، وفي كونها زينةً للسماء كونُها زينةٌ لها في الجملة، فالأمرُ ظاهر جدّاً. (١) لعله يقصد الـ: airo light، وتعني بالانكليزية: الهواء المضيء. (٢) قوله: ظهورها، نائب فاعل لقوله: اعتُبر. سُوَرَّةُ الّلك ٢٩٦ الآية : ٥ ويحتملُ أن تكون ناشئةً من المصابيح المشاهَدَة المزيَّنِ بها، بأن ينفصل عنها وهي في محلٌّها شعلٌ هي الشُّهب، وما ذاك إلا كقبسٍ يؤخَذُ من نارٍ والنارُ ثابتة، وإليه ذهب الجُبَّائيُّ وكثيرٌ، وهو محتمِلٌ لأنْ يكون لكلِّ منها قابليةُ أنْ ينفصل عنه ذلك، وأن تكون القابليةُ لبعضها دون بعضٍ، وهذا لعدم الاطلاع على حقائق الأجرام العلوية وأحوالها في أنفسها، والكلامُ نحو قولك: أسكنَ الأميرُ قبيلةَ كذا في ثَغْر كذا، وجعلها تَرْمي بالبنادق مَنْ يَقْرُبُ منه؛ فإنه لا يلزمُ أن يكون لكلِّ واحدٍ منها قابليةُ الرمي. ثم لا يلزمُ أن يكون كلُّ ما يُشاهد من الشُّهب قَبَساً من المصابيح، بل يجوزُ أن يكون بعضُه - وهو الذي تُرمى به الشياطينُ - منها، وبعضُه من أمورٍ تحدُثُ في الجوِّ من اصطكاكٍ أو نحوه. وتفاوتُ الشهبِ قلَّةً وكثرةً يحتملُ أن يكون لتفاوتِ حوادث الجوِّ، وأن يكون لتفاوت الاستراق. وليس في الآيات والأخبار ما هو نصّ في أن الشُّهب لا تكونُ إلا لرمي الشياطين، فيحتمل أن يكون أكثرُ الشُّهب من الحوادث الجوِّية. وذواتُ الأذناب منها في رأي المتقدِّمين، وهي في أنفسها دون أذنابها نجومٌ كثيرةٌ جدّاً تدور لا كما يدورُ غيرُها من النجوم، فتقرُبُ تارةً، وتبعُدُ أخرى فتخرج عن مدارات السيارات إلى حيثُ لا تشاهَدُ أصلاً عند فلاسفة العصر، ولهم فيها كلامٌ أطول من أذنابها . وقد أورد الإمامُ الرازيُّ(١) في هذا الفصل أسئلةً وشُبَهاً أجاب عنها بما أجاب، ونحنُ فعلنا نحوَ ذلك فيما تقدَّم على وجهٍ أتمَّ، فليُتذكَّر(٢)، وقد أطنبنا هناك الكلامَ فيما يتعلَّق بهذا المقام، إلا أنَّ بعضَها مما ذكرناه هناك، فخُذْ من الموضعين ما صفا ودَعْ ما كَدَر، بعد أن تتأمَّل حقَّ التأمُّل وتتدبَّرَ. وقيل: معنى الآية: وجعلناها ◌ُنوناً ورُجوماً بالغيب لشياطين الإنس، وهم المنجّمون المعتقدون تأثيرَ النجوم في السعادة والشقاوة ونحوهما، وقد رددنا عليهم (١) في ٥٩/٣٠ وما بعدها. (٢) ينظر ما سلف ٤٢٦/١٣ وما بعدها. الآية : ٦ - ٧ ٢٩٧ سُوَّةُ المِلكِ أيَّ ردِّ فيما تقدَّم، فارجع إليه إن أردتَه؛ فإنه نفيسٌ جدّاً. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَمْ﴾ وهيَّأنا للشياطين ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾﴾ عذابَ النار المُسْعَرة المُشعَلَة في الآخرة، بعد الإحراق في الدنيا بالشُّهب. ولا يمنع من ذلك أنهم خُلقوا من نارٍ؛ لأنهم ليسوا نارٌ فقط، بل هي أغلبُ عناصرهم، فهي منهم كالتُّراب من بني آدم، فیتأثّرون من ذلك، على أنه قد تكون نارٌ أقوی من نار. واستُدلَّ بالآية على أنَّ النار مخلوقةٌ الآن، وعلى أنَّ الشياطين مكلَّفون. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ﴾ من غير الشياطين، أو منهم ومن غيرِهم، على أنه تعميمٌ بعد التخصيص لدفع إيهام اختصاصِ العذاب بهم. والجارُّ والمجرور خبرٌ مقدَّم، وقولُه تعالى: ﴿عَذَابُ جَهَنَّمْ﴾ مبتدأٌ مؤخّر، والحصرُ إضافيٌّ بقرينةِ النصوص الواردة في تعذيب العُصاة، فلا حجَّة فيه لمن قال من المُرْجئة: لا يُعَذَّب غيرُ الكَفَرة. وقرأ الضخَّاك، والأعرجُ، وأسيد بن أسيد المُزنيُّ، والحسن في رواية هارون عنه: ((عذابَ)) بالنصب عطفاً على ((عذاب السَّعير))(١)، أي: وأعتدنا للذين كفروا أي: جهنّم. عذابَ جهنّم. ﴿وَيْسَ الْمَصِيرُ ﴾ ﴿إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا﴾ أي: طُرِحوا فيها كما يُطرَحُ الحَطَب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لمَا﴾ أي: لجهنَّم نفسِها كما هو الظاهر، ويؤيِّده ما بعدُ. والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من قوله تعالى: ﴿شَرِيقًا﴾ لأنه في الأصل صفة، فلما قُدِّمت صارت حالاً، أي: سمعوا كائناً لها شهيقاً، أي: صوتاً كصوت الحمير، وهو حَسِيسُها المنكر الفظيع، ففي ذلك استعارةٌ تصريحية. وجُوِّز أن يكون الشهيقُ لأهلها ممن تقدَّم طَرْحُهم فيها ومن أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ﴾ [هود: ١٠٦] والكلامُ على حذف مضافٍ، أو تجوُّز في النسبة. واعتُرِض بأن ذلك إنما يكونُ لهم بعد القَرار في النَّار، وبعد ما يُقال لهم: اخسؤوا فيها، وهو بعد ستةٍ آلاف سنةٍ من دخولهم؛ كما في بعض الآثار. (١) القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر المحيط ٢٩٩/٨. سُورَةُ المَلك ٢٩٨ الآية : ٨ ورُدَّ بأن ذلك إنما يدلُّ على انحصار حالهم حينئذٍ في الزَّفير والشَّهيق، لا على عدم وقوعهما منهم قبل. ﴿وَهَىَ تَفُورُ لـ أي: والحالُ أنها تَغْلي بهم غليانَ المِرْجَل بما فيه. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ أي: ينفصلُ بعضُها من بعض ﴿مِنَ الْفّظِ﴾ من شدَّة الغضب عليهم. قال الراغبُ: الغيظُ: أشدُّ الغضب(١). وقال المرزوقيُّ في ((الفصيح)): إنه الغضبُ، أو أسوَؤُه. وقد شَبَّه اشتعالَ النار بهم في قوةٍ تأثيرِها فيهم وإيصالِ الضَّرر إليهم باغتياظِ المُغْتاظ على غيرِهِ، المبالِغ في إيصال الضررِ إليه، على سبيل الاستعارة التصريحية . ويجوزُ أن تكون [المصرِّحة](٢) هنا تخييليَّةً تابعةً للمكنيَّة، بأن تُشبَّه جهنّمُ في شدَّة غليانها وقوةٍ تأثيرِها في أهلها بإنسانٍ شديد الغيظ على غيرِهِ، مبالغٍ في إيصال الضررِ إليه، فتُوهِّم لها صورةٌ كصورةِ الحالة المحقَّقة الوجدانية، وهي الغضبُ الباعثُ على ذلك، واستُعير لتلك الحالةِ المتوهَّمة الغيظُ. وُجُوز أن يكون الإسنادُ في ((تكاد تميَّز)) إلى ((جهنم)) مجازاً، وإنما الإسنادُ الحقيقيُّ إلى الزَّبَانية، وأن يكون الكلامُ على تقدير مضافٍ، أي: تميَّز زَبانيتُها من الغيظ . وقيل: إن الله تعالى يخلُقُ فيها إدراكاً فتغتاظ عليهم، فلا مجاز بوجهٍ من الوجوه، وورد في بعض الأخبار ما يؤيِّد ذلك. وزعم بعضُهم أنه لا حاجةَ لشيء مما ذُكر؛ لمكان ((تكاد)»، كما في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] وفيه ما فيه. والجملةُ إما حالٌ من فاعل ((تفور))، أو خبرٌ آخر. وقرأ طلحةُ: ((تتميّز)) بتاءين، وأبو عَمرو: ((تكاد تميز)) بإدغام الدال في التاء، (١) مفردات ألفاظ القرآن (غيظ). (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢١٩/٨، وعنه نقل المصنف. الآية : ٩ ٢٩٩ سُؤَدَّةُ المِلكِ والضَّّاك (تمايز)) على وزن تَفَاعل، وأصلُه تتمايز بتاءين، وزيد بنُ عليٍّ وابنُ أبي عبلة: (تَمِيْزُ)) من ماز(١). ﴿كُلَّمَآ أُلْفِىَ فِيهَا فَوٌْ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان حال أهلها بعد بيان حال نفسها، وقيل: لبيان حالٍ آخر من أحوال أهلها، وجُوِّز أن تكون الجملةُ حالاً من ضميرها، أي: كلَّما أُلقي فيها جماعةٌ من الكَفَرة ﴿سَهُمْ خَهَا﴾ وهم مالكٌ وأعوانه عليهم السلام، والسائلُ يحتمل أن يكون واحداً، وأن يكون متعدِّداً، وليس السؤالُ سؤالَ استعلامِ، بل هو سؤالُ توبيخِ وتقريعٍ، وفيه عذابٌ روحانيّ لهم منضمٌّ إلى عذابهم الجِسْمانيِّ: ﴿أَمْ يَأْتِكُ نَذِيرُ ﴾﴾ يتلو عليكم آياتِ الله، وينذرُكم لقاءَ يومكم هذا؟ ﴿قَالُواْ﴾ اعترافاً بأنه عزَّ وجل قد أزاح عِلَلهم بالكُلِّية: ﴿بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ﴾ وجمعوا بين حرف الجواب ونفسٍ الجملة المُجاب بها مبالغةً في الاعتراف بمجيء النذير، وتحسُّراً على ما فاتهم من السعادة في تصديقهم، وتمهيداً لما وقع منهم من التفريط تندُّماً واغتماماً على ذلك، أي: قال كلُّ فوجٍ من تلك الأفواج: قد جاءنا نذيرٌ، أي: واحدٌ حقيقةً، أو حكماً كنُذُر بني إسرائيل؛ فإنهم في حكم نذيرٍ واحد، فَأَنْذَرَنا، وتلا علينا ما أنزل الله تعالى من آياته ﴿فَكَذَّبْنَا﴾ ذلك النذيرَ في كونه نذيراً من جهته تعالى ﴿وَقُلْنَ﴾ في حقِّ ما تلاه من الآيات إفراطاً في التكذيب، وتمادياً في النَّكير: ﴿مَا نَزَّلَ اللّهُ﴾ على أحد ﴿مِن شَىْءٍ﴾ من الأشياء، فضلاً عن تنزيل الآيات على بشر مثلكم ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ أي: ما أنتم في ادِّعاء ﴾ بعيدٍ عن الحقِّ والصواب. ما تدَّعونَه ﴿إِلَّا فِی مَلٍَ کِیٍ وجمع ضمير الخطاب مع أنَّ مخاطبَ كلِّ فوجٍ نذيرُه؛ لتغليبه على أمثاله ولو فرضاً، ليشمَلَ أولَ فوجٍ أنذَرَهم نذيرٌ. والأصلُ: أنت وأمثالُكَ ممَّن ادَّعى، أو يدَّعي دعواك، مبالغةً في التكذيب، وتمادياً في التضليل كما يُنبئ عنه تعميمُ المُنزَل مع ترك ذِكْر المُنزّل عليه؛ فإنه ملوِّحُ بعمومه حتماً . (١) قراءة أبي عمرو على أصله في الإدغام، والقراءات الأخرى في القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر المحيط ٢٩٩/٨. سُورَةُ الملك ٣٠٠ الآية : ٩ وأما إقامةُ تكذيب الواحد مقامَ تكذيب الكلِّ، فقيل: أمرٌ تحقيقيٍّ يُصار إليه التهويل ما ارتكبوه من الجِناية، لكن لا مساغَ لاعتباره من جهتهم، ولا لإدراجه تحتَ عبارتهم، كيف لا وهو منوظٌ بملاحظة اجتماع النُّذر(١) على ما لا يختلف من الشرائع والأحكام باختلاف العصور والأعوام، وأين هم من ذلك وقد حال الجَرِيضُ دون القَرِيض(٢)؟ هذا إذا جُعل ما ذُكر حكايةً عن كلِّ واحد من الأفواج كما هو الظاهر، وأما إذا جُعل حكايةً عن الكلِّ فالنذير إما بمعنى الجمع(٣)؛ لأنه فعيلٌ، وهو يستوي فيه الواحدُ وغيرُه، أو مصدرٌ مقدَّر بمضافٍ عامّ، أي: أهلُ نذير، أو منعوتٌ به للمبالغة، فيتَّفق كلا طرفَي الخطاب في الجمعية. ويُستشعَر من بعض العبارات جوازُ اعتبار الجمعية بأحدِ الأوجه المذكورةِ على الوجه الأول أيضاً، وفيه بحثٌ. وجُوِّز أن يكون الخطابُ من كلام الخَزَنة للكفَّار على إرادة القول، على أنَّ مرادَهم بالضلال ما كانوا عليه في الدنيا، أو هلاكُهم، أو عقابُ ضلالهم تسميةً له باسم سببه. وهو خلافُ الظاهر كما لا يخفى، وكذا ما قيل من جوازٍ كونِهِ من كلام النذير للكَفَرَة حَكَوه للخَزَنة. وفي ((الكشف)): هذا الوجهُ فيه تكلُّف بَيِّن، فإمّا أن يكون مقولَ قولٍ محذوفٍ یستدعیه «قد جاءنا نذیر))، کأنه قيل: بلی قد جاءنا نذیرٌ قال: إن أنتم إلا في ضلالٍ كبير، فكذَّبنا وقلنا. وقُدِّم ((فكذَّبنا وقلنا)) تنبيهاً على أن التكذيبَ لم يكن مقصوراً على قولهم هذا، وإمَّا أن يكون التكذيبُ واقعاً على الجملة، أعني: ((إن أنتم))، وقوله سبحانه: ((وقلنا ما نزَّل الله من شيء)) عطفٌ على ((كذَّبنا))، قُدِّم على صِلَته (١) في الأصل: المنذر، والمثبت من (م). (٢) الجريض: الغُصَّة، من الجَرَض: وهو الريق يغص به، والقريض: الشِّعر، وهو مثل يضرب للأمر يُقدر عليه أخيراً حين لا ينفع. مجمع الأمثال ١/ ١٩١. (٣) جاء في حاشية الأصل ما نصه: ولم يجعل جمعاً كالعبيد؛ قيل: لأنه لا يعرف له مفرد يصلح أن یکون هذا جمعاً له، ونظر فیه، فتأمل. اهـ منه.