Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٦ ٢٢١ سُورَةُ الصَّلَاق لا نُضَازُوهُنَّ﴾ ولا تستعملوا معهنَّ الضِّرار في السُّكنى ﴿لُِضَيِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ فتلجؤوهنَّ إلى الخروج، بشُغْلِ المكان، أو بإسكان مَنْ لا يُردْنَ السُّکنی معه، ونحو ذلك. ﴿وَإِن كُنَّ﴾ أي: المطلَّقات ﴿أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَّهِنَّ حَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فيخرجْنَ عن العِدَّة، وأما المتوقَى عنهنَّ أزواجهنَّ فلا نفقةً لهنَّ عند أكثر العلماء، وعن عليّ كرَّم الله تعالى وجهه، وابن مسعود: تجب نفقتهنَّ في التَّرِكة. ولا خلافَ في وجوب سُكْنى المطلَّقات أولاتِ الحمل ونفقتهنَّ، بُثَّ الطلاقُ أو لم يُبَتّ. واختلف في المطلَّقات اللاتي لَسْنَ أولاتٍ حَمْلٍ بعد الاتفاق على وجوب السُّكنى لهنَّ إذا لم يكنّ مبتوتات، فقال ابن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبي والحسن ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأبو عبيد: للمطلَّقة الحائل المبتوتة السُّكنى، ولا نفقةً لها . وقال الحسن وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور والإمامية: لا شُكْنى لها ولا نفقة؛ لحديث فاطمة بنت قيس قالت: طَلَّقَني زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي أَلبتَّةَ، فخاصمتُهُ إلى رسول الله وَّر في السُّكنى والنفقة، فلم يجعل لي سُكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدَّ في بيت ابن أمّ مكتوم، ثم أنكحني أسامةَ بن زيد (١). وقال أبو حنيفة والثوري: لها السُّكنى والنفقة، فهما عنده لكلِّ مطلّقة وإن لم تكن ذاتَ حمل، ودليله أنَّ عمر ◌َظُه قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه يقول في المبتوتة: ((لها النفقة والسُّكنى))(٢) مع أنَّ ذلك جزاء الاحتباس، وهو مشترك بين (١) أخرجه مسلم (١٤٨٠). (٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٦٨/٣ من طريق إبراهيم النخعي عن عمر به، وإسناده منقطع. وينظر الكلام عليه في المحلى ٢٩٨/١٠، وزاد المعاد ٥٣٩/٥. وأخرج مسلم (١٤٨٠): (٤٦) من طريق الأسود بن يزيد عن عمر قال: لا نترك كتاب الله وسنّة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة. سُوَدَّةُ الصَّلَاقِ ٢٢٢ الآية : ٦ الحائل والحامل، ولو كان جزاءً للحمل لَوَجَبَ في ماله إذا كان له مالٌ، ولم يقولوا به. ويؤيِّد ذلك قراءة ابن مسعود: ((أسكنوهنَّ من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهنَّ من وجدكم))(١). ومن خَصَّ الإنفاقَ بالمعتدَّات أولات الحمل استدلَ بهذه الآية لمكان الشرط فيها، وهو لا يتمُّ على النافين لمفهوم المخالفة، مع أنَّ فائدةَ الشرط هاهنا أنَّ الحاملَ قد يتوهّمُ أنها لا نفقةً لها لطول مُدَّةِ الحمل، فأُثبتَ لها النفقة ليُعلَمَ غيرُها بالطريق الأولى، كما في ((الكشاف))(٢)، فهو من مفهوم الموافقة، وحديثُ فاطمة بنت قيس قد طعن فيه عمر وعائشة وسليمان بن يسار والأسود بن يزيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي: بعد أن يَضَعْنَ حملهنَّ ﴿فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع ﴿وَأَتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ خطابٌ للآباء والأمهات، والافتعالُ بمعنى التفاعل، يقال: ائتمرَ القومُ وتآمروا بمعنّى، قال الكسائيُّ: والمعنى: تشاوروا، وحقيقته: ليأمرْ بعضكم بعضاً بمعروفٍ، أي: جميلٍ في الأجرة والإرضاع؛ ولا يكنْ من الأب مماكسةٌ، ولا من الأمّ معاسرةٌ. وقيل: المعروف: الكسوة والدثار. ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ﴾ أي: تضايقتم، أي: ضَيَّقَ بعضُكم على الآخر بالمشاخَّة في الأجرة، أو طلب الزيادة، أو نحو ذلك ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ، أُخْرَى ﴾﴾ أي: فستُوجَدُ ولا تعوزُ مرضعة أخرى، وفيه على ما قيل: معاتبةٌ للأم؛ لأنه كقولك لمن تستقضيه حاجةً فتعذَّر منه: سيقضيها غيرُكَ، أي: ستُقْضَى وأنت ملومٌ. وخصَّ الأمَّ بالمعاتبة على ما قال ابن المنير: لأنَّ المبذولَ من جهتها هو لبنُها لولدها، وهو غيرُ متموَّلٍ ولا مضنون(٣) به في العُرْف، وخصوصاً من الأم على (١) ذكرها السرخسي في المبسوط ٢٠٢/٥. (٢) ينظر ٤/ ١٢٢. (٣) في الأصل و(م): مضمون. والمثبت من المصدر. الآية : ٧ ٢٢٣ سُوَدَّةُ الطََّلَاقِ الولد، ولا كذلك المبذولُ من جهة الأب، فإنه المالُ المضنونُ به عادةً، فالأُمُّ إذن أجدرُ باللَّوم وأحقُّ بالعَتَب(١). والكلام على معنى: فليطلبْ له الأبُ مرضعةً أخرى، فيظهرُ الارتباطُ بين الشرط والجزاء. وقال بعض الأَجلَّة: إنَّ الكلامَ لا يخلو عن معاتبةِ الأبِ أيضاً، حيث أُسقِطَ في الجواب عن حَيِّز شَرَفِ الخطاب، مع الإشارة إلى أنه إذا ضايقَ الأمَّ في الأجر فامتنعتْ من الإرضاع لذلك، فلا بدَّ من إرضاعِ امرأةٍ أخرى، وهي أيضاً تطلبُ الأجرَ في الأغلب، والأمُّ أشفقُ، فهي به أولى، وبذلك يظهرُ كمالُ الارتباط. والأول أظهرُ، فتدبّر. وقيل: ((فسترضع)) خبرٌ بمعنى الأمر، أي: فلترضع. وليس بذاك. وهذا الحكم إذا قَبِلَ الرضيعُ ثديَ أخرى، أما إذا لم يقبلْ إلا ثديَ أمِّه، فقد قالوا: تُجِبَرُ على الإرضاع بأجرةٍ مثلها . ﴿لِنَفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِّةٍ، وَمَنْ قُدِرَ﴾ أي: ضُيِّقَ ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَيُنفِقْ مِمَآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ وإن قلَّ، والمراد: لينفقْ كلُّ واحدٍ من الموسِرِ والمعسِرِ ما يبلغه وُسْعُهُ. والظاهر أنَّ المأمورَ بالإنفاق الآباء، ومن هنا قال ابن العربي: هذه الآيةُ أصلٌ في وجوب النفقة على الأب، وخالفَ في ذلك محمدُ بن المؤَّاز فقال بوجوبها على الأبوين على قَدْر الميراث(٢). وحكى أبو معاذ أنه قرئ: ((لينفقَ)) بلام ((كي)) ونَصْبِ القاف (٣) على أنَّ التقدير: شَرَعنا ذلك لينفقَ. وقرأ ابن أبي عبلة: ((قُدِّرَ)) مشدَّد الدال(٤). ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنهَا﴾ أي: إلا بقَدْرِ ما أعطاها من الطاقة، وقيل: (١) الانتصاف ٤/ ١٢٢. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣١/٤. (٣) القراءات الشاذة ص١٥٨، والكشاف ١٢٣/٤، والبحر ٢٨٥/٨-٢٨٦. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٨، والكشاف ١٢٣/٤، والبحر ٢٨٦/٨. سُورَةُ الصَّفَلَقِ ٢٢٤ الآية : ٨ - ٩ ما أعطاها من الأرزاق قلَّ أو جَلَّ، وفيه تطييبٌ واستمالةٌ لقلب المعسِرِ؛ لمكان عبارة: ((آتاها)) الخاصَّة بالإعسار قبلُ وذِكْر العُسْر بعدُ. واستدلَّ بالآية مَنْ قال: لا فَسْخَ بالعَجْزِ عن الإنفاق على الزوجة؛ وهو ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وجماعة. وعن أبي هريرة والحسن وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يُفْسَخُ النكاحُ بالعجز عن الإنفاق، ويُفرَّقُ بين الزوجين. وفيها على ما قال السيوطيُّ: استحبابُ مراعاة الإنسان حالَ نفسهِ في النفقة والصدقة، ففي الحديث: ((إنَّ المؤمنَ أَخَذَ عن الله تعالى أدباً حسناً، إذا هو سبحانه وَسَّعَ عليه وَسَّعَ، وإذا هو عزَّ وجلَّ قَتَّرَ عليه قَتَّ))(١). وقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُتْرً ﴾﴾ موعدٌ لفقراء ذلك الوقت بفَتْحِ أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يُقصِّروا، وهو على الوجهين تذييلٌ، إلا أنه على الأول مستقلٌّ، وعلى الثاني غيرُ مستقلِّ. ﴿َيْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: كثيرٌ من أهل قرية. وقرأ ابن كثير: ((وكائن)) بالمدِّ والهمزة(٢)، وتفصيلُ الكلام فيها قد مرَّ. ﴿عَنَتْ﴾ تجبَّرتْ وتكَبَّرتْ مُعرضةً ﴿عَنْ أَنِْ رَيّهَا وَرُسُلِهِ﴾ فلم تمتثل ذلك ﴿فَحَاسَبْتَهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ بالاستقصاء والتنقير والمناقشة في كلِّ نقيرٍ من الذنوب وقطمير ﴿وَعَّيْنَهَا عَذَابًا ثُكْرَا ﴾﴾ أي: منكراً عظيماً، والمراد: حسابُ الآخرة وعذابها، والتعبيرُ عنهما بلفظ الماضي للدلالة على تحقُّقهما كما في قوله تعالى: ﴿وَنُخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]. وقرأ غيرُ واحدٍ (ذُكُراً)) بضمَّتين(٣). ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَنْيِهَا﴾ عقوبةَ عتوِّها ﴿وَكَانَ عَقِبَةُ أَقِْهَا خُثْرًاً هائلاً لا خُسْرَ ٩ وراءه. (١) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٥٩١) وقال: هذا حديث منكر، وروي هذا من قول الحسن البصري. (٢) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢، وهي قراءة أبي جعفر أيضاً. (٣) التيسير ص١٤٤، والنشر ٢١٦/٢، وهي قراءة أبي بكر ونافع وابن ذكوان ويعقوب وأبي جعفر. الآية : ١٠ - ١١ ٢٢٥ سُوَدَّةُ الصَّلَاقِ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ تكريرٌ للوعيد، وبيانٌ لما يُوجِبُ التقوى المأمور بها بقوله تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأْلِ الْأَلْبَبِ﴾ كأنه قيل: أعدَّ الله تعالى لهم هذا العذابَ، فليكنْ لكم ذلك يا أولي الألباب داعياً لتقوى الله تعالى وحَذَرٍ عقابه. وقال الكلبيُّ: الكلامُ على التقديم والتأخير، والمراد: فعذَّبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقَحْط والسيف وسائر المصائب والبلايا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة. والظاهر أنَّ قوله تعالى: ((أعد)) إلخ، عليه تكريرٌ للوعيد أيضاً. وجُوِّزَ أن يُرادَ بالحساب الشديد استقصاءُ ذنوبهم وإثباتُها في صحائف الحفظة، وبالعذاب النُّكُر ما أصابهم عاجلاً، وتُجعل جملةُ (عتت)) إلخ صفةً لـ ((قرية))، والماضي في ((فحاسبناها)) و((عذَّبناها)) على الحقيقة، وخبرُ ((كأيِّنْ)) جملةُ (أعدَّ الله)) إلخ، أو تُجعلُ جملة ((عتت)) إلخ هي الخبر، وجملةُ (أعدَّ الله)) إلخ استئنافٌ لبيان أنَّ عذابَهم غيرُ منحصرٍ فيما ذُكِرَ، بل لهم بعده عذابٌ شدید. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَوْ﴾ منصوبٌ بإضمار: أعني، بياناً للمنادى السابق، أو نعتٌ له أو عطفُ بيان، وفي إبداله منه ضَعْفٌ؛ لعدم صحَّة حلوله محلَّه. ﴾ هو النبيُّ وَّل، عبّر به عنه لمواظبته عليه الصلاة ١٠ ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا والسلام على تلاوة القرآن الذي هو ذِكْرٌ، أو تبليغه والتذكير به، وقوله تعالى: ﴿رَسُولًا﴾ بدلٌ(١) منه؛ وعبّر عن إرساله بالإنزال ترشيحاً للمجاز، أو لأنَّ الإرسالَ مسبّبٌ عنه فيكون ((أنزل)) مجازاً مرسلاً. وقال أبو حيان: الظاهر أنَّ الذِّكْرَ هو القرآن، والرسولَ هو محمدٌ وَِّ، فإما أن يُجعَلَ نفسُ الذِّكر مجازاً، أو يكونَ بدلاً على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذِكْرَ رسولٍ، وقيل: هو نعتٌ على حَذْفِ ذلك، أي: ذا رسولٍ، وقيل: المضافُ محذوفٌ من الأول، أي: ذا ذِكْرٍ رسولاً، فيكون ((رسولاً)) نعتاً لذلك المحذوف أو بدلاً. وقيل: ((رسولاً)) منصوبٌ بمقدَّرٍ مثل: أرسلَ رسولاً، دلَّ عليه ((أنزل))، ونحا إلى هذا (١) في (م): بدلاً، والمثبت من الأصل وهو الصواب. سُورَةُ الصََّلَِّق ٢٢٦ الآية : ١١ السُّدِّيُّ، واختاره ابن عطية(١). وقال الزجاج(٢) وأبو عليٍّ: يجوزُ أن يكونَ معمولاً يَتِيمًا﴾ ١٤ للمصدر الذي هو ذِكْرٌ، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَقِ ( [البلد: ١٤ - ١٥]، وقول الشاعر: بِضَرْبٍ بالسيوف رؤوسَ قومٍ أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المقيلِ(٣) أي: أنزل الله تعالى ذِكْرَهُ رسولاً، على معنى: أنزل الله عزَّ وجلَّ ما يدلُّ على كرامته عنده وزُلْفاه. ويُراد به على ما قيل: القرآن. وفيه تعسُّفٌ، ومثله جَعْلُ ((رسولاً)) بدلاً منه، على أنه بمعنى الرسالة. وقال الكلبيُّ: الرسول هاهنا جبريلُ عليه السلام، وجُعِلَ بدلاً أيضاً من (ذكراً))، وإطلاق الذكر عليه لكثرة ذِكْره، فهو من الوصف بالمصدر مبالغةً، كـ : رجلٌ عَدْلٌ، أو لنزوله بالذِّكر وهو القرآن، فبينهما ملابسةٌ نحو الحلول، أو لأنه عليه السلام مذكورٌ في السماوات وفي الأمم، فالمصدرُ بمعنى المفعول، كما في: درهمٌ ضَرْبُ الأميرِ، وقد يُفسَّرُ الذِّكْرُ حينئذٍ بالشرف كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] فيكون كأنه في نفسه شَرَفٌ، إما لأنه شَرَفٌ للمنزَّل عليه، وإما لأنه ذو مجدٍ وشَرَفٍ عند الله عزَّ وجلَّ كقوله تعالى: ﴿عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. وفي ((الكشف)): إذا أُريد بالذكر القرآن، وبالرسول جبريل عليه السلام، يكون البدلُ بدلَ اشتمال، وإذا أُريد بالذِّكر الشرفُ وغيره، يكون من بدل الكلِّ، فتدبّر. وقرئ: ((رسولٌ)) على إضمار هو (٤). وقوله تعالى: ﴿يَثْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ مُبَيْنَةٍ﴾ نعتٌ لـ ((رسولاً)) وهو الظاهر، وقيل: حالٌ من اسم ((الله)) تعالى، ونسبةُ التلاوة إليه سبحانه مجازيةٌ ك : بنى الأمير (١) في المحرر الوجيز ٣٢٧/٥. (٢) في معاني القرآن له ١٨٨/٥. (٣) البحر ٢٨٦/٨-٢٨٧، والبيت للمرار بن منقذ، وهو في الكتاب ١١٦/١، ١٩٠، وحاشية الأشموني ٢/ ٢٤٢، والهام: جمع هامة، وهي الرأس. والمقيل: العنق. (٤) البحر ٨/ ٢٨٧ . الآية : ١١ ٢٢٧ سُورَةُ الطََّلَاقِ المدينة، و((آيات الله)): القرآن، وفيه إقامةُ الظاهر مقام المضمر على أحد الأوجه. و((مبيِّنات)) حالٌ منها، أي: حالَ كونها مبيِّاتٍ لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام، وقرئ: ((مبيَّنَات))(١) أي: بيَّنها الله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿قَدْ بَيِّنَّا لَكُمُ الْآَيَتِّ﴾ [آل عمران: ١١٨]. واللام في قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ النُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أنزل)) أو بـ ((يتلو))، وفاعلُ ((يُخرج)) على الثاني ضميرُ الرسول عليه الصلاة والسلام، أو ضميره عزَّ وجلَّ، والمراد بالموصول المؤمنون بعد إنزال الذكر وقبل نزول هذه الآية؛ أو مَنْ عَلِمَ سبحانه وقدَّرَ أنه سيؤمنُ، أي: ليحصلَ لهم الرسول أو الله عزَّ وجلَّ ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو ليُخرِجَ مَنْ عَلِمَ وقدَّرَ أنه يؤمنُ من أنواع الضلالات إلى الهدى، فالمُضِيُّ إما بالنظر لنزول هذه الآية، أو باعتبار عِلْمه تعالى وتقديره سبحانه الأزلي. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا﴾ حَسْبَما بُيِّن في تضاعيف ما أُنزل من الآيات المبينات ﴿يُدْخِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ وقرأ نافع وابن عامر: ((ندخله)) بنون العَظَمة(٢)، وقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِهَا أَبَدًا﴾ حالٌ من مفعول ((يُدخله)) والجمعُ باعتبار معنى ((مَنْ))، كما أنَّ الإفرادَ في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها . حالٌ أخرى منه، أو من الضمير في وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَهُ رِزْقًا شَـ ((خالدين)) بطريق التداخل، وإفرادُ ضمير ((له)) باعتبار اللفظ أيضاً، وفيه معنى التعجيب والتعظيم لما رزقه الله تعالى المؤمنين من الثواب، وإلا لم يكن في الإخبار بما ذُكِرَ هاهنا کثیرُ فائدةٍ كما لا يخفى. واستدلَّ أكثرُ النحويين بهذه الآية على جواز مراعاة اللفظ أولاً ثم مراعاة المعنى ثم مراعاة اللفظ، وزعم بعضُهم أنَّ ما فيها ليس كما ذُكِرَ؛ لأنَّ الضمير في ((خالدين)) ليس عائداً على ((مَنْ)) كالضمائر قبل، وإنما هو عائدٌ على مفعول ((يُدخل))، (١) التيسير ص١٦٢، والنشر ٢٤٨/٢، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وشعبة وأبي جعفر ويعقوب. (٢) التيسير ص٢١١، والنشر ٢٤٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر أيضاً. سُورَةُ الصَّلَاِق ٢٢٨ الآية : ١٢ و((خالدين)) حالٌ منه، والعامل فيها ((يُدخل)) لا فِعْلُ الشرط، وهو كما ترى. ﴿الَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾ مبتدأ وخبرٌ ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: وخلق من الأرض مثلهنَّ، على أنَّ ((مثلهنَّ)) مفعولٌ لفعلٍ محذوف، والجملةُ عَظْفٌ على الجملة قبلها . وقيل: ((مثلهنَّ)) عَطْفٌ على ((سبع سماوات))، وإليه ذهب الزمخشريُّ (١)، وفيه الفصلُ بالجارِّ والمجرور بين حرف العطف والمعطوف، وهو مختصٌّ بالضرورة عند أبي عليَّ الفارسيِّ. وقرأ المفضل عن عاصم، وعصمة عن أبي بكر: ((مِثْلُهنَّ)) بالرفع على الابتداء، و (من الأرض)) الخبر(٢). والمِثْلِيةُ تَصْدُقُ بالاشتراك في بعض الأوصاف، فقال الجمهور: هي هاهنا في كونها سبعاً وكونها طباقاً بعضُها فوق بعض، بين كلِّ أرضٍ وأرضٍ مسافةٌ كما بين السماء والأرض، وفي كلِّ أرضٍ سكانٌ من خَلْقِ الله عزَّ وجلَّ، لا يعلمُ حقيقتهم إلا الله تعالى، وعن ابن عباس أنهم إما ملائكةٌ أو جِنٍّ، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وفي ((الأسماء والصفات))(٣) من طريق أبي الضحى عنه أنه قال في الآية: سَبْعُ أرضين، في كلِّ أرضٍ نبيٌّ كنبيِّكم، وآدمُ كآدم، ونوحٌ كنوح، وإبراهيم کإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال الذهبيُّ(٤): إسناده صحيحٌ، ولكنه شاذِّ بمرَّةٍ، لا أعلم لأبي الضُّحى عليه متابعاً. وذكر أبو حيان في ((البحر))(٥) نحوه عن الحبر، وقال: هذا حديثٌ لا شكَّ في وَضْعه، وهو من رواية الواقديِّ الكذاب. (١) في الكشاف ٤/ ١٢٤ . (٢) القراءات الشاذة ص١٥٨، والبحر ٢٨٧/٨. (٣) الدر المنثور ٢٣٨/٦، وابن جرير ٧٨/٢٣، وابن أبي حاتم ٣٣٦١/١٠، والحاكم ٢/ ٤٩٣، والأسماء والصفات (٨٣١) و(٨٣٢). (٤) كذا في الأصل و(م)، وهو خطأ، والصواب: البيهقي. وكلامه في الأسماء والصفات (٨٣٢)، وكذا نقل عنه السيوطي في الدر. (٥) ٢٨٧/٨. الآية : ١٢ ٢٢٩ سُورَةُ الصَّلَاق وأقول: لا مانعَ عقلاً ولا شرعاً من صِحَّته، والمراد أنَّ في كلِّ أرضٍ خَلْقاً يرجعون إلى أصلٍ واحدٍ رجوعَ بني آدم في أرضنا إلى آدم عليه السلام، وفيه أفرادٌ ممتازون على سائرهم كنوحٍ وإبراهيمَ وغيرهما فينا. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه(١) عن ابن عمرو (٢) مرفوعاً أنَّ بين كلِّ أرضٍ والتي تليها خمسَ مئة عام، والعليا منها على ظهر حوتٍ قد التقى طرفاه في السماء، والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيد مَلَك، والثانيةُ مَسْجَنُ الريح، والثالثةُ فيها حجارةُ جهنم، والرابعةُ فيها كبريتُها، والخامسةُ فيها حَيَّاتها، والسادسةُ فيها عقاربها، والسابعة فيها سَقَرٌ، وفيها إبليسٌ مُصَفَّدٌ بالحديد، يدٌ أمامه ويدٌ خلفه، يُطلقه الله تعالى لمن يشاء. وهو حديثٌ منكرٌ كما قال الذهبيُّ، لا يُعوَّلُ عليه أصلاً، فلا تغترَّ بتصحيح الحاكم، ومثله في ذلك أخبارٌ كثيرةٌ في هذا الباب، لولا خوفُ الملل لذكرناها لك. لكن كون ما بين كلِّ أَرْضَيْن خمس مئة سنة كما بين كلِّ سماءين، جاءَ في أخبارٍ معتبرةٍ كما روى الإمام أحمد والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: بينما النبيُّ وَّه جالسٌ وأصحابه، قال: ((هل تدرون ما فوقكم))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها الرقيعُ، سقفٌ محفوظٌ، وموجٌ مكفوفٌ))، قال: ((هل تدرون ما بينكم وبينها))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((بينكم وبينها خمس مئة عام))، ثم قال: ((هل تدرون ما فوق ذلك))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((سماءٌ، وإنَّ بُعْدَ ما بينهما خمس مئة سنة)) ثم قال كذلك حتى عدَّ سبعَ سماواتٍ، ما بين كلِّ سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: ((هل تدرون ما فوق ذلك))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((وإنَّ فوق ذلك العرشُ، بينه وبين السماء بُعْدُ ما بين السماءين)) ثم قال: ((هل تدرون ما تحتكم))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((إنها الأرض))، ثم (١) الدر المنثور ٢٣٨/٦، ومستدرك الحاكم ٤ /٥٩٤. (٢) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من المصادر، وهو الصواب؛ لأن عيسى بن هلال الصدفي - راوي الحديث - يروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لا عن ابن عمر، تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٠.٥٣/٢٣ سُورَةُ الصَّلَاق ٢٣٠ الآية : ١٢ قال: ((هل تدرون ما تحت ذلك))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((إنَّ تحتَها أرضاً أخرى بينهما مسيرةُ خمس مئة سنة)) حتى عَدَّ ◌َّهِ سبعَ أَرَضِين ما بين كلِّ أَرْضَيْن خمس مئة سنة (١). والأخبار في تقدير المسافة بما ذُكِرَ بين كلِّ سماءين أكثرُ من الأخبار في تقديرها بين كلِّ أرضين وأصحّ، ومنها ما هو مذكورٌ في ((صحيح البخاري))(٢) وغيره من الصِّحاح، وفيها أيضاً أنَّ ثخن كلِّ سماء خمس مئة عام، فقول الرازي(٣) في ذلك: إنه غيرُ معتبَرٍ عند أهل التحقيق. كلامٌ لا يخفى بشاعتُهُ على مَنْ سَلَكَ من السُّنَّةِ أقومَ طريق، نعم ما حكاه من أنَّ السماءَ الأولى موجٌّ مكفوف، والثانيةَ صَخْرٌ، والثالثةَ حديدٌ، والرابعةَ نحاسٌ، والخامسةَ فضةٌ، والسادسةَ ذهبٌ، والسابعةَ ياقوتٌ. ليس بمعتَبَرٍ أصلاً، ولم يَرِدْ بما تضمَّنه من التفصيل خبرٌ صحيحٌ، لكن في قوله: إنه مما يأباه العقلُ. إن أراد به نفيَ الإمكان عقلاً مَنْعٌ ظاهر. وقال الضحاك: هي في كونها سبعاً بعضُها فوقَ بعضٍ، لا في كونها كذلك مع وجود مسافةٍ بين أرضٍ وأرض، واختاره بعضُهم زاعماً أنَّ المراد بهاتِيكَ السبع طبقةُ التراب الصِّرْفة المجاورة للمركز، والطبقة الطينية، والطبقة المعدنية التي يتكوَّنُ فيها المعادن، والطبقةُ الممتزجةُ بغيرها المنكشفةُ التي هي مسكنُ الإنسان ونحوه من الحيوان، وفيها ينبتُ النبات، وطبقة الأدخنة، والطبقة الزمهريرية، وطبقة النسيم الرقيق جدًّا، ولا يخفى أنه أشبه شيءٍ بالهَذَيان، ومثله ما يزعمه بعضُ الناظرين في كتب العلوم المسمّاة بالحكمة الجديدة، من أنَّ الأرضَ انفصلت بسبب بعض الحوادثِ من بعض الأجرام العلوية صغيرةً، ثم تكوَّنت فوقَها طبقةٌ، وهكذا حتى صار المجموعُ سبعاً، وزعم أنهم شاهدوا بين كلِّ طبقةٍ وطبقةٍ آثاراً من مخلوقاتٍ مختلفة. (١) أحمد (٨٨٢٨)، والترمذي (٣٢٩٨). قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢٨/١: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وله . (٢) لم نقف عليه في صحيحه. (٣) في تفسيره ٤٠/٣٠. الآية : ١٢ ٢٣١ سُورَةُ الطلاق وقال أبو صالح: هي في كونها سبعاً لا غير، فهي سَبْعُ أَرَضِين منبسطة، ليس بعضُها فوقَ بعضٍ، يُفَرِّقُ بينها البحار، ويُظِلُّ جميعَها السماء، وروي ذلك عن ابن عباس، فالنسبةُ بين أرضٍ وأرضٍ على هذا، نحو نسبة أمريقيا (١) إلى آسيا أو أوروبا أو أفريقيا، لكن قيل: إنَّ تلك البحار الفارقة لا يمكن قَطْعُها . وقيل: هن(٢) الأقاليمُ السبعةُ، وهي مختلفةُ الحرارة والبرودة، والليل والنهار، إلى أمورٍ أُخَر. واختاره بعضُهم، ولا أظنُّه شيئاً؛ لأنَّ المتبادَرَ اعتبارُ انفصال أرضٍ عن أرضٍ انفصالاً حقيقيًّا في المِثْلية. وقيل: المثليةُ في الخَلْقِ لا في العدد، ولا في غيره، فهي أرضٌ واحدةٌ مخلوقةٌ كالسماوات السبع، وأُيِّدَ بأنَّ الأرضَ لم تُذْكَرْ في القرآن إلا مُوخَّدة، ورُدَّ بأنه قد صحَّ من رواية البخاري وغيره: ((اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظللنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أقللنَ)) الحديث(٣)، وكذا صحَّ: ((مَنْ غَصَبَ قِيْدَ شِبْرٍ من أرضٍ طُوِّقَهُ من سبعٍ أَرَضين)) (٤). وأصحُ الأقوال - كما قال القرطبيُّ(٥) - قولُ الجمهور السابق، وعليه اختُلِفَ في مشاهدة أهل ما عدا هذه الأرض السماءَ، واستمدادِهم الضوءَ منها، فقيل: إنهم يُشاهدون السماءَ من كلِّ جانبٍ من أرضهم، ويستمدُّون الضياء منها. وقيل: إنهم لا يُشاهدون السماءَ، وإنَّ الله عزَّ وجلَّ خَلَقَ لهم ضياءً يشاهدونه. وروى الإماميَّةُ عن بعض الأئمة نحواً مما قاله الجمهور، أخرج العياشيُّ بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا تظنه قال: بَسَطَ كَفَّهُ اليسرى، ثم وَضَعَ اليمنى عليها فقال: هذه الأرضُ الدنيا والسماءُ الدنيا عليها قُبَّة، والأرضُ (١) أي: أمريكا . (٢) في (م): من. (٣) لم نقف عليه عند البخاري، وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٣٠٢) من حديث صهيب الرومي ځڅته. (٤) أخرجه البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد نظ پبه (٥) في تفسيره ٦٤/٢١ . سُورَةُ القََّلَقِ ٢٣٢ الآية : ١٢ الثانية فوقَ السماء الدنيا، والسماءُ الثانية فوقها قُبَّةً، والأرضُ الثالثةُ فوقَ السماء الثانية، والسماءُ الثالثة فوقها قُبَّة، حتى ذَكَرَ الرابعةَ والخامسةَ والسادسةَ، فقال: والأرضُ السابعةُ فوقَ السماء السادسة، والسماءُ السابعةُ فوقها قُبَّة، وعَرْشُ الرحمن فوق السماء السابعة، وهو قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ إلخ (١). وأنا أقول بنحو ما قاله الجمهور راجياً العِضمةَ ممن على محور إرادته تدور أفلاك الأمور: هي سبعُ أَرَضِين، بين كلِّ أرضٍ وأرضٍ منها مسافةٌ عظيمةٌ، وفي كلِّ أرضٍ خَلْقٌ لا يعلمُ حقيقتهم إلا الله عزَّ وجلّ، ولهم ضياءٌ یستضیؤون به، ويجوز أن يكون عندهم ليلٌ ونهارٌ، ولا يتعيَّنُ أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر، وقد غلب على ظنِّ أكثر أهل الحكمة الجديدة أنَّ القمرَ عالمٌ كعالم أرضنا هذه، وفيه جبالٌ وبحارٌ يزعمون أنهم يحسُّون بها بواسطة أرصادهم، وهم مُهتَمُّون بالسَّعي في تحقيق الأمر فيه، فليكن ما نقولُ به من الأَرَضِين على هذا النحو، وقد قالوا أيضاً: إنَّ هذه الشمس في عالم هي مركز دائرته، وبلقيسُ مملكته، بمعنى أنَّ جميعَ ما فيه من كواكبهم السيارة تدورُ عليها فيه على وجهٍ مخصوصٍ ونمطٍ مضبوط، وقد تقرُبُ إليها فيه، وتبعُدُ عنها إلى غايةٍ لا يعلمها إلا الله تعالى كواكبُ ذوات الأذناب، وهي عندهم كثيرةٌ جدًّا، تتحرَّكُ على شكلٍ بيضيٍّ، وأنَّ الشمسَ بعالمها من توابعٍ كوكبٍ آخرَ، تدورُ عليه دوران توابعها من السيارات عليها، هو فيما نسمعُ أحدُ كواكب النجم، ولهم ظنٌّ في أنَّ ذلك أيضاً من توابع كوكبٍ آخر، وهكذا، ومُلْكُ الله تعالى العظيم عظيمٌ لا تكاد تُحيطُ به منطقةُ الفكر، ويضيقُ عنه نطاقُ الحَضْر، وسماءُ كلِّ عالم - کالقمر - عندهم ما انتهى إليه هواؤه حتى صار ذلك الجِرْمُ في نحو خلاءٍ فيه، لا يعارضه ولا يُضعِفُ حركته شيءٌ، والجسمُ متى تحرَّكَ في خلاءٍ لا يسكنُ لعدمِ المعارض، فليكن كلُّ أرضٍ من هذه الأَرَضِين محمولةٌ بيد القدرة بين كلِّ سماءين على نحو ما سمعتَ عن الرضا على آبائه وعليه السلام، وهناك ما يستضيءُ به أهلها سابحاً في فَلَكِ بحرٍ قُدْرةِ الله عزَّ وجلَّ، ونسبةُ كلِّ أرضٍ إلى سمائها نسبةُ الحَلْقة إلى الفلاة، وكذا نسبةُ السماء إلى السماء التي فوقها. (١) مجمع البيان ٢٨/ ١١٥ . الآية : ١٢ ٢٣٣ سُورَةُ الصَّلَاقِ ويمكن أن تكونَ الأَرَضُون وكذا السماوات أكثر من سبع، والاقتصارُ على العدد المذكور الذي هو عددٌ تامٌّ لا يستدعي نفيَ الزائد، فقد صرَّحوا بأنَّ العدد لا مفهومَ له، والسماء الدنيا منتهى دائرةٍ يتحرَّكُ فيها أعلى كوكب من السيارات، وبينها وبين هذه الأرض بُعْدٌ بعيد. وقوله وَّى: ((خمس مئة عام)) من باب التقريب للأفهام، ويُقرِّبُ الأمرَ إذا اعتُبر ذلك بالنسبة إلى الراكب المجدِّ، كما وقع في كثيرٍ من أخبارٍ فيها تقديرُ مسافة . وقوله عليه الصلاة والسلام في السماء الدنيا: ((موجٌّ مكفوفٌ)) يمكن أن يكونَ من التشبيه البليغ في اللَّطافة ونحوها، أو هو على حقيقته، والتنوينُ فيه للنوعية حتى يقومَ الدليلُ العقليُّ الصحيحُ على امتناعها، وتزيينُ هذه السماء بالكواكب لظهورها فيها على ما يُشاهَدُ، فلا يضرُّ في ذلك كونها كُلَّا أو بعضاً فوقها أو تحتها، ولم يقمْ دليلٌ على أنَّ شيئاً من الكواكب مغروزٌ في شيءٍ من السماوات كالفَصِّ في الخاتم، والمسمار في اللَّوح، بل في بعض الأخبار ما يدلُّ على خلافه. نعم أكثرُ الأخبار في أمر السماوات والأرض والكواكب لا يُعوَّلُ عليها كما أشار إليه النسفيُّ في ((بحر الكلام))، وكذا ما قاله قدماءُ أهل الهيئة ومُحدَثُوهم، وفي كلِّ مما ذهب الفريقان إليه ما يوافقُ أصولنا وما يخالفه، وما شريعتنا ساكنةٌ عنه لم تتعرَّضْ له بنفي أو إثبات، وحيث كان من أصولنا أنه متى عارضَ الدليلُ العقليُّ الدليلَ السمعيَّ، وَجَبَ تأويلُ الدليلِ السمعيِّ للدليل العقليّ؛ لأنه أصله، ولو أبطل به، لزمَ بطلانه نفسه، فالأمرُ سهلٌ لأنَّ بابَ التأويل أوسعُ من فَلَكِ الثوابت، ولا أرى بأساً في ارتكاب تأويلٍ بعض الظواهر المستبعدة بما لا يستبعد، وإن لم يصل الاستبعادُ إلى حَدِّ الامتناع إذا تضمَّنَ ذلك مصلحةً دينيةً، ولم يستلزم مصادمةً معلوم من الدين بالضرورة، وقد يلتزمُ الإبقاء على الظاهر وتفويض الأمر إلى قدرة الله تعالى التي لا يتعاصاها شيءٌ رعايةً لأذهان العوامِّ المقيَّدين بالظواهر، الذين يَعدُّون الخروجَ عنها لاسيما إلى ما يوافق الحكمةَ الجدیدةَ ضلالاً محضاً، وكُفْراً صِرْفاً؛ ورحم الله تعالى امرءاً جَبَّ الغيبة عن نفسه. سُورَةُ القََّلَق ٢٣٤ الآية : ١٢ وقد أخرج عبد بن حميد وابن الضُّرَيس وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في هذه الآية، قال: لو حدَّثتكم بتفسيرها لكفرتم بتكذيبكم بها (١). وبالجملة مَنْ صَدَّقَ بسعة مُلْكِ الله تعالى وعظيم قدرته عزَّ وجلَّ، لا ينبغي أن يتوقَّفَ في وجود سَبْع أَرَضِين على الوجه الذي قدَّمناه، ويحمل السَّبع على الأقاليم أو على الطبقات المعدنية والطينية ونحوهما مما تقدم، وليس في ذلك ما يُصادِمُ ضروريًّا من الدين، أو يخالفُ قطعيًّا من أدلة المسلمين، ولعلَّ القولَ بذلك التعدُّد هو المتبادَرُ من الآية، وتقتضيه الأخبار، ومع هذا هو ليس من ضروريات الدين، فلا يكفَّرُ منكرهُ، أو المتردِّدُ فيه، لكن لا أرى ذلك إلا عن جهلٍ بما هو الأليق بالقدرة، والأحرى بالعَظَمة، والله تعالى الموفق للصواب. ﴿يَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يجري أمرُ الله تعالى وقضاؤه وقَدَرُهُ عزَّ وجلَّ بينهنَّ وينفذُ مُلْكه فیھنَّ. وأخرج ابن المنذر وغيره (٢) عن قتادة قال: في كلِّ سماءٍ وفي كلِّ أرضٍ خَلْقٌ من خلقه تعالى، وأَمْرٌ من أمره، وقضاءٌ من قضائه عزَّ وجلَّ. وقيل: ((يتنزَّلُ الأمر» بينهنَّ بحياةٍ وموتٍ وغِنّى وفقر. وقيل: هو ما يدبِّرهُ سبحانه فيهنَّ من عجيب تدبيره جلَّ شأنه. وقال مقاتل وغيره: ((الأمر)) هنا الوحي، و((بينهنَّ)) إشارةٌ إلى بين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة. والأكثرون على أنه القضاء والقَدَر كما سبق، وأنَّ ((بينهن)) إشارةٌ إلى بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها . وقرأ عيسى وأبو عمرو في روايةٍ: (يُنزِّلُ)) مضارع نزَّل مشدّداً ((الأمرَ)) بالنصب(٣)، أي: يُنزِّلُ الله الأمرَ. (١) الدر المنثور ٢٣٨/٦، وابن الضُّريس في فضائل القرآن (٣)، وابن جرير ٧٨/٢٣. (٢) الدر المنثور ٢٣٨/٦، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٢٩٩/٢. (٣) الكشاف ١٢٤/٤، والبحر ٢٨٧/٨. الآية : ١٢ ٢٣٥ سُورَةُ الصَّلَقِ ﴿لَِعْلَمُوْ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ متعلِّقٌ بـ ((خلق))، أو بـ ((يتنزَّلُ))، أو بمضمرٍ يعمّهما، أي: فَعَلَ ذلك لتعلموا أنَّ مَنْ قَدَرَ على ما ذُكِرَ قادرٌ على كلِّ شيء، وقيل: التقدير: أخبرتكم أو أعلمتكم بذلك لتعلموا، وقرئ: ((ليعلموا)) بياء الغيبة(١). لاستحالة صدور هذه الأفاعيل ممن ليس ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا کذلك. (١) المصدران السابقان. سُورَةُ التَّجْرِنَيُ ويقال لها: سورة ((المتحرّم))، وسورة ((لم تُحرِّم))، وسورة (النبيِّ)) وَّ، وعن ابن الزبير: سورة ((النساء)). والمشهور أنها مدنيّة، وعن قتادة أنَّ المدنيّ منها إلى رأس العشر، والباقي مگِّي. وآيها اثنتا عشرةَ آيَةً بالاتفاق، وهي متواخيةٌ مع التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبيِّ وَّه، وتلك مشتملةٌ على طلاق النساء، وهذه على تحريم الإماء، وبينهما من الملابسة ما لا يخفى، ولما كانت تلك في خصام نساء الأُمَّةِ ذُكِرَ في هذه خصومةُ نساء المصطفى وَ﴿؛ إعظاماً لمنصبهنَّ أن يُذْكَرْنَ مع سائر النسوة، فأُفْرِدْنَ بسورةٍ خاصةٍ، ولذا خُتمتْ بذِكْرٍ زوجيه وَّ ر في الجنة آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. قاله الجلال السيوطي عليه الرحمة (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِعُ مَآ أَعَلَّ اَللَّهُ لَكِّ﴾ روى البخاريُّ وابنُ سعدٍ وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ كان يمكثُ عند زينبَ بنت جحش، ويشربُ عندها عَسَلاً، فتواصيتُ أنا وحفصةُ أنَّ أَيَّتنا دَخَلَ عليها النبيُّ وَّلـ فلتقلْ: إني أَجِدُ منك ريحَ مَغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك (١) في كتابه تناسق الدرر في تناسب السور ص٨٦، وسيأتي تخريج الحديث في آخر السورة ص١٦٥ من هذا الجزء. الآية : ١ ٢٣٧ سُورَةُ التَّجْرنة له، فقال: ((لا، بلْ شربتُ عَسَلاً عند زينبَ بنتٍ جحش ولن أعود)»(١)، وفي روايةٍ(٢): ((وقد حلفتُ، فلا تخبري بذلك أحداً)) فنزلت: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُرِمْ﴾ إلخ، وفي رواية (٣): قالت سودة: أكلتَ مغافير؟ قال: ((لا))، قالت: فما هذه الريح التي أجدُ منك؟ قال: ((سقتني حفصةُ شَرْبةَ عسل))، فقالت: جَرَسَتْ نحلُهُ العُرْفط (٤). فحرَّم العسل، فنزلت. وفي حديثٍ رواه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائي(٥) عن عائشة: شَرِبَ العَسَلَ في بيت حفصة، والقائلةُ سودةٌ وصفيَّة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه - قال الحافظ السيوطيُّ: بسندٍ صحيحٍ(٦) - عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَّ شَرِبَ من شرابٍ عند سَوْدَةً من العَسَلِ، فدخل على عائشةً، فقالت: إني أجدُ منك ريحاً، فدخل على حفصة، فقالت: إني أجدُ منك ريحاً. فقال: ((أراه من شرابٍ شربتُهُ عند سودة، والله لا أشربه)) فنزلت. وأخرج النسائيُّ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أنَّ رسولَ اللهِ وَله كانت له أَمَةٌ يطؤها، فلم تزلْ به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُمِمُ﴾ إلخ(٧). (١) الدر المنثور ٢٣٩/٦، والبخاري (٥٢٦٧) و(٦٦٩١)، وابن سعد في الطبقات ١٠٧/٨، وهو عند أحمد (٢٥٨٥٢)، ومسلم (١٤٧٤) (٢٠) والمغافير: شيء يَنْضَحه شجرُ العرفط حلو كالناطف. النهاية (غفر)، وسيأتي تعريفه قريباً. (٢) صحيح البخاري (٤٩١٢). (٣) صحيح البخاري (٥٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٤) (٢١). (٤) في هامش الأصل: جرس الطير: صوت منقارها على شيء تأكله. اهـ. وقال ابن الأثير في النهاية (جرس): جَرَسَتْ نحلُه العُرْفظَ، أي: أكلت، يقال للنحل: الجوارس، والجرس في الأصل: الصوت الخفي. والعرفط: شجر. (٥) صحيح البخاري (٦٩٧٢)، ومسلم (١٤٧٤) (٢١)، وأبو داود (٣٧١٥)، ولم نقف عليه عند النسائي. (٦) الدر المنثور ٢٣٩/٦ وهو في المعجم الكبير (١١٢٢٦). (٧) الدر المنثور ٢٣٩/٦، والنسائي في الكبرى (١١٥٤٣)، والحاكم ٤٩٣/٢. الآية : ١ ٢٣٨ سُوَدَةُ التَّجرير ويوافقه ما أخرجه البزار والطبرانيُّ بسندٍ حَسَنٍ صحيحٍ عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُرِمُ﴾ الآية في سُرِّيَّتَهُ(١). والمشهور أنها مارية، وأنه عليه الصلاة والسلام وَطِئَها في بيت حفصة في يومها، فَوَجَدَتْ وعاتبته، فقال ◌ِِّ: ((ألا ترضَيْنَ أن أُحرِّمها فلا أقربها؟)) قالت: بلى، فحرَّمها(٢)، وفي رواية أنَّ ذلك كان في بيت حفصة في يوم عائشة(٣). وفي ((الكشاف)): روي أنَّ رسول الله وَّرَ خلا بماريةً في يوم عائشة، وعلمتْ بذلك حفصةُ، فقال لها: ((اكتمي عليَّ، وقد حرَّمتُ ماريةَ على نفسي، وأُبشّرك أنَّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمرَ أمتي)) فأخبرت عائشةً وكانتا متصادقتين(٤). وبالجملة، الأخبارُ متعارضة، وقد سمعتَ ما قيل فيها، لكن قال الخفاجيُّ: قال النووي في ((شرح مسلم)): الصحيحُ أنَّ الآيةَ في قصة العسل، لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأتٍ قصةٌ ماريةَ في طريقٍ صحيحٍ. ثم قال الخفاجيُّ نقلاً عنه أيضاً: الصوابُ أنَّ شُرْبَ العَسَل كان عند زينب ﴾(٥). وقال الطيبيُّ فيما نقلناه عن ((الكشاف)): ما وجدته في الكتب المشهورة، والله تعالى أعلم. والمغافير: بفتح الميم والغين المعجمة وبياءٍ بعد الفاء - على ما صوَّبه القاضي عياض - جمعُ مُغْفور - بضمِّ الميم - شيءٌ له رائحةٌ كريهةٌ ينضحهُ العُرْفط، وهو : شجرٌ أو نباتٌ له وَرَقُ عريضٌ(٦). وعن ((المطلع)) أنَّ العُرْفُطَ هو الصَّمْغ، (١) مسند البزار (٢٢٧٤ - كشف)، والمعجم الكبير (١١١٣٠) والكلام من الدر المنثور ٢٣٩/٦، ووقع في مطبوعه: الترمذي، بدل: البزار. (٢) أخرجه الدارقطني (٤٠١٣). (٣) أخرجه الطبري ٨٥/٢٣، والبيهقي ٣٥٣/٧. (٤) الكشاف ١٢٤/٤، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٦٤٠) بنحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٨/٥: وفيه إسماعيل البجلي، وهو ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٥) حاشية الشهاب ٨/ ٢١٠، وشرح صحيح مسلم ١٠/ ٧٧. (٦) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢٧/٥ وفيه: ينفخه، بدل: ينضحه. الآية : ١ ٢٣٩ سُورَة التَّجْرني والمُغْفور: شوٌ له نَوْرٌ يأكلُ منه النحلُ، يظهر العُرْفط عليه. وكانِ وَلّه يُحِبُّ الطَّيبَ جدًّا، ويكره الرائحةَ الكريهةَ؛ للطافة نفسه الشريفة، ولأنَّ المَلَك يأتيه وهو يكرهها، فَشَقَّ عليه بَّ ما قيل، فجرى ما جرى. وفي ندائه وَّر بـ: ((يا أيها النبي)) في مفتَتَحِ العتاب من حُسْن التلظُفِ به والتنويهِ بشأنه عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى، ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. والمراد بالتحريم الامتناعُ، وبما أحلَّ اللهُ العَسَلُ على ما صحَّحه النوويُّ رحمه الله تعالى، أو وَظْءُ سُرِّيَّته على ما في بعض الروايات، ووجه التعبير بـ ((ما)) على هذين التفسيرين ظاهرٌ. وفسَّرَ بعضُهم ((ما)) بمارية؛ والتعبير عنها بـ ((ما)) على ما هو الشائعُ في التعبير بها عن ملك اليمين، والنكتةُ فيه لا تخفى. وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَئِكْ﴾ حالٌ من فاعل ((تُحرِّم))، واختاره أبو حيان(١)، فيكونُ هو محلَّ العتاب على ما قيل، وكأنَّ وجهه أنَّ الكلامَ الذي فيه قيدٌ، المقصودُ فيه القيدُ إثباتاً أو نفياً، أو يكون التقييد على نحو: ﴿أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] على أنَّ التحريمَ في نفسه محلٌّ عَتَبٍ؛ والباعثُ عليه كذلك كما في ((الكشف)). أو استئنافٌ نحويٌّ أو بيانيٌّ، وهو الأولى، ووجههُ أنَّ الاستفهامَ ليس على الحقيقة، بل هو معاتبةٌ على أنَّ التحريمَ لم يكن عن باعثٍ مرضيٍّ، فاتَّجه أن يَسألَ: ما يُنكَرُ منه وقد فعله غيري من الأنبياء عليهم السلام، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَزَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ.﴾ [آل عمران: ٩٣]؟ فقيل: ((تبتغي مرضات أزواجك)) ومِثْلُكَ من أجلُّ أن تطلبَ مرضاتهنَّ بمثل ذلك. وجُوِّزَ أن يكون تفسيراً لـ (تُحرِّم)) بجَعْل ابتغاءِ مرضاتهنَّ عينَ التحريم مبالغةً في كونه سبباً له، وفيه من تفخيم الأمر ما فيه. والإضافةُ في ((أزواجك)) للجنس لا للاستغراق. ﴾ فيه تعظيمُ شأنه وَ له بأنَّ تَرْكَ الأَولى بالنسبة إلى مقامه ﴿وَلَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( (١) في البحر المحيط ٢٩٠/٨. الآية : ٢ ٢٤٠ سُوَةُ التَّجْرنين السامي الكريم يُعَدُّ كالذنب وإن لم يكن في نفسه كذلك، وأنَّ عِنابه ◌َّو ليس إلا لمزيد الاعتناء به. وقد زلَّ الزمخشريُّ هاهنا كعادته، فَزَعَمَ أنَّ ما وقع من تحريم الحلال المحظور، لكنه غفر له عليه الصلاة والسلام، وقد شنَّ ابن المنير في ((الانتصاف)» الغارةَ في التشنيع عليه، فقال ما حاصله: إنَّ ما أطلقه في حَقِّه ◌ِوَلِ تقوُّلٌ وافتراءٌ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام منه بَراء، وذلك أنَّ تحريمَ الحلال على وجهين: الأول اعتقادُ ثبوتِ حُكْم التحريم فيه، وهو كاعتقاد ثبوت حُكْم التحليل في الحرام محظورٌ يُوجبُ الكفرَ، فلا يمكنُ صدوره من المعصوم أصلاً. والثاني: الامتناعُ من الحلال مطلقاً، أو مؤَّداً باليمين، مع اعتقاد حِلِّهِ، وهذا مباحٌ صِرْف وحلالٌ محضّ؛ ولو كان تَرْكُ المباح والامتناعُ منه غيرَ مباحٍ، لاستحالتْ حقيقةٌ الحلال(١)، وما وقع منه بَّ كان من هذا النوع، وإنما عاتبه الله تعالى عليه رِفْقاً به، وتنويهاً بقَدْره، وإجلالاً لمنصبه عليه الصلاة والسلام أن يُراعي مرضاةً أزواجه بما يشقُّ عليه، جَرْياً على ما أَلِفَ من لطف الله تعالى به(٢). وتأوَّلَ بعضُهم كلامَ الزمخشري، وفيه ما ينبو عن ذلك. وقيل: نسبةُ التحريم إليه بَّهِ مجازٌ، والمراد: لِمَ تكون سبباً لتحريم الله تعالى عليك ما أحلَّ لك بِحَلفِكَ على تَرْكه. وهذا لا يحتاج إليه، وفي وقوع الحَلِفِ خلافٌ، ومَن قال به احتجَّ ببعض الأخبار، وبظاهرِ قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ أي: قد شَرَعَ لكم تحليلها، وهو حِلُّ ما عقدته الأيمان بالكفارة، فالتَّحِلَّةُ مصدر حَلَّل، كَتَكْرِمة من كَرَّمَ، وليس مصدراً مقِيساً، والمقيسُ التحليلُ والتكريمُ؛ لأنَّ قياسَ ((فَعَّلَ)) الصحيحِ العينِ غير المهموز هو: التفعيل، وأصله تَحْلِلَة، فأُدغم، وهو من الحَلِّ ضدّ العقد، فكأنه باليمين على الشيء لالتزامه عَقَّدَ عليه، وبالكفارة يحلُّ ذلك، ويحلُّ أيضاً بتصديق اليمين كما في قوله وَّ: (١) كذا في الأصل و(م). والذي في الانتصاف: الحال. (٢) الانتصاف ١٢٥/٤.