Indexed OCR Text
Pages 121-140
الآية : ٢ ١٢١ سُورَةُ الجَةِ إلى الأُمِّ التي ولدته، وقيل: نسبة إلى أُمَّة العرب؛ وقيل: إلى أُمّ القرى، والأول أشهر، واقتصر بعضُهم في تفسيره على أنه الذي لا يكتب، والكتابةُ على ما قيل: بُدئت بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وهم من أهل الأنبار. وقرئ: (الأُمِّين)) بحذف ياء النسب(١). ﴿رَسُولَا مِنْهُمْ﴾ أي: كائناً من جملتهم، فـ ((من)) تبعيضيةٌ، والبعضيةُ: إما باعتبار الجنس، فلا تدلُّ على أنه عليه الصلاة والسلام أُمِّيٌّ، أو باعتبار الخاصة المشتركة في الأكثر، فتدلّ، واختار هذا جَمْعٌ، فالمعنى: رسولاً من جملتهم أمِيًّا مثلهم. ﴿يَتْلُواْ عَيْهِمْ ءَايَتِهِ﴾ مع كونه أُمِّيَّا مثلهم، لم يُعهد منه قراءةٌ ولا تعلُّمٌ ﴿وَيُزَكِمْ﴾، عَظْفٌ على (يتلو)) فهو صفةٌ أيضاً لـ ((رسولاً))، أي: يحملهم على ما يصيرون به أزكياءَ طاهرين من خبائث العقائد والأعمال. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالِْكْمَةَ﴾ صفةٌ أيضاً لـ ((رسولاً)) مترتِّبةٌ في الوجود على التلاوة، وإنما وسّط بينهما(٢) التزكيةَ التي هي عبارةٌ عن تكميل النفس بحَسَبٍ قوَّتها العملية، وتهذيبِها المتفرِّع على تكميلها بحَسَبِ القوة النظرية، الحاصل بالتعليم المترتّب على التلاوة؛ للإيذان بأنَّ كلَّا من الأمور المترتّبة نعمةٌ جليلةٌ على حيالها، مستوجبةٌ للشكر، ولو رُوعي ترتيبُ الوجود لربما يتبادر إلى الفهم كون الكلِّ نعمة واحدة كما مرَّ في سورة البقرة(٣)، وهو السِّرُّ في التعبير عن القرآن تارةً بالآيات؛ وأخرى بالكتاب والحكمة؛ رمزاً إلى أنه باعتبار كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حِدَة، ولا يقدحُ فيه شمولُ الحكمة؛ لما في تضاعيف الأحاديث النبوية من الأحكام والشرائع. قاله بعض الأجلة. وجُوِّزَ كونُ الكتاب والحكمة كنايةً عن جميع النقليات والعقليات، كالسماوات ج، وفيه والأرض لجميع الموجودات، والأنصار والمهاجرين لجميع الصحابة (١) تفسير الرازي ٣/٣٠. (٢) في (م): بينهم، وهو تحريف. (٣) عند تفسير الآية (١٢٩). سُورَةُ الجُغَةِ ١٢٢ الآية : ٣ من الدلالة على مزيد علمه وَ ﴿ ما فيه؛ ولو لم يكن له عليه الصلاة والسلام سوى ذلك معجزةً لكفاه، كما أشار إليه البوصيريُّ بقوله: كفاكَ بالعلم في الأُمِّيِّ معجزةً في الجاهلية والتأديبِ في اليُهُمِ (١) ﴾ من الشرك وخُبْث الجاهلية، وهو بيانٌ ٢ ﴿وَإِن كَانُؤْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلٍ مُبِينٍ لشدةِ افتقارهم إلى مَنْ يُرشدهم، وإن كان نسبةُ الضلال إليهم باعتبار الأكثر؛ إذ منهم مهتدٍ كَوَرقةَ وأضرابِهِ، وفي الكلام إزاحةٌ لما عسى أن يُتُوهَّم من تعلُّمه عليه الصلاة والسلام من الغير. و((إن)) هي المخفَّفة، واللامُ هي الفارقة. ﴿وَءَاخَرِينَ﴾ جمع آخَر، بمعنى الغير، وهو عَظْفٌ على ((الأميين)) أي: وفي آخرين ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من الأميين، و((من)) للتبيين ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي: لم يلحقوا بهم بعدُ، وسيلحقون، وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين. وجُوِّزَ أن يكون عطفاً على المنصوب في ((ويعلِّمهم)) أي: ويُعلِّمهم ويُعلِّم آخرين؛ فإنَّ التعليمَ إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كلُّه مستنداً إلى أوله، فكأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي تولَّى كلَّ ما وُجد منه. واستُظهرَ الأول. والمذكور في الآية قومه و # وجنس الذين بُعث فيهم، وأما المبعوث إليهم فلم يتعرّض له فيها نفياً أو إثباتاً، وقد تعرّض لإثباته في آيات أُخر، وخصوص القوم لا ينافي عموم ذلك، فلا إشكالَ في تخصيص الآخرين بكونهم من الأميين، أي: العرب في النسب. وقيل: المراد: من الأميين في الأُمِّية، فيشمَلُ العَجَم، وبهم فسَّره مجاهد، كما رواه عنه ابن جرير (٢) وغيره. وتُعقّبَ بأنَّ العَجَم لم يكونوا أُمِّيين. وقيل: المراد: منهم في كونهم منسوبين إلى أمةٍ مطلقاً، لا في كونهم لا يقرؤون ولا يكتبون. وهو كما ترى، إلا أنه لا يُشكل عليه - وكذا على ما قبله - ما أخرجه البخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وجماعةٌ عن أبي هريرة قال: كنّا جلوساً عند النبيِّ وَله (١) البيت من قصيدته المشهورة البردة، ينظر القصائد البوصيرية ص ٤٥. (٢) في التفسير ٦٢٨/٢٢ -٦٢٩. الآية : ٣ ١٢٣ سُورَةُ الجُنَّةِ حين أُنزلت سورةُ الجمعة، فتلاها، فلما بلغ: ﴿وَءَاخِرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ قال له رجلٌ: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فَوَضَعَ يده على سلمان الفارسيِّ رَّهِ، وقال: ((والذي نفسي بيده، لو كان الإيمانُ بالتُّريا، لناله رجالٌ من هؤلاء))(١)، فإنه # أشار بذلك إلى أنهم فارس، ومن المعلوم أنهم ليسوا من الأميين المراد بهم العرب في النسب. وقال بعض أهل العلم: المراد بالأُميين مقابلُ أهل الكتاب؛ لعدم اعتناء أكثرهم بالقراءة والكتابة؛ لعدم كتابٍ لهم سماوي تدعوهم معرفتُهُ إلى ذلك، فيشمل الفرس؛ إذ لا كتابَ لهم كالعرب؛ وعلى ذلك يُخرَّجُ ما أشار إليه الحديثُ من تفسير الآخرين بالفرس، وهو مع ذلك من باب التمثيل، والاقتصارُ على بعض الأنواع بناءً على أنَّ بعضَ الأمم لا كتابَ لهم أيضاً. وربما يقال: إن ((من)) في ((منهم)) اسميةٌ بمعنى ((بعض)) مبتدأ كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] وضمير الجمع لـ ((آخرين))، وجملة ((لَمَّا يلحقوا بهم)) خبرٌ، فيشمل ((آخرين)) طوائف الناس الذين يلحقون إلى يوم القيامة، من العرب والروم والعجم وغيرهم؛ وبذلك فسَّره الضحاكُ وابن حيان ومجاهد في رواية، ويكون الحديث من باب الاقتصار والتمثيل، كقول ابن عمر: هم أهلُ اليمن، وابن جبير: هم الروم والعجم. فتدَّر. وزعم بعضُهم أنَّ المراد بقوله تعالى: ((لما يلحقوا بهم)) أنهم لم يلحقوا بهم في الفَضْل؛ لفَضْل الصحابة على التابعين ومَنْ بعدهم، وفيه أنَّ ((لما)) مَنْفُّها مستمرٌّ إلى الحال، ويُتوقَّعُ وقوعه بعده، فتفيدُ أنَّ لحوقَ التابعين ومَنْ بعدهم في الفضل للصحابة مُتَوقَّعُ الوقوع، مع أنه ليس كذلك، وقد صرَّحوا أنه لا يبلغُ تابعيٍّ وإن جَلَّ قَدْراً في الفضل مرتبةَ صحابيٍّ، وإن لم يكن من كبار الصحابة، وقد سُئل عبد الله بن المبارك عن معاوية وعمر بن عبد العزيز أيُّهما أفضل؟ فقال: الغبار الذي دخل أنفَ (١) البخاري (٤٨٩٧)، والترمذي (٣٢٦٠)، والنسائي في الكبرى (٨٢٢٠)، وهو عند أحمد (٩٤٠٦)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١). وسلف ص٢١٣ من هذا الجزء. سُؤَدَّةُ الجَةِ ١٢٤ الآية : ٤ - ٥ فرس معاوية، أفضلُ عند الله من مئة عمر بن عبد العزيز، فقد صلَّى معاويةُ خلفَ رسول الله وَّه، فقرأ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلخ، فقال معاوية: آمين. واستدلَّ على عدم اللُّحوق بما صحَّ من قوله عليه الصلاة والسلام فيهم: ((لو أنفق أحدكم مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفَه)»(١)، على القول بأنَّ الخطابَ لسائر الأمة، وأما قوله وَلّ: ((أمتي كالمطر، لا يُدرى أولُهُ خيرٌ أم آخِرُه)»(٢)، فمبالغةٌ في خَيرِيَّتهم، كقول القائل في ثوبٍ حَسَنِ البطانة: لا يُدرَى ظهارته خیرٌ أم بطانته. ﴿وَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من كونه عليه الصلاة والسلام رسولاً في الأميين ومَنْ بعدهم، مُعلِّماً مُزَكِّياً، وما فيه من معنى البعد للتعظيم، أي: ذلك الفضل العظيم ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وإحسانه جل شأنه ﴿يُؤْنِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ من عباده تفضُّلاً، ولا يشاء الذي يستحقر دونه نِعَم ٤ سبحانه إيتاءه لأحدٍ بعده وَِّ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الدنيا والآخرة. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ﴾ أي: عُلِّموها وكُلِّفوا العملَ بما فيها، والتحميلُ في هذا شائعٌ يُلحَقُ بالحقيقة، والمراد بهم اليهود ﴿ثُمَّ لَمْ يَحِلُوهَا﴾ أي: لم يعملوا بما في تضاعيفها التي من جملتها الآياتُ الناطقةُ بنبوَّة رسول اللهِ وَهٍ . ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ أي: كتباً كباراً - على ما يُشعر به التنكير، وإيثارُ لفظ السِّفر وما فيه من معنى الكشف - من العلم يتعبُ بحَمْلها ولا ينتفع بها، و((يحملُ)) إما حالٌ من («الحمار)) لكونه معرفةً لفظاً، والعاملُ فيه معنى المثل، أو صفةٌ له؛ لأنَّ تعريفه ذهنيٌّ، فهو معنَى نكرةٌ، فيُوصَفُ بما تُوصَفُ به على الأصحّ. ونسب أبو حيان للمحقِّقين تعيُّنَ الحالية في مثل ذلك(٣). (١) أخرجه أحمد (١١٠٧٩)، والبخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري ــ (٢) أخرجه أحمد (١٢٣٢٧)، والترمذي (٢٨٦٩) من حديث أنس (٣) البحر المحيط ٢٦٦/٨. الآية : ٥ ١٢٥ سُورَةُ الجُمَّةِ ووَجْهُ ارتباط الآية بما قبلها تضمُّنها الإشارةَ إلى أنَّ ذلك الرسولَ المبعوثَ قد بعثه الله تعالى بما نَعَتَهُ به في التوراة، وعلى ألسنة أنبياء بني إسرائيل، كأنه قيل: هو الذي بعث المبشَرَ به في التوراة المنعوت فيها بالنبيِّ الأُمِّيِّ، المبعوث إلى أُمَّةٍ أُميِينَ؛ مَثَلُ مَنْ جاءه نَعْتُهُ فيها وعَلِمه ثم لم يؤمنْ به، مَثَلُ الحمار. وفي الآية دليلٌ على سوء حال العالِمِ الذي لا يعملُ بعلمه، وتخصيصُ الحمار بالتشبيه به؛ لأنه كالعَلَم في الجهل، ومن ذلك قول الشاعر: بجيِّدها إلا كعِلْم الأباعر زواملُ للأسفار لا عِلْم عندهم بأَوساقِهِ أو راحَ ما في الغرائر(١) لَعَمْرُكَ ما يدري البعيرُ إذا غدا بناءً على نَقْلٍ عن ابن خالويه أنَّ البعيرَ اسمٌ من أسماء الحمار كالجمل البازل. وقرأ يحيى بن يعمر، وزيد بن عليٍّ: ((حَمَلوا)) مبنيًّا للفاعل، وقرأ عبد الله: ((حِمارٍ)) بالتنكير، وقرئ: ((يُحمَّلُ) بشدِّ الميم مبنيًّا للمفعول (٢). ﴿بِلْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ الَّهِ﴾ أي: بئس مَثَلُ القومِ مَثَلُ الذين كذَّبوا، فحُذِفَ المضاف وهو المخصوص بالذَّمِّ، وأُقيم المضافُ إليه مقامه، ويجوز أن يكون ((الذين)) صفةُ القوم، والمخصوص محذوفٌ، أي: بئس مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآيات الله هو، والضمير راجعٌ إلى ((مَثَلُ الذين حُمِّلوا التوراة)). وظاهر كلام ((الكشاف)) (٣) أنَّ المخصوصَ هو ((مَثَل)) المذكور، والفاعلُ مستترٌ يُفسِّرِه تمييزٌ محذوف، والتقدير: بئسَ مثلاً مثلُ القوم .. إلخ. (١) البيتان لمروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، وهما في عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ١٣٠، والكامل ١٠٣٧/٢، ودلائل الإعجاز ص٢٥٤ مع اختلاف في بعض الألفاظ. قال المرصفي في رغبة الآمل ٣٧/٧: الزوامل جمع زاملة: وهي البعير يحمل عليه المتاع والطعام. والأوساق جمع وَسْق: وهو حِمْل البعير، والغرائر جمع الغِرارة: وهي الأوعية التي تسمى بالجوالق. وجاء في (م): ذوامل. بدل: زوامل. (٢) القراءات الثلاث في المحرر الوجيز ٣٠٧/٥، والبحر المحيط ٢٦٦/٨. (٣) ينظر ٤/ ١٠٣. الآية : ٦ ١٢٦ وَرَةُ الجُغَةِّ سـ وتُعقِّبَ بأنَّ سيبويه نصَّ على أنَّ التمييزَ الذي يُفسِّرُ الضميرَ المستترَ في باب (ِعْمَ)) لا يجوز حَذْفُهُ، ولو سُلِّمَ جوازه، فهو قليلٌ. وأُجيبَ بأنَّ ذاكَ تقريرٌ لحاصل المعنى، وهو أقربُ لاعتبار الوجه الأول، وكأنَّ قولَ ابن عطية (١): التقدير: بئسَ المَثَلُ مَثَلُ القوم، من ذلك الباب، وإلا ففيه حَذْفُ الفاعل، وقد قالوا بعدم جوازه إلا في مواضعَ ليس هذا منها . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ ﴾﴾ أي: الواضعين للتكذيب في موضع التصديق، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد بسبب التكذيب. ﴿قُلْ بَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوّا﴾ أي: تهوَّدوا، أي: صاروا يهوداً ﴿إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءٌ لِلَّهِ﴾ أي: أحبَّاءُ له سبحانه، ولم يُضِفْ ((أولياء)) إليه تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] قال الطيبيُّ: لِيُؤْذِنَ بالفرق بين مُدَّعي الولاية، ومَنْ يخصُّه عزَّ وجلَّ بها ﴿مِن دُونِ النَّاسِ﴾ حالٌ من الضمير الراجع إلى اسم ((إنْ))، أي: متجاوزين عن الناس. ﴿فَتَمَنَّوْاْ أَلَوْتَ﴾ أي: فتمنَّوا من الله تعالى أن يُميتكم، وينقلكم من دار البليَّة ج﴾ جوابه محذوفٌ؛ لدلالة ما قبله عليه، إلى محلِّ الكرامة ﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ أي: إن كنتم صادقين في زَعْمكم واثقينَ بأنه حقٌّ، فتمثَّوا الموتَ، فإنَّ مَنْ أيقنَ أنه من أهل الجنة، أَحَبَّ أن يتخلَّص إليها من هذه الدار التي هي قرارةُ الأنكاد والأكدار. وأُمر ◌َلي أن يقول لهم ذلك؛ إظهاراً لكذبهم، فإنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحبَّاؤه، ويَدَّعون أنَّ الآخرةَ لهم عند الله خالصةً، ويقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]. وروي أنه لما ظهر رسول الله وَّ*، كتبتْ يهودُ المدينة ليهود خيبر: إن اتَّبعتمْ محمَّداً أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه، فقالوا: نحن أبناءُ خليل الرحمن، ومنَّا عزيرٌ (١) المحرر الوجيز ٥/ ٣٠٧ بنحوه، ونقله عنه المصنف بواسطة البحر المحيط ٢٦٧/٨. الآية : ٧ ١٢٧ سُورَةُ الجُعَةِ ابن الله والأنبياء، ومتى كانت النبوّة في العرب، نحن أحقُّ بها من محمد، ولا سبيلَ إلى اتباعه، فنزلت: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية(١). واستعمال ((إن)) التي للشَّكِّ مع الزعم - وهو محقَّقٌ - للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجزم به لوجود ما يكذبه. وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وابن السميفع: ((فتمنوا الموتَ)) بكسر الواو(٢)؛ تشبيهاً بـ: ﴿لَوِ اُسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢]، وعن ابن السميفع أيضاً فتحها(٣)، وحكى الكسائيُّ عن بعض الأعراب أنه قرأ بالهمزة مضمومة بدل الواو(٤). ﴿وَلَا يَنْعَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ إخبارٌ بحالهم المستقبلة، وهو عدمُ تمنِّهم الموتَ، وذلك خاصٌّ - على ما صرَّح به جمعٌ - بأولئك المخاطَبين، وروي أنَّ رسول الله وَلَه قال لهم: ((والذي نفسي بيده، لا يقولها أحدٌ منكم إلا غَصَّ بريقه)»(٥)، فلم يتمنَّهُ أحدٌ منهم. وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصِدْقه عليه الصلاة والسلام، فعلموا أنهم لو تمنَّوا لماتوا من ساعتهم، ولَحِقَهم الوعيد، وهذه إحدى المعجزات، وجاء نفي هذا التمنِّي في آيةٍ أخرى بـ (لن))(٦) وهو من باب التفتُّن على القول المشهور في أنَّ كلًّا من ((لا)) و((لن)) لنفي المستقبل من غير تأكيد، ومَنْ قال بإفادة ((لن)) التأكيد، فَوَجْهُ اختصاص التوكيد عنده بذلك الموضع أنهم ادَّعوا الاختصاصَ دون الناس في الموضعين، وزادوا هنالك أنه أمرٌ مكشوفٌ لا شبهةَ فيه محقَّقة عند الله، فناسَبَ أن يُؤگّد ما ینفیه. والباء في قوله سبحانه: ﴿بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ سببيةٌ متعلِّقةٌ بما يدلُّ عليه النفي، أي: يأبَون التمنِّي بسبب ما قدَّمت، وجُوِّزَ تعلُّقه بالانتفاء، كأنه قيل: انتفى تمنِّيهم (١) ينظر البحر المحيط ٢٦٧/٨. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٦، والمحتسب ٣٢١/٢، والبحر ٢٦٧/٨. (٣) البحر المحيط ٢٦٧/٨. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٦، والبحر ٢٦٧/٨. (٥) أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/ ٢٧٤ . (٦) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيُمْ بِالَّلِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]. سُورَةُ الجَُّةِ ١٢٨ الآية : ٨ بسبب ما قدَّمتْ، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] والمراد بما قدَّمته أيديهم: الكفر والمعاصي الموجبةُ لدخول النار، ولَمَّا كانت اليدُ من بين جوارح الإنسان مناطَ عامة أفعاله، عبّر بها تارةً عن النفس، وأخرى عن القدرة . ، أي: بهم، وإيثارُ الإظهار على الإضمار لذَمِّهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَِّمِينَ والتسجيلِ عليهم بأنهم ظالمون في كلِّ ما يأتون ويذرون من الأمور التي من جملتها ادِّعاءُ ما هم عنه بمعزل، والجملةُ تذييلٌ لما قبلها، مقرِّرةٌ لما أشار إليه من سوء أفعالهم واقتضائها العذاب، أي: والله تعالى عليمٌ بما صَدَرَ منهم من فنون الظلم والمعاصي، وبما سيكون منهم، فيجازيهم على ذلك. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَّفِرُونَ مِنْهُ﴾ ولا تجسرون على أن تمنَّوه مخافةَ أن تُؤخذوا بوبال أفعالكم. ﴿فَإِنَّهُ مُلَقِيكٌُ﴾ البتَّةَ من غير صارفٍ يلويه، ولا عاطفٍ يثنيه، والجملة خبرُ (إنَّ))، والفاءُ لتضمُّنِ الاسم معنى الشرط، باعتبار وَصْفه بالموصول، فإنَّ الصفةً والموصوفَ كالشيءٍ الواحد، فلا يقال: إنَّ الفاءَ إنما تَدخلُ الخبرَ إذا تضمَّنَ المبتدأُ معنى الشرط، والمتضمِّنُ له الموصول، وليس بمبتدأ. ودخولُها في مثل ذلك ليس بلازم كدخولها في الجواب الحقيقي، وإنما يكون لنكتةٍ تليقُ بالمقام، وهي هاهنا المبالغةُ في عدم الفوت، وذلك أنَّ الفرارَ من الشيءِ في مجرى العادة سببُ الفوت عليه، فجيءَ بالفاء لإفادة أنَّ الفرارَ سببُ الملاقاة، مبالغةً فيما ذكر وتعكيساً للحال. وقيل: ما في حيِّزها جوابٌ من حيث المعنى، على معنى الإعلام، فتفيدُ أنَّ الفرارَ المظنونَ سبباً للنجاة سببٌ للإعلام بملاقاته، كما في قوله تعالی: بِكُمْ مِّن نِعْمَلِ فَمِنَ الَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وهو وجهٌ ضعيفٌ فيما نحن فيه، لا مبالغةً فيه من حیثُ المعنى. ومنعَ قومٌ منهم الفراءُ(١) دخولَ الفاء في نحو هذا، وقالوا: هي هاهنا زائدة. (١) في معاني القرآن ٣/ ١٥٥. الآية : ٨ ١٢٩ سُورَةُ الجَُّّةِ وجُوِّزَ أن يكون الموصول خبر ((إنَّ) والفاء عاطفةٌ، كأنه قيل: إنَّ الموتَ هو الشيء الذي تفرُّون منه فيلاقیکم. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((إنه ملاقيكم)) بدون فاء (١)، وخُرِّجَ على أنَّ الخبرَ هو الموصول، وهذه الجملةُ مستأنفةٌ، أو هي الخبر، والموصولُ صفة كما في قراءة الجمهور، وجُوِّزَ أن يكون الخبر: ((ملاقيكم))، و((إنه)) توكيداً لـ ((إنَّ الموتَ))، وذلك أنه لما طال الكلامُ أُكِّدَ الحرفُ مصحوباً بضمير الاسم الذي لـ ((إنَّ». وقرأ ابن مسعود: ((تفرُّون منه ملاقيكم)) بدون الفاء ولا («إنه))، وهي ظاهرة(٢). ﴿ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ الذي لا يَخْفَى عليه خافيةٌ. من الكفر والمعاصي بأن يُجازيكم بها، واستشعر ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُ تَعْمَلُونَ غيرُ واحدٍ من الآية ذَمَّ الفرار من الطاعون، والكلامُ في ذلك طويلٌ، فمنهم من حَرَّمه، كابن خزيمة فإنه ترجم في ((صحيحه)): باب: الفرار من الطاعون من الكبائر، وأنَّ الله تعالی یُعاقبُ مَنْ وقع منه ذلك ما لم یعفُ عنه، واستدلَّ بحدیث عائشةَ: ((الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف)) رواه الإمام أحمد والطبراني وابن عدي وغیرهم، وسنده حسن(٣). وذكر التاج السبكيُّ أنَّ الأكثرَ على تحريمه، ومنهم من قال بكراهته كالإمام مالك، ونقل القاضي عياض(٤) وغيره جوازَ الخروج عن الأرض التي يقعُ بها عن جماعةٍ من الصحابة منهم: أبو موسى الأشعري والمغيرةُ بن شعبة، وعن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق. (١) الكشاف ١٠٤/٤، والبحر ٢٦٧/٨. (٢) الكشاف ١٠٤/٤، والمحرر ٣٠٨/٥. (٣) أحمد (٢٤٥٢٧)، والطبراني في الأوسط (٥٥٢٧) من حديث عائشة ﴿ا، وابن عدي ٥٪ ١٧٦٥ من حديث جابر بن عبد الله به، ولم نقف على الحديث وقولِ ابن خزيمة في المطبوع من صحيحه، والكلام منقول من الفتاوى الكبرى للهيتمي ٩/٤، ٢٦. (٤) في كتابه إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ١٣٤ . سُؤَرَةُ الصَّةِ ١٣٠ الآية : ٨ وروى الإمام أحمد والطبرانيُّ أنَّ عمرو بن العاص قال في الطاعون في آخر خطبته: إنَّ هذا رِجْزٌ مثل السَّيل، مَنْ تنَّبه أخطأه، ومثلُ النار، مَنْ تنَّبها أخطأها، ومَنْ أقام أحرقته. وفي لفظٍ: إنَّ هذا الطاعونَ رِجْسٌ، فتفرَّقوا منه في هذه الشِّعاب وهذه الأودية. فتفرَّقوا، فبلغ ذلك عمر نظُّه فلم ينكره ولم یکرهە(١). وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدَّثُ إلى أبي موسى الأشعري وهو في داره بالكوفة، فقال لنا وقد وقع الطاعون: لا عليكم أن تنزحوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم، حتى يُرفَع هذا الوباء، فإني سأخبركم بما يُكره من ذلك، أن يظنَّ مَنْ خَرجَ أنه لو أقام [مات، ويظنَّ مَن أقام] فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يُصبُهُ، فإذا لم يظنَّ هذا، فلا عليه أن يخرجَ ويتنزَّهَ عنه(٢). وأخرج البيهقيُّ(٣) وغيره عنه بسندٍ حَسَنِ أنه قال: إنَّ هذا الطاعونَ قد وقع، فمن أراد أن يتنزَّهَ عنه فليفعل، واحذروا اثنتين، أن يقول قائلٌ: خَرَجَ خَارِجٌ فَسَلِمَ، وجَلَسَ جالسٌ فأُصيب، فلو كنتُ خرجتُ لسلِمتُ كما سَلِمَ فلانٌ، ولو كنتُ جلستُ ◌ُصبتُ کما أُصيبَ فلان. ويُفهَمُ أنه لا بأس بالخروج مع اعتقاد أنَّ كلَّ مقدَّرٍ كائنٌ، وكأنِّي بك تختارُ ذلك، لكن في ((فتاوى))(٤) العلامة ابن حجر أنَّ محلَّ النزاع فيما إذا خرجَ فارًّا منه، مع اعتقاد أنه لو قدر عليه لأصابه، وأنَّ فراره لا يُنجيه، لكن يخرجُ مؤمِّلاً أن ينجو، أما الخروجُ من محلّه بقَصْد أنَّ له قدرةً على التخلّص من قضاء الله تعالى، وأنَّ فِعْله هو المنجي له، فواضحٌ أنه حرامٌ، بل كفرٌ اتفاقاً . وأما الخروج لعارضٍ شُغْلٍ، أو للتداوي من عِلَّةِ طعن فيه، أو غير ذلك، فهو (١) أحمد (١٧٧٥٦)، والطبراني في الكبير (٧٢٠٩). (٢) أخرجه الطبري في التاريخ ٤/ ٦٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) كذا عزاه ابن حجر في فتح الباري ١٨٨/١٠، ولم نقف عليه عند البيهقي، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٠٥. (٤) الفتاوى الكبرى ٤ / ١٠ . الآية : ٨ ١٣١ سُورَةُ الجَّةِ مما لا ينبغي أن يُختَلفَ في جوازه كما صرَّح به بعضُ المحققين، ومن ذلك - فيما أرى - عروضُ وسوسةٍ طبيعيةٍ له لا يقدرُ على دَفْعها، تضرُّ به ضرراً بيِّناً، وغلبةُ ظنِّ عدم دفنه أو تغسيله إذا مات في ذلك المحلِّ. قيل: ولا يقاسُ على الفرار من الطاعون الفرارُ من غيره من المهالك، فإنه مأمورٌ به؛ وقد قال الجلال السيوطيُّ: الفرارُ من الوباء كالحُمَّى، ومن سائر أسباب الهلاك جائزٌ بالإجماع، والطاعونُ مستثنى من عموم المهالك المأمور بالفرار منها؛ للنهي التحریميٍّ أو التنزیھیّ عن الفرار منه. واختلفوا في عِلَّة النهي فقيل: هي أنَّ الطاعونَ إذا وقعَ في بلدٍ مثلاً، عمَّ جمیعَ مَنْ فيه بمداخلة سببه، فلا يفيدُ الفرارُ منه، بل إن كان أجلُهُ قد حَضَرَ، فهو ميتٌ وإن رحل، وإلا فلا، وإن أقام، فتعيَّنتِ الإقامةُ، لما في الخروج من العبث الذي لا يليقُ بالعقلاء. واعتُرض بمَنْع عمومه إذا وَقَعَ في بلدٍ جمیعَ مَنْ فیه بمداخلةٍ سببه، ولو سلِّمَ فالوباء مثله في أنَّ الشخص الذي في بلده إن كان أَجلُهُ قد حَضَرَ، فهو ميتٌ وإن رحل، وإلا فلا وإن أقام، مع أنهم جوَّزوا الفرارَ منه. وقيل: هي أنَّ الناسَ لو تواردوا على الخروج لضاعت المرضى العاجزون عن الخروج؛ لفقد من يتعهَّدهم، والموتى؛ لفَقْدٍ مَنْ يُجهِّزهم، وأيضاً في خروج الأقوياء كسرٌ(١) لقلوب الضعفاء عن الخروج، وأيضاً إنَّ الخارجَ يقول: لو لم أخرجْ لمتُّ، والمقيم: لو خرجتُ لسَلِمْتُ، فيقعان في اللَّوِّ المنهيِّ عنه. واعتُرض كلُّ ذلك بأنه موجودٌ في الفرار عن الوباء أيضاً، وكذا الداءُ الحادثُ ظهورُه المعروف بين الناس بأبي زَوْعة الذي أعيا الأطباءَ علاجُه، ولم ينفع فيه التحقُّظ والعُزْلة على الوجه المعروف في الطاعون. وقيل: هي أنَّ للميت به وكذا للصابر المحتسب المقيم في محلِّه وإن لم يمتْ (١) في (م): كسراً. والكلام من الفتاوى الكبرى للهيتمي ٢٦/٤-٢٧. سُورَةُ الجَةِ ١٣٢ الآية : ٩ به أجر شهيد، وفي الفرار إعراضٌ عن الشهادة، وهو محلُّ التشبيه في حديث عائشة عند بعض(١). واعتُرض بأنه قد صحَّ أنه وَّهِ مَرَّ بحائطِ مائلٍ، فأسرع(٢)، ولم يمنع أحدٌ من ذلك، وكذا من الفرار من الحريق، مع أنَّ الميتَ بذلك شهيدٌ أيضاً. وذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ النهيَ تعبُّديٌّ، وكأنه لَمَّا رأى أنه لا تسلمُ عِلَّةٌ له عن الطعن قال ذلك، ولهم في هذه المسألة رسائل عديدة، فمن أراد استيفاء الكلام فيها، فليرجع إليها . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ﴾ أي: فُعِلَ النداءُ لها، أي: الأذان، والمراد به - على ما حكاه في ((الكشاف)) - الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد كان لرسول الله وَّل﴾ مؤذِّنٌ واحدٌ، فكان إذا جلس على المنبر أذَّنَ على باب المسجد، فإذا نزل عليه الصلاة والسلام أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكَثُرَ الناسُ وتباعدتِ المنازلُ، زاد مؤذناً آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تُسمَّى زوراء، فإذا جلس على المنبر أذَّنَ المؤذنُ الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة (٣)، فلم يُعَبْ ذلك عليه. وفي حديث الجماعة - إلا مسلماً -: فلما كان عثمان وكَثُرَ الناس زاد النداء الثالث على الزوراء(٤). وفي روايةٍ للبخاريِّ ومسلم: زاد النداءَ الثاني(٥). والكلُّ بمعنَى، وتسميةُ ما يُفعَلُ من الأذان أولاً ثانياً، باعتبار أنه لم يكن على عهد (١) أخرج أحمد (٢٥٢١٢)، والبخاري (٣٤٧٤) أن عائشة سألت رسول الله عن الطاعون فقال: (إنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمةً للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهید» . (٢) أخرجه أحمد (٨٦٦٦) من حديث أبي هريرة رُه. (٣) الكشاف ١٠٤/٤. وجاء في (م): أقام الصلاة. والمثبت من الأصل والمصدر. (٤) البخاري (٩١٢)، وأبو داود (١٠٨٧)، والترمذي (٥١٦)، والنسائي في المجتبى ١٠٠/٣- ١٠١، وابن ماجه (١١٣٥). (٥) صحيح البخاري (٩١٥)، ولم نقف على هذا الحديث عند مسلم. الآية : ٩ ١٣٣ سُوَّةُ الجَّةِ رسول الله وَّ﴿، وإنما كان بعدُ، وتسميته ثالثاً؛ لأنَّ الإقامةَ تُسمَّى أذاناً كما في الحديث: ((بين كلِّ أذانين صلاة))(١). وقال مفتي الحنفية في دار السلطنة السنية الفاضل سعد الله جلبي: المعتبرُ في تعلُّقِ الأمر - يعني قوله تعالى الآتي: ((فاسعوا)) - هو الأذان الأولُ في الأصحِّ عندنا؛ لأنَّ حصولَ الإعلام به، لا الأذان بين يدي المنبر. وَرُدَّ بأنَّ الأولَ لم يكن على عهد النبيِّ وٍَّ كما سمعتَ، فكيف يقال: المراد الأولُ في الأصحِّ؟ وأما كونُ الثاني لا إعلامَ فيه فلا يضرُّ؛ لأنَّ وقتَهُ معلومٌ تخميناً، ولو أُريد ما ذُكِرَ وَجَبَ بالأول السعيُّ، وحَرُمَ البيئُ. وليس كذلك. وفي كتاب ((الأحكام))(٢): روي عن ابن عمر والحسن في قوله تعالى: (إِذَا نُودِىَ) إلخ قال: إذا خرج الإمامُ وأَذَّنَ المؤذِّنُ، فقد نودي للصلاة. انتهى، وهو التفسيرُ المأثورُ، فلا عبرةَ بغيره. كذا قال الخفاجيّ(٣). وفي كتب الحنفية خلافه، ففي ((الكنز)) وشرحه: ويجبُ السعيُّ وتركُ البيع بالأذان الأول؛ لقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ) الآية، وإنما اعتُبر الحصول الإعلام به، وهذا القولُ هو الصحيحُ في المذهب. وقيل: العبرةُ للأذان الثاني الذي يكونُ بين يدي المنبر؛ لأنه لم يكنْ في زمنه إلا هو. وهو ضعيف؛ لأنه لو اعتُبر في وجوب السعي لم يتمكَّن من السُّنَّةِ القَبْليَّة، ومن الاستماع، بل ربما يُخشَى عليه فواتُ الجمعة. انتهى. ونحوه كثيرٌ، لكنَّ الاعتراضَ عليه قويٌّ، فتدبّر. ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ أي: فيه، كما في قوله تعالى: ﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ اْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي: فيها، وجوَّزَ أبو البقاء أيضاً كون ((من)) للتبعيض (٤). (١) أخرجه أحمد (١٦٧٩٠)، والبخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) (٣٠٤) من حديث عبد الله بن مغفل تضمنه . (٢) للجصاص ٤٤٤/٣. (٣) في حاشيته ١٩٦/٨. (٤) ينظر الإملاء ٣٩٩/٤. سُورَةُ الجَّ ١٣٤ الآية : ٩ وفي ((الكشاف))(١): هي بيانٌ لـ ((إذا)) وتفسيرٌ له. والظاهر أنه أراد البيانَ المشهورَ، فأُورِدَ عليه أنَّ شرطَ ((من)) البيانيَّة أن يصحَّ حَمْلُ ما بعدها على المبيَّن قبلها، وهو منتفٍ هنا؛ لأنَّ الكلَّ لا يُحمَلُ على الجزء، واليومُ لا يصِحُّ أن يُرادَ به هنا مطلقُ الوقت؛ لأنَّ يوم الجمعة عَلَمٌ لليوم المعروف لا يُطلَقُ على غيره في العرف، ولا قرينةً عليه هنا . وقيل: أراد البيانَ اللُّغويَّ، أي: لبيان أنَّ ذلك الوقتَ في أيِّ يومٍ من الأيام؛ إذ فيه إبهامٌ(٢)، فيُجامع كونها بمعنى ((في)) وكونها للتبعيض. وهو كما ترى. والجمعة بضمِّ الميم، وهو الأفصح، والأكثرُ الشائعُ، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن الزبير وأبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن عليٍّ والأعمش بسكونها(٣)، وروي عن أبي عمرو، وهي لغةُ تميم. وجاء فتحُها، ولم يُقرأ به، ونقل بعضُهم الكسرَ أيضاً. وذكروا أنَّ الجمعة بالضَّمِّ مثلُ الجُمْعة(٤) بالإسكان، ومعناه: المجموع، أي: يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضُحْكَة، للمضحوك منه، وأما الجُمَعة - بالفتح - فمعناه: الجامع، أي: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضُحَكة، لكثير الضَّحِك. وقال أبو البقاء: الجُمُعة بضمَّتين وبإسكان الميم مصدرٌ بمعنى الاجتماع. وقيل في المسكَّن: هو بمعنى المجتمَع فيه، كرجلٍ ضُحْكة، أي: كثير الضحك منه(٥). انتھی . وقد صار يوم الجمعة عَلَماً على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وظاهرُ عبارة أكثر اللُّغويين أنَّ ((الجمعةَ)) وَحْدَها من غير ((يوم)) صارت عَلَماً له، ولا مانع منه، وإضافةُ العامِّ المطلق إلى الخاصِّ جائزةٌ مستحسنةٌ فيما إذا خفي الثاني كما هنا؛ لأنَّ التسميةَ حادثةٌ كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، فليست قبيحةً كالإضافة في : إنسان زید. (١) ٤ / ١٠٤. (٢) في الأصل: إيهام. (٣) القراءات الشاذة ص١٥٦، والمحرر الوجيز ٣٠٨/٥، والبحر ٢٦٧/٨. (٤) في الأصل: مثقل الجمعة. (٥) الإملاء ٣٩٩/٤. الآية : ٩ ١٣٥ ـرَةُ الجمْعَةِ وكانت العرب - على ما قال غير واحد - تُسمِّي يومَ الجمعة: عَروبة، قيل: وهو علمُ جنسٍ يستعمل بـ ((أل)) وبدونها؛ وقيل: ((أل)) لازمةٌ. قال الخفاجيُّ: والأول أُصحُ(١). وفي ((النهاية)) لابن الأثير: عروبة: اسمٌ قديمٌ للجمعة، وكأنه ليس بعربيٍّ، يقال: يومٌ عَروبة، ويومُ العَروبة، والأفصحُ أن لا يدخُلَها الألفُ واللام(٢). انتهى. وما ظنّه من أنَّه ليس بعربيٍّ جزمَ به مختصِرُ كتاب: ((التذييل والتكميل مما استعمل من اللفظ الدخيل)) لجمال الدين عبد الله بن أحمد الشهير بالبشبيشي(٣)، فقال: عَروبة منكَّراً ومعرَّفاً: هو يوم الجمعة، اسمٌ سريانيٌّ معرَّبٌ، ثم قال: قال السهيلي(٤): ومعنى العروبة: الرحمة، فيما بلغنا عن بعض أهل العلم. انتهى، وهو غريبٌ فليحفظ. وأول من سمَّاه جمعة قيل: كعب بن لؤيٍّ، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين قال: جمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يَقْدَمَ النبيُّ ◌َله وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه بكلِّ سبعة أيام، وللنصارى (١) حاشية الشهاب ١٩٦/٨. (٢) النهاية (عرب). (٣) في الأصل و(م): بالشيشي. والمثبت من إنباء الغمر ٢٨٧/٧، والضوء اللامع ٧/٥، وهو جمال الدين عبد الله بن أحمد بن عبد العزيز البشبيشي، تفقَّه بابن الملقن، وبرع في الفقه والعربية واللغة، وله كتاب في الألفاظ المعرَّبة، وكتاب استوعب فيه أخبار قضاة مصر، وكتاب في شواهد العربية، (ت٨٢٠هـ). وترجم له أيضاً ابن العماد في شذرات الذهب ٩/ ٢١٤، لكن نسبه هكذا: البشيتي، نسبة إلى بشيت قرية بأرض فلسطين. أما: البشبيشي فهي نسبة لقرية من أعمال المحلة الغربية. وقد ذكر العلامة أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب المعرَّب للجواليقي بأنه وجد على طرَّة إحدى نُسَخ الكتاب ترجمةً لمؤلف الكتاب لخّصها الناسخ من مقدمة التذييل للفاضل عبد الله بن محمد بن أحمد العذري الشهير بالبشبيشي من خطه، كما ذكر أيضاً - أي العلامة أحمد شاكر - بأن الكتاب لم يذكره صاحب كشف الظنون، وذُكر في الطبعة الثانية من فهرس دار الكتب في فهرس علم اللغة برقم (٢٣١) وعُرف فيها بما نصه: تأليف أبي الفضل عبد الله بن محمد بن أحمد العذري المعروف بالبشبيشي، كما هو مكتوب على ظاهر النسخة بخط جديد. (٤) في كتابه الروض الأنف ١٩٦/٢ . الآية : ٩ ١٣٦ سُورَةُ المُحَةِّ مثلُ ذلك، فَهَلُمَّ فلنجعلْ لنا يوماً نجتمعُ فيه، فنذكر الله تعالى ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العَروبة - وكانوا يُسمُّونَ يوم الجمعة بذلك - فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلَّى بهم يومئذٍ ركعتين، وذكَّرهم، فسمَّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاةً، فتغذَّوا وتعشّوا منها، وذلك لعامَّتهم؛ فأنزل الله تعالى في ذلك بَعْدُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلِضَّلَوَةِ﴾ الآية (١). وكون أسعد هذا أولَ من جمّع مرويٌّ عن غير ابن سيرين أيضاً، وأخرج أبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقيُّ عن عبد الرحمن بن كعب أنَّ أباه كان إذا سمع النداءَ يوم الجمعة ترجَّم على أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيت استغفاركَ لأسعد بن زرارة كلَّما سمعتَ الأذان للجمعة، ما هو؟ قال: لأنه أولُ من جمَّع بنا في نقيع الخَضِمات(٢) مِن حَرَّة بني بياضة، قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعونَ رجلاً(٣). وظاهر قول ابن سيرين: فأنزل الله تعالى في ذلك بعدُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلخ، أنَّ أسعد أقام الجمعةَ قبل أن تُفرَضَ، وكذا قوله: جمَّع أهلُ المدينة قبل أن يَقْدَمَ النبيُّ وَّهِ وقبل أن تنزلَ الجمعة، وفي ((فتح القدير)) التصريحُ بذلك (٤). وقال العلامة ابن حجر في ((تحفة المحتاج))(٥): فُرضتْ - يعني صلاة الجمعة - بمكة، ولم تقمْ بها لفَقْدِ العدد، أو لأنَّ شِعارها الإظهار، وكان ◌َّهِ بها (١) الدر المنثور ٢١٨/٦، ومصنف عبد الرزاق (٥١٤٤)، وهو مرسل صحيح الإسناد كما في فتح الباري ٢/ ٣٥٥. وورد في المصادر: لقلَّتهم، بدل: لعامَّتهم. (٢) في هامش الأصل: نقيع بالنون والقاف، الخضمات بالخاء والضاد المعجمتين: موضع بنواحي المدينة. (٣) الدر المنثور ٢١٨/٦، وأبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابن حبان (٧٠١٣)، والبيهقي في دلائل النبوة ٤٤١/٢. وحسَّن إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٦/٢ وقال: حرة بني بياضة: قرية على ميل من المدينة. (٤) فتح القدير لابن الهمام ٤٠٩/١. (٥) ٤٠٥/٢-٤٠٦. الآية : ٩ ١٣٧ سُورَةُ الجَرَّةِ مستخفياً، وأولُ من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدینة(١). انتهى. فلعلَّها فُرضتْ ثم نزلت الآية، كالوضوء للصلاة، فإنه فُرِضَ أولاً بمكةً مع الصلاة، ثم نزلت آيتُهُ، لكن يُعكِّر على هذا ما أخرجه ابنُ ماجه(٢) عن جابرٍ أنَّ رسول الله وَ﴿ خطب، فقال: ((إنَّ الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمَنْ تَرَكها استخفافاً بها أو جحوداً بها، فلا جمعَ الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاةً له، ولا زكاة له، ولا حجَّ له، ولا صوم له، ولا بِرَّ له حتى يتوبَ، فمن تاب تاب الله علیه)). فإنَّ الظاهرَ أنَّ هذه الخطبَةَ كانت في المدينة، بل ظاهرُ الخبر أنها بعد الهجرة بكثيرٍ؛ إذ ظاهرُ قوله عليه الصلاة والسلام فيه: ((لا حَجَّ له)) أنَّ الحجَّ كان مفروضاً إذ ذاك، وهو وإن اختلف في وقت فَرْضه فقيل: فُرِضَ قبل الهجرة، وقيل: أولُ سِنِيِّها، وقيل: ثانيها، وهكذا إلى العاشرة، لكن قالوا: إنَّ الأصحَّ أنه فُرض في السنة السادسة، فإما أن يُقْدَحَ في صحَّة الحديث، وإما أن يقال: مفادُهُ افتراضُ الجمعة إلى يوم القيامة، أي: بهذا القيد، ويقال: إنَّ الحاصلَ قبل افتراضها غيرُ مقيَّدٍ بهذا القيد. ثم ما تقدَّم من كون أسعد أولَ مَن جَمَّعَ بالمدينة يخالفه ما أخرج الطبرانيُّ عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال: أولُ مَنْ قَدِمَ من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أولُ مَنْ جَمَّعَ بها يوم الجمعة، جَمَّعَ بهم قبل أن يقدمَ رسول الله ێۇ وهم اثنا عشر رجلاً(٣). (١) في هامش الأصل: ويُلْغَز، فيقال: صلاة مفروضة صلاها الناس قبل النبي تَ ﴾. (٢) في سننه (١٠٨١) وفيه عبد الله العدوي، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٣/٢: واهي الحديث. (٣) الدر المنثور ٢١٨/٦، والتلخيص الحبير ٥٦/٢، وهو في المعجم الأوسط (٦٢٩٠) دون قوله: وهم اثنا عشر رجلاً. قال الحافظ: في إسناده صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف. الآية : ٩ ١٣٨ سُؤَدَّةُ الجَةِ وأخرج البخاريُّ - على ما نقله السيوطي - نحوَه(١)، وكان ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الدارقطنيُّ عن ابن عباس قال: أَذِنَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بالجمعة قبل أن يُهاجرَ، ولم يستطع أن يُجمِّعَ بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: ((أما بعد، فانظر اليومَ الذي تجهرُ فيه اليهود بالزَّبور، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مالَ النهارُ عن شَطْره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرَّبوا إلى الله تعالى بركعتين))، قال: فهو أولُ مَنْ جَمَّعَ، حتى قَدِمَ النبيُّ نَّهِ المدينة فجَمَّعَ عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك(٢). فلعلَّ ما يدلُّ على كون أسعد أول مَنْ جَمَّعَ أثبت من هذه الأخبار، أو يُجمَعُ بأنَّ أسعدَ أولُ من أقامها بغير أمرٍ منه وَّر كما يدلُّ عليه خبر ابن سيرين، وصرَّح به ابن الهمام(٣)، ومصعباً أولُ من أقامها بأمره عليه الصلاة والسلام. أو بأنَّ مصعباً أولُ من أقامها في المدينة نفسها، وأسعدَ أولُ من أقامها في قريةٍ قربَ المدينة، وقولهم: في المدينة، تسامحٌ. وقال الحافظ ابن حجر: يُجمَعُ بين الحديثين بأنَّ أسعدَ كان آمراً(٤)، ومصعباً كان إماماً. وهو كما ترى. ولم يُصرَّح في شيءٍ من الأخبار التي وقفتُ عليها فيمن أقامها قبل الهجرة بالمدينة بالخطبة التي هي أحد شروطها، وكأنَّ في خبر ابن سيرين رمزاً إليها بقوله: وذكّرهم، وقد يقال: إنَّ صلاةَ الجمعة حقيقةٌ شرعيةٌ في الصلاة المستوفية للشروط، فمتى قيل: إنَّ فلاناً أولُ مَنْ صلَّى الجمعةَ، كان متضمِّناً لتحقّق الشروط، لكن يبعدُ كلّ البعد كونُ ما وَقَعَ من أسعد ◌َبه - إن كان قبل فرضيَّتها - مستوفياً لما هو معروفٌ اليومَ من الشروط. ثم إني لا أدري هل صلَّى أسعد الظهرَ ذلك اليوم، أم اكتفى بالركعتين اللَّتين صلَّاهما عنها؟ وعلى تقدير الاكتفاء، كيف ساغَ له ذلك (١) لم نقف عليه عند البخاري في صحيحه ولا عند السيوطي في الدر المنثور. (٢) الدر المنثور ٢١٨/٦، ونسبه له أيضاً ابن رجب في فتح الباري ٨/ ٦٥ وقال: أظنه في أفراده، ثم قال بعد أن ذكره بإسناده: وهذا إسناد موضوع ... وفي هذا السياق ألفاظ منكرة. (٣) في فتح القدير ٤٠٩/١. (٤) في الأصل و(م): أميراً، والمثبت من التلخيص الحبير ٥٦/٢. الآية : ٩ ١٣٩ سُورَةُ الجُرَّةِّ بدون أمره عليه الصلاة والسلام؟! وقُصارى ما يظنُّ أنَّ الأنصار عَلِموا فرضية الجمعة بمكة، وعَلِموا شروطها وإغناءها عن صلاة الظهر، فأرادوا أن يفعلوها قبل أن يُؤْمَروا بخصوصهم، فَرَغَّبَ خواصُّهم عوامَّهم على أحسن وجهٍ، وجاؤوا إلى أسعد فصلَّى بهم، وهو خلافُ الظاهر جدًّا، فتدبّر، والله تعالى الموفق. وأما ما كان من صلاته عليه الصلاة والسلام إياها فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قَدِمَ المدينةَ مهاجراً نزل قُباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسَّسَ مسجدَهم، ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته صلاةُ الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم، فخطب وصلَّى الجمعةَ، وهي أول جمعة صلَّها عليه الصلاة والسلام(١). وقال بعضهم: إنما سُمِّي هذا اليومُ يوم الجمعة؛ لأنَّ آدَمَ عليه السلام اجتمع فيه مع حواء في الأرض. وقيل: لأنَّ خَلْقَ آدم عليه السلام جُمِعَ فيه، وهو نحوُ ما أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه(٢) عن أبي هريرة قال: قلت: يا نبيَّ الله، لأيِّ شيءٍ سُمِّي يوم الجمعة؟ فقال: ((لأنَّ فيها جُمعتْ طينةُ أبيكم آدم عليه السلام)) الخبر، ويُشعر ذلك بأنَّ التسميةَ كانت قبل كعب بن لؤي. ويُسمِّيه الملائكة يوم القيامة: يوم المزيد؛ لِمَا أنَّ الله تعالى يتجلَّى فيه لأهل الجنة فيُعطيهم ما لم تَرَ عينٌ، ولم تسمعْ أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر، كما في حديثٍ رواه ابن أبي شيبةً عن أنسٍ مرفوعاً (٣). وهو من أفضل الأيام، وفي خبرٍ رواه كثيرون منهم الإمام أحمد وابن ماجه(٤) عن أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعاً: ((يوم الجمعة سيِّدُ الأيام، وأعظمُ عند الله (١) السيرة النبوية لابن هشام ٤٩٤/١-٥٠٠، وتاريخ الطبري ٣٩٤/٢-٣٩٦، والبيهقي في دلائل النبوة ٥٢٤/٢-٥٢٥. وجاء في (م): وهو أول. (٢) كما في الدر المنثور ٢١٦/٦، وهو عند أحمد (٨١٠٢). (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠-١٥١، وأخرجه - أيضاً - أبو يعلى (١٤٧٣). (٤) أحمد (١٥٥٤٨)، وابن ماجه (١٠٨٤)، وإسناده ضعيف. ينظر حاشية المسند. الآية : ٩ ١٤٠ سُورَةُ الجُرَّةِ تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى))، وفيه: أنَّ فيه خَلْقَ آدم، وإهباطَهَ إلى الأرض، وموتَه، وساعةَ الإجابة - أي: للدعاء - ما لم يكن سؤال حرام، وقيامَ الساعة. وفي خبر الطبراني(١): ((وفيه دخل الجنة، وفيه خرج)). وصحَّحَ ابن حبان(٢) خبر: ((لا تطلعُ الشمسُ ولا تغربُ على يومٍ أفضل من يوم الجمعة))، وفي خبر مسلم (٣): (فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيّه أُخرج منها، وفيه تقومُ الساعة، وأنه خيرُ يومٍ طلعتْ عليه الشمس))، وصحَّ خبر: ((وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات))(٤). وأخذ أحمد من خبري مسلم وابن حبان أنه أفضلُ حتى من يوم عرفة، وفضَّلَ كثيرٌ من الحنابلة ليلته على ليلة القدر، قيل: ويردُّهما أنَّ لِذَينك دلائل خاصة فقُدِّمت. واختلف في تعيين ساعة الإجابة فيه، فعن أبي بُرْدَة: هي حين يقومُ الإمامُ في الصلاة حتى ينصرفَ عنها. وعن الحسن: هي عند زوال الشمس. وعن الشعبي: هي ما بين أن يُحرَّمَ البيعُ إلى أن يَحِلَّ. وعن عائشة: هي حين ينادي المنادي بالصلاة. وفي حديثٍ مرفوعٍ أخرجه ابن أبي شيبةً(٥) عن كثير بن عبد الله المزني: هي حين تقامُ الصلاةُ إلى الانصراف منها. وعن أبي أمامة: إني لأرجو أن تكونَ الساعةُ التي في الجمعة إحدى هذه الساعات: إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، أو جلس الإمامُ على المنبر، أو عند الإقامة(٦). وعن طاوس ومجاهد: هي بعد العصر(٧). وقيل غير ذلك، ولم يصحَّ تعيينٌ عند(٨) الأكثرين، وقد أخفاها الله تعالى كما أخفى سبحانه الاسمَ الأعظمَ وليلةَ القدر وغيرهما لحكمةٍ لا تخفی . (١) في الأوسط (٤٣٣٥)، وهو عند أحمد (٩٤٠٩)، ومسلم (٨٥٤) من حديث أبي هريرة (٢) في صحيحه (٢٧٧٠)، وهو عند أحمد (٧٦٨٧). (٣) برقم (٨٥٤). (٤) أخرجه أحمد (١٠٣٠٣)، وأبو داود (١٠٤٦) من حديث أبي هريرة ـُه . (٥) ١٥٠/٢، وهو عند الترمذي (٤٩٠)، وابن ماجه (١١٣٨) وقال الترمذي: حسن غريب. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٣/٢ . (٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٤/٢ . (٨) قوله: عند. ليس في (م).