Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ٨ ٨١ سُورَةُ المُتَحِنَّةِ عليه. وقال مرة(١) الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس. وعن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النساء والصبيان من الكفرة. وقال مجاهدٌ: في قومٍ بمكة آمنوا ولم يهاجروا، فكان المهاجرون والأنصار يتحرَّجون من بِرِّهم لتَرْكهم فَرْضَ الهجرة. وقيل: في مؤمنينَ من أهل مكة وغيرها، أقاموا بين الكَفَرة وتركوا الهجرة، أي: مع القدرة عليها. وقال النحاس والثعلبيُّ: نزلتْ في المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة(٢). والأكثرونَ على أنها في كَفَرَةٍ اتصفوا بما في حَيِّز الصِّلة. وعلى ذلك قال الكيا: فيها دليلٌ على جواز التصدُّق على أهل الذمة دون أهل الحرب، وعلى وجوب النفقة للأب الذِّمِّيِّ دون الحربي لوجوب قتله(٣). ويخطر لي أني رأيتُ في ((الفتاوى الحديثية)) لابن حجرٍ عليه الرحمة الاستدلالَ بها على جواز القيام لأهل الذمة؛ لأنه من البِرِّ والإحسان إليهم، ولم نُنْهَ عنه، لكن راجعتُ تلك ((الفتاوى)) عند كتابتي هذا البحثَ فلم أَظفرْ بذلك، ومع هذا وجدتُهُ نَقَلَ في آخر ((الفتاوى الكبرى)) في باب السِّيَر عن العزِّ بن عبد السلام أنه لا يفعلُ القيامُ لكافرٍ؛ لأنَّا مأمورونَ بإهانته وإظهار صَغاره، فإنْ خِيفَ من شَرِّه ضَرَرٌ عظيمٌ جاز؛ لأنَّ التلفُّظَ بكلمة الكفر جائزٌ للإكراه، فهذا أولى(٤). ولم يتعقَّبه بشيء، ثم إنَّ في كون القيام من البِرِّ مطلقاً تردُّداً، وتخصيصُ العِزِّ جوازَ القيام للكافر بما إذا خِيفَ ضررٌ عظيمٌ مخالفٌ لقول ابن وهبان من الحنفية: وللمَيل أو للمال يُخدَمُ كافرٌ وللمَيل للإسلام لو قام يغفر (١) في الأصل و(م): قرة. وكذا ورد في البحر المحيط ٨/ ٢٥٥ وعنه نقل المصنّف، والمثبت هو الصواب، وهو مرَّة بن شراحيل، من رجال التهذيب. (٢) البحر ٢٥٥/٨، والذي اختاره النحاس وحسَّنه في الناسخ والمنسوخ ٦٨/٣ أن الآية عامة. (٣) أحكام القرآن للكيا الهرَّاسي ٤٠٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإكليل ص٢٦٠. (٤) الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر ٢٤٧/٤، وينظر الفتاوى الحديثية له ص٢٨١. سُورَةُ المُتَخْنَةِ ٨٢ الآية : ٩ - ١٠ ومن الناس من يجعل كلَّ مصلحةٍ دينيةٍ كالميل للإسلام، لكن بشرط أن لا يقصدَ القائمُ تعظيماً، والله تعالى أعلم. ونقل الخفاجيُّ عن ((الدر المنثور)) أنَّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥](١). والاستدلالُ بها على ما سمعتَ بتقدير عدم النسخ إن تَمَّ، إنما يتمُّ على بعض الأقوال فيها . ﴿إِنَّا يَتَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوَكُمْ فِ الذِينِ وَأَخْرَجُرُكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْزَلِكُمْ﴾ كمشركي مكة، فإنَّ بعضَهم سعوا في إخراج المؤمنين، وبعضهم أعانوا المخرجين ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بدلٌ من الموصول بدل اشتمال أيضاً، أي: إنما ينهاكم سبحانه عن أن ﴾ لوضعهم الولاية موضعَ العداوة، أو: تتولّوهم ﴿وَمَنْ يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمْ الَّلِمُونَ هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب، وفي الحصر من المبالغة ما لا يخفى. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بيانٌ لحكم مَنْ يُظهر الإيمانَ بعد بيان حُكم فريقي الكافرين ﴿إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ﴾ أي: بحسب الظاهر ﴿مُهَجِرَتٍ﴾ من بين الكفار، وقرئ: (( مها جراتٌ))(٢) بالرفع على البدل من ((المؤمنات)) فكأنه قيل: إذا جاءكم مهاجراتٌ ﴿فَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاختبروهن بما يغلبُ على ظنكم موافقة قلوبهنَّ لألسنتهنَّ في الإيمان. أخرج ابن المنذر والطبرانيُّ في ((الكبير)) وابن مردويه بسندٍ حَسَنٍ، وجماعة عن ابن عباس أنه قال في كيفية امتحانهنَّ: كانت المرأةُ إذا جاءت النبيَّ وَّ حلَّفها عمرُ رڅه بالله ما خرجتْ رغبةً بأرضٍ عن أرض، وبالله ما خرجت من بُغْضٍ زوج، وبالله ما خرجتِ التماس دنيا، وبالله ما خرجتْ إلا حُبًّا لله ورسوله(٣). وفي رواية (١) حاشية الشهاب ١٨٨/٨، وجاء في هامش الأصل: لعله غير ما للسيوطي من التفسير، فإني راجعته في هذه الآية فلم أجد ما ذكر. اهـ قلنا: بل هو فيه ٢٠٥/٦ عند تفسير هذه الآية منسوباً لقتادة، وقد أخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٢٨٧/٢، والطبري ٥٧٣/٢٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٦٧/٣، وردّه الطبري والنحاس. (٢) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والبحر ٢٥٦/٨. (٣) لم نقف عليه عند الطبراني، وأخرجه الطبري في التفسير ٥٧٥/٢٢، وابن أبي حاتم ٣٣٥٠/١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٠٨/٦ لابن أبي أسامة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. الآية : ١٠ ٨٣ سُورَةُ المُتَحِنَّةِ عنه أيضاً: كانت محنةُ النساء أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ أَمَرَ عمرَ بنَ الخطاب فقال: قل لهنَّ: إنَّ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام بايعكنَّ على أن لا تشركنَ بالله شيئاً .. إلخ(١). ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ﴾ من كلِّ أحدٍ أو منكم ﴿بِإِيَِنٌّ﴾ فإنه سبحانه هو المطّلعُ على ما في قلوبهنَّ، والجملةُ اعتراضٌ. ﴿فَإِنَّ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ أي: ظننتموهنَّ ظَنَّا قويًّا يشبه العلمَ بعد الامتحان ﴿مُؤْمِنَتِ﴾ في نفس الأمر ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: إلى أزواجهنَّ الكَفَرة لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ ◌ِّ لَّمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَّ﴾ فإنه تعليلٌ للنهي عن رجعهنَّ إليهم، والجملةُ الأُولى لبيان الفُرْقة الثابتة، وتحقُّقِ زوال النكاح الأول. والثانية لبيان امتناع ما يُستأنفُ ويُستقبلُ من النكاح، ويُشعر بذلك التعبيرُ بالاسم في الأُولى والفعل في الثانية. وقال الطيبيُّ في وجه اختلاف التعبيرين: إنه أُسندتِ الصفةُ المشبَّهةُ إلى ضمير المؤمنات في الجملة الأولى إعلاماً بأنَّ هذا الحكمَ - يعني نفيَ الحِلِّ - ثابتٌ فيهنَّ، لا يجوز فيه الإخلالُ والتغييرُ من جانبهنَّ، وأُسند الفعل إلى ضمير الكفار إيذاناً بأنَّ ذلك الحكمَ مستمرُّ الامتناع في الأزمنة المستقبلة، لكنه قابلٌ للتغيير باستبدال الهدى بالضلال، وجُوّزَ أن يكون ذلك تكريراً للتأكيد والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة، وفيه من أنواع البديع ما سمّاه بعضُهم بالعكس والتبديل كالذي في قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولعلَّ الأَول أَولى. واستدلَّ بالآية على أنَّ الكفارَ مخاطبون بالفروع كما في ((الانتصاف))(٢)، والقولُ بأنَّ المخاطَبَ في حقِّ المؤمنة هي، وفي حقِّ الكافر الأئمة، بمعنى أنهم مخاطبونَ بأنْ يمنعوا ذلك الفعلَ من الوقوع = لا يخفى حاله. وقرأ طلحة: ((لا هنَّ يَحْلُلْنَ لهم))(٣). (١) الدر المنثور ٦/ ٢١٠، وعزاه لابن جرير وابن مردويه. (٢) ٤ / ٩٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٧/٥، والبحر المحيط ٢٥٦/٨. سُوَةُ المُتَحْنَّةِ ٨٤ الآية : ١٠ ﴿وَءَاتُهُم ◌َّ أَنْفَقُواْ﴾ أي: وأعطوا أزواجهنَّ مثلَ ما دفعوا إليهنَّ من المهور. قيل: وجوباً، وقيل: ندباً، روي أنه وَّرِ عامَ الحديبية أمرَ عليًّا كرمَ الله تعالى وجهه. أن يكتبَ بالصُّلح، فكتب: باسمك اللَّهمَّ، هذا ما صالحَ عليه محمدُ بن عبد الله سهيلَ بنَ عمرو، اصطلحا على وَضْعِ الحرب عن الناس عَشْرَ سنين، تأمَنُ فيه الناس، ويَكفُّ بعضُهم عن بعض، على أنَّ مَنْ أتى محمداً من قريشٍ بغير إذن وليِّهِ، رَدَّهُ عليه، ومن جاء قريشاً من محمدٍ لم يردُّوه عليه، وأنَّ بيننا عَيبةً مكفوفة، وأن لا إسلالَ ولا إغلال، وأنه مَنْ أحبَّ أن يدخلَ في عَقْدِ محمدٍ وعهده دخل فيه، ومن أَحبَّ أن يدخلَ في عَقْدٍ قريشٍ وعهدهم دخلَ فيه، فردّ رسولُ اللهِ وَله أبا جندل بنَ سهيل، ولم يأتِ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام أحدٌ من الرجال إلا رَدَّهُ في مُدَّة العهد وإن كان مسلماً، ثم جاء المؤمناتُ مهاجراتٍ، وكانت أمّ كلثوم بنتُ عقبة بن أبي معيط ممن خرجَ إلى رسول الله وَّهِ، وكانت أوَّلَ المهاجرات، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قَدِما على رسول اللهِوَّةِ، فكلَّماه في أمرها ليردَّها عليه الصلاة والسلام إلى قريشٍ، فنزلت الآية، فلم يردّها عليه الصلاة والسلام، ثم أَنكحها وَل زيد بن حارثة ◌َ ﴾(١). وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه جاءت امرأةٌ تُسمَّى سبيعة بنت الحارث الأسلمية مؤمنة، وكانت تحت صَيفيٍّ بن الراهب، وهو مشرٌ من أهل مكة، فطلبوا رَدَّها، فأنزل الله تعالى الآية (٢). وروي أنها كانت تحت مسافر المخزومي، وأنه أُعطي ما أنفق، وتزوَّجها عمرُ ظُبه(٣). وفي رواية أنها نزلتْ في أميمةً بنت بشر امرأة من بني عمرو بن عون، كانت تحت أبي حسان بن الدحداحة، هاجرت مؤمنةً إلى رسول الله وَّهِ، وطلبوا رَدَّها، (١) أخرجه بنحوه البخاري (٢٧١١) و(٢٧١٢) و(٤١٨٠) و(٤١٨١) من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة. وجاء في الأصل و(م): عمار. بدل: عمارة. ينظر تفسير القرطبي ٤١٠/٢٠، والدر المنثور ٢٠٦/٦. (٢) الدر المنثور ٢٠٨/٦. وفيه أن اسمها: سعيدة. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٥١ . الآية : ١٠ ٨٥ سُؤَةُ المُتَحْنَّةِ فنزلت الآية، فلم يَرُدَّها عليه الصلاة والسلام، وتزوَّجها سهيلُ بن صيف فولدت له عبد الله بن سهيل(١) . ولعلَّ سببَ النزول متعدِّدٌ، وأيًّا ما كان فالآيةُ ـ على ما قيل - نزلت بياناً؛ لأنَّ الشرط في كتاب المصالحة إنما كان في الرجال دون النساء، وتراخي المخصِّصٍ عن العامٌّ جائزٌ عند الجبّائِيِّ ومَنْ وافقه، ونُسب للزمخشريِّ أنَّ ذلك من تأخير بيان المجمَلِ؛ لأنه لا يقول بعموم تلك الألفاظ، بل يجعلها مطلقات، والحملُ على العموم والخصوص بحَسَبِ المقام، والحنفيةُ يُجوِّزونه، لا يقال: إنه شبهُ التأخير عن وقت الحاجة، وهو غيرُ جائزٍ عند الجميع؛ لأنَّ وقتَ الحاجة - أي: العمل بالخطاب - كان بعد مجيء المهاجرات وطَلَبٍ رَدِّهنَّ، لا حينَ جرتِ المهادنةُ مع قريش، وهذا ذهب إليه بعض الشافعية أيضاً، ومنهم من زَعَمَ أنَّ التعميمَ كان منه وَله عن اجتهادٍ أُثيب عليه بأجرٍ واحدٍ ولم يُقَرَّ عليه، ومنهم من وافقَ جمهور الحنفية على النسخ لا التخصيص، فَمَنْ جَوَّزَ منهم نَسْخَ السُّنَّة بالكتاب قال: نُسِخَ بالآية، ومَنْ لم يُجوِّزْ قال: بالسُّنَّة، أي: امتناعه وَّه من الرَّدِّ، ووردتِ الآيةُ مقرِّرةً لفعله عليه الصلاة والسلام. وعن الضحاك: كان بين رسول الله وَ﴿ وبين المشركين عهدٌ أن لا تأتيكَ منَّا امرأةٌ ليست على دينك إلا رَدَدتها إلينا، فإن دخلتْ في دينك ولها زوجٌ أن تُرَدَّ على زوجها الذي أنفقَ عليها، وللنبيِّنَّهَ من الشرط مثلُ ذلك(٢). وعليه فالآيةُ موافقةٌ لما وقع عليه العهدُ، لكن أخرجَ أبو داود في («ناسخه)) وابن جرير، وغيرهما عن قتادة أنه نُسِخَ هذا العهدُ وهذا الحكم - يعني: إيتاء الأزواج ما أنفقوا - [في] (براءة))(٣)، أما نَسْخُ العهد فلِما أُمر فيها من النَّبذ، وأما نَسْخُ الحكم، فلأنَّ الحكم فَرْعُ العهد، فإذا نُسِخَ نُسِخَ، والذي عليه معظم الشافعية أنَّ الغرامةَ لأزواجهنَّ غيرُ ثابتة، وبيَّن ذلك في ((الكشف)) على القول بنَسْخِ رَدِّ المرأة، والقول بالتخصيص، (١) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٥٠/١٠. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٨١/٢٢ . (٣) الدر المنثور ٢٠٦/٦-٢٠٧، وما بين حاصرتين منه. سُورَةُ المُتَحِنَّةِ ٨٦ الآية : ١٠ والقول بأنَّ التعميمَ كان عن اجتهادٍ لم يُقَرَّ عليه وَّر، ثم قال: وأما على قول الضحاك ـ أي: السابق - فهو مشكلٌ، ووجههُ أنه حُكْمٌ في مخصوصین، فلا يَعُمُّ غيرَ تلك الوقعة، على أنه عزَّ وجلَّ خَصَّ الحكم بالمهاجرين، ولم يبقَ بعد الفتح هجرةٌ كما ثبت في الصحيح(١)، فلا يبقى الحكم. ﴿وَلَا جُنَحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي: في نكاحهنَّ حيثُ حالَ إسلامهنَّ بينهنَّ وبين أزواجهنَّ الكفار ﴿إِذَآ ءَانْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: وقت إيتائكم إياهنَّ مهورهنَّ، فـ ((إذا)) لمجرَّد الظرفية، ويجوزُ كونُها شرطيةً وجوابها مقدَّرٌ بدليل ما قبل، وعلى التقديرين يُفْهَمُ اشتراطُ إيتاء المهور في نفي الجناح في نكاحهنَّ، وليس المرادُ بإيتاء الأجور إعطاءَها بالفعل، بل التزامها والتعهُّد بها، وظاهرُ هذا مع ما تقدم من قوله تعالى: (وآتوهم ما أنفقوا)) أنَّ هناك إيتاءٌ إلى الأزواج وإيتاءٌ إليهنَّ، فلا يقوم ما أُوتي إلى الأزواج مقامَ مهورهنَّ، بل لا بدَّ مع ذلك من إصداقهنَّ، وقيل: لا يخلو إما أن يُرادَ بالأجور ما كان يُدفعُ إليهنّ ليَدْفَعنَهَ إلى أزواجهنَّ، فيُشترط في إباحة تزويجهنَّ تقديمُ أدائه، وإما أن يُرادَ أنَّ ذلك إذا دُفع إليهنَّ على سبيل القرض، ثم تزوَّجْنَ على ذلك لم يكنْ به بأسٌ، وإما أنْ يُبَيَّنَ إليهم أنَّ ما أُعطي لأزواجهنَّ لا يقوم مقام المهر، وهذا ما ذكرناه أولاً من الظاهر، وهو الأصحُّ في الحكم، والوجهان الآخران ضعيفان فقهاً ولفظاً . واحتجَّ أبو حنيفةَ نَظُه بالآية على أنَّ أحدَ الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة، وبقي الآخرُ حربيًّا، وقعت الفُرْقة. ولا يرى العِدَّةَ على المهاجرة، ويُبيحُ نكاحَها من غير ◌ِدَّة، إلا أن تكون حاملاً، وهذا للحديث المشهور الذي تجوز بمثله الزيادة على النص: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسقِينَ ماءَهُ زَرْعَ غيره)»(٢). ومذهب الشافعيِّ - على ما قيل - أنه لا تقع الفرقة إلا بإسلامها، وأما بمجرد الخروج فلا، فإن أسلمتْ قبل الدخول تنجَّزتِ الفرقة، وبعد الدخول توقَّفتْ إلى (١) أخرجه أحمد (١٩٩١)، والبخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه ابن حبان (٤٨٥٠)، والبيهقي ٩/ ٦٢ . الآية : ١٠ ٨٧ سُوَّةُ المُسْتَحْنَّةِ انقضاء العِدَّة، وتُعقِّبَ الاحتجاجُ بأنَّ الآيةَ لا تدلُّ على مجموع ما ذكر، نعم قد احتُجَّ بها على عدم العِدَّةِ في الفرقة بخروج المرأة إلينا من دار الحرب مسلمةً، وَوُجِّه بأنه سبحانه نفى الجُناحَ من كلِّ وجهٍ في نكاح المهاجرات بعد إيتاء المهر، ولم يُقَيِّدْ جلَّ شأنه بمُضِيِّ العِدَّة، فلولا أنَّ الفرقةَ بمجرد الوصول إلى دار الإسلام لكان الجُناحُ ثابتاً، ومع هذا فقد قيل: الجوابُ على أصل الشافعية أنَّ رَفْعَ الإطلاق ليس بنَسْخِ ظاهرٌ؛ لأنَّ عدمَ التعرُّضِ ليس تعرُّضاً للعدم، وأما على أصل الحنفية فكسائر الموانع، وكونها حاملاً بالاتفاق، فتأمل. ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ جَمْعُ: كافرة، وجَمْعُ فاعلةٍ على فواعل مُطَّردٌ، وهو وَصْفُ جماعة الإناث، وقال الكرخيُّ: ((الكوافر» يشملُ الإناثَ والذكور، فقال له الفارسيُّ: النحويُّونَ لا يَرَوْنَ هذا إلا في الإناث جمعَ ((كافرة)»، فقال: أليس يقال: طائفةٌ كافرةٌ وفِرْقَةٌ كافرةٌ، قال الفارسيُّ: فَبُهِتُّ(١). وفيه أنه لا يقال: كافرةٌ، في وَصْفِ الذكور إلا تابعاً للموصوف، أو يكون محذوفاً مراداً، أما بغير ذلك فلا تُجمَعُ فاعلٌ على فواعل إلا ويكون للمؤنَّث. قاله أبو حيان(٢). و((عِصَم)) جمعُ: عِصْمة، وهي ما يُعتَصَمُ به من عَقْدٍ وسبب، والمراد نهيُّ المؤمنين عن أن يكونَ بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في دار الحرب معلقةٌ من عُلَقِ الزوجيَّة أصلاً، حتى لا يمنع إحداهنَّ نكاح خامسة، أو نكاح أختها في العِدَّة بناءً على أنه لا عِدَّةَ لهنَّ. قال ابن عباس: من كانت له امرأةٌ كافرةٌ بمكة، فلا يعتدَّنَّ بها من نسائه؛ لأنَّ اختلافَ الدارين قَطَعَ عِصْمَتَها منه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي(٣) أنه قال: نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنِكُوا﴾ إلخ، في المرأة من المسلمين تلحقُ بالمشركين، فلا يُمسك زوجُها بعِصْمتها، قد بَرِئَ منها . (١) البحر المحيط ٨/ ٢٥٧. (٢) المصدر السابق. (٣) كما في الدر المنثور ٢٠٨/٦. تَخْنَةِ سُؤَالـ ٨٨ الآية : ١٠ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وسعيد بن جبير نحوَه(١)، وفي روايةٍ أخرى عن مجاهدٍ أنه قال: أمرهم سبحانه بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهنَّ(٢). ويُروى أنَّ عمر ◌َه طلَّق لذلك امرأته فاطمةَ أخت أمِّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فتزوَّجها معاويةٌ بن أبي سفيان، وامرأته كلثوم بنت جَرْوَل الخزاعي، فتزوَّجها أبو جهم بن حذيفة العدوي(٣). وكذا طلَّق طلحةُ زوجته أروى بنت ربيعة. وتعقب ذلك بأنه بظاهره مخالفٌ لمذهب الحنفية والشافعية، أما عند الحنفية، فلأنَّ الفُرْقة بنفس الوصول إلى دار الإسلام، وأما عند الشافعية، فلأنَّ الطلاقَ موقوفٌ، إن جمعتهما العِدَّةُ تبيَّنَ وقوعه من حين اللفظ، وإلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة في الكفر، فظاهر الآية لا يدلُّ على ما في هذه الرواية. وقرأ أبو عمرٍو، ومجاهد بخلافٍ عنه، وابن جبير والحسن والأعرج: (تُمَسِّكوا)) مضارع مَسَّكَ مشدّداً(٤)، والحسن أيضاً، وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد، وأبو عمرو في رواية معاذ: ((تَمسَّكوا))(٥) مضارع تمسَّكَ محذوف إحدى التاءين، والأصل تتمسَّكوا. وقرأ الحسن أيضاً: ((تَمْسِكُوا)) (٦) بكسر السين مضارع مَسَكَ ثلاثيًّا . ﴿وَسَلُواْ مَآ أَنَفَقْتُمْ﴾ أي: واسألوا الكفار مهورَ نسائكم اللاحقات بهم ﴿وَلْيَسْتَلُواْ مَّ أَقُواْ﴾ أي: وليسألكم الكفار مهورَ نسائهم المهاجرات إليكم، وظاهره أمر الكفار؛ وهو من باب: ﴿وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣] فهو أمرٌ للمؤمنين بالأداء مجازاً، وقيل: المراد التسوية. (١) الدر المنثور ٢٠٧/٦. (٢) أخرجه الطبري في التفسير ٥٨٥/٢٢. (٣) أخرجه البخاري (٢٧٣١) و(٢٧٣٢) بدون ذكر اسم الزوجتين. وينظر سيرة ابن هشام ٣٢٧/٢، وتفسير الطبري ٥٨٤/٢٢. (٤) التيسير ص ٢١٠، والنشر ٣٨٧/٢، والبحر المحيط ٢٥٧/٨. (٥) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والكشاف ٩٤/٤، والبحر المحيط ٢٥٧/٨. (٦) المحرر الوجيز ٢٩٨/٥، والبحر المحيط ٢٥٧/٨. الآية : ١١ ٨٩ سُورَةُ المُتَحِنَّةِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكر ﴿حُكْمُ اللهِ﴾ أي: فاتبعوه، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَحْكُمُ بَّنَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ، أو حالٌ من ((حكم)) بحذف الضمير العائد إليه، وهو مفعولٌ مطلقٌ، أي: يحكمه الله تعالى بينكم، أو العائد إليه الضمير المستتر في ((يحكم)) بجَعْلٍ الحكم حاكماً مبالغة، كأنَّ الحكمَ لقوَّته وظهوره غير محتاجٍ لحاكم آخر. ﴿وَلَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ يشرعُ ما تقتضيه الحكمَةُ البالغةُ. روي أنه لما تقرَّرَ هذا الحكم، أدَّى المؤمنون ما (١) أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهنَّ، وأبى المشركون أن يؤدُّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهنَّ المؤمنين، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِن ذَاتَكُ﴾ أي: سبقكم وانفلتَ منكم ﴿شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: أحدٌ من أزواجكم، وقرئ كذلك(٢)، وإيقاعُ (شيءٍ)) موقعه لزيادة التعميم وشمول مُحَقَّرِ الجنس نصًّا، وفي ((الكشف)»: لك أن تقول: أُريد التحقير والتهوين على المسلمين؛ لأنَّ مَنْ فات من أزواجهم إلى الكفار يستحقُّ الهون والهوان، وكانت الفائتات ستًّا على ما نقله في ((الكشاف))(٣) وفصّله، أو: إن فاتكم شيءٌ من مهور أزواجكم، على أنَّ ((شيء» مستعملٌ في غير العقلاء حقيقة، و((من)) ابتدائيةٌ لا بيانيةٌ كما في الوجه الأول. ﴿فَاقُّمْ﴾ من العُقْبة، لا من العقاب، وهي في الأصل النَّوبةُ في ركوب أحد الرفيقين على دابةٍ لهما والآخَرُ بعده، أي: فجاءت عُقْبتكم، أي: نوبتكم من أداء المهر، شَبَّه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهورَ نساء أولئك تارةً، وأداء أولئك مهورَ نساء هؤلاء أخرى، أو شَبَّهَ الحكمَ بالأداء المذكور بأمرٍ يتعاقبون فيه كما يُتعاقبُ في الركوب، وحاصل المعنى: إنْ لَحِقَ أحدٌ من أزواجكم بالكفار، أو فاتكم شيءٌ من مهورهنَّ ولزمكم أداء المهر كما لزم الكفار ﴿فَاتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَآ أَنفَقُواْ﴾ من مهر المهاجرة التي تزوَّجتموها، ولا تؤتوه زوجها الكافر ليكونَ قصاصاً، ويُعلم مما ذكرنا أنَّ ((عاقب)) لا يقتضي المشاركة، (١) في (م): مما، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٤٠/٨، والكلام منه. (٢) نسبها الزمخشري في الكشاف ٤/ ٩٤ لابن مسعود (٣) ٤ / ٩٤. سُورَةُ المُتَحْنَةِ ٩٠ الآية : ١١ وهذا كما تقول: إبلٌ معاقبةٌ تَرْعَى الحَمْضَ (١) تارةً وغيره أخرى، ولا تريد أنها تُعاقِبُ غيرَها من الإبل في ذلك، وحَمْلُ الآية على هذا المعنى يوافقُ ما روي عن الزهريِّ أنه قال: يُعطى مَنْ لحقتْ زوجته بالكفار من صَداقٍ مَنْ لَحِقَ بالمسلمين من زوجاتهم. وعن الزجاج: أنَّ معنى ((فعاقبتم)): فغنمتم، وحقيقته: فأصبتم في القتال بعقوبةٍ حتى غنمتم(٢). فكأنه قيل: وإن فاتكم شيءٌ من أزواجكم إلى الكفار، ولم يُؤدُّوا إليكم مهورهنَّ، فغنمتم منهم، فآتوا الذين ذهبتْ أزواجهم مثل ما أنفقوا من الغنيمة. وهذا هو الوجه دون ما سبق، وقد كان ◌َ﴿ ـ كما روي عن ابن عباس - يُعطي الذي ذهبتْ زوجته من الغنيمة قبل أن تُخَمَّسْ المهرَ، ولا ينقص من حَقِّه شيئاً(٣). وقال ابن جني: روينا عن قطرب أنه قال: ((فعاقبتم)): فأصبتم عُقْباً منهم؛ يقال: عاقبَ الرجلُ شيئاً: إذا أخذ شيئاً (٤)، وهو في المعنى كالوجه قبله. وقرأ مجاهدٌ والزهريُّ والأعرجُ وعكرمةُ وحُميد وأبو حيوة والزعفرانيُّ : ((فعقَّبتم)) بتشديد القاف مِن عَقَّبه: إذا قَفَاه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقِبَين يقفي صاحبه. والزهريُّ والأعرج وأبو حيوة أيضاً، والنخعيُّ وابن وثاب بخلاف عنه: ((فَعَقَبْتُم)) بفتح القاف وتخفيفها. والزهريُّ والنخعيُّ أيضاً بالكسر والتخفيف. ومجاهدٌ أيضاً: ((فأعقبتم))(٥) أي: دخلتم في العُقْبة؛ وفسَّرَ الزجاجُ(٦) هذه القراءات الأربعة بأنَّ المعنى: فكانت العُقبى لكم، أي: الغلبة والنصر حتى غنمتم؛ لأنها العاقبة التي تستحقُّ أن تُسمَّى عاقبة. (١) الحَمْض من النبت: ما كان فيه ملوحة، والخُلَّة ما سوى ذلك، وتقول العرب: الخُلَّة خبزُ الإبل، والحمض فاكهتها. المصباح (حمض). (٢) معاني القرآن ١٦٠/٥. (٣) ينظر تفسير الطبري ٢٢/ ٥٩١. (٤) ينظر المحتسب ٣٢٠/٢. (٥) ينظر مجموع هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٥٥، والمحتسب ٣١٩/٢-٣٢٠، والكشاف ٤/ ٩٤، والبحر المحيط ٢٥٧/٨. (٦) في معاني القرآن ٥/ ١٦٠. الآية : ١٢ ٩١ سُورَةُ المُتَحِنَّةِ فإنَّ الإيمانَ به عزَّ وجلَّ يقتضي التقوى منه. ﴿وَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ سبحانه وتعالى. ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾ أي: مبايعات لك، أي: قاصدات للمبايعة ﴿عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِّكْنَ بِلَِّ شَيًا﴾ أي: شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من الإشراك. ﴿وَلَا يَتَرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ أُريد به على ما قال غير واحد: وَأُدُ البنات بالقرينة الخارجية، وإن كان الأولادُ أعمّ منهنَّ، وجُوِّزَ إبقاؤه على ظاهره، فإنَّ العربَ كانت تفعلُ ذلك من أجل الفقر والفاقة، وانظر هل يجوز حملُ هذا النهي على ما يعمُّ ذلك وإسقاط الحمل بعد أن ينفخ فيه الروح. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، والحسن والسُّلَميُّ: ((ولا يُقْتِّلْنَ)) بالتشديد(١). ﴿وَلَا يَأْتِيَنَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال الفراء(٢): كانت المرأة في الجاهلية تلتقطُ المولودَ فتقول: هذا ولدي منك، فذلك البهتانُ المفترَى بين أيديهنَّ وأرجلهنَّ. وذلك أنَّ الولد إذا وضعته الأمُّ سَقَطَ بين يديها ورجليها . وفي ((الكشاف)) كنَّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تُلصقه بزوجها كَذِباً؛ لأنَّ بطنَها الذي تحملهُ فيه بين اليدين، وفَرْجَها الذي تلدهُ به بین الرجلين(٣). وقيل: كتَّى بذلك عن الولد الدَّعِيّ؛ لأنَّ اللواتي كُنَّ يُظهِرنَ البطونَ لأزواجهن في بدء الحال، إنما فعلنَ ذلك امتناناً عليهم، وكُنَّ يُبدينَ في ثاني الحال عند الطَّلْق حين يَضَعْنَ الحملَ بين أرجلهنَّ أنهنَّ وَلَدْنَ لهم، فنُهينَ عن ذلك الذي هو من شعار الجاهلية المنافي لشعار المسلمات؛ تصويراً لِتَيْنك الحالتين، وتهجيناً لما كُنَّ يفعلنه. وأيَّاما كان، فَحَمْلُ الآية على ما ذُكِرَ هو الذي ذهب إليه الأكثرون، وروي ذلك عن ابن عباس (١) القراءات الشاذة ص ١٥٥، ومعاني القرآن للفراء ١٥٢/٣، والبحر ٢٥٨/٨. (٢) في معاني القرآن له ١٥٢/٣. (٣) الكشاف ٤/ ٩٤-٩٥ . سُورَةُ المُتَحِنَّةِ ٩٢ الآية : ١٢ وقال بعضُ الأَجلَّة: معناه: لا يأتينَ ببهتانٍ من قِبَلِ أنفسهنَّ، واليدُ والرجلُ كنايةٌ عن الذات؛ لأن معظمَ الأفعال بهما، ولذا قيل للمعاقَبِ بجنايةٍ قوليةٍ: هذا ما كسبتْ يداك، أو معناه: لا يأتِيْنَ ببهتانٍ يُنْشِئْتَهُ في ضمائرهنَّ وقلوبهنَّ، والقلبُ مقرُّهُ بين الأيدي والأرجل، والكلامُ على الأول كنايةٌ عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهنَّ، وعلى الثاني كنايةٌ عن كون البهتان من دخيلة قلوبهنَّ المبنية على الخُبْثِ الباطني. وقال الخطابيُّ: معناه: لا يَبْهَتْنَ الناسَ كفاحاً ومواجهةً، كما يقال للأمر بحضرتك: إنه بين يديك. وَرُدَّ بأنهم وإن كنوا عن الحاضر بما ذُكِرَ، لكن لا يقال فيه: وهو بين رجليك، وهو واردٌ لو ذُكرتِ الأرجلُ وحدها، أما إذا ذُكرت مع الأيدي تبعاً فلا. والكلام قيل: كنايةٌ عن خَرْق جلباب الحياء، والمراد النهيُ عن القذف، ويدخلُ فيه الكذبُ والغيبة. وروي عن الضحاك حَمْلُ ذلك على القذف. وقيل: بين أيديهنَّ: قُبلةٌ أو جَسَّةٌ، وأرجلهنَّ: الجماع. وقيل: بين أيديهنَّ: ألسنتهنَّ بالنميمة، وأرجلهنَّ: فروجھنَّ بالجماع. وهو ۔ و کذا ما قبله - كما ترى. وقيل: البهتان: السحر، وللنساء مَيلٌ إليه جدًّا، فنُهِينَ عنه. وليس بشيءٍ. ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ أي: فيما تأمرهنَّ به من معروفٍ، وتنهاهنَّ عنه من منكر، والتقييدُ بالمعروف مع أنَّ الرسولَ وَلَوَ لا يأمر إلا به، للتنبيه على أنه لا يجوز طاعةُ مخلوقٍ في معصية الخالق، ويُرَدُّ به على من زَعَمَ من الجهلة أنَّ طاعةً أولي الأمر لازمةٌ مطلقاً، وخصَّ بعضُهم هذا المعروفَ بتَرْك النياحة؛ لما أخرج الإمامُ أحمد والترمذيُّ وحَسَّنه، وابن ماجه (١) وغيرهم عن أمُّ سلمةَ الأنصارية: قالت امرأةٌ من هذه النسوة: ما هذا المعروفُ الذي لا ينبغي لنا أن نعصيكَ فيه؟ فقال ◌َلّ: (لا تَنُحْنَ)) الحديث، ونحوه من الأخبار الظاهرة في تخصيصه بما ذكر كثير، والحقُّ العموم، وما ذكر في الأخبار من باب الاقتصار على بعض أفراد العام لنكتة، (١) أحمد (٢٦٧٢٠)، والترمذي (٣٣٠٧)، وابن ماجه (١٥٧٩). الآية : ١٢ ٩٣ سُورَةُ المُنتِنَةِ ويشهد للعموم قول ابن عباس وأنس وزيد بن أسلم: هو النَّوح، وشَقُّ الجيوب، وَوَشْمُ الوجوه، وَوَصْلُ الشعر، وغير ذلك من أوامر الشريعة، فَرْضِها ونَدْبِها. وتخصيصُ الأمور المعدودة بالذكر في حَقِّهنَّ لكثرةِ وقوعها فيما بينهنَّ، مع اختصاص بعضها بهنَّ على ما سمعت أولاً . ﴿فَايِعْهُنَّ﴾ بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء، وتقييدُ مبايعتهنَّ بما ذكر من مجيئهنَّ؛ لِحَثِّهِنَّ على المسارعة إليها، مع كمال الرغبة فيها من غير دعوةٍ لهنَّ إليها ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَمُنَّ اللَّهَ﴾ زيادةٌ على ما في ضِمْنِ المبايعة من ضمان الثواب ﴿إِنَّ أي: مبالغٌ جلَّ شأنه في المغفرة والرحمة، فيغفرُ عزَّ وجلَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لهنَّ، ويرحمهنَّ إذا وقَّيْنَ بما بایعنَ علیه. وهذه الآيةُ نزلتْ ـ على ما أخرج ابن أبي حاتم(١) عن مقاتل - يوم الفتح، فبايع(٢) رسولُ اللهِ وَّر الرجالَ على الصفا، وعمر ظُهُ يُبايع النساءَ تحتها عن رسول الله وَل ـ وجاء أنه عليه الصلاة والسلام بايعَ النساءَ أيضاً بنفسه الكريمة، أخرج الإمام أحمد والنسائيُّ وابن ماجه والترمذيُّ وصححه(٣)، وغيرهم عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة قالت: أتيتُ النبيَّ وَه لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً، حتى بلغ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ فقال: ((فيما استطعنَ وأَطَفْنَ)) قلنا: الله ورسوله أرحمُ بنا من أنفسنا يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: ((إني لا أُصافح النساء، إنما قولي لمئةٍ امرأةٍ كقولي لا مرأةٍ واحدة». وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد عن الشعبيِّ قال: كان رسول الله وَلّ إذا بايعَ النساءَ وَضَعَ على يده ثوباً (٤). وفي بعض الروايات أنه وَّهِ يبايعهنَّ وبين يديه (١) كما في الدر المنثور ٢٠٩/٦. (٢) جاء في هامش الأصل: كانت المبايعة في اليوم الثاني على ما في البحر. (٣) أحمد (٢٧٠٠٦) و(٢٧٠٠٧) و(٢٧٠٠٨) و(٢٧٠٠٩) و(٢٧٠١٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٥٢، وفي الكبرى (٧٧٥٦)، وابن ماجه (٢٨٧٤)، والترمذي (١٥٩٧). (٤) الدر المنثور ٢٠٩/٦، وطبقات ابن سعد ٥/٨. سُورَةُ المُتِنَّةِ ٩٤ الآية : ١٢ وأيديهنَّ ثوبٌ قِطْرِي(١). ومَنْ يُثبتُ ذلك يقول بالمصافحة وقتَ المبايعة، والأشهر المعوَّل عليه أن لا مصافحة، وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا بايع النساءَ دعا بقدحٍ من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمسنَ أيديهنَّ فيه(٢). وكأنَّ هذا بدل المصافحة، والله تعالى أعلم بصحته. والمبايعةُ وقعتْ غيرَ مرَّةٍ، ووقعتْ في مكةً بعد الفتح، وفي المدينة؛ وممن بايعنه عليه الصلاة والسلام في مكةَ هندُ بنتُ عتبةَ زوج أبي سفيان، ففي حَديث أسماء بنت يزيد بن السَّكّن(٣): كنتُ في النسوة المبايعات، وكانت هند بنت عتبة في النساء، فقرأ ◌َِّ عليهنَّ الآية، فلما قال: ﴿عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ قالت هند: وكيف نطمعُ أن يقبل منَّا ما لم يقبله من الرجال؟ تعني أنَّ هذا بيِّنٌ لزومه، فلما قال: ((ولا يَسْرقنَ)) قالت: والله إني لأُصيب الهَنَّةَ من مال أبي سفيان لا يدري، أيحلُّ لي ذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبتِ من شيءٍ فيما مضى وفيما غَبَر فهو لك حلال. فضحك رسول الله ر8َّ﴿ وعرفها، فقال لها: ((وإنك لهند بنت عتبة؟)) قالت: نعم، فاعفُ عمَّا سلف يا نبيَّ الله، عفا الله عنك، فقال: ((ولا يَزْنينَ))، فقالت: أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟ - تريد أنَّ الزنى في الإماء بناءً على ما كان في الجاهلية من أنَّ الحُرَّة لا تزني غالباً، وإنما يزني في الغالب الإماء، وإنما قُيِّدَ بالغالب لما قيل: إنَّ ذوات الرايات كُنَّ حرائر - فقال: ((ولا يقتلن أولادهنَّ)) فقالت: ربّيناهم صغاراً، وقتلتهم كباراً - تعني ما كان من أمر ابنها حنظلة بن أبي سفيان، فإنه قتل يوم بدر - فضحك (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/٨، وأبو داود في المراسيل (٣٧٣) من حديث الشعبي. وجاء في الأصل و(م): قطوي. وجاء في هامش الأصل: بالواو، ضربٌ من البرود فيه حمرة وله أعلام وفيه بعض الخشونة اهـ، وذكر في عمدة القاري ٤/ ١٠٠ شرح القطري بنحو هذا . (٢) الدر المنثور ٢١١/٦، وطبقات ابن سعد ١١/٨ من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف. وأخرجه - أيضاً - الطبراني في الكبير ١٤٩/١٧ (٣٧٦) عن عروة بن مسعود الثقفي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٦: وفيه: عبد الله بن حكيم، أبو بكر الداهري، وهو ضعيف. (٣) البحر المحيط ٢٥٨/٨، وأخرجه الطبري ٥٩٦/٢٢ عن ابن عباس الآية : ١٣ ٩٥ سُورَةُ المُتَحَنَّةِ عمر حتى استلقى، وتبسَّمَ رسولُ اللهِ وَّه - وفي رواية: أنها قالت: قتلتَ الآباء وتُوصِينا بالأولاد؟! فضحك وَ له- فقال: (ولا يأتينَ ببهتان)) فقالت: والله إنَّ البهتانَ لأمرٌ قبيح، ولا يأمرُ الله تعالى إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ((ولا يعصينكَ في معروف)) فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصِيَكَ في شيءٍ. وكأنَّ هذا منها دون غيرها من النساء لمكان أمِّ حبيبة ◌َّا من رسول الله وَّر، مع أنها حديثةُ عهد بجاهلية. ويُروى أنَّ أولَ من بايع النبيَّ وَّهِ من النساء أمُّ سعد بنِ معاذ، وكَبْشَة بنت رافع، مع نسوة أُخَر رضي الله عنهنَّ(١). ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ عن الحسن وابن زيد ومنذر بن سعيد أنهم اليهود؛ لأنه عزَّ وجلَّ قد عَبَّرَ عنهم في غير هذه الآية بالمغضوب عليهم، وروي أنَّ قوماً من فقراء المؤمنين كانوا يواصلون اليهود ليُصيبوا من ثمارهم، فنزلت. وقيل: هم اليهود والنصارى. وفي روايةٍ عن ابن عباس أنهم كفار قريش. وقال غيرُ واحد: هم عامةُ الكَفَرة. وهذه الآيةُ ـ على ما قال الطيبيُّ - متَّصلةٌ بخاتمةِ قصة المشركين الذين نُهي المؤمنون عن اتخاذهم أولياء بقوله تعالى: (لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَّةَ) وهي قوله سبحانه: (وَمَن يَوَلَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمْ الْتَّالِمُونَ)، وقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ اُلْمُؤْمِنَتُ) إلخ مستطردٌ، فإنه لما جرى حديثُ المعاملة مع الذين لا يقاتلون المسلمين، والذين يقاتلونهم وقد أخرجوهم من ديارهم، من الأمر بمبرَّةٍ أولئك، والنهي عن مَبرَّة هؤلاء، أتى بحديث المعاملة مع نسائهم، ولما فرغ من ذلك أوصل الخاتمةَ بالفاتحة على منوال رَدِّ العَجُزِ على الصَّدر من حيثُ المعنى. وفي ((الانتصاف))(٢) جَعَلَ هذه الآية نفسَها من باب الاستطراد، وهو ظاهرٌ على القول بأنَّ المرادَ بالقوم اليهود أو أهل الكتاب مطلقاً . (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٢/٨ عن قتادة. (٢) ٤ / ٩٥. سُورَة المُتَخِنَّةِ ٩٦ التفسير الإشاري وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَيِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ استئنافٌ، والمراد: قد يئسوا من خير الآخرة وثوابها؛ لعنادهم الرسولَ بَل﴿ المنعوت في كتابهم، المؤيّد بالآيات البيّنات والمعجزات الباهرات، وإذا أُريد بالقوم الكفرة، فيأسُهم من الآخرة لكُفْرهم بها ﴿كَمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُرِ ﴾ أي: الذين هم أصحاب القبور، أي: الكفار الموتى، على أنَّ ((من)) بيانيةٌ، والمعنى: أنَّ يأسَ هؤلاء من الآخرة كَيَأْسِ الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور، وتبيَّنوا حِرْمانهم من نعيمها المقيم، وقيل: كيأسهم من أن ينالهم خيرٌ من هؤلاء الأحياء، والمراد وَصْفُهم بكمال اليأس من الآخرة. وکون «من» بیانیةً مرويٌّ عن مجاهد وابن جبير وابن زيد، وهو اختيار ابن عطية (١) وجماعة، واختار أبو حيان(٢) كونها لابتداء الغاية، والمعنى أنَّ هؤلاء القوم المغضوب عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئسوا من موتاهم أن يُبعَثوا ويلقوهم في دار الدنيا. وهو مرويٌّ عن ابن عباس والحسن وقتادة، فالمراد بالكفار أولئك القوم، وَوُضِعُ الظاهر موضعَ ضميرهم تسجيلاً لكُفْرهم وإشعاراً بعِلَّة يأسهم. وقرأ ابن أبي الزناد: ((كما يئس الكافر))(٣) بالإفراد على إرادة الجنس. هذا ومن باب الإشارة في بعض الآيات ما قيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَّةَ﴾ إلخ إشارةٌ للسالك إلى تَرْكِ موالاة النفس الأمارة وإلقاءِ المودة إليها، فإنها العدوُّ الأكبر كما قيل: أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك. وهي لا تزال كارهةً للحقِّ، ومعارضةً لرسول العقل، نافرةً له، ولا تنفكُّ عن ذلك حتى تكون مطمئنةً راضيةً مرضيةً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَتْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذِينَ حَدَّيْتُمْ مِنْهُم ◌َ (١) في المحرر الوجيز ٣٠٠/٥. (٢) في البحر المحيط ٢٥٩/٨. (٣) البحر المحيط ٢٥٩/٨. ٩٧ التفسير الإشاري وقوله سبحانه: ﴿لَّا يَنْهَذَكُمُ اللَّهُ﴾ إلخ إشارةٌ إلى أنه متى أطاعت النفسُ وأُمِنَ جماحُها، جاز إعطاؤها حظوظَها المباحة، وإليه الإشارةُ بما روي: ((إنَّ لنفسك عليك حقاً))(١). وفي قوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلخ إشارةٌ إلى مبايعة المرشدِ المريدَ الصادقَ ذا النفس المؤمنة، وذلك أن يُبايعه على ترك الاختيار وتفويض الأمور إلى الله عزَّ وجلَّ، وأن لا يرغبَ فيما ليس له بأهل، وأن لا يلجَّ في شهوات النفس، وأن لا يَبْدَ الواردَ الإلهاميَّ تحت تراب الطبيعة، وأن لا يفتريَ فيزعم أنَّ الخاطرَ السِّرِّيَّ خاطرُ الروح، وخاطرَ الروحِ خاطرُ الحقِّ، إلى غير ذلك، وأن لا يَعصي في معروف يفيده معرفة الله عزَّ وجلَّ، وأن يطلبَ من الله سبحانه في ضمن المبالغة أن يستر صفاته بصفاته، ووجوده بوجوده، وحاصله أن يطلبَ له البقاء بعد الفناء، وذلك فَضْلُ الله يؤتيه من يشاء. (١) أخرجه البخاري (١١٥٣) عن عبد الله عمرو سُؤَدَّةُ الصَّفْ ٩٨ سُوَرَةُ الصَّفْ وتسمى أيضاً سورة الحواريين، وسورة عيسى عليه السلام، وهي مدنيّةٌ في قول الجمهور، وروي ذلك عن ابن الزبير وابن عباس والحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد. وقال ابن يسار: مكية، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد أيضاً، والمختار الأول، ويدلُّ له ما أخرجه الحاكم وغيره عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله وَ﴿ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أيّ الأعمال أحبُّ إلى الله تعالى لَعملناه(١). فأنزل الله سبحانه: ﴿سَبِّحَ لِّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ قال عبد الله: فقرأها علينا اَلْحَكِيُ ﴿ فَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ رسول الله وَّر حتى ختمها، وروي هذا الحديث مسلسلاً يقرؤها علينا، وهو حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، أخرجه الإمام أحمد والترمذيُّ(٢) وخلقٌ كثيرٌ، حتى قال الحافظ ابن حجر(٣): إنه أصحُّ مسلسلٍ يُروى في الدنيا، إن وقع في المسلسلات مثله في مزيد عُلوِّه. وكذا ما روي في سبب النزول عن الضحاك من أنه قولُ شبابٍ من المسلمين: فعلنا في الغزو كذا. ولم يفعلوا(٤). وما روي عن ابن زيد من أنه قولُ المنافقين للمؤمنين: نحن منكم ومعكم. ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك(٥). (١) جاء في هامش الأصل: جاء في بعض الروايات أنه قال أناس: وددنا أن نعرف أحبَّ الأعمال إلى ربنا حتى نعنى فيه. ففرض الجهاد، وأَعْلَم الله بحب المجاهدين، فكرهه قوم وفرَّ بعضهم في أحد فنزلت. اهـ، وهو في البحر المحيط ٢٦١/٨. (٢) الحاكم ٤٨٦/٢-٤٨٧، وأحمد (٢٣٧٨٩)، والترمذي (٣٣٠٩). (٣) في فتح الباري ٤١٩/٨. (٤) تفسير الطبري ٢٢ / ٦٠٨ - ٦٠٩ بنحوه. (٥) تفسير الطبري ٢٢ /٦٠٩ . الآية : ١ - ٣ ٩٩ سُورَةُ الصَّفْ وآيها أربعَ عشرةَ آيَةً بلا خلاف. ومناسبتها لما قبلها اشتمالُها على الحثِّ على الجهاد والترغيب فيه، وفي ذلك من تأكيد النهي عن اتخاذ الكفار أولياء الذي تضمَّنه ما قبلُ ما فيه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿َبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ الكلامُ فيه كالكلام المارِّ في نظيره. والنداءُ بوصف الإيمان في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا على ما عدا القول الأخير في سبب النزول ظاهرٌ، لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (® وعليه قيل: هو للتهكُّم بأولئك المنافقين وبإيمانهم، و((لِمَ)) مركّبةٌ من اللام الجارّة، و ((ما)) الاستفهامية، قد حُذِفَ أَلِفُها - على ما قال النحاة - للفرق بين الخبر والاستفهام، ولم يعكس حرصاً على الجواب. وقيل: لكثرة استعمالهما معاً، فاستحقَّ التخفيف. وإثباتُ الكثرة المذكورة أمرٌ عسيرٌ. وقيل: لاعتناقهما في الدلالة على المستفهَم عنه. وبُيِّنَ بأنَّ قولك: لم فعلتَ؟ مثلاً، المستفهَم عنه عِلَّةُ الفعل، فهو كالمركّب من العلة والفعل، والعلةُ مدلولُ اللام، والفعل مدلول ((ما)) لأنها بمعنى: أيّ شيء، والمفيدُ لذلك المجموع، وعند عدم الحرف، المسؤولُ عنه الفعل وحده. وهو كما ترى. والمعنى: لأيِّ شيءٍ تقولون ما لا تفعلونه من الخير والمعروف؟! على أنَّ مدارَ التوبيخ في الحقيقة عدمُ فعلهم، وإنما وُجِّهَ إلى قولهم؛ تنبيهاً على تضاعف معصيتهم ببيان أنَّ المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد أيضاً، وقد كانوا يحسبونه معروفاً، ولو قيل: لِمَ لا تفعلون ما تقولون، لفُهِمَ منه أنَّ المنكرَ هو تركُ الموعود. ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ بيانٌ لغاية قُبح ما فعلوه، و(كُبُرَ)) من باب ((بِئْسَ)) فيه ضميرٌ مبهمٌ مفسَّرٌ بالنكرة بعده، و((أن تقولوا)) هو المخصوص بالذَّمِّ. وجُوِّزَ أن يكون في ((كَبُرَ)) ضميرٌ يعود على المصدر المفهوم من الآية : ٤ ١٠٠ سُؤَدَّةُ الصَّفْ قوله سبحانه: (لِمَ تَقُولُونَ) أي: كَبُرَ هو - أي: القولُ - مقتاً، و((أن تقولوا)) بدلٌ من المضمَر، أو خبرُ مبتدأ محذوف. وقيل: قُصِدَ فيه كثر التعجّب(١)، من غير لفظه، كما في قوله: كُلَيباً غلَتْ نابٌ كُلَيبٌ بَواؤها(٢) وجارة جَسَّاسٍ أَبَأُنا بنابِها ومعنى التعجّب: تعظيمُ الأمر في قلوب السامعين؛ وأُسند إلى ((أن تقولوا)) ونصب ((مقتاً)) على تفسيره دلالة على أنَّ قولهم ما لا يفعلون مَقْتٌ خالصٌ لا شَوْبَ فيه؛ لفرط تمگُّن المقتِ منه. واختير لفظُ المقتِ لأنه أشدُّ البغض وأبلغه؛ ومنه نكاحُ المقتِ: لتزوُّجِ الرجل امرأةَ أبيه، ولم يقتصرْ على أنْ جَعَلَ البُغْضَ كبيراً، حتى جعل أشدّه وأفحشه، وعند الله أبلغ من ذلك؛ لأنه إذا ثبت كُبْرُ مَقْته عند الله تعالى الذي يُحقَرُ دونه سبحانه كلُّ عظيم، فقد تمَّ كبْره وشِدَّته، وانزاحت عنه الشكوك. وتفسيرُ المقت بما سمعتَ، ذهب إليه غيرَ واحدٍ من أهل اللغة. وقال ابن عطية: المقتُ: البُغض من أجل ذنبٍ أو ريبةٍ أو دناءةٍ يصنعها الممقوت(٣). وقال المبرِّد: رجلٌ ممقوتٌ ومقيتٌ، إذا كان يُبغضه كلُّ واحد (٤). واستدلَّ بالآية على وجوب الوفاء بالنذر. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدِّثنا. فسكت، فقيل له: حدثنا. فقال: وما تأمرونني أن أقول ما لا أفعل، فأستعجل مَقْتَ الله عزَّ وجلَّ؟! وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ ﴾ بيانٌ لما هو مرضيٍّ عنده سبحانه وتعالى، بعد بيان ما هو ممقوتٌ عنده (١) عبارة أبي السعود ٨/ ٢٤٢ (والكلام منه): وقيل: قصد فيه التعجب، دون: كثر، ولعله الأنسب. (٢) البيت في المستقصى في أمثال العرب ١٧٨/١، والكشاف ٤/ ٩٧، وسلف ٦/١٩. (٣) المحرر الوجيز ٣٠١/٥. (٤) البحر المحيط ٢٦١/٨.