Indexed OCR Text
Pages 481-500
الآية : ٣ ٤٨١ سُوَرَةُ المُجَادلة وظاهر ((الذين يظاهرون)) يشملُ العبدَ، فيصحُّ ظهاره، وقد ذكر أصحابنا أنه يصحُّ ظهارُ الزوجِ البالغ العاقل المسلم، ويُكفِّرُ العبدُ بالصوم، ولا يُنَصَّفُ لما فيه من معنى العبادة، كصوم رمضان، ومثله المحجورُ عليه بالسَّفَه على قولهما المفتى به. وحكى الثعلبيُّ عن مالكِ أنه لا يصحُّ ظهارُ العبد. ولا تدخلُ المرأةُ في هذا الحكم، فلو ظاهرتْ من زوجها، لم يلزمْ شيءٌ كما نقل ذلك في ((التتارخانية)) عن أبي يوسف. وقال أبو حيان(١): قال الحسن بن زياد: تكون مظاهرة. وقال الأوزاعيُّ وعطاء وإسحاق وأبو يوسف: إذا قالت المرأة لزوجها: أنتَ عليَّ كظهر فلانة. فهي يمينٌ تُكفِّرها، وقال الزهريُّ: أرى أن تُكفِّرَ كفارةَ الظهار، ولا يحولُ قولُها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها. انتهى. والرقبة من الحيوان معروفة، وتُطلَقُ على المملوك، وذلك من تسمية الكُلِّ باسم الجزء، كما في «المُغْرِب))(٢)، وهو المراد هنا. وفي ((الهداية)): هي عبارةٌ عن الذات المرقوق من كلِّ وجه(٣). فيجزئُ في الكفارة إعتاقُ الرقبة الكافرة والمؤمنة، والذكر والأنثى، والكبير والصغير - ولو رضيعاً - لأنَّ الاسمَ ينطلقُ على كلِّ ذلك، ومقتضى ذلك إجزاءُ إعتاق المرتدِّ والمرتدَّة والمستأمَنِ والحربيِّ، وفي ((التتارخانية)) أنَّ المرتدَّ يجوزُ عند بعض المشايخ، وعند بعضهم لا يجوز، والمرتدَّةُ تجوزُ بلا خلافٍ، أي: لأنها لا تُقْتَلُ، وفي ((الفتح)) (٤): إعتاقُ الحربيِّ في دار الحرب لا يجزيه في الكفارة، وإعتاقُ المستأمَنِ يجزيه . وفي ((التتارخانية)): لو أعتقَ عبداً حربيًّا في دار الحرب، إن لم يُخْلِ سبيله، لا يجوز، وإن خلَّى سبيله ففيه اختلافُ المشايخ، فبعضُهم قالوا: لا يجوز، وشمل (١) في البحر المحيط ٢٣٣/٨ وما قبله منه أيضاً. (٢) المُغْرب في ترتيب المعرب للمطرزي مادة (رقب). (٣) الهداية (مع فتح القدير) ٢٣٤/٣. (٤) شرح فتح القدير ٢٣٥/٣. سُورَةُ الجَّادلةِ ٤٨٢ الآية : ٣ الرقبة الصحيح والمريض فيجزي كلّ منهما، واستثنى في ((الخانية)) مريضاً لا يرجى برؤه، فإنه لا يجوز لأنه ميتٌ حُكْماً، وفي جواز إعتاق حلالِ الدم كلام، فحكى في ((البحر)) أنه إذا أعتق عبداً حلال الدم قد قضى بدمه ثم عفى عنه أو (١) كان أبيضَ العينين فزال البياض، أو كان مرتدًّا فأسلم، لا يجوز. وفي ((جامع الفقه)): جاز المديونُ والمرهون ومباح الدم، ويجوز إعتاقُ الآبق إذا عُلم أنه حيٍّ، ولا بدَّ أن تكونَ الرقبةُ غيرَ المرأة المظاهر منها لما في (الظهيرية)) و((التتارخانية)): أمةٌ تحت رجل ظاهَرَ منها، ثم اشتراها وأعتقها كفارة ظهارها، قيل: تجزئ، وقيل: لا تجزئ في قول أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف(٢). ويجوز الأصمُّ استحساناً إذا كان بحيث إذا صيح عليه يسمع، وفي رواية ((النوادر)): لا يجوز. ولا تجزي العمياءُ ولا المقطوعةُ اليدين أو الرجلين، وكذا مقطوعُ إبهام اليدينِ ومقطوعُ إحدى اليدين وإحدى الرجلين من جانبٍ واحدٍ، والمجنونُ الذي لا يعقل. ولا يجوزُ إعتاقُ المدبَّر وأمَّ الولد، وكذا المكاتب الذي أدى بعضَ المال، وإن اشترى أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارةَ جاز عنها، وإن أعتقَ نصفَ عبدٍ مشترك وهو موسرٌ فَضَمِنَ قيمةً باقيه، لم يجز عند الإمام، وجاز عند صاحبيه، وإن أعتقَ نصفَ عبده عن كفارته ثم جامعَ ثم أعتق باقيه، لم يجزه عنده؛ لأنَّ الإعتاق يتجزَّأ عنده، وشَرْطُ الإعتاق أن يكون قبل المسيس بالنَّصِّ؛ وإعتاقُ النِّصف حَصَلَ بعده، وعندهما إعتاقُ النصف إعتاقُ الكلِّ، فحصل الكلُّ قبل المسيس، واشترط الشافعيُّ عليه الرحمة كونَ الرقبة مؤمنة ولو تَبَعاً لأصلٍ أو دارٍ أو سابٍ(٣)؛ حَمْلاً للمطلق في هذه الآية على المقيَّد في آية القتل(٤) بجامع عدم الإذن في السبب. (١) في الأصل و(م): فلو. والمثبت من البحر الرائق ٤/ ١١٠. (٢) ينظر البحر الرائق ٤/ ١١٠. (٣) أي: إذا كان السابي للرقبة مؤمناً، يحكم بإيمانها. (٤) وهي الآية (٩٢) من سورة النساء. الآية : ٣ ٤٨٣ سُورَةُ المُجَادِلَةِ وقال الحنفية: لا يُحمَلُ المطلق على المقيَّد إلا في حُكمٍ واحدٍ في حادثةٍ واحدةٍ؛ لأنه حينئذٍ يلزمُ ذلك لزوماً عقليًّا؛ إذ الشيءُ لا يكون نفسُهُ مطلوباً إدخاله في الوجود مطلقاً ومقيَّداً، كالصوم في كفارة اليمين وَرَدَ مطلقاً، ومقيَّداً بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءةُ بمثلها، والكلامُ في تحقيق هذا الأصل في الأصول. وقالوا على تقدير (١) التنزل إلى أصل الشافعية من الحمل مطلقاً: إنه لا يلزمُ من التضييق في كفارةِ الأمرِ الأعظم - وهو القتلُ - ثبوتُ مثله فيما هو أخفُّ منه، ليكونَ التقييدُ فيه بياناً في المطلق، وما ذكروه من الجامع لا يكفي. ووافقوا في كثيرٍ مما عدا ذلك، وخالفوا أيضاً في كثيرٍ، فقالوا: يُشتَرطُ في الرقبة أن تكونَ بلا عَيبٍ يُخِلُّ بالعمل والكَسْبِ، فيجزئُ صغيرٌ ولو عَقِبَ ولادته، وأقرع وأعرج يمكنه من غير مشقَّةٍ لا تحتملُ عادةً تتابعَ المشي، وأعور لم يضعفْ نظرُ سليمته حتى أَخَلَّ بالعمل إخلالاً بَيِّناً، وأصمُّ وأخرس يفهمُ إشارةَ غيره ويَفهمُ غيرُهُ إشارته مما يحتاج إليه، وأَخشم، وفاقدُ أنفه وأذنيه وأصابع رجليه وأسنانه، وعِنِينٌ ومجبوبٌ ورتقاءُ وقرناءُ وأبرص ومجذومٌ وضعيفُ بَطْشٍ، ومَنْ لا يُحسِنُ صَنْعةً، وولدُ زنّى، وأحمق - وهو مَنْ يَضَعُ الشيءَ في غير محلِّه مع عِلْمه بقبحه - وآبق ومغصوبٌ وغائبٌ عُلِمتْ حياته أو بانتْ وإن جُهلتْ حالةُ العتق، لا زَمِنٌ(٢)، وجنينٌ وإن انفصل لدون سنَّة أشهرٍ من الإعتاق، أو فاقدُ يدٍ أو رجلٍ أو أَشَلُّ أحدهما، أو فاقدُ خنصرٍ وبنصرٍ معاً من يدٍ، أو أنملتين من غيرهما، أو أنملة إبهام - كما قال النووي عليه الرحمة - ولا هَرِمُ عاجزٌ، ولا مَنْ هو في أكثر وقته مجنونٌ، ولا مريضٌ لا يُرجى عند العتق بُرْءُ مرضه - كَسُلال(٣) - فإن بَرِىَ بعد إعتاقه بان الإجزاء في الأصح. ولا مَنْ قُدِّمَ لقتل، بخلاف من تحثَّم قتله في المحاربة قبل الرفع للإمام، ولا يُجزِئ شراءُ أو تملَّكُ قريبٍ: أصلٍ أو فرعٍ بنيَّة كفارةٍ، ولا عتقُ أُمِّ ولد، (١) في (م): تقدر. (٢) زَمِنَ الشخصُ زَمَناً فهو زَمِنٌ، وهو مرض يدوم زماناً طويلاً. المصباح (زمن). (٣) أي: السِّل. مختار الصحاح (سلل). الآية : ٣ ٤٨٤ سُورَةُ المُجَادلة ولا ذو كتابةٍ صحيحةٍ قبل تعجيزه، ويُجزئ مدبّرٌ ومُعلَّقٌ عتقُه بصفةٍ غير التدبير، وقالوا: لو أعتق مُعسرٌ نصفين له من عبدين عن كفارة، فالأصحُّ الإجزاء إن كان باقيهما أو باقي أحدهما حرًّا، إلى غير ذلك(١). وفي الإتيان بالفاء في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ) إلخ دلالةٌ - على ما قال بعضُ الأجلَّة - على تكرُّرٍ وجوب التحرير بتكرُّر الظهار، فإذا كان له زوجتان مثلاً، فظاهَرَ من كلٍّ منهما على حِدَةٍ، لزمه كفارتان. وفي ((التلويح)): لو ظاهَرَ من امرأته مرتين أو ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ، أو مجالسَ متفرقة، لَزِمه بكلِّ ظهارٍ كفارة. وفي إطلاقه بحثٌ، فقد ذكر بعضُهم أنه لو قصد التأكيدَ في المجلس الواحد لم تتعدّد وفي ((شرح الوجيز)) للغزالي ما محصّله: لو قال لأربع زوجات: أنتنَّ عليّ كظهر أمي. فإن كان دفعةً واحدةً، ففيه قولان، وإن كان بأربع كلماتٍ، فأربعُ كفارات، ولو كرَّرها والمرأةُ واحدةٌ فإما أن يأتي بها متوالية أو لا، فعلى الأول إن قَصَدَ التأكيدَ فواحدة، وإلا ففيه قولان: القديم - وبه قال أحمد - واحدةٌ كما لو كرَّر اليمينَ على شيءٍ واحد، والقولُ الجديد: التعدُّد، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وإذا لم تتوالَ أو قَصَدَ بكلِّ واحدةٍ ظهاراً، أو أطلقَ ولم يَنْوِ التأكيدَ، فكلُّ مرَّةٍ ظهارٌ برأسه، وفيه قولٌ: إنه لا يكون الثاني ظهاراً إن لم يُكفِّرْ عن الأول، وإن قال: أردتُ إعادةَ الأول، ففيه اختلافٌ بناءً على أنَّ الغالبَ في الظهار أنَّ معنى الطلاق أو اليمين لما فيه من الشبهين(٢). انتهى. وظاهرُ بعض عبارات أصحابنا أنه لو قيَّدَ الظهارَ بعددٍ اعتُبر ذلك العدد؛ ففي ((التتارخانية)»: لو قال لأجنبية: إن تزوَّجتُكِ فأنت عليَّ كظهر أمي مئة مرَّة. فعليه - أي: إذا تزوَّجها - لكلٍّ كفَّارةٌ. وتدُّ الآيةُ على أنَّ الكفارةَ المذكورةَ قبل المسيس، فإنْ مَسَّ أَثِمَ، ولا يُعاودُ (١) ينظر تحفة المحتاج ١٩٠/٨ وما بعدها. (٢) ينظر العزيز شرح الوجيز ٩/ ٢٧٧-٢٧٩. الآية : ٣ ٤٨٥ سُورَةُ الجَادلة حتى يُكفِّرَ، فقد روى أصحاب السنن الأربعة(١) عن ابن عباس أنَّ رجلاً - وهو سلمةُ بن صَخْرِ الأنصاري كما في حديث أبي داود والترمذي وغيرهما - ظاهَرَ من امرأته، فَوَقَعَ عليها قبل أن يُكفِّر، فقال ◌َّهِ: ((ما حَمَلك على ذلك؟)) فقال: رأيتُ خلخالها في ضوء القمر - وفي لفظ: بياض ساقها - قال عليه الصلاة والسلام: ((فاعتزلها حتى تُكفِّر))، ولفظُ ابن ماجه: فضحك رسول الله وَّهُ وَأَمَرَهُ أن لا يقربها حتى يُكفِّر. قال الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ. ونفيُ كونه صحيحاً ردَّه المنذريُّ في ((مختصره))(٢) بأنه صحَّحه الترمذيُّ ورجاله ثقاتٌ مشهورٌ سماعُ بعضهم من بعض. وروى الترمذيُّ - وقال: حَسَنٌ غريبٌ - عن ابن إسحاقٍ بالسند إلى سلمة المذكور عن النبيِّ وَّ أنه قال في المظاهِرِ يُواقِعُ قبل أن يُكفِّرَ: «كفارةٌ واحدةٌ تلزمه)»(٣) ويردُّ به على مجاهدٍ في قوله: يلزمه كفَّارةٌ أخرى، ونُقل هذا عن عمرو بن العاص وقبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة، وعلى مَنْ قال: تلزمهُ ثلاثُ كفَّارات، ونُقل ذلك عن الحسن والنخعي، وبه وبما تقدَّمَ يُرَدُّ على ما قيل: من أنه تسقطُ الكفارةُ الواجبةُ عليه ولا يلزمهُ شيءٌ . ولا ترتفعُ حُرْمةُ المسيس إلا بها، لا بمِلْكِ ولا بزوج ثانٍ، حتى لو طلَّقها من بعد الظهار ثلاثاً فعادتْ إليه من بعد زوج آخر، أو كانت أمةً فملكها بعد ما ظاهَرَ منها، لا يَحلُّ قُربانها حتى يُكفِّرَ. وهو واجبٌ على التراخي - على الصحيح - لكون الأمر الدالة عليه الآيةُ مطلقاً، حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، ويكونُ مؤدِّياً لا قاضياً، ويتعيَّنُ في آخر عمره، ويأثمُ بموته قبل الأداء، ولا تُؤْخَذُ من تَرِكَتِهِ إن لم يُوصِ ولو تبرَّعَ الورثةُ في الإعتاق، وكذا في الصوم لا يجوز، كذا في ((البدائع)) (٤). فإن (١) أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، والنسائي في المجتبى ١٦٧/٦، وابن ماجه (٢٠٦٦). والحديث سلف تخريجه ص ٤٦٥ من هذا الجزء.، (٢) ينظر مختصر أبي داود للمنذري ١٣٩/٣ - ١٤٢. (٣) سنن الترمذي (١١٩٨). (٤) ٦/ ٣٦٨. سُورَةُ الجَّادلةِ ٤٨٦ الآية : ٣ أوصى كان من الثلث. وفي ((التتارخانية)»: لو كان مريدُ التكفير مريضاً، فأعتقَ عبدَهُ عن كفَّارته، وهو لا يخرجُ من ثلث ماله، فمات من ذلك المرض، لا يجوزُ عن کفارته وإن أجازتِ الورثةُ، ولو أنه برئ من مرضه جاز. وللمرأة مطالبته بالوطء والتكفير؛ وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها حتى يُكفِّر، وعلى القاضي أن يُجبرُه على التكفير دَفْعاً للضَّرر عنها بحبسٍ، فإن أبى ضَرَبِه؛ ولو قال: قد كفَّرتُ. صُدِّق ما لم يكنْ معروفاً عند الناس بالكذب. هذا، وبقيت مسائلُ أُخَر مذكورة في كتب الفقه. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الإشارةُ إلى الحُكْم بالكفارة، والخطابُ للمؤمنين الموجودين عند النزول، أو لهم ولغيرهم من الأمة ﴿تُوعَظُونَ په؛﴾ أي: تُزجرون به عن ارتكاب المنكر، فإنَّ الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات، والمرادُ بيانُ أنَّ المقصودَ من شَرْعِ هذا الحكم ليس تعريضَكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو عَلَمٌ في استتباع الثواب العظيم، بل هو رَدْعكُم وزَجْركم عن مباشرة ما يوجبه. كذا في (الإرشاد))(١) وهو ظاهرٌ في كون الكفارة عقوبةً محضةً، وقد تقدَّم القولُ بأنها دائرةٌ بين العبادة والعقوبة، وكلامُ الزيلعيِّ يدلُّ على أنَّ جهةَ العبادة فيها أغلب. وفي ((شرح منهاج النووي)) لابن حجر في كتاب كفارة الظهار: الكفارة من الكَفْرِ، وهو السَّتر؛ لِسَتْرها الذنبَ بمَحْوِهِ أو تخفيفِ إثمه بناءً على أنَّ الكفاراتِ زواجر كالتعازير، أو جوابر للخَلَل، ورجَّحَ ابنُ عبد السلام الثاني؛ لأنها عبادةٌ لافتقارها للنية، أي: فهي كسجود السهو. والفرق بينها - على الثاني - وبين الدَّقْن - الكفارةُ للبَصْق(٢) - على ما هو المقرَّرُ فيه أنه يقطعُ دوامَ الإثم، أنَّ الدفنَ مزيلٌ لعينٍ ما به المعصية، فلم يبق بعده شيءٌ يدومُ إثمه، بخلافها هنا، فإنها ليستْ كذلك، وعلى الأول، الممحوُّ هو حقُّ الله تعالى من حيثُ هو حَقُّهُ، وأما بالنظر لنحو الفسق بموجبها، فلا بدَّ فيه من التوبة نظيرَ نَحْوِ الحدِّ (٣). انتهى. (١) تفسير أبي السعود ٢١٧/٨. (٢) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (١٢٠٦٢)، وأبو يعلى (٣٢٢٢) واللفظ له، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﴾ قال: ((البزاق في المسجد خطيئة كفارتها دفنها)). (٣) تحفة المحتاج ١٨٨/٨. الآية : ٤ ٤٨٧ سُورَةُ الجَادلة ومتى قيل بأنَّ الإعتاقَ المذكورَ كفارةٌ، وأنَّ الكفارةَ تستُر الذنبَ بمحوه أو تخفيف إثمه، لم يكنْ بُدُّ من استتباعه الثواب، وكون ذلك لا يُعَدُّ ثواباً لا يخلو عن نظر؛ ولعلَّ المرادَ أنَّ المقصودَ الأعظمَ من شَرْعِ هذا الحكم الردعُ والزجرُ عن مباشرة ما يوجبه، دون التعريض للثواب، وإن تضمَّنه في الجملة، فتأمل. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال كالتكفير وما يوجبه من جناية الظهار ﴿خَيرٌ﴾ أي: عالمٌ بظواهرها وبواطنها، ومجازيكم بها، فحافظوا على حدود ما شَرَعَ لكم ولا تُخِلُّو بشيءٍ منها . ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاَا﴾ أي: فمن لم يجدْ رقبةً، فالواجبُ عليه صيامُ شهرين متتابعين من قبل التماسِّ، والمراد بـ ((مَنْ لم يجد)): مَنْ لم يملكْ رقبةً ولا ثمنَها فاضلاً عن قَدْرِ كفايته؛ لأنَّ قَدْرها مستحقُّ الصَّرْفِ فصار كالعدم، وقَدْرُ الكفاية من القوت للمحترف قوتُ يوم، وللَّذي يعملُ قوتُ شهر على ما في ((البحر))(١)، ومَن له عبدٌ يحتاجُ لخدمته واجدٌ، فلا يُجزئه الصوم، وهذا بخلاف مَنْ له مسکنٌ؛ لأنه کلباسه ولباس أهله. وعند الشافعية: المرادُ به مَنْ لم يملكْ رقبةً أو ثمنها فاضلاً كلٌّ منهما عن كفاية نفسه وعياله العمرَ الغالبَ نفقةً وكسوةً وسكنى وأثاثاً لا بدَّ منه، وعن دينه ولو مؤجَّلاً. وقالوا: إذا لم يُفْضُلِ القِنُّ أو ثمنُهُ عمَّا ذُكِرَ لاحتیاجِه لخدمته لمنصبٍ یابی خدمته بنفسه أو ضخامةٍ كذلك، بحيثُ يحصل له بعتقه مشقةٌ شديدةٌ لا تُحتَمَلُ عادةً، ولا أَثَرَ لفوات رفاهيةٍ أو مرضٍ به أو بمموِّنه، فلا عِثْقَ عليه؛ لأنه فاقدٌ شَرْعاً، كمَنْ وَجَدَ ماءً وهو يحتاجه لعطش، وإلى اعتبار كون ذلك فاقداً - كواجد الماء المذكور - ذهب الليث أيضاً. والفرق عندنا - على ما ذكره الرازيُّ في ((أحكام القرآن))(٢) - أنَّ الماءَ مأمورٌ بإمساكه لعطشه، واستعمالُهُ محظورٌ عليه، بخلاف الخادم. (١) البحر الرائق ١١٣/٤-١١٤. (٢) أحكام القرآن للرازي الجصاص ٤٢٥/٣. سُورَةُ المُجَادلةِ ٤٨٨ الآية : ٤ واليسارُ والإعسارُ معتبران وقتَ التكفير والأداء، وبه قال مالك، وعن الشافعيِّ أقوالٌ في وقتهما : أظهرها كما هو عندنا، قالوا: لأنَّ الكفارةَ - أعني الإعتاق - عبادةٌ لها بدلٌ من غير جنسها، كوضوءٍ وتيمُّم وقيام صلاةٍ وقعودها، فاعتُبر وقتُ أدائها، وغُلِّبَ. الثاني - كمذهب أحمد والظاهرية - شائبةُ العقوبة، فاعتبر وقت الوجوب، كما لو زنى قِّ ثم عتق، فإنه يُحَدُّ حَدَّ القِنِّ. والثالث: الأغلظُ من الوجوب إلى الأداء. والرابعُ: الأغلظُ منهما، وأعرض عمَّا بينهما. ومن يملك ثمنَ رقبةٍ إلا أنه دينٌ على الناس، فإنْ لم يقدر على أَخْذه من مديونه، فهو فاقدٌ، فيجزئه الصوم، وإن قَدَرَ فواجدٌ، فلا يجزئه، وإن كان له مالٌ ووجبَ عليه دينُ مثله، فهو فاقدٌ بعد قضاء الدين، وأما قبله فقيل: فاقدٌ أيضاً بناء على قول محمد أنه تَحِلُّ له الصدقة، المشير إلى أنَّ ماله لكونه مستحقّ الصرف إلى الدين ملحَقٌ بالعدم حُكْماً، وقيل: واجدٌ؛ لأنَّ ملك المديون في ماله كاملٌ بدليل أنه يملكُ جمیعَ التصرفات فيه. وفي ((البدائع)): لو كان في مِلْكه رقبةٌ صالحةٌ للتكفير، فعليه تحريرها، سواءٌ كان عليه دينٌ أو لم يكن؛ لأنه واجدٌ حقيقة(١). وحاصله أنَّ الدَّينَ لا يمنعُ تحريرَ الرقبة الموجودة، ويمنعُ وجوبَ شرائها بما عنده من مِثْلِ الدين على أحد القولين، والظاهرُ أنَّ الشراءَ متى وَجَبَ يُعتَبرُ فيه ثمنُ المِثْلِ، وصرَّحَ بذلك النوويُّ وغيره من الشافعية فقالوا: لا يجبُ شراء الرقبة بِغُيْنٍ، أي: زيادةٍ على ثمنِ مثلها، نظير ما يُذْكَرُ في شراء الماء للطهارة، والفرقُ بينهما بتكرُّر ذلك ضعيف، وعلى الأول - كما قال الأذرعي وغيره نقلاً عن الماوردي واعتمدوه - لا يجوزُ العدولُ للصوم، بل يلزمهُ الصبرُ إلى الوجود بثمنٍ المثل، وكذا لو غاب مالُهُ فيكلَّفُ الصبرَ إلى وصوله أيضاً، ولا نَظَرَ إلى تضرُّرهما بفواتِ التمتُّع مدَّةَ الصَّبر؛ لأنه الذي وَرَّطَ نفسَهُ فيه(٢). انتهى. (١) بدائع الصنائع ٦/ ٣٧١ . سـ (٢) تحفة المحتاج ١٩٧/٨ . الآية : ٤ ٤٨٩ سُورَةُ الجَادِلَةِ وما ذكروه فيما لو غاب مالُهُ، موافقٌ لمذهبنا فيه. ولو كان عليه كفَّارتا ظهارٍ لامرأتين وفي ملكه رقبةٌ فقط، فصام عن ظهار إِحداهما، ثم أعتق عن ظهارٍ الأخرى، ففي ((المحيط)) في نظير المسألة ما يقتضي عدمَ إجزاء الصوم عن الأولى، قال: عليه كفَّارتا يمين، وعنده طعامٌ يكفي لإحداهما، فصامَ عن إحداهما، ثم أَطعم عن الأخرى، لا يجوزُ صومه؛ لأنه صامَ وهو قادرٌ على التكفير بالمال، فلا يجزئه. ويُعتَبرُ الشهرُ بالهلال فلا فَرْقَ بين التامِّ والناقص، فَمَنْ صامَ بالأهلَّة واتفقَ أنَّ كلَّ شهرٍ تسعةٌ وعشرونَ، حتى صار مجموعُ الشهرين ثمانيةً وخمسينَ، أجزأه ذلك، وإن غُمَّ الهلال اعتبر - كما في ((المحيط)) - كلّ شهر ثلاثين، وإن صام بغير الأهلَّة فلا بدَّ من ستِّين يوماً كما في ((فتح القدير))(١). ويُعتبر الشهر بالهلال عند الشافعية أيضاً، وقالوا: إن بدأ في أثناء شهرٍ حَسَبَ الشهرَ بعده بالهلال لتمامه، وأتَمَّ الأولَ من الثالث ثلاثينَ؛ لتعذُّر الهلال فيه بتلفُّقه من شهرين، وعلى هذا يتَّفْقُ كونُ صيامه ستينَ، وكونه تسعة وخمسين، ولا يتعينُ الأولُ كما لا يخفى، فلا تغفل. وإن أفطرَ يوماً من الشهرين - ولو الأخير - بعذرٍ من مرضٍ أو سفرٍ، لَزِمَ الاستئنافُ؛ لزوال التتابع وهو قادرٌ عليه عادة، وقال أبو حيان: إنْ أفطرَ بعذرٍ كسفر، فقال ابن المسيَّب والحسنُ وعطاءٌ وعمرو بن دينار والشعبيُّ ومالكٌ والشافعيُّ في أحد قوليه: يبني(٢). وإن جامع التي ظاهَرَ منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً، أو نهاراً ناسياً، استأنفَ الصومَ عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنفُ؛ لأنه لا يمنعُ التتابع؛ إذ لا يفسدُ به الصوم، وهو الشرط، ولهما أنَّ المأمورَ به صيامُ شهرين متتابعين لا مسيسَ فيهما، فإذا جامعها في خلالها لم يأتِ بالمأمور به، وإن جامعَ زوجةً أخرى غيرَ المظاهر منها ناسياً، لا يستأنف عند الإمام أيضاً، كما لو أكلَ ناسياً؛ لأنَّ حُرْمَةَ الأكل والجماع إنما هو للصوم لئلا ينقطع التتابع، ولا ينقطعُ (١) ٢٣٩/٣. (٢) البحر المحيط ٨/ ٢٣٤. الآية : ٤ ٤٩٠ سُورَةُ الجَادلةِ بالنسيان، فلا استئنافَ، بخلاف حُرْمة جماع المظاهرة، فإنه ليس للصوم بل لوقوعه قبل الكفارة، وتقدُّمها على المسيس شَرْطُ حِلُّها، فبالجماع ناسياً في أثنائه يبطلُ حُكْمُ الصوم المتقدِّم في حَقِّ الكفارة. ثم إنه يلزمُ في الشهرين أن لا يكون فيهما صومُ رمضان؛ لأنَّ التتابعَ منصوصٌ عليه، وشهرُ رمضانَ لا يقعُ عن الظهار؛ لما فيه من إبطال ما أَوجب الله تعالى، وأن لا يكون فيهما الأيامُ التي نهي عن الصوم فيها، وهي يوما العيدين وأيام التشريق؛ لأنَّ الصومَ فيها ناقصٌ بسبب النهي عنه، فلا ينوبُ عن الواجب الكامل. وفي ((البحر))(١): المسافر في رمضان له أن يصومه عن واجبٍ آخر، وفي المريض روايتان، وصومُ أيام نَذْرٍ معيَّنةٍ في أثناء الشهرين بنية الكفارة لا يقطعُ التتابع، ومَنْ قَدَرَ على الإعتاق في اليوم الأخير من الشهرين قبل غروب الشمس وَجَبَ عليه الإعتاق؛ لأنَّ المرادَ استمرارُ عدم الوجود إلى فراغ صومهما، وكان صومُهُ حينئذٍ تطوُّعاً، والأفضل إتمامُ ذلك اليوم، وإن أفطرَ لا قضاء عليه؛ لأنه شَرَعَ فيه مُسقطاً لا ملتزماً، خلافاً لزفر. وفي ((تحفة) الشافعية: لو بانَ بعد صومهما أنَّ له مالاً وَرِثَهُ ولم يكنْ عالماً به، لم يُعَتَدَّ بصومه على الأَوْجَه؛ اعتباراً بما في نفس الأمر(٢). أي: وهو واجدٌ بذلك الاعتبار، وليس في بالي حُكْمُ ذلك عند أصحابنا، ومقتضى ظاهر ما ذكروه فيمن تيمَّم وفي رَحْله ماءٌ وَضَعَهُ غيرُهُ ولم يَعلمْ به من صحة تيمُّمه الاعتداد بالصوم هاهنا، وقد صرَّحَ الشافعيةُ فيمن أَدرجَ في رحله ماءً ولم يُقصِّرْ في طلبه، أو كان بقُرْبه بئرٌ خفيةُ الآثار، بعدم بطلان تيمُّمه، فليُنظرِ الفرقُ بين ما هنا وما هناك، ولعلَّه التغليظُ في أمر الكفارة دون التيمم، فليراجع. ﴿فَمَنْ لَّ يَسْتَطِعْ﴾ أي: صيام شهرين متتابعين، وذلك بأن لم يستطع أصل (١) البحر الرائق ١١٤/٤-١١٥. (٢) تحفة المحتاج ١٩٨/٨. الآية : ٤ ٤٩١ سُوَةُ الجَّادلة الصیام، أو بأن لم يستطع تتابعه لسبب من الأسباب؛ گکبرٍ أو مرضٍ لا يُرجى زواله كما قيَّده بذلك ابن الهمام(١) وغيره وعليه أكثر الشافعية، وقال الأقلُّون منهم - كالإمام(٢) ومن تبعه - وصحَّحه في ((الروضة))(٣): يعتبر دوامه في ظنه مدة شهرين بالعادة الغالبة في مثله، أو بقول الأطباء. قال ابن حجر (٤): ويظهر الاكتفاءُ بقولٍ عَدْلٍ منهم. · وصَرَّحَ الشافعيةُ بأنَّ مَنْ تلحقهُ بالصيام أو تتابعه مشقَّةٌ شديدةٌ لا تُحتَمَلُ عادةً - وإن لم تُبِحِ التيممَ فيما يظهرُ - غيرُ مستطيع، وكذا مَنْ خاف زيادةً مرض، وفي حديث أوسٍ - على ما ذكر أبو حيان - أنَّ رسول اللهِوَ ◌ّر قال: «فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرين متتابعين؟)) فقال: والله يا رسول الله إني إذا لم آكلْ في اليوم والليلة ثلاثَ مرَّاتٍ كَلَّ بصري، وخشيتُ أن تَعشُوَ عيني. الخبر(٥). وعدُّوا من أسباب عدم الاستطاعة الشَّبق، وهو شِدَّةُ الغُلْمة. واستُدلَّ له بما أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذيُّ وحسنه، والحاكم وصحَّحه، وغيرهم عن سلمة بن صخر قال: كنتُ رجلاً قد أُوتيتُ من جماع النساء ما لم يؤتَ غيري، فلما دخل رمضانُ ظاهرتُ من امرأتي حتى ينسلخَ رمضان فَرِقاً من أن أُصيب منها في ليلي، فأتتابع في ذلك، ولا أستطيعُ أن أنزعَ حتى يدركني الصبحُ، فبينما هي تخدمني ذاتَ ليلة؛ إذ تكشّفَ لي منها شيءٌ، فوثبتُ عليها .. ، إلى أن قال: فخرجتُ فأتيتُ رسولَ الله وَّ﴿ فأخبرته بخبري فقال: ((أنت بذاك))؟ قلت: أنا بذاك. فقال: ((أنت بذاك)) قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا، فأمضٍ فيَّ حكم الله تعالى، فإني صابرٌ لذلك، قال: ((أعتقْ رقبةً)) فضربتُ صَفْحةَ عنقي بيدي، فقلت: لا، والذي بعثكَ بالحقِّ، ما أصبحتُ أَملكُ غيرها. قال: ((فَصُمْ شهرين متتابعين)) (١) في فتح القدير ٢٤١/٣. (٢) هو إمام الحرمين الجويني. (٣) ص١٤٧٦ - ١٤٧٧ (دار ابن حزم). (٤) في تحفة المحتاج ٨/ ٢٠٠. (٥) البحر المحيط ٢٣٤/٨، وينظر ما ورد من روايات في ذلك في تفسير الطبري ٤٤٦/٢٤-٤٥٢. الآية : ٤ ٤٩٢ سُورَةُ الجَادلةِ فقلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام. قال: ((فأَطعم ستين مسكيناً)) الحديث(١)، فإنه أشارَ بقوله: وهل أصابني .. إلخ إلى شِدَّةِ شَبَقه الذي لا يستطيعُ معه صيام شهرين متتابعين، وإنما لم يكنْ عُذْراً في صوم رمضان، قال ابن حجر: لأنه لا بدلَ له، وذكر أنَّ غلبةَ الجوع ليستْ عذراً ابتداءً؛ لفقده حينئذٍ، فيلزمهُ الشروعُ في الصيام، فإذا عجزَ عنه أفطر وانتقل عنه للإطعام، بخلاف الشَّبَق؛ لوجوده عند الشروع(٢). فيدخلُ صاحبه في عموم قوله تعالى: (فَمَن لَّْ يَسْتَطِعْ). ﴿فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِنَا﴾ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاٌ من تمرٍ أو شعيرٍ ودقيقٍ، كلٌّ كأصله، وكذا السويق، وذلك لأخبارٍ ذكرها ابنُ الهمام في ((فتح القدير))(٣). والصَّاعُ: أربعةُ أمداد. وقال الشافعية: لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ؛ لأنه صَحَّ في روايةٍ، وصَحَّ في الأخرى: صاعٌ، وهي محمولةٌ على بيان الجواز الصادق بالنَّذْب لتعذُِّ النسخ(٤)، فتعيَّن الجمعُ بما ذُكر مما يكونُ فِظْرةً، بأن يكونَ من غالب قوت محلِّ المكفِّر في غالب السنة كالأَقِطَ - ولو للبلديِّ - فلا يُجزئُّ نحو دقيقٍ مما لا يُجزئ في الفطرة عندهم. ومذهبُ مالكٍ كما قال أبو حيان: مُدٌّ وثلثٌ بالمدِّ النبويِّ(٥). وروى عنه ابن وهب مُدَّان. وقيل: مُدٌّ وثلثا مُدِّ، وقيل: ما يُشبع، من غير تَحدید. ولا فَرْقَ بين التمليك والإباحة عندنا، فإن غذَّى الستينَ وعَشَّاهم، أو غذّاهم مرتين، أو عشَّاهم كذلك، أو غذَّاهم وسخّرهم، أو سخّرهم مرَّتين وأشبعهم بخبزٍ (١) أحمد (٢٣٧٠٠)، وأبو داود (٢٢١٣)، وابن ماجه (٢٠٦٢)، والترمذي (١٢٠٠)، والحاكم ٢٠٣/٢. (٢) تحفة المحتاج ٢٠٠/٨-٢٠١. (٣) ٢٤١/٣. (٤) في هامش الأصل و(م): قوله: لتعذر النسخ، فيه تأمل. (٥) البحر المحيط ٢٣٤/٨. الآية : ٤ ٤٩٣ سِوَرَةُ المُجَادلةِّ بُرِّ أو شعيرٍ أو نحوه كَذُرَةٍ بإدام، أجزأه وإن لم يبلغْ ما شبعوا به المقدارَ المعتبرَ في التمليك، ويُعتبرُ اتحادُ الستين، فلو غدَّى مثلاً ستين مسكيناً، وعشَى ستينَ غيرَهم لم يُجْز إلا أن يُعيدَ على إحدى الطائفتين غداءً أو عشاءً، ولو أَطعم مئةً وعشرين مسكيناً في يومٍ واحدٍ أَكلةً واحدةً مشبعةً لم يُجْز إلا عن نصف الإطعام، فإن أعاده على ستين منهم أجزأه. واشترط الشافعية التمليكَ اعتباراً بالزكاة وصدقة الفطر، وهذا لأنَّ التمليكَ أدفعُ للحاجة، فلا ينوبُ منابه الإباحة، ونحن نقول: المنصوصُ عليه هنا هو الإطعام، وهو حقيقةٌ في التمكين من الُعْم، وفي الإباحة ذلك كما في التمليك، وفي الزكاة الإيتاء، وفي صدقة الفطر الأداء، وهما للتمليك حقيقة. كذا في ((الهداية))(١). قال العلامة ابن الهمام: لا يقال: اتفقوا على جواز التمليك، فلو كان حقيقةٌ الإطعام ما ذُكِرَ كان مشتركاً معمَّماً، أو في حقيقته ومجازه؛ لأنَّا نقول: جوازٌ التمليك عندنا بدلالة النص، والدلالةٌ لا تمنعُ العملَ بالحقيقة، كما في حُرْمة الشتم والضرب مع التأفيف، فكذا هذا، فلما نصّ على دَفْع حاجةِ الأكل، فالتمليكُ الذي هو سببٌ لدفع كلِّ الحاجات التي من جملتها الأكلُ أَجْوَزُ، فإنه حينئذٍ دافعٌ لحاجةٍ الأكل وغيره (٢). وذكر الواني أنَّ الإطعامَ جَعْلُ الغيرِ طاعماً، أي: آكلاً؛ لأنَّ حقيقةَ: طَعِمْتُ الطعامَ: أكلتُهُ، والهمزةُ تُعدِّيه إلى المفعول الثاني، أي: جعلتُهُ آكلاً، وأما نحو: أَطعمتُكَ هذا الطعامَ، فيكونُ هبةً وتمليكاً بقرينة الحال، قالوا: والضابطُ أنه إذا ذُكر المفعولُ الثاني فهو للتمليك، وإلا فللإباحة. هذا، والمذكورُ في كتب اللغة أنَّ الإطعامَ إعطاءُ الطعام، وهو أعمُّ من أن يكونَ تمليكاً أو إباحةً. انتهى، فلا تغفل. ويجوزُ الجمعُ بين الإباحة والتمليك لبعض المساكين دون البعض، كما إذا (١) ٣٠١/١. (٢) فتح القدير ٣/ ٢٤٢-٢٤٣. سُورَة المَجَادلةِ ٤٩٤ الآية : ٤ مَلَّكَ ثلاثِينَ وأَطعمَ ثلاثين غداءً وعشاءً، وكذا لرجلٍ واحدٍ في إحدى روايتين، كأنْ غدَّاهُ مثلاً وأعطاهُ مُدًّا، وإن أَعطى مسكيناً واحداً ستينَ يوماً أجزأه، وإن أعطاه في يومٍ واحدٍ لم يُجْزِهِ إلا عن يومه؛ لأنَّ المقصودَ سَدُّ خُلَّةِ المحتاج، والحاجةُ تتجدَّدُ في كلِّ يوم، فالدفعُ إليه في اليوم الثاني كالدفع إليه في غيره، وهذا في الإباحة من غير خلاف، وأما التمليكُ من مسكينٍ واحدٍ بدَفَعاتٍ فقد قيل: لا يجزيه، وقيل: يجزيه؛ لأنَّ الحاجةَ إلى التمليك قد تتجدَّدُ في يومٍ واحدٍ بخلاف ما إذا دفع بدفعة؛ لأنَّ التفريقَ واجبٌ بالنص. وخالف الشافعية، فقالوا: لا بدَّ من الدَّفْع إلى ستينَ مسكيناً حقيقةً، فلا يُجزئُ الدَّفْعُ لواحدٍ في ستينَ يوماً، وهو مذهبُ مالكِ، والصحيح من مذهب أحمد، وبه قال أكثر العلماء؛ لأنه تعالى نصَّ على ستينَ مسكيناً، وبتكرّر الحاجة في مسكينٍ واحدٍ لا يصيرُ هو ستين، فكان التعليلُ بأنَّ المقصودَ سَدُّ خُلَّةِ المحتاج .. إلخ، مُبطلاً لمقتضى النص فلا يجوز. وأصحابنا أشدُّ موافقة لهذا الأصل، ولذا قالوا: لا يُجزئ الدَّفْعُ لمسكينٍ واحدٍ وظيفة ستين بدفعة واحدة، مُعلِّلين له بأنَّ التفريقَ واجبٌ بالنصِّ، مع أنَّ تفريقَ الدَّفع غيرُ مصرَّح به، وإنما هو مدلولٌ التزاميٌّ لعددٍ المساكين، فالنصُّ على العدد أولى؛ لأنه المستلزم، وغايةُ ما يُعطيه كلامهم أنه بتكوُّر الحاجة يتكرَّرُ المسكينُ حُكْماً، فكان تعدُّداً حُكْماً، وتمامهُ موقوفٌ على أنَّ ستينَ مسكيناً في الآية مرادٌ به الأَعمُّ من الستين حقيقةً أو حُكْماً. ولا يخفى أنه مجازٌ فلا مصيرَ إليه بموجبه. فإن قلت: المعنى الذي باعتباره يصيرُ اللفظُ مجازاً ويندرجُ فيه التعدُّد الحكميُّ ما هو؟ قلتُ: هو الحاجةُ، فيكونُ ستينَ مسكيناً مجازاً عن ستينَ حاجة، وهو أعمُّ من كونها حاجات ستين، أو حاجاتٍ واحدٍ إذا تحقَّقَ تكرُّرها، إلا أنَّ الظاهرَ إنما هو عددٌ معدودُه ذواتُ المساكين، مع عقلية أنَّ العددَ مما يقصد لِمَا في تعميم الجميع من بركة الجماعة وشمول المنفعة واجتماع القلوب على المحبة والدعاء. قاله في ((فتح القدير))(١) وهو كلامٌ متينٌ يظهر منه ترجيحُ مذهب الجمهور. (١) ٢٤٣/٣. الآية : ٤ ٤٩٥ سُورَةُ الجَادلةِ وذهب الأصحابُ إلى أنه لا يُشترطُ اتحادُ نوع المدفوع لكلٍّ من المساكين، فلو دَفَعَ لواحدٍ بعضاً من الحنطة وبعضاً من الشعير مثلاً، جاز إذا كان المجموعُ قدر الواجب، كأنْ دَفَعَ رُبعَ صاعٍ من بُرِّ ونصفَ صاعٍ من شعير، وجاز نحو هذا التكميل لاتحاد المقصود وهو الإطعام. ولا يجوزُ دَفْعُ قيمة القَدْر الواجب من منصوص علیه، وهو البُرُّ والشعيرُ، ودقيقُ كلِّ وسويقُهُ، والزبيبُ والتمرُ، إذا كانت من منصوصٍ عليه آخر، إلا أن يبلغَ المدفوعُ الكميةَ المقدَّرة شرعاً، فلو دَفَعَ نصف صاعِ تمرٍ يبلغُ قيمةَ نصف صاع بُرِّ لا يجوز، فالواجبُ عليه أن يُتِمَّ للذين أعطاهم القَدْرَ المقدَّرَ من ذلك الجنس الذي دَفَعَهُ إليهم، فإن لم يجدهم بأعيانهم استأنفَ في غيرهم، ومن غير المنصوص كالأرز والعدس يجوز، كما إذا دَفَعَ ربعَ صاعٍ من أرزِّ يساوي قيمةً نصفٍ صاعٍ من بُرِّ مثلاً، وذلك لأنه لا اعتبار لمعنى النصِّ في المنصوص عليه، وإنما الاعتبارُ في غير المنصوص عليه، ونقل في ذلك خلاف الشافعي رحمه الله تعالى، فلا يجوزُ دَفْعُ القيمة عنده مطلقاً، ولا يجوز في الكفارة إعطاءُ المسكين أقلّ من نصفٍ صاع من البُرِّ مثلاً فقط، ففي ((التتارخانية)): لو أعطى ستين مسكيناً كلَّ مسكينٍ مُدًّا من الحنطة لم يُجْزِ، وعليه أن يُعيدَ مُدَّا آخرَ على كلِّ، فإن لم يجد الأوَّلينَ فأعطى ستين آخرين كُلَّا مدًّا لم يُجْزِ، ولو أعطى كُلَّا من المساكين مُدًّا ثم استغنوا، ثم افتقروا، فأعاد على كلِّ مدًّا لم يُجْزِ، وكذا لو أعطى المكاتَبين مُدَّا مُدًّا، ثم رُدُّوا إلى الرقِّ، ومواليهم أغنياء، ثم كُوتبوا ثانياً، ثم أَعاد عليهم لم يُجْزِ؛ لأنهم صاروا بحالٍ لا يجوزُ دَفْعُ الكفارة إليهم، فصاروا كجنسٍ آخر، وعليه فالمرادُ بـ (ستين مسكيناً»: ستونَ مسكيناً لم يَعرِضْ لهم في أثناء الإطعام ما ينافي ذلك. والظاهرُ أنَّ فاعلَ ((إطعام)) هو المظاهِرُ الغير المستطيع للصيام، ولا فَرْقَ بين أن يُباشِرَ ذلك أو يأمرَ به غيرَهُ، فإن أَمَرَ غيرَهُ فَأَطعم أجزأ؛ لأنه استقراضٌ معنًى، فالفقيرُ قابضٌ له أولاً، ثم يتحقَّقُ تملُّكه ثم تمليكه. والمراد بالمسكين ما يعمُّ الفقيرَ، وقد قالوا: المسكينُ والفقيرُ إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. ويُشتَرطُ أن لا يكون المُظْعَمُ أصلَهُ، أو فَرْعهُ، أو زوجته، أو مملوكه، الآية : ٤ ٤٩٦ سُورَةُ المُجَادلة أو هاشميًّا لمزيد شَرَفه، فُيُجَلُّ عن هذه الغُسَالة، ولا حربيًّا ولو مستأمناً لمزيد خِسَّته، فليس أهلاً لأدنى منفعة، ويجوزُ أن يكون ذِمِّيًّا . ولو دفع بتحرِّ فبان أنه ليس بمصرفٍ أجزأه عندهما خلافاً لأبي يوسف كما في (البدائع)(١) . واستنبطَ الشافعيةُ من التعبير بعدم الوجود عند الانتقال إلى الصوم، وبعدم الاستطاعة عند الانتقال إلى الإطعام، أنه لو كان له مالٌ غائبٌ، ينتظرهُ ولا يصوم، ولو كان مريضاً يُرجى برؤه يُطعم ولا ينتظرُ الصحةَ ليصوم، وهو موافقٌ لمذهبنا في الصوم لا في الإطعام كما سمعتَ. ثم هذا الحكم في الأحرار، أما العبدُ فلا يجوزُ له إلا الصومُ؛ لأنه لا يملكُ، وإن مَلَكَ - والإعتاقُ والإطعامُ شَرْطُهما المِلْكُ - فإن أعتق عنه المولى أو أطعمَ لم يُجْزِ، ولو بأمره. ويجبُ تقديمُ الإطعام على المسيس، فإن قَرُبَ المظاهِرُ المظَاهَرَة في خلاله أَثِمَ، ولم يستأنف؛ لأنه عزَّ وجلَّ ما شَرَطَ فيه أن يكونَ قبل المسيس كما شَرَطَ فيما قبل، ونحن لا نحملُ المطلقَ على المقيَّد وإن كانا في حادثةٍ واحدةٍ بعد أن يكونا حُكْمين، والوجوبُ قيل: لم يثبتْ إلا لتوهُّم وقوع الكفارة بعد التماسِّ، بيانه أنه لو قَدَرَ على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله، يلزمهُ التكفيرُ بالمقدور عليه، فلو مجُوِّزَ للعاجز عنهما القربان قبل الإطعام، ثم اتفقَ قدْرته فَلَزِمَ التكفير به، لَزِمَ أن يقعَ العتقُ بعد التماس، والمفضي إلى الممتنع ممتنعٌ. وتُعِّقبَ بأنَّ فيه نظراً، فإنَّ القدرةَ حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض الذي لا يُرجى زواله أمرٌ موهوٌ، وباعتبار الأمور الموهومة لا تثبتِ الأحكامُ ابتداءً، بل يثبتُ الاستحبابُ وَرَعاً، فالأَولى الاستدلالُ عل حُرْمة المسيس قبل الإطعام لمن يتعيَّن كفارة له بما ورد من حديث: ((اعتزلها حتى تُكفِّر))(٢) ونحوه. (١) ٦/ ٣٨٤. (٢) سلف ص ٤٨٥ . الآية : ٤ ٤٩٧ سُوَّةُ المَجَادِلَةِ وما ذكر من أنه لو قدر على العتق مثلاً خلالَ الإطعام لَزِمَ التكفير به، خالفَ فيه الشافعيةُ، قال ابن حجر عليه الرحمة: لا أثر لقدرته على صوم أو عِثْقٍ بعد الإطعام، ولو لمدٍّ، كما لو شَرَعَ في صومٍ يومٍ من الشهرين فَقَدَرَ على العتق(١). وأجاز بعضُ المسيسَ في خلال الإطعام من غير إثم، ونُقل ذلك عن أبي حنيفة رَّهِ، وهو توهُّمُ نشأ من عدم إيجابه الاستئنافَ، وقد صرَّح في ((الكشاف))(٢) بأنه لا فرق عند أبي حنيفة بين الكفَّارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس، وأنَّ تَرْكَ ذِكْرِه عند الإطعام؛ للدلالة على أنه إذا وُجِدَ في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم. وجعل بعضُهم ذِكْرَ القيد فيما قبل وتَرْكَهُ في الإطعام دليلاً لأبي حنيفة في قوله بعدم الاستئناف، أي: مع الإثم. وتعقَّبه ابن المنيِّر في ((الانتصاف)) بأنَّ لقائلٍ أن يقول لأبي حنيفة: إذا جعلتَ الفائدةَ في ذِكْرِ عدم التماس في بعضها وإسقاطِه من بعضها الفرقَ بين أنواعها، فلِمَ جعلته مؤثِّراً في أحد الحكمين دون الآخر؟ وهل التخصيصُ إلا نوعٌ من التحكّم؟ ثم قال: وله أن يقول: اتفقنا على التسوية بين الثلاث في هذا الحكم، أعني: حُرْمةً المساس قبل التكفير، وقد نطقتِ الآيةُ بالتفرقة، فلم يمكنْ صَرْفُها إلى ما وقع الاتفاق على التسوية فيه، فتعيَّنَ صَرْفُهُ إلى الآخر، هذا منتهى النظر مع أبي حنيفة(٣). وأطال الكلام في هذا المقام بما لا يخلو عن بحثٍ على أصول الإمام. وإذا عجز المظاهر عن الجميع، قال الشافعية: استقرَّتْ في ذِمَّته، فإذا قَدَرَ على خَصْلةٍ فَعَلها، ولا أَثَرَ لقدرته على بعضٍ عِثْقٍ أو صومٍ، بخلاف بعضٍ الطعام ولو بعضَ ما يجِب لواحدٍ من المساكين، فيخرجه ثم الباقي إذا أَيسر. والظاهرُ بقاءُ حُرْمة المسيس إلى أن يؤدِّيَ الكفارةَ تماماً، ولم يُبالِ بإضرار (١) تحفة المحتاج ٢٠١/٨. (٢) ٤ / ٧٢. (٣) الانتصاف (مع الكشاف) ٤/ ٧١-٧٢. سُورَةُ المَجَادلةِ ٤٩٨ الآية : ٤ المرأة بذلك؛ لأنَّ الإيسارَ مترقّبٌ كزوال المرض المانع من الجماع، ولم أراجعْ حكم المسألة في الظهار عند الحنفية، وأما في الجماع في نهار رمضان الموجب للكفارة فقد قال ابن الهمام بعد نَقْلٍ حديث الأعرابيِّ الواقع على امرأته فيه، العاجز عن الخصال الثلاثة، وفيه: فَأَتَيَ النبيُّ وَّ بِعَرَقٍ فيه تمر فقال: ((تَصدَّقْ به)) فقال: أَعَلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أفقر مني، ولا أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك وَّرِ حتى بَدَتْ نواجذه ثم قال: ((خُذْهُ فأطعمه أهلك))، [و] في لفظ لأبي داود: زادَ الزهريُّ: وإنما كان هذا رخصة له خاصة، ولو أنَّ رجلاً فعل ذلك اليوم لم يكنْ لهُ بُدٌّ من التكفير(١). وجمهور العلماء على قوله. وذكر النوويُّ في ((شرح صحيح مسلم))(٢) أنَّ للشافعيِّ في هذا العاجز قولين: أحدهما: لا شيءَ عليه - واحتجَّ له بحديث الأعرابيِّ المذكور؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقلْ له: إنَّ الكفارةَ ثابتةٌ في ذمته، بل أَذِنَ له في إطعام عياله. والثاني - وهو الصحيح عند أصحابنا وهو المختار -: أنَّ الكفارةَ لا تسقطُ، بل تستقرُّ في ذِمَّته حتى يتمكَّن، قياساً على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات، كجزاء الصيد وغيره، وأما الحديثُ فليس فيه نفيُ استقرار الكفارة، بل فيه دليلٌ لاستقرارها؛ لأنه أَخبرَ النبيَّ وَّه بالعجز عن الخصال، ثم أُتيَ عليه الصلاة والسلام بعرقِ التمر، فأمره بإخراجِه في الكفارة، فلو كانت تسقطُ بالعَجْزِ لم يكنْ عليه شيءٌ، فلم يأمره بالإخراج، فدلَّ على ثبوتها في ذمته، وإنما أَذِنَ له في إطعام عياله؛ لأنه محتاجٌ إلى الإنفاق عليهم في الحال، والكفارةُ واجبةٌ على التراخي، وإنما لم يُبيِّنْ عليه الصلاة والسلام بقاءها في ذمته؛ لأنَّ تأخيرَ البيان إلى وقت الحاجة جائزٌ عند جماهير الأصوليين، فهذا هو الصوابُ في معنى الحديث وحكم المسألة، وفيها أقوالٌ وتأويلاتٌ أُخَر ضعيفة. انتهى. ومن الناس من قال: لم يكن هناك تأخيرُ بيانٍ وإنما اكتفى نَّهَ بِفَهْم الأعرابيِّ (١). فتح القدير ٢/ ٧٢. وما بين حاصرتين منه. (٢) ٢٢٤/٧-٢٢٥. الآية : ٥ ٤٩٩ سُورَةُ الجَّادلةِ عن التصريح له بالاستقرار، والأخبار في وقوع مثل ذلك للمظاهِر مضطربةٌ كما لا يخفى على مَنْ راجعَ ((الدرَّ المنثورَ))(١) للسيوطي. ومسائلُ الظهار كثيرةٌ، والمذاهِبُ في ذلك مختلفةٌ، ومَنْ أراد كمالَ الاطّلاع فليرجع إلى كتب الفروع، ولولا التأسِّي ببعض الأَجِلَّةِ لَمَا ذكرنا شيئاً منها، ومع هذا لا يخلو أكثرُه عن تعلُّقٍ بتفسير الآية، والله تعالى أعلم. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما مرَّ من البيان والتعليم، ومحلُّهُ إما الرفعُ على الابتداء، أو النصبُ بمضمَرٍ معلَّلٍ بما بعده، أي: ذلك واقعٌ، أو فَعَلنا ذلك ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولٍِ﴾ وتعملوا بشرائعه التي شَرَعها لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهلیتکم . ﴿وَيَلْكَ﴾ الأحكامُ المذكورةُ ﴿حُدُودُ اَللَّهُ﴾ التي لا يجوزُ تعدِّيها، فالزموها وقفوا عندها . ﴿وَلِلْكَفِرِينَ﴾ أي: الذين يتعدَّونها ولا يعملون بها ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على كُفْرهم، وأُطلقَ الكافر على متعدِّي الحدود تغليظاً لزجره، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يعادونهما ويشاقُّونهما؛ لأنَّ كلَّ من المتعادِيَين في حدٍّ وجهةٍ غير حَدِّ الآخَرِ وَجِهَتِهِ، كما أنَّ كلَّ منهما في عُدوةٍ وشَقِّ غير عُدوةِ الآخر وشَقّه. وقيل: إطلاقُ ذلك على المتعادِيَين باعتبار استعمال الحديد؛ لكثرة ما يقع بينهما من المحاربة بالحديد؛ كالسيوف والنِّصال وغيرها. والأول أظهر. وفي ذكر المحادّة في أثناء ذِكْر حدود الله تعالى دون المعاداة والمشاقّة حُسْنُ موقع جاوَزَ الحدَّ. وقال ناصر الدين البيضاوي: أو يضعونَ أو يختارون حدوداً غير حدود الله تعالى ورسوله وَ﴾(٢). ومناسبته لما قبله في غاية الظهور. (١) ١٧٩/٦ وما بعدها . (٢) تفسير البيضاوي ١٦٩/٨. سُورَةُ المَجَادلةِ ٥٠٠ الآية : ٥ قال المولى شيخ الإسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيدٌ عظيمٌ للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أموراً خلافَ ما حَدَّه الشرعُ، وسمَّوها: الْيَسَا (١) والقانون، والله تعالى المستعان على ما يصفون. وقال شهاب الدين الخفاجي بعد نقله: وقد صنَّفَ العارفُ بالله الشيخُ بهاء الدين قدَّسَ الله تعالى روحه رسالةً في كُفْر من يقول: يعملُ بالقانون والشرع إذا قابل بينهما، وقد قال الله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقد وَصَلَ الدينُ إلى مرتبةٍ من الكمال لا تقبل(٢) التكميل، وإذا جاء نهر الله بَطَلَ نهرٌ مَعْقِل، ولكن أين مَنْ يعقل(٣)؟! انتهى. وليتني رأيتُ هذه الرسالة ووقفتُ على ما فيها، فإنَّ إطلاقَ القول بالكفر (٤) مشكلٌ عندي، فتأمل(٥). ثم إنه لا شبهة في أنه لا بأس بالقوانين السياسية (٦) ... (١) جاء في هامش الأصل و(م): اليسا هو بياء مثناة تحتية وسين مهملة: وضع قانون للمعاملة، ويقال: يسق، لفظ غير عربي. كذا قاله الشهاب، ورأيت في بعض كتب اللغة التركية أنَّ يصاق - بفتح الياء والصاد المهملة بعدها ألف بعدها قاف - معناه: المنع. (٢) في الأصل و(م): يقبل. والمثبت من المصدر. (٣) حاشية الشهاب ١٦٩/٨. (٤) في الأصل: بكفر من يقول ذلك. (٥) جاء في هامش الأصل: وقد علمت ما قال المحققون في إكفار المسلم من أنه إذا كان في المسألة تسعة وتسعون قولاً في الإكفار وقول واحد بعدم الإكفار يفتى بعدم الإكفار، وأنه ينبغي للمفتي أن يؤوِّل ما ظاهره كفر إذا صدر من مسلم صوناً له عما يلزم المرتد، والعياذ بالله عز وجل. (٦) جاء في هامش (م): أرسل إلينا الفاضل الأديب الأستاذ الشيخ محمد بهجة الأثري مقالةً تتعلّقُ بالقوانين السياسية، وأخبرنا أنه وجدها بهامش نسخة الأصل المخطوطة بخطّ أحد تلاميذ المؤلف رحمه الله تعالى، فوضعناها في مكانها إتماماً للفائدة. يقول محمد بهجة الأثري البغدادي: قوله: ثم إنه لا شبهةَ في أنه لا بأس بالقوانين السياسية .. إلى قوله: كما لا يخفى على العارف النبيه. ليس للمؤلف، وإنما وجدته على هامش الأصل بخطّ أحد تلاميذه، وقد كتبه عِوَضاً عن بحثٍ نفيس لصاحب التفسير في القانون والشرع، لم تسمح السلطةُ الغاشمةُ بنشره، وإليك نصّ ذلك نقلاً عن خَطّه : =