Indexed OCR Text
Pages 461-480
التفسير الإشاري ٤٦١ سُؤَةُ الحَدَيْك وقرأ عبد الله: ((أن لا يقدروا)) بحذف النون(١)، على أنَّ ((أنْ)) هي الناصبة للمضارع، والله تعالى أعلم. ومما ذكره المتصوفة قُدِّسَت أسرارهم في بعض آياتها: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْأَخِرُ وَالَِّرُ وَالْبَالِ﴾ قالوا: هو إشارةٌ إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطةِ بالكلِّ. وقالوا: في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم لا وجودَ لهم في جميع مراتبهم بدون وجودِه عز وجل. وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَِّلَ فِى التّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَلِ﴾ إشارةٌ إلى ظهور تجلِّي الجلال في تجلِّ الجمال، وبالعكس. ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِّهِ﴾ إشارةٌ للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوِّي استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكِّنين فيه من الأحوال والملكات. وقال سبحانه: ﴿أَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ لئلا يقنَط القاسي من رحمته تعالى، ويترُكَ الاشتغالَ بمداواة القلب الميت. ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أوردها الصوفية في باب الرعاية، وقسموها إلى رعاية الأعمال والأحوال والأوقات، ويرجِعُ ما قالوه فيها - على ما قيل - إلى حفظها عن إيقاع (٢) خللٍ فيها . ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْيِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْتِهِ﴾ أي: نصيبَين، نصيباً من معارف الصفاتِ الفعلية، ونصيباً من معارف الصفات الذاتية ﴿وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا﴾ من نور ذاته عز وجل، وهو - على ما قيل - إشارةٌ إلى البقاء بعد الفناء، وقيل: هذا النور إشارةٌ إلى نور الكشف والمشاهدة، رتَّبَ سبحانه جعلَه للمؤمن على تقواه وإيمانِهِ برسوله الأعظم وَليفر . (١) المحرر الوجيز ٣٧١/٥، والبحر المحيط ٢٢٩/٨. (٢) في الأصل: اتباع. سُورَةُ الحَدِ ٤٦٢ التفسير الإشاري وقيل: هو نورُ العلم النافع الذي يتمكَّن معه من السير في الحضرات الإلهية كما يُشِير إليه وصفه بقوله عز وجل: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾؛ وفي بعض الآثار: مَن عمل بما علم علَّمه الله تعالى عِلْمَ ما لم يعلَم(١). وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وكلُّ ذلك في الحقيقة فضلُ الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم، نسألُه سبحانه أنْ لا يحرِمَنا من فضله العظيم ولُطفِه العميم، وأنْ يُثبِّتَنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم. (١) سلف ١٠٦/١. سُورَةُ المُجَادْلَةِ بفتح الدال وكسرها، والثاني هو المعروف، وتسمَّى سورة ((قد سمع))، وسُمِّيتْ في مصحف أُبيِّ ◌َه: الظّهار. وهي - على ما روي عن ابن عباس وابن الزبير ﴿ه - مدنيَّةٌ؛ قال الكلبيُّ: وابن السائب: إلا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [الآية: ٧]، وعن عطاء: العشرُ الأوَّلُ منها مدنيٍّ، وباقيها مكِّي، وقد انعكسَ ذلك على البيضاويٌّ(١). وآيُها(٢) إحدى وعشرون في المكي والمدني الأخير، واثنتان وعشرون في الباقي، وفي ((التيسير)): هي عشرون وأربع آيات. وهو خلافُ المعروف في كتاب ((العدد))(٣). ووجه مناسبتها لما قبلها أنَّ الأولى خُتمتْ بفضل الله تعالى، وافتتحت هذه بما هو من ذلك، وقال بعض الأَجلَّة في ذلك: لَمَّا كان في مَطْلع الأولى ذِكْرُ صفاته تعالى الجليلة، ومنها: ((الظاهر والباطن))، وقال سبحانه: ﴿يَعْلُُّ مَا يَلِجُ فِى اَلْأَرْضِ وَمَا يَخْجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ التَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَّأْ وَهُوَ مَعَّكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] افتتح هذه بذِكْر أنه جلَّ وعلا سَمِعَ قولَ المجادلة التي شَكَتْ إلیه تعالى، ولهذا قالت عائشة - فيما رواه النسائي وابن ماجه والبخاري تعليقاً (٤) - حين نزلت: الحمد لله الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، لقد جاءت المجادلة إلى النبيِّ وَِّ تُكلِّمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمعُ ما تقول، فأنزل الله تعالى: (قَدْ سَمِعَ) إلخ. (١) حيث قال في تفسيره ١٢١/٥: مدنية، وقيل: العشر الأول مكي والباقي مدني. (٢) في (م): وأنها، وهو تحريف. (٣) من أنَّ عددها إحدى وعشرون أو اثنتان وعشرون. البيان في عَدِّ آي القرآن لأبي عمرو الداني ص٢٤٢. (٤) النسائي في المجتبى ١٦٨/٦، وابن ماجه (٢٠٦٣)، والبخاري قبل الحديث (٧٣٨٦)، وهو عند أحمد (٢٤١٩٥). الآية : ١ ٤٦٤ سُورَةُ المُجَادْلَةِ وذَكَرَ سبحانه بعد ذلك: (أَلَمَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) الآية، وهي تفصيلٌ لإجمال قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمَّ) وبذلك تُعرَفُ الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشرِ، مع تواخيهما في الافتتاح بـ (سبَّحَ)). إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ بإظهار الدال، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ وابن محيصن بإدغامها في السين(١)، قال خلف بن هشام البزار: سمعتُ الكسائيَّ يقول: من قرأ: ((قد سمع)) فبيَّنَ الدالَ، فلسانه أعجميٌّ ليس بعربيٍّ. ولا يُلتفتُ إلى هذا، فكلا الأمرين فصيحٌ متواترٌ، بل الجمهور على البيان. ﴿قَوْلَ أَلَّى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ أي: تراجعك الكلامَ في شأنه وفيما صَدَرَ عنه في حَقِّها من الظهار، وقرئ: ((تحاورك)) - والمعنى على ما تقدَّم - و((تحاولك))، أي: تسائلك(٢). ﴿وَتَشْتَكِّ إِلَى اللَّهِ﴾ عَظْفٌ على ((تجادلك)) فلا محلَّ للجملة من الإعراب، وجُوِّزَ كونها حالاً، أي: تجادلك شاكيةً حالها إلى الله تعالى، وفيه بُعْد معنى، ومع هذا يُقدَّرُ معها مبتدأ، أي: وهي تشتكي؛ لأنَّ المضارعيةَ لا تقترنُ بالواو في الفصيح، فيقدَّرُ معها المبتدأُ لتكونَ اسميةً. واشتكاؤها إليه تعالى: إظهارُ بَثِّها وما انطوتْ عليه من الغَمِّ والهَمِّ وتضرّعها إليه عزَّ وجلَّ، وهو من الشَّكْو، وأصله فَتْحُ الشَّكْوَةِ وإظهارُ ما فيها، وهي سقاءٌ صغيرٌ يجعلُ فيه الماء، ثم شاع في ذلك. وهي امرأةٌ صحابيةٌ من الأنصار، اختلفَ في اسمها واسم أبيها، فقيل: خولةُ بنتُ ثعلبةَ بن مالك، وقيل: بنتُ خويلد، وقيل: بنتُ حكيم، وقيل: بنتُ (١) النشر ٣/٢-٤. (٢) القراءتان في الكشاف ٦٩/٤، والأولى عزاها في القراءات الشاذة ص١٥٣ لابن مسعود. الآية : ١ ٤٦٥ سُورَةُ الجَادلة الصامت، وقيل: خويلةٌ - بالتصغير - بنتُ ثعلبة، وقيل: بنتُ مالك بن ثعلبة، وقيل: جميلةُ بنت الصامت، وقيل غير ذلك، والأكثرون على أنها خولةُ بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية. وأكثر الرواة على أنَّ الزوجَ في هذه النازلة أوسُ بن الصامت أخو عبادةً بن الصامت، وقيل: هو سلمةُ بن صَخْرِ الأنصاري، والحقُّ أنَّ لهذا قصةٌ أخرى(١). والآيةُ نزلت في خولة وزوجها أوس، وذلك أنَّ زوجَها أوساً كان شيخاً كبيراً، قد ساء خُلُقه، فدخل عليها يوماً فراجعته بشيءٍ فغضب، فقال: أنت عليَّ كظهر أمي - وكان الرجل في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حَرُمَتْ عليه، وكان هذا أول ظهارٍ في الإسلام - فندمَ من ساعته، فدعاها فأبتْ، وقالت: والذي نفسُ خولةً بيده لا تَصِلُ إليَّ وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكمَ الله ورسوله نَّه فينا، فأتتْ رسولَ الله وَله فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أوساً تزوَّجني وأنا شابةٌ مرغوبٌ فيَّ، فلما خلا سِنِّي، ونَثَرْتُ بطني - أي: كَثُرَ ولدي - جعلني عليه كأمِّه، وتركني إلى غير أحد، فإنْ كنتَ تجدُ لي رخصةً يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدِّثني بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((والله ما أُمرتُ في شأنك بشيءٍ حتى الآن))، وفي رواية: ((ما أراك إلا قد حَرُمْتِ عليه)) قالت: ما ذَكَرَ طلاقاً، وجادلتْ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شِدَّةً وحدتي وما يشقُّ عليَّ من فراقه. وفي رواية: قالت: أشكو إلى الله تعالى فاقتي وشِدَّة حالي، وإنَّ لي صبيةٌ صغاراً، إن ضَمَمْتُهمْ إليه ضاعوا، وإن ضَمَمْتُهم إليَّ جاعوا. وجعلتْ ترفعُ رأسَها إلى السماء وتقول: اللهمَّ إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيِّك. وما برِحَتْ حتى نزل القرآن فيها، فقال ◌َّهر: ((يا خولةُ أبشري)) قالت: خيراً؟ فقرأ عليه الصلاة والسلام عليها: (قَدّ سَيِعَ اللَّهُ) الآيات(٢). وكان عمر ظبه يكرمها إذا دخلتْ عليه ويقول: قد سمع الله تعالى لها. وروى (١) أخرجها أحمد (١٦٤٢١)، وأبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، وابن ماجه (٢٠٦٦). (٢) أخرجه أحمد (٢٧٣١٩)، وأبو داود (٢٢١٤) و(٢٢١٥)، وابن الجارود (٧٤٦)، والطبراني في الكبير (٦١٦) و٢٤/ (٦٣٣)، والبيهقي ٣٨٩/٧، ٣٩١-٣٩٢. الآية : ١ ٤٦٦ سُوَّةُ الجَادلةِ ابن أبي حاتم والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)): أنها لقيَتهُ رَظُه وهو يسيرُ مع الناس فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها، ووضعَ يده على منكبيها حتى قضتْ حاجتها وانصرفت، فقال له رجلٌ: يا أمير المؤمنين حَبَسْتَ رجالَ قريشٍ على هذه العجوز. قال: ويحكَ أتدري مَنْ هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأةٌ سَمِعَ الله تعالى شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولةُ بنتُ ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليلُ ما انصرفتُ حتى تقضيَ حاجتَها (١). وفي روايةٍ للبخاريِّ في ((تاريخه))(٢) أنها قالت له: قفْ يا عمر. فوقفَ، فأغلظتْ له القولَ، فقال رجلٌ: يا أمير المؤمنين ما رأيتُ كاليومَ! فقال څبه: وما يمنعني أن أستمعَ إليها، وهي التي استمعَ الله تعالى لها، فأَنزل فيها ما أنزل: (قَدّ سَيِعَ اللَّهُ) الآيات. والسماع مجازٌ عن القَبول والإجابة بعلاقة السببية أو كنايةٌ عن ذلك، و((قد)» للتحقيق أو للتوقُّع، وهو مصروفٌ إلى تفريج الكَرْب لا إلى السمع؛ لأنه محقَّقٌ، أو إلى السمع؛ لأنه مجازٌ أو كناية عن القبول، والمراد توقّع المخاطب ذلك، وقد كان ◌َّ يتوقَّعُ أن يُنزِلَ الله تعالى حُكْمَ الحادثة، ويُفرِّجَ عن المجادلة كَرْبها، وفي الأخبار ما يُشعر بذلك. والسمع في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاً﴾ على ما هو المعروفُ فيه من كونه صفةً يُدرك بها الأصوات غيرَ صفة العلم، أو كونِه راجعاً إلى صفة العلم. والتحاور: المرادَّةُ في الكلام، وجُوِّزَ أن يُرادَ به الكلامُ المردَّد، ويقال: كلَّمتهُ فما رَجَعَ إليَّ حَوَاراً وحَويراً ومَحُورَةً، أي: ما رَدَّ عليَّ بشيءٍ، وصيغةُ المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدُّده، وفي نَظْمها في سِلْكِ الخطاب تغليباً تشريفٌ لها من جهتين، والجملةُ استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله، فإنَّ إلحافَها في المسألة ومبالغتَها في التضرُّع إلى الله تعالى، ومدافعته عليه الصلاة والسلام إياها وعِلْمَهُ عزَّ وجلَّ بحالهما من دواعي الإجابة. (١) الدر المنثور ١٧٩/٦، والأسماء والصفات (٨٨٦). (٢) ٢٤٥/٧. الآية : ٢ ٤٦٧ سُورَةُ الجَادلةِ وقيل: هي حالٌ كالجملة السابقة، وفيه أيضاً بُعْدٌ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تعليلٌ لما قبله بطريق التحقيق، أي: إنه تعالى يسمعُ كلَّ المسموعات، ويُبصرُ كلَّ المبصَرات على أتمٍّ وجهٍ وأكمله، ومن قضية ذلك أن يسمعَ سبحانه تحاورهما، ويرى ما يقارنه من الهيئات التي من جملتها رَفْعُ رأسها إلى السماء، وسائر آثار التضرُّع. والاسمُ الجليلُ في الموضعين لتربية المهابة وتعليلِ الحُكم بما اشتهر به الاسمُ الجليل من وَصْفِ الألوهية وتأكيدِ استقلال الجملتين. وقوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُظَّهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآَبِهِمْ﴾ شروعٌ في بيان شأن الظّهار في نفسه، وحُكْمِه المترتّبِ عليه شرعاً، وفي ذلك تحقيقُ قبول تضرُّع تلك المرأة وإشكاؤها(١) بطريق الاستئناف. والظهار لغةً: مصدرُ ظاهَرَ، وهو مفاعلةٌ من الظّهر، ويُرادُ به معانٍ مختلفةٌ راجعةٌ إلى الظّهر معنًى ولَفْظاً باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهَرَ زيدٌ عَمْراً، أي: قابَلَ ظَهْرَهُ بظهره حقيقةً، وكذا إذا غايظه وإن لم يقابل حقيقة، باعتبار أنَّ المغايظةَ تقتضي هذه المقابلة، وظاهَرَهُ: إذا نَصَرَهُ، باعتبار أنه يقال: قوَّى ظَهْرَهُ: إذا نَصَرَهُ، وظاهَرَ بين ثوبين: إذا لَبسَ أحدهما فوقَ الآخر، باعتبار جَعْل ما يلي به كلّ منهما الآخر ظَهْراً للثوب، وظاهَرَ من امرأته إذا قال لها: أنت عليَّ كَظَهْرِ أمي، وغاية ما يلزمُ كونُ لفظ الَّهْر في بعض هذه التراكيب مجازاً، وهو لا يمنعُ الاشتقاقَ منه، ويكون المشتَقُّ مجازاً أيضاً، وهذا الأخيرُ هو المعنى الذي نزلتْ فيه الآيات. وعرَّفه الحنفيةُ شَرْعاً بأنه: تشبيهُ المنكوحة، أو عضوٍ (٢) منها يُعبَّرُ به عن الكُلِّ كالرأس، أو جزءٍ(٣) شائعٍ منها كالثلث، بقريبٍ مُحرَّمٍ عليه على التأبيد، أو بعضوٍ منه يَحرُمُ عليه النظرُ إليه. (١) أي: إزالة شكايتها. القاموس (شكر). (٢) في (م): عضواً. (٣) في (م): جزءاً. الآية : ٢ ٤٦٨ سُورَةُ الجَادلةِ وحكي عن الشافعية أنه: تشبيهها أو عضوٍ منها بمحرَّم من نَسَبٍ، أو رضاعٍ، أو مصاهرة، أو عضوٍ منه لا يُذْكَرُ للكرامة كاليد والصدر، وكذا العضو الذي يُذكَّرُ لها كالعين والرأس إن قَصَدَ معنى الظهار، وهو التشبيهُ بتحريم نحو الأم، لا إن قَصَدَ الكرامةَ أو أطلقَ في الأصح، وتخصيصُ المحرَّم بالأمِّ قولٌ قديمٌ للشافعيِّ عليه الرحمة، وتفصيلُ ذلك في كتب الفقه للفريقين. وكان الظهار بالمعنى السابق طلاقاً في الجاهلية، قيل: وأول الإسلام. وحكى بعضُهم أنه كان طلاقاً يُوجبُ حرمةً مؤبَّدةً لا رجعةَ فيه، وقيل: لم يكنْ طلاقاً من كلٍّ وجهٍ، بل لتبقى معلَّقةً، لا ذاتَ زوجٍ ولا خليةً تَنكِحُ غيرَهُ، وذَكَرَ بعضُ الأَجلَّة أنهم كانوا يعدُّونه طلاقاً مؤكّداً باليمين على الاجتناب، ولذا قال الشافعية: إنَّ فيه الشائبتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى حكمه الشرعي. وعُدِّي بـ ((من)) مع أنه يتعدَّى بنفسه لتضمُّنه معنى التبعيدِ، ولِمَا سمعتَ أنه كان طلاقاً، وهو مبعدٌ. والظّهر في قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي، قيل: مجازٌ عن البطن؛ لأنه إنما يَرْكَبُ البطنَ، فـ((كظهر أمي)) أي: كبطنها، بعلاقةِ المجاورة، ولأنه عموده، لكن لا يظهرُ ما هو الصارفُ عن الحقيقة من النكات. وقيل: خُصَّ الظهرُ لأنه محلُّ الركوب، والمرأةُ مركوبُ الزوج، ومن ثمَّ سُمِّيَ المركوبُ ظهراً. وقيل: خُصَّ ذلك، لأنَّ إتيانَ المرأة من ظهرها في قُبُلها كان حراماً، فإتيانه أمَّه من ظهرها أحرمُ، فكَثُرَ التغليظ. وإقحام ((منكم)) في الآية للتصوير والتهجين؛ لأنَّ الظّهارَ كان مخصوصاً بالعرب، ومنه يُعلَمُ أنه ليس من مفهوم الصِّفة ليستدلَّ به على عدم صحة ظهار الذميِّ كما حُكي عن المالكية، ومن هنا قال الشافعية: يصحُّ من الذِّمِّيِّ والحربيِّ؛ لعموم الآية، وكذا الحنابلة. والحنفيةُ يقولون: لا يصحُّ منهما، وفي روايةٍ عن أبي حنيفةَ صِحَّته من الذمي، والروايةُ المعوَّلُ عليها عدمُ الصِّحَّة؛ لأنه ليس من أهل الكفارة، وشُنِّع على الشافعية في قولهم بصحّته منه مع اشتراطهم النيةَ في الكفارة، الآية : ٢ ٤٦٩ سُورَةُ المُجَادِلَةِ والإيمانَ في الرقبة، وتعذُّر ملكه لها؛ لأنَّ الكافرَ لا يملكُ المؤمن. وقال بعضُ أجِلَّتهم: إنَّ في الكفارة شائبة الغرامات، ونيَّتها في كافرٍ كَفَّرَ بالإعتاق للتمييز كما في قضاء الديون، لا الصوم؛ لأنه لا يصحُّ منه لأنه عبادةٌ بدنيةٌ، ولا ينتقلُ عنه للإطعام لقدرته عليه بالإسلام، فإن عجزَ انتقلَ ونوى للتمييز أيضاً، ويُتَصوَّرُ مِلْكُهُ للمسلم بنحو إرثٍ أو إسلامٍ قِنِّه، أو يقول لمسلم: أعتِقْ فِنَّكَ عن كفَّارتي. فيجيب، فإن لم يمكنهُ شيءٌ من ذلك وهو مظاهِرٌ موسِرٌ، مُنِعَ من الوطء لقدرته على مِلْكه بأن يُسْلِمَ فيشتريه(١). انتهى. وفي كتب بعض الأصحاب كـ ((البحر))(٢) وغيره كلامٌ مع الشافعية في هذه المسألة فيه نقضٌ وإبرامٌ لا يخلو عن شيءٍ، والسبب في ذلك قلةُ تتبّعٍ معتبرات كتبهم. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو: ((يظَهَّرون)) بشدِّ الظاء والهاء، والأخوان وابن عامر: (يَظَّاهرون)) مضارعُ: أَّاهَر(٣)، وأبيُّ: ((يَتَظاهرون)) مضارعُ: تظاهر (٤)، وعنه أيضاً: ((يتظهَّرون))(٥) مضارع: تظهَّر. والموصول مبتدأً خبرهُ محذوف، أي: مخطؤون، وأُقيم دليله وهو قوله تعالى: ﴿َّا هُنَ أُنَّهَتِهِمْ﴾ مقامه، أو هو الخبرُ نفسُهُ، أي: ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة، فهو كَذِبٌ بَحْتٌ. وقرأ المفضَّل عن عاصم: ((أمهاتُهم)) بالرفع على لغة تميم (٦)، وقرأ ابن مسعود (بأمهاتهم)) بزيادة الباء(٧)، قال الزمخشريُّ: في لغةٍ مَنْ ينصب(٨)، أي: بـ ((ما)) الخبرَ، وهم الحجازيون، يعني أنهم الذين يزيدون الباءَ دون التميميين، وقد تبعَ في (١) ينظر تحفة المحتاج ١٨٨/٨-١٨٩. (٢) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم الحنفي ٤/ ١٠٤ . (٣) التيسير ص٢٠٦-٢٠٧، والنشر ٣٨٥/٢ (٤) القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحرر الوجيز ٢٧٣/٥، والبحر المحيط ٢٣٢/٨. (٥) القراءات الشاذة ص ١٥٣، والمحرر الوجيز ٢٧٣/٥، والبحر المحيط ٢٣٢/٨. (٦) السبعة ص٦٢٨، والبحر المحيط ٢٣٢/٨، وهي خلاف المشهور عن عاصم. (٧) القراءات الشاذة ص١٥٣، والكشاف ٧٠/٤، والمحرر الوجيز ٢٧٣/٥ . (٨) الكشاف ٤/ ٧٠. سُورَةُ الجَادلةِ ٤٧٠ الآية : ٣ ذلك أبا عليٍّ الفارسي(١)، ورُدَّ بأنه سُمِعَ خلافه، كقول الفرزدق وهو تميميٍّ: لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌّ بتاركِ حَقِّه ولا مُنسىٌ مَعْنٌ ولا مُتيسِّر(٢) ﴿إِنْ أُمَّهَتُهُمْ﴾ أي: ما أمهاتهم على الحقيقة ﴿إِلَّ الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ﴾ فلا يُشبَّهُ بهنَّ في الحرمة إلا مَنْ أَلحقها الله تعالى بهنَّ كالمرضعات ومنكوحات الرسول وَّهِ، فَدَخَلْنَ في حكم الأمهات، وأما الزوجاتُ فأبعدُ شيءٍ من الأمومة. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ يُنكرهُ الشرعُ والعقل والطّبع أيضاً، كما يُشعر به التنكير، ومناطُ التأكيد كونه منكراً، وإلا فصدور القول عنهم أمرٌ محقَّقٌ. ﴿وَزُورًا﴾ أي: وكَذِياً باطلاً منحرفاً عن الحق، ووجهُ كون الظهار كذلك عند مَنْ جعله إخباراً كاذباً علَّقَ عليه الشارعُ الحرمة والكفارة ظاهرٌ، وأما عند مَنْ جعله إنشاءً لتحريم الاستمتاع في الشرع - كالطلاق على ما هو الظاهر - فوجههُ أنَّ ذلك باعتبار ما تضمَّنه من إلحاق الزوجة بالأمِّ المنافي لمقتضى الزوجية. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ﴾ أي: مبالغٌ في العفو والمغفرة، فيغفرُ ما سلف منه، ويعفو عمَّن ارتكبه مطلقاً، أو بالتوبة. ويُعلَمُ من الآيات أنَّ الظُّهارَ حرامٌ، بل قالوا: إنه كبيرةٌ؛ لأنَّ فيه إقداماً على إحالة حُكْم الله تعالى وتبديله بدون إذنه، وهذا أخطرُ من كثيرٍ من الكبائر؛ إذ قضيّتُهُ الكفر لولا خلوُّ الاعتقاد عن ذلك، واحتمالُ التشبيه لذلك وغيره، ومن ثَمَّ سمَّاه عزَّ وجلَّ: (منكرا من القول وزورا)) وإنما كره - على ما ذكره بعض الشافعية -: أنتِ عليَّ حرامٌ؛ لأنَّ الزوجيةَ ومطلقَ الحرمة يجتمعان، بخلافها مع التحريم المشابه لتحريم نحو الأمّ، ومن ثَمَّ وَجَبَ هنا الكفارةُ العظمى، وثَمَّ - على ما قالوا - كفارةُ يمين. وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ إلخ، تفصيلٌ لحُكُمٍ الظهار بعد بيان كونه أمراً منكراً بطريق التشريع الكُلِّيِّ المنتظم لحُكْم الحادثة انتظاماً أوَّليًّا . (١) الحجة للقراء السبعة ٦/ ٢٧٧. (٢) ديوان الفرزدق ٣١٠/١. الآية : ٣ ٤٧١ سُورَةُ الجَادلةِ والموصولُ مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ﴾ مبتدأ آخر خبرُه مقدَّرٌ، أي: فعليهم تحريرُ رقبة، أو فاعلُ فعلٍ مقدَّرٍ، أي: فيلزمهم تحريرُ، أو خبرُ مبتدأ مقدَّرٍ، أي: فالواجبُ عليهم تحرير، وعلى التقادير الثلاثة الجملةُ خبرُ الموصول، ودخلتهُ الفاءُ لتضمُّنِ المبتدأ معنى الشرط. و(ما)) موصولةٌ أو مصدريةٌ، واللام متعلِّقةٌ بـ ((يعودون))، وهو يتعدَّى بها كما يتعدَّى بـ ((إلى)) وبـ ((في))، فلا حاجةً إلى تأويله بأحدهما كما فعل البعض. والعَوْدُ لما قالوا على المشهور عند الحنفية: العَزْمُ على الوطء، كأنه حمل العَوْد على التدارك مجازاً؛ لأنَّ التداركَ من أسباب العَوْد إلى الشيء، ومنها المَثَلُ: عاد غيثٌ على ما أفسد (١). أي: تدارَكَهُ بالإصلاح، فالمعنى: والذين يقولون ذلك القولَ المنكر، ثم يتداركونه بنقضه، وهو العزمُ على الوطء، فالواجبُ عليهم إعتاقُ رقبة. ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَشَأْ﴾ أي: كلٌّ من المظاهِرِ والمظاهَرِ منها، والتماسُّ: قيل: كنايةٌ عن الجماع، فيحرُم قبل التكفير على ما تدلُّ عليه الآية، وكذا دواعيه من التقبيل ونحوه عندنا، قيل: وهو قولُ مالك والزهري والأوزاعي والنخعي، وروايةٌ عن أحمد، فإنَّ الأصلَ أنه إذا حَرُمَ حَرُمَ بدواعيه؛ إذ طريقُ المحرَّم محرَّمٌ، وعدمُ اطراد ذلك في الصوم والحيض لكثرة وجودهما، فتحريمُ الدواعي يُفضي إلى مزيد الحرج. وقال العلامة ابن الهمام: التحقيق أنَّ الدواعي منصوصٌ على منعها في الظهار، فإنه لا مُوجبَ لحمل التماسِّ في الآية على المجاز لإمكان الحقيقة، ويحرمُ الجماعُ لأنه من أفراد التماسِ كالمسِّ والقُبْلة (٢). وقال غيره: تحرمُ أقسام الاستمتاع قبل التكفير؛ لعموم لفظ التماسِّ، فيشملها بدلالة النص ومقتضى التشبيه في قوله: كظهر أمي، فإنَّ المشبَّهَ به لا يحلُّ الاستمتاع به بوجهٍ من الوجوه، فكذا المشبّه. (١) مجمع الأمثال ١٨/٢، ويضرب للرجل فيه فساد ولكنَّ الصلاح أكثر. (٢) فتح القدير ٢٢٧/٣. الآية : ٣ ٤٧٢ سُورَةُ الجَّادلة ويحرمُ عند الشافعية أيضاً الجماعُ قبله، وكذا يحرمُ لمسٌ ونحوه من كلِّ مباشرةٍ، لا نظرٌ بشهوةٍ في الأظهر كما في ((المحرر))(١)، وقال الإمام النووي عليه الرحمة: الأظهر الجواز(٢). لأنَّ الحرمةَ ليست لمعنَى يُخِلُّ بالنكاح، فأشبه الحيض، ومن ثمَّ حَرُمَ الاستمتاعُ فيه فيما بين السُّرَّة والرُّكْبة. وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامُ الكلام في هذا المقام. وحكى البيضاويُّ عن الإمام أبي حنيفةَ رَّهِ أنَّ نَقْضَ القول المراد بالعَوْد بإباحة التمتع بها ولو بنظرةٍ بشهوة(٣). وحُمل ذلك على استباحة التمتع بمباشرته بوجهٍ مّا دون عَدِّه مباحاً من غير مباشرة. ولعله أُريد بالمباشرة بوجهٍ مّا مباشرةٌ ليست من التماسِّ الذي قالوا بحرمته قبل التكفير .. وأيًّا ما كان، فظاهرُ تعليق الحكم بالموصول يدلُّ على عِلِّيَّةِ ما في حَيِّز الصِّلة، أعني: الظهار والعود له، فهما سببان للكفارة، وهذا أحدُ أقوالٍ في المسألة. قال العلامة ابن الهمام: اختلف في سبب وجوبها، فقال في ((المنافع)): تجب بالظهار والعَوْد؛ لأنَّ الظهارَ كبيرةٌ، فلا يصلحُ سبباً للكفارة؛ لأنها عبادة، أو المغلَّبُ فيها معنى العبادة، ولا يكون المحظورُ سبباً للعبادة، فعلّقَ وجوبها بهما ليخفَّ معنى الحرمة باعتبار العَوْد الذي هو إمساكٌ بمعروفٍ، فيكون دائراً بين الحظر والإباحة، وعليه فيصلحُ سبباً للكفارة الدائرة بين العبادة والعقوبة، وقيل: سببُ وجوبها العَوْدُ، والظهارُ شرطٌ (٤)، ولفظُ الآية - أي: المذكورة - يحتملهما، فيمكنُ كون ترتيبها عليهما، أو على الأخير، لكن إذا أمكن البساطةُ صِيْرَ إليها؛ لأنها (١) المحرر في فروع الشافعية للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى في حدود سنة (٦٢٣هـ)، وهو الذي اختصره الإمام النووي وسماه: المنهاج. كشف الظنون ١٦١٢/٢- ١٦١٣. (٢) ينظر تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيتمي ١٨٥/٨. (٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٨/ ١٦٧. (٤) في (م): شرطه. والمثبت من الأصل والمصدر. الآية : ٣ ٤٧٣ سُورَةُ المجادلةِ الأصلُ بالنسبة إلى التركيب، فلهذا قال في ((المحيط)): سببُ وجوبها العَزْمُ على الوطء، والظهارُ شرط(١)، وهو بناء على أنَّ المراد من العود في الآية العزمُ على الوطء، واعتُرض بأنَّ الحكم يتكرَّرُ بتكوُّرِ سببه، لا شَرْطِه، والكفارةُ متكرِّرةٌ بتکرُّرِ الظهار لا العزم، وكثيرٌ من مشايخنا على أنه العَزْمُ على إباحة الوطء بناءً على إرادة المضاف في الآية، أي: يعودون لضدٍ ما قالوا، أو لتَدَارُكه، ويَرِدُ عليه ما يَرِدُ على ما قبله، ونصَّ صاحب ((المبسوط)) على أنَّ بمجرد العزم لا تتقرَّرُ الكفارة، حتى لو أبانها أو ماتت من بعد العزم، فلا كفارةَ، فهذا دليلٌ على أنها غيرُ واجبةٍ لا بالظهار ولا بالعود؛ إذ لو وجبتْ لما سقطتْ، بل موجبُ الظهار ثبوتُ التحريم، فإذا أراد رَفْعَهُ وَجَبَ عليه في رَفْعه الكفارة، كما تقول لمن أراد الصلاة النافلة: يجبُ عليك إن صَلَّيتها أن تُقَدِّمَ الوضوء(٢). انتهى. ولا يخفى أنَّ إرادةَ المضاف غير متعيِّن بناءً على ما نقل عن الكثير من المشايخ، وأنَّ ظاهر الآية يفيد السببية كما ذكرنا آنفاً، ويكون الموجب للكفارة الأمران، وبه صرَّحَ بعضُ الشافعية، وجَعَل ذلك قياسَ كفارة اليمين، ثم قال: ولا ينافي ذلك وجوبها فوراً، مع أنَّ أحد سببيها - وهو العود - غيرُ معصية؛ لأنه إذا اجتمع حلالٌ وحرامٌ ولم يمكن تميُّزُ أحدهما عن الآخر غُلِّبَ الحرام. وظاهرُ كلام الإمام النووي عليه الرحمة أنَّ موجبها الظهار، والعودُ شَرْطٌ فيه(٣). وهو بعكس ما نقل عن ((المحيط)). ثم إنَّ مَنْ جَعَل السببَ العزم، أراد به العزمَ المؤكَّد، حتى لو عزمَ ثم بدا له أن لا يطأها، لا كفارةَ عليه؛ لعدم العزم المؤكَّد، لا أنها وجبتْ بنفس العزم ثم سقطتْ - كما قاله بعضهم - لأنها بعد سقوطها لا تعود إلا بسببٍ جدید. كذا في ((البدائع)) (٤). وذكَّر ابن نجيم في ((البحر)) عن ((التنقيح)) أنَّ سبب الكفارة ما نُسبت إليه من أمرٍ (١) في الأصل و(م): شرطه. والمثبت من المصدر. (٢) فتح القدير ٢٢٥/٣، وينظر المبسوط للسرخسي ٢٢٥/٦. (٣) ينظر تحفة المحتاج ١٨٣/٨. (٤) بدائع الصنائع للإمام الكاساني ٢٢/٥ . سُورَةُ الجَازِلَةِ ٤٧٤ الآية : ٣ دائرٍ بين الحظر والإباحة، ثم قال: إنَّ كونَ كفارة الظهار كذلك على قول مَنْ جَعَلَ السببَ مرَّباً من الظهار والعود، ظاهرٌ؛ لكون الظهار محظوراً والعودِ مباحاً؛ لكونه إمساكاً بالمعروف ونقضاً للزور. وأما على القول بأنَّ المضاف إليه - وهو الظهار - سببٌ، وهو قول الأصوليين، فكونه دائراً بين الحظر والإباحة مع أنه منكرٌ من القول وزورٌ باعتبار أنَّ التشبيهَ يحتملُ أن يكون للكرامة، فلم يتمخَّضْ كونُه جنايةً. واستَظْهَر بعدُ أنه لا ثمرةً للاختلاف في سببها معلِّلاً بأنهم اتفقوا على أنه لو عجَّلها بعد الظهار قبل العود جاز، ولو كرَّر الظهارَ تكرَّرتِ الكفارةُ، وإن لم يتكرّر العزم، ولو عَزَمَ ثم تَرَكَ، فلا وجوب، ولو عَزَمَ ثم أبانها سقطتْ، ولو عجَّلها قبل الظهار لم يصحَّ. ثم إنه لا استحالة في جَعْلِ المعصية سبباً للعبادة التي حُكْمها أن تُكفِّر المعصيةَ وتُذهبَ السيئة، خصوصاً إذا صار معنى الزجر فيها مقصوداً، وإنما المحال أن تُجعل سبباً للعبادة الموصلة إلى الجنة(١). انتهى. ولا يخلو عن حُسْنٍ ما عدا توجيه كون الظهار دائراً بين الحظر والإباحة، فإنه كما ترى. وفسَّرَ بعضُهم العودَ بالرجوع، واللام بـ ((عن)) كما نقل عن الفراء(٢)، أي: ثم يرجعون عمَّا قالوا، فيريدون الوطء. قال الزيلعيُّ(٣): وهذا تأويلٌ حَسَن؛ لأنَّ الظهارَ موجبه التحريم المؤَّد، فإذا قَصَدَ وَظْأَها وعَزَمَ عليه، فقد رجع عمَّا قال. ولا يخفى أنَّ جَعْلَ اللام بمعنى ((عن)) خلافُ الظاهر. وقيل: العَوْدُ: الرجوع، والمراد بـ ((ما قالوا)): ما حرَّموه على أنفسهم بلفظ الظهار، وهو التَّماسُّ؛ تنزيلاً للقول منزلةَ المقول فيه، نحو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَزَرِثُهُ، مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] والمعنى: ثم يريدون العَوْدَ للتماسِّ، وفيه تجوُّزان. وعن ابن عباس ﴿ًا أنَّ معنى ((ثم يعودون)): ثم يندمون ويتوبون، أي: يعزمون على التوبة، كأنه حَمَلَ العَوْدَ على التدارك، والتائبُ متدارٌِ لما صَدَرَ عنه بالتوبة. (١) البحر الرائق ١٠٨/٤-١٠٩. (٢) معاني القرآن له ١٣٩/٣. (٣) في كتابه تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٤/٣. الآية : ٣ ٤٧٥ سُورَةُ الجَنَادلةِ واعتُرض بأنه يقتضي أنه إذا لم يندمْ لا تلزمه الكفارة، وإذا جُعلتِ الكفارةُ نفس التوبة، فأين معنى العود؟ وأيضاً لا معنى لقولِ القائل: ثم يعزمون على الكفارة فتحرير .. إلخ. والعَوْدُ عند الشافعية يتحقَّقُ في غير مؤقَّتٍ ورجعية بأن يمسكها على الزوجية - ولو جهلاً ونحوه ـ بعد فراغ ظهاره، ولو مكرَّراً للتأكيد، وبعد علمه بوجود الصفة في المعلَّق وإن نسيَ أو جُنَّ عند وجودها، زمنَ إمكان فرقةٍ شَرْعاً، فلا عَوْدَ في نحو حائضٍ إلا بالإمساك بعد انقطاع دمها؛ لأنَّ تشبيهها بالمحرَّم يقتضي فراقها، فبعدم فِعْله صار ناقضاً له متداركاً لما قال، فلو اتَّصل بلفظ الظهار فُرقةٌ بموتٍ أو فسخٍ، أو انفساخٌ بنحو رِدَّةٍ قبل وَظْءٍ، أو طلاقٌ بائنٌ أو رجعيٌّ، ولم يراجع، أو جُنَّ أو أُغمي عليه عَقِبَ اللَّفظ، ولم يمسكها بعد الإفاقة، فلا عَوْدَ؛ للفُرْقة، أو تعذُّرِها. أو لاعَنَها في الأصحِّ بشرطِ سَبْقِ القذفِ والرفعِ للقاضي ظهارَه(١) في الأصحِّ. ولو راجعَ مَنْ ظاهَرَ منها رجعيةً أو مَنْ طلَّقها رجعيًّا عقِبَ الظهار، أو ارتدَّ متصلاً وهي موطوءة ثم أسلم، فالمذهب أنه عائدٌ بالرجعة لأنَّ المقصود بها استباحةُ الوَظْءِ، لا بالإسلام؛ لأنَّ المقصود به العَوْدُ للدين الحق، والاستباحةُ أمرٌ يترتَّبُ عليه، إلا إذا أمسكها بعده زمناً يَسَعُ الفرقة. وفي الظهار المؤقَّتِ الواقع كما التزم على الصحيح(٢) لخبرٍ صحيح فيه، الأصحُّ أنَّ العودَ لا يحصلُ بإمساكٍ، بل بوطٍ مشتملٍ على تغييب الحشفة أو قَدْرِها من مقطوعها في المدة للخبر أيضاً، ولأنَّ الحِلَّ منتظرٌ بعدها، فالإمساك يحتمل كونه لانتظاره أو للوطء فيها، فلم يتحقَّقِ الإمساك لأجل الوطء إلا بالوطء فيها، فكان المحصِّلَ للعود. واعتُرض ما قالوه بأنَّ (ثم)) تدلُّ على التراخي الزماني، والإمساكُ المذكورُ معقّب لا متراخٍ، فلا يُعطَفُ بـ ((ثم)) بل بالفاء. وَرُدَّ بأنَّ مُدَّةَ الإمساك ممتدَّةٌ، ومثله يجوز فيه العَظّفُ بـ ((ثم)) والعَطفُ بالفاء، باعتبار ابتدائه وانتهائه، وعلى هذا لا حاجة إلى القول بأنها للدلالة على أنَّ العَوْدَ أشدُّ تبعةً وأقوى إثماً من نفسٍ (١) قوله: ظهارَه، مفعول به للمصدر ((سَبْق)) في قوله: بشرط سَبْقِ القذف ... (٢) جاء في هامش الأصل: كونه لغواً أو مؤبداً، خلاف الصحيح. اهـ منه. سُورَةُ المَجَادلةِ ٤٧٦ الآية : ٣ الظهار حتى يقال عليه: إنه غيرُ مُسلَّم، ولا إلى قول الإمام أنه مشتركُ الإلزام بين الشافعية والحنفية القائلين بأنَّ العَوْدَ استباحةُ الاستمتاع، فيمنع أيضاً؛ لأنَّ الاستباحةَ المذكورةَ عَقِبَ الظهار - قولاً - نادرةٌ، فلا يتوجَّه ذلك على الحنفية. واعترض أيضاً بأنَّ الظهار لم يوجبْ تحريمَ العقد حتى يكونَ العَوْدُ إمساكها، ومن تعليل الشافعية السابق يُعلَمُ ما فيه. وفي ((التفريع)) لابن الجلاب المالكي(١) أنه روي عن الإمام مالك في المراد بالعَوْد روايتان: إحداهما: أنه العزم على إمساكها بعد الظهار منها، والرواية الأخرى: أنه العزم على وطئها، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: العودُ في إحدى الروايتين عن مالك هو الوطءُ نفسُهُ، والصحيحُ عندي ما قدمته. انتهى من مدوَّنه. وابن حجر نسبَ القولَ بأنه العزمُ على الوطء إلى الإمام مالك والإمام أحمد، والقولَ بأنه الوطءُ نفسُهُ إلى الإمام أبي حنيفة، وذكر أنهما قولان للإمام الشافعي في القديم(٢)، وما حكاه عن الإمام أبي حنيفةً لم يَحْكِهِ عنه فيما نعلم أحدٌ من أصحابه، وحكاه الزيلعيُّ عن الإمام مالك، ولم يحْك عنه غيرهُ، وحكاه أبو حيان في ((البحر))(٣) عن الحسن وقتادة وطاوس والزهري وجماعة، وأفاد أنه إحدى روايتين عن مالك، ثانيتهما: أنه العزمُ على الإمساك والوطء. واعترض القولُ به ممن كان، وكذا القول بأنه العزم على الوطء، بأنَّ الآيةَ لما نزلت وأمرَ بَّ﴿ المظاهِرَ بالكفارة، لم يسأله هل وَطِئَ أو عَزَمَ على الوطء؟ والأصل عَدَمُ ذلك، والوقائع القوليةُ كهذه يُعمِّمها الاحتمال، وأنها ناصَّةٌ على وجوب الكفارة قبل الوطء، فيكون العَوْدُ سابقاً عليه، فكيف يكونُ هو الوطء؟! وأجاب القائلُ بأنه العزم على الوطء عن تَرْكِ السؤال بأنَّ ذلك لِعِلْمِهِ عليه الصلاة والسلام به من خَوْلة، فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن المنذر (١) هو أبو القاسم عبيد الله بن الحسن الفقيه الأصولي، وكتابه التفريع في المذهب مشهور معتمد، توفي سنة (٣٧٨هـ). الديباج المذهب ص١٤٦، وشجرة النور الزكية ص٩٢. (٢) تحفة المحتاج ١٨٣/٨-١٨٤. (٣) ٢٣٣/٨. الآية : ٣ ٤٧٧ سُورَةُ الجَادلةِ والطبرانيُّ وابن مردويه والبيهقيُّ من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدثتني خولةُ بنتُ ثعلبة قالت: فيَّ وفي أوس بن الصامت أنزل الله تعالى صَدْرَ سورة المجادلةِ، كنتُ عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خُلُقُهُ، فدخل عليَّ يوماً، فراجعته بشيءٍ فغضِبَ فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم رَجَعَ فجلس في نادي قومه ساعةً، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفسُ خولةَ بيده، لا تَصِلُ إليَّ وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكمَ الله تعالى ورسوله بَّهِ فينا، ثم جئتُ إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكرتُ له ذلك، فما بَرِحْتُ حتى نزل القرآن ... الخبر (١). فإنَّ ظاهرَ قولها: فذكرتُ له ذلك. أنها ذكرتْ كلَّ ما وقع، ومنه طَلَبُ أوسٍ وَظْأها المكثَّى عنه بـ: يريدني عن نفسي. وذِكْرُ ذلك له عليه الصلاة والسلام أهُّ لها من ذِكْرها إياه ليوسف بن عبد الله بن سلام. وأجيب - من جهة القائل بأنه الوطءُ - عن الأخير، بأنَّ المرادَ من الآية عند ذلك القائل: من قبل أن يُباحَ التماسُّ شرعاً، والوطءُ أولاً حرامٌ موجبٌ للتكفير. وهو كما ترى. ونُقل عن الثوريِّ ومجاهدٍ أنَّ معنى الآية: والذين كانتْ عادتُهم أن يقولوا هذا القولَ المنكر، فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفَّارةُ مَنْ عاد أن يُحرِّرَ رقبةً ثم يماس المظاهر منها. فحملا العَوْدَ والقول على حقيقتهما. وفي اعتبار العادة دلالةٌ على أنَّ العدول إلى المضارع في الآية للاستمرار فيما مضى وقتاً فوقتاً، وأخذ القطع من دلالة ((ثم)) على التراخي؛ وليصحَّ على وجهٍ لا يلزمُ تعليق وجوب الكفارة بتكرار لفظ الظهار كما سيأتي إن شاء الله تعالى حكايته. وتعقب ذلك بأنَّ فيه أنَّ الاستمرار ينافي القطع، ثم إنهم ما كانوا قطعوه بالإسلام؛ لأنَّ الشرع لم يكنْ وَرَدَ بعدُ بتحريمه، وظاهر النظم الجليل أنه مظاهَرةٌ بعد الإسلام لأنه مسوقٌ لبيان حُكْمه فيه، وعليه ينطبقُ سبب النزول، وهو يقتضي أن يكون مجردُ الظهار من غير عَوْدٍ موجباً للكفارة، وهو خلافُ ما عليه علماء الأمصار. (١) الدر المنثور ١٧٩/٦، وأحمد (٢٧٣١٩)، وأبو داود (٢٢١٤) و(٢٢١٥)، والطبراني في الكبير (٦١٦)، والبيهقي ٣٨٩/٧، ٣٩١-٣٩٢. سُورَةُ المجادلةِ ٤٧٨ الآية : ٣ وأجيب عن هذا الأخير بأنهما إن نقل عنهما ذلك اجتهاداً فلا يلزمهما موافقة غيرهما، وهو المصرَّحُ به في كتاب ((الأحكام)) (١) وغيره، وإن لم ينقل عنهما غير تفسير العود في الآية بما أشير إليه، فيجوز أن يشترطا لوجوب الكفارة شيئاً مما مرَّ، لكن لا يقولان: إنه المراد بالعود فيها . وقال أهل الظاهر: المعنى: الذين يقولون هذا القولَ المنكر ثم يعودون له فيكرِّرونه، بأن يقول أحدهم: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم يعودُ له ويقوله ثانياً، فكفَّارته تحريرُ رقبةٍ .. إلخ، فحملوا العَوْدَ والقول على حقيقتهما أيضاً. وروي ذلك عن أبي العالية وبُكير بن عبد الله بن الأشجّ والفراء أيضاً (٢)، وحكاه أبو حيان رواية عن الإمام أبي حنيفة(٣). ولا نعلم أحداً من أصحابه رواه عنه. وتُعقِّب بأنه لو أُريد ذلك لقيل: يعودون له، فإنه أخصر، ولا يبقى لكلمة ((ثم)) حُسْنُ موقع. هذا، ولا فقه فيه من حيث المعنى، والمُنْزَلُ فيه - أعني قصة خولة - يدفعه؛ إذ لم ينقل التكرار، ولا سأل عنه وَ ﴿، وهذا الدفع قويٌّ، وأما ما قيل، فقد أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون الفقه فيه أنه ليس صريحاً في التحريم، فلعلَّه يسبقُ لفظه به من غير قصدٍ لمعناه، فإذا كرَّره تعيَّن أنه قصده، وأنَّ العدول عن ((له)) إلى: (ما قالوا)) لِقَصْد التأكيد بالإظهار، وأنَّ العطف بـ ((ثم)) لتراخي رتبة الثاني وبُعْدِهِ عن الأول؛ لأنه الذي تحقَّق به الظهار، وقول الزيلعيِّ في الاعتراض عليه: إنَّ اللفظَ لا يحتمله؛ لأنه لو أُريد ذلك لقيل: يُعِيدون القول الأول - بضمِّ الياء وكسر العين من الإعادة، لا من العود - جهلٌ ناشئٌ من قِلَّة العود لكلام الفصحاءِ، والرجوع إلى محاوراتهم. وقال أبو مسلم الأصفهاني: معنى العود أن يحلفَ أولاً على ما قال من الظهار بأن يقول: والله أنتِ عليَّ كظهر أمي، وهو عَوْدٌ لما قال وتكرارٌ له معنى؛ لأنَّ (١) أحكام القرآن للجصاص ٤١٧/٣، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٦٧/٨. (٢) معاني القرآن له ١٣٩/٣. (٣) البحر المحيط ٢٣٣/٨. الآية : ٣ ٤٧٩ سُورَةُ الجَادلةِ القَسَمَ لكونه مؤكِّداً للمقسَم عليه يفيد ذلك، فلا تلزمُ الكفارةُ في الظهار من غير قَسَمِ عنده. وهذا القولُ إلغاءٌ للظهار معنّى؛ لأنَّ الكفارةَ لحلفه على أمرٍ كَذَبَ فيه، وأيضاً المنزل فيه يدفعه إذ لم ينقل الحلف ولا سأل عنه رسول الله وَ له، والأصل عَدَمُهُ، وقيل: عَوْده: تكراره الظهار معنًى بأن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي إن فعلتُ كذا. ثم يفعله، فإنه يحنثُ وتلزمه الكفارة، وتُعَدُّ مباشرته ذلك تكريراً للظهار، وليس بشيءٍ كما لا يخفى. وأما تعليقُ الظهار فقد ذكر الشافعية أنه يصحُّ؛ لأنه لاقتضاء التحريم كالطلاق والكفارة كاليمين، وكلاهما يصحُّ تعليقه، فإذا قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظهر أمي. فدخلتْ، ولو في حال جنونه أو نسيانه، صَحَّ لكن لا عَوْدَ عندهم في الصورة المفروضة حتى يمسكها عَقِبَ الإفاقة، أو تذكُّره، وعلمه بوجود الصفة قَدْر إمكان طلاقها ولم يطلقها، وقد أطالوا في تفاريع التعليق الكلامَ بما لا يسعه هذا المقام. وعندنا أيضاً يصحُّ تعليقه، وكذا تقييده بيومٍ أو شهر، ولا يبقى بعد مُضيٍّ المدة، نعم لو ظاهر واستثنى يوم الجمعة مثلاً، لم يجزْ، ولو عَلَّقَ الظهارَ بشرطِ ثم أبانها، ثم وجدَ الشرط في العِدَّة، لا يصيرُ مظاهراً، بخلاف الإبانة المعلَّقة، كما بُيِّنَ في محلِّه. وقال الأخفش: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرها: والذين يُظاهرون من نسائهم فتحرير رقبةٍ لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم. ولا يذهبُ إليه إلا أخفش أو أعشى أو أعمش. وفي قوله تعالى: (مِن نِّسَِّهِمْ) دليلٌ لنا، وكذا للشافعي وأحمد وجمعٍ كثيرٍ من الصحابة والتابعين ﴿ه أجمعين، على أنه لو ظاهَرَ من أمته الموطوءة أو غيرها لا يصحُّ، وبيان ذلك أنه يتناول نساءنا، والأَمَةُ وإن صَحَّ إطلاقُ لفظ نسائنا عليها لغةً، لكن صحة الإطلاق لا تستلزمُ الحقيقة؛ لأنَّ حقيقةً إضافة النساء إلى رجلٍ أو رجالٍ إنما تتحقّق مع الزوجات دون الإماء؛ لأنه المتبادر، حتى يصحّ أن يقال: هؤلاء جواريه لا نساؤه، وحرمة بنت الأَمَة ليس لأنَّ أُمَّها من نسائنا مرادةٌ بالنصِّ، سُورَةُ المُجَادِلَةِ ٤٨٠ الآية : ٣ بل لأنها [بنت] موطوءةٌ وَظْءاً حلالاً عند الجمهور، وبلا هذا القيد عندنا، على أنه لو أريد بالنساء هناك ما تصحُّ به الإضافة، حتى يشملَ المعنى الحقيقيَّ وهنَّ الزوجات، والمجازيَّ - أعني: الإماء - بعموم المجاز، لأمكنَ؛ للاتفاق على ثبوت ذلك الحكم في الإماء كثبوته في الزوجات، أما هنا فلا اتفاقَ ولا لزومَ عندنا أيضاً ليثبتَ بطريق الدلالة؛ لأنَّ الإماءَ لَسْنَ في معنى الزوجات؛ لأنَّ الحِلَّ فيهن تابعٌ غيرُ مقصود من العقد ولا من الملك حتى يثبُتا مع عَدَمِهِ في الأمة المجوسية والمراضعة(١)، بخلاف عقد النكاح لا يصحُّ في موضعٍ لا يحتمل الحِلَّ، واستدلَّ أيضاً بأنَّ القياسَ شأنه أن لا يُوجبَ هذا التشبيه الذي في الظهار سوى التوبة، وورَدَ الشرعُ بثبوت التحريم فيه في حَقِّ مَنْ لها حقّ الاستمتاع، ولا حقَّ للأمة فيه، فيبقى في حَقِّها على أصل القياس، وبأنَّ الظهار كان طلاقاً فنُقِلَ عنه إلى تحريمٍ مُغيًّا بالكفارة، ولا طلاقَ في الأمة، وهذا ليس بشيءٍ للمتأمّل. ونُقل عن مالك والثوري صحةُ الظهار في الأمة مطلقاً، وعن سعيد بن جبير وعكرمة وطاوس والزهري صحته في الموطوءة. ثم إنَّ الشرطَ كونها زوجة في الابتداء، فلو ظاهَرَ من زوجته الأمة، ثم مَلَكَها، بقي الظهارُ، فلا يجوز له وَظْؤها حتى يُكفِّرَ كما صرَّحوا به، والمراد بالزوجة المنكوحةُ التي يصحُّ إضافةُ الطلاق إليها، فلا فَرْقَ بين مدخولٍ بها وغيرها، فلا يصحُّ الظهارُ من مُبانة ـ ومنه ما سمعتَ آنفاً - ولا من أجنبيةٍ إلا إذا أضافه إلى التزوُّج، كأن قال لها: إن تزوجتك فأنتِ عليَّ كظهر أمي. ثم تزوَّجها، فإنه يكون مظاهِرَاً، نعم في ((التتارخانية)): لو قال: إذا تزوَّجتك فأنتِ طالق، ثم قال: إذا تزوجتك فأنت عليَّ كظهر أمي. فتزوَّجها، يقعُ الطلاق، ولا يلزمُ الظهارُ في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: لزماهُ جميعاً، وعن مالكٍ أنه إذا ظاهَرَ من أجنبيةٍ ثم نكحها، لَزِمَ الظهارُ، أضافهُ إلى التزوُّج أم لا . وقال بعض العلماء: لا يصحُّ ظهارُ غيرِ المدخول بها . وقال المُزَنيُّ: لا يصحُّ ظهارُ المطلّقة الرجعية. (١) في فتح القدير لابن الهمام ٢٣٣/٣: والمواضعة، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه.