Indexed OCR Text
Pages 421-440
الآية : ١٣ ٤٢١ سُورَةُ الحَدِد ﴿بِسُورٍ﴾ أي: بحاجز، قال ابن زيد: هو الأعراف. وقال غير واحد: حاجزٌ غيرُه، والباء مزيدة. ﴿لَُّ بَابُ بَاِنْهُ﴾ أي: الباب كما روي عن مقاتل أو السور، وهو الجانب الذي يلي مكانَ المؤمنين أعني الجنة ﴿فِهِ الرَّحْمَةُ﴾ الثوابُ والنعيمُ الذي لا يُكتَنه ﴿وَظَاهِرُ﴾ الجانبُ الذي يلي مكان المنافقين أعني النارَ ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ أي: من جهته ﴿ اَلْعَذَابُ﴾ . وهذا السور قيل: يكونُ في تلك النشأة وتبدُّلِ هذا العالم واختلاف أوضاعه في موضع الجدارِ الشرقيٍّ من مسجد بيت المقدس، أخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال: كنتُ مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم، يعني المكان المعروف عند بيت المقدس، فحدَّث عن أبيه أنَّه قال وقد تلا قولَه تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمُ بِسُورٍ): هذا موضعُ السور عند وادي جهنم (١). وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إنَّ السور الذي ذكره الله تعالى في القرآن (نَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ) هو سورُ بيتِ المقدس الشرقي (بَاِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ) المسجد (وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) يعني وادي جهنّم وما يليه(٢) . وأخرج عن عبادةَ بنِ الصامت أنَّه كان على سور بيتِ المقدس الشرقيِّ فبكى، فقيل: ما يُيكيك؟ فقال: ها هنا أخبرنا رسول الله وَّ أنَّه رأى جهنم(٣). (١) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٧٤/٦، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٤٠٢ . (٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٠٣، والمستدرك ٦٠١/٤، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٧٤/٦ . (٣) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤. وأخرجه ابن حبان (٧٤٦٤)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٢٦٦)، وأبو نعيم في الحلية ١٢٩/٦ من طريق سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة أنَّ عبادة بن الصامت قام على سور بيت المقدس ... ، وذكر الخبر، وزياد قال عنه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل لابنه ٥٣٤/٣: لا أراه سمع من عبادة بن الصامت. اهـ. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤٧٨/٢-٤٧٩، من طريق محمد بن ميمون عن بلال بن ٠٠ ٠ سُورَةُ الحَدِ ٤٢٢ الآية : ١٤ ولا يخفى أنَّ هذا ونظائرَه أمورٌ مبنيةٌ على اختلاف العالَمَين وتغايرِ النشأتَين على وجهٍ لا تَصِلُ العقولُ إلى إدراك كيفيته والوقوفِ على تفاصيله، فإنْ صحَّ الخبرُ لم يَسَعْنا إلا الإيمان، لعدم خروج الأمر عن دائرة الإمكان، وأبو حيان حكى عمَّن سمعتَ وعن كعب الأحبار أنَّه الجدارُ الشرقيُّ من مسجد بيت المقدس واستبعدَه، ثم قال: ولعلَّه لا يصحُّ عنهم(١). ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال، كأنَّه قيل: فماذا يفعلون بعد ضَرْب السورٍ ومشاهدة العذاب؟ فقيل: يُنادي المنافقون والمنافقات المؤمنين والمؤمنات: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾ في الدنيا ﴿قَمَّكُمْ﴾ يريدون به موافَقَتَهم لهم في الظاهر ﴿قَالُواْ بَلَ﴾ كنتُم معنا كما تقولون ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مَحَنْتُموها بالنفاق وأهلكتُموها ﴿وَرَةٌ بالمؤمنين الدوائرَ ﴿وَأَزَْبْتُمْ﴾ وشككتُم في أمور الدين ﴿وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾ الفارغةُ التي من جملتها الطمعُ في انتكاس الإسلام. وقال ابن عباس: ((فتنتُم أنفسَكم)) بالشهوات واللذات ((وتربَّصتُم)) بالتوبة. (وارتبتُم)) قال محبوب الليثي: شككتم في الله ((وغرَّتكم الأماني)) طول الآمال. وقال أبو سنان: قلتُم: سيغفر لنا. ﴿حَّ ◌َآءَ أَغْرُ اللهِ﴾ أي: الموت ﴿وَغَزَّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطانُ؛ قال لكم: إنَّ الله عفوٌّ كريمٌ لا يعذبكم. وعن قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، واللهِ ما زالوا عليها حتى قذَفَهم الله تعالى في النار. وقرأ سماك بن حرب: ((الغُرور)) بالضم، قال ابن جني: وهو كقوله: وغرّكم بالله تعالى الاغترارُ، وتقديره على حذف المضاف، أي: وغرَّكم بالله تعالى سلامةُ الاغترار، ومعناه: سلامتكم منه [مع] اغتراركم(٢). = عبد الله عن عبادة، به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: بل منكر وآخره باطل؛ لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله وَّر هناك، ثم من هو ابن ميمون وشيخه؟ وفي نسخة أبي مسهر: عن سعيد عن زياد بن أبي سودة قال: رئي عبادة ... فهذا المرسل أجود. اهـ. (١) البحر المحيط ٢٢١/٨. (٢) المحتسب ٣١١/٢-٣١٢، وما بين حاصرتين منه. الآية : ١٥ ٤٢٣ سُورَةُ الحَدِة ﴿فِّيَةٌ﴾ فداءٌ، وهو ما يُبذَل لحفظ النفس ﴿فَلَّوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ﴾ أيُّها المنافقون عن النائبة، والناصبُ لـ ((يوم)) الفعلُ المنفي بـ ((لا))، وفيه حجةٌ على مَن منع ذلك، وقرأ أبو جعفر والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج وابن عامر وهارون عن أبي عمرو: ((لا تُؤْخَذ)) بالتاء الفوقية(١). ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: ظاهراً وباطناً، فيغايرُ المخاطبين المنافقين. ثم الظاهرُ أنَّ المراد بالفدية ما هو من جنس المال ونحوه، وجوِّز أنْ يراد بها ما يعُّ الإيمان والتوبة، فتدلُّ الآية على أنَّه لا يُقبَلُ إِيمانُهم وتوبتُهم يوم القيامة، وفيه بُعدٌ، وفي الحديث: ((إنَّ الله تعالى يقول للكافر: أرأيتَكَ لو كان لك أضعافُ الدنيا أكنتَ تَفتَدي بجميع ذلك من عذاب النار؟ فيقول: نعم يا ربّ، فيقول الله تبارك وتعالى: قد سألتُك ما هو أيسرُ من ذلك وأنتَ في ظَهْر أبيكَ آدَمَ، أنْ لا تُشرِكَ بي، فأبيتَ إلا الشّرك))(٢). ﴿مَأْوَنَكُمُ النَّارِ﴾ محلٌّ أُوِيَّكُمْ ﴿هِىَ مَوْلَئِكُمْ﴾ أي: ناصركم، من باب: تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وَجيع(٣) والمراد نَفْي الناصر على البتات(٤) بعدَ نفي أخذِ الفدية وخلاصهم بها عن العذاب، ونحوه قولهم: أُصيب بكذا فاستنصَرَ الجزَعَ، ومنه قوله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءِ كالْمُهْلِ﴾ [الكهف: وقال الكلبي والزجَّاج والفراء وأبو عبيدة: أي: أولَى بكم(٥). كما في قول لبيد يصفُ بقرةً وحشيةً نفرَتْ من صوت الصائد: (١) قراءة أبي جعفر وابن عامر في التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢، وهي قراءة يعقوب، والكلام من البحر ٢٢٢/٨. (٢) أخرجه أحمد (١٣٢٨٨)، والبخاري (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥) من حديث أنس بن مالك . (٣) سلف ٤/ ٩٢. (٤) في الأصل: الثبات، والمثبت من (م) والكشاف ٤/ ٦٤ . (٥) معاني القرآن للزجاج ١٢٥/٥، وللفراء ١٣٤/٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٥٤/٢. سُورَةُ الحَدِ ٤٢٤ الآية : ١٥ فغَدَت كلا الفَرْجَين تحسبُ أنَّهُ . مَوْلَى المخافةِ خَلفُها وأمامُها(١) أي: فغَدَت كلا جانبيها الخلف والأمام تحسب أنَّه أولَى بأنْ يكونَ فيه الخوفُ، قال الزمخشري: وحقيقة ((مولاكم)) هي على هذا: محراكم (٢) ومقمنكم، أي: المكانُ الذي يُقال فيه: هو أولَى بكم، كما قيل: هو مثنٌَّ للكرم، أي: مكان لقول القائل: إنَّه لكريم(٣). فـ ((أولَى)) نوعٌ من اسم المكان لُوحِظَ فيه معنى أولى، لا أنَّه (٤) مشتقُّ منه، كما أنَّ المثَّة ليسَت مشتقةً من إنَّ التحقيقية. وفي ((التفسير الكبير)): إنَّ قولهم ذلك بيان لحاصل المعنى، وليس بتفسير اللفظ؛ لأنَّه لو كان («مولى)) و ((أولى)) بمعنى واحد في اللغة لصحَّ استعمالُ كلٌّ منهما في مكان الآخر، وكان يجبُ أنْ يصحَّ: هذا أَولَى فلان، كما يقال: هذا مولَى فلان، ولمَّا بطل ذلك علمنا أنَّ الذي قالوه معنى وليس بتفسير، ثم صرَّح بأنَّه أراد بذلك ردَّ استدلالِ الشريف المرتضى بحديث الغدير: ((مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» على إمامة الأمير كرَّم الله تعالى وجهه حيث قال: أحدُ معاني ((المولَى)): الأَولَى، وحملُه في الخبر عليه متعيِّن، لأنَّ إرادةَ غيره يجعلُ الإخبارَ عبثاً، كإرادة الناصر والصاحب وابن العمِّ، أو يجعلُه كذباً كالمعتِق والمعتَق(٥). ولا يخفى على المنصف أنَّه إنْ أراد بكونه معنّى لا تفسير ما أشار إليه الزمخشريُّ من التحقيق، فهو لا يردُّ الاستدلالَ، إذ يكفي للمرتضى أنْ يقول: المولَى في الخبر بمعنى المكان الذي يقال فيه أَولَى، إذ يلزم على غيره العبثُ أو الكذب، وإنْ أرادَ أنَّ ذلك معنَى لازمٌ لِمَا هو تفسيرٌ له، كأنْ يكون تفسيرُه: القائم بمصالحكم ونحوه مما يكون ذلك (١) شرح ديوان لبيد ص٣١١، ومجاز القرآن ٢٥٤/٢، والكشاف ٦٤/٤، وحاشية الشهاب ١٥٨/٨، وجاء في هامش الأصل: (فغدت) بالغين المعجمة أو العين المهملة. اهـ، وينظر حاشية الشهاب ١٥٨/٨. (٢) أي: المكان الذي يقال فيه: إنه أحرى وأحقُّ بكم، من قولهم: هو حريُّ بكذا، أي: خليق وحقيق وجدير به. حاشية الشهاب ١٥٨/٨ . (٣) الكشاف ٤/ ٦٤ . (٤) في (م): إلا أنه، والمثبت من الأصل وهو الصواب. ينظر حاشية الشهاب ١٥٨/٨. (٥) مفاتيح الغيب ٢٢٧/٢٩-٢٢٨، والحديث أخرجه أحمد (٩٥٠)، والترمذي (٣٧١٣) عن زيد بن أرقم الآية : ١٦ ٤٢٥ سُورَةُ الحَدِد لازماً له، ففي ردِّه الاستدلالَ أيضاً تردّد، وإنْ أراد شيئاً آخر فنحن لا ندري ما هو، وهو لم يبيِّنْه، والحقُّ أنَّه ولو جعل المولى بمعنى الأَولَى أو المكان الذي يقال فيه الأَولَى لا يتمُّ الاستدلال بالخبر على الإمامة التي تدعيها الإماميَّة للأمیر کرم الله تعالى وجهه لِمَا بُيِّن في موضعه(١)، وفي ((التحفة الاثني عشرية)) ما فيه كفايةٌ لطالب الحقِّ. وقال ابن عباس: أي: مصيركم. وتحقيقه على ما قال الإمام: أنَّ المولَى بمعنى موضع الوَلْي، وهو القربُ، والمعنى: هي موضعُكم الذي تقربون منه وتَصِلُون إليه(٢). وأنت تعلم أنَّ الإخبارَ بذلك بعد الإخبارِ بأنَّها مأواهم ليس فيه كثيرُ جدوَى، على أنَّ وضْعَ اسمِ المكان للموضع الذي يتَّصفُ صاحبُه بالمأخذ(٣) حالَ كونِهِ فيه، والقربُ من النار وصفٌ لأولئك قبل الدخول فيها، ولا يحسن وصفُهم به بعد الدخول ولو اعتبر مجاز الكون كما لا يخفى. وجوَّز بعضُهم اعتبارَ كونه اسمَ مكانٍ من الوَلْي بمعنى القرب، لكن على أنَّ المعنى: هي مكان قربکم من الله سبحانه ورضوانه علی التھگم بهم. وقيل: أي: متولِّيكم، أي: المتصرفةُ فيكم كتصرُّفكم فيما أوجَبَها واقتضاها في الدنيا من المعاصي، والتصرُّف استعارةٌ للإحراق والتعذيب، وقيل: مشاكلةٌ تقديرية . ﴿وَيِشَ اٌلْمَصِيرُ﴾ أي: النارُ، وهي المخصوص بالذمِّ المحذوفُ لدلالة السياق. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ استئنافٌ لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسُلِ فيما نُدِبُوا إليه، والمعاتَبُ على ما قاله الزجَّاجِ(٤) طائفةٌ من المؤمنين، وإلا فمنهم مَن لم يزل خاشعاً منذ أسلمَ إلى أنْ ذهب إلى ربِّه، وما نقل (١) ينظر ما سلف ٣٢٢/٧ وما بعدها. (٢) مفاتيح الغيب ٢٢٧/٢٩. (٣) أي: مأخذ اشتقاقه، ينظر حاشية الشهاب ١٥٨/٨، وجاءت العبارة فيه: ولا يخفى أن وضع اسم المكان لاتِّصاف صاحبه بمأخذ اشتقاقه وهو فیه. (٤) في معاني القرآن ١٢٥/٥. سُورَةُ الحَدِ ٤٢٦ الآية : ١٦ عن الكلبي ومقاتل أنَّ الآية نزلت في المنافقين، فهم المرادُ بالذين آمنوا مما لا يكاد يصحُّ، وقد سمعتَ صدر السورة الكريمة ما روي عن ابن مسعود وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لمَّا قدم أصحابُ رسول الله وَّرُ المدينةَ فأصابوا من لِيْن العيشِ ما أصابوا بعد ما كان من الجهد، فكأنَّهم فَتَرُوا عن بعض ما كانوا عليه، فعُوتِيُوا فنزلت: (أَمَ بَأْنِ) الآية(١). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنَّ الله تعالى استبطأَ قلوبَ المهاجرين، فعاتَبَهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال سبحانه: (أَلَ بَأْنِ) الآية. وفي خبر ابن مردويه عن أنس: بعد سبْعَ عشرةَ سنة من نزول القرآن. وأخرج عن عائشة قالت: خرج رسولُ اللهِ وَّهِ على نَفَر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون، فسَحَب رداءَه محمرًّا وجهُهُ فقال: ((أتضحكون ولم يأتِكم أمانٌ مِن ربكم بأنَّه قد غَفَر لكم، وقد نَزَل عليَّ في ضَحِكِكُم آية: (أَلَم يَأْنِ لِلَّذِينَ)) إلخ؟ قالوا: يا رسول الله فما كفارةُ ذلك؟ قال: ((تبكون بقَدرِ ما ضحكتُم))(٢). وفي خبر أنَّ أصحاب النبيِّ عليه الصلاة والسلام قد ظهر فيهم المزاحُ والضحك فنزلَت(٣). وحديث مسلم ومَن معه السابق(٤) مقدَّمٌ على هذه الآثار على ما يقتضيه كلامُ أهل الحديث. و (يَأْنِ) مضارع أَنَى الأمر أَنْيَاً وأَنّى وإنّى(٥) بالكسر: إذا جاء أَناه، أي: ألم یچِئ وقتُ أنْ تخشعَ قلوبُهم لذكره عز وجل. (١) الزهد لابن المبارك (٢٦٤)، وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٦ / ١٧٥. (٢) الأثران والحديث في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ - ١٧٥ . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان كما في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ . (٤) سبق في أول السورة ص٣٩١ من هذا الجزء. (٥) في الأصل و(م): أنياً وأناء وإناء، والصواب ما أثبتناه. ينظر اللسان والتاج (أني). الآية : ١٦ ٤٢٧ سُورَةُ الحَدِك وقرأ الحسن وأبو السمال: ((ألمًّا)) بالهمزة (١)، و((لمَّا)) النافية الجازمة كـ ((لم)) إلا أنَّ فيه أنَّ المنفيَّ مُتوقَّعٌ. وقرأ الحسن: (يَئِنْ)) مضارع آن أَيْناً بمعنى أَنَى السابق(٢)، وقال أبو العباس: قال قومٌ: آنَ يئين أيناً الهمزةُ مقلوبةٌ فيه عن الحاء، وأصله حان يحين حيناً وأصل الكلمة من الحين(٣). ﴿وَمَا نَزَّلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: القرآن، وهو عطف على ((ذِكْرِ الله)) فإنْ كان هو المراد به أيضاً فالعطفُ لتغاير العنوانين نحو: هو الملكُ القَرمُ وابنُ الهمامِ(٤) فإنَّه ذكرٌ وموعظة كما أنَّه حقٌّ نازلٌ من السماء، وإلا بأنْ كان المراد به تذكيرَ الله تعالى إياهم فالعطفُ لتغاير الذاتَين على ما هو الشائع في العطف، وكذا إذا أُرِيدَ به ذكرُهم اللهَ تعالى بالمعنى المعروف. وجوِّز العطف على الاسم الجليل إذا أُريدَ بالذكر التذكيرُ، وهو كما ترى. وقال الطيبي: يمكنُ أنْ يحمل الذكر على القرآن، و((ما نزلَ من الحقِّ)) على نزول السكينة معه، أي: الواردات الإلهية، ويعضدُه ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن البراء: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف، وعنده فرسٌ مربوطً بشَطَنَين، فغشيَتْه سحابةٌ فجعَلَت تدنو وجعل فرسُه ينفرُ منها، فلما أصبح أتَى النبيَّ وَِّ، فذكر له ذلك فقال: ((تلك السكينةُ تنزل للقرآن)»، وفي رواية: «اقْرَأُ فلان فإنَّها السكينةُ تنزلُ عند القرآن أو للقرآن»(٥). انتهى، ولا يخفى بُعدُ ذلك جدًّا، ولعلك تختار حمل الذكر و ((ما نزل)) على القرآن لِمَا يُحَسُّ مما بعدُ من نوع تأييد له. (١) القراءات الشاذة ص ١٥٢، والمحتسب ٣١٢/٢، والبحر المحيط ٢٢٢/٨. (٢) المحرر الوجيز ٥/ ٢٦٤، والبحر المحيط ٢٢٢/٨. (٣) مفردات الراغب (أين). (٤) سلف ٢/ ٣٥٠. (٥) صحيح البخاري (٣٦١٤) و(٤٨٣٩) و(٥٠١١)، وصحيح مسلم (٧٩٥)، وسنن الترمذي (٢٨٨٥)، وأخرجه أحمد (١٨٤٧٤)، والشطينن: تثنية شَطّن، وهو الحبل الطويل المضطرب. سُورَةُ الحَدِ ٤٢٨ الآية : ١٦ وفُسِّر الخشوعُ للقرآن بالانقياد التامّ لأوامره ونواهيه، والعكوفِ على العمل بما فيه من الأحكام من غير توانٍ ولا فُتُور، والظاهرُ أنَّه اعتَبَر كونَ اللامِ صلةَ الخشوع، وجوِّز كونها للتعليل على أوجه الذكر، فالمعنى: ألم يَأْنِ لهم أنْ ترِقَّ قلوبُهم لأجل ذكر الله تعالى وكتابه الحقِّ النازل، فيسارعوا إلى الطاعة على أكمل وجوهها . وفي الآية حضٍّ على الخشوع، وكان ابن عمر ﴿يًّ - كما أخرج عنه ابن المنذر - إذا تلاها بكى ثم قال: بلَى يا ربِّ بلى يا ربِّ(١). وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقلَّ مما تقرؤون، فانظروا في طول ما قرأتُم وما ظهر فيكم من الفِسْق. وروى السُّلمي عن أحمد بن أبي الحواري قال: بينا أنا في بعض طرقاتٍ البصرة إذ سمعتُ صعقةً فأقبلتُ نحوها، فرأيتُ رجلاً قد خرَّ مغشيًّا عليه فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: كان رجلاً حاضرَ القلب فسمع آيةً من كتاب الله فخرَّ مغشيًّا عليه، فقلتُ: ما هي؟ فقيل: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فأفاق الرجلُ عند سماع كلامنا فأنشأ يقول: وللغُصنِ غُصْنِ البانِ أنْ يتبسَّما أما آنَ للهجرانِ أنْ يَتَصرَّما ألم يأن أنْ يُبكَى عليه ويُرْحَما وللعاشق الصَّبِّ الذي ذابَ وانحنَی كتاباً حكَى نَفْشَ الوشي المُثَمْنَمَا كتبتُ بماء الشوقِ بين جوانحي ثم قال: إشكال إشكال إشكال، فخرَّ مغشيًّا عليه فحرَّكناه فإذا هو ميّت(٢). وعن أبي بكر ظُبه أنَّ هذه الآية قُرِئَت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاءً شديداً، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قسَت القلوبُ(٣). ولعلَّه (١) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ . (٢) تفسير السلمي ٢/ ٣٠٩، وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان ٥٢٩/١، وفيه: المتيما، بدل من: المنمنما . (٣) الكشاف ٦٤/٤، ومفاتيح الغيب ٢٢٩/٢٩. الآية : ١٦ ٤٢٩ سُورَةُ الحَدِ أراد ظُهِ أنَّ الطرازَ الأولَ كان كذلك حتى قسَتَ قلوبُ كثيرٍ من الناس، ولم يتأسّوا بالسابقين، وغرضُه مدحُ أولئك القوم بما كان هو ونظراؤُه عليه ﴿منه، ويحتملُ أنْ يكونَ قد أراد ما هو الظاهر، والكلامُ من باب هضم النفس كقوله أقيلوني فلسْتُ بخيركم(١). وقال شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: معناه تصلَّبَت وأدمنَتْ سماعَ القرآن وأَلِفَت أنوارَه، فما تستغربه حتى تَتغيَّر كما تغيَّر هؤلاء السامعون. انتهى، وهو خلافُ الظاهر، وفيه نوعُ انتقاصٍ للقوم، ورمزٌ إلى أنَّ البكاء عند سماع القرآن لا يكونُ من كامل كما يزعمه بعضُ جهلة الصوفية القائلين: إنَّ ذلك لا يكون إلا لضَعْف القلب عن تحمُّل الواردات الإلهية النورانية، ويجلُّ عن ذلك ـه. كلام الصديق وقرأ غيرُ واحد من السبعة: ((وما نَزَّل)) بالتشديد(٢)، والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية يونس وعباس عنه: ((نُزِّل)) مبنيًّا للمفعول مشدّداً(٣)، وعبد الله: ((أَنزَلَ)) بهمزة النقل مبنيًّا للفاعل(٤). وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ﴾ ((لا)) نافيةٌ وما بعدَها منصوبٌ معطوفٌ على ((تخشع)). وجوِّز أن تكون ناهيةً وما بعدها مجزومٌ بها، ويكون ذلك انتقالاً إلى (١) قوله: أقيلوني، أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٣٣)، وفي إسناده: تليد بن سليمان، قال عنه ابن معين: كذاب يشتم عثمان. وقال أبو داود: رافضي يشتم أبا بكر وعمر. الميزان ٣٥٨/١. وعزاه الحافظ في التلخيص الحبير ٤٥/٤ لأبي خير الطالقاني في السنة ثم قال: وهو منكر متناً ضعيف منقطع سنداً. اهـ. وقوله: لست بخير، أخرجه ابن إسحاق عن أنس به كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٦٦٠-٦٦١، وفيه: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني ... وقوله: فلست بخيركم، أخرج نحوه عبد الرزاق في المصنف ٣٣٦/١١، وابن سعد في الطبقات ٢١٢/٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٠٢/٣٠ و٣٠٤. (٢) قرأ نافع وحفص بالتخفيف والباقون بالتشديد كما في التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢. (٣) القراءات الشاذة ص١٥٢، والبحر المحيط ٢٢٣/٨، وهو خلاف المشهور عن أبي جعفر وأبي عمرو. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٢، والبحر المحيط ٢٢٣/٨. سُودَةُ الحَدِ ٤٣٠ الآية : ١٦ نَهي أولئك المؤمنين عن مماثلة أهلِ الكتاب بعد أنْ عُوتِبُوا بما سمعتَ، وعلى النفي هو في المعنى نهيّ أيضاً. وقرأ أبو بحرية وأبو حيوة وابن أبي عبلة وإسماعيل عن أبي جعفر وعن شيبة ويعقوب وحمزة في رواية عن سليم عنه: ((ولا تكونوا)) بالتاء الفوقية (١) على سبيل الالتفات للاعتناء بالتحذير، وفي ((لا)) ما تقدَّم، والنهيُ مع الخطاب أظهرُ منه مع الغيبة . ﴿فَطَالَ عَلَهِمُ الْأَمَّدُ﴾ أي: الأجل بطول أعمارهم وآمالهم، أو: طالَ أمدُ ما بينهم وبين أنبيائهم عليهم السلام وبَعُدَ العهدُ بهم، وقيل: أمدُ انتظار القيامة والجزاء، وقيل: أمدُ انتظارِ الفتح، وفرَّقوا بين الأمد والزمان بأنَّ الأمدَ يقال باعتبار الغاية، والزمان عامٌّ في المبدأ والغاية. وقرأ ابن كثير في رواية: ((الأمُّ» بتشديد الدال(٢)، أي: الوقتُ الأطولُ. ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صلبَت فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة ﴿وَكَثِيرُ فِنْهُمْ فَضِقُونَ﴾ خارجون عن حدود دينهم، رافضون لِمَا في كتابهم بالكلية، قيل: من فرط القسوة، ذُكِرَ أنَّه مأخوذٌ من كون الجملة حالاً، وفيه خفاءٌ، والأظهر أنَّه من السياق، والمراد بـ ((الكتاب)) الجنس، فالموصولُ يعمُّ اليهود والنصارى، وكانوا كلُّهم في أوائل أمرهم يحولُ الحقُّ بينهم وبين كثير من شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيلَ حَشَعُوا لله تعالى ورقَّت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمانُ غلبهم الجفاءُ والقسوةُ، وزالت عنهم الروعةُ التي كانوا يجدونها عند سماع الكتابَين، وأحدثوا ما أحدثوا واتبعوا الأهواء، وتفرَّقت بهم السبل. والقسوةُ مبدأُ الشرور وتنشأُ من طول الغفلة عن الله تعالى، وعن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلامَ بغير ذكر الله تعالى فتقسوَ قلوبُكم، فإنَّ القلبَ القاسي بعيدٌ عن الله عز وجل، ولا تنظروا إلى ذنوب العبادِ كأنَّكم أربابٌ وانظروا في (١) قراءة يعقوب من رواية رويس في النشر ٣٨٤/٢، والكلام من البحر المحيط ٢٢٣/٨، وليس فيه ذکر أبي بحرية. (٢) مفاتيح الغيب ٢٣٠/٢٩، والبحر المحيط ٢٢٣/٨، وهو خلاف المشهور عنه. الآية : ١٧ - ١٨ ٤٣١ سُورَةُ الحَدِ ذنوبكم كأنَّكم عباد، والناسُ رجلان مبتلى ومعانّى، فارحموا أهلَ البلاء، واحمَدُوا على العافية (١). ومَن أحسَّ بقسوةٍ في قلبه فليهْرَع إلى ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه يرجِعُ إليه حالُه، كما أشار إليه قوله عز وجل: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَأْ﴾ فهو تمثيلٌ ذُكِرَ استطراداً لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث، للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة. ﴿قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ التي من جملتها هذه الآيات ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدارين. ﴿إِنَّ الْمُمَّدِّقِينَ وَالْمُضَّيِّقَتِ﴾ أي: المتصدِّقين والمتصدقات، وقد قرأ أبيّ كذلك(٢)، وقرأ ابن كثير وأبو بكر والمفضل وأبان وأبو عمرو في رواية هارون بتخفيف الصاد(٣) من التصديق لا من الصدقة كما في قراءة الجمهور، أي: الذين صَدَّقوا واللاتي صدَّقْنَ اللهَ عز وجل ورسولَهِ وَ﴿، والقراءةُ الأولى أنسبُ بقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوْ اَللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا﴾ وقيل: الثانية أرجحُ لأنَّ الإقراضَ يُغني عن ذكر التَّصَدُّق، وأنت ستعلم إن شاء الله تعالى فائدته. وعطف ((أقرضوا)) على معنى الفعل من ((المصَّدِّقين)) على ما اختاره أبو علي والزمخشري؛ لأنَّ ((أل)) بمعنى ((الذين))، واسم الفاعل بمعنى الفعل، فكأنه قيل: إنَّ الذين اصَّدَّقوا أو صَدَّقوا - على القراءتين - وأقرضوا(٤). وتعقبه أبو حيان وغيرُه بأنّ فيه الفصلَ بين أجزاء الصلة - إذ المعطوفُ على الصلة صلةٌ - بأجنبي وهو ((المصدقات))، وذلك لا يجوز(٥). (١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٥)، وأبو نعيم في الحلية ٣٢٨/٦. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٢، والمحرر الوجيز ٢٦٥/٥، والبحر المحيط ٢٢٣/٨. (٣) قراءة ابن كثير وأبي بكر في التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢، والكلام من البحر المحيط ٢٢٣/٨، والمشهور عن أبي عمرو خلاف هذه القراءة. (٤) الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي ٢٧٥/٦، والكشاف ٤/ ٦٤-٦٥ . (٥) البحر المحيط ٢٢٣/٨. ١ سُورَةُ الحَدِ ٤٣٢ الآية : ١٨ وقال صاحب ((التقريب)): هو محمولٌ على المعنى، كأنَّه قيل: إنَّ الناس الذين تصدَّقوا وتصدَّقْنَ وأقرضوا، فهو عطفٌ على الصلة من حيث المعنى بلا فصل. وتعقِّبَ بأنَّه لا محصِّل له إلا إذا قيل: إنَّ ((أل)) الثانية زائدةٌ لئلا يعطف على صورة جزءٍ الكلمة، وفيه بُعدٌ. ولا يخفى أنَّ حديث اعتبار المعنى يدفعُ ما ذُكِرَ، ومن هنا قيل: إنَّه قريبٌ، ولا يبعدُ تنزيلُ ما تقدَّم عن أبي علي والزمخشري عليه. وقيل: العطف على صلة ((أل)) في ((المصدقات)) واختلاف الضمائر تأنيثاً وتذكيراً لا يضرُّ؛ لأنَّ ((أل)) تصلح للجميع، فيراد بها معنى ((اللاتي)) عند عَوْد ضميرٍ جَمْعِ الإناث عليها، ومعنى ((الذين)) عند عَوْدِ ضميرٍ جمع الذكور عليها. وهو كما ترى. ومثله ما قيل: هو من باب: كلُّ رجل وضيعتهُ، أي: إنَّ المصدقين مقرونون مع المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدَّر خبر، أي: إنَّ المصدقين والمصدقات يفلحون، و((أقرضوا)) في الوجهين ليس عطفاً على الصلة، بل مستأنف، و((يضاعف)) بعدُ صفةُ ((قرضاً)) أو استئناف. ومَن أنصف لم يَرَ ذلك مما ينبغي أنْ يُخرَّج عليه كلامُ أدنَى الفصحاء، فضلاً عن كلام ربِّ العالمين. واختار أبو حيان تخريجَ ذلك على حَذْف الموصولِ لدلالة ما قبلَه عليه، كأنَّه قيل: والذين أقرضوا، فيكون مثلَ قوله: ويَمدَخُه وَينصرُهُ سواءٌ(١) فمَن يهجو رسولَ الله منكم وهو مقبولٌ على رأي الكوفيين دونَ رأي البصريين، فإنَّهم لا يجوِّزون حذفَ الموصول في مثله. وبعضُ أئمة المحقّقين بعد أن استقرَبَ توجيهَ ((التقريب)) ولم يستبعد تنزيلَ ما سمعتَ عن الزمخشري وأبي علي عليه قال: وأقربُ منه أنْ يقال: إنَّ (المصدقات)) منصوبٌ على التخصيص، كأنَّه قيل: إنَّ المتصدقين عامًّا على (١) البحر المحيط ٢٢٣/٨، والبيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص٦٤، وسلف ٦٣/١٣، ووقع في (م): یھجر، بدل: يهجو. الآية : ١٨ ٤٣٣ سُورَةُ الحَدِك التغليب وأخصُّ المتصدقات منهم، كما تقول: إنَّ الذين آمنوا ولا سيما العلماء منهم وعملوا الصالحات لهم كذا، ووجهُ التخصيص ما ورَدَ في قولهِ وَّ: (يا معشرَ النساءِ تصدَّقْنَ فإِنِّي أُرِيْتُكنَّ أكثرَ أهلِ النار))(١)، يحضُّهُنَّ على الصدقة، بأنَّهنَّ إذا فعلْنَ ذلك كان له تعالى أَقْبَلَ، وجزاؤه عنه سبحانه أَوْفَرَ وأَفْضَلَ، ثم قال: ولمَّا لم يكن الإقراض غيرَ ذلك التصدُّق قيل: ((وأقرضوا))، أي: بذلك التصدُّق، تحقيقاً لكينونته، وأنَّهم في(٢) مثل ذلك ممثَّلون عند الله تعالى بمن يعامل مع أجود الأجودين معاملةً برضاه، ولو قيل: والمقرضين، لفاتَتْ هذه النكتة. انتهى. ولا يخفى أنَّ نصبَ ((المصدقات)) على التخصيص خلافُ الظاهر، وأما ما ذكره في نكتة العدول عن: والمقرضين(٣)، فحسن، وهو متأتٌّ على تخريج أبي علي والزمخشري، وعلى تخريج أبي حيان. وقال الخفاجي: القولُ - أي: قول أبي البقاء - بأنَّ ((أقرضوا)) إلخ معترضٌ بين اسم ((إنَّ) وخبرها أظهرُ وأسهلُ (٤). وكأنَّ النكتةَ فيه تأكيدُ الحكم بالمضاعفة. وزعْمُ أنَّ الجملة حالٌ بتقدير ((قد)) أو بدونها من ضميري ((المصدقين والمصدقات)) لا يخفى معنّى وعربيةً، فتدبر. ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾ الضميرُ لجميع المتقدِّمين الذكور والإناث على التغليب، كضمير ((أقرضوا))، والجارُّ والمجرور نائب الفاعل، وقيل: هو ضمير التصدُّق أو ضمير القرضِ على حذف مضاف، أي: يضاعَف ثوابُ التصدُّق أو ثواب القرض لهم. (١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﴿ه، وأخرجه مسلم (٧٩) من حديث ابن عمر پا. (٢) قوله: في، ليس في (م). (٣) تصحف في (م) إلى: المقروضين. (٤) حاشية الشهاب ١٥٩/٨، وقول أبي البقاء في إملاء ما من به الرحمن ٣٨٤/٤-٣٨٥. سُورَةُ الحَدِ ٤٣٤ الآية : ١٩ وقرأ ابن كثير وابن عامر: ((يُضعَّف)) بتشديد العين(١)، وقرئ: ((يُضَاعِف)) بالبناء للفاعل(٢)، أي: يُضاعِفُ اللهُ عز وجل ثوابَ ذلك. ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيرٌ﴾ قد مرَّ الكلام فيه(٣). ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ قد بَيَّن كيفيةَ إيمانهم في خاتمة سورة البقرة(٤)، والموصولُ مبتدأ أول، وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ ثانٍ، وهو إشارةٌ إلى الموصول، وما فيه من معنى البُعدِ لِمَا مرَّ مراراً، وقوله سبحانه: ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثالث، وقوله عز وجل: ﴿الصِّدِّيقُونٌّ وَالثُّهَدَلَهُ﴾ خبرُ الثالث، والجملة خبرُ الثاني، وهو مع خبره خبرُ الأول، أو ((هم)) ضميرُ فصل وما بعده خبرُ الثاني. وقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِهِمْ﴾ متعلِّقٌ - على ما قيل - بالثبوت الذي تقتضيه الجملة، أي: أولئك عند ربهم عز وجل وفي حُكْمِه وعلمه سبحانه هم الصديقون والشهداء. والمراد: أولئك في حكم الله تعالى بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلوٍّ الرُّتبة ورِفعة المحلِّ، وهم الذين سبَقُوا إلى التصديق ورسخُوا فيه واستُشْهِدوا في سبيل الله جل جلاله. وسُمِّي مَن قُتِلَ مجاهداً في سبيله تعالى شهيداً؛ لأنَّ الله سبحانه وملائكته عليهم السلام شهودٌ له بالجنة، وقيل: لأنَّه حيٌّ لم يمت كأنَّه شاهدٌ، أي: حاضر. وقيل: لأنَّ ملائكة الرحمة تشهدُه. وقيل: لأنَّه شهد ما أعدَّ الله تعالى له من الكرامة. وقيل غير ذلك، فهو إما فعيل بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، على اختلاف التأويل. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ خبرٌ ثانٍ للموصول على أنَّه جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، أو ((لهم)) الخبر وما بعده مرتفعٌ به على الفاعلية، وضمير ((لهم)) للموصول، والضميران الأخيران للصدِّيقين والشهداء. والغرضُ بيانُ ثمرات ما وُصفوا به من (١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب. (٢) نسبها القرطبي ٢٠/ ٢٥٧ للأعمش. (٣) تقدم ص٤١٣، من هذا الجزء. (٤) آية رقم (٢٨٥). الآية : ١٩ ٤٣٥ سُورَةُ الحَدِك نعوت الكمال، أي: أولئك لهم مثلُ أجرِ الصدِّيقين والشهداء ونورِهم المعروفين بغاية الكمال وعزَّة المنال، وقد حذف أداة التشبيه تنبيهاً على قوة المماثلة وبلوغها حدَّ الاتحاد، كما فعل ذلك أولاً حيث قيل: «أولئك هم الصدیقون والشهداء»، وليست المماثلة بَيْن ما للفريق الأولِ من الأجر والنور، وبَيْن تمام ما للفريقَين الأخيرين، بل بَيْن تمام ما للأول من الأصل والإضعاف، وبين ما للأخيرَين من الأصل بدون الإضعاف، فالإضعافُ هو الذي امتاز به الفريقان الأخيران على الفريق الأولِ. وقد لا يُعتَبر تشبيهٌ بليغٌ في الكلام أصلاً ويبقى على ظاهره، والضمائرُ كلُّها للموصول، أي: أولئك هم المبالغون في الصدق، حيث آمنوا وصدَّقوا جميعَ أخبار الله تعالى وأخبارٍ رسله عليهم الصلاة والسلام، والقائمون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية وسائرٍ صفاتِ الكمال، ولهم(١) بما يليقُ بهم من ذلك، لهم الأجر والنور الموعودان لهم. وقال بعضهم: وصَفَهم بالشهادة لكونهم شهداءَ على الناس كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فـ((عند ربهم)) متعلُّقٌ بـ ((الشهداء))، والمرادُ: والشهداء على الناس يوم القيامة، وجوِّز تعلُّقه بـ ((الشهداء)) أيضاً على الوجه الأول على معنى: الذين شهدوا مزيدَ الكرامة بالقتل في سبيل الله تعالى يوم القيامة، أو في حظيرة رحمته عز وجل، أو نحو ذلك. ويشهدُ لكون ((الشهداء)) معطوفاً على ((الصديقين)) آثارٌ كثيرة: أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال: سمعتُ رسول اللهِ وَله يقول: ((إنَّ مؤمني أمتي شهداءُ))، ثم تلا النبيُّ نَّهِ: (وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ- أُوْلَيْكَ هُمُ الصِّدِيقُونٌ وَالشُّهَدَآءُ عِنْدَ رَبِهِمْ)(٢). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنَّه قال يوماً لقوم عنده: كلُّكم صدِّيقٌ وشهيد. قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: اقرؤوا: (وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِ=) الآية. (١) أي: وللرسل. حاشية الشهاب ١٥٩/٨. (٢) تفسير الطبري ٤١٤/٢٢-٤١٥ . سُورَةُ الحَدِ ٤٣٦ الآية : ١٩ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: كلُّ مؤمن صدِّيقٌ وشهيدٌ، ثم تلا الآية. وأخرج عبد بن حميد نحوه عن عمرو بن ميمون(١). وأخرج ابنُ حبان عن عمرو بن مرَّة الجهني قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّ فقال: يا رسولَ الله أرأيتَ إنْ شهدتُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّك رسولُ الله، وصليتُ الصلوات الخمسَ، وأديتُ الزكاةَ، وصمتُ رمضان وقمتُه، فمِمَّن أنا؟ قال: ((من الصِّدِّيقين والشهداء))(٢). وينبغي أنْ يحمل ((الذين آمنوا)) على مَن لهم كمالٌ في ذلك يُعتدُّ به، ولا يتحقَّقُ إلا بفعل طاعات يُعتدُّ بها، وإلا فيبعُدُ أنْ يكون المؤمنُ المنهمكُ في الشهوات الغافلُ عن الطاعات صدِّيقاً شهيداً، ويُستأنَسُ لذلك بما جاء من حديث عمرَ ر ◌ُته : ما لكم إذا رأيتمُ الرجلَ يُخرِّقُ أعراض الناس أن لا تعيبوا عليه؟ قالوا: نخافُ لسانَه. قال: ذلك أَحرَى أنْ لا تكونوا شهداءَ(٣). قال ابنُ الأثير(٤): أي: إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء الذين يُستشهَدُون يوم القيامة على الأمم التي كذَّبَت أنبياءَها. وكذا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((اللَّغَّانون لا يكونون شهداء)»(٥)، بناءً على أحد قولَين فيه(٦). (١) الآثار الثلاثة في الدر المنثور ١٧٦/٦، وأثر مجاهد في مصنف عبد الرزاق ٢٦٩/٥. (٢) صحيح ابن حبان (٣٤٣٨). (٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٢٥٢/٣، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٧)، وفيهما: تعرِّبوا، بدل: تعيبوا، قال أبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين ٢٦٤/١: وعندي أن ((تعيبوا)) تصحيف، وإنما هو: أن تعرِّبوا عليه، أي: تردُّوا علیه. اهـ، وقال أبو زيد والأصمعي كما نقل أبو عبيد: قوله: أن لا تعربوا، يعني: أن لا تفسدوا عليه كلامه وتقبحوه له. (٤) في النهاية (شهد). (٥) أخرجه مسلم (٢٥٩٨)، وأبو داود (٤٩٠٧) من حديث أبي الدرداء (٦) أي: لا تسمع شهادتهم، أو: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم الخالية. النهاية (شهد). والثاني هو الذي عناه المصنف بقوله: على أحد قولين. الآية : ١٩ ٤٣٧ سُورَةُ الحَدِك وفي بعض الأخبار ما ظاهرُه إرادةُ طائفةٍ من خواصِّ المؤمنين، أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ◌َالتر: ((من فرَّ بدینه من أرضٍ إلی أرضٍ مخافةً الفتنةِ على نفسه ودينِهِ كُتِبَ عند الله صدِّيقاً، فإذا ماتَ قَبَضَه الله شهيداً) وتلا هذه الآية: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَيْكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ) ثم قال: ((هذه فيهم)) ثم قال: ((والفرَّارون بدينهم من أرضٍ إلى أرضٍ يومَ القيامة مع عيسى بن مريم في درجته في الجنة))(١). ويجوز أنْ يُراد من قوله: ((هذه فيهم)) أنَّها صادقةٌ عليهم وهم داخلون فيها دخولاً أوليًّا، ويقال في قوله عليه الصلاة والسلام: ((مع عيسى في دَرَجتِهِ)»: المرادُ معه في مثل درجته، وتُوَجَّه المماثلة بما مرَّ، والخبرُ إذا صحَّ يُؤيِّد الوجهَ الأولَ في الآية. وروي عن الضحاك أنَّها نزلَت في ثمانية نفرٍ سبقوا أهلَ الأرض في زمانهم إلى الإسلام، وهم أبو بكر وعثمان وعلي وحمزة وطلحة والزبير وسعد وزید أجمعين(٢). وهذا لا يضرُّ في العموم كما لا يخفى. وقيل: ((الشهداءُ)) مبتدأ و((عند ربهم)) خبرُه، وقيل: الخبرُ ((لهم أجرهم))، والكلامُ عليهما قد تمَّ عند قوله تعالى: (الصِّدِّيقُونٌ)، وأخرج هذا ابن جرير عن ابن عباس والضحاك قالا: (وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَيْكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) هذه مفصولةٌ، سمَّاهم صدِّيقين ثم قال: (وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)(٣)، وروى جماعةٌ عن مسروق ما يوافقه. واختلفوا في المراد بـ((الشهداء)) على هذا؛ فقيل: الشهداء في سبيل الله تعالى، وحكي ذلك عن مقاتل بن سليمان، وقيل: الأنبياء عليهم السلام الذين يشهدون للأمم وعليهم(٤)، وحكي ذلك عن مسروق ومقاتل بن حيان، واختاره الفراء والزجَّاج(٥). (١) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٧٦/٦ . (٢) وتاسعهم عمر بن الخطاب به ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته، كما في الوسيط ٢٥١/٤، وتفسير البغوي ٢٩٨/٤، ووقع في (م) :... وهم أبو بكر وعمر وعلي .... (٣) تفسير الطبري ٤١٣/٢٢ -٤١٤ . (٤) في (م): للأمم عليهم. (٥) معاني القرآن للفراء ١٣٥/٣، وللزجاج ١٢٦/٥. سُورَةُ الحَدِ ٤٣٨ الآية : ٢٠ وزعم أبو حيان أنَّ الظاهر كونُ الشهداء مبتداً وما بعده خبرٌ(١). ومَن أنصفَ يعلمُ أنَّه ليس كما قال، وأنَّ الذي تقتضيه جزالةُ النظم الكريم هو ما تقدَّم. ثم النور على جميع الأوجه على حقيقته، وعن مجاهد وغيره أنَّه عبارةٌ عن الهدَى والكرامة والبشرى. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَزِنَآ﴾ أي: بجميعها على اختلاف أنواعها، وهو إشارةٌ إلى كفرهم بالرسل عليهم السلام جميعهم ﴿أُوْلَتِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفة القبيحة ﴿أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ بحيث لا يفارقونها أبداً. ﴿أَعْلَمُواْ أَنََّا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوْ وَزِينَةُ وَتَفَخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌّ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ﴾ بعدما بيّن حال الفريقين في الآخرة شرح حال الحياة التي اطمأنَّ بها الفريقُ الثاني، وأُشيرَ إلى أنَّها من محقَّرات الأُمور التي لا يَركَنُ إليها العقلاء فضلاً عن الاطمئنان بها = بأنَّها ((لعبٌ)) لا ثمرةَ فيها سوى التعبِ، ((ولَهْوٌ)) تشغلُ الإنسانَ عمَّا يَعنيه ويهمُّه، ((وزينةٌ)) لا يحصل منها شرفٌ ذاتي، كالملابس الحسنة والمراكبِ البهية والمنازل الرفيعة، ((وتفاخرٌ)) بالأنساب والعظام البالية، ((وتكاثر)) بالعُدَد والعَدَد، وقرأ السلمي: (وتفاخرُ بينِكم)) بالإضافة (٢). ثم أُشيرَ إلى أنَّها مع ذلك سريعةُ الزوالِ وشيكةُ الاضمحلال بقوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ غَيْنٍ﴾ مَطَرِ ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ أي: رَاقَهم ﴿نَبَانُّهُ﴾ أي: النبات الحاصل به، والمرادُ بالكفار إما الحُرَّاث على ما روي عن ابن مسعود؛ لأنَّهم يكفرون، أي: يسترون البَذْر في الأرض، ووجه تخصيصهم بالذكر ظاهرٌ، وإما الكافرون بالله سبحانه، ووجْهُ تخصيصهم أنَّهم أشدُّ إعجاباً بزينة الدنيا، فإنَّ المؤمنَ إذا رأى معجِباً انتقل فكرُه إلى قدرة موجِدِه عز وجل فأُعجِبَ بها، ولذا قال أبو نواس في النرجس : عيونٌ من لجينٍ شاخصَاتٌ على أطرافها ذَهَبٌ سبيكُ (١) البحر المحيط ٢٢٣/٨. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٢، والبحر المحيط ٢٢٤/٨. الآية : ٢٠ ٤٣٩ سُورَةُ الحَدِد بأنَّ الله ليس له شريكُ(١) علی قضب الزَّبرجَدٍ شاهدات والكافرُ لا يتخّى فكرُه عما أحسَّ به فيستغرِقُ إعجاباً. ﴿ثُمَّ ◌َهِيجُ﴾ يتحرَّك إلى أقصى ما يتأتَّى له، وقيل: أي: يجِفُّ بعد خُضرته ونضارته ﴿فَرَّهُ﴾ یا مَن تصحُّ منه الرؤية ﴿مُصْفَرًا﴾ بعد ما رأيتَه ناضراً مونقاً، وقرئ: ((مصفارًا))(٢) وإنما لم يقل: فيصفَرُّ، قيل: إيذاناً بأنَّ اصفرارَه غيرُ مقارِنٍ لهيجانه، وإنما المترتّب عليه رؤيتُه كذلك، وقيل: للإشارة إلى ظهور ذلك لكلِّ أحدٍ ﴿ثُمَّ يَكُنُ حُطَمًا﴾ هشيماً متكسِّراً من اليَيْس. ومحلُّ الكاف قيل: النصبُ على الحالية من الضمير في (لَعِبٌ)) لأنَّه في معنى الوصف، وقيل: الرفعُ على أنَّه خبرٌ بعد خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف إليه، أي: مَثَلُ الحياة كمَثَل .. إلخ، ولتضمُّن ذلك تشبيهَ جميع ما فيها من السنين الكثيرةٍ بمدَّة نباتِ غَيْثٍ واحدٍ يفنَى ويضمحلّ في أقلّ من سنة، جاءت الإشارة إلى سرعة زوالها وقرپ اضمحلالها . وبعدما بيّن حقارة أمرٍ الدنيا تزهيداً فيها، وتنفيراً عن العكوف عليها أشيرَ إلى فخامة شأن الآخرة وعِظَم ما فيها من اللذات والآلام، ترغيباً في تحصيل نعيمها المقيم، وتحذيراً من عذابها الأليم، وقدم سبحانه ذكر العذاب فقال جل وعلا: ﴿وَفِ الْأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لأنَّهِ من نتائج الانهماك فيما فصّل من أحوال الحياة الدنيا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة ﴿مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ﴾ عظيمٌ لا يقادَر قَدْرُه. وفي مقابلة العذاب الشديدِ بشيئَين إشارةٌ إلى غلبة الرحمة، وأَّه من باب: ((لن يغلبَ عسرٌ يُسرَيْن)»(٣)، وفي تَرْك وصفِ العذابِ بكونه من الله تعالى مع وصف (١) سلفا ٢٧/٢ -٢٨. (٢) البحر المحيط ٨/ ٢٢٤. (٣) وهو حديث أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠، والطبري ٢٤/ ٤٩٥-٤٩٦، والحاكم في المستدرك ٥٢٨/٢ عن الحسن عن النبي ◌َّالفر مرسلاً. وأخرجه الطبري ٤٩٦/٢٤ عن قتادة عن النبي وَله مرسلاً أيضاً. وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٦: وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه من رواية عطية عن جابر موصولاً وإسناده ضعيف، وفي = سُورَةُ الحَدِ ٤٤٠ الآية : ٢١ ما بعدَه بذلك إشارةٌ إلى غلبتها أيضاً، ورمزٌ إلى أنَّ الخير هو المقصود بالقصد الأولى. ﴿وَمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَنَعُ الْغُرُورِ﴾ لمن اطمأنَّ بها ولم يجعلها ذريعةً للآخرة ومطيّةً لنعيمها، روي عن سعيد بن جبير: الدنيا متاعُ الغرور إنْ ألهتكَ عن طلب الآخرة، فأما إذا دَعَتْكَ إلى طلب رضوانِ الله تعالى وطلبِ الآخرة، فنعمَ المتاعُ ونعم الوسيلة . ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ أي: سارعوا مسارعةَ السابقين لأقرانهم في المضمار إلى أسباب مغفرةٍ عظيمةٍ كائنةٍ ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ والكلامُ على الاستعارة، أو المجاز المرسَل واستعمالِ اللفظ في لازم معناه، وإنَّما لزم ذلك لأنَّ اللازم أنْ يبادِر مَن يعمل ما يكون سبباً للمغفرة ودخول الجنة لا أنْ يعمله أو يتَّصف بذلك سابقاً على آخر. وقيل: المرادُ: سابقوا ملكَ الموت قبل أنْ يقطعَكم بالموت عن الأعمال الموصلةِ لِمَا ذكر. وقيل: سابقوا إبليسَ قبل أنْ يصدَّكم بغروره وخداعِهِ عن ذلك. وهو كما ترى. والمراد بتلك الأسباب الأعمال الصالحة على اختلاف أنواعها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنَّه قال في الآية: كن أوَّلَ داخلِ [في](١) المسجد وآخرَ خارجٍ. وقال عبد الله: كونوا في أول صفٍّ [في] القتال. وقال أنس: اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام. وكلُّ ذلك من باب التمثيل، واستُدلَّ بهذا الأمرِ على أنَّ الصلاة بأوَّل وقتها أفضلُ من التأخير. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: كعرضهما جميعاً لو أُلصِقَ أحدُهما بالآخر، وإذا كان العَرْضُ - وهو أقصرُ الامتدادَين - موصوفاً بالسَّعة دلَّ على سَعَة الطول بالطريق الأَوْلَى، فالاقتصار عليه أبلغُ من ذكر الطول معه. = الباب عن عمر ◌ُبه ذكره مالك في الموطأ [٤٤٦/٢] عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر څه ... وهذا أصح طرقه. اهـ. (١) ما بين حاصرتين من البحر ٢٢٥/٨، والكلام منه.