Indexed OCR Text
Pages 401-420
الآية : ٤ ٤٠١ سُورَةُ الحَدِ والقرينة السباق واللحاق مع استحالة الحقيقة، وقد أوَّلَ السلفُ هذه الآية بذلك، أخرج البيهقي في ((الأسماء والصفات)) عن ابن عباس أنَّه قال فيها: عالمٌ بكم أينما كنتم (١). وأخرج أيضاً عن سفيان الثوري أنَّه سئل عنها فقال: علمُه معكم (٢). وفي ((البحر)): أنَّه اجتمعَت الأُمة على هذا التأويل فيها، وأنَّها لا تُحمَل على ظاهرها من المعيَّة بالذات، وهي حُجةٌ على [مَنآ مَنَعَ التأويل في غيرها مما يجري مجراها في استحالة الحمل على الظاهر، وقد تأوَّلَ هذه الآيةَ وتَأوَّلَ الحجَرَ الأسود يمين الله في الأرض، ولو اتَّسع عقلُه لتأوَّل غيرَ ذلك مما هو في معناه(٣). انتهى. وأنت تعلم أنَّ الأسلم تركُ التأويل، فإنَّه قولٌ على الله تعالى من غير علمٍ، ولا نُؤوِّل إلا ما أوَّله السلفُ، ونتَّبعهم فيما كانوا عليه، فإنْ أوَّلوا أوَّلنا، وإن فوَّضوا فوَّضنا، ولا نأخذُ تأويلَهم لشيء سلَّماً لتأويل غيره. وقد رأيتُ بعض الزنادقة الخارجين من رِبْقة الإسلام يضحكون من هذه الآية مع قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْيُنَّ) ويسخرون من القرآن الكريم لذلك، وهو جهلٌ فظيع وكفرٌ شنيع، نسألُ الله تعالى العصمةَ والتوفيق. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عبارةٌ عن إحاطته بأعمالهم، وتأخيرُ صفةِ العلم الذي هو مِن صفات الذاتِ عن الخلق الذي هو من صفات الأفعال - مع أنَّ صفات الذاتِ متقدِّمةٌ على صفات الأفعال - لِمَا أنَّ المراد الإشارةُ إلى ما يدور عليه الجزاءُ من العلم التابع للمعلوم. وقيل: لأنَّ(٤) الخلق دليلُ العلم، إذ يُستدَل بخلْقِهِ تعالى وإيجادِه سبحانه لمصنوعاتِه المتقَنَة على أنَّه عز وجل عالمٌ، ومن شأن المدلولِ التأخّرُ عن الدليل لتوقُّفه علیه. (١) لم نقف عليه في الأسماء والصفات، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤١٢). (٢) الأسماء والصفات ٣٤١/٢ (٩٠٨). (٣) البحر المحيط ٢١٧/٨، وما بين حاصرتين منه. (٤) في (م): إن. سُودَةُ الحَدِ ٤٠٢ الآية : ٥ - ٧ وقوله تعالى: ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وتمهيدٌ لقوله سبحانه المُشْعِرِ بالإعادة: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرَُّعُ الْأُمُورُ﴾ أي: إليه تعالى وحدَه لا إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً تُرْجَعُ جميعُ الأمور أعراضُها وجواهرُها، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق والأعرج: ((تَرْجِعُ)) مبنيًّا للفاعل من رَجَع رجوعاً، وعلى البناء للمفعول - كما في قراءة الجمهور - هو من رَجَعَ رَجْعاً(١). ﴿يُلِيُ اَلَ فِ النَّارِ وَيُولِجُ النََّارَ فِ الَّلِ﴾ مرَّ تفسيره مراراً. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ﴾ أي: مبالغٌ في العلم ﴿يِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بمكنوناتها اللازمة لها، بيانٌ لإحاطة علمه تعالى بما يُضمرونه من نيَّاتهم بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يُظهرونها، وجوِّز أن يُراد بـ ((بذات الصدور)) نفسها وحقيقتها على أنَّ الإحاطةَ بما فيها تُعلم بالأَولَى. ﴿ءَاِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيَّةٌ﴾ أي: جعَلَكم سبحانه خلفاءَ عنه عز وجل في التصرُّف فيه من غير أنْ تملكوه حقيقةً، عبَّر جل شأنه عما بأيديهم من الأموال بذلك تحقيقاً للحقِّ وترغيباً في الإنفاق، فإنَّ من علم أنَّها لله تعالى، وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفُها إلى ما عيَّنه الله تعالى من المصارف، هانَ عليه الإنفاق. أو: جعلكم خلفاء عمَّن كان قبلكم فيما كان بأيديهم فانتقل لكم، وفيه أيضاً ترغيبٌ في الإنفاق وتسهيلٌ له؛ لأنَّ مَن علم أنَّه لم يبقَ لمن قبلَه وانتقل إليه علم أنَّه لا يدومُ له وينتقل لغيره، فيسهلُ عليه إخراجُه ويرغبُ في كسب الأجر بإنفاقه. ويكفِيكَ قولُ الناسِ فيما ملَكْتَه: لقد كان هذا مرَّةٌ لفلانٍ. وفي الحديث: ((يقول ابنُ آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأبليتَ، أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ))(٢). (١) البحر ٢١٧/٨، والقراءة بالبناء للفاعل من القراءات المتواترة قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف كما في التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٠٨/٢-٢٠٩. (٢) أخرجه أحمد (١٦٣٠٥) و(١٦٣٠٦)، ومسلم (٢٩٥٨) من حديث عبد الله بن الشّخير ـه. الآية : ٨ ٤٠٣ سُورَةُ الحَدِد والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِّ) وعليه ما حكي أنَّه قيل لأعرابي: لِمَن هذه الإبل؟ فقال: هي لله تعالى عندي. ويميلُ إليه قول القائل: وما المالُ والأهلون إلا ودائعٌ ولا بدَّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ(١) والآية على ما روي عن الضحاك نزلَت في تبوك(٢)، فلا تغفل. ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنْفَقُواْ﴾ حسبما أُمِّرُوا بِهِ ﴿لَمْ﴾ بسبب ذلك ﴿أَبْرٌ كَبِيرٌ﴾ وعدٌ فيه من المبالغات ما لا يخفَى، حيث جعَلَ الجملةَ اسميةً، وكان الظاهر أن تكون فعليةً في جواب الأمر، بأنْ يقال مثلاً: آمِنُوا بالله ورسوله وأنفِقُوا تُعطَوا أجراً كبيراً، وأُعيدَ ذكر الإيمان والإنفاق دون أنْ يقال: فَمَنْ يفعل ذلك فله أجرٌ كبير، وعدل عن: فللذين آمنوا منكم وأنفَقوا أجرٌ، إلى ما في النظم الكريم، وفُخِّم الأجرُ بالتنكير، ووُصِف بالكبير. وقوله عز وجل: ﴿وَمَا لَكُنْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ استئنافٌ قيل: مسوقٌ لتوبيخهم على ترك الإيمان حسبما أُمِرُوا به، بإنكار أنْ يكون لهم في ذلك عُذرٌ ما في الجملة، على أنَّ (لا تؤمنون)) حالٌ من ضمير ((لكم)) والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، أي: أيُّ شيء حصَلَ لكم غيرَ مؤمنين، على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقّق المسبّب، وهو مضمون الجملة الحالية أعني عدمَ الإيمان، فـ ((أيُّ) لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُنْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارَا﴾ [نوح: ١٣] وقد يتوجَّه الإنكار والنفي في مثل هذا التركيبٍ لسبب الوقوعِ، فيسريان إلى المسبَّب أيضاً كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ﴾ إلخ [يس: ٢٢]، ولا يمكن إجراءُ ذلك هنا لتحقُّق عدم الإيمان، وهذا المعنى مما لا غبار عليه. وقوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ یدْعُوگُ لِثُؤمِنُوا پرتِگن﴾ حالٌ من ضمیر ((لا تؤمنون)) مفيدةٌ - على ما قيل - لتوبيخهم على الكفر مع تحقَّق ما يوجبُ عدمه بعد توبيخهم (١) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص ١٧٠، وسلف عند تفسير الآية (٩٨) من سورة الأنعام. (٢) البحر المحيط ٢١٨/٨. سُورَةُ الحَدِيد ٤٠٤ الآية : ٨ عليه مع عدم ما يوجبُه، ولام ((لتؤمنوا)) صلة ((يدعو)) وهو يتعدَّى بها وبـ: ((إلى))، أي: وأيُّ عذر في ترك الإيمان والرسولُ يدعوكم إليه وينبهكم عليه. وجوِّز أنْ تكون اللامُ تعليليةٌ. وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِثَقَكُمْ﴾ حالٌ من فاعل ((يدعوكم)) أو من مفعوله، أي: وقد أخذ الله ميثاقَكم بالإيمان من قبل، كما يُشعرُ به تخالفُ الفعلَين مضارعاً وماضياً. وجوِّز كونه حالاً معطوفةً على الحال قبلها، فالجملةُ حالٌ بعد حال من ضمير ((تؤمنون))، والتخالفُ بالاسمية والفعلية يُبعدُ ذلك في الجملة. وأيَّامًا كان فأخذُ الميثاق إشارةٌ إلى ما كان منه تعالى من نصب الأدلة الآفاقية والأَنفُسية والتمكينِ من النظر، فقوله تعالى: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُؤْ) إشارةٌ إلى الدليل السمعي، وهذا إشارةٌ إلى الدليل العقليِّ، وفي التقديم والتأخير ما يؤيِّدُ القولَ بشرف السمعيِّ على العقليِّ. وقال البغوي: هو ما كان حين أخرجَهم من ظهر آدَمَ وأشهدَهم بأنَّه سبحانه ربُّهم فشهدوا(١). وعلیہ لا مجاز. والأول اختيارُ الزمخشري(٢)، وتعقّبه ابنُ المنيِّر فقال: لا عليه أنْ يحمل العهدَ على حقيقته، وهو المأخوذُ يومَ الذرِّ، وكلُّ ما أجازه العقلُ وورَدَ به الشرعُ وجبَ الإيمان به(٣). وروي ذلك عن مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل، وضعفه الإمام بأنَّ المرادَ إلزامُ المخاطبين الإيمانَ، ونَفْيُ أنْ يكونَ لهم عذرٌ في تركه، وهم لا يعلمون هذا العهد إلا من جهة الرسول، فقَبْل التصديق بالرسول لا يكون سبباً لإلزامهم الإيمان به(٤) . وقال الطيبي: يمكنُ أن يقال: إنَّ الضميرَ في ((أَخَذ)) إن كان لله تعالى فالمناسبُ أن يُراد بالميثاق ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا (١) تفسير البغوي ٢٩٤/٤ . (٢) الكشاف ٤/ ٦٢. (٣) الانتصاف ٤ / ٦٢. (٤) مفاتيح الغيب ٢١٧/٢٩. الآية : ٨ ٤٠٥ سُورَةُ الحَدِك يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ﴾ [البقرة: ٣٨] إلخ لأنَّ المعنى: فإما يأتينَّكم منِّي هدّى برسولٍ أبعثُه إليكم وكتابٍ أُنزله عليكم. ويدلُّ على الأول قوله سبحانه: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُتْ لِثُؤْمِنُواْ) وعلى الثاني: (هُوَ الَّذِى يَُّزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَتٍ) إلخ، وإن كان للرسول وَّل﴿ فالظاهرُ أنْ يُراد به ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّيِّعْنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُّنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] على أنْ يُضافَ الميثاقُ إلى النبيِّين إضافته إلى المُوثق لا المُوثق عليه، أي: الميثاق الذي وثَّقه الأنبياءُ على أممهم، وهو الوجه لأنَّ الخطاب مع الصحابة ﴿ه كما يدلُّ عليه ما بعد، ولعل الميثاقَ نحو ما روينا عن الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعْنا رسولَ اللهِ وَ﴿ على السَّمع والطاعة في النشاط والكَسَل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقولَ في الله تعالى ولا نخاف لومة لائم(١). انتهى. ويضعَّف الأول بنحو ما ضَّف به الإمام حملَ العهد على ما كان يوم الذرِّ، وضَعْفُ الثاني أظهرُ من أنْ ينبّه عليه. والخطاب قال صاحب ((الكشف)): عامٌّ يوبِّخُ مَن لم يؤمن منهم بعدم الإيمان، ثم مَن آمن بعدم الإنفاق في سبيله، وكلامُ أبي حيان ظاهرٌ في أنَّه للمؤمنين، وجَعَل ((آمنوا)) أمراً بالثبات على الإيمان ودوامه ((وما لكم لا تؤمنون)) إلخ على معنى: كيف لا تَثبُتُون على الإيمان ودواعي ذلك موجودة(٢). وظاهرُ كلام بعضهم كونُه للكفرة، وهو الذي أشرنا إليه من قبل، ولعلَّ ما ذكره صاحب ((الكشف)) أَولَى، إلا أنَّه قيل عليه: إنَّ ((آمنوا)) إذا كان خطاباً للمتَّصفين بالإيمان ولغير المتَّصفين به يلزمُ استعمال الأمر في طلب أصل الفعل نظراً لغير المتصفين، وفي طلب الثبات نظراً للمتصفين، وفيه ما فيه، ويحتاج في التفصِّي عن ذلك إلى إرادة معنّى عامّ للأمرَين. (١) المسند (٢٢٦٧٩) و(٢٢٧٧٠). (٢) البحر المحيط ٢١٨/٨. ـرَةُ الصَاية ٤٠٦ الآية : ٨ وقد يقال: أراد أنَّه عَمَد إلى جماعة مختلفين في الأحوال فأُمِرُوا بأوامرَ شتَّى، وخُوطبوا بخطابات متعدِّدة، فتوجَّه كلُّ أمرٍ وكل خطاب إلى مَن يليق به، وهذا كما يقولُ الوالي لأهل بلده: أذِّنُوا وصلُّوا ودَرِّسوا، وأنفقُوا على الفقراء، وأَوْفُوا الكيل والميزانَ، إلى غير ذلك، فإنَّ كلَّ أمر ينصرفُ إلى مَن يليقُ به منهم، فتأمل. وقرئ: ((وما لكم لا تؤمنون بالله ورسوله))(١). وقرأ أبو عمرو: ((وقد أُخِذَ ميثاقُكم)) بالبناء للمفعول ورفع ((ميثاقُكم))(٢). ﴿إِنْ كُثُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ جوابُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبل، والمعنى: إن كنتم مؤمنين لموجب مّا فهذا مُوجبٌ لا مُوجبَ وراءَه، وجوِّز أن يكونَ المرادُ: إن كنتم ممن يؤمنُ فما لكم لا تؤمنون والحالةُ هذه؟! وقال الواحدي: أي: إن كنتم مؤمنين بدليل عقليٍّ أو نقليٍّ فقد بان وظهرَ لكم على يدَي محمدٍ بَّهِ ببعثته وإنزالِ القرآن عليه (٣). وأيَّامًا كان فلا تناقضَ بين هذا وقولِه تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ). وقال الطبري في ذلك: المرادُ: إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال فآمنوا الآن(٤). وقيل: إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى عليهما السلام فآمنوا بمحمد وَليهِ، فإنَّ شريعتَهما تقتضي الإيمانَ به عليه الصلاة والسلام، أو: إن كنتم مؤمنين بالميثاق المأخوذِ عليكم في عالم الذَّرِّ فآمنوا الآن. وقيل: المراد: إن دمتُم على الإيمان فأنتم في رُتَب شريفةٍ وأقدار رفيعة. والكل كما ترى. (١) الكشاف ٤/ ٦٢. (٢) التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢. (٣) الوسيط ٤/ ٢٤٥. (٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٣٩٠. الآية : ٩ - ١٠ ٤٠٧ سُورَةُ الحَدِ وظاهرُ الأخير أنَّ الخطاب مع المؤمنين، وهو الذي اختاره الطيبي، وقال في هذا الشرط: يمكنُ أن يجريَ على التعليل كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرَّوْاْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] لأنَّ الكلام مع المؤمنين على سبيل التوبيخ والتقريع يدلُّ عليه ما بعدُ ﴿هُوَ الَّذِى يَُّزِّلُ عَلَى عَبْدِهِةِ﴾ حسبما يَعِنُّ لكم من المصالح ﴿مَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ واضحاتٍ، والظاهرُ أنَّ المراد بها آياتُ القرآن، وقيل: المعجزات. ﴿لَيُخْرِعَكُ﴾ أي: الله تعالى إذ هو سبحانه هو المخبَر عنه، أو العبد لقرب الذكر، والمرادُ: ليخرجَكم بها ﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الكفرِ إلى نور الإيمان. وقرئ في السبعة: ((ينزل)) مضارعاً، فبعضٌ ثقَّل وبعضُ خفَّف(١). وقرأ الحسن بالوجهَين، وقرأ زيد بن علي والأعمش: ((أَنزل)) ماضياً(٢). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ مبالغ في الرأفة والرحمة، حيث أزالَ عنكم موانعَ سعادة الدارين، وهداكم إليها على أتمٍّ وجه، وقرئ في السبعة: ((لرؤوف)) بواوين. وقوله عز وجل: ﴿وَمَا لَكُنْ أَلَّا نُنفِقُوا﴾ توبيخٌ على تَرْك الإنفاق إما للمؤمنين الغير المنفقين، أو لأولئك الموبَّخين أولاً على ترك الإيمان، وبَّخهم سبحانه على ذلك بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أنْ يكونَ لهم في ذلك أيضاً عذرٌ من الأعذار. و ((أنْ)) مصدرية لا زائدة كما قيل، واقتضاه كلام الأخفش(٣)، والكلامُ على تقدير حرف الجرِّ، فالمصدر المؤوَّل في محلِّ نصبٍ أو جرِّ على القولَين، وحذفُ مفعول الإنفاق للعلم به مما تقدَّم. وقوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لتشديد التوبيخ، والمرادُ به كلُّ خير يقرِّبهم إليه (١) قرأ بالتخفيف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، وقرأ الباقون بالتشديد. التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٨/٢. (٢) القراءتان في المحرر الوجيز ٢٥٩/٥، والبحر المحيط ٢١٨/٨. (٣) البحر المحيط ٢١٨/٨-٢١٩. ٨٠ سُورَةُ الحَدِ ٤٠٨ الآية : ١٠ تعالى على سبيل الاستعارة التصريحية، أي: أيُّ شيءٍ لكم في أنْ لا تُنفقوا فيما هو قربةٌ إلى الله تعالى ما هو له في الحقيقة، وإنما أنتم خلفاؤُه سبحانه في صَرْفه إلى ما عيَّنه عز وجل من المصارف، أو ما انتقل إليكم من غيركم وسينتقل منكم إلى الغير. ﴿وَلِلَّهِ مِبَثُ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: يرِثُ كلَّ شيء فيهما ولا يبقَى لأحدٍ مالٌ، على أنَّ ميراثهما مجازٌ أو كنايةٌ عن ميراث ما فيهما؛ لأنَّ أَخْذَ الظرف يلزمه أَخذٌ المظروف. وجوِّز أنْ يُراد: يرثهما وما فيهما، واختير الأول لأنَّه (١) يكفي لتوبيخهم، إذ لا علاقةَ لأخذ السماوات والأرض هنا . والجملةُ حالٌ من فاعل ((لا تنفقوا)) أو مفعوله، مؤكدة للتوبيخ، فإنَّ ترْكَ الإنفاق بغير سببٍ قبيحٌ منكَرٌ، ومع تحقّق ما يوجبُ الإنفاقَ أشدُّ في القبح وأدخلُ في الإنكار، فإنَّ بيانَ بقاء جميعٍ ما في السماوات والأرضٍ من الأموال بالآخرة لله عز وجل من غير أنْ يبقَى لأحدٍ من أصحابها شيء أقوَى في إيجاب الإنفاق عليهم من بيان أنَّها لله تعالى في الحقيقة، أو أنَّها انتقلت إليهم من غيرهم، كأنه قيل: وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل الله تعالى والحالُ أنَّه لا يبقَى لكم ولا لغيركم منها شيءٌ، بل تبقَى كلَّها لله عز وجل. وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ﴾ بيانٌ لتفاوت درجات المنفقين حسب تفاوتٍ أحوالهم في الإنفاق، بعد بيان أنَّ لهم أجراً كبيراً على الإطلاق، حثًّا لهم على تحرِّي الأفضل، وعطفَ القتال على الإنفاق للإيذان بأنَّه من أهمِّ موادِّ الإنفاق، مع كونه في نفسه من أفضل العبادات، وأنَّه لا يخلو من الإنفاق أصلاً، وقسيمُ ((من أنفق)) محذوفٌ، أي: لا يستوي ذلك وغيرُه، وحُذِف لظهوره ودلالةِ ما بعدُ علیه. (١) في (م): أنه. الآية : ١٠ ٤٠٩ سُورَةُ الحَدِك والفتح فتح مكة على ما روي عن قتادة وزيد بن أسلم ومجاهد، وهو المشهور، فتعريفُه للعهد أو للجنس ادِّعاء، وقال الشعبي: هو فتحُ الحديبية، وقد مرَّ وجهُ تسميته فتحاً في سورة الفتح(١)، وفي بعض الآثار ما يدلُّ عليه؛ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في ((الدلائل)) من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله وَّةوم عام الحُديبية، حتى إذا كان بعسفان قال رسول الله وَلَهُ: ((يُوشِكُ أن يأتيَ قومٌ تحقرونَ أعمالكم مع أعمالهم)) قلنا: مَن هم يا رسول الله، أقريشٌ؟ قال: ((لا ولكنْ هم أهلُ اليمن، هم أرقُّ أفئدةً وأَلْينُ قلوباً))، فقلنا: أهم خيرٌ منَّا يا رسول الله؟ قال: ((لو كان لأحَدِهم جبلٌ من ذهبٍ فأنفقَهُ ما أدرَكَ مدَّ أحدِكم ولا نَصِيفَه، ألا إنَّ هذا فَصْلُ ما بيننا وبين الناس: (لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ) الآية)»(٢). وقرأ زيد بن علي ﴿ًا: ((قبل)) بغير (مِن))(٣). ﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى ((مَن أنفق))، والجمعُ بالنظر إلى معنى ((من)) كما أنَّ إفرادَ الضميرَين السابقين بالنظر إلى لفظها، ووُضِعَ اسم الإشارة البعيد موضعَ الضمير للتعظيم والإشعارِ بأنَّ مدارَ الحكم هو إنفاقُهم قبل الفتح وقتالهم، ومحلُّه الرفع على الابتداء، والخبرُ قوله تعالى: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةٌ﴾ أي: أولئك المنعوتون بذَيْنك النعتَين الجليلَين أرفعُ منزلةً وأجلُّ قدراً. ﴿مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بَعْدُ﴾ أي (٤): بعد الفتح ﴿وَقَتَلُواْ﴾. وذهب بعضُهم إلى أنَّ فاعل ((لا يستوي)) ضميرٌ يعود على الإنفاق، أي: لا يستوي هو، أي: الإنفاق، أي: جنسه، إذ منه ما هو قبل الفتحِ ومنه ما هو (١) آية رقم (١). (٢) تفسير الطبري ٣٩٤/٢٢، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل السيوطي في الدر المنثور ١٧٢/٦، وورد في الأصل و(م): يحتقرون، بدل: تحقرون، والمثبت من تفسير الطبري. (٣) البحر المحيط ٢١٩/٨. (٤) قوله: أي، ليس في (م). الآية : ١٠ ٫ ٤١٠ سُورَةُ الحَدِك بعدَه، و(مَن أنفق)) مبتدأ، وجملةُ ((أولئك أعظمُ)) خبرُه، وفيه تفكيكُ الكلام وخروجٌ عن الظاهر لغير موجِبٍ، فالوجهُ ما تقدَّم، ويعلم منه التزاماً التفاوتُ بين الإنفاق قبل الفتح والإنفاقِ بعده، وإنما كان أولئك أعظمَ درجةً من الذين أنفقوا بعدُ؛ لأنَّهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمالِ الحاجةِ إلى النُّصْرَة بالنفس والمال لقلّة المسلمين وكثرةٍ أعدائهم، وعدم ما ترغَبُ فيه النفوس طبعاً مِن كثرة الغنائم، فكان ذلك أنفع وأشدّ على النفس، وفَاعلُه أقوى يقيناً بما عند الله تعالى وأعظمُ رغبةً فيه، ولا كذلك الذين أنفقوا بعد. ﴿وَكُلّ﴾ أي: كلَّ واحدٍ من الفريقَين لا الأولين فقط ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة على ما روي عن مجاهد وقتادة، وقيل: أعمُّ من ذلك والنصر والغنيمة في الدنيا. وقرأ ابن عامر وعبد الوارث: ((وكلٌّ) بالرفع(١)، والظاهر أنَّه مبتدأ والجملةُ بعده خبرٌ، والعائد محذوف، أي: وعَدَه، كما في قوله: وخالدٌ يحمَدُ ساداتُنا بالحقِّ لا يحمَدُ بالباطلِ(٢) يريد: يحمَدُه. والجملةُ عطفٌ على ((أولئك أعظمُ درجةً)) وبينهما من التطابق ما ليس على قراءة الجمهور، ومنع البصريون حذفَ العائد من خبر المبتدأ، وقالوا: لا يجوزُ إلا في الشعر بخلاف حذفِه من جملة الصفة، وهم محجُوجُون بهذه القراءة. وقولُ بعضهم فيها: إنَّ (كلٌّ) خبرُ مبتدأ تقديره: وأولئك كلٌّ، وجملةُ ((وعد الله)) صفة ((كلّ)) تأويلٌ ركيكٌ، وفيه زيادةُ حذفٍ، على أنَّ بعض النحاة منَعَ وصْفَ ((كل)) بالجملة؛ لأنَّه معرفةٌ بتقدير: وكلُّهم. وقال الشهاب: الصحيحُ ما ذهب إليه ابنُ مالك من أنَّ عدم جوازِ حذفِ العائد من جملة الخبر في غير ((كل)) وما ضاهاها في الافتقار والعموم، فإنَّه في ذلك (١) قراءة ابن عامر في التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢. (٢) سلف ٣٩٥/٢. الآية : ١٠ ٤١١ سُورَةُ الحَدِ مطَّردٌ، لكن ادَّعى فيه الإجماع، وهو محلُّ نزاع(١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالمٌ بظاهره وباطنه ويُجازيكم على حسبه، فالكلامُ وغْدٌ ووعيدٌ. وفي الآيات من الدلالة على فضل السابقين المهاجرين والأنصار ما لا يخفى، والمرادُ بهم المؤمنون المنفقون المقاتلون قبلَ فتح مكةً أو قبل الحديبية، بناءً على الخلاف السابق، والآيةُ على ما ذكره الواحدي عن الكلبي نزلَت في أبي بكر الصديق ﴾(٢)، أي: بسببه، وأنت تعلمُ أنَّ خصوصَ السبب لا يدلُّ على تخصيص الحكم، فلذلك قال: ((أولئك)) ليشملَ غيرَه ◌ُبه ممن اتَّصف بذلك، نعم هو أكملُ الأفراد، فإنَّه أنفَقَ قبل الفتحِ وقبل الهجرة جميعَ ماله، وبذل نفسَه معه عليه الصلاة والسلام، ولذا قال وَّيِ: ((ليس أحدٌ أمنَّ عليَّ بصحبته من أبي بكر))(٣) وذلك يكفي لنزولها فيه. وفي ((الكشاف)): إنَّ ((أولئك)) هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال النبيُّ وَّهِ فيهم: ((لو أنفَقَ أحدُكم مثلَ أحدٍ ذهباً ما بلغَ مدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه))(٤)، قال الطيبي: الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أَحَداً أنفَقَ مثلَ أُحدٍ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه))(٥). وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّه على هذا لا يختصُّ بالسابقين الأوَّلين كما أشار في ((الكشاف)) إليه، وهو مبنيٌّ على أنَّ الخطابَ في ((لا تسبُّوا)) ليس للحاضرين (١) حاشية الشهاب ٨/ ١٥٥. (٢) أسباب النزول ص٤٣٣، والوسيط ٢٤٥/٤-٢٤٦. (٣) أخرجه أحمد (١١١٣٤)، والبخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري ، وأخرجه أحمد (٢٤٣٢)، والبخاري (٤٦٧) من حديث عبد الله بن عباس (٤) الكشاف ٤/ ٦٢، وانظر التعليق الآتي. (٥) صحيح البخاري (٣٦٧٣)، وصحيح مسلم (٢٥٤١)، وسنن أبي داود (٤٦٥٨)، وسنن الترمذي (٣٨٦١)، وفي المصادر: أحدكم، بدل: أحداً. سُورَةُ الحَدِ ٤١٢ الآية : ١١ ولا للموجودين في عصره وَّه، بل لكلِّ مَن يصلُح للخطاب كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ﴾ الآية [الأنعام: ٢٧] وإلا فقد قيل: إنَّ الخطاب يقتضي الحضورَ والوجودَ، ولا بدَّ من مغايرة المخاطبين بالنهي عن سبِّهم، فهم (١) السابقون الكاملون في الصحبة. وأقولُ: شاعَ الاستدلالُ بهذا الحديثِ على فضل الصحابةِ مطلقاً بناءً على ما قالوا: إنَّ إضافةَ الجمع تفيدُ الاستغراقَ، وعليه صاحب ((الكشف))، واستشكل أمر الخطاب، وأُجيبَ عنه بما سمعتَ، وبأنَّه على حدٍّ خطاب الله تعالى الأزلي. لكن في بعض الأخبار ما يؤيِّد أنَّ المخاطَبين بعضٌ من الصحابة، والممدوحين بعضٌ آخر منهم، فتكون الإضافة للعهد، أو بحمل الأصحابِ على الكاملين في الصحبة، أخرج أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بنٍ عوف كلامٌ، فقال خالدٌ لعبد الرحمن بن عوف: تَستطيلونَ علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلَغَ النبيَّ وَّهِ فقال: ((دَعُوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتُم مثلَ أُحدٍ، أو مثلَ الجبال ذهباً، ما بلغتُم أعمالَهم))(٢)، ثم في هذا الحديث تأييدٌ مّا لكون (أولئك)) هم الذين أنفقوا قبل الحديبية، لأنَّ إسلامه رَظُّه كان بين الحديبية وفتحٍ مكة كما في ((التقريب))(٣) وغيره، والزمخشريُّ (٤) فسَّر الفتحَ بفتح مكة، فلا تغفل. واختار(٥) الجلال المحلِّي كون الخطاب في ((لا تسبُّوا)) للصحابة السابِّين، وقال: نَزَّلَهم ◌َّهِ بسبِّهم الذي لا يليقُ بهم منزلَة غيرِهم، حيث علَّل بما ذكره عليه الصلاة والسلام. وهو وجهٌ حسنٌ فتدبّر. وقوله تعالى: ﴿َّنِ ذَا الَّذِى يُقْرِشُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ نَذْبٌ بليغٌ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، مؤكِّدٌ للأمر السابق به وللتوبيخ على تركه، فالاستفهام ليس على (١) في الأصل: فهو، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٥٦/٨، والكلام منه. (٢) المسند (١٣٨١٢). (٣) تقريب التهذيب ص١٣١ . (٤) في الكشاف ٤/ ٦٢ . (٥) في (م): وقال. الآية : ١١ ٤١٣ سُورَةُ الحَدِك حقيقته بل للحثِّ، والقرض الحسن الإنفاق بالإخلاص وتحرِّي أكرم المال وأفضل الجهات. وذكر بعضُهم أنَّ القرض الحسن ما يجمع عشر صفات: أنْ يكونَ من الحلال، فإنَّ الله تعالى طيبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً، وأنْ يكون من أكرم ما يملكه المرءُ، وأن يكون والمرءُ صحيحٌ شحيحٌ يأمل العيشَ ويخشَى الفقر، وأن يضعَه في الأحوج الأَولَى، وأن يكتمَ ذلك، وأن لا يتبعَه بالمنِّ والأذى، وأن يقصد به وجْهَ الله تعالى، وأن يستحقِرَ ما يُعطي وإن كثر، وأن يكون من أحبِّ أمواله إليه، وأن يتولّى في إيصاله للفقير ما هو أسرُّ لديه من الوجوه، كحمله إلى بيته. ولا يخفى أنَّه يمكن الزيادة والنقص فيما ذكر. وأيما كان فالكلامُ إما على التجوُّز في الفعل، فيكون استعارةً تبعية تصريحيةً، أو التجوُّز في مجموع الجملة فيكون استعارةً تمثيليةً، وهو الأبلغ، أي: من ذا الذي يُنفق ماله في سبيل الله تعالى مخلصاً متحرِّياً أكرمَهُ وأفضلَ الجهات، رجاء أنْ يعوِّضَه سبحانه بدله كمن يُقرضُه ﴿فَيُضَِفَهُ، لَهُ﴾ فيعطيَه أجرَه على إنفاقه مضاعفاً أضعافاً كثيرة من فضله. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: وذلك الأجرُ المضموم إليه الإضعافُ كريمٌ مرضيٍّ في نفسه، حقيقٌ بأنْ يتنافس فيه المتنافسون، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الأجر كما أنَّه زائدٌ في الكمِّ بالغٌّ في الكيف، فالجملةُ حالية لا عطف على ((فيضاعفه))، وجوِّز العطفُ والمغايرة ثابتة بين الضِّعف والأجر نفسِه، فإنَّ الإضعاف من مَخْض الفضل والمثل فضل هو أجر. ونصب ((يضاعفَه)) على جواب الاستفهام بحسب المعنى، كأنَّه قيل: أيُقْرِضُ اللهَ تعالى أحدٌ فيضاعفَه له، فإنَّ المسؤول عنه بحسب اللفظ وإن كان هو الفاعل لكنَّه في المعنى هو الفعل، إذ ليس المرادُ أنَّ الفعل قد وقع السؤال عن تعيين فاعله كقولك: مَن جاءك اليوم؟ إذا علمتَ أنَّه جاءه جاءٍ لم تعرفه بعينه، وإنما أُوردَ على هذا الأسلوب للمبالغة في الطلب، حتى كأنَّ الفعلَ لكثرة دواعيه قد وقَعَ، وإنما يُسألُ سُورَةُ الحَدِيد ٤١٤ الآية : ١٢ عن فاعلِهِ ليجازَى، ولم يعتبر الظاهر لأنَّه يُشترَط بلا خلافٍ في النصب بعد الفاء أنْ لا يتضمَّن ما قبلُ وقوعَ الفعل نحو: لِمَ ضربتَ زيداً فيجازيك، فإنَّه حينئذٍ لا يتضمَّن سبق مصدر مستقبل. وعلى هذا يؤوَّلُ كلُّ ما فيه نصبٌ وما قَبْلُ متضمِّنٌّ للوقوع. وقرأ غيرُ واحد: ((فيُضاعفُه)) بالرفع على القياس نظراً للظاهر المتضمِّن للوقوع، وهو إما عطف على ((يقرض))، أو على: فهو يضاعفه. وقرئ: ((فيضعِّفه)) بالرفع والنصب(١). ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ ظرفٌ لِمَا تعلَّق به ((له))، أو له، أو لقوله تعالى: (فيضاعفه)) أو منصوبٌ بإضمار (اذكر)) تفخيماً لذلك اليوم، والرؤيةُ بصريةٌ، والخطابُ لكلِّ مَن تتأَتَّى منه، أو لسيد المخاطبين وِّهِ. وقوله عز وجل: ﴿يَسْعَى نُورُهُم﴾ حال من مفعول ((ترى)) والمراد بالنور حقيقتُه على ما ظهر من شموس الأخبار، وإليه ذهب الجمهور، والمعنى: يسعَى نورُهم إذا سَعَوا ﴿بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَبِأَِهِ﴾ أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود أنَّه قال: يُؤْتَون نورَهم على قَدْر أعمالهم، يمرُّون على الصراط، منهم مَن نورُه مثل الجبل، ومنهم مَن نورُه مثل النخلة، وأدناهم نوراً مَن نورُه على إبهامه يُطفَأ مرَّةً ويَقِدُ أخرى(٢). وظاهره أنَّ هذا النور يكون عند المرور على الصراط. وقال بعضهم: يكونُ قبل ذلك ويستمرُّ معهم إذا مرُّوا على الصراط، وفي الأخبار ما يقتضيه كما ستسمَعُه قريباً إن شاء الله تعالى. والمرادُ أنَّه يكون لهم في جهتين، جهةِ الأمام وجهةِ اليمين، وخُصَّا لأنَّ (١) قرأ (فيضعَّفَه)) بالنصب ابن عامر ويعقوب، وقرأ ((فيضعِّفُه)) بالرفع ابن كثير وأبو جعفر، وقرأ (فيضاعفَه)) بالنصب عاصم، وقرأ الباقون: ((فيضاعفُه)) بالرفع. السبعة ص٦٢٥، والتيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢٩٩/١٣، وتفسير الطبري ٣٩٨/٢٢، والمستدرك ٤٧٨/٢، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ . الآية : ١٢ ٤١٥ سُورَةُ الحَدِك السعداء يُؤتَون صحائفَ أعمالهم من هاتين الجهتَين، كما أنَّ الأشقياء يُؤْتَونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. وفي ((البحر)): الظاهرُ أنَّ النورَ قسمان: نورٌ بين أيديهم يُضيء الجهة التي يَؤُّونها، ونورٌ بأيمانهم يُضيء ما حواليهم من الجهات. وقال الجمهور: إنَّ النورَ أصلُه بأيمانهم، والذي بين أيديهم هو الضوء المنبسطُ من ذلك. وقيل: الباء بمعنى ((عن)) أي: وعن أيمانهم، والمعنى: في جميع جهاتهم، وذكر الأيمان لشرفها (١). انتھی. ویشهدُ لهذا المعنی ما أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير (٢) أنَّه سمع أبا ذرٍّ وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله وَ ليه : ((أنا أولُ مَن يؤذَنُ له في السُّجودِ يومَ القيامة، وأوَّلُ مَن يُؤذَنُ له فيرفَعُ رأسَه، فأرفع رأسي، فأنظرُ بين يديَّ ومِن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرفُ أمتي بين الأممِ)) فقيل: يا رسول الله، وكيف تعرفُهم من بين الأمم ما بين نوح عليه السلام إلى أمتك؟ قال: ((غرّ محجَّلون من أَثَرِ الوضوءِ، ولا يكونُ لأحدٍ غيرهم(٣)، وأعرفُهم أنَّهم يُؤْتَون كُتُبَهم بأيمانهم، وأعرفُهم بسيماهُم في وجوههم من أثرِ السجود، وأعرفُهم بنورهم الذي يسعَى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)) (٤)، وظاهرُ هذا الخبر اختصاصُ النور بمؤمني هذه الأمةِ، وكذا إيتاءُ الكتب بالأيمان. وبعضُ الأخبار يقتضي كونه لكلِّ مؤمنٍ، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: تُبْعَثُ ظلمة يومَ القيامة فما من مؤمنٍ ولا كافر يرَى كفَّه، حتى يبعثَ الله تعالى بالنور للمؤمنين بقَدْرٍ أعمالهم، الخبر(٥). (١) البحر المحيط ٢٢٠/٨. (٢) في الأصل و(م): نضير، وهو تصحيف. (٣) جاء في هامش الأصل: أي: من الأمم وإلا فقد قيل: إن الأنبياء عليهم السلام كلهم کذلك. اهـ منه. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٣٦/١٠، والمستدرك ٤٧٨/٢، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٣٧/١٠. سُورَةُ الحَدِد ٤١٦ الآية : ١٢ وأخرج عنه الحاكم وصححه وابن أبي حاتم من وجه آخرَ وابن المبارك والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) خبراً طويلاً فيه أيضاً ما هو ظاهرٌ في العموم(١). وكذا ما أخرج ابن جرير والبيهقي في ((البعث)) عن ابن عباس قال: بينما الناسُ في ظلمة إذ بَعَث الله تعالى نوراً، فلمَّا رأى المؤمنون النورَ توجَّهوا نحوه، وكان النور دليلاً لهم من الله عز وجل إلى الجنة(٢). ولا ينافي هذا الخبرَ كونُهم يمرُّون بنورهم على الصراط كما لا يخفى، وكذا إيتاء الكتب بالأيمان، ففي ((هداية المريد لجوهرة التوحيد)): ظاهرُ الآيات والأحاديث عدمُ اختصاصه - يعني أَخْذَ الصحف - بهذه الأمة، وإن تردّد فيه بعضُ العلماء(٣). انتھی. ويمكن أن يقال: إنَّ ما يكونُ من النور لهذه الأمةِ أجلَى من النور الذي يكون لغيرها، أو هو ممتازٌ بنوع آخرَ من الامتياز، وأما إيتاءُ الكتب بالأيمان فلعلَّه لكثرته فيها بالنسبة إلى سائر الأمم تُعرَف به، وفي هذا المطلب أبحاثٌ أُخَرُ تُذكر إن شاء الله تعالى في محلها . وقيل: أُرِيدَ بالنور القرآنُ. وقال الضحاك: النورُ استعارةٌ عن الهدى والرضوانِ الذي هم فيه. وقرأ سهل بن شعيب السهمي وأبو حيوة: ((وبإيمانهم) بكسر الهمزة(٤)، وخَرَّج ذلك أبو حيان على أنَّ الظرفَ - يعني ((بين أيديهم)) - متعلِّقٌ بمحذوف، والعطفُ عليه بذلك الاعتبار، أي: كائناً بين أيديهم وكائناً بسبب إيمانهم(٥). وهو كما ترى. (١) الزهد لابن المبارك (٣٦٨ - زوائد نعيم)، والمستدرك ٢/ ٤٠٠- ٤٠١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٣٣٧، والأسماء والصفات (١٠١٥). (٢) تفسير الطبري ٤٠١/٢٢، واستدراكات البعث والنشور (١٨٥). (٣) ينظر إتحاف المريد بجوهرة التوحيد ص٢٣٢ . (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٢، والمحتسب ٣١١/٢، والمحرر الوجيز ٢٦١/٥، والبحر المحيط ٢٢١/٨. (٥) البحر المحيط ٢٢١/٨. الآية : ١٣ ٤١٧ سُورَةُ الحَدِ ولعلَّه متعلِّقٌ بالقول المقدَّر في قوله تعالى: ﴿بُثْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ﴾ أي: وبسبب إيمانهم يقال لهم ذلك، وجملةُ القول؛ إما معطوفةٌ على ما قبلُ، أو استئنافٌ، أو حال، ويجوز على الحالية تقديرُ الوصف منه، أي: مقولاً لهم، والقائلُ الملائكة الذین یتلقّونهم. والمراد بالبشرى ما يبشّرُ به، دون التبشير، والكلام على حذف مضافٍ، أي: ما تُبشَّرون به دخولُ جناتٍ، ويصح(١) بدونه، أي: ما تبشرون به جناتٌ(٢)، وما قيل: البشارةُ لا تكون بالأعيان، فيه نظر، وتقديرُ المضاف لا يُغني عن تأويل البشرى؛ لأنَّ التبشير ليس عين الدخول. وجملة قوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَّهَا الْأَنْهُ﴾ في موضع الصفة لـ ((جنات))، وقولُه سبحانه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ من ((جنات))، قال أبو حيان: وفي الكلام التفاتٌ من ضمير الخطاب في ((بشراكم)) إلى ضمير الغائب في ((خالدين)) ولو أُجري على الخطاب لكان التركيب: خالداً أنتم فيها(٣). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾ يحتملُ أن يكونَ من كلامه تعالى، فالإشارة إلى ما ذكر من النور والبشرى بالجنات، ويحتمل أن يكونَ من كلام الملائكةِ عليهم السلام المتلقِّين لهم، فالإشارة إلى ما هم فيه من النور وغيرِه، أو إلى الجنات بتأويل ما ذُكر، أو لكونها فوزاً على ما قيل. وقرئ: ((ذلك الفوز)) بدون ((هو))(٤). ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ﴾ بدلٌ مِن ((يوم تَرى))، وجوز أنْ يكون معمولاً لـ : اذكر، وقال ابن عطية: يظهرُ لي أنَّ العاملَ فيه ((ذلك هو الفوز العظيم)»، ويكون معنى الفوز عليه أعظمَ، كأنَّه قيل: إنَّ المؤمنين يفوزون يوم يعتري المنافقين (١) في (م): جنات یصح، بدون واو. (٢) قوله: ويصح بدونه أي ما تبشرون به جنات، مكرر في (م). (٣) البحر المحيط ٢٢١/٨. (٤) معاني القرآن للفراء ١٣٣/٣، والمحرر الوجيز ٢٦١/٥، والكشاف ٦٣/٤، ومفاتيح الغيب ٢٢٣/٢٩، وعزاها الفراء لابن مسعود. سُوَّةُ الحَدِ ٤١٨ الآية : ١٣ والمنافقات كذا وكذا؛ لأنَّ ظهورَ المرء يوم خمول عدوّه ومضادِّه(١) أبدعُ وأفخم(٢). وتعقبه في ((البحر)) بأن ظاهر تقريره أنَّ ((يوم)) منصوبٌ بالفوز، وهو لا يجوز؛ لأنَّه مصدرٌ قد وُصِف قبلَ أخْذِ متعلِّقاته، فلا يجوزُ إعمالُه، ولو أَعملَ وصفَه وهو ((العظيم)) لجاز، أي: الفوزُ الذي عَظُم - أي: قَدْرُه - يوم(٣). انتهى، وفي عدم جوازٍ إعمالِ مثلِ هذا المصدر في مثل هذا المعمول خلافٌ، ثم إنَّ تعلُّق هذا الظرف بشيء من تلك الجملة خلافُ الظاهر. ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا﴾ أي: انتظرونا ﴿نَقْتِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ نُصِبْ منه، وذلك أنْ يلحقوا بهم فيستنيروا به، وقيل: فيأخذوا شيئاً منه يكون معهم، تخيّلُوا تأتِّي ذلك فقالوه، وأصلُ الاقتباس طلبُ القَبَس، أي: الجذوة من النار. وجوِّز أن يكونَ المعنى: انظروا إلينا نقتبس .. إلخ، لأنَّهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنورُ بين أيديهم فيستضيئون به، فـ ((انظرونا)) على الحذف والإيصال؛ لأنَّ النظر بمعنى مجرَّد الرؤية يتعدّى بـ ((إلى))، فإن أُريدَ التأمل تعدّى بـ ((في))، لكن حمل الآية على ذلك خلافُ الظاهر. وقولهم للمؤمنين ذلك؛ لأنَّهم في ظلمة لا يدرون كيف يمشُون فيها، وروي أنَّه يكون ذلك على الصراط. وفي الآثار دلالة على أنَّهم يكونُ لهم نورٌ فيُطفًا فيقولون ذلك، أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ اللهَ يَدْعُو الناسَ يومَ القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط فإنَّ الله تعالى يُعطي كلَّ مؤمنٍ نوراً وكلَّ منافقٍ نوراً، فإذا استَوَوا على الصراط أطفَأَ اللهُ نورَ المنافقين (١) في الأصل و(م): عدوه مضادة، والمثبت من المصدر والبحر ٢٢١/٨، والدر المصون ١٠ / ٢٤٢. (٢) المحرر الوجيز ٢٦١/٥. (٣) البحر المحيط ٢٢١/٨. الآية : ١٣ ٤١٩ سُورَةُ الحَدِ والمنافقات فقال المنافقون: انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون: أَتْمِم لنا نورَنا، فلا يَذْكرُ عند ذلك أحدٌ أحداً)) (١). وفي حديث آخر مرفوع عنه أيضاً: ((أنَّ نورَ المنافق يُطفَأ قبل أنْ يأتيَ الصراط»(٢). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي فاختة: يجمعُ الله تعالى الخلائقَ يوم القيامة ويُرسِلُ الله سبحانه على الناس ظُلمةً، فيستغيثون ربَّهم، فيُؤتي اللهُ تعالى كلَّ مؤمنٍ منهم نوراً، ويُؤتي المنافقين نوراً، فينطلقون جميعاً متوجّهين إلى الجنة معهم نورُهم، فبينما هم كذلك إذ أَطفَأ الله تعالى نورَ المنافقين، فيتردّدون في الظلمة، ويسبقُهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم، فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم، .. الخبر(٣)، والأخبار في إيتاء المنافق نوراً ثم إطفائه كثيرةٌ، وليس في الآية ما يأباه. وقرأ زيد بن علي وابن وثاب والأعمش وطلحة وحمزة: ((أنظرونا)) بقَطْعِ الهمزة وفَتْحِها وكَسْرِ الظاء(٤)، من النَّظِرَة وهي الإمهال، يقال: أَنْظِرِ المديونَ، أي: أَمهلْه، وضع ((أنظرونا)) بمعنى المهلة وإنظارِ الدائنِ المديونَ موضعَ اتِّادِ الرفيقِ ومشيه الهوينا ليَلْحَقَه رفيقُه على سبيل الاستعارة بعد سَبْق تشبيه الحالة بالحالة مبالغةً في العَجْز وإظهار الافتقار. وقيل: هو من أَنظِر، أي: أخّر، والمراد: اجعلونا في آخركم ولا تسبقونا بحیث تفوتونا(٥) ولا نلحق بکم. (١) المعجم الكبير (١١٢٤٢)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٧٣/٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٥٩/١٠: وفيه إسحاق بن بشر أبو حذيفة وهو متروك. (٢) أخرجه مطولاً الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١٣٤/١، وابن مردويه كما في الدر المنثور ١٧٣/٦ . (٣) عزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٧٣/٦ - ١٧٤ . (٤) قراءة حمزة في التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢، والكلام من البحر ٢٢١/٨. (٥) في هامش الأصل: تفوتونا، صح. سُورَةُ الحَدِ ٤٢٠ الآية : ١٣ وقال المهدوي: ((أنظِرونا)) و((انظُرونا)) بمعنّى، وهما من الانتظار؛ تقول العربُ: أنظرتُه بكذا وانتظرتُه، بمعنى واحد، والمعنى: أمْهِلونا. ﴿قِيلَ﴾ القائلون على ما روي عن ابن عباس المؤمنون، وعلى ما روي عن مقاتل الملائكة عليهم السلام: ﴿آرجِعُواْ وَرَآءَگُمْ﴾ قال ابن عباس: أي مِن حيث جئتُم من الظُلمة، أو إلى المكان الذي قُسِم فيه النورُ، على ما صحَّ عن أبي أمامة ﴿فَالْتَمِسُواْ نُورً﴾ هناك. قال مقاتل: هذا من الاستهزاء بهم كما استهزؤوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا: آمنا، وليسوا بمؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] أي: حين يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً . وقال أبو أمامة: يرجِعُون حين يقال لهم ذلك إلى المكان الذي قُسِم فيه النور، فلا يجدون شيئاً، فينصرفون إليهم وقد ضُرِبَ بينهم بسور، وهي خدعةُ الله تعالى التي خَدَع بها المنافقين حيث قال سبحانه: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. وقيل: المراد: ارجعُوا إلى الدنيا والتمسُوا نوراً، أي: بتحصيل سببِهِ، وهو الإيمان، أو تنحّوا عنَّا والتمِسُوا نوراً غيرَ هذا، فلا سبيلَ لكم إلى الاقتباس منه. والغرضُ التهّم والاستهزاء أيضاً. وقيل: أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة الكثيفةِ تهكُّماً بهم، وهو خلافُ الظاهر. وأيَّامًا كان فالظاهر أنَّ ((وراءكم)) معمولٌ لـ ((ارجعوا))، وقيل: لا محلَّ له من الإعراب؛ لأنَّه بمعنى ارجعوا، فكأنَّه قيل: ارجعوا ارجعوا، كقولهم: وراءك أوسع لك، أي: ارجع تجد مكاناً أوسع لك. ﴿فَضُرِبَ بَِّنَهُمْ﴾ أي: بين الفريقين، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير: ((فضّرَب)) مبنيًّا للفاعل(١)، أي: فضَرَب هو، أي: الله عز وجل. (١) الكشاف ٦٣/٤، والبحر المحيط ٢٢١/٨.