Indexed OCR Text
Pages 381-400
الآية : ٨٩ ٣٨١ سُوَرَةُ الوَاقِعَةِ وفي ((البحر)): أنَّه إذا اجتمع شرطان فالجوابُ للسابق منهما، وجوابُ الثاني محذوفٌ، فالجواب هاهنا لـ ((أما))، وهذا مذهب سيبويه. وذهب الفارسي إلى أنَّ المذكورَ جوابُ ((إن))، وجوابُ ((أما)) محذوف، وله قولٌ آخر موافق لمذهب سيبويه. وذهب الأخفش إلى أنَّ المذكورَ جوابٌ لهما معًا، وقد أبطلنا المذهبين في (شرح التسهيل))(١). انتهى. والمشهور أنَّه لا بدَّ من لُصوق الاسم لـ ((أما)»، وهو عند الرضي وجماعة أكثري؛ لهذه الآية، والذاهبون إلى الأول قالوا: هي بتقدير: فأما المتوفَّى إن كان ... وتُعقِّب بأنَّه لا يخفَى أنَّ التقدير مستغنّى عنه، ولا دليلَ عليه إلا اطٌّرادُ الحكم، ثم إنَّ كون ((أما)» قائمةً مقام ((مهما يكن)) أغلبيٍّ إذ لا يطَّرد في نحو: أما قريشًا فإنَّا أفضلُها، إذ التقدير: مهما ذكرتَ قريشًا فإنَّا أفضلها، وتمامُ الكلام في هذا المقام يُطلَب من كتب العربية. وأخرج الإمام أحمد والبخاري في ((تاريخه)) وأبو داود والنسائي والترمذي وحسّنه والحاكم وصحَّحه وآخرون عن عائشة ◌ًِّا أنَّها سمعَت رسولَ الله وَّه يقرأ: ((فُرُوحٌ)) بضمِّ الراء (٢)، وبه قرأ ابن عباس وقتادة ونوح القارئ والضحاك والأشهب وشعيب وسليمان التيمي والربيع بن خُثَيم ومحمد بن علي وأبو عمران الجوني والكلبي وفياض وعبيد، وعبد الوارث عن أبي عمرو، ويعقوب بن حسان(٣)، وزيد ورويس عنه، والحسن(٤)؛ وقال: الرُّوح الرحمةُ لأنَّها كالحياة للمرحوم، أو سببٌ لحياته الدائمة، فإطلاقُه عليها من باب الاستعارة أو المجاز المرسَل، وروي هذا عن قتادة أيضًا . (١) البحر المحيط ٢١٦/٨. (٢) المسند (٢٤٣٥٢)، والتاريخ الكبير للبخاري ٢٢٣/٨، وسنن أبي داود (٣٩٩١)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٥٠٢)، وسنن الترمذي (٢٩٣٨)، والمستدرك ٢٣٦/٢. (٣) كذا في الأصل و(م)، ووقع في مطبوع البحر ٢١٥/٨ (والكلام منه): يعقوب بن صيان، ولعل الصواب: يعقوب بن إسحاق أحد القراء العشرة المشهورين، وينظر التعليق الذي بعده . (٤) قراءة رويس عن يعقوب في النشر ٣٨٣/٢، وتنظر القراءة في المحتسب ٣١٠/٢، والمحرر الوجيز ٥/ ٢٥٤، والبحر المحيط ٢١٥/٨ والكلام منه. سُورَةُ الوَاقِعِة ٣٨٢ الآية : ٨٩ وقال ابن جنِّي: معنى هذه القراءةِ يرجعُ إلى معنى الرَّوح، فكأنَّه قيل: فله مُمسكُ رُوحٍ، ومُمسكها هو الرُّوح. كما تقول: الهواءُ هو الحياة، وهذا السماعُ هو العيش(١). وفسَّر بعضُهم الرَّوح بالفتح بالرحمة أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْشَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وقيل: هو بالضم البقاء. ﴿وَرَتِجَانٌ﴾ أي: ورزق كما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، وفي رواية أخرى عن الضحاك أنَّه الاستراحة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنَّه قال: هو هذا الريحان، أي: المعروف(٢). وأخرج ابن جرير عنه أنَّه قال: تخرجُ رُوح المؤمن من جسده في ريحانة؛ ثم قرأ: (فَمَّا إِن كَانَ) إلخ(٣). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لم يكن أحدٌ من المقرَّبين يُفارق الدنيا حتى يُؤْتَى بغُصنَين من ريحان الجنة فيشمّهما ثم يُقْبَض(٤). ﴿وَحَنَّثُ نَعِيمٍ﴾ أي: ذات تنقُّم، فالإضافة لاميَّة أو لأدنى ملابسة، وهذا إشارةٌ إلى مكان المقرَّبين بحيث يلزمُ منه أن يكونوا أصحابَ نعيم. وأخرج الإمام أحمد في ((الزهد)» وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خُثَيْم قال في قوله تعالى: (فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُفَّرَّبِينَ * فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ): هذا له عند الموت، وفي قوله تعالى: ﴿وَحَنَّثُ نَعِيمٍ﴾ تُخَبَّأ له الجنة إلى يوم يُبعث(٥). وليُنظَر ما المرادُ بالريحان على هذا، وعن بعض السلف ما يقتضي أنْ يكون الكلُّ في الآخرة. (١) المحتسب ٣١٠/٢. (٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٦/٦ . (٣) تفسير الطبري ٣٧٨/٢٢. (٤) تفسير الطبري ٣٧٨/٢٢، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٧ . (٥) المصنف لابن أبي شيبة ٤٠١/١٣، وعزاه لأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٦/٦، وأخرجه الطبري ٣٧٩/٢٢. الآية : ٩٠ - ٩١ ٣٨٣ سُورَةُ الوَاقِعَةِ ، عبّر عنهم بالعنوان السابق، إذ لم يُذكَر لهم ٩٠ ﴿وَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ آلْيَمِينِ فيما سبَق وصفٌ ينبئُ عن شأنهم سواه، كما ذكر للفريقَين الآخَرَيْن(١)، وقوله قيل: هو على تقدير القول، أي: فيقال تعالى: ﴿فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ (@) لذلك المتوقَّی منهم: سلامٌ لك يا صاحبَ الیمین من إخوانك أصحاب الیمین، أي: يُسلِّمون عليك، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا تَأْتِيمًا (٣٥) إِلَّا فِيْلًا سَلَمًا سَلَمَا﴾ [الواقعة: ٢٥- ٢٦] فالخطاب لصاحب اليمين، ولا التفات فيه مع تقدير القول. و((مِن)) للابتداء كما تقول: سلامٌ من فلان على فلان وسلامٌ لفلان منه. وقال الطبري: معناه: فسلامٌ لك أنت من أصحاب اليمين(٢). فـ ((مِن أصحاب اليمين)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والكلام بتقدير القول أيضًا، وكأنَّ هذا التفسيرَ مأخوذٌ من كلام ابن عباس ﴿ًا، أخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أنَّه قال في ذلك: تأتيه الملائكةُ من قِبَلِ الله تعالى تُسلِّم عليه وتخبِرُه أنَّه من أصحاب اليمين (٣). والظاهر أنَّ هذا على هذا المعنى عند الموت، وأنَّه على المعنى السابق في الجنة. وجوِّز أنْ يكون المعنى: فسلامةٌ لك عما يشغَلُ القلبَ من جهتهم، فإنَّهم في خير، أي: كن فارغَ البال عنهم لا يهمُّك أمرُهم، وهذا كما تقول لمَن علَّق قلبَه بولده الغائب وتشوَّشَ فكرُه لا يدري ما حالُه: كن فارغَ البال من ولدك، فإنَّه في راحةٍ ودَعَةٍ. والخطابُ لِمَن يصلُحُ له، أو لسيِّد المخاطبين ◌َِّ، وعليه قيل: يجوزُ أن يكونَ ذلك تسليةً له عليه الصلاة والسلام على معنى أنَّهم غيرُ محتاجين إلى شفاعة وغيرها . ولا يخفى أنَّ كونَ جميع أصحابٍ اليمين غيرَ محتاجين إلى ما ذكر غيرُ مسلّم، فالشفاعةُ لأهل الكبائر أمرٌ ثابتٌ عند أهل السنة، ولا جائز أن يكونوا من أصحاب الشمال، فصرائحُ الآيات أنَّهم كفَّار، وما لهم من وليٍّ ولا شفيعِ يُطاع، وكونُهم من (١) في (م): الأخيرين. (٢) تفسير الطبري ٣٨١/٢٢، والبحر ٢١٦/٨. (٣) تفسير الطبري ٢١٣/١٤-٢١٤، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٦٧/٦ . سُورَةُ الوَاقِعَةِ ٣٨٤ الآية : ٩٢ أصحاب اليمين أقربُ من كونهم من السابقين، وجعلُهم قسمًا على حِدَة قد علمتَ حالَه، فتذكر فما في العهد من قدم. وذكر بعضُ الأجلة أنَّ هذه الجملةَ كلامٌ يفيد عظمةَ حالهم كما يقال: فلانٌ ناهيك به، وحسبُك أنَّه فلان، إشارةً إلى أنَّه ممدوحٌ فوق حدِّ التفصيل، وكأنِّي بك تختارُ ذلك، فإنَّه حسنٌ لطيف. ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِينَ ، وهم أصحابُ الشمال، عبَّر عنهم بذلك ٩٢ حسبما وُصِفُوا به عند بيان أحوالهم بقوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِبُونَ) ذمَّا لهم بذلك، وإشعارًا بسبب ما ابتُلُوا به من العذاب، ولمَّا وقع هذا الكلامُ بعد تحقُّق تكذيبهم وردِّه على أتمٍّ وجهٍ، ولم يقع الكلامُ السابق كذلك، قدَّم وصْفَ التكذيب هنا على عكس ما تقدَّم. ويجوزُ أن يقال في ذلك على تقدير عموم متعلَّق التكذيب بحيث يشملُ تكذيبَه وَّر في دعوى الرسالة: إنَّ هذا الكلامَ إخبارٌ من جهته سبحانه بأحوال الأزواجِ الثلاثة، لم يؤمَر عليه الصلاة والسلام بأنْ يُشافِهَ بكلِّ جملةٍ منه مَن هي فيه، فقدَّم فيه وصْفَ التكذيب الشامل لتكذيبه عليه الصلاة والسلام المشعرِ بسبب الابتلاء بالعذاب كرامةً له وَ ﴿ وتنويها بعلوٍّ شأنه، ولمَّا كان الكلامُ السابق داخلًا في حيِّز القول المأمور عليه الصلاة والسلام بأنْ يُشافِهَ به أولئك الكفرةَ لم يَحسُن التقديم للكرامة، إذ يكون حينئذٍ من باب: مادحُ نفسه يُقرتُك السلام. ويجوز أنْ يقال أيضًا: إنَّ الكلام في حال الكافر المحتَضَر، والتكذيبُ لكونه مقابلَ التصديق لا يكونُ إلا بالقلب، وهو لم يَتَعطّل منه تعظُّلَ سائرٍ أعضائه فلذا قُدِّم هنا، ويرشد إلى هذا ما قالوه في دعاء صلاة الجنازة: ((اللهم مَن أَحيَيْتَه منَّا فأحيه على الإسلام، ومَن توقَّيتَه منَّا فتوقَّه على الإيمان)»(١)، من وَجْه تخصيص الإسلام بالإحياء والإيمان بالإماتة. (١) أخرجه أحمد (٨٨٠٩)، والترمذي (١٠٢٤)، وأبو داود (٣٢٠١) من حديث أبي هريرة. ٠ الآية : ٩٣ - ٩٤ ٣٨٥ سُورَةُ الْوَاقِعَةِّ وقال الإمام في ذلك: إنَّ المراد من الضلال هناك ما صدرَ عنهم من الإصرار على الحنث العظيم، فضَلَّوا عن سبيل الله تعالى ولم يَصِلوا إليه، ثم كذَّبوا رسله وقالوا : (أَبِذَا مِنْنَا) إلخ فكذَّبوا بالحشر، فقال تعالى: (أَيِّا الضَّالُونَ) الذين أشركتُم (الْمُّكَذِّبُونَ) الذين أنكرتُم الحشرَ (لَكُونَ) ما تكرهون، وأما هنا فقال سبحانه لهم: أيها المكذبون الذين كذبتُم بالحشر، الضالُّون من طريق الخلاص، الذين لا يهتدون إلى النعيم. وفيه وجهٌ آخرُ، وهو أنَّ الخطابَ هناك مع الكفار فقال سبحانه: أيها الذين أشركتم أولًا، وكذبتم ثانيًا، والخطابُ هنا مع النبيِّ وَّهِ يُبيِّن له عليه الصلاة والسلام حالَ الأزواج الثلاثة كما يدل عليه ((فسلام لك)) فقال سبحانه: المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم(١)، وأصحاب اليمين في سلامة، وأما المكذبون الذي كذَّبوك وضلُّوا، فقدَّم تكذيبهم إشارةً إلى كرامته وَّهِ، حيث بيَّن أنَّ أقوى سببٍ في عقابهم تكذيبُهم(٢). انتهى، وعليك بالتأمل والإنصاف والنظر لِمَا قال دون النظر لِمَن قال. وقوله تعالى: ﴿فَنٌُ﴾ بتقدير: فله نُزلٌ، أو: فجزاؤه نُزلٌ كائن ﴿مِّنْ خِيمٍ﴾ قيل: يشربُ بعد أكلِ الزقوم كما فُصِّل فيما قبل. ﴿وَتَصْلَةُ ◌َِيمٍ ﴾﴾ أي: إدخالٌ في النار، وقيل: إقامةٌ فيها مقاساةٌ لألوان عذابها، وكلُّ ذلك مبنيٍّ على أنَّ المراد بيانُ ما لهم يوم القيامة. وقيل: هذا محمولٌ على ما يجده في القبر من حرارة النار ودخانها؛ لأنَّ الكلام في حال التوفِّي وعقب قبضٍ الأرواحِ، والأنسبُ بذلك كونُ ما ذكر في البرزخ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: لا يخرجُ الكافر حتی یشربَ كأسًا من حميم(٣). وقرأ أحمد بن موسى والمنقري واللؤلؤي عن أبي عمرو: ((وتصليةٍ)) بالجرِّ(٤) عطفًا على (حميم)). (١) في الأصل: وجنة نعيم، والمثبت من (م) والمصدر. (٢) مفاتيح الغيب ١٧٤/٢٩ . (٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٧. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٢، والبحر المحيط ٢١٦/٨. سُوَةُالوَاقِعَةِ ٣٨٦ الآية : ٩٥ - ٩٦ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: الذي ذكر في السورة الكريمة كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس(١) ﴿لَهُوَ حَقُّ الْقِينِ﴾ اليقين على ما يُفهَم من كلام الزمخشري في ((الجاثية)) اسمٌ للعِلْم الذي زال عنه اللَّبسُ (٢)، وبذلك صرَّح صاحب ((المطلع))، وذكر أنَّه تفسيرٌ بحسب المعنى، وهو مأخوذٌ من المقام، وإلا فهو العلم المتيقّن مطلقًا، والإضافةُ بمعنى اللام، والمعنى: لهو عينُ اليقين، فهو على نحو: عينُ الشيء ونفسُه، ولا يخفى أنَّ الإضافةَ من إضافة العامّ إلى الخاصِّ، وكونُها بمعنى اللام قولٌ لبعضهم. ٠٠ وقال بعضٌ آخر: إنَّها بيانيةٌ على معنى ((مِن))، وقدَّر بعضُهم هنا موصوفًا، أي: لهو حقُّ الخبرِ اليقينِ، وكونه لا يناسبُ المقامَ غيرُ متوجِّهِ. وفي ((البحر)) قيل: إنَّ الإضافةَ من إضافة المترادفَين على سبيل المبالغةِ كما تقول: هذا يقينُ اليقين وصوابُ الصواب، بمعنى أنَّه نهايةٌ في ذلك، فهما بمعنَّى، أُضيفَ أحدُهما إلى الآخر للمبالغة (٣). وفيه نظر. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَسَيِحْ يِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾﴾ لترتيب التسبيح، أو الأمر به، فإنَّ حَقيةَ ما فُصِّل في تضاعيف السورة الكريمة مما يُوجبُ التسبيحَ عما لا يليقُ مما ينسبه الكفرة إليه سبحانه قالًا أو حالًا، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه وغيرهم عن عقبة بن عامر الجهني قال: لمَّا نزلَت على رسول الله وَّهِ: (فَسَيِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ) قال: ((اجْعلُوها في ركوعِكم)) ولمَّا نزلَت: (سَيِّحِ اسْمَ رَّكَ اَلْأَعْلَى) قال: ((اجعلوها في سجودکم»(٤) . (١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٦٧ . (٢) الكشاف ٥٠٩/٣ . (٣) البحر المحيط ٢١٦/٨. (٤) المسند (١٧٤١٤)، وسنن أبي داود (٨٦٩)، وسنن ابن ماجه (٨٨٧)، وصحيح ابن حبان (١٨٩٨)، والمستدرك ٢٢٥/١. التفسير الإشاري ٣٨٧ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ ومما قاله السادةُ أربابُ الإشارة متعلِّقًا ببعض هذه السورة الكريمة: أنَّ ((الواقعة)) اسمٌ لقيامة الروح، كما أنَّ (الآزفة)) اسمٌ لقيامة الخفي، و((الحاقة)) اسمٌ القيامة السرِّ، و((الساعة)) اسمٌّ لقيامة القلب. وقالوا: إنَّ الواقعة إذا وقَعَت ترفَعُ صاحبها طورًا وتخفِضُه طورًا، وتُشعلُ نيرانَ الغيرةِ، وتفجّرُ أنهارَ المعرفة، وتُحصِّلُ للسالك إذا اشتغَلَ بالسلوك والتصفية ووَصل ذِكْره إلى الروح، وهي في البداية مثلُ سِتْرٍ أسود يجيء من فوق الرأس عند غلبة الذِّكرِ، وكلما زاد في النزول يقعُ على الذاكر هيبةٌ وسكينةٌ، وربما يُغمَى عليه في البداية، ويُشاهِد - إذا وقع على عينَيه - عوالمَ الغيب، فيرَى ما شاء الله تعالى أن يرى، وتُكشَف له العلومُ الروحانية، ويرَى عجائبَ وغرائبَ لا تحصَى، وإذا أفاق فلْيَعرِض ما حَصَل له لمسلِّكه ليُرشِدَه إلى ما فيه مصلحةُ وقتِهِ، ويُعبِّرَ له ما هو مناسبٌ الحَوْصَلَتِهِ ويقوِّي قلبَه، ويأمره بالذِّكر والتوجّه الكلِّي حتى يَصْفوَ(١) سرُّ الواقعة فيكون سرًّا منوَّرًا، فربما يصيرُ السالكُ بحيث إذا فتَح عينَيه بعد نزولها في عالم الشهادة يشاهدُ ما كان مشاهدًا له فيها، وهي حالةٌ سنيَّةٌ معتبرةٌ عند أرباب السلوك. ﴿وَسَ لِوَقْعَنِهَا كَذِيَةٌ ﴾﴾ بل هي صادقةٌ؛ لأنَّ الشيطان يفِرُّ عندها، والنفس لا تقدر أنْ تلِّس على صاحبها، وهي اليقظة الحقيقية، وما يعدُّه الناسُ يقظةً هو النومُ كما يشيرُ إليه قولُ أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه: الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا. ثم إنَّهم تكلَّموا على أكثر ما في السورة الجليلة بما يتعلَّق بالأنفس، وقالوا في (مواقع النجوم)): إنَّها إشارةٌ إلى اللطائف المطهّرة لأنَّها مواقعُ نجومِ الواردات القدسيَّة الخفيّة من السماء الجبروتيةِ اللاهوتية. : إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّه وقيل في قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ لا ينبغي لِمَن لم يكن طاهرَ النفس من حَدَث الميلِ إلى صغائر الشهوات، وهو الحدثُ الأصغر، ومن حَدَث الميل إلى كبائر الشهوات، وهو الحدث الأكبر، أنْ (١) في (م): حتى يكمل بِصَفْوٍ. سُورَةُ الْوَاقِعَةِ ٣٨٨ التفسير الإشاري يمسَّ بيد نفسِهِ وفكره معاني القرآن الكريم، كما لا ينبغي لِمَن لم يكن طاهرَ البدنِ من الحدَثَين المعروفَين في البدن أنْ يمسَّ بيد بدَنِهِ وجسده ألفاظه المكتوبة. وقيل أيضًا: يجوزُ أنْ يقال: المعنى: لا يصلُ إلى أدنى حقائقِ أسرار القرآن الكريم إلا المطهَّرون من أرجاس الشهوات وأنجاسِ المخالفات. وإذا كانت هذه الجملةُ صفةً للكتاب المكنون المرادِ منه اللوحُ المحفوظ، وأُرِيدَ بالمطهرين الملائكةُ عليهم السلام، وكان المعنى: لا يطَّلعُ عليه إلا الملائكةُ عليهم السلام، كان في ذلك ردٌّ على مَن يزعمُ أنَّ الأولياء يرونَ اللوحَ المحفوظ ويطلعون على ما فيه. وحَمْلُ المطهرين على ما يعمُّ الملائكةَ والأولياءَ الذين ظُهِّرت نفوسُهم وقدِّسَت ذواتُهم حتى التحَقُوا بالملائكة عليهم السلام لا ينفعُ في البحث مع أهل الشرع، فإنَّ مدارَ استدلالاتهم على الأحكام الشرعية الظواهرُ، على أنَّه لم يُسمَع عن النبيِّ وَّهِ - وهو هو - أنَّه نظَرَ يومًا وهو بين أصحابه إلى اللوح المحفوظ واطّلع على شيءٍ مما فيه. وقال لهم: إني رأيتُ اللوح المحفوظ واطّلعت على كذا وكذا فيه، وكذلك لم يُسمَع عن أجلَّة أصحابه الخلفاء الراشدين أنَّه وقع لهم ذلك، وقد وقعَت بينهم مسائل اختلفُوا فيها وطال نزاعُهم في تحقيقها إلى أنْ كاد يغُمُّ هلالُ الحقِّ فيها، ولم يُراجع أحدٌ منهم لكشفها اللوح المحفوظ. وذكر بعضُ العلماء أنَّ سدرة المنتهى ينتهي علمُ مَن تحتَها إليها وأنَّ اللوح فوقَها بكثير، وبكلٍّ من ذلك نطقَت الآثار، وهو يُشعرُ بعدم اطّلاع الأولياء على اللوح، ومع هذا كلِّه مَن ادَّعى وقوعَ الاطلاع فعليه البيان وأنَّى به. وهذا الذي سمعتَ مبنيٌّ على ما نطَقَت به الأخبارُ في صفة اللوح المحفوظ، وأنَّه جسمٌ كُتِبَ فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وأما إذا قيل فيه غيرُ ذلك انجرَّ البحثُ إلى وراء ما سمعْتَ، واتسعَت الدائرة. ومن ذلك قولهم: إنَّ الألواح أربعةٌ، لوحُ القضاء السابق على المحو والإثبات، وهو لوحُ العقل الأول، ولوحُ القَدَر، أي: لوحُ النفس الناطقةِ الكلية التفسير الإشاري ٣٨٩ سُورَةُ الوَاقِعَةِ التي يُفضَّل فيها كلياتُ اللوح الأول، وهو المسمَّى باللوح المحفوظ، ولوحُ النفس الجزئية السماوية التي يَنتقشُ فيها كلُّ ما في هذا العالم، شكلُه وهيئتُه ومقدارُه، وهو المسمى بالسماء الدنيا، وهو بمثابة خيالِ العالم، كما أنَّ الأولَ بمثابة روحِه، والثاني بمثابة قلبه، ولوحُ الهيولَى القابل للصورة(١) في عالم الشهادة. ويقولون أيضًا ما يقولون وينشدُ المنتصر له قوله: وإذا لم تَرَ الهلالَ فسلِّم لأناسٍ رأوه بالأبصار(٢) هذا ولا تظننَّ أنَّ نَفْي رؤيتهم للَّوح المحفوظ نَفْيٌّ لكراماتهم الكشفيةِ وإلهاماتهم الغيبيةِ، معاذ الله تعالى من ذلك، وطُرُقُ إطلاع الله تعالى مَن شاء مِن أوليائه على ما شاء(٣) مِن علمه غيرُ منحصرٍ بإراءته اللوحَ المحفوظَ، ثم إنَّ الإمكانَ مما لا نزاع فيه، وليس الكلام إلا في الوقوع، وورودِ ذلك عن النبي ◌َّ وأجلَّة أصحابه كالصديق والفاروق وذي النورين وباب مدينة العلم والنقطة التي تحت الباء ـ أجمعين، والله تعالى أعلم. ما بنَوه على وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ ( القول بوحدةِ الوجود، والكلامُ فيها شائعٌ، وقد أشرنا إليه في هذا الكتاب غيرَ .(٤) مرة(٤). ولهم في اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين عباراتٌ شتَّى، منها: اليقينُ رؤيةُ العيان بقوة الإيمان لا بالحجَّة والبرهان. وقيل: مشاهدةُ الغيوب بصفاءِ القلوب، وملاحظة الأسرارِ بمحافظة الأفكار. وقيل: ◌ُمأنينةُ القلبِ على حقيقة الشيء، من يَقِنَ الماءُ في الحوض: إذا استقرّ . (١) في الأصل: للتصور. (٢) سلف ١/ ١١١. (٣) في (م): من شاء. (٤) تقدم ٧/ ٣١٣. سُورَةُ الْوَاقِعَةِ ٣٩٠ التفسير الإشاري وحقُّ اليقين: فناءُ العبد في الحقِّ والبقاءُ به علمًا وشهودًا وحالًا لا علمًا فقط، فِعِلْمُ كلِّ عاقلِ الموتَ عِلْمُ اليقين، فإذا عايَنَ الملائكةَ فهو عينُ اليقين، وإذا ذاقَ الموتَ فهو حقُّ اليقين. ٠ وقيل: عِلمُ اليقين ظاهرُ الشريعة، وعينُ اليقين الإخلاص فيها، وحقُّ اليقين المشاهدةُ فيها. وقيل وقيل. ونحن نسألُ الله تعالى الهدايةَ إلى أقوم سبيل، وأنْ يشرح صدورَنا بأنوار علوم كتابه الكريم الجليل، وهو سبحانه حسبُنا في الدارَين ونعم الوكيل. ٩ ب سُورَةُ الحَدِد أخرج جماعةٌ عن ابن عباس أنَّها نزلَت بالمدينة(١)، وقال النقاشُ وغيرُه: هي مدنية بإجماع المفسِّرين(٢). ولم يُسلَّم له، فقد قال قومٌ: إنَّها مكية، نعم الجمهورُ - كما قال ابن الفرس - علی ذلك. وقال ابن عطية: لا خلافَ أنَّ فيها قرآناً مدنيًّا، لكن يُشبه أنْ يكونَ صدرُها مكيًّا (٣). ويشهدُ لهذا ما أخرجه البزار في ((مسنده)) والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في ((الحلية)) والبيهقي وابن عساكر عن عمر ظُبه أنَّه دخل على أخته قبل أنْ يُسلم فإذا صحيفةٌ فيها أولُ سورة الحديد فقرأه حتى بلغ: (ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فأسلم (٤). ويشهد لمكية آيات أُخَرَ ما أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرُهم عن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أنْ عاتبنا الله تعالى بهذه الآية (أَلَمَ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ) إلا أربعُ سنين(٥). (١) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن ص٣٣-٣٤، والبيهقي في الدلائل ١٤٤/٧. (٢) المحرر الوجيز ٢٥٦/٥، والبحر المحيط ٢١٦/٨. (٣) المحرر الوجيز ٢٥٦/٥ . (٤) كشف الأستار (٢٤٩٣)، والدلائل للبيهقي ٢١٧/٧، وتاريخ دمشق ٣٢/٤٤، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة ٢٨٦/١، وعزاه للطبراني وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٠، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٦٤: وفيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. (٥) صحيح مسلم (٣٠٢٧)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٥٠٤)، وهو عند ابن ماجه من حديث عبد الله بن الزبير فيها. وينظر التعليق الذي بعده. ٣٩٢ سُورَةُ الحَدِ وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وغيرُهما عن عبد الله بن الزبير أنَّ ابن مسعود أخبره أنَّه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يُعاتبهم الله تعالى بها إلا أربعُ سنين: (وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ)(١) الآية، لكن سيأتي إن شاء الله تعالى آثارٌ تدلُّ على مدنيّة ما ذُكِر، ولعلَّها لا تصلحُ للمعارضة. ونزلت يومَ الثلاثاء على ما أخرج الديلمي عن جابر مرفوعاً: ((لا تحتَجِمُوا يوم الثلاثاء، فإنَّ سورةَ الحديد أُنزِلَت عليَّ يوم الثلاثاء)»(٢). وفيه أيضاً خبرٌ رواه الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر ﴿ ◌ًا بسند ضعيف(٣). وهي تسعٌ وعشرون آية في العراقي، وثمان وعشرون في غيره. ووجهُ اتصالها بالواقعة أنَّها بُدِئَت بذكر التسبيح، وتلك خُتِمت بالأمر به، وكان أولُها واقعاً موقعَ العلَّة للأمر به، فكأنه قيل: سبِّحْ باسم ربِّكَ العظيم؛ لأنَّه سبَّحَ له ما في السماوات والأرض. وجاء في فضلها مع أخواتها ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والنسائي، وابن مردويه، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، عن عِرْباض بن سارية أنَّ رسول الله وَّةٍ كان يقرأُ المسبّحات قبل أنْ يرقُدَ، وقال: ((إنَّ فيهنَّ آيَةً أفضلُ من ألف آيةٍ))(٤). (١) المعجم الكبير (٩٧٧٣)، والمستدرك ٤٧٩/٢، وأخرجه ابن ماجه (٤١٩٢) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن ... إلخ، ولم يذكر ابن مسعود. (٢) الفردوس بمأثور الخطاب (٧٣٩٥)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في الموضوعات (١٦٢٣)، وفي إسناده عمر بن موسى الوجيهي، قال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال ابن عدي: هو في عداد من يضع الحديث متناً وإسناداً . (٣) الدر المنثور ١٧٠/٦، وعزاه للطبراني أيضاً الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٣/٥ وقال: فيه مسلمة بن علي الخشني، وهو ضعيف، وسلف الكلام على أحاديث ذِكرِ الأيام ص٢٠١ وما بعد من هذا الجزء. (٤) المسند (١٧١٦٠)، وسنن أبي داود (٥٠٥٧)، وسنن الترمذي (٢٩٢١)، وسنن النسائي الكبرى (٧٩٧٢)، وشعب الإيمان (٢٥٠٣)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦ /١٧٠. الآية : ١ ٣٩٣ سُوَدَّةُ الحَدِك وأخرج ابن الضرَيس نحوه عن يحيى بن أبي كثير، ثم قال: قال يحيى: نراها الآية التي في آخر ((الحشر))(١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿َسَبَّعَ لِّهِ مَا فِ اُلتََّوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ التسبيحُ على المشهور: تنزيهُ الله تعالى اعتقاداً وقولاً وعملاً عما لا يليقُ بجنابه سبحانه، مِن سبح في الأرض والماءِ: إذا ذهب وأَبْعَدَ فيهما، وحيث أسند هاهنا إلى غير العقلاء أيضاً فإنَّ ((ما في السماوات والأرض» يعمُّ جميعَ ما فيهما سواء كان مستقرًّا فيهما أو جزءاً منهما. بل المرادُ بما فيهما الموجوداتُ، فيكونُ أظهرَ في تناول السماوات والأرض، ويتناول أيضاً الموجوداتِ المجرَّدَةَ عند القائل بها . قال الجمهور: المرادُ به معنًى عامٌّ مجازيٌّ شاملٌ لِمَا نَطَق به لسانُ المقال، كتسبيح الملائكةِ والمؤمنين من الثقلين، ولسان الحال كتسبيح غيرِهم، فإنَّ كلَّ فردٍ من أفراد الموجوداتِ يدلُّ بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجبِ الوجود، المتَّصفِ بكلِّ كمال، المنزَّهِ عن كلِّ نقص. وذهب بعضٌ إلى أنَّ التسبيح على حقيقته المعروفة في الجميع، وهو مبنيٌّ على ثبوت النفوس الناطقة والإدراك لسائر الحيوانات والجمادات على ما يليق بكلِّ، وقد صرَّح به جمعٌ من الصوفية، فتسبيح كلِّ شيءٍ عندهم قاليٌّ وإنْ تفاوت الأمر. وقيل: معنى ((سبَّح)): حَمَلَ رائيه العاقل على قول: سبحان الله تعالى، وَنَبَّهَهُ عليه. وهو كما ترى. ومَن يجوِّز استعمالَ اللفظ في حقيقته ومجازه معاً لا يحتاج إلى عموم المجاز. وجوَّز الطبرسي كون ((ما)) للعالم فقط، مثلُها في قول أهل الحجاز - كما حكى (١) فضائل القرآن لابن الضريس (٢٢٩)، وهو مرسل. سُورَةُ الحَدِة ٣٩٤ الآية : ١ أبو زيد - عند سماع الرعد: سبحان ما سبحت له(١). ولا يخفى أنَّ عمومَها العالم وغیرَه أَولَى. والظاهرُ أنَّها في الوجهَين موصولةٌ . وقال بعضُهم: إنَّها نكرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ أصل الكلام: ما في السماوات وما في الأرض، ثم حُذِفت ((ما)) الثانية وأقيمَت صفتُها مقامها، ولا يحسُن أن تكون موصولةً لأنَّ الصِّلةَ لا تقوم مقامَ الموصولِ عند البصريين، وتقومُ الصفةُ مقام الموصوفِ عند الجميع، والحملُ على المتفق عليه أَولَى من الحمل على المختلف فيه، وكونُ المذكورة موصولةً والمحذوفة نكرةً موصوفةً مما لا وجه له. انتھی. وأنت تعلم أنَّ حذْفَ الموصول الصريح في مثل ذلك أكثرُ من أن يُحصَى. وجيءَ باللام مع أنَّ التسبيح متعدٍّ بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] للتأكيد، فهي مزيدةٌ لذلك كما في: نصحتُ لهُ وشكرتُ له. وقيل: للتعليل والفعل منزَّلٌ منزلةً اللازم، أي: فَعَل التسبيح وأوقَعَه لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه. وفيه شيءٌ لا يخفَى. وعبَّر بالماضي هنا وفي بعض الأخوات، وبالمضارع في البعض الآخر إيذاناً بتحقُّق التسبيح في جميع الأوقات، وفي كلِّ دلالةٌ على أنَّ مِن شأن ما أُسنِدَ إليه التسبيحُ أنْ يُسبِّحَه، وذلك هجَّيْرَاهُ(٢) ودَيدنه، أما دلالةُ المضارع عليه فللدلالة على الاستمرار إلى زمان الإخبار، وكذلك فيما يأتي من الزمان؛ لعموم المعنى المقتضي للتسبيح، وصلوحِ اللفظ لذلك، حيث جُرِّد عن الدلالة على الزمان وأُوثِرَ على الاسم دلالة على تجدُّد تسبيحِ غِبَّ تسبيح، وأما دلالة الماضي فللتَّجرُّد عن الزمان أيضاً مع التحقيق الذي هو مقتضاه، فيشملُ الماضي من الزمان ومستقبله كذلك. (١) مجمع البيان ٢٧/ ١٣٧. (٢) أي: دأبه. الآية : ٢ - ٣ ٣٩٥ سُورَةُ الحَدِة وقيل: الإيذانُ والدلالةُ على الاستمرار مستفادان من مجموعي الماضي والمضارع، حيث دلَّ الماضي على الاستمرار إلى زمان الإخبار، والمضارع على الاستمرار في الحال والاستقبال، فشملا معاً جميعَ الأزمنةِ. وقال الطيبي: افتُتِحَت بعضُ السور بلفظ المصدر وبعضٌ بالماضي وبعضُ بالمضارع وبعضٌ بالأمر فاستوعبَ جميعَ جهات هذه الكلمة، إعلاماً بأنَّ المكوّنات من لدُن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد مُسبِّحةٌ مقدِّسةٌ لذاته سبحانه وتعالى قولاً وفعلاً طوعاً وكرهاً ﴿وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادرُ الغالبُ الذي لا ينازعه ولا يمانعُه شيءٌ ﴿لَلَكِيمُ﴾ الذي لا يفعلُ إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحةُ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلَه، مشعرٌ بعلَّة الحكم، وكذا قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي التصرُّف الكلِّي فيهما وفيما فيهما من الموجودات من حيث الإيجادُ والإعدامُ وسائرُ التصرُّفات. وقوله سبحانه: ﴿يُحِ، وَيُبِينٌ﴾ أي: يفعلُ الإحياءَ والإماتةَ، استئنافٌ مبيِّنٌ لبعض أحكام الملك، وإذا جُعل خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو يحيي ویمیت، كانت تلك الجملةُ كذلك، وجعلُه حالاً من ضمير ((له)) يُوهم تقييدَ اختصاص الملك بهذه الحال. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الإحياء والإماتة ﴿قَدِيرٌ﴾ مبالغٌ في القدرة، تذييلٌ وتكميل لِمَا قبله. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ السابقُ على جميع الموجودات، فهو سبحانه موجودٌ قبلَ كلِّ شيءٍ حتى الزمان؛ لأنَّه جل وعلا الموجِدُ والمحدِثُ للموجودات. ﴿وَلَّخِرُ﴾ الباقي بعد فنائها حقيقةً أو نظراً إلى ذاتها مع قَطْع النظر عن مبقيها، فإنَّ جميع الموجودات الممكنة إذا قُطِع النظرُ عن عَّتها فهي فانية. ومن هنا قال ابن سينا: الممكنُ في حدٍّ ذاته ليس، وهو عن عِلَّته أَيْس. فلا ينافي هذا كون بعضٍ الموجوداتِ الممكنة لا تفنَى كالجنة والنار ومَن فيهما كما هو مقرَّر مبيَّنٌ بالآيات والأحاديث؛ لأنَّ فناءها في حدٍّ ذاتها أمرٌ لا ينفكُ سُورَةُ الحَائِد ٣٩٦ الآية : ٣ عنها، وقد يقال: فناءُ كلِّ ممكنٍ بالفعل ليس بمشاهد، والذي يدلُّ عليه الدليل إنما هو إمكانه، فالبعدية في مثله بحسب التصوّر والتقدير. وقيل: هو ((الأول)) الذي تبتدئ منه الأسباب، إذ هو سبحانه مسبُّها، و((الآخرُ)) الذي تنتهي إليه المسبَّبات، فالأولية ذاتية والآخِرِيَّة بمعنى أنَّه تعالى إليه المرجع والمصيرُ، بقَطْع النظر عن البقاء الثابت بالأدلة. وقيل: ((الأولُ)) خارجاً لأنَّه تعالى أوجدَ الأشياء، فهو سبحانَه متقدِّمٌ عليها في نفس الأمر الخارجي، و((الآخر)) ذهناً وبحسب التعلُّق لأنَّه عز شأنه يُستَدَلُّ عليه بالموجودات الدالةِ على الصانع القديم، كما قيل: ما رأيتُ شيئاً إلا رأيتُ الله تعالى بعده. وقال حُجَّة الإسلام الغزاليُّ: إنَّ ((الأول)) يكون أولاً بالإضافة إلى شيء، و ((الآخر)) يكون آخراً بالإضافة إلى شيء، وهما متناقضان فلا يتصوَّر أن يكونَ الشيءُ الواحد من وجهٍ واحدٍ بالإضافة إلى شيء واحدٍ أولاً وآخراً جميعاً، بل إذا نظرتَ إلى ترتيب الوجودِ ولاحظتَ سلسلةَ الموجوداتِ المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول، إذ كلَّها استفادَت الوجودَ منه سبحانه، وأما هو عز وجل فموجودٌ بذاته، وما استفادَ الوجودَ من غيره، سبحانه وتعالى عن ذلك، ومهما نظرتَ إلى ترتيب السلوك ولاحظتَ منازلَ السالكين فهو تعالى آخرٌ، إذ هو آخرُ ما ترتقي إليه درجاتٌ العارفين، وكلُّ معرفةٍ تحصل قبلَ معرفته تعالى فهي مرقاة إلى معرفته جل وعلا، والمَنْزِلُ الأقصى هو معرفةُ الله جل جلاله، فهو سبحانه بالإضافة إلى السلوك آخرٌ، وبالإضافة إلى الوجود أَوَّل، فمنه عز شأنه المبتدأ أولاً وإليه سبحانه المرجع والمصير آخراً (١). انتهى. والظاهرُ أنَّ كونَه تعالى أولاً وآخراً بالنسبة إلى الموجودات أَولَى، ولعلَّ ما ذكره أوفقُ(٢) بمشرب القوم. (١) المقصد الأسنى ص ١٣٥ - ١٣٦. (٢) في الأصل: أرفق. الآية : ٣ ٣٩٧ سُورَةُ الحَديد ﴿وَّهِرُ﴾ أي: بوجوده؛ لأنَّ كل الموجودات بظهوره تعالى ظاهرٌ ﴿وَالْبَالِ﴾ بكُنْهِهِ سبحانه فلا تحومُ حولَه العقولُ. وقال حجة الإسلام: هذان الوصفان من المضافات، فلا يكونُ الشيء ظاهراً لشيء وباطناً له من وجهٍ واحد، بل يكون ظاهراً من وجهٍ بالإضافة إلى إدراك، وباطناً من وجهٍ آخرَ، فإنَّ الظهورَ والبطونَ إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات، والله تعالى باطنٌ إنْ طُلِبَ من إدراك الحواسِّ وخِزانة الخيال، ظاهرٌ إنْ طُلب من خزانة العقل بالاستدلال، والرَّيب من شدّة الظهور، وكلُّ ما جاوز الحدَّ انعكسَ إلى الضدِّ . وإلى تفسير الباطن بغير المدرَك بالحواسِّ ذهب الزمخشري، ثم قال: إنَّ الواوَ الأُولى لعطف المفرَد على المفرد، فتفيدُ أنَّه تعالى الجامعُ بين الصفتَينِ الأَوَّلية والآخريَّة، والأخيرة أيضاً كذلك، فتفيدُ أنَّه تعالى الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فلعطف المركّب على المركّب، فتفيدُ أنَّه جل وعلا الجامعُ بين مجموع الصفتَين الأُوْليَّيْن ومجموع الصفتَين الأُخْرَيَين، فهو تعالى المستمرُّ الوجودِ في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو تعالى في جميعها ظاهرٌ وباطنٌ جامعٌ للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرَك بالحواسِّ، وفي هذا حجة على مَن جوَّز إدراكه سبحانه في الآخرة بالحاسَّة(٢)، أي: وذلك لأنَّه تعالى ما مِن وقتٍ يصحُّ اتِّصافُه بالأَولية والآخرية إلا ويصحُّ اتصافُه بالظاهرية والباطنية معاً، فإذا جوِّز إدراكه سبحانه بالحاسَّة في الآخرة، فقد نُفي كونه سبحانه باطناً، وهو خلاف ما تدل عليه الآية. وأجاب عن ذلك صاحب ((الكشف)) فقال: إنَّ تفسيرَ الباطن بأنَّه غيرُ مدرَكِ بالحواسِّ تفسيرٌ بحسب التشهِّي، فإنَّ بُطونَه تعالى عن إدراك العقولِ كبطونه عن إدراك الحواسِّ؛ لأنَّ حقيقةَ الذات غيرُ مدرَكةٍ لا عقلاً ولا حسًّا باتفاقٍ بين المحقّقين من الطائفتين، والزمخشريُّ ممن سلَّم، فهو الظاهرُ بوجوده والباطنُ (١) المقصد الأسنى ص١٣٦. (٢) الكشاف ٦١/٤ بنحوه. سُورَةُ الحَدِدِ ٣٩٨ الآية : ٣ بكنهه، وهو سبحانه الجامعُ بين الوصفَين أزلاً وأبداً، وهذا لا ينافي الرؤيةَ، لأنَّها لا تفيدُ ذلك عند مثبتيها(١). انتهى، وهو حسَنُ فلا تغفل. وعليه فالتذليل بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لئلا يُتْوَهَّم أنَّ بطونَه تعالى عن الأشياء يستلزمُ بطونَها عنه عز وجل كما في الشاهد. وقال الأزهريُّ: قد يكونُ الظاهرُ والباطنُ بمعنى العالم لِمَا ظهرَ وبطَنَ(٢)؛ وذلك أنَّ مَن كان ظاهراً احتجَبَ عنه الباطنُ، ومَن كان باطناً احتجَبَ(٣) عنه الظاهر، فإنْ أردتَ أنْ تَصِفَه بالعلم قلتَ: هو ظاهرٌ باطنٌ، مثلُه قولُه تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] أي: لا شرقية فقط ولا غربية فقط، ولكنَّها شرقيةٌ غربيةٌ، وفي التذييل المذكور حينئذٍ خفاء. وقريب منه من وَجْه ما نُقَل أنَّ الظاهر بمعنى العالي على كلِّ شيء، الغالب له، من قولهم: ظهر عليهم: إذا علاهم وغلبهم، والباطنُ الذي بطن كلَّ شيء، أي: علم باطنه. وتعقِّب بفوات المطابقة بين الظاهر والباطن عليه، وأنَّ (بَطَنَه)) بمعنى: عَلِمَ باطنه، غيرُ ثابت في اللغة، لكن قيل: في الآثار ما ينصر تفسيرَ الظاهر بما فسّر؛ أخرج مسلم والترمذي وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمةُ مِنَّا إلى رسول الله وَليهِ تسألُه خادماً فقال لها: ((قولي: اللهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرش الكريم العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، مُنزِلَ التوراة والإنجيل والفرقان، فالقَ الحبِّ والنوى، أعوذُ بك مِن شرِّ كلِّ شيءٍ أنت آخذٌ بناصيته، أنت الأولُ فليسَ قبلَك شيءٌ، وأنت الآخرُ فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقك شيء، وأنت الباطنُ فليس دونك شيء، اقضٍ عنَّا الدَّين وأَغْنِّنَا من الفقر))(٤). (١) في (م): مثبتها. (٢) ينظر تهذيب اللغة ٣٧٤/١٣. (٣) بعدها في الأصل: استتر. (٤) صحيح مسلم (٢٧١٣)، وسنن الترمذي (٣٤٠٠) و(٣٤٨١)، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٦٢/١٠-٢٦٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٩٣/٧. الآية : ٣ ٣٩٩ سُورَةُ الْحَدِ وقال الطيبي: المعنيُّ بـ ((الظاهر)) في التفسير النبوي: الغالب الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب، فيتصرَّف في المكوّنات على سبيل الغلبة والاستيلاء، إذ ليس فوقه أحدٌ يمنعُه، وبـ ((الباطن)) مَن لا ملجأً ولا منجَى دونَه يَلتجئ إليه مُلتجئٍّ. ويُحث فيه بجواز أنْ يكونَ المراد: أنت الظاهرُ فليس فوقك شيءٌ في الظهور، أي: أنت أظهرُ مِن كلِّ شيءٍ، إذ ظهورُ كلِّ شيء بك، وأنت الباطنُ فليس دونك في البطون شيء، أي: أنت أَبْطَنُ من كلِّ شيء، إذ كلُّ شيءٍ يَعلم حقيقتَه غيرُه وهو أنت، وأنت لا يعلمُ حقيقتك غيرُك، أو لأنَّ كلَّ شيء يمكنُ معرفةُ حقيقته، وأنت لا يمكن أصلاً معرفةُ حقيقتك، وأيضاً في دلالة الباطن على ما قال خفاءٌ جدًّا، على أنَّه لو كان الأمرُ كما ذكر ما عدَلَ عنه أجلَّةُ العلماء، فإنَّ الخبر صحيح، وقد جاء نحوه من رواية الإمام أحمد وأبي داود وابن ماجه(١)؛ ويَبعُدُ عدمُ وقوفِ أولئك الأجلَّة عليه، وأبعدُ من ذلك أن يكونَ ما ذكره ◌ِّر من أسمائه تعالى غير ما في الآية. ويحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام أراد بقوله: ((فليس دونك شيء)»: ليس أقرب منك شيءٌ، ويُؤيِّده ما أخرجه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) عن مقاتل قال: بلغَنَا في قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ) إلخ: هو الأولُ قبل كلِّ شيء، والآخرُ بعد كلِّ شيءٍ، والظاهرُ فوق كلِّ شيء، والباطن أقربُ من كلِّ شيءٍ، وإنما يعني القربَ بعِلْمه وقُدرته، وهو فوق عرشِهِ(٢). والذي يترجَّحُ عندي ما ذكر أولاً. وعن بعض المتصوّفة أهلٍ وحدة الوجود أنَّ المراد بقوله سبحانه: (هُوّ الْأَوَّلُ) إلخ أنَّه لا موجودَ غيرُه تعالى، إذ كلُّ ما يُتصوَّر موجوداً فهو إما أول أو آخر، أو ظاهر أو باطن، فإذا كان الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن لا غيره كان كلُّ ما يُتصوَّر موجوداً هو سبحانه لا غيره، وأيَّدوه بما في حديثٍ مرفوع أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وجماعة عن أبي هريرة: ((والذي نفسي بيده لو أنَّكم دَلَّيتُم بحبل إلى الأرض السُّفلَى لهبط (١) المسند (٨٩٦٠)، وسنن أبي داود (٥٠٥١)، وسنن ابن ماجه (٣٨٧١) و(٣٨٧٣). (٢) الأسماء والصفات (٩١٠). سُورَةُ الحَدِ ٤٠٠ الآية : ٤ على الله)) قال أبو هريرة: ثم قرأ النبي وَلّهِ: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِىُّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) (١) . وحال القول بوحدة الوجود مشهور، وأما الخبر فمن المتشابه، وقد قال فيه الترمذي: فسَّر أهلُ العلم الحديثَ فقالوا: أي لهبَطَ على علم الله تعالى وقُدرته وسلطانه(٢). ويُؤيِّد هذا ذكرُ التذييل وعدمُ اقتصاره عليه الصلاة والسلام على ما قبله. وهذه الآية ينبغي لمن وجَدَ في نفسه وسوسَةً فيما يتعلَّق بالله تعالى أنْ يقرأَها، فقد أخرج أبو داود عن أبي زُمَيْل أنَّ ابن عباس قال له وقد أعلمه أنَّ عنده وسوسة في ذلك: إذا وجدْتَ في نفسك شيئاً فقل: (هُوَ الْأَوَّلُ) الآية(٣). عن النبي وَلا وأخرج أبو الشيخ في ((العظمة)) عن ابن عمر وأبي سعيد طلبه قال: ((لا يزالُ الناسُ يسألون عن كلِّ شيء حتى يقولوا: هذا الله كانَ قبلَ كلِّ شيء، فماذا كان قبلَ الله؟ فإنْ قالوا لكم ذلك فقولوا: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّرُ وَالْبَالٌِّ وَهُوَ بِكُلِّ شَتْءٍ عَلِيمٌ)) (٤). ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِنَّ﴾ بيانٌ لبعض أحكام ملكهما، وقد مرَّ تفسيره مراراً. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ مرَّ بيانه في سورة سبأ(٥) . ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ تمثيلٌ لإحاطة علمه تعالى بهم، وتصويرٌ لعدم خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل: المعيَّة مجازٌ مرسَل عن العلم بعلاقة السببية، (١) المسند (٨٨٢٨)، وسنن الترمذي (٣٢٩٨)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٠، وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. (٢) سنن الترمذي عند الحديث (٣٢٩٨). (٣) سنن أبي داود (٥١١٠). (٤) العظمة (١١٧). (٥) آية رقم (٢).