Indexed OCR Text

Pages 181-200

الآية : ١
١٨١
سُورَةُ القَرْ
فرسخ، وإنَّ ضوءَها ليصلُ إلى الأرض في مدة ثمان دقائقَ وثلاثَ عشرةَ ثانية،
فيقطع الضوءُ في كلِّ ثانيةٍ سبعينَ ألفَ فرسخ، ولا يلزمُ أنْ يُعلَمَ سببُ كلِّ حادثٍ،
بل كثيرٌ من الحوادث المتكررةِ المشاهدة لم يُوقَف على أسبابها، كرؤية الكواكب
قريبةً مع بعدها المفرط، فقد ذكروا أنَّهم لم يقفوا على سببه، ويكفي في ذلك عدمُ
وقوفهم على سبب الإبصار بالعين على الحقيقة، ولو أخبرهم مخبرٌ بفرض أنْ لم
يكن لهم إبصارٌ بخواصٌ البصر، مع كونه قطعةً شحم صغيرة معروفة أحوالُها عند
أهل التشريح، لأنكروا عليه غايةَ الإنكار، وكذَّبوه غايةَ التكذيب، ونسبوه إلى
الجنون .
ومَن سلَّم تأثير النفوسِ على حدٍّ أنْ يَصرَع الشخصُ آخَرَ بمجرَّد النظر إليه
وتوجيه نفسِه نحوه، لم يَستبعِد أنْ يكونَ هناك سببٌ نحو ذلك، وقد صحَّ في إصابة
العين أنَّ بعضَ الأعراب ممن له عينٌ صائبةٌ يفلقُ سنامَ الناقة فلقتين، وربما تُصوَّرُ له
من رَمْلٍ فينظر إليه ويفلقُه، فينفلقُ سنامُها مع عدم رؤيته لها نفسِها، وهذا كلُّه من
باب المماشاة، وإلا فإرادةُ الله تعالى كافيةٌ في الانشقاق، وكذا في كلِّ المعجزات
وخوارق العادات، ولو كان لكلِّ حادث سببٌ لزم التسلسلُ، وقد قامت الأدلةُ على
بطلانه .
وكونُ الخرق يوجبُ صوتاً هائلاً ممنوعٌ فيما نحن فيه، ومثلُه ذهابُ التجاذب،
والأجسامُ مختلفةٌ من حيث الخواصُّ، فلا يلزمُ اتِّحاد جِرْم القمر والأرضِ فيها،
ويمكنُ أنْ يكونَ إحدَى القطعتَين كالجبل العظيم بالنسبة إلى الأرض، إذا ارتَفَع
عنها بقاسٍ مثلاً جذبته إليها(١) إذا لم يخرج عن حدٍّ جَذْبها على ما زعموه، ويلتزم
في تلك القطعة عدمُ الخروج عن حدِّ الجذب، على أنَّا في غنّى عن كلِّ ذلك أيضاً
بعد إثبات الإمكان وشمول قدرته عزَّ وجل، وأنَّه سبحانه فعالٌ لِمَا یرید.
والحاصلُ أنَّه ليس عند المنكر سوى الاستبعادٍ، ولا يستطيعُ أنْ يأتيَ بدليلٍ
على الاستحالة الذاتية ولو انشقَّ، والاستبعادُ في مثل هذه المقاماتِ قريبٌ من
الجنون عند من له عقلٌ سلیم.
(١) في الأصل و(م): إليه.

سُورَةُ القَمْ
١٨٢
الآية : ٢
وروي عن الحسن أنَّه قال: هذا الانشقاقُ بعد النفخة الثانية، والتعبيرُ بالماضي
لتحقُّق الوقوع، وروي ذلك عن عطاء أيضاً، ويؤيِّد ما تقدَّم الذي عليه الأكثرون
قراءةُ حذيفةَ: ((وقد انشقَّ القمرُ)) (١) فإنَّ الجملة عليها حاليةٌ، فتقتضي المقارنةَ
لاقتراب الساعةِ ووقوع الانشقاق قبل يوم القيامة، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ
يُعْرِضُواْ﴾ فإنَّه يقتضي أنَّ الانشقاقَ آيةٌ رأَوْها وأعرضوا عنها .
وزعم بعضُهم أنَّ انشقاقَ القمر عبارةٌ عن انشقاق الظلمة عند طلوعه، وهذا
كما يُسمَّى الصبحُ فلقاً عند انفلاقِ الظلمة عنه، وقد يعبّر عن الانفلاق بالانشقاق
كما في قوله النابغة :
فلمَّا أَذْبَرُوا ولَهُمْ دَوِيٌّ دعانا عند شقِّ الصبْحِ داعي(٢)
وزعم آخر أنَّ معنى ((انشقَّ القمر)): وَضَح الأمر وظهر.
وكِلَا الزعمَين مما لا يُعوَّل عليه ولا يُلتَفَتُ إليه، ولا أظنُّ الداعي إليهما عند
مَن يُقرُّ بالساعة التي هي أعظمُ من الانشقاق، ويعترفُ بالعقائد الإسلامية التي وقع
عليها الاتفاقُ سوى عدم ثبوت الأخبار في وقوع ذلك على عهده عليه الصلاة
والسلام عنده، ومنشأ ذلك القصورُ التامُّ والتمسك بشبٍ هي على طَرَف الثُّمام، ومع
هذا لا يكفّر المنكر بناءً على عدم الاتفاقِ على تواتر ذلك، وعدم كونِ الآية نصًّا
فيه، والإخراجُ من الدين أمرٌ عظيم فيُحتاط فيه ما لا يحتَاطُ في غيره، والله تعالى
الموفق.
والظاهرُ أنَّ المرادَ باقتراب الساعة القربُ الشديدُ الزمانيُّ، وكلُّ آتٍ قريب،
وزمانُ العالَم مديد، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيءٌ يسير.
ومال الإمام إلى أنَّ المراد به قربُها في العقول والأذهان(٣). وحاصلُه أنَّها
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٧/٢، والبحر المحيط ١٧٣/٨.
(٢) النكت والعيون للماوردي ٤٠٩/٥، وتفسير القرطبي ٧٣/٢٠، والبحر المحيط ١٧٣/٨،
والنابغة هو الجعدي كما ذكر الماوردي، ولم نقف عليه في ديوانه.
(٣) مفاتيح الغيب ٢٩/٢٩.

الآية : ٢
١٨٣
سُورَةُ القَرْآ
ممكنةٌ إمكاناً قريباً لا ينبغي لأحدٍ إنكارها، واستعمالُ الاقتراب مع أنَّها (١) أمرٌ
مقطوعٌ به كاستعمال ((لعل)) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]
مع أنَّ الأمرَ معلومٌ عند الله تعالى، وانشقاقُ القمر آيةٌ ظاهرةٌ على هذا القرب،
وعلى الأول قيل: هو آيةٌ لأصل الإمكان الذي يقتضيه قربُ الوقوع، وقيل: هو آيةٌ
القُرب الوقوعِ ومعجزةٌ للنبي نَّهَ باعتبار أنَّ الله تعالى مُخبِرٌ في كُتُبُه السالفة بأنَّه إذا
قرُبَت الساعةُ انشقَّ القمر معجزةً، وكلاهما كما ترى. واختار بعضُهم أنَّه آيَةٌ لصِدْق
النبيِّ عليه الصلاة والسلام في جميع ما يقول ويبلِّغ عن (٢) ربه سبحانه لأنه معجزة
له وَّ، ومنه دعوى الرسالةِ والإخبارُ باقتراب الساعة وغير ذلك.
و((آية)) نكرةٌ في سياق الشرط فتعمّ، فالمعنى: وإنْ يَرَوا كلَّ آيةٍ يُعرضوا عن
التأمُّل فيها، ليقِفُوا على وَجْه دلالتها وعلوٍّ طبقتها ﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ﴾ أي: هذا، أو
هو - أي: ما نراه - سحرٌ ﴿مُسْتَمِزٌ﴾ أي: مطَّرد دائم يأتي به محمد بَّ على مرِّ
الزمان، وهو ظاهرٌ في ترادُف الآيات وتتابع المعجزات.
وقال أبو العالية والضحاك: ((مستمرٌّ)): محكم مُوثق، من المرَّة بالفتح أو الكسر
بمعنى القوة، وهو في الأصل مصدرُ: مررْتُ الحبلَ مرةً: إذا فتلتَه فتلاً محكماً،
فأُريد به مطلق المحكم مجازاً مرسلاً .
وقال أنس ويمان ومجاهد والكسائي والفرَّاء واختاره النخَّاس: مستمر، أي:
مارٌّ ذاهبٌ زائلٌ عن قريب(٣)، علَّلوا بذلك أنفسَهم، ومنَّوها بالأماني الفارغة،
كأنَّهم قالوا: إنَّ حالَه - عليه الصلاة والسلام - وما ظهر من معجزاته:
سحابةُ صيفٍ عن قريبٍ تَقَشَّعُ(٤)
﴿وَيَأْبِىَ اللَّهُ إِلَّ أَن يُثَِّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
(١) في (م): أنه.
(٢) قوله: عن، ساقط من (م).
(٣) في الأصل: قرب، والمثبت من (م) والبحر المحيط ١٧٤/٨ والكلام منه، وقول الفراء في
معاني القرآن ١٠٤/٣، وقول مجاهد في تفسيره ٦٣٥/٢ وأخرجه عنه الطبري ١١٣/٢٢ .
(٤) عجز بيت لعمران بن حطان كما في خزانة الأدب ٣٦١/٥، وصدره:
أراها وإن كانت تُحَبُّ فإنها

سُورَةُ القَرْ
١٨٤
الآية : ٣
وقيل: ((مستمر)) مشتدُّ المرارة، أي: مُستبشَع عندنا منفورٌ عنه لشدَّة مرارته
يقال: مرَّ الشيءُ وأمرَّ: إذا صار مرّاً، وأمرَّ غيرَه ومرَّه يكون لازماً ومتعدياً.
وقيل: ((مستمرّ)) يُشبه بعضُه بعضاً، أي: استمرَّت أفعاله على هذا الوجه من
التخيلات.
وقيل: ((مستمر)) مارُّ من الأرض إلى السماء، أي: بلغ من سحره أنَّه سحَرَ
القمرَ. وهذا ليس بشيءٍ.
ولعل الأنسبَ بغلوِّهم في العناد والمكابرة ما روي عن أنس ومَن معه.
وقرئ: ((وإنْ يُرَوا)) بالبناء للمفعول(١) من الإراءة.
﴿وَكَذَُّواْ﴾ النبيَّ ◌َليه وبما أظهره الله تعالى على يده من الآيات ﴿وَأَتَّبَعُواْ
أَهْوَآءَ هُمَّ﴾ التي زيَّنها الشيطانُ لهم، وقيل: ((كذبوا)) الآيةَ التي هي انشقاقُ القمر
((واتَّبعوا أهواءهم)) وقالوا: سُحِرَ القمرُ، وسُحِرَت أعينُنا والقمر بحاله. والعطفُ
على الجزاء السابق، وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقُّق، وقيل: العطفُ على
(اقتربَت)) والجملةُ الشرطية اعتراضٌ لبيان عادتهم إذا شاهدوا الآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَفِرُّ﴾ استئنافٌ مسوقٌ للردّ على الكفار في
تكذيبهم ببيان أنَّه لا فائدةَ لهم فيه، ولا يمنع علوَّ شأنه وَِّ، أو لإقناطهم عما عَلَّقوا
به أمانيَّهم الفارغةَ من عدم استقرارِ أمره عليه الصلاة والسلام حسبما قالوا: ((سحر
مستمر)» ببيان ثُبوتِهِ ورُسوخه، أي: وكلُّ أمرٍ من الأمور مُنتَهٍ إلى غايةٍ يستقرُّ عليها
لا محالةَ، ومن جملتها أمرُ النبيِّ نَّهِ، فسيصيرُ إلى غايةٍ يتبيَّن عندها حقِّيَّتُه وعلوُّ
شأنه، وللإشارة إلى ظهور هذه الغاية لأمره عليه الصلاة والسلام لم يصرِّح بالمستقر
عليه .
وفي (الكشاف)) أي: كلُّ أمرٍ لا بدَّ أنْ يصيرَ إلى غاية يستقرُّ عليها، وأنَّ
أمرَهُ وَّه سيصيرُ إلى غاية يتبيَّن عندها أنَّه حقٌّ أو باطل، وسيظهرُ لهم عاقبتُه(٢)،
(١) البحر المحيط ١٧٣/٨.
(٢) في الأصل و(م): وسيظهر له عاقبتهم، وهو خطأ، والمثبت من الكشاف.

الآية : ٣
١٨٥
سُورَةُ الْقَرُ
أو: وكلُّ أمرٍ من أمره عليه الصلاة والسلام وأمرهم مستقرٌّ، أي: سيثبتُ ويستقرُّ
على حالة نُصرةٍ أو خِذلان في الدنيا، أو سعادةٍ وشقاوة في الآخرة(١).
قال في ((الكشف)): والكلامُ على الأول تذييلٌ جارٍ مجرى المثل، وعلى الثاني
تذييلٌ غير مستقلٍّ.
وقرأ شيبة: ((مستقَر)) بفتح القاف(٢) ورُويَت عن نافع، وزعم أبو حاتم أنَّها
لا وجْهَ لها، وخرِّجت على أنَّ مستقَرًّا مصدرٌ بمعنى استقرار، وحملُه على ((كلِّ
أمرٍ)) بتقدير مضاف، أي: ذو مستقَرِّ، ولو لم يقدَّر وقُصِد المبالغة صحّ.
وجوِّز كونُه اسمَ زمانٍ أو مكان بتقدير مضاف أيضاً، أي: ذو زمان استقرارٍ،
أو ذو موضع استقرارٍ .
وتُعقِّب بأنَّ كونَ كلِّ أمرٍ لا بدَّ له من زمانٍ أو مكانٍ أمرٌ معلوم لا فائدةً في
الإخبار به .
وأُجيبَ بأنَّ فيه إثباتَ الاستقرار له بطريق الكناية، وهي أبلغُ من التصريح(٣).
وقرأ زيد بن علي: ((مستقِرِّ)) بكسر القاف والجرِّ(٤)، وخُرِّج على أنَّه صفةُ ((أَمْرٍ))
وأنَّ ((كل)) معطوفٌ على ((الساعة))، أي: اقتربَ كلُّ أمرٍ يستقِرُّ ويتبيَّن حالُه، أي:
بقربها، قال في ((الكشف)): وفيه شَمَّةٌ من التجريد وتهويلٌ عظيم، حيث جعل في
اقترابها اقترابَ كلِّ أمرٍ يكونُ له قرارٌ وتَبيُّنُ حالٍ مما له وَقْعٌ، وقوله تعالى: (وَأَنشَقَّ
اَلْقَمَرُ) على هذا إمَّا على تقدير ((قد)) وينصرُه القراءةُ بها، وإما منزل منزلةً
الاعتراض(٥) لكونه مؤكّداً لقرب الساعة، وقوله سبحانه: (وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ) إلخ
مستطردٌ عند ذكر انشقاق القمر.
(١) الكشاف ٣٦/٤.
(٢) تفسير القرطبي ٢٠/ ٧٥، والبحر المحيط ١٧٤/٨ والكلام منه.
(٣) في الأصل: الصريح.
(٤) البحر المحيط ١٧٤/٨، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة كما في النشر ٣٨٠/٢.
(٥) في (م): الإعراض.

سُورَةُ القَرْ
١٨٦
الآية : ٤
واعترض ذلك أبو حيان بأنَّه بعيدٌ لكثرة الفواصل بين المعطوفِ والمعطوف
عليه، وجعل الكلامَ عليه نظيرَ: أكلتُ خبزاً، وضربتُ خالداً، وإنْ يجئ زيدٌ
أكرمه، ورَحَل إلى بني فلان، ولحماً. بعطف ((لحماً) على ((خبزاً)) ثم قال: بل
لا يوجدُ مثلُه في كلام العرب(١).
وتُعقّب بأنَّه ليس بشيء؛ لأنَّه إذا دلَّ على العطف الدليلُ لا يعدُّ ذلك مانعاً منه،
على أنَّ بين الآية والمثال فرقاً لا يخفَى.
وقال صاحب (اللوامح)): إنَّ (مستقر)) خبرُ ((كلّ))، والجرُّ للجوار. واعترضه
أبو حيان أيضاً بأنَّه ليس بجيدٍ؛ لأنَّ الجرَّ على الجوار في غاية الشذوذ في مثله، إذ
لم يُعهَد في خبرِ المبتدأ، وإنما عُهد في الصفة على اختلاف النحاة في وجوده،
واسْتَظْهَرَ كونَ ((كلُّ) مبتدأ وخبرُه مقدَّر كـ: آت، أو: معمولٌ به، ونحوه مما يُشعرُ
به الكلام، أو مذكورٌ بعدُ وهو قولُه تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَلِغَةٌ﴾ وقد اعتُرض بينهما
بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جََّهُم﴾(٢) في القرآن ﴿مِّنَ الْأَثْبَاءِ﴾ أي: أخبار القرون
الخالية، أو أخبار الآخرة.
والجارُّ والمجرور في موضع الحال من ((ما)) في قوله عز وجل: ﴿مَا فِيهِ
مُزْدَجَرٌ﴾ قدِّم عليه رعايةً للفاصلة وتشويقاً(٣) إليه، و((مِن)) للتبعيض، أو للتبيين بناءً
على المختار من جواز تقديمه على المُبَيَّن، قال الرضي: إنما جاز تقديمُ ((من))
المبيِّنة على المبهم في نحو: عندي من المال ما يكفي، لأنَّه في الأصل صفةٌ
لمقدَّر، أي: شيءٌ من المال، والمذكورُ عطفُ بيانٍ للمبيَّن المقدَّر قبلها ليحصل
البيانُ بعد الإبهام، أي: بالله لقد جاءهم كائناً من الأنباء ما فيه ازدجارٌ لهم ومنعٌ
عما هم فيه من القبائح، أو موضعُ ازدجار ومنع، وهي أنباءُ التعذيب، أو أنباءُ
الوعید.
(١) البحر المحيط ٨/ ١٧٤.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٧٤ .
(٣) في (م): تتويقاً.

الآية : ٥ - ٦
١٨٧
سُوَّةُ القَرْ
وأصلُ ((مزدجَر)): مُزْتَجَر، بالتاء موضع الدال، وتاءُ الافتعال تُقْلَب دالاً مع الدال
والذال والزاي للتناسب. وقرئ: ((مزَّجَر)) بقلبها زاياً وإدغام الزاي فيها(١)، وقرأ زيد بن
علي: ((مُزْجِر))(٢) اسم فاعل من أَزْجَرَ، أي: صار ذا زَجْرٍ، كأَعْشَبَ: صار ذا عُشْبٍ.
﴿حِكْمَةٌ بَلِنَّةٌ﴾ أي: واصلة غايةَ الإحكام لا خلَلَ فيها، ورفع ((حكمة)) على
أنَّها بدلُ كلٍّ أو اشتمال من ((ما))، وقيل: من ((مزدجر))، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ،
أي: هي أو هذه، على أنَّ الإشارة لِمَا يشعر به الكلامُ من إرسال الرسل وإيضاح
الدليل والإنذار لمن مضَى، أو إلى ما في الأنباء، أو إلى الساعة المقتربة والآيةِ
الدالة عليها كما قاله الإمام(٣). وتقدَّم آنفاً احتمالُ كونها خبراً عن ((كل)) في قراءة
زيد. وقرأ اليماني: ((حكمةً بالغةً)) بالنصب(٤) حالاً من ((ما)) فإنَّها موصولةٌ أو نكرةٌ
موصوفة، ويجوز مجيء الحال منها مع تأّرها، أو هو بتقدير: أعني.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفي للإغناء أو استفهامٌ إنكاريٌّ، والفاء لترتيب عدم الإغناء
على مجيء الحكمة البالغة، مع كونه مظنةً للإغناء، وصيغةُ المضارع للدلالة على
التجدُّد والاستمرار، و((ما)) على الوجه الثاني في محلٌّ نصبٍ على أنَّها مفعولٌ
مطلق، أي: فأيَّ إغناءٍ تُغني النذر، وجوِّز أنْ تكونَ في محلِّ رفعٍ على الابتداء،
والجملةُ بعدها خبرٌ، والعائد مقدَّر، أي: فما تُغنيه النذرُ، وهو جمع نذير بمعنى
المُنذِر. وجوز أنْ يكون جمعَ نذير بمعنى الإنذار. وتعقِّب بأنَّ حقَّ المصدر أنْ
لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، وأن يكون مصدراً كالإنذار. وتعقِّب بأنَّه يأباه تأنيثُ الفعل
المسند إليه، وكونُه باعتبار أنَّه بمعنى النَّذَارة لا يخفَى حاله.
﴿ فَوَلَ عَنْهُمْ﴾ الفاء للسبية والمسبَّب التولِّي أو الأمرُ به، والسبب عدمُ الإغناء
أو العلمُ به، والمرادُ بالتولِّي إما عدمُ القتال، فالآية منسوخة، وإما تركُ الجدال
للجِلَاد، فهي محكمة، والظاهر الأول.
(١) الكشاف ٣٦/٤، وتفسير القرطبي ٧٦/٢٠، والبحر المحيط ١٧٤/٨.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٧٤ .
(٣) هو الرازي في تفسيره ٣٢/٢٩.
(٤) البحر المحيط ٨/ ١٧٤ .

سُورَةُ الْقَبْ
١٨٨
الآية : ٦
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ظرفٌ لـ ((يخرجون)) أو مفعول به لـ ((اذكر)) مقدراً، وقيل:
لـ ((انتظر))، وجوِّز أن يكون ظرفاً لـ (تُغني))، أو لـ ((مستقر)) وما بينهما اعتراض، أو
ظرفاً لـ ((يقول الكافر))، أو لـ ((تولَّ)) أي: تولَّ عن الشفاعة لهم يوم القيامة، أو هو
معمولٌ له بتقدير ((إلى)) وعليه قول الحسن: فتولَّ عنهم إلى يوم. والمرادُ استمرارُ
التولِّي. والکلُّ كما ترى.
والداعي إسرافيلُ عليه السلام، وقيل: جبريل عليه السلام، وقيل: مَلَكٌ
غيرُهما موثّلٌ بذلك، وجوز أنْ يكون الدعاء للإعادة في ذلك اليوم كالأمر في ((كن
فيكون)) على القول بأنَّه تمثيلٌ، فالداعي حينئذ هو الله عز وجل.
وحُذَفَت الواو من ((يَدْعُ)) لفظاً لالتقاء الساكنين ورسماً اتباعاً للفظ، والياءُ من
((الداع)) تخفيفاً وإجراءً لـ ((أل)) مجرى التنوين؛ لأنَّها تعاقبه، والشيءُ يُحمَل على
ضدِّه كما يحمل على نظيره.
﴿إِلَى شىء نُُرٍ﴾ أي: فظيع تنکره النفوسُ لعدم العهد بمثله، وهو هول
القيامة، ويُكنى بالنُّكُر عن الفظيع لأنَّه في الغالب مُنْكَرٌ غيرُ معهود، وجوِّز أنْ يكون
من الإنكار ضد الإقرار، وأيُّما كان فهو وصفٌ على ((فُعُل)) بضمَّتَين، وهو قليلٌ في
الصفات، ومنه: روضةٌ أُنُف: لم تُرْعَ، ورجل شُلُل: خفيفٌ في الحاجة سريعٌ
حَسَنُ الصحبة طيبُ النفس، وسُجُح: ليِّنٌ سهلٌ.
وقرأ الحسن وابن كثير وشبل: (نُكْر)) بإسكان الكاف(١)، كما قالوا: شُغُل
وشُغْل، وعُسُر وعُسْر، وهو إسكان تخفيفٍ، أو السكون هو الأصل والضم
للإتباع.
وقرأ مجاهد وأبو قلابة والجحدري وزيد بن علي: ((نُكِرَ))(٢) فعلاً ماضياً مبنيّاً
للمفعول بمعنى : أُنكِرَ.
(١) قراءة ابن كثير في التيسير ص ٢٠٥، والنشر ٢١٦/٢، وقراءة الحسن وشبل في المحرر
الوجيز ٢١٢/٥، والبحر المحيط ١٧٥/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٨/٢، والمحرر الوجيز ٢١٢/٥، والبحر
المحيط ٨/ ١٧٥.

الآية : ٧
١٨٩
سُورَةُ الْقَرْ
﴿خُشَعَا أَبَصَرُهُمْ﴾ حالٌ من فاعل ﴿يَخْرُجُونَ﴾ أي: يخرجون ﴿مِنَ الْأَبْدَاثِ﴾ أي:
القبور أذلةً أبصارُهم من شدَّة الهولِ، أي: أذلَّاء من ذلك، وقدِّم الحال لتصرُّف
العامل والاهتمام، وفيه دليلٌ على بطلان مذهب الجرمي من عدم تجويز تقدُّم
الحال على الفعل وإنْ كان متصرِّفاً، ويردُّه أيضاً قولُهم: شَتَّى تؤوب الحلبةُ(١)،
وقولُه :
سريعاً يهونُ الصعبُ عند أُولي النُّهَى إذا برَجَاءٍ صادقٍ قابلوا البأسا(٢)
وجعل حالاً من ذلك لقوله تعالى: ﴿َوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ بِرَاءً﴾ [المعارج: ٤٣]
إلى قوله تعالى: ﴿خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٤].
وقيل: هو حالٌ من الضمير المفعول المحذوف في ((يَدْعُ الداعِ)) أي:
يدعوهم الداع. وتعقِّب بأنَّه لا يطابق المنزل، وأيضاً يصيرُ حالاً مقدَّرَةً؛ لأنَّ
الدعاء ليس حالَ خشوعِ البصر، وليست في الكثرة كغيرها، وكذلك جعلُه
مفعول (يدعو)) على معنى: يدعو فريقاً خاشعاً أبصارهم، أي: سيخشع، وإن
كان هذا أقربَ مما قبلُ.
وقيل: هو حال من الضمير المجرور في قوله تعالى: (فَتَوَلَ عَنْهٌُ). وفيه
ما لا يخفى.
و(أبصارُهم)) فاعل ((خُشَّعاً)) وطابقَهُ الوصف في الجمع؛ لأنَّه إذا كُسِّر لم يُشْبِهِ
الفعلَ لفظاً، فتحسُنُ فيه المطابقةُ، وهذا بخلاف ما إذا جُمع جمعَ مذكر سالم، فإنَّه
لم يتغيَّر زنْتُهُ وشَبَهُهُ للفعل، فينبغي أنْ لا يُجمَع إذا رَفَع الظاهرَ المجموعَ على اللغة
الفصيحة دون لغة: أكلوني البراغيثُ، لكن الجمع حينئذٍ في الاسم أخفُّ منه في
الفعل كما قال الرضي، ووَجْهُه ظاهرٌ، وفي ((التسهيل)): إذا رَفعَت الصفةُ اسماً
ظاهراً مجموعاً فإنْ أمكنَ تكسيرها كـ : مررْتُ برجلٍ قيامٍ غلمانُه. فهو أولَى من
(١) مثل يضرب في اختلاف الناس وتفرقهم في الأخلاق، وذلك أنهم يوردون إبلهم وهم
مجتمعون، فإذا صدروا تفرَّقوا واشتغل كلَّ واحدٍ منهم بحلب ناقته، ثم يؤوب الأول
فالأول. مجمع الأمثال ٣٥٨/١.
(٢) البحر المحيط ١٧٥/٨، واللباب ٢٣٩/١٨.

سُورَةُ القَرْ
١٩٠
الآية : ٧
إفرادها كـ : مررْتُ برجلٍ قائم غلمانُهُ (١). وهذا قولُ المبرد (٢) ومَن تبعه، والسماعُ
شاهدٌ له كقوله:
وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مَطيَّهم
يقولون لا تَهلِكْ أُسَى وتجمَّلٍ(٣)
و قوله :
وذي رَوْنقٍ عَضْبٍ يقُدُّ القوانسا (٤)
بمظَّردٍ لَذْنٍ صحاحٍ كعوبُه
وقال الجمهور: الإفرادُ أَولَى، والقياسُ معهم، وعليه قولُه:
ورجالٍ حَسَنٍ أَوجهُهُم من إياد بنِ نِزارٍ بن مَعَد(٥)
وقيل: إنْ تَبِعَ مفرداً فالإفرادُ أَولَى كـ: رجلٍ قائمٍ غلمانُه، وإنْ تَبِعَ جمعاً
فالجمع أولَى كـ : رجالٍ قيامٍ غلمانُهم، وأما التثنيةُ والجمعُ السالم فعلى لغة:
أكلوني البراغيثُ.
وجوِّز أن يكون في ((خُشَّعاً)) ضميرٌ مستتر، و((أبصارهم)) بدلاً منه.
وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري وأبو عمرو وحمزة والكسائي:
(خاشعاً)) بالإفراد(٦).
وقرأ أبيّ وابن مسعود: ((خاشعةً))(٧).
(١) ينظر التسهيل ص ١٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في حاشيته ٨/ ١٣٢.
(٢) ينظر المقتضب ١٥٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في حاشيته ٨/ ١٣٢.
(٣) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٩.
(٤) البيت لحسيل بن سُجَيح، كما في اللسان وتاج العروس (قنس)، وهو دون نسبة في البحر
٨/ ١٧٥.
(٥) البيت لأبي دؤاد الإيادي، وهو في ديوانه ص ٣٠٥، وسيرة ابن هشام ٧٤/١، ورسالة
الملائكة ص ١٥٣، وتفسير القرطبي ٧٨/٢٠، والبحر المحيط ١٧٥/٨ .
(٦) قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي في التيسير ص ٢٠٥، والنشر ٣٨٠/٢ وهي قراءة يعقوب
وخلف من العشرة، وقراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري في المحرر الوجيز
٢١٣/٥، والبحر المحيط ٨/ ١٧٥ .
(٧) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والبحر ١٧٥/٨.

الآية : ٨
١٩١
سُورَةُ القَرْ
وقرئ: ((خُشَعٌ)) (١) على أنَّه خبرٌ مقدَّم، و((أبصارُهم)) مبتدأٌ، والجملةُ في موضع
الحال.
وقوله تعالى: ﴿كَهُمْ جَرَدٌ مُّكَثِرٌ﴾ حالٌ أيضاً، وتشبيهُهُم بالجراد المنتشر في
الكثرة والتموُّج والانتشار في الأقطار، وجاء تشبيهُهُم بالفراش المبثوث، ولهم يومَ
الخروج سهمٌ من الشَّبَه لكلِّ، وقيل: يكونون أولاً كالفراش حين يموجون فزعين
لا يهتدون أين يتوجَّهون؛ لأنَّ الفراش لا جهةَ لها تقصدها، ثم کالجراد المنتشر(٢)
إذا توجّهوا إلى المحشر، فهما تشبيهان باعتبار وقتَين، وحُكي ذلك عن مكي بن
أبي طالب(٣).
﴿ُّهْطِعِينَ إِلَى النَّجِ﴾ مُسرعين إليه؛ قاله أبو عبيدة(٤). وزاد بعضُهم: مادِّي
أعناقهم، وآخر: مع هزّ ورَهَقٍ ومدِّ بصر.
وقال عكرمة: فاتحين آذانَهم إلى الصوت.
وعن ابن عباس: ناظرين إليه لا تُقلِع أبصارُهم عنه، وأَنْشَدَ قولَ تبع:
ونمرُ بنُ سَعْدٍ لي مُطيعٌ ومُهْطِعُ(٥)
تَعبَّدَني نِمْرُ بنُ سعدٍ وقد أَرَى
وفي روايةٍ أنَّه فسَّره بخاضعين وأنشد البيت.
وقيل: خافضين ما بين أعينهم.
وقال سفيان: شاخصةً أبصارهم إلى السماء.
وقيل: أصل الهَطْع مدُّ العنق، أو مدُّ البصر، ثم يُكنَى به عن الإسراع، أو عن
النظر والتأمل، فلا تغفل.
(١) المحرر الوجيز ٢١٣/٥، والبحر المحيط ١٧٥/٨ .
(٢) في (م): كالجواد المحتسر.
(٣) مشكل إعراب القرآن ٦٩٨/٢، وقوله: حكي، يعني به إعراب الجملة حالاً.
(٤) في مجاز القرآن ٢٤٠/٢.
(٥) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ١٤٣/٦، والبيت دون نسبة في الكشاف ٤/ ٣٧،
واللسان (مطع)، وتفسير القرطبي ٢٠/ ٨٠، والبحر المحيط ١٧٦/٨.

سُورَةُ القهر
١٩٢
الآية : ٩
﴿يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عِيرٌ﴾ صعبٌ شديدٌ؛ لِمَا يشاهدون من مخايل هوله،
وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه، وفي إسناد القولِ المذكور إلى الكفار تلويحٌ بأنَّه
على المؤمنين ليس كذلك.
﴿كَذَّبَتَّ قَلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ﴾ شروعٌ في تعداد بعضٍ ما ذُكِرَ من الأنباء الموجبةِ
للازدجار، ونوعُ تفصيلٍ لها وبيانٍ لعدم تأثّرهم بها تقريراً لفحوى قوله تعالى: (فَمَا
تُغْنِ النُّذُرُ) والفعلُ منزلٌ منزلةَ اللازم، أي: فعلَت التكذيبَ قبلَ تكذيبٍ قومِك قومُ
نوح. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ تفسيرٌ لذلك التكذيب المبهم، كما في قوله
تعالى: ﴿وَنَادَىْ نُعُ رَّبَّهُ فَقَالَ﴾ [هود: ٤٥] إلخ، وفيه مزيدُ تحقيقٍ وتقريرٍ
للتكذيب.
وجوِّز أن يكون المعنى: كذَّبوا تكذيباً إِثْرَ تكذيبٍ، كلَّما خلا منهم قرنٌ مكذِّبٌ
جاءَ عَقيبَه قرنٌ آخرُ مكذِّبٌ مثله، أو: كذبت قومُ نوح الرسلَ فكذَّبوا عبدنا، أي:
لمَّا كانوا مكذِّبين للرسل جاحدين للنبوة رأساً، كذَّبواَ نوحاً لأنَّه من جملة الرسل،
والفاء عليه سببية.
وقيل: معنى ((كذَّبت)): قصَدَت التكذيبَ وابتَدَأَتْه، ومعنى ((فكذبوا)): أتقُّوه
وبلغُوا نهايتَه، كما قيل في قوله:
قد جَبَر الدينَ الإلهُ فَجَبَرْ(١)
وفي ذِكْره عليه السلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيمٌ له
عليه السلام ورفعٌ لمحله وتشنيعٌ لمكذِّبيه.
وَقَالُواْ مَجْنُونٌ﴾ أي: لم يقتصروا على مجرَّد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون،
فقالوا: هو مجنون.
﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ عطف على ((قالوا))، وهو إخبارٌ منه عز وجل، أي: وزُجِرَ عن
(١) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص٦٣، وأدب الكاتب ص ٤٥٤، وطبقات فحول الشعراء
٧٥٤/٢، والشعر والشعراء ٦٠٣/٢، وخزانة الأدب ٥٤/٤. وبعده:
وعوَّر الرحمنُ مَن وَلَّى العَوَرْ

الآية : ١٠ - ١١
١٩٣
سُورَةُ الْقَرُ
التبليغ بأنواع الأَذَّةِ والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ: ﴿لَيْن لَّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦].
وقال مجاهد: هو مِن تمام قولهم، أي: هو مجنون، وقد ازدجَرَتهُ الجنُّ
وذهبَت بلُبِّه وتخبَّطَتْهُ. والأول أظهرُ وأبلغُ.
وجُعل مبنيًّاً للمفعول لغرض الفاصلة، وطهَّر الألسنةَ عن ذكرهم دلالةً على أنَّ
فعلهم أسوا من قولهم.
﴿فَدَعَا رَبّهُ أَنِ﴾ أي: بأنِّي. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والأعمش وزيد بن
علي ورُويت عن عاصم: ((إني)) بكسر الهمزة(١) على إضمارِ القولِ عند البصريين،
وعلى إجراء الدعاءِ مجرى القولِ عند الكوفيين.
﴿مَغْلُوبٌ﴾ من جهة قومي، ما لي قدرةٌ على الانتقام منهم.
﴿فَأْتَصِرْ﴾ فانتقِمْ لي منهم، وقيل: فانتصر لنفسك إذ كذَّبوا رسولَك. وقيل:
المرادُ بـ ((مغلوبٌ)): غلبتني نفسي حتى دعوتُ عليهم بالهلاك. وهو خلافُ الظاهر،
وما دعا عليه السلام عليهم إلا بعد اليأس من إيمانهم. والتأكيدُ لمزيد الاعتناءِ بأمر
الترجُم المقصودِ من الإخبار.
﴿فَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمٍَّ مُنْهَمٍِ (*)﴾ أي: منصبٍّ. وقيل: كثير؛ قال الشاعر:
أعينايَ جُودا بالدموعِ الهَوَامرِ على خيرٍ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضرٍ (٢)
والباء للآلة، مثلُها في: فتحتُ البابَ بالمفتاح، وجوِّز أن تكون للملابسة،
والأول أبلغُ، وفي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ بتشبيه تدقُّق المطر من السحاب بانصباب
أنهارٍ انفتَحَت بها أبوابُ السماء وانشقَّ أديمُ الخضراء، وهو الذي ذهب إليه
الجمهور.
وذهب قومٌ إلى أنَّه على حقيقته، وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ عباس، أخرج ابن المنذر
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٧، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨٨/٤، والمحرر الوجيز ٢١٤/٥،
والبحر المحيط ١٧٦/٨، وهي خلاف المشهور عن عاصم.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤١٢، وتفسير القرطبي ٨١/٢٠، والبحر المحيط ١٧٧/٨.

سُورَةُ القَسْ
١٩٤
الآية : ١٢
وابن أبي حاتم عنه أنَّه قال: لم تمطر السماءُ قبل ذلك اليوم ولا بعدَه إلا من
السحاب، وفتِّحَت أبوابُ السماء بالماء من غير سحابٍ ذلك اليوم، فالتقَى
الماءان (١). وفي رواية: لم تُقلِع أربعينَ يوماً (٢).
وعن النقاش: أنَّه أُريدَ بالأبواب المَجَرَّة، وهي شَرَج السماء كشَرَج العَيْبَةِ(٣)،
والمعروفُ من الأرصاد أنَّ المَجَرَّةَ كواكبُ صغارٌ متقاربةٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
ومن العجيب أنَّهم كانوا يطلبون المطرَ سنينَ فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم.
وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج ويعقوب: ((ففتَّحنا)) بالتشديد(٤) لكثرة
الأبواب، والظاهر أنَّ جمع القِلَّة هنا للكثرة.
﴿وَفَجَّنَا الْأَرْضَ عُونًا﴾ وجعلنا الأرض كلَّها كأنَّها عيونٌ متفجِّرةٌ، وأصلُه: فجّرنا
عيونَ الأرض، فغيِّر إلى التمييز للمبالغة بجعل الأرض كلِّها متفجِّرةً مع الإبهام
والتفسير، فالتمييزُ محوَّلٌ عن المفعول.
وجعَلَه بعضُهم محوَّلاً عن الفاعل بناءً على أنَّه الأكثرُ، والأصل: انفجَرَت
عيونُ الأرض، وتحويلُه كما يكون عن فاعلِ الفعلِ المذكور يكونُ عن فاعل فعلٍ
آخرَ يلاقيه في الاشتقاق، وهذا منه. وهو تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه.
ومنع بعضُهم مجيءَ التمييز من المفعول، فأعرب ((عيوناً) حالاً مقدَّرة، وجوّز
عليه أن يكون مفعولاً ثانياً لـ ((فَجَّرْنا)) على تضمينه ما يتعدَّى إليه، أي: صيّرنا
بالتفجير الأرض عيوناً. وكان ذلك على ما في بعض الروايات أربعينَ يوماً.
وقرأ عبد الله وأصحابه وأبو حيوة والمفضل عن عاصم: ((فَجَرْنا)) بالتخفيف(٥).
(١) عزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٧٧.
(٣) الشَّرَج: عُرى العَيْبة والخِباء ونحو ذلك. والعَيْبَة: وعاء من أدم ونحوه يكون فيه المتاع.
المعجم الوسيط (شرج) و(عيب).
(٤) قراءة ابن عامر وأبي جعفر ويعقوب في التيسير ص ١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢، وقراءة الأعرج
في المحرر الوجيز ٢١٤/٥، والبحر المحيط ٨/ ١٧٧ .
(٥) المحرر الوجيز ٢١٤/٥، والبحر المحيط ١٧٧/٨.

الآية : ١٢
١٩٥
سُورَةُ الْقَبْ
﴿فَلْنَقَى الْمَآءُ﴾ أي: ماءُ السماء وماءُ الأرض، والإفراد لتحقيق أنَّ التقاءَ
الماءَين لم يكن بطريق المجاورة، بل بطريق الاختلاط والاتحاد.
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والحسن ومحمد بن كعب والجحدري:
((الماءان))(١) والتثنية لقصد بيان اختلافِ النوعَين، وإلا فالماء شاملٌ لماء السماء
وماء الأرض، ونحوُه قولُه:
لنا إيلان فيهما ما علمتمُ فعن أيِّها ما شئتمُ فتنكَّبوا(٢)
وقيل: فيها إشارةٌ إلى أنَّ ماء الأرض فارَ بقوةٍ وارتفَعَ حتى لاقَى ماء السماء،
وفي ذلك مبالغةٌ لا تُفهم من الإفراد.
وقرأ الحسن أيضاً: (الماوان)) بقلب الهمزة واواً (٣)، كقولهم: علباوان،
كما قال الزمخشري(٤)، ولم يُرِدْ أَنَّه نظيرُه، بل أراد: كما أنَّ هنالك إبدالاً بعلَّةِ أنَّها
غيرُ أصلية لأنَّها زائدةٌ للإلحاق كذلك هاهنا لأنَّها مبدَلةٌ، والبدلُ وإن كان من الهاء
لكنَّها أُجريَت مجرى البدلِ عن الواو فقيل في النسبة فيه: ماوي، وجاء في جمعه
أمواء، كما جاء: أمواه، ولا يبعدُ أنْ يكونَ مَن ثنَّاه بالواو قاسَه على النسبة، كذا
في ((الكشف)).
وعنه أيضاً: ((المايان)) بقلب الهمزة ياءً(٥).
﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: كائناً على حالٍ قد قدَّرها الله تعالى في الأزل من غير
تفاوت. أو على حال قُدِّرَت وسوِّيَت، وهي أنَّ ما نزل على قَدْرِ ما خرج. وقيل:
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحرر الوجيز ٢١٤/٥، والبحر المحيط ١٧٧/٨.
(٢) الكشاف ٣٧/٤، واللسان (نكب)، وخزانة الأدب الشاهد السادس والسبعون بعد
الخمس مئة. ولم يذكر الزمخشري عجزه، وأما صدره فقد وقع في شعرين، الأول هو هذا،
والثاني مطلع قصيدة لعوف بن عطية بن الخَرع التيمي كما في الأصمعيات ص ١٦٧،
ورواية العجز فيه: فأدُّوهما إن شئتم أن نُسالما. وينظر تفصيل الكلام عليه في الخزانة .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحرر الوجيز ٢١٤/٥، والكشاف ٣٧/٤، والبحر المحيط
٨/ ٠١٧٧
(٤) الكشاف ٣٧/٤.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والبحر المحيط ٨/ ١٧٧ .
:

سُوَدَّةُ القَرْ
١٩٦
الآية : ١٣
إنَّ ماء الأرض علا سبعةَ عشر ذراعاً ونزل ماء السماء مُكَمِّلاً أربعين. وقيل: ماءُ
الأرض كان أكثرَ وله مقدارٌ معيَّنٌ عند الله عز وجل.
أو على أمر قدَّره الله تعالى وكتبه في اللوح المحفوظ، وهو هلاكُ قومٍ نوحِ
بالطوفان، ورجَّحه أبو حيان بأنَّ كلَّ قصة ذُكرَت بعدُ ذَكرَ الله تعالى فيها هلاكً
المكذِّبين، فيكون هذا كنايةً عن هلاك هؤلاء(١)، و((على)) عليه للتعليل، ويحتمل
تعلُّقها بـ ((التقى))، وفيه ردٌّ على أهل الأحكام النجومية، حيث زعموا أنَّ الطوفانَ
لاجتماع الكواكب السبعة - ما عدا الزهرة - في برجٍ مائي.
وقرأ أبو حيوة وابن مقسم: ((قدِّر)) بتشديد الدال(٢).
﴿وَجَلْنَهُ﴾ أي: نوحاً عليه السلام ﴿عَلَى ذَاتِ أَلَوَج﴾ أخشاب عريضة ﴿وَدُسُرٍ﴾
أي: مسامير كما قاله الجمهور وابن عباس في رواية ابن جرير وابن المنذر(٣)،
جمع دِسَار ككِتَاب وكُتُب، وقيل: ((دَسْر)) كسَقْف وسُقُف، وأصل الدَّسْر الدفعُ
الشديد بقَهْرٍ، فسُمِّي به المسمار لأنَّه يُدَقُّ فيُدفَع بشدة.
وقيل: حبالٌ من ليفٍ تُشْدُّ بها السُّفنُ.
وقال الليث: خيوطٌ تُشْدُّ بها ألواحها .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والحسن أنَّها مقاديمُ السفينة وصدرُها الذي
تضربُ به الموجَ وتدفعه(٤). وروي عن ابن عباس نحوُه.
وأَخْرَجَ عن مجاهد أنَّها عوارضُ السفينة(٥)، أي: الخشبات التي تعرض في
وسطها. وفي رواية عنه: هي أضلاعُ السفينة.
وأيًّا ما كان، فقوله تعالى: (ذَاتِ أَلَّوَج ◌َدُسُرٍ) من الصفات التي تقومُ مقامَ
(١) البحر المحيط ٨/ ١٧٧ .
(٢) المحرر الوجيز ٢١٤/٥، والبحر المحيط ١٧٧/٨، والدر المصون ١٣٣/١٠.
(٣) تفسير الطبري ١٢٤/٢٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦.
(٤) عزاهما لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦.
(٥) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦.

الآية : ١٤
١٩٧
سُورَةُ الْقَّعْ
الموصوفات على سبيل الكناية، كقولهم: حيٌّ مستوي القامة عريضُ الأظفار، في
الكناية عن الإنسان، وهو من فصيح الكلام وبديعه. ونظيرُ الآية قول الشاعر:
مفرشي صهوةُ الحصانِ ولكن قَميصي مسرودةٌ من حديدٍ(١)
فإنَّه أراد: قميصي درعٌ. وقوله يصف هزال الإبل:
تَرى آلَها في عينٍ كلِّ مقابلٍ ولو في عيونِ النازيات بأكرُع(٢)
فإنَّه أراد: في عيون الجراد، لأنَّ النزْوَ بالأكرع يختصُّ بها، وأما كونُه على
حذف الموصوف لدلالة الصفة عليه - على ما في ((المفصل)) وغيرِهِ - فكلامُ نحويٍّ.
﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منَّا، وكنَى به عن الحفظ، أي: تجري في ذلك الماء
بحفظنا وکِلاءتنا .
وقيل: بأوليائنا، يعني نوحاً عليه السلام ومَن آمن معه؛ يقال: مات عينٌ من
عيون الله تعالى، أي: وليٍّ مِن أوليائه سبحانه.
وقيل: بأعين الماء التي فجّرناها .
وقيل: بالحَفَظَة من الملائكة عليهم السلام، سمَّاهم أَغْيُناً وأضافهم إليه جل
شأنه. والأول أظهرُ.
وقرأ زيد بن علي وأبو السمال: ((بأعينًا)) بالإدغام(٣).
﴿َآءَ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: فعلنا ذلك جزاءً لنوح عليه السلام، فإنَّه كان نعمةً
أنعمَها الله تعالى على قومه فكفروها، وكذا كلُّ نبيِّ نعمةٌ من الله تعالى على أمَّته،
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢/ ٤٤ .
(٢) البيت لأبي العلاء كما في شروح سقط الزند ١٥٣٤/٤، وعجزه في الكشاف ٣٨/٤، والدر
المصون ١٣٤/١٠. ووقع في الأصل و(م): في كل عين مقابل، والمثبت من شروح سقط
الزند، وجاء في شروحه: الآل: الشخص. والنازيات: الجراد؛ لأنها تنزو، أي: تثب،
بأكرع: بسوقٍ دقيقةٍ. وهذا في صفة الناقة بحدَّة البصر، يقول: لحدَّة أبصارها ترى
أشخاصها في عين كل حيوان يقابلها، حتى في عيون الجراد.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحرر الوجيز ٢١٥/٥، والبحر المحيط ١٧٨/٨.

سُورَةُ القَرْ
١٩٨
الآية : ١٥
وجوِّز أنْ يكونَ على حذف الجارِّ وإيصالِ الفعلِ إلى الضمير، واستتارِه في الفعل
بعد انقلابه مرفوعاً، أي: لمن كُفِرَ به، وهو نوحٌ عليه السلام أيضاً، أي: جُحِدَت
نبوته، فالكفر عليه ضدُّ الإيمان، وعلى الأول كفرانُ النعمة.
وعن ابن عباس ومجاهد: (مَن)) يُراد به الله تعالى، كأنَّه قيل: غضباً وانتصاراً لله
عز وجل. وهو كما ترى.
وقرأ مسلمة بن محارب: ((كُفْر)) بإسكان الفاء(١) خفّف فُعِلَ كما في قوله:
لو عُصْرَ منه البانُ والمسكُ انعصَرْ(٢)
وقرأ يزيد بن رومان وقتادة وعيسى: ((كَفَرَ )) مبنيّاً للفاعل(٣)، فـ ((مَن)) يُراد بها
قومُ نوح عليه السلام لا غير، وفي هذه القراءة دليلٌ على وقوع الماضي بغير ((قد))
خبراً لـ ((كان)) وهو مذهب البصريين، وغيرهم يقول: لا بدَّ مِن وقوع ((قد)) ظاهرةً أو
مقدَّرةً. وجوِّز أنْ تكونَ ((كان)) زائدةً كأنَّه قيل: جزاءً لمن كَفَرَ ولم يُؤمن.
﴿وَلَقَد تَكْتَهَا﴾ أي: أبقينا السفينةَ ﴿ءَايَةُ﴾ بناءً على ما روي عن قتادة والنقاش
أنَّه بقي خشبُها على الجوديِّ حتى رآه بعضُ أوائلِ هذه الأمة، أو أبقينا خبرَها، أو
أبقينا جنسَها وذلك بإبقاء السفن، أو (تَرَكنا)) بمعنى جعلنا. وجوِّز كون الضمير
للفعلة، وهي إنجاءُ نوح عليه السلام ومَن معه وإغراق الكافرين.
﴿فَهَلْ مِن مُذَّكٍ﴾ أي: مُعتَبر بتلك الآية الحرِيَّة بالاعتبار. وقرأ قتادة على ما نقل
ابنُ عطية: ((مُذَّكر)) بالذال المعجمة(٤) على قلب تاء الافتعال ذالاً وإدغام الذال في
الذال، وقال صاحب ((اللوامح)): قرأ قتادة: ((فهل من مُذَكِّر)) بتشديد الكاف(٥) من
التذکیر، أي: مَن يُذكِّر نفسه أو غيرَه بها؟
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والبحر المحيط ١٧٨/٨.
(٢) الرجز لأبي النجم وهو في ديوانه ص ١٠٣، والكتاب ١١٤/٤، وأدب الكاتب ص ٥٣٨،
وإصلاح المنطق ص ٤٢ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٨/٢، والبحر المحيط ١٧٨/٨.
(٤) المحرر الوجيز ٢١٥/٥، وهي في القراءات الشاذة ص ١٤٨، والبحر المحيط ١٧٨/٨.
(٥) البحر المحيط ١٧٨/٨ .

الآية : ١٦ - ١٧
١٩٩
سُورَةُ القَمْ
وقرئ: ((مُذْتَكر)) بذال معجمة بعدها تاء الافتعال(١) كما هو الأصل.
استفهامُ تعظيم وتعجيب، أي: كانا على كيفيةٍ هائلةٍ
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ
لا يحيط بها الوصفُ، و((النُّذُر)) مصدرٌ كالإنذار، وقيل: جمع نذيرٍ بمعنى الإنذار،
وجعَلَه بعضُهم بمعنى المنذَر منه، وليس بشيء، وكذا جَعْلُه بمعنى المنذر. و((كان))
يحتملُ أن تكونَ ناقصةً فـ ((كيف)) في موضع الخبر، وتامةً فـ ((كيف)) في موضع الحال.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْمَانَ﴾ إلخ جملة قَسَمِية ورَدَت في آخر القصص الأربع تقريراً
لمضمون ما سبق مِن قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَآءَهُم) إلخ، وتنبيهاً على أنَّ كلَّ قصةٍ
منها مستقلةٌ بإيجاب الاذكار كافية في الازدجار، ومع ذلك لم يحصل فيها اعتبار،
أي: وبالله لقد سهَّلنا القرآنَ لقومك بأنْ أنزلناه على لغتهم، وشحتَّاه بأنواع المواعظ
والعبر، وصرَّفنا فيه من الوعيد والوعد. ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أي: للتذكُر والاتِّعاظ ﴿فَهَلْ مِن
مُذَّكِرٍ﴾ إنكارٌ ونَفْيٌّ للمتَّعظ على أبلغ وجهٍ وآكده، يدلُّ على أنَّه لا يقدِرُ أحدٌ أنْ
يُجيبَ المستفهمَ بـ :نَعَم.
وقيل: المعنى: سهّلنا القرآن للحفظ لِمَا اشتمل عليه من حُسنِ النظم، وسلاسَةِ
اللفظ، وشَرَف المعاني وصحتها، وعروِّه عن الوحشي ونحوه، فله تعلُّقٌ
بالقلوب وحلاوةٌ في السمع، فهل مِن طالبٍ لحفظه لِيُعَان عليه؟ ومن هنا قال ابن
جبير: لم يُستَظهرَ شيءٌ من الكتب الإلهية غير القرآن.
وأخرج ابن المنذر وجماعة عن مجاهد أنَّه قال: ((يسرنا القرآن)) هوَّنَّا قراءته(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: لولا أنَّ الله تعالى يسَّره على لسانٍ
الآدميين ما استطاعَ أحدٌ من الخلق أنْ يتكلَّم بكلام الله تعالى(٣). وأخرج الديلمي
عن أنس مرفوعاً مثله(٤).
(١) المصدر السابق.
(٢) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦. وأخرجه الطبري ١٣٠/٢٢ -١٣١،
والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٧٣).
(٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦، وأخرجه البيهقي في الأسماء
والصفات (٥٧٢).
(٤) الفردوس بمأثور الخطاب (٨١٢٢).

سُورَةُ الْقَبْ
٢٠٠
الآية : ١٨
وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنَّه مرَّ برجلٍ يقول: سورةٌ خفيفة، فقال:
لا تقل ذلك، ولكن قل: سورةٌ يسيرةٌ؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
لِلِذِكْرِ)(١).
والمعنى الذي ذُكرَ أولاً أنسب بالمقام، ولعل خبرَ أنس إنْ صحَّ ليس تفسيراً
للآية.
وجوِّز تفسيرُ ((يسَّرنا)) بـ: هيَّأنا، من قولهم: يسَّر ناقتَه للسفر: إذا رحَلَها(٢)،
ويسَّر فرسَه للغزو: إذا أسرَجَه وألجمه؛ قال الشاعر:
وقُمتُ إليه باللِّجام مُيَسِّراً هنالك يَجزيني الذي كنتُ أَصنَعُ(٣)
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ شروعٌ في قصة أخرى، ولم تُعطَف وكذا ما بعدَها من القصص
إشارةً إلى أنَّ كلَّ قصةٍ مستقلّةٌ في القَصْدِ والاتِّعاظ، ولمَّا لم يكن لقوم نوح اسمُ
عَلَم ذُكِروا بعنوان الإضافة، ولمَّا كان لقوم هود عَلَمٌ وهو ((عاد)» ذكروا به؛ لأنَّه
أبلغُّ في التعريف، والمرادُ: كذبت عادٌ هوداً عليه السلام، ولم يتعرَّض لكيفية
تكذيبهم له عليه السلام رَوْماً للاختصار، ومسارعةً إلى بيان ما فيه الازدجار من
العذاب.
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَاِى وَنُذُرٍ﴾ لتوجيه قلوبِ السامعين نحو الإصغاء
إلى ما يُلقَى إليهم قبل ذكره، لا لتهويله وتعظيمه وتَعجيبهم من حاله بعد بيانه
كما قبلَه وما بعده، كأنَّه قيل: كذَّبت عادٌ فهل سمعتم، أو: فاسمعوا كيف عذابي
وإنذاري لهم.
وقيل: هو للتهويل أيضاً؛ لغرابة ما عُذِّبوا به من الريح، وانفرادهم(٤) بهذا
النوع من العذاب. وفيه بحث.
(١) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦.
(٢) أي: حطّ عليها الرَّحْلَ. القاموس (رحل).
(٣) البيت للأعرج عدي بن عمرو الطائي كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣٥١/١، وهو
دون نسبة في الكشاف ٣٨/٤، وتفسير القرطبي ٨٥/٢٠، والبحر المحيط ١٧٨/٨.
(٤) في (م): وانفراده.