Indexed OCR Text
Pages 61-80
التفسير الإشاري ٦١ سُورَةُ الدَّارِيَاتِ والشيخ محيي الدين قدس سره ذكر في معنى ((الكنز)) غير ذلك فقال في الباب الثلاثمئة والثمانية والخمسين من ((فتوحاته)): لو لم يكن في العالم مَن هو على صورة الحقِّ ما حصَلَ المقصود من العلم بالحقِّ، أعني العلمَ الحادثَ في قوله: ((كنتُ كنزاً)) إلخ فجعل نفسَه كنزاً، والكنزُ لا يكون إلا مكتنزاً في شيء، فلم يكن كنزُ الحقِّ نفسَه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئية ثبوتِهِ، هناك كان الحقُّ مكنوزاً، فلمَّا ألبس الحقُّ الإنسانَ ثوبَ شيئيةِ الوجودِ ظهَرَ الكنزُ بظهوره، فعرَفَه الإنسانُ الكامل بوجوده، وعَلِمَ أنَّه سبحانه كان مكنوزاً فيه في شيئية ثبوته، وهو لا يشعرُ به(١). انتهى. وهو منطقُ الطير الذي لا نعرفُه، نسألُ الله تعالى التوفيق لما يحبُّ ویرضَی بمنِّه وكرمه. (١) الفتوحات المكية ٢٦٧/٣. سُورَةُ الُوْرِ مكية كما روي عن ابن عباس وابن الزبير ﴿، ولم نقف على استثناء شيءٍ منها، وهي تسعٌ وأربعون آيةً في الكوفي والشامي، وثمانٌ وأربعون في البصري، وسبعٌ وأربعون في الحجازي(١). ومناسبةُ أولها لآخر ما قبلَها اشتمالُ كلٍّ على الوعيد، وقال الجلال السيوطي: وجهُ وَضْعها بعد ((الذاريات)) تشابُهُهُما في المطلع والمقطع، فإنَّ في مطلع كلِّ منهما صفةَ حالِ المتقين، وفي مقطع كلٍّ منهما صفةً حال الكفار (٢). ولا يخفَى ما بين السورتين الكريمَتين من الاشتراك في غير ذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالُورِ ﴾﴾ الطور اسمٌ لكلِّ جبلٍ على ما قيل في اللغة العربية عند الجمهور، وفي اللغة السريانية عند بعضٍ، ورواه ابنُ المنذر وابنُ جرير عن مجاهد(٣). والمراد به هنا طورُ سِيْنِيْنَ الذي كلَّم الله تعالى موسى عليه السلام عنده، ويقال له: طورُ سيناء أيضاً. والمعروفُ اليومَ بذلك ما هو بقرب التِّيهِ بين مصرَ والعقبة. وقال أبو حيان في تفسير سورة ((والتين)): لم يختلف في طور سيناء أنَّه جبلٌ (١) جاء في هامش الأصل: والاختلاف في ((والطور)) و((إلى نار جهنم دعًا)). (٢) تناسق الدرر في تناسب السور ص ٧٩. (٣) الطبري ٢١/ ٥٦٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧. الآية : ٢ ٦٣ سُورَةُ القُور بالشام، وهو الذي كلَّم اللهُ تعالى عليه موسى عليه السلام(١)، وقال في تفسيره هذه السورة: في الشام جبلٌ يُسمَّى الطور، وهو طورُ سيناء، فقال نوف البكالي: إنَّه الذي أقسَمَ الله سبحانه به لفضله على الجبال، قيل: وهو الذي كلَّم الله تعالى عليه موسى عليه السلام(٢). انتهى، فلا تغفل. وحکی الراغبُ أنَّه جبلٌ محيط بالأرض(٣)! ولا يصحُّ عندي، وقيل: جبلٌ من جبال الجنة، وروى فيه ابنُ مردويه عن أبي هريرة وعن كثير بن عبد الله حديثاً مرفوعاً (٤)، ولا أظنُّ صحتَه، واستظهرَ أبو حيان أنَّ المراد الجنسُ لا جبلٌ معيَّن(٥). وروي ذلك عن مجاهد والكلبي، والذي أُعوِّل عليه ما قدمته. ﴿وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ ﴾﴾ مكتوبٍ على وجه الانتظام، فإنَّ السطر ترتيبُ الحروف المكتوبة، والمرادُ به على ما قال الفراء: الكتابُ الذي يُكتَب فيه الأعمال، ويُعطاهُ العبدُ يوم القيامة بيمينه أو بشماله(٦)، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ, يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ كِتَبَا يَلْقَهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. وقال الكلبي: هو التوراة. وقيل: هي والإنجيل والزبور. وقيل: القرآن. وقيل: اللَّوح المحفوظ. وفي ((البحر)): لا ينبغي أنْ يحمل شيءٌ مِن هذه الأقوالِ على التعيين، وإنما تُورَدُ على الاحتمال(٧). والتنكير قيل: للإفراد نوعاً، وذلك على القول بتعدُّده، أو للإفراد شخصاً، وذلك على القول المقابل، وفائدتُه الدلالةُ على اختصاصه من جنس الكتب بأمرٍ (١) البحر المحيط ٤٨٩/٨. (٢) البحر المحيط ١٤٦/٨. (٣) مفردات الراغب (طور). (٤) عزاهما لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١١٧/٦، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال عنه الدارقطني وغيره: متروك. ينظر ميزان الاعتدال ٢/ ٤٦٧ و٤٠٦/٣ -٤٠٧. (٥) البحر ١٤٦/٨. (٦) معاني القرآن ٩١/٣. (٧) البحر المحيط ١٤٦/٨. سُورَةُ الْقُوْرِ ٦٤ الآية : ٣ - ٤ يتميَّز به عن سائرها، والأَولَى على وجهَي التنكير إذا حُمِلَ على أحد الكتابَين - أعني: القرآنَ والتوراة - أنْ يكونَ من باب ﴿لِيَجْزِىَ قَوْمًا﴾ [الجاثية: ١٤]، ففي التنكير كمال التعريف، والتنبيه على أنَّ ذلك الكتاب لا يخفَى نُكِّر أو عُرِّف، والرَّقُّ بالفتح ویکسر، ومِن هذا القبيل التنكير في قوله تعالى: ﴿فِ رَقِّ مَّنْشُورٍ ® وبه قرأ أبو السمال(١): جلدٌ رقيقٌ يُكتَب فيه، وجمعُه رُقُوق، وأصلُه على ما في ((مجمع البيان)) من اللمعان يقال: تَرَفْرَقَ الشيءُ إذا لَمَعَ(٢). أو من الرِّقة ضدُّ الصفاقة على ماقيل، وقد تجوِّزُ فيه عما يُكتَب فيه الكتاب من ألواحٍ وغيرها . و((المنشور)): المبسوطُ، والوصفُ به قيل: للإشارة إلى صحة الكتاب وسلامته من الخطأ حيث جُعِل معرضاً لنظر كلِّ ناظرٍ آمناً عليه من الاعتراض لسلامته عما يوجبه، وقيل: هو لبيان حاله التي تضمَّنتها الآيةُ المذكورة آنفاً بناءً على أنَّ المرادَ به صحائفُ الأعمال، ولبيان أنَّه ظاهرٌ للملائكة عليهم السلام يرجعون إليه بسهولة في أمورهم بناءً على أنَّه اللوح، أو للناس لا يمنعُهم مانعٌ عن مطالعته والاهتداءِ بهديه بناء على الأقوال الأُخَر. وفي (البحر)): ((منشور)) منسوخٌ ما بين المشرق والمغرب(٣). ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴾﴾ هو بيتٌ في السماء السابعة يدخلُهُ كلَّ يومٍ سبعونَ ألف ملَكٍ لا يعودُون إليه حتى تقوم الساعة، كما أخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) عن أنس مرفوعاً (٤). وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أبي الطفيل أنَّ ابنَ الكوَّاء سأل علياً(٥) كرم الله (١) المحرر الوجيز ١٨٦/٥، والبحر المحيط ١٤٦/٨. (٢) مجمع البيان ٢٥/٢٧. (٣) البحر المحيط ١٤٦/٨ دون قوله: منسوخ. (٤) تفسير الطبري ٥٦٢/٢١-٥٦٣، والمستدرك ٤٦٨/٢، وشعب الإيمان (٣٩٩٣)، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ . وأخرجه أحمد (١٧٨٣٦)، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤) من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة، ضمن حديث الإسراء. (٥) في الأصل: سأل عنه عليّاً. الآية : ٥ - ٦ ٦٥ سُوَرَّةُ القُوْر تعالى وجهه فقال: ذلك الضُّرَاحُ بيتٌ فوقَ سبع سماوات تحت العرش يدخلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملك .. إلخ(١). وجاء في روايةٍ عنه كرم الله تعالى وجهه، وعن ابن عباس رضيًا: أنَّه حيالَ الكعبة بحيث لو سَقَط سَقَطْ عليها(٢). وروي عن مجاهد وقتادة وابن زيد أنَّ في كلِّ سماءٍ بحيال الكعبة بيتاً حرمتُه كحرمتها، وعمارتُه بكثرة الواردين عليه من الملائكة عليهم السلام كما سمعتَ. وقال الحسن: هو الكعبةُ يعمُرُه الله تعالى كلَّ سنةٍ بستٌّ مئةٍ ألفٍ من الناس، فإنْ نقصوا أتمَّ سبحانه العددَ من الملائكة. وأنت تعلم أنَّ من المجاز المشهور: مكان معمورٌ، بمعنى مأهول مسكون تَحُلُّ الناس في محلِّ هو فيه، فعمارة الكعبة بالمجاورين عندها وبحُجَّاجها، صحَّ خبرُ الحسن المذكور أم لا . ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ﴾﴾ أي: السماء كما رواه جماعة - وصحَّحه الحاكم - عن الأمير كرم الله تعالى وجهه(٣). وعن ابن عباس: هو العرش، وهو سقفُ الجنة. وأخرجه أبو الشيخ عن الربيع بن أنس (٤). وعليه لا بأسَ في تفسير البيت المعمورِ بالسماء كما رُوي عن مجاهد، وعَمارتُها بالملائكة أيضاً، فما فيها موضعُ إهابٍ إلا وعليه ملكٌ ساجدٌ أو قائمٌ. ﴿وَالْبَحْرِ الْسَسْجُورِ ﴾﴾ أي: الموقد ناراً. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ((العظمة)) عن سعيد بن المسيب قال: قال عليٍّ كرم الله تعالى وجهه لرجلٍ من اليهود: أينَ موضعُ النارِ في كتابكم؟ قال: البحر. فقال كرم الله تعالى وجهه: ما أراه إلا صادقاً، وقرأ: (وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ)، ﴿وَإِذَا أَلْبِحَارُ (١) مصنف عبد الرزاق (٨٨٧٥)، وأخرجه الطبري ٥٦٤/٢١، والضياء المقدسي في المختارة (٥٥٧). (٢) الأثران في تفسير الطبري ٥٦٣/٢١ -٥٦٤. (٣) المستدرك ٤٦٨/٢، وأخرجه الطبري ٥٦٦/٢١ . (٤) العظمة (٢٥٣). سُورَةُ الْتُورِ ٦٦ الآية : ٦ سُجِرَتْ﴾ [التكوير: ٦](١). وبذلك قال مجاهد وشِمْرُ بن عطية والضحاك ومحمد بن کعب والأخفش. وقال قتادة: ((المسجور)): المملوء؛ يقال: سَجَرَه، أي: ملأه. والمرادُ به عند جمعِ البحرُ المحيط. وقيل: بحرٌ في السماء تحت العرش، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم وغيرُه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(٢)، وابن جرير عن ابن عمرو ﴾(٣). وفي ((البحر)) أنَّهما قالا(٤): فيه ماء غليظٌ، ويقال له: بحرُ الحياة يُمَطَرُ العبادُ منه بعد النفخةِ الأُولَى أربعينَ صباحاً، فينبتون في قبورهم. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع أنَّه الماء الأعلى الذي تحت العرش(٥). وكأنَّه أراد به الفضاءَ الواسعَ المملوء ملائكةً. وعن ابن عباس: ((المسجور)): الذي ذهب ماؤُه، ورَوَى ذو الرُّمَّة الشاعر - وليس له كما قيل حديثٌ غيرُ هذا - عن الحِبْر قال: خرجَتْ أمةٌ لتستقي فقالت: إنَّ الحوض مسجورٌ، أي: فارغ، فيكونُ من الأضداد(٦). وحُمِل كلامُه ◌َظُه على إرادة البحرِ المعروف، وأنَّ ذهاب مائه يومَ القيامة. وفي رواية عنه أنَّه فسَّره بالمحبوس، ومنه: ساجور الكلب، وهي القلادةُ التي (١) تفسير الطبري ٥٦٧/٢١-٥٦٨، والعظمة (٩٣١)، وأخرجه أيضاً البيهقي في البعث والنشور (٤٩٥). (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٦، وأخرجه الطبري ٢١/ ٥٧٠ . (٣) تفسير الطبري ٢١/ ٥٧٠، ووقع في الأصل و(م): ابن عمر، والمثبت من تفسير الطبري والدر المنثور ١١٨/٦. (٤) أي: زيادة على قولهما: بحر في السماء تحت العرش. البحر المحيط ١٤٧/٨. (٥) العظمة (٢٥٣)، ووقع في الأصل و(م): الملأ، بدل: الماء. والمثبت من العظمة، ومثله في الدر المنثور ١١٨/٦ . (٦) البحر المحيط ١٤٦/٨، والخبر أخرجه الثعلبي في تفسيره ١٢٥/٩، والشيرازي في الألقاب كما في الدر المنثور ١١٨/٦ . الآية : ٦ ٦٧ سُؤَدَّةُ الْتُوْرِ تمسكه، وكأنَّه عنى: المحبوس مِن أنْ يَفيضَ فيُغرقَ جميعَ الأرض، أو يَغيضَ فتبقَى الأرضُ خاليةً منه. وقيل: ((المسجور)) المختلطُ، وهو نحو قولهم للخليل المخالط: سجيرٌ، وجعَلَه الراغبُ من سجرتُ التُّورَ؛ لأنَّه سجيرٌ في مودَّة صاحبه(١). والمرادُ بهذا الاختلاط: تلاقي البحار بمياهها واختلاطُ بعضها ببعضٍ، وعن الربيع: اختلاطُ عَذْبها بملحها. وقيل: اختلاطُها بحيوانات الماء. وقيل: المفجورُ، أَخْذاً من قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُِرَتْ) ويحتمله ما أخرجه ابنُ المنذر عن ابن عباس من تفسيره بالمرسل(٢)، وإذا اعتُبر هذا مع ما تقدَّم عنه آنفاً من تفسيره بالمحبوس يكون مِن الأضداد أيضاً. وقال منبه(٣) بن سعيد: هو جهنم سُمِّيَت بحراً لسعتها وتموُّجها. والجمهورُ على أنَّ المراد به بحرُ الدنيا، وبه أقول، وبأنَّ المسجور بمعنى المُوقَد. ووَجْه التناسب بين القرائن بعد تعيُّن ما سيق له الكلام لائحٌ، وهو هاهنا إثباتُ تأكيدِ عذابِ الآخرة وتحقيقُ كينونته ووقوعه، فأَقسَمَ سبحانه له بأمورٍ كلُّها دالةٌ على كمال قدرته عز وجل، مع كونها متعلِّقةً بالمبدأ والمعاد، فالطور لأنَّه محلُّ مكالمة موسى عليه السلام، ومهبطُ آيات المبدأ والمعاد يناسبُ حديثَ إثبات المعاد، وكتاب الأعمال كذلك مع الإيماء إلى أنَّ إيقاعَ العذاب عدلٌ منه تعالى فقد تحقَّق، ودوِّن في ((الكتاب)) ما يجرُّ إليه قبل. ((والبيت المعمور)) لأنَّه مطَافُ الرسل السماوية، ومظهرٌ لعظمته تعالى، ومحلٌّ لتقدیسهم وتسبيحهم إياه جلَّ وعلا. ((والسقف المرفوع)) لأنَّه مستقرُّهم ومنه تَنزِلُ الآيات، وفيه الجنة. (١) مفردات الراغب (سجر). (٢) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٦. (٣) كذا في الأصل و(م)، وفي البحر ١٤٧/٨ (والكلام منه): قتيبة بن سعيد، ولعل الصواب: منذر بن سعيد، كما في المحرر الوجيز ٥/ ١٨٧ . سُوَّةُ القُلُوْرِ ٦٨ الآية : ٧ ((والبحر المسجور)) لأنَّه محلُّ النار. وإذا حُمِلَ الكتاب على التوراة كان التناسبُ مع ما قبلَه حسبَ النظر الجليل أظهرَ. ولم يحمله عليها كثيرٌ لزَعْم أنَّ ((الرق المنشور)) لا يناسبُها لأنَّها كانت في الألواح، ولا يخفى عليك أنَّ شيوعَ الرَّق فيما يُكتَب فيه الكتاب مطلقاً يُضعِّف هذا الزعم في الجملة، ثم إنَّ المعروف أنَّ التوراة لا يكتبُها اليهودُ اليوم إلا في رَقِّ، وكأنَّهم أخذوا ذلك من أسلافهم. وقال الإمام: يحتملُ أنْ تكونَ الحكمةُ في القَسَم بـ ((الطور)) و((البيت المعمور)) و (البحر المسجور)) أنَّها أماكنُ خَلوةٍ لثلاثة أنبياء مع ربِّهم سبحانه، أما الطورُ فلموسى عليه السلام، وقد خاطَبَ عنده ربَّه عز وجل بما خاطب، وأما البيتُ المعمور فلرسول الله وَّر وقد قال عنده: ((سلامٌ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين))(١)، (لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك))(٢)؛ وأما البحرُ فليونسَ عليه السلام قال فيه: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّيْلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فلشرفها بذلك أَقَسَم الله تعالى بها، وأما ذِكرُ ((الكتاب)) فلأنَّ الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن كلامٌ، والكلامُ في الكتاب، وأما ذِكرُ ((السقف المرفوع)» فلبيان رِفعة البيت المعمور ليعلم عظمة شأنِ النبيِ وَِّ، ثم ذكر وجهاً آخرَ(٣)، ولعمري إنَّه لم يأتِ بشيء فيهما. والواو الأُولى للقسم وما بعدَها على ما قال أبو حيان للعطف، والجملةُ المقسَمُ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَيِّعٌ ﴾﴾(٤) أي: لكائنٌ على شدةٍ، كأنَّه مهيَّأْ في مكان مرتفعٍ فيقَعُ على مَن يحلُّ به من الكفار؛ وفي إضافته إلى الربّ مع إضافة الربِّ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام أمانٌ له وَّةِ، وإشارةٌ إلى أنَّ العذاب واقعٌ بمن كذَّبه. (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٦٦٥)، ومسلم (٤٠٣) عن ابن عباس، وسلف ٤٧٨/١٠. (٢) أخرجه أحمد (٢٥٦٥٥)، ومسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ريا، وسلف ٢٦٢/١. (٣) مفاتيح الغيب ٢٨/ ٢٤٠ بنحوه. (٤) البحر المحيط ١٤٧/٨. الآية : ٨ - ٩ ٦٩ سُؤَدَّةُ الْتُور وقرأ زيد بنُ عليٍّ رَّ: ((واقعٌ)) بدون لام(١). ﴾﴾ خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ) أو صفةٌ لـ ((وَاقِع)) أو هو وقوله تعالى: ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ جملةٌ معترضة، و((مِن دافع)) إما مبتدأ للظرف أو مرتفِعٌ به على الفاعلية، و((مِن)) مزيدةٌ للتأكيد. ولا يخفى ما في الكلام من تأكيد الحكم وتقريره. وقد رُوي أنَّ عمر رَبه قرأ من أول السورة إلى هنا فبكى ثم بكى حتى عِيْدَ من وَجَعِه وكان عشرين يوماً . وأخرج أحمد وسعيد بن منصور وابن سعد عن جُبير بن مطعم قال: قدمتُ المدينةَ على رسول الله وَ﴿ لأكلِّمه في أُسارَى بدرٍ، فدفعتُ إليه وهو يُصلِّ بأصحابه صلاة المغرب، فسمعتُه يقرأُ: (وَالُطُورِ) إلى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ) فكأنما صُدِعَ قلبي (٢). وفي روايةٍ: فأسلمتُ خوفاً من نزول العذاب، وما كنتُ أظنُّ أنْ أقومَ مِن مقامي حتى يقعَ بي العذاب. وهو لا يأبى أن يكون المرادُ الوقوعَ يومَ القيامة. ومن غريب ما يُحكَى أنَّ شخصاً رأى في النوم(٣) مكتوباً في كفّه خمسَ واواتٍ فعُبِّرَت له بخير، فسأَلَ ابنَ سيرين فقال: تَهيّأ لما لا يَسُرُّ. فقال له: مِن أين أخذتَ هذا؟ فقال: من قوله عز وجل: (وَلُورِ) إلى (إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ لَوَفِعٌ) فما مضَى يومان أو ثلاثة حتى أُحيط بذلك الشخص(٤). وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا ﴾﴾ منصوبٌ على الظرفية وناصبُه ((واقعٌ)) أو ((دافعٌ)) أو معنى النفي، وإيهامُ أنَّه لا ينتفي دفعُه في غير ذلك اليوم بناءً على اعتبار المفهوم لا ضيرَ فيه لعدم مخالفته للواقع؛ لأنَّه تعالى أمهلَهم في الدنيا (١) المصدر السابق. (٢) مسند أحمد (١٦٧٦٢)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن سعد السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٦. وأخرج نحوه البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣). (٣) قوله: في النوم، ليس في (م). (٤) البحر المحيط ٨/ ١٤٧ . سُؤَدَّةُ الْتُورِ ٧٠ الآية : ١٠ - ١٣ وما أهملهم، ومنَعَ مكي أنْ يعمل فيه ((واقع)) (١)، ولم يذكر دليلَ المنع(٢)؛ ولا دليلَ له فیما یظھرُ. ومعنى ((تمور)): تضطربُ كما قال ابن عباس، أي: ترتجُّ وهي في مكانها، وفي رواية عنه: تشقَّقُ. وقال مجاهد: تدورُ. وأصل المور التردُّد في المجيء والذهاب، وقيل: التحرُّك في تموُّج، وقيل: الجَرَيان السريع، ويقال للجَرْي مطلقاً، وأنشدوا للأعشى: كأنَّ مِشْيَتَها مِن بيتِ جارتها مورُ السحابة لا ريثٌ ولا عَجَلُ(٣) ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيًِّ ﴾﴾ عن وجه الأرض، فتكونُ هباءً منبثّاً، والإتيان بالمصدرَين للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: موراً عجيباً وسیراً بديعاً لا يُدرَك کنههما . ﴿فَوّلُ يَوْمَيْدٍ﴾ أي: إذا وقع ذلك - أو إذا كان الأمر كما ذكر - فويلٌ يوم إذ يقع ذلك ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾﴾ أي: في اندفاع عجيبٍ في الأباطيل والأكاذيب يلهون، وأصلُ الخوض المشيُّ في الماء ثمّ تُجوِّزَ فيه عن الشروع في كلِّ شيءٍ، وغَلَب في الخوض في الباطل، كالإحضار عامٌّ في كلِّ شيءٍ ثم غَلَب استعمالُه في الإحضار للعذاب. ﴿يَوْمَ يُكَغُونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَعَّا ®﴾ أي: يُدفعون دفعاً عنيفاً شديداً بأنْ تُغلَّ أيديهم إلى أعناقهم وتُجمَعَ نواصیهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار ويطرحون (١) كذا في الأصل و(م)، ومطبوع البحر المحيط ١٤٧/٨ والكلام منه، والصواب: ((دافع)) كما في مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٢/ ٦٩٠، والمحرر الوجيز ١٨٧/٥، والدر المصون ٦٥/١٠. (٢) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر، والصواب أن مكي قد ذكر دليل المنع في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٩٠، ولكن تعقبه السمين بقوله: وهذا كلام صحيح في نفسه إلا أنه ليس في الآية شيء من ذلك. (٣) ديوان الأعشى ص ١٠٥، والصحاح (مور)، والمحرر الوجيز ١٨٧/٥، ورواية الديوان: مرّ، بدل: مور. الآية : ١٤ - ١٥ ٧١ سُوَّةُ القُوْرِ فيها. وقرأ زيد بنُ عليٍّ والسلمي وأبو رجاء: ((يُدْعَون)) بسكون الدال وفتح العين(١) من الدعاء، فيكون ((دَعَا)) حالاً، أي: يُنادَون إليها مَدعُوعِين(٢). و(يوم)) إما بدلٌ من ((يوم تمور)) أو ظرفٌ لقولٍ مقدَّر محكيٍّ به قوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَِّى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ أي: فيقال لهم ذلك يومَ .. إلخ، ومعنى التكذيب بها تكذيبُهم بالوحي الناطق بها . وقوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرُ هَذَا﴾ توبيخٌ وتقريعٌ لهم حيث كانوا يسمُّونه سحراً، كأنَّه قيل: كنتُم تقولون للوحي الذي أنذركم بهذا: سحرٌ(٣)، أفهذا المصدِّقُ له سحرٌ أيضاً، وتقديمُ الخبر لأنَّه المقصودُ بالإنكار والمدارُ للتوبيخ. مْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ﴾ أي: أم أنتم عُمْيٌ عن المخبَر به كما كنتم في الدنيا عُمياً عن الخبر، والفاء مؤذنةٌ بما ذكر(٤)، وذلك لأنَّها لمَّا كانت تقتضي معطوفاً عليه يصحُّ ترتّبُ الجملة - أعني: ((سحرٌ هذا)) - عليه، وكانت هذه جملةً واردةً تقريعاً مثل: ((هذه النار)) إلخ لم يكن بدٌّ من تقدير ذلك على وجهٍ يصحُّ الترتُّب، ويكون مدلولاً عليه من السياق، فقُدِّر: كنتم تقولون .. إلى آخره، ودلَّ عليه قوله تعالى: (فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) وقوله سبحانه: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِ كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ). وفي ((الكشف)): إنَّ هذا نظيرُ ما تستدلُّ بحجَّةٍ فيقول الخصم: هذا باطلٌ. فتأتي بحجّة أوضحَ من الأول مسكتةٍ وتقول: أفباطل هذا؟! تُعيِّره بالإلزام وبأنّ(٥) مقالته الأُولَى كانت باطلةً، وفي مثله جاز أنْ يقدَّر القول على معنى: أفتقولُ: باطلٌ هذا، وأنْ لا يقدَّر لابتنائه على كلام الخصمِ وهذا أبلغُ. (١) المحرر الوجيز ١٨٧/٥، والبحر المحيط ١٤٧/٨. (٢) في هامش (م): الحال مقدرة لأن الدفع بعد الدعوة، وقيل: إنها مقارنة بإجراء قرب الوقوع مجرى المقارنة، وفيه نظر. (٣) في (م): سحراً. (٤) في الأصل: ذكرنا. (٥) في (م): بأن. سُؤَّةُ الْتُوْرِ ٧٢ الآية : ١٦ - ١٨ و(أم)) كما هو الظاهر منقطعةٌ، وفي ((البحر)): لمَّا قيل لهم: هذه النار وقفُوا على الجهتَين اللَّتَين يمكن منهما دخولُ الشكِّ في أنَّها النار، وهي إما أنْ يكون ثَمَّ سحرٌ يلبس ذاتَ المرئي، وإما أنْ يكون في ناظر الناظر اختلالٌ(١). والظاهرُ أنَّهُ جعل ((أم)) معادِلةً، والأول أبعدُ مغزّى. ﴿أَصْلَوْهَا فَأَصْبُوَاْ أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ أي: ادخلُوها وقاسُوا شدائدَها فافعلُوا ما شئتُم من الصبر وعدمه. ﴿سَوَآءُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: الأمران سواءٌ عليكم في عدم النفع، إذ كلٌّ لا يدفعُ العذاب ولا يخفّفُه، فـ ((سواء)» خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وصحَّ الإخبار به عن المثنَّى لأنَّه مصدرٌ في الأصل، وجوِّزَ كونُه مبتدأً محذوفَ الخبر وليس بذاك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوَنَ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تعليلٌ للاستواء؛ فإنَّ الجزاء حيثُ كان متحتِّمَ الوقوع لسَبْق الوعيد به وقضائه سبحانه إياه بمقتضى عدله كان الصبرُ وعدمُه مستويَين في عدم النفع. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعِرٍ (®﴾ شروعٌ في ذكر حال المؤمنين بعد ذكر حال الكافرين، كما هو عادةُ القرآن الجليل في الترهيب والترغيب، وجوِّز أنْ يكونَ من جملة المقول للكفار، إذ ذاك زيادةٌ في غَمِّهم وتنكيدهم، والأَوَّلُ أظهرُ، والتنوين في الموضعَين للتعظيم، أي: في جناتٍ عظيمة ونعيم عظيم، وجوِّز أنْ يكونَ للنوعية، أي: نوعٌ من الجنات ونوعٌ من النعيم مخصوصَين بهم، وكونُه عوضاً عن المضاف إليه، أي: جناتهم ونعيمهم، ليس بالقوي كما لا يخفَى. ﴿فَكِهِينَ﴾ متلذُّذِين ﴿يِمَآ ءَائَنُمْ رَبُّعُ﴾ من الإحسان، وقرئ: ((فَكِهِينَ)) بلا ألف(٢)، ونصبه في القراءتين على الحال من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرور، أعني ((في جنات)) الواقع خبراً لـ ((إنَّ)، وقرأ خالد: ((فاكهون)) بالرفع (٣) (١) البحر المحيط ١٤٨/٨. (٢) هي قراءة أبي جعفر كما في النشر ٢/ ٣٥٤. (٣) البحر المحيط ١٤٨/٨. الآية : ١٩ ٧٣ سُؤَدَّةُ الُوْرِ على أنَّه الخبر، و((في جنات)) متعلِّقٌ به، لكنَّه قُدِّم عليه للاهتمام، ومَن أجاز تعدُّد الخبر أجازَ أنْ يكونَ خبراً بعد خبر. ﴿وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ عطف على ((في جنات)) على تقدير كونه خبراً، كأنَّه قيل: استقروا في جنات وَوَقاهم ربُّهم .. إلخ، أو على ((آتاهم)) إنْ جعلت ((ما)) مصدرية، أي: فاكهين بإيتائهم ربُّهم ووقايتهم عذابَ الجحيم، ولم يجوِّز كثيرٌ عطفَهُ عليه إنْ جُعِلَت موصولةً إذ يكون التقدير: فاكهين بالذي وقاهم ربُّهم، فلا يكون راجعٌ إلى الموصول، وجوَّزه بعضٌ بتقدير الراجع، أي: وقاهم به، على أنَّ الباء للملابسة . وفي ((الكشف)): لم يحمل على حذف الراجع لكثرة الحذفِ، ولو دَرَج لصار الفعل من المتعدِّي إلى ثلاثة مفاعيل، وهو مسموعٌ عند بعضهم ولا يخفى أنَّه وجهٌ سديدٌ أيضاً، والمعنى عليه أسدُّ؛ لأنَّ الفكاهة تلذُّذُ يشتغل به صاحبُه، والتلذُّذ بالإيتاء يحتمل التجدُّد باعتبار تعدُّد المؤتَى، أما بالوقاية - أي: على تقدير المصدرية - فلا، وأقولُ: لعلَّه هو المنساقُ إلى الذهن. وجوِّز أنْ يكونَ حالاً بتقدير ((قد)) أو بدونه، إما من المستكنِّ في الخبر، أو في الحال، وإما مِن فاعل ((آتى))، أو من مفعوله، أو منهما. وإظهارُ الربِّ في موقع الإضمار مضافاً إلى ضميرهم للتشريف والتعليل. وقرأ أبو حيوة: ((وقَّاهم)) بتشديد القاف(١). ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَثًا﴾ أي: يقال لهم: كلوا واشربوا أكلاً وشُرباً هنيئاً، أو: طعاماً وشراباً هنيئاً، فالكلام بتقدير القول، و((هنيئاً)) نصب على المصدرية، لأنَّه صفة مصدر، أو على أنَّه مفعول به، وأيَّاما كان فقد تنازعَه الفعلان، والهَنِيُ كلُّ ما لا يلحقُ فيه مشقّة ولا يُعقِبُ وخامة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بسببه أو بمقابلته، والباء عليهما متعلُّقٌ بـ ((كلوا (١) المحرر الوجيز ١٨٨/٥، والبحر المحيط ١٤٨/٨. سُوَّةُ الْتُوْر ٧٤ الآية : ٢٠ واشربوا)) على التنازع، وجوَّز الزمخشريُّ كونَها زائدةً، وما بعدها فاعل ((هنيئاً))(١) کما في قول گُثیِّر : هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخامرٍ لعزَّةَ من أعراضنا ما استحلَّتِ (٢) فإنَّ ((ما)) فيه فاعل ((هنيئاً)) على أنَّه صفة في الأصل بمعنى المصدر المحذوف فعلُه وجوباً لكثرة الاستعمال، كأنَّه قيل: هَنُؤَ لعزَّة المستحَلُّ مِن أعراضنا، وحينئذٍ كما يجوزُ أنْ يجعل ((ما)) هنا فاعلاً على زيادة الباء على معنى: هنأكم ما كنتُم تعملون، يجوز أنْ يجعل الفاعلُ مضمَراً راجعاً إلى الأكل أو الشرب المدلولِ عليه بفعله . وفيه أنَّ الزيادةَ في الفاعل لم تثبت سماعاً في السعة في غير فاعل كَفَى (٣) على خلافٍ، ولا هي قياسيةٌ في مثل هذا، ومع ذلك يحتاجُ الكلام إلى تقدير مضافٍ، أي: جزاء ما كنتمُ .. إلخ، وفيه نوعُ تكلُّفٍ. ﴿مُتَّكِينَ﴾ نصب على الحال قال أبو البقاء: من الضمير في ((كلوا)) أو في ((وقاهم)) أو في ((آتاهم) أو في ((فاكهين)) أو في الظرف يعني ((في جنات))(٤)، واستظهرَ أبو حيان الأخيرَ(٥). ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ جمع سرير، معروف، ويُجمَع على أسرَّة، وهو من السرور إذ كان لأُولي النعمة، وتسميةُ سرير الميت به للتفاؤل بالسرور الذي يلحَقُ الميت برجوعه إلى جوار الله تعالى وخلاصِهِ من سجن الدنيا . (١) الكشاف ٤/ ٢٤. (٢) ديوان كثير ص ٧٨، قوله: مخامر، أي: مخالط. اللسان (خمر). (٣) جاء في هامش الأصل: قيل قد سمعت الزيادة في غير فاعل كفى كما في قوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد ولا يخفى أنه لا يضر. انتهى. (٤) إملاء ما من به الرحمن ٤/ ٣٥٤. (٥) البحر المحيط ١٤٨/٨. الآية : ٢١ ٧٥ سُورَةُ القُوْرِ وقرأ أبو السمال: ((سُرَر)» بفتح الراء (١)، وهي لغةٌ لكلبٍ في المضعَّف فراراً من توالي ضمَّتَين مع التضعيف. ﴿َضْغُوفَّةٍ﴾ مجعولة على صفٍّ وخطٌّ مُستوٍ ﴿وَزَّحْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قرنًّاهم بهنَّ، قاله الراغب ثم قال: ولم يجىء في القرآن: زوَّجناهم حوراً، كما يقال: زوَّجته امرأةً، تنبيهاً على أنَّ ذلك لا يكونُ على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة(٢)، وقال الفراء: تزوجتُ بامرأة، لغةُ أَزْدِ شَنُوءة(٣). والمشهورُ أنَّ التزوُّج متعدٍّ إلى مفعول واحدٍ بنفسه، والتزويجَ متعدٍّ بنفسه إلى مفعولَين، وقيل فيما هنا: إنَّ الباء لتضمين الفعل معنى القِران أو الإلصاق. واعترض بأنَّه يقتضي معنى التزويج بالعقد، وهو لا يُناسبُ المقام، إذ العقدُ لا يكون في الجنة؛ لأنَّها ليست دارَ تكليفٍ، أو أنَّها للسببية والتزويجُ ليس بمعنى الإنكاح، بل بمعنی تصییرهم زوجين زوجین، أي: صیّرناهم كذلك بسبب حودٍ عین. وقرأ عكرمة: ((بحورِ عينٍ)) (٤) على إضافةِ الموصوف إلى صفتِهِ بالتأويل المشهور. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلخ كلام مستأنفٌ مسوقٌ لبيان حال طائفةٍ من أهل الجنة إِثْرَ بيان حال الكلِّ، وهم الذين شاركتهم ذريتُهم في الإيمان، والموصولُ مبتدأُ خبرُه ((ألحقنا بهم))، وقوله تعالى: ﴿وََّنْهُمْ ذُرِّيَّهُهُمْ﴾ عطف على (آمنوا))، وقيل اعتراضٌ للتعليل، وقوله تعالى: ﴿بِيمَنٍ﴾ متعلِّقٌ بالاتِّباع، أي: اتَّبَعَتهم ذريّتُهم بإيمان في الجملة، قاصرٍ عن رُتبة إيمانِ الآباء، إما بنفسه بناءً على تفاوت مراتبٍ نفس الإيمان، وإما باعتبار عدم انضمامٍ أعمالٍ مثلٍ أعمال الآباء إليه، واعتبارُ هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالةً لا إلحاقاً. (١) المحرر الوجيز ١٨٨/٥، والبحر المحيط ١٤٨/٨. (٢) مفردات الراغب (زوج). (٣) تهذيب اللغة للأزهري ١٥٢/١١، وحاشية الشهاب ١٠٣/٨. (٤) القراءات الشاذة ص ١٤٦، والبحر المحيط ١٤٦/٨. ٩ سُورَةُ الْتُور ٧٦ الآية : ٢١ وقيل(١): هو حالٌ من الذرية، وقيل: من الضمير، وتنوينُه للتعظيم. وقيل: منهما وتنوينُه للتنكير، والمعوَّل عليه ما قدَّمنا. ﴿اَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ في الدرجة؛ أخرج سعيد بن منصور وهنَّاد وابن جرير وابن .. المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في ((سننه)) عن ابن عباس قال: إنَّ الله تعالى ليرفَعُ ذريَّةَ المؤمن معه في درجته في الجنة، وإنْ كانوا دونَه في العمل، لتقرَّ بهم عينُه، ثم قرأ الآية(٢). وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعاً إلى النبي ◌ََّ(٣)، وفي رواية ابن مردويه والطبراني عنه أنَّه قال: إنَّ النبي ◌ِّر قال: ((إذا دَخَل الرجلُ الجنةَ سألَ عن أبويه وزوجتِهِ وولده فيقال له: إنَّهم لم يَبلُغُوا درجَتك وعملَك. فيقول: يا ربِّ قد عملتُ لي ولهم، فيؤمَرُ بإلحاقهم به) وقرأ ابن عباس الآية (٤). وظاهرُ الأخبار أنَّ المراد بإلحاقهم بهم إسكانُهم معهم لا مجرَّدُ رَفْعهم إليهم واتِّصالهم بهم أحياناً ولو للزيارة. وثبوت ذلك على العموم لا يبعد من فضل الله عز وجل، وما قيل: لعلَّه مخصوصٌ ببعضٍ دون بعض، تحجيرٌ لإحسانه الواسع جل شأنه، وقد يُستأنَسُ للتخصيص بما روي عن ابن عباس: أنَّ الذين آمنوا المهاجرون والأنصار، والذرية التابعون. لكنْ لا أظنُّ صحته. ﴿وَمَّ أَنْتَهُمْ﴾ أي: وما نقصنا الآباء بهذا الإلحاقِ ﴿مِّنْ عَمَلِهِر﴾ أي: من ثواب عملهم ﴿مِنْ شٌََّ﴾ أي: شيئاً بأنْ أعطينا بعضَ مثوباتهم أبناءَهم فتنقصُ مثوباتهم وتنحظُ درجتُهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضُّلِ والإحسان. (١) في (م): قيل. (٢) الزهد لهناد (١٧٩)، وتفسير الطبري ٥٧٩/٢١، والمستدرك ٤٦٨/٢، وسنن البيهقي ٢٦٨/١٠، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١١٩/٦. (٣) مسند البزار (٢٢٦٠ - كشف)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١١٩/٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١١٤ : وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وفيه ضعف. (٤) المعجم الكبير (١٢٢٤٨)، والمعجم الصغير (٦٤٠)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١١٩/٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١١٤: وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان وهو ضعيف. الآية : ٢١ ٧٧ سُوَّةُ القُور وقال ابن زيد: الضميرُ عائدٌ على الأبناء، أي: وما نقصنا الأبناء الملحَقِين من جزاء عملهم الحسنِ والقبيح شيئاً، بل فعلنا ذلك بهم بعدَ مجازاتهم بأعمالهم كَمَلاً. وليس بشيء وإنْ قال أبو حيان: يُحسِّنُ هذا الاحتمال قوله تعالى: (كُلُّ أفريچ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(١). وإلى الأول ذهب ابن عباس وابن جبير والجمهور، والآية على ما ذهب إليه المعظم في الكبار من الذرية، وقال منذر بن سعيد: هي في الصغار. ورُوي عن الحبر والضحاك أنَّهما قالا: إنَّ الله تعالى يُلحقُ الأبناء الصغار وإنْ لم يبلُغُوا زمن الإيمان بآبائهم المؤمنين، وجعل ((بإيمانٍ)) عليه متعلِّقاً بـ ((ألحقنا))، أي: ألحقنا بسبب إيمانِ الآباء بهم ذريَّتَهم الصغار الذين ماتوا ولم يبلُغُوا التكليفَ، فهم في الجنة مع آبائهم قيل: وكأنَّ مَن يقول بذلك يفسِّر ((اتَّبعتهم ذريتُهم)» بـ : ماتوا ودَرَجوا على أثرهم قبل أنْ يبلُغُوا الحُلُم. وجوِّز أنْ يتعلَّق ((بإيمان)) بـ ((اتَّبعتهم)) على معنى: اتَّبعوهم بهذا الوصف بأنّ حُكِمَ لهم به تبعاً لآبائهم، فكانوا مؤمنين حُكماً لصغرهم وإيمانٍ آبائهم، والصغيرُ يُحكم بإيمانه تبعاً لأحد أبويه المؤمنِ. والكلُّ كما ترى. وقيل: الموصولُ معطوفٌ على ((حور)»، والمعنى: قرنَّاهم بالحور وبالذين آمنوا، أي: بالرُّفقاء والجُلَساء منهم، فيتمثَّعون تارةً بملاعبة الحور، وأخرى بمؤانسة الإخوان المؤمنين، وقوله تعالى: (وَّعَنْهُمْ) عطف على ((زوَّجناهم))، وقولُه سبحانه: (بِمَنٍ) متعلِّق بما بعده، أي: بسبب إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ، وهو إيمانُ الآباء، ألحقنا بدرجاتهم ذريّتَهم وإنْ كانوا لا يستأهلُونها، تفضُّلاً عليهم وعلى آبائهم ليتمَّ سرورُهم ويكمُلَ نعيمُهم، أو بسبب إيمانٍ داني المنزلة، وهو إيمانُ الذرية، كأنَّه قيل: بشيءٍ من الإيمان لا يؤهِّلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم. (١) البحر المحيط ١٤٩/٨. سُورَةُ الْتُوْرِ ٧٨ الآية : ٢١ وصنيعُ الزمخشريِّ ظاهرٌ في اختيار العطف على ((حور)) فقد ذكره وجهاً أول(١). وتعقّبه أبو حيان بأنَّه لا يَتخيَّلُ ذلك أحدٌ غيرُ هذا الرجل، وهو تخيُّلُ أعجميٍّ مخالفٌ لفَهْم العربي القحِّ كابن عباس وغيره(٢). وقيل عليه: إنَّه تعصُّبٌ منه، والإنصافُ أنَّ المتبادر الاستئنافُ، وأنَّ أحسنَ الأوجه في الآية وأوفقَهُ للمقام ما تقدَّم. وقرأ أبو عمرو: ((وأَتْبعناهم)) بقطع الهمزة وفتحها، وإسكان التاء، ونون بعد العين وألف بعدها(٣)، أي: جعلناهم تابعين لهم في الإيمان، وقرأ أيضاً: ((ذرياتهم)) جمعاً نصباً (٤). وابن عامر كذلك رفعاً (٥)، وقرئ: ((ذِرياتهم)) بكسر الذال(٦). ((وأتبعتُهم ذريتهم)) بتاء الفاعل ونصب ((ذريتهم)) على المفعولية(٧). وقرأ الحسن وابن كثير: ((ألِتناهم)) بكسر اللام(٨) من أَلِتَ يألَتُ كعَلِمَ يعلَم، وعلى قراءة الجمهور من باب ضَرَب يَضْرِب. وابن هرمز: ((آلتناهم)) بالمدٍّ من آلَتَ يُؤلِتُ(٩)، وابن مسعود وأبيّ: ((لِتْنَاهم)) من لات يليتُ، وهي قراءة طلحة والأعمش، ورُويَت عن شبل وابن كثير، وعن طلحة والأعمش أيضاً: (لَتناهم)) بفتح اللام(١٠)، قال سهل: لا يجوزُ فتحُ اللام من غير ألفٍ بحال، وأنكَرَ أيضاً (لتناهم)) بالمدِّ، وقال: لا يُروَى عن أحدٍ ولا يدلُّ عليه تفسيرٌ ولا عربية (١١). (١) الكشاف ٤/ ٢٤. (٢) البحر المحيط ١٤٩/٨. (٣) التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢. (٤) التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢، وقرأ بها أيضاً يعقوب. (٥) التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢. (٦) الكشاف ٤/ ٢٤. (٧) الكشاف ٤/ ٢٤. (٨) ذكرها عنهما أبو حيان في البحر المحيط ١٤٩/٨، وقراءة ابن كثير في التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢. (٩) القراءات الشاذة ص ١٤٦، والبحر المحيط ١٤٩/٨. (١٠) القراءات الشاذة ص ١٤٦، والمحتسب ٢/ ٢٩٠، والبحر المحيط ١٤٩/٨. (١١) البحر المحيط ١٤٩/٨. الآية : ٢١ ٧٩ سِوَرَّةُ الْتُوْر وليس كما قال، بل نَقَل أهلُ اللغة آلت بالمدِّ كما قرأ هرمز. وقرئ: (ما وَلَتْناهم))(١) من وَلَتِ يَلِتُ، ومعنى الكلِّ واحد، وجاء أَلَتَ بمعنى غلُظ، يُروَى أنَّ رجلاً قام إلى عمر ظُهُ فوعَظَه فقال: لا تَأْلِت على أمير المؤمنين، أي: لا تُغلِظ عليه(٢). ﴿كُلُّ أَتْرِيٍ بِمَا كَسَبَ﴾ أي: بكسبه وعمله ﴿رَمِينٌ ﴾﴾ أي: مرهون عند الله كأنَّ الكسبَ بمنزلة الدَّين، ونفسَ العبد بمنزلة الرهن، ولا ينفكُّ الرهنُ ما لم يُؤَدَّ الدين، فإنْ كان العمل صالحاً فقد أدَّى؛ لأنَّ العمل الصالح يقبله ربُّه سبحانه ويصعدُ إليه عز وجل، وإنْ كان غير ذلك فلا أداء فلا خلاصَ، إذ لا يصعدُ إليه سبحانه غيرُ إِلَّ أَضْحَبَ آلِمِينِ﴾ ٣٨ الظّيِّب، ولذا قال جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَمِينَةُ [المدثر: ٣٨-٣٩]، فإنَّ المرادَ: كلُّ نفسٍ رهنٌ بكسبها عند الله تعالى غير مفكوكٍ إلا أصحاب اليمين، فإنَّهم فَكُّوا عنه رقابَهم بما أطابوه من كسبهم. ووجهُ الاتصال على هذا أنَّه سبحانه لمَّا ذكر حالَ المتقين، وأنَّه عز وجل وَفَّر عليهم ما أعدَّه لهم من الثواب والتفضُّل، عقّب بذلك الكلام ليدلَّ على أنَّهم فُوا رقابهم وخلَّصوها، وغيرُهم بقي معذَّباً لأنَّه لم يَقُكَّ رقبته، وكان موضعُه من حيث الظاهرُ أنْ يكونَ عقيب قوله تعالى: (هُوَ أَلْبُرُّ الرَّحِيمُ) ليكونَ كلاماً راجعاً إلى حال الفريقَين: المدعُوعِين والمتقين، وإنما جعل متخلِّلاً بين أجزية المتقين عقيب ذكر توفيرٍ ما أعدَّ لهم؛ قال في ((الكشف)): ليدلَّ على أنَّ الخلاص من بعضٍ أجزيتهم أيضاً، ويلزمُ أنَّ عدمَ الخلاص جزاءُ المقابلين من طريق الإيماء، وموقعه موقع(٣) الاعتراض تحقيقاً لتوفير ما عدَّد؛ لأنَّه إنما يكونُ بعدَ الخلاص، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ إلحاقَ الأبناء إنما كان تفضُّلاً على الآباء لا على الأبناء ابتداءً؛ لأنَّ التفضُّل فرعُ الفكِّ، وهؤلاء هم الذين فُوا فاستحقُّوا التفضُّل، وجعلُه استئنافاً بيانياً لهذا المعنى كما فعل الطيبي بعيدٌ. (١) الكشاف ٢٤/٤، والنشر ٣٧٧/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ١٤٦، والبحر المحيط ١٤٩/٨. (٣) في (م): وقع. سُورَةُ الْتُورِ ٨٠ الآية : ٢٢ - ٢٣ وقيل: ((رهينٌ)) فعيلٌ بمعنى الفاعل، والمعنى: كلُّ امرئ بما كسب راهن، أي: دائمٌ ثابت؛ وفي ((الإرشاد)»: أنَّه أنسبُ بالمقام، فإنَّ الدوام يقتضي عدمَ المفارقة بين المرء وعملِهِ، ومِن ضرورته أنْ لا ينقُصَ من ثواب الآباء شيءٌ، فالجملةُ تعليلٌ لِمَا قبلها (١). وأنت تعلم أنَّ فعيلاً بمعنى المفعول أسرعُ تبادراً إلى الذهن، فاعتبارُه أَولَى، ووجهُ الاتصال عليه أوفقُ وألطفُ كما لا يخفى. ﴿﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (﴾﴾ أي: وزدناهم على ما كان لهم من مبادي التنعُّم وقتاً فوقتاً ((مما يشتهون)) من فنون النَّعماء وألوان الآلاء، وأصلُ المدِّ الجرُّ، ومنه المدةُ للوقت الممتدِّ، ثم شاعَ في الزيادة، وغَلَب الإمداد في المحبوب، والمدّ في المكروه، وكونُه وقتاً بعد وقتٍ [من](٢) مفهوم المدِّ نفسِه. ﴿يَّعُونَ فِهَا كَأْسًا﴾ أي: يتجاذبونها في الجنة هم وجلساؤهم تجاذُبَ ملاعبةٍ، كما يفعل ذلك النَّدامَى بينهم في الدنيا لشدَّة سرورهم؛ قال الأخطل(٣): صاحَ الدجاجُ وحانَت وقعةُ الساري نازعتُه طيِّبَ الرَّاحِ الشَّمولِ وقد وقيل: التنازعُ مجازٌ عن التعاطي، والكأسُ مؤنَّثُ سماعيٌّ كالخمر، ولا تسمَّى كأساً على المشهور إلا إذا امتلأت خمراً، أو كانت قريبةً من الامتلاء، وقد تُطلَقُ على الخمر نفسِها مجازاً لعلاقة المجاورة. وقال الراغب: الكأسُ: الإناء بما فيه من الشراب، ويسمَّى كلُّ واحدٍ منهما بانفراده كأساً (٤). وفسَّرها بعضُهم هنا بالإناء بما فيه من الخمر، وبعضُهم بالخمر، والأولُ أوفقُ بالتجاذب، والثاني بقوله سبحانه: ﴿لَّا لَغْوٌ فِهَا﴾ أي: في شُرْبها، حيث لا يتكلَّمون في أثناء الشرب بلغو الحديثِ وسقطِ الكلام ﴿وَلَا تَأْثِرٌ﴾ ولا يفعلون ما يؤثّم به (١) إرشاد العقل السليم ١٤٩/٨. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ١٠٥/٨. (٣) ديوانه ص ١١٦ . (٤) مفردات الراغب (كأس).