Indexed OCR Text

Pages 321-340

التفسير الإشاري (١-٢٩)
٣٢١
سُورَةُ الفَتّى
وأخرج ابن مردويه، والقاضي أحمد بن محمد الزهري في ((فضائل الخلفاء
الأربعة)) والشيرازي في ((الألقاب)) عن ابن عباس: ((محمد رسول الله والذين معه))
أبو بكر، ((أشداء على الكفار)) عمر، ((رحماء بينهم)) عثمان، ((تراهم ركعاً سجداً))
علي كرم الله تعالى وجهه، ((يبتغون فضلاً من الله ورضوانا)) طلحة والزبير، ((سيماهم
في وجوههم من أثر السجود)» عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عُبيدة بن
الجراح، ((ومثلهم في الإنجيل كَزَرْعٍ أَخرجَ شطأه فآزره)) بأبي بكر، ((فاستغلظ)» بعمر،
((فاستوى على سوقه)» بعثمان، ((يُعجب الزُّرَّاع ليغيظ بهم الكفار)» بعليٍّ كرم الله تعالى
وجهه، ((وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) جميع أصحاب محمد وَليٍّ(١).
وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه ظه أيضاً في قوله تعالى:
(كزرع)) قال: أصلُ الزرع عبد المطلب، ((أخرج شطأه)) محمد قرَّر، ((فآزره))
بأبي بكر، ((فاستغلظ)) بعمر، ((فاستوى على سوقه)) بعثمان، ((ليغيظ بهم الكفار))
بعليٍّ ◌ُ(٢).
وكلُّ هذه الأخبار لم تصحَّ فيما أرى، ولا ينبغي تخريجُ ما في الآية عليها،
وأعتقد أن لكلِّ من الخلفاء ظُمِ الحظّ الأوفى مما تضمَّنته، ومتى أُريد بالزرع النبيُّ
عليه الصلاة والسلام كان حظّ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه من شطئه أوفى من حظٌ
سائر الخلفاء ظه، ولعلَّ مُؤازرته ومُعاونته البدنية بقتل كثيرٍ من الكفرة أعدائه عليه
الصلاة والسلام أكثرُ من مُؤازرةٍ غيره من الخُلفاء أيضاً، ومع هذا لا ينخدشُ
ما ذهب إليه محقِّقو أهل السنة والجماعة في مسألة التفضيل كما لا يخفى على النبيه
النبيل، فتأمَّل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ومن باب الإشارة في بعض الآيات: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْعًا غُبِينًا﴾ يُشير عندهم
إلى فتح مكةِ العَماء بإدخال الأعيان الثابتة ظاهرة بنور الوجود فيها، أي:
(١) الدر المنثور ٨٣/٦.
(٢) المصدر السابق.

سُورَةُ الفَتح
٣٢٢
التفسير الإشاري (١-٢٩)
إظهارها للعيان لأجله عليه الصلاة والسلام، على أنَّ لام ((لك)) للتعليل،
وحاصِلُه: أَظهرنا العالمَ لأجلك، وهو في معنى ما يَروونه من قوله سبحانه:
(لولاك لولاك ما خلقتُ الأفلاك))(١). وقيل: يُشير إلى فتح باب قلبه عليه
الصلاة والسلام إلى حَضْرة ربوبيته عز وجل بتجلِّي صفات جماله وجلاله، وفتح
ما انغلقَ على جميع القلوب من الأسرار، وتفصيل شرائع الإسلام وغير ذلك
من فتوحات قلبه لقد .
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ليستر وجودَك في جميع الأزمنة بوجوده
جلَّ وعلا ﴿وَيُنَِّّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإثبات جميع حسنات العالم في صحيفتك، إذ كنتَ
العِلَّةَ في إظهاره ﴿وَهْدِيَكَ سِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ بدعوة الخَلْق على وجه الجمع والفرق
﴿وَصُرَكَ اَللَّهُ﴾ على النفوس الأمَّارة ممن تدعوهم إلى الحقّ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قلَّما يُشبهه
نصرٌ. ومن هنا كان ◌َّ رُ أكثرَ الأنبياء عليهم السلام تبعاً، وكان علماءُ أمته كأنبياء
بني إسرائيل، إلى غير ذلك مما حصل لأمته بواسطة تربيته عليه الصلاة والسلام
لهم، وإفاضة الأنوار والأسرار على نفوسهم وأرواحهم. والمرادُ: ليجمع لك هذه
الأمور، فلا تغفل.
﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فسَّروها بشيء يجمع نوراً وقوة وروحاً
بحيث يسكنُ إليه ويتسلَّى به الحزين والضَّجِر، ويحدثُ عنده القيام بالخِدمة
ومحاسبة النفس وملاطفة الخَلْق ومراقبة الحقّ والرِّضا بالقسم والمنع من الشطح
الفاحش. وقالوا: لا تنزلُ السكينةُ إلا في قلب نبيٍّ أو وَليٍّ ﴿لِزْدَادُوَاْ إِيمَانًا فَعَ
إِيمَنِهِمْ﴾ فيحصل لهم الإيمان العِياني والإيمان الاستدلالي البرهاني.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾ على جميع المخلوقات إذ كنتَ أول مخلوق(٢)، ومِن هنا
أحاط علماً بما لم يُحِظ به غيره من المخلوقات، لأنه عليه الصلاة والسلام
(١) وهو حديث موضوع، ذكره الصغاني في موضوعاته (٧٨).
(٢) هذا كلام صوفي مستنده عندهم حديث: أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر. وهو حديث
موضوع، ثم إنه قد ثبت أن أول ما خلق الله القلم، كما في حديث عبادة بن الصامت
الذي أخرجه أحمد (٢٢٧٠٧).

التفسير الإشاري (١-٢٩)
٣٢٣
سُؤَدَّةُ الفَتى
شاهد خَلْقَ جميعها، ومِن هذا المقام قال عليه الصلاة والسلام: ((كنتُ نبيًّا وآدمُ
بين الروح والجسد))(١).
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ إِذْ كنتَ أعلمَ الخَلْق بصفات الجمال والجلال.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ يُشير عندهم إلى كمال فَناء وجودهاَيه
وبقائه بالله عز وجل، وأيِّد ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ .
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ المتخلِّفون عن السير إلى قتالِ الأنفس الأمَّارة ﴿مِنَ
اَلْأَعْرَابِ﴾ من سكان بوادي الطبيعة ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَلْنَا وَأَهْلُوْنَا﴾ العوائق والعلائق
﴿فَأَسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ اطلب من الله عز وجل ستر ذلك عنا ليتأتى لنا السير ﴿يَقُولُونَ
بأَلْسِنَتِهِمِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لتمكُّن حُبِّ ذلك في قلوبهم وعدم استعدادهم لدخول
غيره فيها :
وخاضوا بحار الحبِّ دعوى فما ابتلّوا(٢)
رَضُوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْسًا﴾ أي: إنَّ
هاتيك العوائق والعلائق لا تُجديكم شيئاً ﴿بَلْ كَانَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِرًا﴾ فَيُجازيكم
عليها حسبما تقتضي الحِكْمة.
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن ◌َّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ بل حَسِبتم أن لا يرجع العقلُ
والقوى الروحانية من السالكين السائرين إلى جهاد النفس وطلب مغانم التجلِّيات
والأنس إلى ما كانوا عليه من إدراك المصالح وتدبير حال المعاش وما تقتضيه هذه
النشأة ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَرَنَّ السَّوْءِ﴾ بالله تعالى وشؤونه عز وجل ﴿وَكُنتُمْ﴾ في نفس الأمر
﴿قَوْمَا بُورًا﴾ هالكين في مهالك الطبيعة وسوء الاستعداد.
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَفْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ وهي مغانمُ التجلِّيات
ومواهب الحقِّ لأرباب الحَضَراتِ ﴿ذَرُونَا نَّعْكُمْ﴾ دعونا نَسْلُكُ مَسْلَكَكم لننالَ
(١) أخرجه الترمذي (٣٦٠٩) من حديث أبي هريرة له ولفظه: قالوا: يا رسول الله، متى
وجبت لك النبوة، قال: ((وآدم بين الروح والجسد)).
(٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٣٤.

سُورَةُ الفَتح
٣٢٤
التفسير الإشاري (١-٢٩)
مَنَالَكُمْ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُوْ كَمَ اللهِ﴾ في حقُّهم من حِرمانهم المغانمَ لسوء
استعدادهم ﴿قُل لَّن تَشَّعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ﴾ حَكَمْ وَقَضَى ﴿مِن قَبْلٌ﴾ إذ كنتم في
عالم الأعيان الثابتة ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ منكرين لذلك ﴿بَلْ تَحْشُدُونَنَا﴾، ولهذا تمنعوننا عن
الاتباع ﴿بَلْ كَانُوْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ولذلك نسبوا الحسد - وهو من أقبحٍ
الصِّفات - إلى ذوي النفوس القدسية المطهرة عن جميع الصفات الردية.
﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ﴾ ولا تُتْركون سُدى ﴿إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيرٍ﴾
وهم النفس وقواها ﴿نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ﴾ ينقادون لحكم رسول العقل المُنزَّه عن
شوائب الوهم ﴿فَإِنِ تُطِيعُواْ﴾ الداعي ﴿يُؤْتِكُمُ الَّهُ أَجْراً حَسَنًا﴾ من أنواع المعارف
والتجلِّيات ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو عذاب الحرمان
والحجاب.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ وهو مَنْ لم يَر في الدار غيره دياراً ﴿حَرَجٌ﴾ في ترك السلوك
والجهاد المطلوب منكم، لأنه وراء ذلك ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ﴾، وهو مَن فَقَد شيخاً
كاملاً سالماً عن عيبٍ في كيفية التسليك والإيصال ﴿حَرَجٌ﴾ في ترك السلوك أيضاً،
وهو إشارة إلى ما قالوا من أنَّ تركَ السلوك خيرٌ من السلوك على يدِ ناقص ﴿وَلَا عَلَى
الْمَرِيضِ﴾ بمرض العِشْق والهيام ﴿حَرَجُ﴾ في ذاك أيضاً لأنه مجذوبٌ، والجذبة خيرٌ
من السلوك.
﴿لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يُشير إلى المعاهدين
على القتلِ بسيف المجاهدة تحت سَمُرَةِ الانفرادِ عن الأهل والمال، ويقال في أكثرٍ
الآيات الآتية نحو هذا.
﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ الَّهِ وَلَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أعداءِ الله عز وجل في مقام الفرق
﴿رُجَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ لقوة مناسبة بعضهم بعضاً، فهم جامعون لصفتي الجَلال والجمال
﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ له عز وجل، وعدمِ السجود لشيء من الدنيا
والأخرى، وتلك السِّيما خلعُ الأنوار الإلهية، قال عامر بن عبد قيس: كاد وجهُ
المؤمن يُخبِر عن مكنون عمله، وكذلك وجه الكافر.

التفسير الإشاري (١-٢٩)
٣٢٥
سُورَةُ الفَتى
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ ستراً لصفاتهم بصفاته عز
وجل ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو أن يتجلَّى سبحانه لهم بأعظم تجلِّياته، إلا فكلُّ شيء
دونه جل جلاله ليس بعظيم، وسبحانه مِن إلهٍ رحيمٍ ومَلِكِ کریم.

سُورَةُ الدُّعُرَانِ
مدنيةٌ كما قال الحسن وقتادة وعكرمة وغيرهم، وفي ((مجمع البيان)) عن ابن
عباس: إلا آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْثَى﴾ [الآية: ١٣](١).
ولعلَّ من يعتبر ما أخرجه الحاكم في ((مستدركه))، والبيهقي في ((الدلائل))،
والبزار في ((مسنده))، من طريق الأعمش عن علقمة عن عبد الله قال: ما كان (يَأَيّها
الَّذِينَ ءَامَنُواأ) أُنزل بالمدينة، وما كان (يَأَيُّهَا النَّاسُ) فبمكة(٢) = يقول بمكِّيةِ ما استثني،
والحقُّ أنَّ هذا ليس بمطَّرد. وذكر الخفاجي(٣) أنها في قول شاذٌّ مكيةٌ.
وهي ثماني عشرةَ آية بالإجماع.
ولا يخفى تواخيها مع ما قبلها لكونهما مدنيتين ومُشتملتين على أحكامٍ، وتلك
فيها قتالُ الكُفَّار، وهذه فيها قتالُ البغاة، وتلك خُتمت بالذين آمنوا، وهذه افتُتِحَتْ
بالذين آمنوا، وتلك تَضَمَّنت تشريفاتٍ له وَ﴿ خصوصاً مَطْلعها، وهذه أيضاً في
مَظْلعها أنواعٌ من التشريف له عليه الصلاة والسلام، وفي ((البحر))(٤): مناسبتها
لآخرِ ما قبلَها ظاهرٌ؛ لأنه عز وجل ذكر رسولَ الله وَله وأصحابه، ثم قال سبحانه:
﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ إلخ [الفتح: ٢٩] فربمًا صدر من المؤمن عامِلٍ
الصالحات بعضُ شيء مما ينبغي أن ينهى عنه، فقال جل وعلا تعليماً للمؤمنين
وتهذيباً لهم :
(١) مجمع البيان ٨١/٢٦.
(٢) المستدرك ١٨/٣، ودلائل النبوة ١٤٤/٧، والبزار (١٥٣١).
(٣) حاشية الشهاب ٨/ ٧١.
(٤) البحر المحيط ١٠٥/٨.

الآية : ١
٣٢٧
سُورَةُ الدُّجُرَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِ،﴾ وتصديرُ الخِطاب بالنداء لتنبيهِ
المُخاطبين على أنَّ ما في حيِّزه أمرٌ خطير يستدعي مزيد اعتنائهم وفرط اهتمامهم
بتلقِّيه ومُراعاته، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داعٍ للمحافظة عليه
ورادٌ(١) عن الإخلال به.
و((تقدِّموا)) من قدَّم المتعدِّي، ومعناه: جعل الشيء قادماً، أي: متقدِّماً على
غيره، وكان مقتضاه أنْ يتعدَّى إلى مفعولين، لكن الأكثر في الاستعمال تعديته إلى
الثاني بـ ((على))، تقول: قدَّمت فلاناً على فلان، وهو هنا مُحتمِلٌ احتمالين:
الأول: أن يكون مفعولُه نسيًا، والقَصْد فيه إلى نفس الفعل، وهو التقديمُ من غير
اعتبار تعلُّقه بأمرٍ من الأمور ولا نظر إلى أن المُقدَّم ماذا هو، على طريقة قوله
تعالى: ﴿هُوَ يُحِ وَيُمِيثٌ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقولِهم: يُعطي ويمنع، فالمعنى:
لا تفعلوا التقديمَ ولا تتلبّسوا به، ولا تجعلوه منكم بسبيل. والثاني: أن يكونَ قد
حُذِفَ مفعولُه قصداً إلى تعميمه، لأنه لاحتماله لأمور لو قُدِّر أحدُها كان ترجيحاً
بلا مُرجِّح يقدّر أمراً عامًا لأنه أفيدُ مع الاختصار، فالمعنى: لا تُقدِّموا أمراً من
الأمور. والأول - قيل -: أوفى بحقِّ المقام لإفادته النهي عن التلبُّس بنفس الفعل
المُوجب لانتفائه بالكُلِّيَّة المستلزم لانتفاء تعلُّقه بمفعوله بالطريق البرهاني، ورُجُّحَ
الثاني بأنه أكثرُ استعمالاً، وبأنَّ في الأول تنزيلَ المُتعدِّي منزلةَ اللازم، وهو خلافُ
الأصل، والثاني سالمٌ منه، والحذفُ وإنْ كان خلافَ الأصل أيضاً أهونُ من
التنزيل المذكور لِكَثْرته بالنسبة إليه، وبعضُهم لم يُفرِّق بينهما لتعارضِ الترجيحِ عنده
وكونٍ مآل المعنى عليهما العموم المناسب للمقام.
وذكر أن في الكلام تجوُّزين: أحدهما في ((بين)) إلخ، فإنَّ حقيقةَ قولهم: بين
يدي فلان، ما بين العضوين، فتجوِّز بذلك عن الجهتين المسامِتَتَيْن ليمينه وشماله
(١) في الأصل: وداع.

الآية : ١
٣٢٨
سُورَةُ الزُّعُرَانِ
قريباً منه بإطلاق اليدين على ما يُجاورهما ويُحاذيهما، فهو من المَجاز المُرْسَل.
ثانيهما: استعارةُ الجملة - وهي التقدُّم بين اليدين - استعارةً تمثيليةً للقطع بالحُكم
بلا اقتداء، ومُتابعة لمن يلزم مُتابعته تصويراً لهجنته وشناعته بصورة المحسوس فيما
نُهوا عنه، كتقدُّم الخادم بين يدي سيِّده في مسيره(١) حيث لا مصلحة، فالمراد من:
(لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)): لا تقطعوا أمراً وتجزِموا به وتجترؤوا على
ارتكابه قبل أنْ يحكم الله تعالى ورسوله وَليل به ويأذنا فيه. وحاصلُه النهي عن
الإقدام على أمرٍ من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة.
وجُوِّز أن يكون ((تقدِّموا)) من قَدَّمَ اللازم بمعنى تقدَّم، كوجَّه وبيَّن، ومنه مُقَدّمةٌ
الجيش خلافُ ساقته، وهي الجماعة المتقدِّمة منه، ويَعْضُده قراءة ابن عباس
وأبي حَيْوة والضحاك ويعقوب وابن مِقْسم: ((لا تَقَدَّموا)) بفتح التاء والقاف
والدَّال(٢)، وأصله: تتقدّموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً؛ لأنه من التفعُّل وهو
المطاوع اللازم. ورُجِّح ما تقدَّم بما سمعتَ، وبأنَّ فيه استعمالَ أعرفِ اللُّغتين
وأشهرهما. لا يقال: الظرف إذا تعلَّق به العامل قد ينزلُ منزلةَ المفعول فيفيد
العموم كما قرَّروه في (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ) فليكن الظرف هاهنا بمنزلة مفعول التقدُّم
مغنياً غناءه، والتقدُّم بين يدي المرء خروجٌ عن صفة المُتابعة حسًّا، فهو أوفقُ
للاستعارة التمثيلية المقصود منها تصوير هجنة الحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم
متابعته بصورة المحسوس، فتخريج ((لا تقدموا)) على اللزوم أبلغُ، ولا يضرّه عدمُ
الشُّهرة فإنه لا يُقاوم الأبلغية المطابقة للمقام = لِمَا أشار إليه في ((الكشف)) من أن
المرادَ النهي عن مخالفة الكتاب والسنة، والتعديةُ تُفيد أنَّ ذلك بجعل وقَصْدٍ منه
للمخالفة، لأنَّ التقديمَ بين يدي المرء أن تجعلَ أحداً إما نفسك أو غيرك متقدِّمًا بين
يديه، وذلك أقوى في الذمِّ وأكثر استهجاناً للدلالة على تعمُّد عدمِ المتابعة
لا صدورها عنه كيفما اتَّفق، فافهم ولا تَغْفُل.
وجُوِّز أن يكون (بَيِّنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِهُ) من باب: أعجبني زيدٌ وكرمه، فالنهي عن
(١) في (م): سيره.
(٢) المحتسب ٢٧٨/٢، والبحر المحيط ١٠٥/٨، وقراءة يعقوب في النشر ٣٧٥/٢.

الآية : ١
٣٢٩
سُورَةُ الرَّحُرَاتِ
التقدُّم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فكأنه قيل: لا تُقدِّموا بين يَدَي
رسول الله، وذكر الله تعالى لتعظيمه عليه الصلاة والسلام والإيذانِ بجلالة محلّه
عنده عز وجل ومَزيد اختصاصه به سبحانه، وأمر التجوُّز عليه على حاله، وهو
كما قال في ((الكشف)): أوفقُ لما يجيء بعدَه؛ فإنَّ الكلامَ مسوقٌ لإجلاله عليه
الصلاة والسلام، وإذا كان استحقاقُ هذا الإجلال لاختصاصه بالله جل وعلا
ومنزلتِه منه سبحانه فالتقدُّم بين يدي الله عز شأنه أدخلُ في النهي وأدخل، وإن جعل
مقصوداً بنفسه على ما مرَّ، فالنهي عن الاستبداد بالعمل في أمرٍ ديني لا مطلقاً من
غير مُراجعة إلى الكتاب والسُّنة، وعليه تفسيرُ ابن عباس على ما أخرجه ابن جرير
وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نُعيم في ((الحيلة)) عنه أنه قال: أي: لا تقولوا
خلافَ الكتاب والسنة(١).
وكذا ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال: نُهوا أنْ
يتكلَّموا بين يدي كلامهِ، بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلَّموا(٢). ووجهُ الدلالةِ على
هذا أنَّ كلامه عليه الصلاة والسلام أُريد به ما ينقلُه عنه تعالى ولفظه أيضاً،
وما اللفظ من الرسول وَ﴿ وإنْ كان المعنى من الوحي، أو أراد كلامَ كلِّ واحدٍ
من الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام.
وما أخرج عبد بن حُميد والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وغيرهما عن مجاهد أنه
قال في ذلك: لا تفتاتوا على رسول الله وَله بشيء حتى يقضيَ الله تعالى على
لسانه(٣) = يُخرَّج على نحو التخريج الأول لكلام ابن عباس، ويكون مُؤَيِّداً له.
وبعضهم يروي أنه قال: لا تفتاتوا على الله تعالى شيئاً حتى يَقُصَّه على لسان
رسول الله وَل﴿ وجعل مؤيّداً لكلام ابن عباس أيضاً، وفسّر التقدّم بين يدي الله تعالى
لأنَّ التقدُّم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام مكشوفُ المعنى، ثم إنَّ كلَّ ذلك
من باب بيان حاصل المعنى في الجملة.
(١) الدر المنثور ٨٤/٦، وتفسير الطبري ٣٣٥/٢١، وحلية الأولياء ٣٩٨/١٠.
(٢) الدر المنثور ٨٤/٦، وتفسير الطبري ٣٣٦/٢١.
(٣) الدر المنثور ٨٤/٦، وشعب الإيمان (١٥١٦)، وتفسير الطبري ٣٣٦/٢١، وعلقه البخاري
قبل الحديث (٤٨٤٥).

الآية : ١
٣٣٠
سُورَةُ الحُرَانِ
وفي ((الدر المنثور)) بعد ذكر المروي عن مجاهد حسبما ذكرنا: قال الحُفَّاظ:
هذا التفسير على قراءة: ((تَقَدَّموا)) بفتح التاء والدال(١). وهي قراءة لبعضهم حكاها
الزمخشري وأبو حيان وغيرهما(٢)، وكأنَّ ذلك مبنيٌّ على أن ((تَقَدَّموا)) على هذه
القراءة من قَدِمَ كعَلِمَ إذا مضى في الحرب، ويأتي من باب نصر أيضاً، إذ
الافتيات - وهو السبقُ - دون ائتمار مَنْ يُؤْتَمر، أنسبُ بذلك.
واختار بعضُ الأجِلَّة جعله من قَدِمَ من سفره من باب عَلِمَ لا غير، كما يقتضيه
عبارةُ ((القاموس)) وعليه يكون قد شبَّه تعجيلهم في قطع الحكم في أمر من أمور
الدين بقدوم المسافر من سفره إيذاناً بشدّة رغبتهم فيه نحو: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ
عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآَهُ مَنْشُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
واختلف في سبب النزول، فأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن
عبد الله بن الزبير قال: قَدِمَ ركبٌ من بني تميم على النبيِّ وَّ، فقال أبو بكر ظُله:
أمِّر القعقاع بن مَعْبد، وقال عمر ظُه: بل أَمِّر الأقرعَ بن حابس، فقال
أبو بكر ته: ما أردتَ إلا خِلافي. فقال عمر ◌َبه: ما أردتُ خلافَك. فتماريا
حتى ارتفعت أصواتُهما، فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ
وَرَسُولِهِهُ) حتى انقضت الآية (٣).
وأخرج عبد بن حُميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أن أُناساً ذبحوا قبلَ
رسول الله وَّه يومَ النحر، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يُعيدوا ذبحاً، فأنزل الله
تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) إلخ(٤).
وفي ((الكشاف)) عنه: أن أناساً ذبحوا يومَ الأضحى قبل الصلاة فنزلَتْ،
وأمرهم وَله أن يُعيدوا ذبحاً آخر(٥).
(١) الدر المنثور ٦/ ٨٤.
(٢) الكشاف ٥٥٢/٣، والبحر المحيط ١٠٥/٨، وهي قراءة يعقوب كما سلف قريباً.
(٣) الدر المنثور ٨٣/٦-٨٤، وصحيح البخاري (٤٨٤٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦١٣٣).
(٤) الدر المنثور ٨٤/٦، وتفسير الطبري ٣٣٦/٢١.
(٥) الكشاف ٣/ ٥٥٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٣٠/٢.

الآية : ١
٣٣١
سُورَةُ الرُّجْرَانِ
والأول ظاهرٌ في أنَّ النزولَ بعد الأمر، والذَّبح قبلَ الصلاة يستلزم الذبحَ قبلَ
رسول الله عليه الصلاة والسلام، لأنه وَّه كان ينحر بعدَها كما نطقَتْ به الأخبارُ،
وإلى عدمِ الإجزاء قبلُ ذهب الإمامُ أبو حنيفة، والأخبار تُؤَيِّده؛ أخرج الشيخان
والترمذي وأبو داود والنسائي عن البراء قال: ذبح بُردةُ بن نِيار قبل الصلاة، فقال
النبيُّ وَل﴿: ((أَبْدِلْها))، فقال: يا رسولَ الله، ليس عندي إلا جَذَعة؟ فقال ◌َله:
((اجعَلْها مكانها، ولن تجزي عن أحدٍ بعدك))، وفي رواية: أنه ◌َّه قال: ((أولُ
ما نبدأ به في يومنا هذا نُصلِّي ثم نرجِعُ فننحرُ، فمن فعل ذلك فقد أصابَ سُنَّتنا،
ومَنْ ذبح قبلُ فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهله ليس من النُّسك في شيء)»، وكان أبو بُردة بن
نيار قد ذبح قبلَ الصلاة. الحديث(١).
وفي المسألة كلامٌ طويل مَحُّه كتبُ الفروع، فراجِعْه إنْ أردتَه.
وعن الحسن أيضاً: لما استقرَّ رسولُ اللهِ وَّهِ بالمدينة أَتَتْه الوفودُ من الآفاق
فأكثروا عليه بالمسائل، فَنُهوا أن يبتدؤوه بالمسألة حتى يكونَ عليه الصلاة والسلام
هو المبتدئ(٢).
وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: ذُكر لنا أنَّ ناساً كانوا يقولون: لو أُنزل
فيَّ كذا وكذا، لكان كذا وكذا. فكَرِهِ اللهُ تعالى ذلك وقدَّم فيه(٣).
وقيل: بعث رسولُ اللهِ وَّه إلى تِهامة سريةً سبعة وعشرين رجلاً عليهم المنذرُ بن
عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الظُّفيل إلا ثلاثةَ نفر نَجَوْا فَلَقُوا
رجلين من بني سُليم قُربَ المدينة، فاعتزيا لهم إلى بني عامر لأنهم أعزُّ من سُليم،
فقتلوهما وسلبوهما، ثم أَتَوا رسولَ الله وَله فقال: ((بئسما صنعتم كانا من سُليم))
أي: كانا من أهلِ العهد؛ لأنهم كانوا مُعاهَدين ((والسَّلَبُ ما كَسَوْتُهما)» فوداهما
(١) صحيح البخاري (٩٥٥)، وصحيح مسلم (١٩٧١)، وسنن الترمذي (١٥٠٨)، وسنن
أبي داود (٢٨٠١)، والمجتبى ١٨٢/٣.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٥٥٣/٣، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
ص١٥٥ : لم أجده.
(٣) الدر المنثور ٨٤/٦، وتفسير الطبري ٣٣٦/٢١.

سُؤَةُ الرُّعْرَاتِ
٣٣٢
الآية : ١
رسولُ اللهِ وَّ، فقال: ونزلت(١)، أي: لا تعملوا شيئاً من ذاتِ أنفسكم حتى
تستأمروا رسولَ الله ◌َلچ .
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) وابن مردويه عن عائشة ؤها قالت: إنَّ ناساً
كانوا يتقدَّمون الشهر فيصومون قبلَ النبيِّ نَّهِ، فَأَنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولٌِ)(٢). وفي رواية عن مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني
الكوفي: دخلت على عائشةَ ﴿ّا - وكانت قد تَبَّته - في اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقالت
للجارية: اسقيهِ عسلاً، فقلت: إني صائمٌ، فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا
اليوم، وفيه نزلت: (َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُوا) إلخ(٣)، فالمعنى كما في ((المعالم)):
لا تصوموا قبل صوم نبيِّكم(٤). وأَوَّل هذا صاحب ((الكشف)) فقال: الظاهرُ عندي
أنها استدلَّت بالآية على أنه ينبغي أن يُمْتَفَلَ أَمْرُ النبيِّ وَِّ ونَهْيُه، وقد نهى عليه
الصلاة والسلام. و: فيه نزلت، أي: في مثل هذا لدلالتها على وجوبِ الاتِّباع
والنهي عن الاستبداد، إذْ لا يلوح ذلك التفسيرُ على وجهٍ ينطبقُ على يوم الشكّ
وحدَه إلا بتكلُّف، وهذا نظيرُ ما نقل عن ابن مسعود في جوابٍ المرأة التي
اعترضت عليه أنها قرأت كتابَ الله وما وجدَتِ اللَّعنَ على الواشمة كما اذَّعاه ظ ◌ُبه،
من قوله: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيهِ، أما رأيتِ: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] قالت: بلى، قال: فإنه نهى عنه. وأنت تعلم بُعْدَ
(١) الكشاف ٥٥٣/٣، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥١٧) عن مقاتل بن حيان،
وأخرجه في الدلائل ٣٤٢/٣ عن موسى بن عقبة، وذكر القصة على غير هذا السياق، وأن
المقتولَيْن من بني كلاب، وأن الثلاثة قُتل منهم واحد، وهو المحفوظ والمشهور في
المغازي. قاله الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٤. وينظر الدرر في
اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص١٧٨ وما بعدها .
(٢) الدر المنثور ٨٤/٦، والمعجم الأوسط (٢٧١٣).
(٣) الكشاف ٥٥٣/٣، وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٥: هكذا
ذكره الثعلبي بغير سند، وذكره الدارقطني من رواية مالك بن حُمرة عن مسروق قال: دخلت
على عائشة رؤثنا في اليوم الذي يشك أنه يوم عرفة .. الحديث. قلنا: وأخرجه الطبراني في
الأوسط (٢٧١٣) ضمن الحديث السابق، وليس فيه أن الآية نزلت فيه.
(٤) معالم التنزيل (وهو تفسير البغوي) ٢٠٨/٤.

الآية : ٢
٣٣٣
سُؤَدَّةُ لُهُرَاتِ
الرواية الأولى عن هذا التأويل. ويُعلم من هذه الروايات وغيرها أنهم اختلفوا أيضاً
في تفسير التقدُّم، وفي كثير منها تفسيره بخاصّ.
وقال بعضهم: إنَّ الآيةَ عامَّةٌ في كلِّ قول وفعل، ويدخلُ فيها أنه إذا جَرَتْ
مسألة في مجلس رسول الله والر لم يسبقوه في الجواب، وأن لا يمشى بين يديه
إلا للحاجة، وأن يُستأنى في الافتتاح بالطعام، ورُجِّح بأنه الموافقُ للسِّياق، ولِمَا
عُرف في الأصول من أنَّ العِبْرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي الكلام عليه
بناءً على ما قاله الطيبي مجازٌ باعتبار القَدْر المشترك الصادق على الحقيقة أيضاً دون
التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس، ويُسمَّى في الأصول بـ : عموم المجاز، وفي
الصناعة بـ : الكناية؛ لأنها لا تُنافي إرادةَ الحقيقة أيضاً؛ ومن هنا يجوز إرادةُ:
لا تمشوا بين يديه وَّر؛ وذَكَر عليه الرحمةُ أنه لا يُقدَّر على هذا القول مفعول، بل
يتوجّه النهيُّ إلى نفس الفعل، فتأمَّل.
ويُحتجُّ بالآية على اتباع الشرع في كلِّ شيء، وهو ظاهر مما تقدَّم، وربما
احتَجَّ بها نُفاةُ القياس، وهو - كما قال الكيا(١) - باطلٌ منهم. نعم قال الجلال
السيوطي: يُحتجُّ بها على تقديم النَّصِّ على القياس(٢). ولعلَّه مبنيٍّ على أن العمل
بالنَّصِّ أبعدُ من التقدُّم بين يدي الله تعالى ورسوله وَلِّ.
﴿َُّواْ اله﴾ أي: في كلِّ ما تأتون وتذرون من الأقوال والأفعال التي من
جُملتها ما نحن فيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لكلِّ مسموع، ومنه أقوالكم ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ بكلِ
المعلومات، ومنها أفعالكم، فمن حَقِّه أن يُتَّقَى ويُراقب.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ شروعٌ في النهي عن التجاوز
في كيفية القول عند النبيِّ وَّهِ بعدَ النهي عن التجاوز في نفس القول والفعل، وإعادة
النداءِ مع قُربِ العهدِ به للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه، والإشعارِ باستقلال كلٍّ من
الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه، أي: لا تبلغوا بأصواتكم وراءَ حدٍّ يبلغُه عليه
الصلاة والسلام بصوته .
(١) أحكام القرآن ٣٨١/٤.
(٢) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٢٤١.

سُؤَدَّةُ الرُّعَراتِ
٣٣٤
الآية : ٢
وقرأ ابن مسعود: ((لا ترفّعوا بأصواتكم)) بتشديد ((ترفعوا)) وزيادة الباء (١)، وقد
شدَّد الأعلم الهُذَلي في قوله:
رفَّعتُ عيني بالحِجا زِ إِلى أُناسٍ بالمناقب(٢)
والتشديد فيه للمبالغة، كزيادة الباء في القراءة إلا أن ليس المعنى فيها أنهم
نُهوا عن الرفع الشديد تخيُّلاً أن يكونَ ما دون الشديد مُسوِّغاً لهم، ولكن المعنى
نهيهم عمَّا كانوا عليه من الجَلبَة واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون، وهو نظيرُ قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ أَضْعَكَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
﴿وَلَ تَّجْهَرُواْ لَهُ بِلْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: جهراً كائناً كالجهر الجاري
فيما بينكم، فالأول نهيٌّ عن رفع الصوت فوقَ صوتِهِ وَِّ، وهذا نهيٌ عن مساواة
جَهْرهم لجهره عليه الصلاة والسلام، فإنه المعتادُ في مُخاطبةِ الأقران والتُّظَراء
بعضهم لبعض، ويُفهم من ذلك وجوبُ الغضِّ حتى تكونَ أصواتُهم دون صوتِهِ وَّهِ.
وقيل: الأول مخصوصٌ بمكالمته وَّ ر لهم، وهذا بِصَمْتهِ عليه الصلاة والسلام،
كأنه قيل: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوته إذا نَطَق ونَطَقتم، ولا تجهروا له بالقول
إذا سكت وتكلَّمتم، ويُفهم أيضاً وجوبُ كون أصواتِهم دون صوته عليه الصلاة
والسلام، فأيًّا ما كان يكون المآل: اجعلوا أصواتكم أخفضَ من صوته بَّهِ وتعهَّدوا
في مخاطبته اللِّين القريب من الهَمْس كما هو الدأبُ عند مُخاطبة المَهيب المُعَلَّم،
وحافظوا على مُراعاة أُبَّهة النبوَّة وجلالةِ مِقدارها، ومن هنا قال أبو بكر
الصديق ظله بعد نزول الآية - كما أخرج عبد بن حُميد والحاكم وصحَّحه من طريق
أبي سلمة عن أبي هريرة -: والذي أَنزلَ عليك الكتابَ يا رسول الله، لا أُكلِّمك
إلا كأخي السِّرار حتى ألقى الله تعالى(٣).
(١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٥٥.
(٢) ديوان الهذليين ٢/ ٨١، والكشاف ٥٥٥/٣، ومعجم ما استعجم ١٢٦٤/٤، والأعلم هو
حبيب بن عبد الله، أخو صخر الغي.
(٣) الدر المنثور ٨٤/٦، والمستدرك ٢/ ٤٦٢، وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان
(١٥٢١)، وقوله: كأخي السرار: أي: كصاحب السرار، أو: كمثل المساررة؛ لخفض
صوته. النهاية (سرر).

الآية : ٢
٣٣٥
سُورَةُ لِحُمرَاتِ
وفي رواية أنه قال: يا رسولَ الله، واللهِ لا أُكلِّمك إلا السِّرار، أو: أخا السِّرار
حتى ألقى الله تعالى(١). وكان إذا قَدِمَ على رسول الله عليه الصلاة والسلام الوفودُ
أرسل إليهم مَنْ يُعلِّمهم كيف يُسلمون، ويأمرهم بالسَّكينة والوَقار عند رسول الله وَّةِ(٢).
وكان عمرُ تَُّه - كما في ((صحيح البخاري)) وغيره عن ابن الزبير - إذا تكلّم
عند النبيِّ ◌ٍَّ لم يَسمَعْ كلامَه حتى يَستفهمه(٣).
وقيل: معنى ((ولا تجهروا له بالقول)) إلخ: ولا تُخاطبوه باسمه وكُنيته
كما يُخاطِبُ بعضُكم بعضاً، وخاطبوه بالنبيِّ والرسول، والكلامُ عليه أبعدُ عن توهُّم
التكرار، لكنه خلافُ الظاهر، لأنَّ ذكر الجهر عليه لا يظهر له وجهٌ، وكان الظاهرُ
أن يقال مثلاً: ولا تجعلوا خِطابه كخطابٍ بعضِكم بعضاً.
﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ تعليلٌ لما قبلَه من النَّهيين على طريق التنازع بتقدير
مضافٍ، أي: كراهةَ أنْ تَحْبَطَ أعمالكم، والمعنى: إني أنهاكم عمَّا ذُكر لكراهة
حُبوط أعمالكم بارتكابه، أو تعليلٌ للمنهي عنه، وهو الرفعُ والجهرُ بتقدير اللام،
أي: لأنْ تحبط، والمعنى: فِعْلُكم ما ذُكر لأجل الحبوط مَنهيٌّ عنه، ولام التعليل
المُقدَّرة مستعارةٌ للعاقبة التي يؤدِّي إليها الفعل؛ لأنَّ الرفعَ والجهرَ ليس لأجل
الحُبوط لكنهما يُؤدِّيان إليه على ما تعلمه إن شاء الله تعالى. وفرق بينهما بما حاصلُه
أن الفعلَ المنهيَّ مُعلَّل في الأول والفعل المُعلِّل منهيٍّ في الثاني، وأيّهما كان
فمرجعُ المعنى إلى أنَّ الرفعَ والجهرَ كلاهما منصوصُ الأداء إلى حُبوط العمل،
وقراءة ابن مسعود وزيد بن عليٍّ: ((فتحبط)) بالفاء(٤)، أظهرُ في التنصيص على أدائه
إلى الإحباط؛ لأنَّ ما بعدَ الفاء لا يكونُ إلا مُسيَّباً عمَّا قبلَها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾﴾ حالٌ من فاعل ((تحبط))، ومفعول
(تشعرون)) محذوفٌ بقرينة ما قبلَه، أي: والحال أنتم لا تشعرون أنها مُخْبطة.
(١) الكشاف ٣/ ٥٥٥، والبحر المحيط ١٠٦/٨.
(٢) الكشاف ٥٥٥/٣. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٥٥: لم أجده.
(٣) صحيح البخاري (٧٣٠٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦١٣٣).
(٤) تفسير الطبري ٣٤٣/٢١، والكشاف ٥٥٧/٣ .

الآية : ٢
٣٣٦
سُورَةُ المُحَرَاتِ
وظاهرُ الآية مُشْعِرٌ بأنَّ الذنوبَ مطلقاً قد تُحبِطُ الأعمال الصالحة؛ ومذهبُ
أهل السنة أن المُحبِطِ منها الكُفر لا غير، والأول مذهبُ المعتزلة، ولذا قال
الزمخشري(١): قد دلَّت الآيةُ على أمرين هائلين: أحدهما: أنَّ فيما يُرتكب من
الآثام ما يُحِطُ عمل المؤمن. والثاني: أنَّ في أعماله ما لا يدري أنه مُحبِطٌ، ولعلَّه
عند الله تعالى مُخْبِطٌ.
وأَجاب عن ذلك ابن المُنيِّر(٢) عليه الرحمة بأن المرادَ في الآية النهيُ عن رَفْعِ
الصوت على الإطلاق، ومعلومٌ أنَّ حكمَ النهي الحَذَرُ مما يتوقَّع في ذلك من إيذاء
النبيِّ وََّ، والقاعدةُ المختارة أنَّ إيذاءَه عليه الصلاة والسلام يبلغُ مبلغَ الكُفْرِ
المُحبِطِ للعمل باتِّفاق، فَوَرَد النهيُ عمَّا هو مَظِنَّةٌ لأذى النبيِّ وَّارِ سواء وجد هذا
المعنى أَوْ لا حمايةً للذريعة وحسماً للمادَّة، ثم لما كان هذا المنهيُّ عنه منقسماً إلى
ما يبلغُ مَبْلِغَ الكُفر، وهو المُؤذي له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغُ ذلك
المبلغ، ولا دليلَ يميِّز أحدَ القسمين عن الآخر، لَزِمَ المُكلَّف أنْ يكفّ عن ذلك
مطلقاً خوفَ أنْ يقع فيما هو مُحِظٌ للعمل، وهو البالغُ حدَّ الأذى، إذ لا دليل
ظاهراً يُميِّزه، وإنْ كان فلا يتفقُ تمييزه في كثير من الأحيان، وإلى التباس أحدٍ
القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه: (أَنْ تَخْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)،
وإلا فلو كان الأمرُ على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله سبحانه: (وَأَنْتُمْ لَا
تَشْعُرُونَ) موقعٌ، إذ الأمر مُنحصِرٌ بين أن يكونَ رفعُ الصوتِ مُؤذياً فيكون كفراً مُحبطاً
قطعاً، وبين أن يكن غيرَ مُؤْذٍ، فيكون كبيرةً مُحبِطةً على رأيه قطعاً، فعلى كلا حاليه
الإحباطُ به مُحقَّق إذن، فلا موقعَ لإدعام الكلام بعدمِ الشعور مع أنَّ الشعورَ ثابتٌ
مطلقاً .
ثم قال عليه الرحمة(٣): وهذا التقديرُ يدور على مقدِّمتين كلتاهما صحيحة:
إحداهما: أن رفعَ الصوتِ من جنس ما يحصل به الأذى، وهذا أمرٌ يشهد به
(١) الكشاف ٣/ ٥٥٧ .
(٢) الانتصاف بهامش الكشاف ٥٥٦/٣ .
(٣) يعني ابن المُنَيِّر في الانتصاف.

الآية : ٢
٣٣٧
سُورَةُ الُهُرَانِ
النقل والمُشاهدة، حتى إنَّ الشيخَ ليتأذَّى برفع التلميذِ صوتَه بين يديه، فكيف برتبة
النبوّة وما تستحقُّه من الإجلال والإعظام.
ثانيتهما: أن إيذاءَ النبيِّ وَّ كفرٌ، وهذا ثابتٌ قد نصَّ عليه أئمتنا، وأفتَوْا بقتل
من تعرَّض لذلك كفراً، ولا تُقبل توبته، فما أتاه أعظمُ عند الله تعالى وأكبر.
انتھی.
وحاصلُ الجواب أنه لا دليلَ في الآيةِ على ما ذهب إليه الزمخشري لأنه قد
يُؤدِّي إلى الإحباط إذا كان على وجهِ الإيذاء أو الاستهانة، فنهاهم عز وجل عنه،
وعلَّله بأنه قد يُحبط وهم لا يشعرون.
وقيل: يمكن نظراً للمقام أن ينزلَ أذاهم رسولَ اللهِ وَّهِ برفع الصوتِ منزلةً
الكُفر تغليظاً، إجلالاً لمجلسه صلواتُ الله تعالى عليه وسلامه، ثم يرتَّب عليه
ما يُرتَّب على الكُفر الحقيقي من الإحباط، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ
الْبَيْتِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]
ومعنى ((وأنتم لا تَشْعرون)) عليه: وأنتم لا تشعرون أنَّ ذلك بمنزلة الكُفر المُحبط،
وليس كسائرِ المعاصي، ولا يتمُّ بدون الأول، وجاز - كما في ((الكشف)) - أنْ يكونَ
المرادُ ما فيه استهانةٌ، ويكون من باب: ﴿فَلاَ تَكُونَنَ ظَهِيرًا لِلْكَفِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]
مما الغرضُ منه التعريضُ، كيف وهو قولٌ منقولٌ عن الحسن، كما حكاه في
«الكشاف))(١).
وقال أبو حيان: إنْ كانت الآيةُ بمن يفعل ذلك استخفافاً فذلك كُفرٌ يحبطُ معه
العمل حقيقةً، وإنْ كانت للمؤمن الذي يفعله غَلَبةً وجَرْياً على عادته فإنما يحبطُ
عملُه البرّ في توقير النبيِّ وَ﴿ وغضّ الصوتِ عنده أن لو فعل ذلك؛ كأنه قيل:
مخافةً أن تحبط الأعمال التي هي مُعَدَّة أن تعملوها فتؤجروا عليها(٢). ولا يخفى
ما في الشقِّ الثاني من التكلُّف البارد.
(١) الكشاف ٣/ ٥٥٥.
(٢) البحر المحيط ١٠٦/٨.

وَدَُّ المُعُرات
٣٣٨
الآية : ٢
ثم إنَّ من الجهر ما لم يتناوله النهيُ بالاتفاق، وهو ما كان منهم في حرب أو
مجادلةٍ معاند، أو إرهابٍ عدوٍّ، أو ما أشبه ذلك مما لا يُتَخَيَّل منه تأذٌ أو استهانة،
ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما وَلّى
المسلمون يومَ حُنين: ((نادِ أصحابَ السَّمُرة»، فنادى بأعلى صوته: أين أصحابُ
السمرة، وكان رجلاً صَيّاً(١). يُروى أنَّ غارةً أتتهم يوماً فصاح العباسُ: يا صباحاه،
فَأَسقطت الحواملُ لِشِدَّة صوته(٢)، وفيه يقول نابغةُ بني جَعْدة:
زَجْرُ أبي عُروةَ السِّباع إذا أشفق أن يَختلطنَ بالغنم (٣)
زَعمتِ الرواةُ أنه كان يزجر السِّباعِ عن الغنم فیفتقُ مرارةَ السَّبُع في جوفه،
وذكروا أنه سُئل ابنُ عباس ◌ِّ: فكيف لا تفتقُ مرارة الغنم؟ فقال: لأنها أَلِفَتْ
صوتَه(٤).
وروى البخاري ومسلم عن أنس: لما نزلَتْ هذه الآيةُ جلس ثابتُ بن قيس في
بيته، وقال: أنا مِنْ أهل النارٍ. واحتبس، فسأل النبيُّ ◌َّ سعد بن معاذ فقال:
(يا أبا عمرو، ما شأن ثابت، أَشْتَكَى؟)) قال سعدٌ: إنه جاري، وما علمتُ له
بشكوى. فأتاه سعدٌ، فقال: أُنزلت هذه الآية ولقد عَلِمتُم أني أرفعُكم صوتاً على
رسول الله وَ﴿، فأنا من أهلِ النار، فَذْكَر ذلك سعدٌ للنبيِّ وََّ، فقال رسولُ الله ◌َّ:
(بل هو من أهل الجنة))(٥).
وفي روايةٍ أنه لما نزلَتْ دخل بيتَه وأَغلقَ عليه بابَه وطَفِقَ يبكي، فافتقده
رسولُ اللهِ وَ ﴿ه فقال: ((ما شأن ثابت؟» قالوا: يا رسولَ الله، ما ندري ما شأنه غيرَ
أنه أغلقَ بابَ بيته، فهو يبكي فيه، فأرسل رسولُ اللهِ وَلّو إليه فسأله: ((ما شأنك؟))
قال: يا رسولَ الله، أَنزل اللهُ عليكَ هذه الآية وأنا شديدُ الصوت، فأخافُ أن أكونَ
(١) أخرجه مسلم (١٧٧٥) من حديث العباس .
◌ُه
(٢) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٥٥: لم أجده.
(٣) ديوان النابغة الجعدي ص١٥٨، وفيه: يلتبسن، بدل: يختلطن.
(٤) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٥: لم أجده.
(٥) صحيح البخاري (٣٦١٣)، وصحيح مسلم (١١٩)، واللفظ له، وأخرجه أحمد (١٢٣٩٩).

الآية : ٣
٣٣٩
سُورَةُ الرَّحَرَاتِ
قد حَبِطَ عملي، فقال ◌َّرِ: ((لستَ منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير))(١).
والظاهرُ أن ذلك منه ◌َّه كان من غلبة الخوفِ عليه، وإلا فلا حُرمة قبل
النهي، وهو أيضاً أجلُّ من أن يكونَ ممن كان يقصدُ الاستهانةَ والإيذاءَ
لرسول الله وَّ برفع الصوتِ، وهم المنافقون الذين نزلَتْ فيهم الآيةُ على ما رُوي
عن الحسن، وإنما كان الرفعُ منه طبيعةً لما أنه كان في أُذُنِهِ صَمَمٌ، وعادةُ كثير ممن
به ذلك رفعُ الصوت.
والظاهرُ أنه بعد نزولها تركَ هذه العادة، فقد أخرج الطبراني والحاكم وصحَّحه
أن عاصمَ بن عَدِيٍّ بن العَجْلان أخبر النبيَّ وَّر بحاله، فأَرسله إليه، فلما جاء قال:
(ما يُبكيك يا ثابت؟)) فقال: أنا صَيِّتُ وأتخوَّفُ أن تكونَ هذه الآيةُ نزلَتْ فيَّ، فقال
له عليه الصلاة والسلام: ((أما ترضى أنْ تعيشَ حميداً، وتُقتلَ شهيداً، وتَدْخُلَ
الجنةَ))؟ قال: رَضِيتُ، ولا أرفعُ صوتي أبداً على صوت رسول الله وَلِ(٢).
واستدلَّ العلماءُ بالآية على المنعِ من رَفْعِ الصوت عند قبرهِ الشريفِ مَِّ، وعند
قراءةٍ حديثِه عليه الصلاة والسلام؛ لأن حُرمتَه ميتاً كحرمته حَيًّا. وذكر أبو حيان
كراهةَ الرفعِ أيضاً بحضرة العالِم، وغيرُ بعيدٍ حرمتُه بقَصْدِ الإيذاء والاستهانة لمن
يحرمُ إيذاؤه والاستهانةُ به مطلقاً، لكن للحُرمة مراتبُ مُتفاوتةٌ كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلخ، ترغيبٌ في
الانتهاء عمَّا نُهُوا عنه بعد الترهيب عن الإخلال به، أي: يحفظونها مُراعاً للأدب
أو خشيةً من مُخالفة النهي.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيِّز الصِّلة، وما فيه من
معنى البُعد مع قُرب العهد بالمُشارِ إليه لما مرَّ مراراً من تفخيم شأنه؛ وهو مبتدأ،
خبره: ﴿الَّذِينَ آمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَّ﴾، والجملةُ خبر ((إنَّ)، وأصلُ معنى الامتحان
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٩٩) عن بنت ثابت بن قيس.
(٢) الدر المنثور ٨٥/٦، والمعجم الكبير (١٣١٦)، والمستدرك ٢٣٤/٣، وأخرجه أيضاً ابن
جرير في التفسير ٣٣٩/٢١-٣٤٠.

سُوَّةُ المُحُرَاتِ
٣٤٠
الآية : ٣
التجربة والاختبار، والمرادُ به هنا - لاستحالة نسبته إليه تعالى - التمرينُ بعلاقة
اللزوم، أي: أنهم مَرَّن الله تعالى قلوبهم للتقوى.
وفي ((الكشف)): الامتحانُ كنايةٌ تلويحية عن صَبْرهم على التقوى وثَباتهم عليها
وعلى احتمال مَشاقٌّها؛ لأن المُمتحن جرّب وعَوّد منه الفعل مرةً بعد أُخرى، فهو
داٌّ على التموُّن المُوجِب للاضطلاع، والإسنادُ إليه تعالى للدلالة على التمكين،
ففيه - على ما قيل - مع الكناية تجوُّزٌ في الإسناد، والأصل: امتحنوا قلوبَهم للتقوى
بتمكين الله تعالى لهم. وكأنه إنما اعتبر ذلك لأنه لا يجوزُ إرادةُ المعنى الموضوعِ
له هنا، فلا يصحُّ كونه كنايةً عند من يشترطُ فيها إرادة الحقيقة، ومن اكتفى فيها
بجواز الإرادة وإن امتنعت في محلِّ الاستعمال لم يَحتَجْ إلى ذلك الاعتبار.
واختار الشهابُ(١) كونَ الامتحان مجازاً عن الصبر بعلاقة اللزوم، وحاصلُ المعنى
عليه كحاصله على الكناية، أي: أنهم صُبُرٌ على التقوى أقوياءُ على تحمُّل مَشَافِّها.
أو المراد بالامتحان المعرفة - كما حُكي عن الجُبَّائي - مجازاً من باب إطلاق
السبب وإرادة المُسبَّب، والمعنى: عرَف اللهُ قلوبَهم للتقوى، وإسنادُ المعرفة إليه عز
وجل بغير لَفْظها غيرُ مُمتنِعٍ، وهو في القرآن الكريم شائعٌ، على أنَّ الصحيحَ جوازٌ
الإسناد مطلقاً لما في ((نهج البلاغة)) من إطلاق العارفِ عليه تعالى، وقد ورد في
الحديث أيضاً على ما ادَّعاه بعضُ الأَجِلَّة. واللامُ صِلةٌ لمحذوف وقع حالاً من
((قلوبهم)) أي: كائنة للتقوى مُختصَّة بها، فهو نحو اللام في قوله:
أنت لها أحمد من بين البشر (٢)
وقصيدةٍ رائقةٍ ضَوَّعْتُها
و قوله:
أَعدَّاءُ مَنْ لليَعْمَلَاتِ على الوَجَى
وأضيافِ ليلٍ بِيَّتوا لنزولِ (٣)
(١) حاشية الشهاب ٨/ ٧٣.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٥٧ مقتصراً على ذكر عجز البيت ودون نسبة.
(٣) البيت لِعُتَّيِّ بن مالك كما في شرح الحماسة للمرزوقي ٨٨٣/٢، وصدره في الكشاف ٣/ ٥٥٧.
قال المرزوقي: اليعملات: النوقِ السراع، والوجى: الحَفَى، ناداه مسائلاً على طريق
التحسر: مَن يؤوي الأضياف وقد أكلَّهم التعب حتى حفيت رواحلهم غيرك.