Indexed OCR Text
Pages 261-280
الآية : ١٥ ٢٦١ سُورَةُ الفَتح المُخلَّفين بعد هذه المُدَّة معه عليه الصلاة والسلام وفضَّلهم بَّهِ بعد ذلك على تميم وغَطَفانٌ وغيرهم من العرب. وفي ((الكشف)): لعلَّ القائلَ بذلك أراد أن هؤلاء المُخلَّفين لما كانوا مُنافقين مثلَ المُخلَّفين عن تبوك كان حكمُ الله تعالى فيهم واحداً، ألا ترى أن المعنى المُوجب مُشترٌ، وهو رضاهم بالقُعود أولَ مرة، فكلامُ الله تعالى أُريد به حكمه السابق، وهو أن المنافقَ لا يستصحب في الغزو، ولم يُرِدْ أن هذا الحكم مُنقاسٌ على ذلك الأصل، أو الآية نازلةٌ فيهم أيضاً، فهذا ما يمكن في تصحيحه. انتهى. ويقال عمَّا في ((البحر)): إن الذين غَزَوا بعدُ لم يغزوا حتى أَخْلصوا، ولم يبقوا منافقين، والله تعالى أعلم. وقرأ حمزة والكسائي: ((كَلِمَ الله))(١) وهو اسم جنس جمعي، واحدُه: كَلِمةٌ. ﴿قُل﴾ إقناطاً لهم: ﴿لَّنْ تَفَّبِعُونَا﴾ أي: لا تَتَّبعونا، فإنه نفيٌّ في معنى النهي للمبالغة، والمرادُ نَهْيهم عن الاتباع فيما أرادوا الاتباعَ فيه في قولهم: ((ذرونا نتبعكم)) وهو الانطلاقُ إلى خيبرَ، كما نُقِلَ عن مُحيي السنة عليه الرحمة (٢). وقيل: المراد: لا تتَّبعونا ما دُمْتُم مرضى القلوب. وعن مجاهد: كان الموعد - أي: الموعد الذي تغييره تبديلُ كلام الله تعالى، وهو موعدُه سبحانه لأهل الحديبية - أنهم لا يتَّبعون رسولَ اللهِوَّه إلا متطوّعين لا نصيبَ لهم في المَغْنم، فكأنه قيل: لن تَتَّبعونا إلا متطوِّعين. وقيل: المراد التأبيد. وظاهر السياق الأول. ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ أي: مِن قبلٍ أن تَهيَّأُتم للخروج معنا، وذلك عند الانصراف من الحديبية ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ للمؤمنين عند سَماع هذا النهي: ﴿بَلّ تَحُْدُونَنَا﴾ أنْ نُشارِكَكم في الغنائم، وهو إضرابٌ عن كونه بحكم الله تعالى، أي: بل إنما ذلك من عند أنفسكم حسداً. وقرأ أبو حيوة: ((تَحْسِدوننا)) بكسر السين(٣). (١) وقرأ بها خلف أيضاً. التيسير ص٢٠١، والنشر ٣٧٥/٢. (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٩٢. (٣) الكشاف ٥٤٥/٣، والبحر المحيط ٩٤/٨. سُورَةُ الفَتّى ٢٦٢ الآية : ١٦ ﴾﴾ أي: إلا فهماً قليلاً، وهو ﴿بَلْ كَانُوْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون ﴿إِلَّا قَلِيلاً فَهْمهم لأمورِ الدنيا، وهو ردٌّ لقولهم الباطل في المؤمنين، ووصفٌ لهم بما هو أعظمُ من الحسد وأطمُّ، وهو الجهل المُفرِط وسوء الفهم في أمور الدين. وفيه إشارةٌ إلى ردِّهم حكمَ الله تعالى وإثباتهم الحسد لأولئك السادة من الجهل وقِلَّة التفكر. ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كرّر ذكرهم بهذا العنوان مبالغةً في الذمِّ وإشعاراً بشناعة التخلُّف: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيرٍ﴾ ذوي نجدة وشدَّة قوية في الحرب، وهم - على ما أخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري - بنو حنيفة مسيلمةُ وقومُه أهلُ اليمامة(١)، وعليه جماعة، وفي رواية عنه زيادة: أهل الرِّدة، ورُوي ذلك عن الكلبي. وعن رافع بن خَديج: إنَّا كُنَّا نقرأ هذه الآيةَ فيما مَضى ولا نعلم مَنْ هم حتى دعا أبو بكر به إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم أُريدوا بها. وعن عطاء بن أبي رباح ومجاهد - في رواية - وعطاء الخراساني وابن أبي ليلى: هم الفُرس. وأخرجه ابن جرير والبيهقي في ((الدلائل)) وغيرهما عن ابن عباس(٢). وأخرج ابن المنذر عن ابن جُريج أنه قال في الآية: دعا عمر بن الخطاب لقتال فارس أعرابَ المدينة جُهينة ومُزينة الذين كان النبيُّ وَّر دعاهم للخروج إلى مكة(٣). وقال عكرمة وابن جُبير وقتادة: هم هوازن ومَنْ حاربَ الرسولَ وَ ◌ّ في حنين. وفي رواية ابن جرير وعبد بن حُميد عن قتادة التصريحُ بثقيف مع هوازن(٤)، وفي رواية الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هم هوازن وبنو حنيفة(٥) . (١) الدر المنثور ٧٣/٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٦٨/٢١. (٢) الدر المنثور ٧٢/٦، وتفسير الطبري ٢٦٦/٢١، ودلائل النبوة ١٦٦/٤. (٣) الدر المنثور ٧٣/٦. (٤) الدر المنثور ٧٢/٦، وتفسير الطبري ٢٦٧/٢١. (٥) الدر المنثور ٧٣/٦. الآية : ١٦ ٢٦٣ سُورَةُ الفَتح وقال كعب: هم الروم الذين خرج إليهم ◌َِّ عامَ تبوك والذين بعثَ إليهم في غزوة مؤتة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: هم فارس والروم(١). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: البارِز. يعني الأكراد كما في ((الدر المنثور))(٢). وأخرج ابن المنذر والطبراني في «الكبير» عن مجاهد قال: أعرابُ فارس وأكراد العَجَم(٣). وظاهرُ العطف أنَّ أكرادَ العجم ليسوا من أعراب فارس، وظاهرُ إضافة أكراد إلى العَجَم يُشعر بأنَّ من الأكراد ما يقال لهم: أكراد العرب. ولا نعرف هذا التقسيم، وإنما نعرفُ جيلاً من الناس يقال لهم: أكراد، من غيرِ إضافةٍ إلى عربٍ أو عَجَم. وللعلماءِ اختلافٌ في كونهم في الأصل عرباً أو غيرهم، فقيل: ليسوا من العرب، وقيل: منهم. قال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خَلِّكان في ترجمة المُهَلَّب بن أبي صُفرة ما نصُّه: حكى أبو عمر بن عبد البر صاحب كتاب ((الاستيعاب)) في كتابه ((القَصْد والأَمَم في أنساب العرب والعَجَم)) أنَّ الأكرادَ من نسل عمرو مُزَيْقِياء بن عامر بن ماء السماء، وأنهم وقعوا إلى أرض العَجَم فتناسلوا بها وكَثُر ولدُهم فَسُمُّوا: الأكراد، وقال بعض الشعراء في ذلك وهو يعضدُ ما قاله ابن عبد البَرّ: لعمركَ ما الأكراد أبناءَ فارس ولكنه كُرد بن عمرو بن عامر (٤) . انتھی وفي (القاموس)): الكُرد بالضَّمِّ جيلٌ من الناس معروفٌ، والجمع: أكراد، وجدُّهم: كُرد بن عمرو مُزَيْقِياء بن عامر ماء السماء(٥). انتهى. (١) تفسير الطبري ٢٦٦/٢١، والدر المنثور ٦/ ٧٣. (٢) ٦/ ٧٣، وينظر شرح كلمة البارز في فتح الباري ٦/ ٦٠٨. (٣) الدر المنثور ٧٣/٦، وأخرجه في أخبار أصبهان ١/ ٧ بلفظ: أعراب فارس وهم الأكراد. (٤) وَفَيات الأعيان ٣٥٧/٥، وكلام ابن عبد البر في القصد والأمم ص٤٩. (٥) القاموس المحيط (كرد). سُورَةُ الفَتح ٢٦٤ الآية : ١٦ وعامرٌ هذا من العرب بلا شُبهة، فإنه ابنُ حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأَزْد - ويقال له: الأَسْد - بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يَشجب بن يعرب بن قحطان، ويُسمَّى: عامراً، وهو عند الأكثر: ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: مِنْ ولد هود. وقيل: هو هودٌ نفسه، وقيل: ابن أخيه، وذهب الزُّبير بن بكَّار إلى أنَّ قحطان من ذرية إسماعيل عليه السلام، وأنه قَحْطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل. والذي رجَّحه ابن حجر(١) أن قبائلَ اليمن كلَّها ومنها قبيلة عمرو مُزَيْقِياء من ولد إسماعيل عليه السلام. ويدلُّ له تبويبُ البخاري: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام(٢). ذكر ذلك السيد نور الدين عليَّ السمهودي في ((تاريخ المدينة))(٣)، وفيه أنَّ الأنصار الأوس والخزرج من أولاد ثعلبة العنقاء بن عمرو مُزَيْقِياء المذكور، وكان له ثلاثةَ عشرَ ولداً ذكوراً منهم ثعلبة المذكور وحارثة والد خُزاعة، وجفنة والد غسان، ووداعة وأبو حارثة وعوف وكعب ومالك وعمران وكُرد كما في ((القاموس)). انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في أمورٍ منها الكَفَاءة في النِّكاح، والعامَّة لا يعدُّونهم من العرب، فلا تَغْفُل، والذي يَغْلِبُ على ظنِّي أن هؤلاء الجيل الذين يقال لهم اليوم: أكراد، لا يبعدُ أن يكونَ فيهم مَنْ هو من أولاد عمرو مُزَيقياء، وكذا لا يبعدُ أن يكونَ فيهم من هو من العرب، وليس من أولاد عمرو المذكور إلا أنَّ الكثير منهم ليسوا من العرب أصلاً، وقد انتظم في سِلْك هذا الجيل أُناسٌ يقال: إنهم من ذرية خالد بن الوليد، وآخرون يقال: إنهم من ذرية معاذ بن جبل؛ وآخرون يقال: إنهم من ذرية العباس بن عبد المطلب، وآخرون يقال: إنهم من بني أمية، ولا يصحُّ عندي من ذلك شيء، بَيْدَ أنه سكن مع الأكراد طائفةٌ من السادة أبناءِ الحسين يقال لهم: البَرْزَنْجية، لا شكّ في صحَّة نَسَبهم، وكذا في جلالة حَسَبهم. (١) فتح الباري ٦/ ٥٣٧ -٥٣٨. (٢) صحيح البخاري قبل الحديث (٣٥٠٧). (٣) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ١/ ٥٣٣ -٥٣٦. ٠٠. الآية : ١٦ ٢٦٥ سُورَةُ الفَتح وبالجملة الأكرادُ مشهور بالبأس(١)، وقد كان منهم كثيرٌ من أهل الفضل، بل ثبتَ لبعضهم الصُّحبة، قال الحافظ ابنُ حجر في ((الإصابة في تمييز الصحابة))(٢) في حرف الجيم: جابان والد ميمون، روى ابن مَنْده من طريق أبي سعيد مولى بن هاشم عن أبي خَلدة: سمعتُ ميمونَ بن جابان الكُردي(٣) عن أبيه أنه سمع النبيَّ وَّرِ غيرَ مرَّة حتى بلغ عشراً، وذكر الحديث، وقد أخرج نحوه الطبراني في ((المعجم الصغير) عن ميمون الكُردي عن أبيه أيضاً، وهو أتمُّ منه، ولفظه: سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((أَيُّما رجلٍ تزوَّج امرأةً على ما قلَّ من المَهْر أو كَثُرَ ليس في نَفْسِه أن يُؤدِّيَ إليها حقَّها، خَدَعَها، فمات ولم يُؤَدِّ إليها حقَّها، لقي اللهَ يومَ القيامة وهو زانٍ، وأيمًا رجلٍ استدانَ ديناً لا يُريد أن يُؤدِّيَ إلى صاحبه حقّه خَدَعه حتى أَخذَ ماله، فمات ولم يُؤَدِّ إليه دَيْنه، لَقِيَ اللهَ وهو سارقٌ))(٤). ويُكْنَى ميمون هذا بأبي بَصير، بفتح الموحدة، وقيل: بالنون، وهو كما في ((التقريب))(٥): مقبولٌ. هذا، وأشهرُ الأقوال في تعيين هؤلاء القوم أنهم بنو حنيفة. وقال أبو حيان(٦): الذي أقوله: إنَّ هذه الأقوالَ تمثيلاتٌ من قائلِها لا تعيين القوم، وهذا وإنْ حصل به الجمع بين تلك الأقوال خلافُ الظاهر. وقوله تعالى: ﴿نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ﴾ على معنى: يكون أحدُ الأمرين إما المُقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما، فـ ((أو)) للتنويع والحصر لا للشكّ، وهو كثير، ويدلُّ لذلك قراءةُ أُبَيّ وزيد بن عليٍّ: ((أو يُسلموا)) بحذف النون(٧)، لأنَّ ذلك للناصب، وهو يقتضي أنَّ ((أو)) بمعنى ((إلا))، أي: إلا أنْ يُسلموا، فيفيد الحصرَ، أو بمعنى (١) في (م): باليأس. (٢) ٢ / ٤٠. (٣) في مطبوع الإصابة: الصُّرَدي. (٤) المعجم الصغير (١١١). (٥) تقريب التهذيب ص٤٨٨ . (٦) البحر المحيط ٩٤/٨. (٧) القراءات الشاذة ص١٤٢ . : سُورَةُ الفَتح ٢٦٦ الآية : ١٦ ((إلى))، أي: إلى أَنْ يُسلموا، والغايةُ تقتضي أنه لا ينقطع القتالُ بغير الإسلام فيفيده أيضاً كما قيل. والجملةُ مستأنفةٌ للتعليل، كما في قولك: سيدعوك الأمير يُكرمك أو يَكْبِت عدوَّك، قال في ((الكشف)): ولا يجوز أن تكونَ صفةً لـ ((قوم)) لأنهم دُعُوا إلى قتال القومِ لا أنهم دُعُوا إلى قومٍ موصوف بالمقاتلة أو الإسلام. وجوَّز بعضهم كونها حاليةً وحاله كحال الوصفية. وأصلُ الكلام: سَتُدْعَوْن إلى قوم أُولي بأس لِتُقاتلوهم أو يُسلموا، فعدل إلى الاستئناف لأنه أعظم الوصلين، ثم فيه أنهم فعلوا ذلك وحصَّلوا الغرضَ، فهو يُخبر عنه واقعاً. والاعتراض بأنه يلزم أن لا ينفكَّ الوجودُ عن أحدِهما لصدق إخباره تعالى، ونحن نرى الانفكاكَ بأنْ يُتركوا سُدى أو بالهدنة، فينبغي أن يُؤَوَّل بأنه في معنى الأمر على ما في ((أمالي)) ابن الحاجب = غيرُ سديد؛ لأنَّ القومَ مخصوصون لا عُموم فيهم، وكان الواقعُ أنهم قُوتلوا إلى أن أسلموا، سواء فُسِّر القوم ببني حنيفة، أو بثقيف وهوازن، أو فارس والروم، على أنَّ الإسلامَ الانقيادُ، فما انفكَ الوجودُ عن أحدِهما، بل وقعا، وأما امتناعُ الانفكاك فليس من مُقتضى الوضع ولا الاستعمال، بل ذلك في الكلام الاستدلالي قد يتّفق. وأطال الطيبي الكلامَ في هذا المقام ثم قال: الذي يقتضيه المقام ما ذهب إليه صاحبُ ((التحبير)) من أنَّ ((يسلمون)) عطفٌ على ((تُقاتلونهم)) إما على الظاهر، أو بتقدير: هم يُسلمون، ليكون مِن عَطْفِ الاسمية على الفعلية، وحينئذ تكون المناسبةُ أكثرَ إذ تخرج الجملة إلى باب الكناية، والمعنى: تُقاتلونهم أو لا تقاتلونهم لأنهم يُسلمون، وقد وضع فيه: أو هم يسلمون، موضعَ: أَوْ لا تُقاتلونهم، لأنهم إذا أسلموا سقطَ عنهم قتالُهم ضرورةً، والاستدعاء عليه ليس إلا للاختبار، و((أو)) للترديد على سبيل الاستعارة، وفيه ما فيه. وشاع الاستدلالُ بالآية على صحة إمامةِ أبي بكر ◌َبه، ووجَّه ذلك الإمام(١)، فقال: الداعي في قوله تعالى: ((ستُدعون)) لا يخلو من أن يكون رسولَ الله وَلِّ، أو (١) تفسير الرازي ٩٢/٢٨. الآية : ١٦ ٢٦٧ سُورَةُ الفَتى الأئمّة الأربعة، أو مَنْ بعدَهم، لا يجوز الأول لقوله سبحانه: (قُل لَّن تَشَّبِعُونًا) إلخ، ولا أن يكون عليًّا ظُبه وكرم وجهه لأنه إنما قاتل البُغاة والخوارج، وتلك المقاتلة للإسلام لقوله عز وجل: ((أو يسلمون)) ولا مَنْ مَلَكَ بعدَهم؛ لأنهم عندنا على الخطأ وعند الشيعة على الكفر، ولما بَطَلت الأقسام تعيّن أن يكون المرادُ بالداعي أبا بكر وعمر وعثمان ﴿ه، ثم إنه تعالى أوجبَ طاعته وأَوعد على مُخالفته، وذلك يقتضي إمامته، وأيُّ الثلاثة كان ثَبَتَ المطلوب، أما إذا كان أبا بكر فظاهرٌ، وأما إذا كان عمرَ أو عثمانَ؛ فلأنَّ إمامته فرعُ إمامته وتُعُقِّب بأنَّ الداعيَ كان رسولَ الله وَّرَ، ويُشعر بذلك السين. قوله: لا يجوز؛ لقوله سبحانه: ((لن تتبعونا)) إلخ. فيه أنَّ ((لن)) لا تُفيد التأبيد على الصحيح، وظاهرُ السِّياق يدلُّ على أنَّ المرادَ به: لن تتّبعونا في الانطلاق إلى خيبرَ كما سمعت عن محيي السنة. أو هو مُقيَّد بما رُوي عن مجاهد، أو بما حُكي عن بعض. وقال أبو حيان (١): القولُ بأنهم لم يُدْعَوا إلى حرب في أيام الرسول ◌َ﴾ ليس بصحيح، فقد حضر كثيرٌ منهم مع جعفر في مؤتة، وحضروا حربَ هوازن معه عليه الصلاة والسلام، وحضروا معه ويّله أيضاً في سفرة تبوك. انتهى. ولا يخفى أن هذا إذا صحَّ يَنْفي حملَ النفي على التأبيد. ومن الشيعة من اقتصر في رَدِّ الاستدلال على الدعوة في تبوك. وتُعُقِّب بأنه لم يَقَعْ فيها ما أخبر الله تعالى به في قوله سبحانه: ((تُقاتلونهم أو يسلمون)»، ومنهم مَنْ زعم أنَّ الداعي عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وزَعَم كُفر البُغاة والخوارج عليه ◌َظُه، وأنه لو سُلِّم إسلامُهم يُرادُ بالإسلام في الآية الانقيادُ إلى الطاعة ومُوالاة الأمير، وفيه ما لا يخفى. والإنصافُ أن الآية لا تكاد تصحُّ دليلاً على إمامة الصدِّيق ◌ِظُّه إلا إنْ صحَّ خبرٌ مرفوعٌ في كون المرادِ بالقوم بني حنيفة ونحوهم، ودون ذلك خرطُ القَتاد. (١) البحر المحيط ٨/ ٩٤. سُورَةُ الفَتْح ٢٦٨ الآية : ١٧ ونفى بعضُهم صحَّةَ كون المراد بالقوم فارساً والروم، لأنَّ المرادَ في قوله تعالى: ((تقاتلونهم أو يسلمون)) على ما سمعت، وفارسُ مجوسٌ والرومُ نصارى، فلا يتعيَّن فيهم أحدُ الأمرين من المُقاتلة والإسلام، إذ يُقبل منهم الجزية، وكذا اليهود ومشركو العجم والصابئة عند أبي حنيفة ظله، وقال: يتعيَّن كونُهم مُرتدِّين أو مشركي العرب، لأنهم الذين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومثلُ مشركي العرب مشركو العجم عند الشافعي ظه، فعنده لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس. وأنت تعلم أنَّ مَنْ فسَّر القومَ بذلك يُفسِّر الإسلام بالانقياد، وهو يكون بقبول الجزية، فلا يتمُّ له أمرُ النفي، فلا تغفل. ﴿فَإِن تُطِيعُوا﴾ الداعي فيما دعاكم إليه ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرَاً حَسَناً﴾ هو - على ما قيل - الغنيمة في الدينا والجنة في الأخرى ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ﴾ عن الدعوة ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ﴾ في الحديبية ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ لِتضاعف جُرمكم، وهذا التعذيب قال في ((البحر)) (١): يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة. ويَحتمِلُ عندي - وهو الأوفق بما قبله على ما قيل - كونه فيهما، ولا بأس بكون كلٍّ من الإيتاء والتعذيب في الآخرة، بل لعله المُتبادر لكَثْرة استعمالهما في ذلك، ولا يحسنُ كون الأمرين في الدنيا، ولا كون الأول في الآخرة، أو فيها وفي الدنيا، والثاني في الدنيا فقط. ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ أي: إثم ﴿وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي: في التخلُّف عن الغزو لِمَا بهم من العُذر والعاهة، وفي نفي الحَرَج عن كلٍّ من الطوائف المعدودة مزيدُ اعتناء بأمرهم، وتوسيعٌ لدائرة الرُّخصة، وليس في نفي ذلك عنهم نهيٌّ لهم عن الغزو، بل قالوا: إنَّ أجرهم مُضاعَفٌ في الغزو، وقد غزا ابنُ أمّ مكتوم وكان أعمى رُه، وحضر في بعض حروب القادسية وكان يُمسك الراية. وفي ((البحر))(٢): لو حُصِرَ المسلمون، فالفرضُ مُتوجّه بحسب الوسع في الجهاد. (١) البحر المحيط ٨/ ٩٥. (٢) البحر المحيط ٨/ ٩٥. الآية : ١٨ ٢٦٩ سُورَةُ الفَتح ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما ذُكِرَ من الأوامر والنواهي ﴿يُدِْظْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَن يَتَوَلَّ﴾ عن الطاعة ﴿يُعَذِّبَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ لا يُقادَر قَدْرُه، والمعنى بالوعد والوعيد هنا أعمّ من المعنى بهما فيما سبق كما يُنبئ عن ذلك التعبير بـ ((من)) هنا وبضمير الخِطاب هناك. وقيل في الوعيد: ((يُعذِّبه)) إلخ، دون: يُدخله ناراً، ونحوه مما هو أظهرُ في المُقابلة؛ لقوله تعالى: ((يدخله جنات)) إلخ = اعتناءً بأمره من حيث إنَّ التعذيبَ يوم القيامة عذاباً أليماً يستلزمُ إدخالَ النار، وإدخالها لا يستلزم ذلك، واعتنى به لأنَّ المقامَ يقتضيه، ولذا جيء به كالمُكَرَّر مع الوعيد السابق. ويكفي في الإشارة إلى سبق الرحمة إخراجُ الوعد هاهنا كالتفصيل لما تقدَّم، والتعبيرُ هناك بإيتاء الأجر الحَسن الظاهر في الاستحقاق مع إسناد الإيتاء إلى الاسم الجليل نفسهِ، فتأمَّل فَلمسلك الذِّهن اتساع. وقرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر والأعرج وشيبة وابن عامر ونافع: ((نُدخله)) و((انُعذبه)) بالنون فيهما (١). ولما ذكر سبحانه حالَ مَنْ تخلَّف عن السفر مع رسول الله وَّ ذَكَر عز وجل حال المؤمنين الخُلَّص الذين سافروا معه عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وهم أهلُ الحديبية إلا جدَّ بن قیس فإنه كان منافقاً ولم يُبابع. وأصلُ هذه البيعة - وتُسمَّى: بيعة الرضوان؛ لقول الله تعالى فيها: ((لقد رضي)) إلخ - أنَّ النبيَّي ◌َِّ لما نزل الحديبيةَ بعثَ خِرَاشاً - بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وألفٍ بعدها شينٌ معجمةٌ - ابنَ أُميةَ الخُزاعيَّ رسولاً إلى أهل مكة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب، يُعلمهم أنه جاء معتمراً لا يريدُ قتالاً، فلما أتاهم وكلَّمهم عَقَروا جَمَلَه وأرادوا قَتْله، فمنعه الأحابيش، فَخَلَّوا سبيلَه حتى (١) قراءة ابن عامر ونافع وأبي جعفر في التيسير ص٢٠١، والنشر ٢٤٨/٢، وقراءة الحسن وقتادة والأعرج وشيبة ذكرها أبو حيان في البحر ٩٥/٨. سُورَةُ الفَتح ٢٧٠ الآية : ١٨ أتى الرسولَ وَه، فدعا عمر ◌َُّهُ لِيبعثَه، فقال: يا رسول الله، إنَّ القومَ قد عَرَفوا عداوتي لهم وغِلَظي عليهم، وإني لا آمنُ وليس بمكة أحدٌ من بني عَدِي يغضب لي إِنْ أُوذيتُ، فَأَرْسِل عثمان بن عفان، فإنَّ عشيرتَه بها وهم يُحِبُّونه، وإنه يُبلِّغ ما أردتَ، فدعا رسولُ الله ◌َّهِ عثمانَ فأرسله إلى قريش وقال: ((أَخْبِرْهم أنَّا لم نأتِ بقتال وإنما جئنا عُمَّاراً، وادعُهم إلى الإسلام)) وأمره عليه الصلاة والسلام أنْ يأتيَ رجالاً بمكة مؤمنين ونساءً مؤمنات، فيبشِّرهم بالفتح ويُخبرهم أنَّ الله تعالى قريباً يُظهر دِيْنَه بمكة، فذهب عثمانُ ◌َبه إلى قريش وكان قد لَقِيَه أبانُ بن سعيد بن العاص فنزل عن دابَّته وحمله عليها وأجاره، فأتى قريشاً فأخبرهم، فقالوا له: إن شئتَ فَطُفْ بالبيت، وأما دخولكم علينا فلا سبيلَ إليه، فقال ◌َله: ما كنتُ لأَطوفَ به حتى يطوفَ به رسولُ الله ◌ِّه فاحْتَبَسُوه، فبلغَ رسولَ اللهِوَّهِ والمسلمين أنَّ عثمانَ قد قُتِلَ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا نبرحُ حتى نُناجِزَ القومَ)) ونادى مُناديه عليه الصلاة والسلام: ألا إنَّ روحَ القُدُس قد نزل على رسول الله وَله فأمره بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسولِ اللهِ وَه وبايعوه(١) . قال جابر - كما في (صحيح مسلم)) وغيره -: بايعناه وَّهِ على أنْ لا نَفِرَّ، ولم نُبايعه على الموت(٢) . وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعتُ رسولَ اللهِ وَلّ تحت الشجرة، قيل: على أيِّ شيءٍ تُبايعون يومئذ؟ قال: على الموت (٣). وأخرج مسلم عن مَعْقِل بن يسار أنه كان آخذاً بأغصان الشجرة عن وجه رسولِ اللهِ وٌَّ وهو يُبايع الناسَ(٤). وكان أوَّلُ من بايع رسولَ الله ◌َّو يومئذ أبا سنان، وهو وهبُ بن محصن أخو (١) ينظر السيرة النبوية ٣١٥/٢-٣١٦، والمحرر الوجيز ١٣٣/٥-١٣٤. (٢) صحيح مسلم (١٨٥٦): (٦٧). (٣) صحيح البخاري (٢٩٦٠)، وهو في مسند أحمد (١٦٥٠٩)، وصحيح مسلم (١٨٦٠). (٤) صحيح مسلم (١٨٥٨). الآية : ١٨ ٢٧١ سُورَةُ الفَتْحُ عُكاشة بن محصن. وقيل: سنان بن أبي سنان، وروى الأول البيهقي في ((الدلائل)) عن الشعبي، وأنه قال للنبيّ عليه الصلاة والسلام: ابْسُطْ يدكَ أبايعك، فقال النبيُّ وَّهِ: ((علامَ تبايعني؟)) قال: على ما في نَفْسِكَ (١). وفي حديث جابر الذي أخرجه مسلمٌ أنه قال: بايعناه عليه الصلاة والسلام وعمرُ ◌َبه آخذٌ بيده(٢). ولعلَّ ذلك ليس في مبدأ البيعة، وإلا ففي (صحيح البخاري)) عن نافع أنَّ عمرَ ظُه يومَ الحديبية أرسل ابنه عبدَ الله إلى فَرسٍ له عند رجل من الأنصار أنْ يأتيَ به ليقاتلَ عليه ورسول الله وَل﴿ يُبايع عند الشجرة وعمرُ لا يدري بذلك، فبايعه عبدُ الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمرَ وعمرُ رَُّه يستلئمُ للقتال(٣)، فأخبره أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ يُبايع تحت الشجرة، فانطَلَقَ فذهبَ معه حتى بايع رسولَ الله وَلِينَ(٤). وصحَّ أنه وَِّ ضرب بيده اليُمنى على يدِه الأخرى، وقال: ((هذه بيعةُ عثمانَ))(٥) . ولما سَمِعَ المشركون بالبيعة خافوا وبَعثوا عثمانَ رَظُهِ وجماعةً من المسلمين. وكانت عِدة المؤمنين ألفاً وأربع مئة على الأصحِّ عند أكثر المُحدِّثين، ورواه البخاري عن جابر(٦)، وروَى عن سعيد عن قتادة(٧) قال: قلتُ لسعيد بن المسيّب بلغني أنَّ جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربعَ عشرةَ مئة، فقال لي سعيد: حدثني جابر كانوا خمسَ عشرةَ مئة الذين بايعوا رسولَ اللهِ وَّار، وتابعه أبو داود(٨). وروى أيضاً عن عبد الله بن أوفى قال: كان أصحابُ الشجرة ألفاً وثلاث مئة(٩)، وعند (١) دلائل النبوة ١٣٧/٤، وإسناده منقطع. (٢) صحيح مسلم (١٨٥٦): (٦٧) وسلف جزء منه قريباً. (٣) اسْتَلْأَمَ: لَبِسَ لَأُمَتَهُ، واللَّأُمة: الدرع. المصباح (لوم). (٤) صحيح البخاري (٤١٨٦). (٥) أخرجه الترمذي (٣٧٠٢) من حديث أنس ضـ (٦) برقم (٤١٥٤). (٧) في الأصل و(م): سعيد بن قتادة، وهو تحريف. (٨) صحيح البخاري (٤١٥٣)، وقوله: تابعه أبو داود. أي: الطيالسي كما في فتح الباري ٤٤٣/٧، والخبر في مسنده (١٧٢٩). (٩) أخرجه البخاري (٤١٥٥)، ومسلم (١٨٥٧). سُورَةُ الفَتح ٢٧٢ الآية : ١٨ [ابن] أبي شيبة من حديث سَلَمة بن الأكوع أنهم كانوا ألفاً وسبعَ مئة. وجزم موسى بن عُقبة بأنهم كانوا ألفاً وستَّ مئة (١)، وحكى ابن سعد أنهم ألف وخمسُ مئة وخمسة وعشرون(٢). وجُمع بين الروايات بأنها بناءً على عَدِّ الجميع أو ترك الأصاغر والأتباع والأوساط، أو نحو ذلك(٣)؛ وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعَ مئة(٤)، فلم يُوافقه أحدٌ عليه لأنه قاله استنباطاً من قول جابر: تنحر البدنة عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة. وهذا لا يدلُّ على أنهم ما كانوا نحروا غير البُدن مع أنَّ بعضَهم کأبي قتادة لم یکن أحرمَ أصلاً . والشجرة كانت سَمُرةً، والمشهور أنَّ الناسَ كانوا يأتونها فيصلُّون عندها، فبلغ له فأمر بقطعها خشيةً الفتنة بها لقرب الجاهلية وعبادةٍ غير الله تعالى ذلك عمر فیھم. وفي ((الصحيحين)) من حديث طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقتُ حاجًّا، فمررت بقوم يُصلُّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرةُ حیث بایعَ رسولُ اللهِ وَ﴿ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المُسيَّب فأخبرته فقال: حدَّثني أبي أنه كان ممن بايعَ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام تحت الشجرة، قال: فلما كان من العام المُقبل نسيناها فلم نقدر عليها، ثم قال سعيد: إنَّ أصحابَ محمد نَّه لم يعلموها وعَلِمتموها أنتم! فأنتم أعلم(٥)؟ والرِّضا يُقابل السَّخط، وقد يُستعمل بـ ((عن)) والباء، ويُعدّى بنفسه، وهو مع ((عن) إنما يدخل على العين لا المعنى، ولكن باعتبار صدور معنی منه يُوجب (١) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٤٠، وذَكَر حديث ابن أبي شيبة الذي قبله، ولفظة: ابن. لم ترد في الأصل و(م)، واستدركت منه، والخبر عند ابن أبي شيبة ٤٣٨/١٤. (٢) الطبقات ٢ / ٩٥. (٣) ينظر فتح الباري ٧/ ٤٤٠. (٤) السيرة النبوية ٣٠٨/٢-٣٠٩. (٥) صحيح البخاري (٤١٦٣)، وصحيح مسلم (١٨٥٩). ووقع في الأصل و(م): فأيكم أعلم؟ والمثبت من الصحيحين. الآية : ١٨ ٢٧٣ سُورَةُ الفَتح الرضا، وما في الآية من هذا القِسْم، والمعنى الموجب للرضا فيها هو المُبايعة، وإذا ذكر مع العين معنى بالباء، فقيل: رضيتُ عن زيد بإحسانه، كانت الباء للسببية، وجاز أن تكونَ صلةً، وتتعيَّن للسببية مع مُقابلةِ نحوِ: سَخِطتُ عليه بإساءته، وهو مع الباء نحو: رَضِيتُ به، يجب دخولُه على المعنى، إلا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى ليكونَ أبلغَ فتقول: رضيتُ بقضاء الله تعالى، ورضيتُ بالله تعالى ربًّا وقاضياً، وإذا عُدِّي بنفسه جاز دخولُه على الذات نحو: رضيتُ زيداً، وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أنَّ كلَّه مرضيٍّ بتلك الخَصْلة، وفيه مبالغةٌ. وجاز دخولُه على المعنى، كـ : رضيتُ إمارةَ فلان. والأولُ أكثرُ استعمالاً، وإذا استعمل مع اللام تعدَّى بنفسه كقولك: رضيتُ لك التجارةَ. وفيه تجوُّز، إما لجعل الرِّضا مجازاً عن الاستحماد، وإما لأنك جعلتَ كونه مرضيًّا له بمنزلة كونه مرضيًّا لك مبالغةً في أنه في نفسه مرضيٍّ محمود، وأنك تختار له ما تختار لنفسك، وهذا أبلغُ. ثم هو في حقِّ الحقِّ تعالى شأنُه مُحالٌ عند الخَلَف، قالوا: لأنه سبحانه لا تحدثُ له صفةٌ عقيبَ أمرٍ ألبتة، فهو عندهم مجازٌ إما من أسماء الصفات إذا فُسِّر بإرادة أن يُثيبهم إثابةَ مَنْ رضي عمَّن تحت يدِهِ، وإما من أسماءِ الأفعال إذا فُسِّر بالإثابة، وكذا إذا أُريد الاستحماد. وفي ((البحر)): إن العاملَ بـ ((إذ)) في الآية هو ((رضي))، وهو هنا بمعنى إظهار النعم عليهم، فهو صفةُ فعل لا صفة ذات لِيتقيَّد بالزمان(١). وأنت تعلم أنَّ السَّلف لا يُؤَوِّلون مثل ذلك ويُثبتونه له تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، ويَصْرِفون الحدوثَ الذي يستدعيه التقييدُ بالزمان إلى التعلّق. ثم إنَّ تقييدَ الرِّضا بزمان المُبايعة يُشعر بِعِلِّتها له، فلا حاجةَ إلى جعل ((إذْ)) للتعليل. والتعبيرُ بالمضارع لاستحضار صورة المُبايعة. وقوله سبحانه: ((تحت الشجرة)) إما مُتعلِّقٌ بـ ((يبايعونك)) أو بمحذوف هو حالٌ من مفعوله، وفي التقييد بذلك إشارةٌ إلى مَزيد وقعٍ تلك المبايعة وأنها لم تكن عن خوفٍ منه عليه الصلاة والسلام، ولذا (١) البحر ٩٦/٨، وفيه: لتقييده بالزمان. سُورَةُ الفَتى ٢٧٤ الآية : ١٨ استوجَبتْ رضا الله تعالى الذي لا يُعادله شيء ويستتبع ما لا يكادُ يخطر على بال، ويكفي فيما ترَّب على ذلك ما أخرج أحمدُ عن جابر، ومسلم عن أُمّ بِشر(١) عنه (٢)، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا يدخل النارَ أحدٌ ممن بايعَ تحت الشجرة))، وقد قال عليه الصلاة والسلام ذلك عند حفصةً فقالت: بلى يا رسولَ الله، فانتهرها، فقالت: ﴿وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. فقال عليه الصلاة والسلام: ((قد قال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّىِ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فَِهَا ◌ِيًّا﴾)) [مريم: ٧٢](٣). وصحَّ برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر أنه وَّ﴾ قال لهم: ((أنتم خيرُ أهلِ الأرض)» (٤) فينبغي لكلِّ من يدَّعي الإسلام حُبّهم وتعظيمهم والرضا عنهم، وإنْ كان غير ذلك لا يضرُّهم بَعْدَ رضا الله تعالى عنهم، وعثمان منهم، بل كانت يدُ رسول الله وَّ له ظ ◌ُبه - كما قال أنس(٥) - خيراً من أيديهم لأنفسهم. ﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصِّدق والإخلاص في مُبايعتهم، ورُوي نحو ذلك عن قتادة وابن جُريج وعن الفراء (٦). وقال الطبري ومنذر بن سعيد: من الإيمان وصحته وحُبِّ الدين والحِرص عليه(٧). وقيل: من الهمّ والأَنفة من لين الجانب للمشركين وصُلحهم، واستحسنه أبو حيَّان(٨)، والأولُ عندي أحسنُ. وهو عطف على ((يبايعونك)) لما عرفتَ من أنه بمعنى: بايعوك. وجُوِّز عطفُه على ((رَضِيَ)) بتأويله بـ: ظهرَ عِلْمُه، فيصير مُسيَّاً عن الرِّضا مُتَرتباً عليه. (١) في صحيح مسلم: أم مُبَشِّر. قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب ٧٠١/٤: أم مُبَشِّر الأنصارية امرأة زيد بن حارثة، ثم قال: زعم الدمياطي أن اسمها: جهينة بنت صيفي وأنها زوجة البراء بن معرور وأمُّ ولديه: بشر ومُبَشِّر، وخلف عليها بعده زيد بن حارثة. (٢) كذا وقع في الأصل و(م): عنه، وهو وهم، فالحديث في صحيح مسلم من رواية جابر عن أم مبشر عن النبيِّ لَهه. (٣) مسند أحمد (١٤٧٧٨)، وليس فيه ذكر حفصة ﴿ّا، وصحيح مسلم (٢٤٩٦)، واللفظ له. (٤) صحيح البخاري (٤١٥٤)، وصحيح مسلم (١٨٥٦)(٧١). (٥) أخرجه الترمذي (٣٧٠٢). (٦) ذكره عن الفراء القرطبي في تفسيره ٣١٩/١٩. (٧) البحر ٩٦/٨، وهو في تفسير الطبري ١/ ٢٧٧ بنحوه. (٨) البحر ٨/ ٩٦. الآية : ١٨ ٢٧٥ سُورَّةُ الفَتح ﴿فَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الطمأنينة والأمن وسكون النفس والربط على قلوبهم بالتشجيع، وقيل: بالصُّلح، وليس بذاك. والظاهرُ أنه عطفٍ على ((عَلِمَ)). وفي ((الإرشاد)): إنه عطف على ((رضي)) (١)، وظاهر كلام أبي حيان(٢) الأول، وحيث استحسن تفسيرَ ما في القلوب بما سمعتَ آنفاً قال: إن السكينة هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى. وقال مقاتل: فعلم الله ما في قلوبهم من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه القول على الموت، فأنزل السكينة عليهم حتى بايعوا. وتُفسَّر ((السكينة)) بتذليل قلوبهم حقَّهم، وحَمَلَ ورفعٍ كراهة البيعة هنا، ولعمري إنَّ الرجل لم يعرف للصحابة كلامَ الله تعالى على خلاف ظاهره. ﴿وَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾﴾ قال ابن عباس وعكرمة وقتادة وابن أبي ليلى وغيرهم: هو فتحُ خيبر، وكان غبَّ انصرافهم من الحديبية. وقال الحسن: فتح هَجَر، والمرادُ: هجر البحرين، وكان فتح في زمانه وَّر بدليل كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات والدِّيات. وفي ((صحيح البخاري)) أنه وَله صالحَ أهلَ البحرين(٣)، وأخذَ الجِزية من مجوس هَجَر (٤). والفتحُ لا يستدعي سابقةَ الغزو كما علمت مما سبق في تفسيره، فسقطَ قولُ الطيبي معترضاً على الحسن: إنه لم يذكر أحدٌ من الأئمّة أنه ◌ََّ غزا هجراً. نعم إطلاقُ الفتح على مثل ذلك قليل غيرُ شائع، بل قيل: هو معنّی مجازيٌّ له. وقيل: هو فتح مكة، والقربُ أمرٌ نِسبيٍّ. وقرأ الحسن ونوح القارئ: ((وآتاهم))(٥)، أي: أعطاهم. (١) إرشاد العقل السليم (وهو تفسير أبي السعود) ١١٠/٨. (٢) البحر ٨/ ٩٦. (٣) صحيح البخاري (٣١٥٧) من حديث عبد الرحمن بن عوف (٤) صحيح البخاري (٣١٥٨) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري (٥) البحر المحيط ٨/ ٩٦. سُورَةُ الفَتْح ٢٧٦ الآية : ١٩ - ٢٠ ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ هي مغانمُ خيبر كما قال غير واحد، وقسمها عليه الصلاة والسلام كما في حديث أحمد وأبي داود والحاكم وصحَّحه عن مُجَمِّع بن جارية الأنصاري، فأَعطى للفارس سهمين وكان منهم ثلاث مئة فارس وللراجل سهماً(١). وقيل: مغانم مَجَر. وقرأ الأعمش وطلحة ورُویس عن يعقوب، ودُلبه(٢) عن يونس عن ورش، وأبو دحية وسَقْلاب(٣) عن نافع، والأنطاكي عن أبي جعفر: ((تأخذونها)) بالتاء الفوقية(٤). والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في الامتنان. ﴿وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا﴾ غالباً ﴿حَكِيمًا ﴾﴾ مُراعياً لمقتضى الحِكمة في أحكامه تعالی وقضاياه جلَّ شأنه. ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي - على ما قال ابن عباس ومجاهد وجمهور المفسرين - ما وَعَدَ اللهُ تعالى المؤمنين من المغانم إلى يوم القيامة ﴿تَأْخُذُونَهَا﴾ في أوقاتها المُقدَّرة لكلِّ واحدة منها ﴿نَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي: مغانم خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنگمْ﴾ أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان حین جاؤوا لنصرتهم، فقذف الله تعالى في قلوبهم الرُّعب فنكصوا. وقال مجاهد: كفَّ أيدي أهل مكة بالصُّلح. وقال الطبري(٥): كفَّ اليهود عن المدينة بعد خروج الرسول وَطقه إلى الحديبية وإلى خيبر. وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة الموعودة مغانمُ خيبر، والمُعَجَّلة البيعة والتخلّص من أمر قريش بالصُلح. والجمهور على ما قدَّمنا(٦). (١) مسند أحمد (١٥٤٧٠)، وسنن أبي داود (٢٧٣٦)، والمستدرك ١٣١/٢. وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند، وينظر كذلك زاد المعاد ٣٣٠/٣، ونصب الراية ٤١٦/٣-٤١٨. (٢) هو: عبد الله بن أحمد بن الهيثم، أبو العباس البلخي. معرفة القراء ٢/ ٥٢٤. (٣) سقلاب بن شُنَينة، أبو سعيد المصري. توفي سنة إحدى وتسعين ومئة. معرفة القراء ٣٣٣/١. (٤) البحر المحيط ٩٦/٨، والمحرر الوجيز ١٣٤/٥. (٥) تفسير الطبري ١٩/ ٢٨٢ . (٦) في (م): قدمناه. الآية : ٢٠ ٢٧٧ سُورَةُ الفَتح والمناسبة لما مرَّ من ذكر النبيِّ ◌َّه بطريق الخطاب وغيره بطريق الغيبة كقوله تعالى: (لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ) تقتضي على ما نُقل عن بعض الأفاضل أنَّ هذا جارٍ على نهج التغليب وإن احتَمل تَلوين الخطابِ فيه. وذكر الجلبي في قوله تعالى: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ،) إلخ أنه إنْ كان نزولُها بعدَ فتح خيبر - كما هو الظاهرُ - لا تكون السورة بتمامها نازلةً في مَرْجعه وَّه من الحديبية، وإنْ كان قبلَه على أنها من الإخبار عن الغيب، فالإشارة بـ ((هذه)) لتنزيل المغانم منزلةَ الحاضرة المُشاهَدة، والتعبير بالمُضِي للتحقُّق. انتهى. واختير الشقّ الأول. وقولهم: نزلت في مرجعه عليه الصلاة والسلام من الحُديبية، باعتبار الأكثر، أو على ظاهره، لكن يجعل المرجع اسم زمان ممتدٌ. وتُعُقِّب بأنَّ ظاهرَ الأخبار يقتضي عدمَ الامتداد وأنها نزلت من أولها إلى آخرها بين مكة والمدينة، فلعلَّ الأَولى اختيار الشقِّ الثاني، والإشارة بـ ((هذه)) إلى المغانم التي أثابهم إيَّاها المذكورة في قوله تعالى: (وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَأ) وهي مغانمُ خيبر، وإذا جُعلت الإشارة إلى البيعة - كما سمعتَ عن زيد وابنه، ورُوي ذلك عن ابن عباس - لم يُحتَجْ إلى تأويل نزولها في مَرْجعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية. ﴿وَلِتَّكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِينَ﴾ الضمير المُستتر، قيل: للكفِّ المفهوم من (كفّ))، والتأنيث باعتبار الخبر، وقيل: للكَفَّة، فأمرُ التأنيث ظاهرٌ. وجُوِّز أن يكون لمغانم خيبر المُشار إليها بهذه. والآية: الأمارة، أي: ولتكونَ أمارةً للمؤمنين يعرِفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، أو يعرفون بها صدقَ الرسولِوَّ فِي وَعْده إياهم فتحَ خيبر، وما ذكر من المغانم وفتح مكة ودخول المسجد الحرام. واللام مُتعلِّقة إما بمحذوف مؤخّر، أي: ولتكون آيةً لهم فَعَلَ ما فَعَلَ، أو بما تعلَّق به علَّة أُخرى محذوفة من أحد الفعلين السابقين، أي: فعجَّل لكم هذه، أو كفَّ أيدي الناس عنكم لِتنتفعوا بذلك، ولتكون آية، فالواو - كما في ((الإرشاد))(١). على الأول اعتراضية، وعلى الثاني (١) تفسير أبي السعود ١١٠/٨. سُورَةُ الفَتح ٢٧٨ الآية : ٢١ عاطفة، وعند الكوفيين الواو زائدة، واللام متعلِّقة بـ ((كفَّ)) أو بـ ((جلَّ)). ﴿وَبَهْدِيَّكُمْ﴾ بتلك الآية ﴿صِرَطًا مُسْتَقِيمًا ﴾﴾ هو الثقةُ بفضل الله تعالى والتوّل عليه في كلِّ ما تأتون وتذرون. ﴿وَأُخْرَى﴾ عطفٌ على ((هذه)) في ((فعجَّل لكم هذه»، فكأنه قيل: فعجَّل لكم هذه المغانمَ، وعجَّل لكم مغانمَ أُخرى، وهي مغانمُ هوازن في غزوة حُنين. والتعجيلُ بالنسبة إلى ما بعدُ، فيجوز تعدُّد المُعَجَّل كالابتداء بشيئين، وقوله تعالى: ﴿لَمْ تَّقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ في موضع الصِّفة، ووصفُها بعدم القُدرةِ عليها لما كان فيها من الجولة قبل ذلك لزيادة ترغيبهم فيها . وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَحَاَ اَللَّهُ بِهَا﴾ في موضع صفةٍ أُخرى لـ ((أُخرى)) مفيدةٍ لسهولة تَأَتِيها بالنسبة إلى قُدرته عز وجل بعد بيانٍ صعوبة مَنالها بالنظر إلى قُدرتهم، والإحاطةُ مجازٌ عن الاستيلاء التامِّ، أي: قد قدر اللهُ تعالى عليها واستولى، فهي في قبض قُدرته تعالى يُظهر عليها مَنْ أراد، وقد أظهركم جلَّ شأنه عليها وأظفركم بها. وقيل: مجازٌ عن الحفظ، أي: قد حَفِظها لكم، ومنعها من غيركم. والتذييل بقوله سبحانه: ﴿وَكَنَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا ﴾﴾ أوفقُ بالأول، وعمومُ قُدْرته تعالى لكونها مُقتضَى الذات، فلا يمكن أن تتغيرَ ولا أن تتخلّف وتزول عن الذات بسببٍ مّا كما تقرَّر في موضعه، فتكون نسبتُها إلى جميع المقدورات على سواءٍ من غير اختصاص ببعضٍ منه دون بعض، وإلا كانت متغيرةً(١)، بل مختلفةٌ (٢). وجُوِّز كون ((أُخرى)) منصوبةً بفعل يُفسِّره: ((قد أحاط الله بها))، مثل: قضى. وتُعُقِّبَ بأنَّ الإخبارَ بقضاء الله تعالى بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعود بها بقوله تعالى: (وَعَدَّكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٌ تَأْخُذُونَها) ليس فيه مزيدُ فائدة، وإنما الفائدةُ في بيان تعجيلها، وأُورد عليه أنَّ المغانمَ الكثيرةَ الموعودة ليست مُعينة لِيدخل فيها الأخرى، ولو سُلِّم فليس المقصودُ بالإفادة كونَها مقضيّةً، بل ما بعده، فتدبّر. (١) في (م): متغايرة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٦٤/٨، والكلام منه. (٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في حاشية الشهاب: متخلِّفة، وهو الصواب. الآية : ٢١ ٢٧٩ سُوَرَةُ الفَتّة وجُوِّز كونها مرفوعةً بالابتداء، والجملة بعدَها صفة، وجملة: ((قد أحاط)) إلخ خبرُها، واستَظْهَرَ هذا الوجهَ أبو حيان(١). وقال بعض: الخبرُ محذوفٌ، تقديرُه: ثمَّت، أو نحوه. وجوَّز الزمخشري(٢) كونَها مجرورةً بإضمار ((رُبَّ)) كما في قوله: وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدُولَه(٣) وتعقّبه أبو حيان بأنَّ فيه غَرابةً لأنَّ (رُبَّ)) لم تأتِ في القرآن العظيم جارَّة مع كَثْرة وُرود ذلك في كلام العرب، فكيف تُضْمَر هنا(٤)؟ وأنت تعلم أنَّ مثلَ هذه الغرابة لا تَضُرُّ. هذا، وتفسيرُ الأُخرى بمغانم هوازن قد أخرجه عبد بن حُميد عن عكرمة عن ابن عباس، واختاره غير واحد. وقال قتادة والحسن: هي مكة، وقد حاولوها عامَ الحُديبية ولم يُدركوها فأخبروا بأنَّ الله تعالى سَيُظْفِرهم بها ويُظهرهم عليها. وفي رواية أُخرى عن ابن عباس والحسن - ورُويت عن مقاتل - أنها بلادُ فارس والروم وما فتحه المسلمون، وهو غيرُ ظاهرٍ على تفسير المغانم الكثيرة الموعودة فيما سبق بما وعدَ اللهُ تعالى به المسلمين من المغانم إلى يوم القيامة، وأيضاً تعقَّبه بعضُهم بأن ((لم تقدروا عليها)) يُشعر بتقدُّم محاولة لتلك البلاد وفَوات دَرْكها المطلوب مع أنه لم تتقدَّم محاولة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هي خيبر (٥). وروى - - ذلك عن الضحاك و[ابن](٦) إسحاق وابن زيد أيضاً، وفيه خَفاء فلا تَغْفُلْ. (١) البحر المحيط ٨/ ٩٧. (٢) الكشاف ٥٤٧/٣ . (٣) البيت من معلقة امرئ القيس، وعجزه: عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي. الديوان ص١٨. (٤) البحر المحيط ٨/ ٩٧. (٥) الدر المنثور ٧٥/٦، وتفسير الطبري ٢٨٥/٢١. (٦) ما بين حاصرتين ليس في الأصل و(م). وأثبتناه من تفسير الطبري ٢٨٥/٢١. : سُورَةُ الفَتْحُ ٢٨٠ الآية : ٢٢ - ٢٤ ﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من أهل مكة ولم يُصالحوكم، كما رُوي عن قتادة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جُريج أنهم حليفا أهل خيبر: أسد وغَطَفان(١). وقيل: اليهود، وليس بذاك ﴿لَوَلَّوَأَ الْأَدْبَرَ﴾ أي: لانهزموا، فتوليةُ الدُّبر كنايةٌ عن الهزيمة ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ِ يَحْرُسُهم، وذكر الخَفاجيُّ (٢) أنَّ الحارسَ أحدُ معاني الوَليّ، وتفسيره هنا بذلك لمناسبته للمنهزم. وقال الراغب(٣): كلُّ مَنْ وَليَ أمرَ آخر فهو وَلِيُّه، وعليه فالحارسُ وَلِيٍّ؛ لأنَّه يَلي أمرَ المَحروس، والتنكيرُ للتعميم، أي: لا يجدون فرداً مّا من الأولياء ﴿وَلَا نَصِيرًا ﴾﴾ ولا فرداً مّا من الناصرين ينصرهم، وقال الإمام(٤): أُريد بالولي مَنْ ينفع باللُّطف، وبالنصير مَنْ ينفع بالعُنف. ﴿ُنَّةَ اللَّهِ الَّتِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ﴾ نصب على المصدرية بفعل محذوف، أي: سنَّ سبحانه غلبةَ أنبيائه عليهم السلام سنةً قديمة فيمن مضى من الأُمم كما قال سبحانه: ﴿لَأَغْلَ أَنَا وَرُسُلِيَّ﴾ [المجادلة: ٢١] على ما هو المتبادر من معناه، ولعلَّ المرادَ أنَّ سنتَّه تعالى أن تكونَ العاقبةُ لأنبيائه عليهم السلام لا أنهم كلما قاتلوا الكُفَّارَ غلبوهم وهزموهم ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾﴾ تغييراً. ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ أي: أيدي كُفَّارٍ مكة، وفي التعبير بـ (كفَّ)) دون: منع، ونحوه، لطفٌ لا يخفى ﴿وَيَدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِطْنِ مَّكَّةَ﴾ يعني الحُديبية كما أَخرج ذلك عبد بن حُميد وابن جرير عن قتادة(٥). وقد تقدَّم أن بعضَها من حرمٍ مكة، وإن لم يُسلَّم فالقُرب التامُّ كافٍ، ويكون إطلاقُ (بطن مكة)) عليها مُبالغةً. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾ مُظهِراً لكم ﴿عَلَهِرَّ﴾ فتعديةُ الفعل بـ ((على)) لِتضمُّنه ما يتعدَّى به وهو الإظهار والإعلاء، أي: جعلكم ذوي غَلَبة تامَّة. أخرج الإمام (١) الدر المنثور ٦/ ٧٥. (٢) حاشية الشهاب ٨/ ٦٤. (٣) المفردات (ولي). (٤) تفسير الرازي ٢٨/ ٩٧. (٥) الدر المنثور ٧٦/٦، وتفسير الطبري ٢٩٠/٢١.