Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ٤
٢٤١
سُورَةُ الفَتح
قلوبهم بسبب الصُّلح والأمن إظهاراً لِفَضْله تعالى عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف،
والمرادُ بإنزالها خَلْقها وإيجادها، وفي التعبير عن ذلك بالإنزال إيماءٌ إلى عُلُوِّ
شأنها. وقال الراغب(١): إنزالُ الله تعالى نعمتَه على عبدٍ إعطاؤه تعالى إيَّاها،
وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، أو بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال
الحدید ونحوه.
وقيل: ((أنزل)) مِنْ نزلَ في مكان كذا: حظّ رَحْلَه فيه، وأنزله غيرُه، فالمعنى:
حَطّ السكينةَ في قلوبهم، فكان قلوبهم منزلاً لها ومأوى.
وقيل: السكينة مَلَكٌ يسكنُ قلبَ المؤمن ويُؤمنه، كما رُوي أنَّ عليًّا رضي الله
عنه وكرم وجهه قال: إنَّ السكينة لَتنطِقُ على لسان عمر. وأمرُ الإنزال عليه ظاهرٌ
جدًّا.
وأخرج ابن جرير والبيهقي في ((الدلائل)) وغيرهما عن ابن عباس أنه قال:
السكينةُ هي الرحمةُ(٢). وقيل: هي العقل، ويقال له: سكينة إذا سكنَ عن المَيْل
إلى الشهواتِ وعن الرُّعب. وقيل: هي الوَقار والعَظَمة لله تعالى ولرسوله وَّةٍ .
وقيل: هي مِنْ سَكّن إلى كذا: مالَ إليه، أي: أنزل في قلوبهم السُّكون والمَيْل إلى
ما جاء به الرسولُ مَ ط18 من الشرائع.
وأرجحُ التفاسير هنا - على ما قال الخفاجي(٣) - الأول، وما ذكره بعضُهم من
أن السكينةَ شيء له رأس كرأس الهِرَّة، فما أراه قولاً يصحُّ.
﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَِهِمْ﴾ أي: يقيناً مع يقينهم بِرُسوخ العقيدة واطمئنان
النفوس عليها، على أن الإيمان لمَّا ثبتَ في الأزمنة نزّلَ تجدُّد أزمانه مَنزلةَ تجدُّده
وازدیاده فاستعیر له ذلك ورشِحَ بكلمة ((مع)). وقيل: ازدياد الإيمان بازدياد ما يُؤمن
به، ورُوي عن ابن عباس ﴾ أنَّ أولَ ما أتاهم به النبيُّ وَّهِ التوحيدُ، ثم الصلاة
(١) المفردات (نزل).
(٢) الدر المنثور ٧١/٦، وتفسير الطبري ٢٤٦/٢١، ودلائل النبوة ١٦٨/٤.
(٣) حاشية الشهاب ٨/ ٥٧ .

سُورَةُ الفَتح
٢٤٢
الآية : ٤
والزكاة، ثم الحجُّ والجهاد، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم. ومن قال: الأعمالُ من
الإيمان، قال بأنه نفسُه - أي: الإيمان المركَّب من ذلك وغيره - يزيدُ وينقص، ولم
يَحتجْ في الآية إلى تأويل، بل جعلها دليلاً له. وتفصيلُ الكلام في هذا المقام أنه
ذهب جمهورُ الأشاعرة والقلانسي والفقهاء والمُحدِّثون والمعتزلة إلى أن الإيمان
يزيدُ وينقصُ، ونُقِلَ ذلك عن الشافعي ومالك، وقال البخاري: لقيتُ أكثرَ من ألفٍ
رجلٍ من العلماء بالأمصار فما رأيتُ أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ
ويزيدُ وينقصُ(١). واحتجُوا على ذلك بالعقل والنقل: أما الأول: فلأنه لو لم
تتفاوَتْ حقيقةُ الإيمان لكان إيمانُ آحادِ الأمَّة المُنهمكين في الفِسق والمعاصي
مُساوياً لإيمان الأنبياء عليهم السلام مثلاً، واللازم باطلٌ فكذا المَلْزوم. وأما
الثاني: فَلِكَثْرة النصوص في هذا المعنى، منها الآية المذكورة، ومنها ما رُوي عن
ابن عمر ظّها: قلنا: يا رسولَ الله، إنَّ الإيمان يزيدُ وينقصُ؟ قال: ((نعم، يزيدُ حتى
يُدخِلَ صاحبَه الجنَّة، وينقصُ حتى يُدخِلَ صاحبُه النار))(٢) ومنها ما رُوي عن عمر
وجابر ◌ًِّا مرفوعاً: ((لو وُزِنَ إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لَرَجَحَ به))(٣).
واعتُرض بأنَّ عدمَ قبول الإيمان الزيادةَ والنَّقصَ على تقدير كونِ الطاعات داخلةً
في مُسمَّاه أولى وأحقُّ من عدم قبوله ذلك إذا كان مُسمَّاه التصديق وحدَه: أمَّا أولاً:
فلأنه لا مرتبةَ فوق كلِّ الأعمال لتكون زيادة، ولا إيمان دونه ليكون نقصاً. وأما
ثانياً : فلأنَّ أحداً لا يستكملُ الإيمانَ حينئذ، والزيادة على ما لم يكمل بَعْدُ مُحال.
وأُجيب بأنَّ هذا إنما يتوجَّه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان
بانتفاء شيء من الأعمال، والجماعةُ إنما يقولون: إنها شرطُ كمالٍ في الإيمان
فلا يلزم عند الانتفاء إلا انتفاء الكمال، وهو غيرُ قادح في أصل الإيمان.
(١) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري ٤٧/١. وسلف ٢٤/١٠.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٤٨١/١، وعزاه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف ص٣٤ للثعلبي. وسلف ٢٤/١٠.
(٣) أخرجه البيهقي في الشعب ٦٩/١ موقوفاً على عمر به، قال الحافظ ابن حجر في الكافي
الشاف ص٣٤: أخرجه إسحاق بن راهويه عن عمر وإسناده صحيح. ولم نقف عليه من
حديث جابر طا

الآية : ٤
٢٤٣
سُورَةُ الفَتح
وقال النووي وجماعة مُحقِّقون من علماء الكلام: إنَّ الإيمان بمعنى التصديق
القلبي يزيد وينقصُ أيضاً بِكَثْرة النظر ووضوح الأدلّة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان
الصِّدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشُّبه، وَيُؤيِّده أنَّ كلَّ واحد يعلم
أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكونَ في بعض الأحيان أعظمَ يقيناً وإخلاصاً منه في
بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظُهور البراهين وكَثْرتها(١).
واعتُرض بأنه متی قبل ذلك كان شئًا.
ودُفع بأن مراتبَ اليقين متفاوتةٌ إلى علم اليقين وحقِّ اليقين وعين اليقين مع أنها
لا شكَّ معها، وممن وافقَ النوويَّ على ما جزم به السعدُ في القسم الثاني من ((تهذيبه)».
وقال جماعةٌ من العلماء أعظمهم الإمامُ أبو حنيفة وتَبِعَه أصحابُه وکثیرٌ من
المُتكلِّمين: الإيمان لا يزيد ولا ينقصُ، واختاره إمام الحرمين، واحتجُوا بأنه اسمٌ
للتصديق البالغ حدَّ الجزم والإذعان، وهذا لا يُتصوَّر فيه زيادةٌ ولا نقصان،
فالمُصدِّق إذا ضمَّ إليه الطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقُه بحاله لم يتغير أصلاً،
وإنما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلَّةً وكثرةً.
وأجابوا عمَّا تمسّك به الأولون بوجوه: منها ما أشرنا إليه أولاً من أنَّ الزيادة
بحسب الدوام والثَّبات وكَثْرة الزمان والأوقات، وإيضاحه ما قاله إمام الحرمين:
النبيُّ ◌َلهم يفضلُ مَنْ عداه باستمرار تصديقه وعِصْمة الله تعالى إِيَّاه من مُخامرة
الشُّكوك، والتصديقُ عَرَضٌ لا يبقى بشخصه بل بتجدُّد أمثاله، فتقع للنبيِّ عليه
الصلاة والسلام متواليةً ولغيره على الفترات، فيثبت(٢) للنبيِّ وَّرِ أعدادٌ من الإيمان
لا يثبتُ لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه وَ* أكثرَ. والزيادةُ بهذا المعنى قيل:
مما لا نزاعَ فيها .
واعتُرض بأنَّ حصولَ المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه کسوادٍ
الجسم، ودُفع بأنَّ المُرادَ زيادةُ أعدادٍ حصلَتْ، وعدمُ البقاء لا يُنافي ذلك.
(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٦/١، وسلف بعضه ٢١/١٠.
(٢) في الأصل و(م): فثبتت، والمثبت من الإرشاد ص٣٣٦، ومما سلف ٢١/١٠.

سُورَةُ الفَتى
٢٤٤
الآية : ٤
ومنها ما أشرنا إليه ثانياً من أنَّ المراد الزيادة بحسب زيادة ما يُؤمن به،
والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين آمنوا أولاً بما آمنوا به وكانت الشريعةُ
لم تتمَّ، وكانت الأحكام تنزلُ شيئاً فشيئاً، فكانوا يؤمنون بكلِّ ما يتجدَّد منها
ولا شكَّ في تفاوت إيمان الناسِ بملاحظة التفاصيل كَثْرةً وقِلَّة، ولا يختصُّ ذلك
بعصره وَّر؛ لإمكان الاطلاع على التفاصيل في غيره من العصور أيضاً.
ومنها أن المرادَ زيادةُ ثمرته وإشراق نوره في القلب، فإنَّ نورَ الإيمان يزيدُ
بالطاعات وينقص بالمعاصي، قيل: وهذا إنما يحتاج إليه بعد إقامةٍ قاطع على
امتناع قَبول التصديق الزيادة والنقصَ، ومتى لم يَقُمْ قاطعٌ على ذلك كان الأولى
إيقاءُ الظواهر على حالها .
وقال الخطابي: الإيمان قولٌ وهو لا يزيدُ ولا ينقص، وعملٌ وهو يزيدُ
وينقصُ، واعتقادٌ وهو يزيدُ ولا ينقصُ، فإذا نقصَ ذهب. واعتُرض أنه إذا زاد ثم
عاد إلى ما كان فقد نقص ولم يذهَبْ. ودُفع بأنَّ مراده أنَّ الاعتقاد باعتبار أول
مَراتبه يزيدُ ولا ينقص لا أنَّ الاعتقادَ مطلقاً كذلك.
وذهب جماعةٌ منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين [في قول] إلى أنَّ الخلافَ
لفظيٌّ، وذلك بحمل قول النفي على أصل الإيمان، وهو التصديق، فلا يزيدُ
ولا ينقص، وحملٍ قول الإثبات على ما به كمالُه، وهو الأعمال، فيكون الخلافُ
في هذه المسألة فرعَ الخلاف في تفسير الإيمان(١). والحقُّ أنه حقيقيٌّ لما سمعتَ
عن الإمام النووي ومن معه من أنَّ التصديق نفسَه يزيدُ وينقص.
وقال بعض المحقّقين: إنَّ الزيادة والنقص من خواصِ الكَمِّ، والتصديق قِسْم
من العلم، ولم يقلْ أحدٌ بأنه من مَقولة الكَمِّ، وإنما قيل: هو كيف، أو انفعالٌ، أو
إضافة وتعلّق بين العالم والمعلوم، أو صفة ذات إضافة؛ والأشهر أنه كيف، فمتى
صحَّ ذلك وقلنا بمغايرة الشِّدة والضعف للزيادة والنقص فلا بأسَ بحملها في
النصوص وغيرها على الشِّدة والضعف، وذلك مجازٌ مشهور، وإنكار اتصاف
الإيمان بهما يكادُ يلحقُ بالمُكابرة، فتأمَّل.
(١) سلف بنحوه ٢٤/١٠، وما بین حاصرتين منه.

الآية : ٥
٢٤٥
سُورَةُ الفَتح
وذكر بعضُهم هنا أن الإيمان الذي هو مدخولُ ((مع)) هو الإيمان الفطري،
والإيمان المذكور قبلَه الإيمان الاستدلالي، فكأنه قيل: ليزدادوا إيماناً استدلاليًّا مع
إيمانهم الفِطْري، وفيه من الخَفَاء ما فيه.
﴿وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ يُدَبِّر أمرَها كيفما يُريد فَيُسلِّط بعضها على بعض
تارة، ويُوقِع سبحانه بينها السِّلم أُخرى، حسبما تقتضيه مشيئته المَبْنية على الحِكم
والمصالح، ومن قضيّة ذلك ما وقع في الحديبية.
﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلِيمًا﴾ مبالغاً في العلم بجميع الأمور ﴿يَكِيمًا ﴾﴾ في تقديره وتدبيره
عز وجل.
وقوله سبحانه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَّخِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِّهَا﴾
متعلّق بما يدلُّ عليه ما ذُكر من كون جنود السماوات والأرض له جل شأنه من معنى
التصرُّف والتدبير، وقد صرَّح بعضُ الأفاضل بأنه كنايةٌ عنه. أي: دبّر سبحانه ما دبّر
من تسليط المؤمنين لِيعرفوا نعمةَ الله تعالى في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنةَ،
فالعلَّة في الحقيقة معرفةُ النِّعمة وشُكرها لكنها لما كانت سبباً لدخول الجنة أُقيم
المُسبَّب مُقَامَ السبب.
وقيل: متعلِّق بـ (فتحنا)). وقيل: بـ ((أنزل))، وتعلُّقه بذلك مع تعلُّق اللام الأُخرى به
مبنيٌّ على تعلُّق الأول به مطلقاً والثاني مقيَّداً وتنزيلُ تغاير الوصفين منزلةَ تغاير
الذاتين، وإلا فلا يتعلَّق بعامل واحد حرفا جرِّ بمعنى واحد من غير اتباع. وقيل:
متعلّق بـ ((ينصرك)). وقيل: بـ (يزداد)). وقيل: بجميع ما ذُكر؛ إما على التنازع والتقدير،
أو بتقدير ما يشملُ ذلك كـ: فَعَل سبحانه ما ذكر لِيُدخِلَ .. إلخ. وقيل: هو بدل من
ليزداد بدل اشتمال، فإن إدخالَ المؤمنين والمؤمنات الجنة وكذا ما عُطف عليه مستلزمٌ
الزيادة الإيمان، وبدل الاشتمال يعتمد على ملابسةٍ مّا بين المُبدل والمبدل منه بحیث
يشعر أحدُهما بالآخر غيرِ الكلية والبعضية. ولعلَّ الأظهرَ الوجهُ الأول.
وضمُّ المؤمنات هاهنا إلى المؤمنين دفعاً لتوهُّم اختصاص الحُكم بالذكور
لأجل الجهادِ والفَتْح على أيديهم، وكذا في كلِّ موضع يُوهم الاختصاص يصرُِّ
بذِكْر النساء، ويقال نحو ذلك فيما بعدُ، كذا قيل.
1

الآية : ٦
٢٤٦
سُورَةُ الفَتح
وأخرج ابن جرير وجماعة عن أنس قال: أنزلت على النبيِّ نَّهِ: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
مَا تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ وَمَا تَأْخَّرَ) في مَرْجِعهِ من الحُديبية، فقال: لقد أُنزلَتْ عليَّ آية هي
أحبُّ إليَّ مما على الأرض)) ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسول الله، قد
بيَّن الله تعالى لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا فنزلَتْ: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ)
حتى بلغ: (فَوْزًا عَظِيمًا)(١).
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: يُغَطِّيها ولا يُظهرها، والمراد: يمحوها سبحانه
ولا يُؤاخذهم بها، وتقديمُ الإدخال في الذِّكر على التكفير مع أن الترتيبَ في
الوجود على العكس؛ لِلمُسارعة إلى بيان ما هو المطلوب الأَعْلى، كذا قال غير
واحد. ويجوز عندي أن يكون التكفير في الجنة على أن المعنى: يدخلهم الجنة
ويُغطّي سيئاتهم ويسترها عنهم، فلا تمرُّ لهم ببال ولا يذكرونها أصلاً لئلا يخجلوا
فيتكذَّر صفوُ عَيْشهم، وقد مرَّ مثلُ ذلك.
@﴾
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من الإدخال والتكفير ﴿عِندَ اللّهِ فَوْزًا عَظِيمًا
لا يُقادَر قَدْره لأنه مُنتهى ما تمتد إليه أعناقُ الهمم من جَلْب نفعِ ودَفْع ◌ُرِّ،
و((عند الله)) حال مِنْ ((فوزاً)) لأنَّ صفةَ النكرة إذا قُدِّمت عليها أُعرِبَتْ حَالاً. وكونه
يجوزُ فيه الحالية إذا تأخّر عن ((عظيماً) لا ضيرَ فيه كما تُؤُهُّم، أي: كائناً عند الله
تعالى، أي: في عِلْمه سبحانه وقضائه جل شأنه، والجملةُ اعتراضٌ مُقرِّر لما قبلَه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِنَ وَالْمُشْرِكَتِ﴾ عطف على
(يدخل)) أي: ولِيُعذّب المنافقين .. إلخ لغيظهم من ذلك، وهو ظاهرٌ على جميع
الأوجه السابقة في ((ليُدخِلَ)) حتى وجه البدليَّة، فإنَّ بدلَ الاشتمال تُصحُّحه
المُلابسة كما مرَّ، وازدياد الإيمان على ما ذكرنا في تفسيره مما يُغيظهم بلا ريب،
وقيل: إنه على هذا الوجه يكون عطفاً على المُبدَل منه. وتقديمُ المنافقين على
المشركين لأنهم أكثر ضرراً على المسلمين، فكأنَّ في تقديم تعذيبهم تعجيل
المَسَرَّة.
(١) تفسير الطبري ٢١/ ٢٤٠، وأخرجه أحمد (١٣٢٤٦)، ومسلم (١٧٨٦).

الآية : ٧
٢٤٧
سُورَةُ الفَتح
﴿ الَّآئِينَ بِاللَّهِ ظَرَبَّ السَّوْءِ﴾ أي: ظنّ الأمر الفاسد المذموم، وهو أنه عز وجل
لا ينصرُ رسولَه وَّهِ والمؤمنين، وقيل: المرادُ به ما يعمُّ ذلك وسائر ◌ُنونهم الفاسدة
من الشِّرك أو غيره.
﴿عَلَيْهِمْ دَآَبِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: ما يظنُّونه ويتربَّصونه بالمؤمنين فهو حائقٌ بهم ودائرٌ
علیھم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((دائرة السُّوء)) بالضَّمِّ(١)؛ والفرقُ بينه وبين ((السَّوْء))
بالفَتْح على ما في ((الصحاح))(٢): أن المفتوحَ مصدرٌ والمضمومَ اسمُ مصدر بمعنى
المساءة .
وقال غير واحد: هما لغتان بمعنَّى كالكُرْه والكَرْه عند الكسائي، وكلاهما في
الأصل مصدرٌ، غير أنَّ المفتوحَ غُلِّب في أن يُضافَ إليه ما يُراد ذَمُّه، والمضموم
جرى مجرى الشرِّ، ولما كانت الدائرةُ هنا محمودةً وأُضيفت إلى المفتوح في قراءة
الأكثر، تعيَّن على هذا أن يقال: إنَّ ذاكَ على تأويل أنها مذمومةٌ بالنسبة إلى مَنْ دارت
عليه من المنافقين والمشركين، واستعمالُها في المكروه أكثرُ، وهي مصدر بزِنَةِ اسم
الفاعل، أو اسمُ فاعل، وإضافتها على ما قال الطيبي من إضافة الموصوف إلى الصفة
للبيان على المبالغة. وفي ((الكشف)): الإضافة بمعنى ((مِنْ)) على نحو: دائرة ذهب،
فتدبَّر. والكلامُ إما إخبارٌ عن وقوع السوء بهم، أو دعاءٌ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنٌَّ﴾ عطفٌ على ذلك، وكان
الظاهرُ: فلعنهم فأعدَّ، بالفاء في الموضعين، لكنه عَدَلَ عنه للإشارة إلى أنَّ كلَّا من
الأمرين مستقلٌّ في الوعيد به من غير اعتبار للسببية فيه. ﴿ وَسَآءَتْ مَصِبًا ﴾﴾ جهنمُ.
﴿وَلَّهِ جُنُودُ السََّوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ذكر سابقاً على أن المرادَ أنه عز وجل المُدبِّر لأمرٍ
المخلوقات بمقتضى حِكْمته، فلذلك ذَيّل بقوله تعالى: ((عليماً حكيماً))، وهاهنا
أُريد به التهديدُ بأنهم في قبضة قُدْرة المنتقم، ولذا ذيّل بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
(١) التيسير ص١١٩، والنشر ١١٩/٢.
(٢) مادة: (سوأ).

سُورَةُ الفَتْح
٢٤٨
الآية : ٨ - ٩
حَكِيمًا ﴾﴾ فلا تَكرار كما قال الشهاب(١). وقيل: إنَّ الجنودَ جنودُ رحمة وجنودُ
عذاب، والمرادُ به هنا الثاني كما يُنبئ عنه التعرُّض لوصفِ العِزَّة.
﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا﴾ أي: على أُمَّتك؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وأخرج عبد بن حُميد وابن جرير عن قتادة: شاهداً على أُمَّتك
وشاهداً على الأنبياء عليهم السلام أنهم قد بلغوا (٢). ﴿وَمُبَشِرًا﴾ بالثواب على
الطاعة ﴿وَنَذِيرًا ﴾﴾ بالعذابِ على المعصية.
﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الخِطابُ للنبيِّ نَّهِ وَأُمَّته، كقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ
إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [الطلاق: ١] وهو من باب التغليب غُلِّب فيه المُخاطَب على الغَيَّب،
فيفيدُ أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام مُخاطَب بالإيمان برسالته كالأمة، وهو كذلك.
وقال الواحدي(٣): الخطاب في ((أرسلناك)) للنبيِّ وَّل، وفي ((لِتُؤمنوا)) لأُمَّته.
فعلى هذا إنْ كان اللام للتعليل يكون المُعلَّل محذوفاً، أي: لتؤمنوا بالله وكيت
وكيت فَعَلَ ذلك الإِرسال، أو للأمر على طريقة: ((فبذلك فلتفرحوا)) [يونس: ٥٨] على
قراءة التاء الفوقانية (٤)، فقيل: هو على معنى: قل لهم: لتؤمنوا .. إلخ.
وقيل: هو الأُمة على أن خِطابَه وَلِّ مُنَزَّلُ منزلة خطابهم فهو عينُه ادعاء، واللام
مُتعلِّقة بـ ((أرسلنا)). ولا يُعترض عليه بما قرَّره الرضي وغيره من أنه يمتنعُ أن
يُخاطَب في كلام واحدٍ اثنان من غير عطفٍ أو تثنية أو جمع، لأنه بعدَ التنزيل
لا تَعدُّد. وجُوِّز أن يكون ذلك لأنهم حينئذ غيرُ مُخاطَبين في الحقيقة فخطابهم في
حكم الغَيْبة. وقيل: الامتناع المذكور مشروطٌ بأن يكون كلٌّ من المُخاطَبين
مستقلًّا، أما إذا كان أحدُهما داخلاً في خطاب الآخر فلا امتناعَ كما يُعْلَم من تَتَبُّع
كلامهم، وحينئذ يجوز أن يُرادَ خطابُ الأمة أيضاً من غير تغليبٍ، والكلام في ذلك
طويل وما ذكر سابقاً سالم عن القال والقيل.
(١) حاشية الشهاب ٥٨/٨ .
(٢) الدر المنثور ٧١/٦، وتفسير الطبري ٢٥٠/٢١.
(٣) الوسيط ١٣٦/٤.
(٤) قرأ بها يعقوب في رواية رويس. النشر ٢٨٥/٢.

الآية : ٩
٢٤٩
سُورَةُ الفَتح
﴿وَتُعَزِّرُؤُهُ﴾ أي: تنصروه، كما رُوي عن جابر بن عبد الله مرفوعاً (١)، وأخرجه
جماعةٌ عن قتادة(٢)، والضميرُ لله عز وجل، ونُصرته سبحانه بنصرة دِينه ورسوله وَّه.
﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعطّموه كما قال قتادة وغيره، والضمير له تعالى أيضاً. وقيل:
كلا الضميرين للرسول وَّه، ورُوي عن ابن عباس. وزعم بعضُهم أنه يتعيَّن كونُ
الضمير في «تُعزّروه)» للرسول عليه الصلاة والسلام لِتَوَهُّم أن التعزيرَ لا يكون له
سبحانه وتعالى، كما يتعيَّن عند الكلِّ كونُ الضمير في قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوُ﴾ لله
سبحانه وتعالى، ولا يخفى أن الأَولى كونُ الضميرين فيما تقدَّم لله تعالى أيضاً لئلا
يلزم فَُّ الضمائر من غير ضرورة، أي: وتُنزِّهوا الله تعالى، أو: تُصَلُّوا له سبحانه
مِنَ السُّبحة ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾﴾ غُدوةً وعَشِيًّا، والمرادُ ظاهرهما، أو جميع
النهار، ويُكنَى عن جميع الشيء بطرفيه كما يقال: شرقاً وغرباً، لجميع الدنيا، وعن
ابن عباس ها: صلاةُ الفجر وصلاةُ الظهر وصلاة العصر.
وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وابن كثير وأبو عمرو الأفعال الأربعة - أعني:
(لِتُؤمنوا)) وما بعده - بياء الغيبة(٣)، وعن ابن مسعود وابن جُبير كذلك إلا أنهما
قرأا: ((ويُسَبِّحوا الله)) بالاسم الجليل مكانَ الضمير(٤)، وقرأ الجَحْدري: «تَعْزُروه))
بفتح التاء الفوقية وضمِّ الزاي مُخفَّفاً(٥)، وفي روايةٍ عنه فتحُ التاء وكسر الزاي
مُخفَّفاً، ورُوي هذا عن جعفر الصادق ظُ(٦)، وقُرئ: بضمُّ التاء وكسرِ الزاي
مُخفَّفاً (٧)، وقرأ ابن عباس ومحمد بن اليماني: ((تُعَزِّزوه)) بزاءين(٨) من العِزَّة، أي:
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٦/ ٩٥، وعزاه أيضاً في الدر المنثور ٧١/٦ لابن عدي
وابن مردويه وابن عساكر في تاريخه.
(٢) الدر المنثور ٧١/٦، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير [في التفسير ٢٥١/٢١].
(٣) البحر المحيط ٩١/٨، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو في التيسير ص٢٠١، والنشر ٣٧٥/٢،
وهي غير المشهورة عن أبي جعفر، والمشهور عنه كقراءة الباقين.
(٤) الدر المنثور ٦/ ٧٢.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٤١، والمحتسب ٢٧٥/٢، والبحر ٩١/٨.
(٦) البحر المحيط ٨/ ٩١.
(٧) الكشاف ٣/ ٥٤٣ .
(٨) الكشاف ٥٤٣/٣، والبحر ٩١/٨، وينظر المحتسب ٢٧٥/٢.

سُورَةُ الفَتح
٢٥٠
الآية : ١٠
تجعلوه عزيزاً، وذلك بالنسبة إليه سبحانه بجعل دينه ورسوله # كذلك. وقرئ:
(وتُوْقِرُوه) مِنْ أَوقره(١) بمعنى وقَّره.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ يومَ الحديبية على الموت في نُصْرتك كما رُوي عن
سلمة بن الأكوع وغيره، أو: على أَنْ لا يَفِرُّوا من قريش كما رُوي عن ابن عمر
وجابر ﴿ه، وسيأتي الكلامُ في تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
والمبايعة وقعتْ قبلَ نزول الآية، فالتعبيرُ بالمضارع لاستحضار الحال
الماضية، وهي مفاعلةٌ من البيع، يقال: بايع السلطانَ مُبايعةً إذا ضَمِنَ بذلَ الطاعة
له بما رضخ له، وكثيراً ما تُقال على البيعة المعروفة للسلاطين ونحوهم وإن لم يكن
رَضْخٌ، وما وقع للمؤمنين قيل: يُشير إلى ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١].
﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأنَّ المقصودَ من بيعةِ الرسول عليه الصلاة والسلام
وإطاعته إطاعةُ الله تعالى وامتثالُ أوامره سبحانه لقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فمبايعةُ الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه مُشاكلة، أو هو
صرفُ مجازٍ.
وقرئ: ((إنما يُبايعون الله))(٢)، أي: لأجل الله تعالى ولوجهه، والمفعول
محذوف، أي: إنما يُبایعونك لله.
﴿َدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ استئنافٌ مؤكِّد لما قبلَه؛ لأنه عبارة عن المبايعة. قال في
(الكشاف))(٣): لمَّا قال سبحانه: ((إنما يبايعون الله)) أكَّده على طريقة التخييل، فقال
تعالى: ((يدُ الله فوقَ أيديهم)) وأنه سبحانه مُنزَّه عن الجوارح وصفاتِ الأجسام،
وإنما المعنى تقريرُ أنَّ عقدَ المِيثاق مع الرسول وَّر كعقده مع الله تعالى من غير
تفاوتٍ بينهما. وفي ((المفتاح)): أما حسنُ الاستعارة التخييلية فبحسب حسن
(١) الكشاف ٣/ ٥٤٣ .
(٢) المحتسب ١٧٥/٢، والبحر ٩١/٨، ونسبت لتمام بن العباس بن عبد المطلب.
(٣) ٥٤٣/٣.

الآية : ١٠
٢٥١
سُوَّةُ الفَتح
الاستعارة بالكناية متى كانت تابعةً لها، كما في قولك: فلانٌ بين أنيابِ المَنِيَّة
ومَخالبها، ثم إذا انضمَّ إليها المُشاكلة كما في ((يد الله)) إلخ كانت أحسنَ
وأحسن(١). يعني أنَّ في اسم الله تعالى استعارةً بالكناية تشبيهاً له سبحانه وتعالى
بالمُبايع، واليد استعارةٌ تخييلة مع أن فيها أيضاً مُشاكلةً لذكرها مع أيدي الناس،
وامتناعُ الاستعارة في اسم الله تعالى إنما هو في الاستعارة التصريحية دون المكنية
لأنه لا يلزم إطلاق اسمه تعالى على غيره سبحانه.
وروى الواحدي عن ابن كيسان: اليدُ: القوَّة، أي: قوَّة الله تعالى ونُصرته فوقَ
قوتهم ونصرتهم، أي: ثِقْ بنصرة الله تعالى لك لا بنصرتهم وإنْ بايعوك.
وقال الزجاج(٢): المعنى: يد الله في الوفاء فوقَ أيديهم، أو: في الثواب فوقَ
أيديهم في الطاعة، أو: يدُ الله سبحانه في المِنَّة عليهم في الهِداية فوقَ أيديهم في
الطاعة. وقيل: المعنى: نعمةُ الله تعالى عليهم بتوفيقهم لمبايعتك فوقَ نعمتهم،
وهي مُبايعتهم إياك وأعظمُ منها، وفيه شيء من قوله تعالى: ﴿قُل لَّا تَعُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُر
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيَمَنِ﴾ [الحجرات: ١٧].
وكلُّ ذلك تأويلاتٌ ارتكبها الخَلَفُ، وأحسنُها ما ذُكر أولاً، والسلفُ يمرُّون
الآية كما جاءت مع تنزيه الله عز وجل عن الجوارح وصفاتِ الأجسام، وكذلك
يفعلون في جميع المُتشابهات ويقولون: إنَّ معرفةَ حقيقة ذلك فرعُ معرفةٍ حقيقة
الذات وأنى ذلك وهيهات هيهات.
وجُوِّز أن تكونَ الجملةُ خبراً بعد خبر لـ ((إنَّ)، وكذا جُوِّز أن تكونَ حالاً من
ضمير الفاعل في ((يُبايعونك))، وفي جواز ذلك مع كونها اسميةً غيرَ مقترنةٍ بالواو
کلامٌ.
﴿فَمَنْ ثَّكَثَ﴾ نقضَ العهد ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾ فلا يعودُ ضررُ نَكْثه إلا عليه،
وروى الزمخشري(٣) عن جابر بن عبد الله أنه ما نَكَثَ أحدٌ البيعةَ إلا جدُّ بن قيس وكان
(١) مفتاح العلوم للسكاكي ص٣٨٨.
(٢) معاني القرآن ٢٢/٥.
(٣) الكشاف ٣/ ٥٤٣ .

الآية : ١٠
٢٥٢
سُورَةُ الفَتح
منافقاً. والذي نقله الطيبي عن مسلم يدلُّ على أن الرجلَ لم يُبايعْ، لا أنه بايعَ ونكثَ،
قال: سُئل جابر: كم كانوا يومَ الحُديبية؟ قال: كنا أربعَ عشرَ مئة، فبايعناه وعمر ◌َُّه
آخذٌّ بيده صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه تحت الشجرة، وهي سَمُرةٌ، فبايعناه غيرَ
جدِّ بن قيس الأنصاري اختفى تحت بَظْن بعيرِه ولم يَسِرْ مع القوم(١). ولعلَّ هذا هو
الأوفقُ؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ الآية [١٨].
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((يَنْكِثُ)) بكسر الكاف(٢).
﴿وَمَنْ أَوْلَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾﴾ هو الجنة وما يكون فيها
مما لا عينَ رأَتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلب بَشَر، ويقال: وَفَى بالعهد
وأوفى به، إذا تَمَّمه، وأَوفى لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾.
[المائدة: ١]، ﴿وَلْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقرئ: ((بما عَهدَ)) ثلاثيًّا(٣).
وقرأ الجمهور: ((عليهٍ)) بكسر الهاء كما هو الشائع، وضَمَّها حفص هنا(٤)، قيل:
وجهُ الضَّمِّ أنها هاء ((هو))، وهي مضمومة فاستصحب ذلك كما في له وضربه، ووجه
الكسر رِعاية الياء، وكذا في ((إليه)) و((فيه))، وكذا فيما إذا كان قبلَها كسرةٌ نحو: به،
ومررتُ بغلامِهِ، لِثقل الانتقال من الكسر إلى الضمِّ، وحَسَّنَ الضَّمّ في الآية التوصُّلُ
به إلى تفخيم لفظ الجلالة الملائم لتفخيم أمرِ العَهْد المُشْعِر به الكلام، وأيضاً إبقاء
ما كان على ما كان ملائمٌ للوفاء بالعهد وإبقائه وعدم نَقْضه. وقد سألت كثيراً من
الأجلَّة وأنا قريبُ عهدٍ بفتح فمي للتكلّم عن وجه هذا الضَّمِّ هنا، فلم أُجَبْ بما يَسْكُن
إليه قلبي، ثم ظَفِرتُ بما سمعتَ والله تعالى الهادي إلى ماهو خيرٌ منه.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وروح وزيد بن عليٍّ: ((فسنؤتيه)) بالنون(٥).
(١) صحيح مسلم (١٨٥٦)، وقوله: سَمُرة: هي واحدة: سَمُر، كرجل، ضرب من شجر
الطلح. النهاية (سمر).
(٢) البحر المحيط ٨/ ٩٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣٠٤/١ -٣٠٥.
(٥) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣٧٥/٢. وقراءة زيد بن علي في البحر المحيط ٩٢/٨.

الآية : ١١
٢٥٣
سُورَةُ الفَتح
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال مجاهد وغيره ودخل كلامُ بعضهم في
بعض: ((المُخلَّفون من الأعراب)» هم: جُهينة ومُزينة وغِفار وأشجع والدِّيل وأَسلم؛
استنفرهم رسولُ اللهِ وَله حين أراد المسيرَ إلى مكة عامَ الحديبيةِ معتمراً ليخرجوا معه
حَذراً من قريش أنْ يعرِضوا له بحرب أو يصدُّوه عن البيت، وأَحرم هو ◌َِّ وساقَ معه
الهَدْيَ لِيُعلِم أنه لا يُريد حرباً، ورأى أولئك الأعرابُ أنه عليه الصلاة والسلام يستقبل
عدوًّا (١) عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورين مكةً وهم الأحابيش،
ولم يكن الإيمانُ تمكّن من قلوبهم، فقعدوا عن النبيِّ وَلِّ وتخلّفوا وقالوا: نذهب إلى
قوم قد غَزَوْه في عُقْر داره بالمدينة وقتلوا أصحابَه فنقاتلهم! وقالوا: لن يرجِعَ محمدٌ
عليه الصلاة والسلام ولا أصحابُه من هذه السَّفرة، فَفضَحهم اللهُ تعالى في هذه الآية،
وأعلمَ رسولَه ◌َلّهِ بقولهم واعتذارِهم قبلَ أن يَصِلَ إليهم، فكان كذلك.
و((المُخَلَّفون)) جمع: مُخَلَّف؛ قال الطبرسي(٢): هو المتروكُ في المكان خَلْفَ
الخارجين من البلد، مأخوذٌ من الخَلْف، وضدُّه المُقدَّم. و((الأعراب)) في المشهور
سّان البادية من العرب، لا واحدَ له. أي: سيقول لك المتروكون الغير الخارجين
معك معتذرين إليك: ﴿شَغَلَتْنَا﴾ عن الذهاب معك ﴿أَمْوَلْنَا وَأَهْلُوْنَا﴾ إذ لم يكن لنا
من يقومُ بحفظِ ذلك ويَحميه عن الضَّياع، ولعلَّ ذكرَ الأهل بعدَ الأموال من باب
الترقِّي؛ لأنَّ حفظَ الأهل عند ذوي الغيرة أهمُّ من حِفظ الأموال.
وقرأ إبراهيم بن نوح بن باذان: ((شغَّلتنا)) بتشديد الغين المعجمة للتكثير(٣).
﴿فَسْتَغْفِرْ لَنَأْ﴾ اللهَ تعالى لِيغفرَ لنا تَخلُّفنا عنك حيث لم يكن عن تكاسُلٍ في
طاعتك، بل لذلك الداعي.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: إنَّ كلامهم من طَرَف اللسان غير
مطابقٍ لما في الجَنان، وهو كنايةٌ عن كذبهم، فالجملةُ استئنافٌ لتكذيبهم، وكونها
بدلاً من ((سيقول)) غيرُ ظاهر، والكذب راجعٌ لما تضمَّنه الكلامُ من الخبر عن
(١) في (م) وهامش الأصل: عدداً.
(٢) مجمع البيان ٥٨/٢٦ .
(٣) البحر المحيط ٨/ ٩٣.

سُورَةُ الفَتى
٢٥٤
الآية : ١١
تخلُّفهم بأنه لضرورة داعيةٍ له، وهو القيامُ بمصالحهم التي لا بدَّ منها، وعدمٍ من
يقومُ بها لو ذهبوا معه عليه الصلاة والسلام، وكذا راجعٌ لما تضمَّنه ((استغفر))
الإنشاء من اعترافهم بأنهم مذنبون، وأنَّ دعاءه وَّهِ لهم يُفيدهم فائدةً لازمةً لهم،
وتسمية ذلك كذباً ليس لعدم مطابقة نسبته(١) الاعتقاد على ما ذهب إليه النَّظَّام، بل
لعدم مطابقته الواقعَ بحسب الاعتقاد، وفرقٌ بين الأمرين.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعً﴾ أمرٌ له وَلِّ أن
يَرُدَّ عليهم بذلك عند اعتذارهم بتلك الأباطيل، والملك إمساكٌ بقوة، لأنه بمعنى
الضبط، وهو حفظٌ عن حزم، ومنه: لا أَمْلِكُ رأسَ البعير، ومَلَكت العجين: إذا
شددتَ عجنته، وملكت الشيء: إذا دخل تحت ضَبْطك دخولاً تامًّا، وإذا قلت:
لا أملك، كان نفياً للاستطاعة والطاقة إمساكاً ومنعاً، فأصلُ المعنى هنا: فمن
يستطيع لكم إمساكَ شيء مِن قُدرة الله تعالى إن أراد بكم .. إلخ، واللام مِن (لكم))
إما للبيان أو من صلةِ الفعل، لأنَّ هذه الاستطاعةَ مُختصَّةٌ بهم ولأجلهم، و((من الله)»
حالٌ من النكرة - أعني ((شيئاً)) - مُقَدَّمة، وتفسيرُ الملك بالمنع بيانٌ لحاصل المعنى،
لأنه إذا لم يستطع أحدٌ الإمساك والدَّفْع فلا يُمكنه المنعُ وليس ذلك لجعله مجازاً
عنه أو مُضَمَّناً إياه، واللامُ زائدةٌ كما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] و ((من)) مُتعلِّقة
بـ ((يملك)) كما قيل، والمراد بالضُّرّ والنفع ما يضرُّ وما ينفع، فهما مصدران مرادٌ
بهما الحاصلُ بالمصدر أو مؤَّلان بالوصف.
وقرأ حمزة والكسائي: ((ضُرَّا)) بضمِّ الضاد(٢)، وهو لغةٌ فيه.
وحاصلُ معنى الآية: قل لهم إذْ لا أحدَ يدفع ضرَّه ولا نَفْعه تعالى، فليس
الشُّغْلِ بالأهل والمال عُذراً، فلا ذاك يدفعُ الضُّرَّ إنْ أرادَه عز وجل ولا مُغافَصةٌ(٣)
العدوِّ تمنع النفعَ إن أرادَ بكم نَفْعاً، وهذا كلامٌ جامعٌ في الجواب فيه تعريضٌ
بغيرهم من المُبطِلين وبجلالة مَحلِّ المُحِقِّين.
(١) في (م): نسبة.
(٢) وقرأ بها خلف من العشرة. التيسير ص٢٠١، والنشر ٣٧٥/٢.
(٣) قال صاحب القاموس (غفص): غافصه: أخذه على غرة.

الآية : ١٢
٢٥٥
سُورَةُ الفَتح
ثم ترقّى سبحانه منه إلى ما يتضمَّن تهديداً بقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
أي: بكلِّ ما تعملونه ﴿خَبِيرًا ﴾﴾ فيعلم سبحانه تَخلَّفَكم وقَصْدكم فيه، ویُجازیکم
على ذلك، ثم ختم جل وعلا بمكنون ضمائرهم ومخزون ما أعدَّ لهم عنده تعالى
بقوله سبحانه: ﴿بَلّ ظَنَنتُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ((بورا)).
وفي ((الانتصاف))(١): إن في قوله تعالى: ((فمن يملك)) إلخ لفًّا ونشراً،
والأصلُ: فمن يملكُ لكم من الله شيئاً إنْ أرادَ بكم ضرًّا أو مَنْ يحرمكم النفعَ إِن
أرادَ بكم نفعاً؛ لأن ((مَنْ يملك)) يُستعمل في الضرّ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ
الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَن
تَمْلِكَ لَهُ، مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿فَلاَ تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا
نُفِيضُونَ فِيَّهِ﴾ [الأحقاف: ٨] ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الحديث: ((إني
لا أمْلِكُ لكم شيئاً))(٢) يخاطب عشيرته، وأمثاله كثير. وسرُّ اختصاصه بدفع المَضَرَّة
أنَّ المِلْكَ مضافٌ في هذه المواضعِ باللام، ودَفْعَ المضرَّة نفعٌ يضافُ للمدفوع عنه،
وليس كذلك حرمانُ المنفعة، فإنه ضررٌ عائدٌ عليه لا له، فإذا ظهر ذلك فإنما
انتظمت الآية على هذا الوجه كذلك، لأن القسمين يشتركان في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما
نفي لدفع المقدور من خيرٍ وشرٌّ، فلما تقاربا أُدرجا في عبارة واحدة؛ وخصَّ عبارة
دَفْع الضرّ لأنه هو المتوقَّع لهؤلاء، إذ الآية في سياق التهديد والوعيد الشديد، وهي
نظيرُ قوله تعالى: ﴿قُلّ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوْءٌ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾
[الأحزاب: ١٧] فإنَّ العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة، فهاتان الآياتان
توأمتان في التقرير المذكور. انتهى. والوجهُ ما ذكرناه أولاً في الآية، وفي تسميةٍ
مثل هذا لقًّا ونشراً نظرٌ، ثم إنَّ الظاهرَ عمومُ الضرَّ والنفع.
وقال شيخ الإسلام أبو السعود: المراد بالضَّرِّ ما يضرُّ من هلاك الأهل والمال
وضياعهما، وبالنفع ما ينفعُ من حفظ المال والأهل، وتعميمُهما يردُّه قوله تعالى:
(بَّ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فإنه إضرابٌ عمَّا قالوه وبيانٌ لكذبه بعد بيان فسادِه على
(١) بحاشية الكشاف ٣/ ٥٤٤.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨٤٠٢)، ومسلم (٢٠٤): (٣٤٨) من حديث أبي هريرة

سُورَةُ الفَتى
٢٥٦
الآية : ١٢
تقدير صِدْقه(١). انتهى. وهو كلامٌ أوهى من بيت العنكبوت، لأنَّ في التعميم إفادةً
لما ذكر وزيادة تُفيد قوةً وبلاغة.
والظاهرُ أنَّ كلَّ من الإضرابات الثلاثة مقصودٌ، وقال شيخ الإسلام: إنَّ قوله
تعالى: ((بل ظنتم)) إلخ بدلٌ من ((كان الله)) إلخ مفسِّر لما فيه من الإبهام(٢).
وفي ((البحر)): إنه بيانٌ للعلة في تخلُّفهم، أي: بل ظننتم ﴿أَن لَّنْ يَنْقَلِبَ﴾ أي:
لن يرجعَ من ذلك السَّفر(٣) ﴿الَرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾ أي: عشائرهم وذوي
قُرباهم ﴿أَبَدًا﴾ بأن يستأصِلَهم المشركون بالمرَّةِ، فحسبتم إنْ كنتم معهم أنْ يُصيبَكم
ما يُصيبهم، فلأجل ذلك تخلَّفتم لا لما ذَكَرتُم من المعاذير الباطلة.
والأهلون جمعُ: أهل، وجمعه جمع السلامةِ على خلاف القياس، لأنه ليس
بعَلَم ولا صفة من صفات مَنْ يَعْقِل، ويُجمع على: أَهلات، بملاحظة تاء التأنيث
في مفرده تقديراً، فيجمع كتمرة وتَمرَات، ونحوه أرض وأَرضات، وقد جاء على
ما في ((الكشاف))(٤) أَهْلة بالتاء، ويجوز تحريكُ عينه أيضاً فيقال: أَهَلات بفتح
الهاء. وكذا يُجمع على أهال كـ : لَيَال، وأطلق عليه الزمخشري: اسمَ الجمع؛
وقيل: وهو إطلاقٌ منه في الجمع الواردِ على خلافِ القياس، وإلا فاسم الجمع
شرطُه عند النُّحاة أن يكونَ على وزن المفردات، سواء كان له مُفردٌ أَمْ لا.
وقرأ عبد الله: ((إلى أهلهم)) بغير ياء(٥)، والآية ظاهرةٌ في أنَّ ((لن)) ليست
للتأبيد، ومَنْ زعم إفادتها إِيَّاه جعل ((أبداً» للتأكيد.
﴿وَزُيْنَ﴾ أي: حُسِّنَ ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الظنّ المفهوم من ظننتم ﴿فِى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم
تَسْعَوا في إزالته، فتمكَّن فيكم، فاشتغلتم بشأن أنفسكم غير مُبالين بالرسول وَّ
والمؤمنين.
(١) تفسير أبي السعود ١٠٧/٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) البحر المحيط ٨/ ٩٣.
(٤) ٣/ ٥٤٤ .
(٥) القراءات الشاذة ص ١٤٢، والبحر ٩٣/٨.

الآية : ١٣
٢٥٧
سُورَةُ الفَتْحُ
وقيل: الإشارة إلى المظنون، وهو عدمُ انقلابِ الرسول عليه الصلاة والسلام
والمؤمنين إلى أهليهم أبداً، أي: حُسِّن ذلك في قلوبكم فأحببتموه، والمرادُ من
ذلك تقريعُهم ببغضهم الرسولَ وَّر والمؤمنين، والمناسب للسياق ما تقدَّم.
وقُرئ: ((زَيَّن)) بالبناء للفاعل(١) بإسناده إلى الله تعالى، أو إلى الشيطان.
﴿وَظَنَفْتُمْ ظَرَ السَّوْءِ﴾ وهو ظَنُّهم السابق، فتعريفُه للعهدِ الذِّكري، وأُعيد لتشديد
التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء، أو هو عامٌّ فيشمل ذلك الّنَّ وسائرَ ظُنونهم الفاسدةِ
التي من جُملتها الظنُّ بعدم رسالته عليه الصلاة والسلام، فإنَّ الجازم بصحتها
لا يحومُ فكرهُ حول ما ذكر من الاستئصال، فذِكْرُ ذلك للتعميم بعد التخصيص.
﴿وَكُنْتُرْ﴾ في علم الله تعالى الأزلي ﴿قَوْمًا بُورًا ﴿1﴾ أي: هالكين، لفسادِ
عقيدتكم وسوءِ نيَّتكم، مُستوجِبين سُخْطَه تعالى وعقابَه جلَّ شأنه، وقيل: أي:
فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونيَّاتكم لا خيرَ فيكم.
والظاهرُ - على ما في ((البحر))(٢) - أنَّ ((بوراً)) في الأصل مصدرٌ كالهُلْك، ولذا
وُصِفَ به المُفردُ المذگّرُ في قول ابن الزبعرى:
يا رسولَ المَليك إنَّ لساني
راتقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ(٣)
والمُؤنَّثُ، حكى أبو عُبيدة: امرأةٌ بور، والمثنى والمجموع. وجُوِّز أن يكون
جمعَ: بائر، كحائل وحُول، وعائذ وعُوذ، وبازِل وبُزْل، وعلى المصدرية هو مُؤَوَّل
باسمِ الفاعل. وجُوِّز أن تكونَ ((كان)) بمعنى صار، أي: وصِرْتم بذلك الظنِّ قوماً
هالكين مستوجبين السَّخط والعقاب، والظاهرُ إبقاؤها على بابها، والمُضي باعتبار
العلم كما أشرنا إليه. وقيل: أي: كنتم قبلَ الظنِّ فاسدين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلخ، كلامٌ مبتدأ من جهته عز
وجل غير داخل في الكلام المُلقّن، مُقرِّرٌ لبوارِهم ومُبيِّن لكيفيته، أي: ومَنْ لم
:
(١) الكشاف ٣/ ٥٤٤، والبحر المحيط ٩٣/٨.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٩٣.
(٣) ديوان عبد الله بن الزبعرى ص٣٦.

الآية : ١٤
٢٥٨
سُورَةُ الفَتّى
يُصَدِّق بالله تعالى ورسوله وَل﴿ كداب هؤلاء المُخَلَّفين ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيَّأْنا
﴿لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا ﴾﴾ ناراً مسعورةً مُوقَدة مُلتهبة، وكان الظاهر: لهم، فعدل
عنه إلى ما ذكر إيذاناً بأنَّ مَنْ لم يجمع بين الإيمان بالله تعالى ورسوله عليه
الصلاة والسلام فهو كافرٌ، وأنه مُستوجِبٌ للسعير بكُفره لمكان التعليق المشتقّ،
وتنكير سعير للتهويل لما فيه من الإشارة إلى أنها لا يمكن معرفتها واكتناهُ
كُنْهها. وقيل: لأنها نارٌ مخصوصةٌ، فالتنكيرُ للتنويع، و((مَنْ)) يحتمل أن تكونَ
موصولةً وأن تكونَ شرطيةً، والعائدُ من الخبر أو من جواب الشرط هو الظاهرُ
القائم مقامَ المُضمر.
﴿وَلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو عز وجل المُتصرِّفُ في الكلِّ كما يشاء ﴿يَغْفِرُ
لِمَن يَشَاءُ﴾ أنْ يغفر له ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَلَةُ﴾ أنْ يُعذِّبه من غير دَخْل لأحدٍ في شيء من
غفرانه تعالى وتعذيبه جل وعلا وجوداً وعدماً.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ مُبالغاً في المغفرة لمن يشاء، ولا يشاء
سبحانه إلا لمن تقتضي الحِكمةُ المغفرةَ له ممن يُؤمِنُ به سبحانه ورسولهِ وَلِّ، وأما
مَنْ عداه من الكافرين المُجاهِرين والمنافقين فهم بمعزِلٍ من ذلك قَطْعاً.
وفي تقديم المغفرة، والتذييل بكونه تعالى غفوراً بصيغة المُبالغةِ، وضَمِّ
((رحيماً)) إليه الدالٌّ على المبالغة أيضاً، دون التذييل بما يُفيد كونَه سبحانه مُعذِّباً،
مما يدلُّ على سبق الرحمة ما فيه.
وفي الحديث: ((كتب ربُّكم على نفسِه بيده قبلَ أن يخلُق الخَلْقَ: رحمتي
سبقَتْ غضبي))(١)، وهذا السبقُ - على ما أشار إليه في ((أنوار التنزيل))(٢) - ذاتيٍّ،
وذلك لأنَّ الغُفْرانَ والرحمةَ بحسب الذات، والتعذيب بالعَرض وتبعيته للقضاء
والعصيان المقتضي لذلك، وقد صرَّح غيرُ واحد بأنَّ الخيرَ هو المقضي بالذات
والشر بالعرض، إذْ لا يوجد شرٌّ جُزئي إلا وهو مُتضمِّنٌ لخير كُلِّي، وفصّل ذلك
(١) أخرجه أحمد (٩١٥٩)، والبخاري (٧٥٥٤)، وابن ماجه (١٨٩) - واللفظ له - من حديث
أبي هريرة څ.
(٢) وهو تفسير البيضاوي ٨/ ٦٠ (بهامش حاشية الشهاب).

الآية : ١٥
٢٥٩
سُورَّةُ الفَتح
في (شرح الهياكل))(١). وقال بعضُ الأجِلَّة: المرادُ بالسبق في الحديث كَثْرَةٌ
الرحمة وشُمولها، وكذا المرادُ بالغَلبة الواقعة في بعض الرويات(٢)، وذلك نظيرُ
ما يقال: غَلَبَ على فلان الكرمُ. ومَن جعل الرحمةَ والغضبَ من صفات الأفعال
لم يُشكِلْ عليه أمرُ السَّبق، ولم يَحْتَجْ إلى جَعْله ذاتيًّا كما لا يخفى.
والآية على ما قال أبو حيان لترجية أولئك المنافقين بعضَ الترجية إذا آمنوا
حقيقةً. وقيل: لحسم أطماعهم الفارغةِ في استغفاره عليه الصلاة والسلام لهم.
وفسَّر الزمخشري ((من يشاء)) الأول بالتائب، والثاني بالمُصِرِّ، ثم قال: يُكَفِّر
سبحانه السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة(٣). وهو اعتزالٌ منه مُخالِفٌ
لظاهرِ الآية. وقال الطيبي: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: (وَلَّهِ مُلْكُ
السَّمَوَتِ) إلخ، مَوْقِعُه موقع التذييل لقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،) الآية،
على أنْ يُقدَّر له ما يُقابله من قوله: ومَنْ آمنَ بالله ورسوله فإنا أَعْتدنا للمؤمنين
الجِنان، مثلاً، فلا يُقيّد شيء مما قيَّده ليؤْذِنَ بالتصرفِ التامٌّ والمشيئة النافذة
والغفران الكامل والرحمة الشاملة، فتأمل ولا تَغْفُلَ.
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ المذكورون من الأعراب، فاللَّام للعهد، وقوله تعالى:
﴿إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ ظرفٌ لما قبلَه لا شرطٌ لما بعدَه. والمراد
بالمغانم مغانمُ خيبرَ كما عليه عامة المُفسِّرين، ولم نقف على خلافٍ في ذلك،
وأُيِّد بأن السين تدلُّ على القرب، وخيبرُ أقربُ المغانم التي انطلقوا إليها من
الحديبية كما علمت، فإرادتها كالمُتعيِّنة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنَّ الله
تعالى وعدَ أهلَ الحديبية أن يُعوِّضهم من مغانمٍ مكة خيبرَ إذا قفلوا مُوادِعين
لا يُصيبون شيئاً، وخَصَّ سبحانه ذلك بهم، أي: سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم
خيبر لتأَخذوها حسبما وَعَدَكم الله تعالى إِيَّاها وخضَّكم بها طمعاً في عَرَضِ الدنيا
(١) هياكل النور لشهاب الدين يحيى بن حبش، شَرَحه الدواني وغيره. كشف الظنون ٢٠٤٧/٢.
والكلام من حاشية الشهاب ٨/ ٦٠.
(٢) كما في مسند أحمد (٨٩٥٨)، وصحيح البخاري (٧٥٥٣) من حديث أبي هريرة
(٣) الكشاف ٣/ ٥٤٤ .

سُورَةُ الفَتح
٢٦٠
الآية : ١٥
لما أنهم يَرَوْنَ ضعفَ العدو، ويتحقَّقون النَّصرة: ﴿ذَرُونَا نَتَّعْكُمْ﴾ إلى خيبرَ ونشهد
معكم قتالَ أهلها .
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اَللَّهِ﴾ بأنْ يُشاركوا في الغنائم التي خصَّها سبحانه
بأهل الحديبية. وحاصِلُه: يريدون الشركة التي لا تحصل لهم دون نُصرةِ الدين
وإعلاء كلمة الله تعالى. والجملةُ استئنافٌ لبيان مُرادِهم بذلك القول. وقيل: يجوز
أن تكونَ حالاً من المُخلَّفين، وهو خلافُ الظاهر، ولا يُنافي خبرَ التخصيص
إعطاؤه عليه الصلاة والسلام بعضَ مُهاجري الحبشة القادمين مع جعفر وبعض
الدَّوسيين والأشعريين من ذلك، وهم أصحابُ السفينة، كما في البخاري(١)، فإنه
كان استنزالاً للمسلمين عن بعضٍ حُقوقهم لهم، أو أن بعضَها فُتح صُلحاً،
وما أعطاه عليه الصلاة والسلام فهو بعضٌ مما صالح عليه، وكلُّ هذا مذكورٌ في
السِّير، لكن الذي صحَّحه المُحدِّثون أنه لا صُلْحَ فيها .
وقال الكرماني: إنما أعطاهم وَّهِ برضا أصحابِ الوقعة، أو أعطاهم من
الخمس الذي هو حقُّه عليه الصلاة والسلام، ومَيْل البخاري إلى الثاني(٢).
وحَمْلُ كلام اللهِ تعالى على وَعْدِه بتلك الغنائم لهم خاصَّةً هو الذي عليه
مجاهد وقتادة وعامَّة المفسرين، وقال ابن زيد: كلامُ الله قوله سبحانه وتعالى:
﴿فَقُل لَن تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] ووافقه الجُبَّائي على ذلك، وشَنَّع عليهما غيرُ
واحد بأنَّ ذلك نازلٌ في المُخَلَّفين في غزوة تبوك من المنافقين، وكانت تلك
الغزوةُ يومَ الخميس في رجب سنةً تسع بلا خلاف كما قال القسطلاني، والحديبية
في سنة ستٍّ كما قاله ابن الجوزي(٣) وغيره، وهذه إنما نزلت بُعَيْدَ الانصراف من
الحُديبية كما علمت، وأيضاً قال في ((البحر))(٤): قد غَزتْ مُزينة وجُهينة من هؤلاء
(١) صحيح البخاري (٣١٣٦) من حديث أبي موسى
(٢) ترجم البخاري: باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ثم ذكر الحديث الذي
أشار إليه المصنف قريباً، وهو أن النبي ◌َّلو أعطى لمن كان في الحبشة من مغانم فتح خيبر.
(٣) المنتظم ٢٦٧/٣.
(٤) البحر المحيط ٨/ ٩٤.