Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٢٤ ٢٠١ سُورَةٌ مُحَمَد ولا أظن أنَّ أمرَه كان خافيًا على أَجِلَّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مَغْلوبين مقهورين لم يَسَعهم إلا الصبر ليقضي اللهُ أمراً كان مفعولًا، ولو سُلِّم أن الخبيثَ كان مسلمًا فهو مسلمٌ جمع من الكبائر ما لا يُحيط به نِطاق البيان، وأنا أذهبُ إلى جوازٍ لَعْن مثله على التعيين، ولو لم يُتَصَوَّر أن يكون له مِثْلٌ من الفاسقين، والظاهرُ أنه لم يَتُبْ، واحتمالُ توبتهِ أضعفُ من إيمانه، ويلحقُ به ابنُ زياد وابن سعد(١) وجماعةٌ، فلعنةُ الله عز وجل عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دَمَعَتْ عينٌ على أبي عبد الله الحسين، ويُعجبني قولُ شاعرٍ العصر ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصلي(٢) وقد سُئل عن لَعْنٍ يزيد اللعين: يزيد على لعني عريض جنابه فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا ومَنْ كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضلِيل فليقل: لعنَ اللهُ عز وجل مَنْ رضي بقتل الحسين ومَنْ آذى عِْرةَ النبيِّ وَّهِ بغيرِ حقٌّ ومَنْ غَصَبهم حَقَّهم، فإنه يكون لاعنًا له لدخوله تحت العموم دخولًا أوَّليًّا في نفس الأمر، ولا يُخالِفُ أحدٌ في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المارِّ ذِكْرُه وموافقيه، فإنهم على ظاهرٍ ما نُقل عنهم لا يُجوِّزون لعن من رضي بقتل الحسين رَظُه، وذلك لعمري هو الضلالُ البعيد، الذي يكادُ يزيدُ على ضلال يزيد. ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ أي: لا يُلاحظونه ولا يتصفَّحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من المُوبقات ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ٢٤ تمثيلٌ لعدم وصولِ الذِّكر إليها وانكشاف الأمر لها، فكأنه قيل: أفلا يتدبَّرون القرآن إذْ وصل إلى قلوبهم أم لم يَصِلْ إليها، فتكون ((أمْ)) متصلةً على مذهب سيبويه، وظاهر كلام بعضٍ اختيارُه. (١) وهما: عبيد الله بن زياد والي الكوفة والبصرة زمن يزيد، وعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير به . الجيش الذي قتل الحسين ض (٢) هو عبد الباقي بن سليمان، شاعر، مؤرخ، ولي بالموصل وبغداد أعمالًا حكومية، له ديوان شعر، ونزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر. توفي ببغداد سنة (١٢٧٩هـ)، الأعلام ٣/ ٢٧١. التية : ٢٥ ٢٠٢ وذهب أبو حيان(١) وجماعة إلى أنها منقطعة، وما فيها من معنى (بل)) للانتقال من التوبيخ بترك التلبُّر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مُقفلة لا تقبل التدُّر والتفكُّر، والهمزة للتقرير. وتتكيرُ القلوب لتهويل حالها وتفظيع شأنها وأمرها في القساوة والجهالة، كأنه قيل: على قلوب مُنكرة لا يُعرف حالها ولا يُقادر قَدْرُها في القساوة، وقيل: لأنَّ المرادَ قلوبُ بعضٍ منهم، وهم المنافقون، فتتكيرُها للتبعيض أو للتنويع كما قيل. وإضافةُ الأقفال إليها للدلالة على أنها أقفالُ مخصوصة بها مناسبةٌ لها غير مُجانسة لسائر الأقفال المعهودة. وقرئ: ((إقفالها)) بكسر الهمزة (٢)، وهو مصدر من الإفعال، و((أَقْفُلها)) بالجمع(٣) على أَقْتُل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَرْقَدُواْ عَلَىَ أَدْبَرٍِ﴾ أي: رَجَعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، قال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا، ثم نافقَتْ قلوبهم. وفي ((إرشاد العقل السليم))(٤): هم المنافقون الذين وُصِفوا فيما سلف بمرض القلوب وغيره من قبائح الأحوال، فإنهم قد كفروا به عليه الصلاة والسلام ﴿مِنَّ بَعْدِ مَا بَيِّنَ لَهُمُ اَلْهُدَى﴾ بالدلائل الظاهرة والمُعجزات الباهرة القاهرة. وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن قتادة أنه قال: هم أعداءُ الله تعالى أهل الکتاب یعرفون بعثَ النيّ ﴾﴾ وبجدونه مكتوبًا في التوراة والإنجيل، ثم يكفرون به عليه الصلاة والسلام(٥). وأخرج ابن المنذر عن ابن جُريج أنه قال: ((إن الذين ارتدوا) إلخ: اليهودُ ارتقُّوا عن الهُدى بعد أن عَرَفوا أن محمدًالنبيّ(٦). والمختار ما تقدَّم. (١) البحر المحيط ٨/ ٨٣. (٢) المصدر السابق. (٣) القراءات الشاذة ص ١٤٠. (٤) ٩٩/٨. (٥) تفسير عبد الرزاق ٢٢٤/٢. (٦) الدر المنثور ٦٦/٦. ٢٠٣ الآية : ٢٥ وأيَّاما كان فالموصولُ اسمُ ((إنَّ)، وجملة قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ سَوَّلَ خبرها، كقولك: إن زيلاً عمرو مَرَّ به. أي: سهّلَ لهم ركوبَ العظائم، من السَّوَل - بفتحتين - وهو الاسترخاء، استُعير للتسهيل، أي: لعدِّه سهلًا هيِّنًا حتى لا یُالی به، کانّه شُبِّه بإرخاء ما كان مشدودًا. وقيل: أي: حملهم على الشهوات، من السُّؤْل، وهو التمنِّي، وأصلُه حملهم على سؤلهم، أي: ما يشتهونه ويتمَّونه، فالتفعيل للحمل على المصدر، كغَرَّبِه إذا حمله على الغُربة، إلا أنهم جعلوا المصدر بمعنى اسم المفعول، ونُقل ذلك عن ابن السِّكيت. واعتُرض بأنَّ السُّؤْل بمعنى التمنِّي من السؤال، فهو مهموزٌ، والتسويل واويٌّ، ومعناه التزيين، فلا مناسبةً لا لفظًا ولا معنى، فالقول باشتقاق سَوَّل منه خطأ. ورُدَّ بأن السُّؤْل من السؤال، وله استعمالان فيكون مهموزًا، وهو المعروف، ومعتلًا، يقال: سالَ يَسال کخاف يخاف، وقالوا منه: يتساولان - بالواو - فيجوز كون التسويل من السُّول على هذه اللغة، أو هو على المشهورة خُفِّف بقلب الهمزة، ثم التزم، ونظيره: تَلَيَّرَ من الدار لاستمرار القلب في ديَّار، وكذلك تحيِّز لاستمرار القلب في حيز (١)، ويكون مآلُ المعنى على هذا: حَمَلَهم على الشهوات. وقرأ زيدُ بن عليَّ ﴾: (سُوِّل لهم)) مبنيًّا للمفعول(٢)، وخرج ذلك على تقدير مضاف، أي: كيد الشيطان سوِّل لهم، وجُوِّز تقديره: سَوّل كيدُه لهم، فحذف وقام الضمير المجرور مُقامه، فارتفع واستَتر، قيل: وهو أولى، لأنه تقديرٌ في وقت الحاجة، ولا يخفى أن الأولَ أقلُّ تكلُّقًا. وَمَلَى لَهُمْ ﴾﴾ أي: ومَذَّ لهم الشيطانُ في الأماني والآمال، ومعنى المَدِّ فيها توسيعُها وجعلها ممدودةً بنفسها أو بزمانها، بأن يُوسوس لهم بأنكم تنالون في الدنيا كذا وكذا مما لا أصل له حتى يعوقهم عن العمل، وأصلُ الإملاء: الإبقاء علاوةً من الدهر، أي: بُرهة، ومنه قيل: المعنى: وعدهم بالبقاء الطويل. (١) البحر المحيط ٨/ ٨٣. (٢) ينظر تفصيل هذه المسألة عند تفسير الآية (١٦) من سورة الأنفال. سُؤَدَةٌ مُحَانَد ٢٠٤ الآية : ٢٦ وجعل بعضُهم فاعلَ ((أملى)) ضميرَه تعالى، والمعنى: أمهلهم ولم يُعاجلهم بالعقوبة؛ وفيه تفكيكٌ، لكن أُيِّد بقراءة مجاهد وابن هُرمز والأعمش وسلام ويعقوب: ((وأُمْلِيْ)) بهمزة المتكلم(١)، مضارع: أَملى، فإنَّ الفاعلَ حينئذ ضميرُه تعالى على الظاهر، والأصل توافقُ القراءتين، وجُوِّز أن يكون ماضيًا مجهولًا من المَزيد سُكِّن آخره للتخفيف كما قالوا في بَقِيَ بَقِي بسكون الياء. وعلى الظاهر جُوِّز أن تكونَ الواو للاستئناف وأن تكون للحال، ويُقدَّر مبتدأ بعدَها، أي: وأنا أملي، لئلا يكون شاذًّا، كـ: قُمت وأَصُكُّ وجهه، وجُوِّزت الحالية في قراءة الجمهور أيضًا على جعل الفاعل ضميرَه تعالى، فحينئذ تُقدَّر ((قد)) على المشهور. وقرأ ابن سيرين والجحدري وشيبة وأبو عمرو وعيسى: ((وأُمليَ)) بالبناء للمفعول(٢)، فـ ((لهم)) نائب الفاعل، أي: أُمهلوا ومُدَّ في أعمارهم، وجُوِّز أن يكون ضميرَ الشيطان، والمعنى: أُمهل الشيطانُ لهم، أي: جُعل من المُنْظَرين إلى يوم القيامة لأجلهم، ففيه بيانٌ لاستمرارٍ ضلالهم وتقبيح حالهم. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء كما نُقل عن الواحدي(٣)، ولا إلى التسويل كما قيل، لأن شيئًا منهما ليس مُسبَّبًا من القول الآتي، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى: ﴿يِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قَالُواْ﴾ يعني المنافقين ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللَّهُ﴾ هم بنو قريظة والنضير من اليهود الكارهين لنزول القرآن على النبيِّ عليه الصلاة والسلام مع عِلْمهم بأنه من عند الله تعالى؛ حسدًا وطمعًا في نزوله على أحدٍ منهم: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ﴾ أي: في بعض أموركم وأحوالكم، وهو ما حكي عنهم في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَإِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدَّا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] وقيل: في بعض ما تأمرون به كالتناصر على رسول الله چو . (١) البحر المحيط ٨/ ٨٣، وقراءة يعقوب في النشر ٣٧٤/٢. (٢) البحر المحيط ٨٣/٨، وقراءة أبي عمرو في النشر ٣٧٤/٢. (٣) الوسيط ١٢٨/٤ . الآية : ٢٧ ٢٠٥ وقيل: القائلون اليهود الكافرون به و * بعد ما وجدوا نَعْته الشريف في كتابهم، والمَقولُ لهم المنافقون؛ كان اليهود يَعِدونهم النُّصرة إذا أُعلنوا بعداوة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقيل: القائلون أولئك اليهود والمَقولُ لهم المشركون كانوا يَعِدونهم النُّصرة أيضًا إذا حاربوا. وتُعقِّب كلا القولين بأنَّ كُفرَ اليهود به عليه الصلاة والسلام ليس بسبب هذا القول ولو فرض صدورُه عنهم على رأي القائل، بل من حيث إنكارهم بَعْثه عليه الصلاة والسلام وقد عَرَفوه كما عرفوا أبناءَهم وآباءهم، ومنه يُعلم ما في قول بعضهم: إنَّ القائلين هم المنافقون واليهود، والمَقول لهم المشركون، وما فسَّرنا به الآية الكريمةَ مَرويٌّ عن الحِبْر ◌ُه. ﴿وَللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾﴾ أي: إخفاءهم ما يقولونه لليهود، أو كلّ قبيح، ويدخل ذلك دخولًا أوليًّا . وقرأ الجمهور: ((أسرارهم)) بفتح الهمزة (١)، أي: يعلم الأشياء التي يُسرُّونها، ومنها قولهم هذا الذي أظهره سبحانه لتفضيحهم. وقال الإمام(٢): الأظهر أن يقال: المرادُ: يعلم سبحانه ما في قلوبهم من العلم بصدقٍ رسوله وَّر. وفيه ما لا يخفى. والجملةُ اعتراضٌ مقرِّر لما قبله متضمِّن للوعيد. والفاء في قوله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ لترتيب ما بعدَها على ما قبلها، ((وكيف)) منصوبٌ بفعل محذوف هو العاملُ في الظرف، كأنه قيل: يفعلون في حياتهم ما يفعلون من الحِيل، فكيف يفعلون إذا توقَّتهم الملائكة، وقيل: مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: فكيف حالهم أو حيلتهم إذا توقَّتهم .. إلخ، وزعم الطبري(٣) أن التقدير: فكيف عِلْمه تعالى بأسرارهم إذا توقَّتهم .. إلخ. وليس بشيء. ووقت التوفِّي هو وقتُ الموت، والملائكة عليهم السلام مَلَكُ الموت وأعوانُه. (١) قرأ بالكسر حفص وحمزة والكسائي وخلف، والباقون بالفتح. التيسير ص ٢٠١، والنشر ٣٧٤/٢. (٢) تفسير الرازي ٢٨/ ٦٧ . (٣) في تفسيره ٢٢١/٢١. ٠ ٠. ٢٠٦ الآتية : ٢٨ وقرأ الأعمش: ((توقَّاهم)) بالألف بدل التاء(١)، فاحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكونَ مضارعاً حُذف منه أحدُ تاميه، والأصل: تتوفاهم. ﴿يَعْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ (٨) حالٌ من الملائكة، وجوّز كونه حالاً من ضمير ((توفتهم))، وضَعَّفه أبو حيان(٢)، وهو على ما قيل تصويرٌ لتوفِيهم على أهول الوجوه وأفظعها، وإبرازٌ لما يخافون منه ويَجْبُنون عن القتال لأجله، فإنَّ ضربَ الوجوه والأدبار في القتال والجهاد مما يُنََّى، وعن ابن عباس ﴿: لا يُتوقَّى أحدٌ على معصية إلا تضربُ الملائكةُ في وجهه وفي كُبره(٣). والكلام على الحقيقة عنده، ولا مانعَ من ذلك وإن لم يحسَّ بالضرب مَنْ حضر، وما ذلك إلا کسؤال المَلكين وسائرٍ أحوال البرزخ. والمراد بالوجه والقُّبر، قيل: العضوان المعروفان. أخرج ابنُّ المنذر عن مجاهد أنه قال: يضربون وجوههم واستاههم، ولكن الله سبحانه كريم يَكتي(٤). وقال الراغب وغيره: المراد: القُدَّام والخَلْف(٥). وقيل: وقتُ التوفِّي وقت سوقهم في القيامة إلى النار، والملائكةُ ملائكة العذاب يومئذ. وقيل: هو وقت القتال، والملائكةُ ملائكةُ النصر تضرب وجوههم إن ثبتوا وأدبارَهم إنْ هريوا نُصرةً لرسول الله . وكلا القولين كما ترى. التوفِّي الهائل ﴿يَأَنَّهُمُ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من الكفر والمعاصي ﴿وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ﴾ ما يرضاه عز وجل من الإيمان والطاعات حيث كفروا بعد الإيمان وخرجوا عن الطاعة بما صنعوا من المعاملة مع إخوانهم اليهود. وقيل: ((ما أسخط الله) كتمانُ نعت الرسول الأزه و((رضوانه)) ما يُرضيه سبحانه من إظهار ذلك. وهو مبنيٌّ على أنَّ ما تقدَّم إخبارٌ عن اليهود، وقد سمعتُ ما فيه. (١) القراءات الشاذة ص ١٤٠، والبحر ٨٤/٨. (٢) البحر المحيط ٨٤/٨. (٣) الكشاف ٥٣٧/٣، وذكره القرطبي في تفسيره ٢٨١/١٩ بنحوه. (٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦٦/٦. (٥) مفردات ألفاظ القرآن الكريم (دير). الآية : ٢٩ ٢٠٧ ولمَّا كان اتّباعُ ما أسخط الله تعالى مقتضيًا للتوجُّه ناسبَ ضَرْبَ الوجه، وكراهة رضوانه سبحانه مقتضيًا للإعراض ناسبَ ضَرْبَ القُّبر، ففي الكلام مُقابلة بما يُشْبِهِ اللَّفَ والنّشر. التي عَمِلوها حال إيمانهم من الطاعات، ا﴾ لذلك ﴿أَعْمَلَهُمْ وجُوِّز أنْ يُرادَ ما كان بعدُ من أعمال البرِّ التي لو عَمِلوها حالَ الإيمان لانتفعوا بها. ﴿أَّ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ تَرَضُّ﴾ هم المنافقون الذين فُصِّلَتْ أحوالهم الشنيعة وُصِفوا بوصفهم السابق لكونه مدارًا لما نعي عليهم بقوله تعالى: ﴿أَن أَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَنْبَغَتَهُمْ (٤) و ((أم) متقطعة، و((أَنْ)) مُخفَّفة من ((أنَّ)، واسمها ضميرُ الشأن، والجملة بعدَها خبرُها. والأضغان جمعُ ضِغْن: وهو الحِقْد، وقيَّده الراغبُ(١) بالشديد، وقد ضَغِنَ بالكسر، وتضاغن القومُ واضطغنوا: أبطنوا الأحقاد، ويقال: اضطغنت الصبيَّ إذا أخذتَه تحت حضنك، وأنشد الأحمر: كأنه مُضطغنٌ صَبِيًّا(٢) وفرس ضاغن: لا يُعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب، وأصلُ الكلمة من الضغن وهو الالتواء والاعوجاج في قوائم الدابة والقناة وكلّ شيء، قال بشر: كذات الضِّغْنِ تمشي في الرِّفاق(٣) وأنشد الليث: إنَّ قناتي من صليبات القنًا (١) المفردات (ضغن). (٢) الصحاح (ضغن)، وعزاه في اللسان (سوس) لامرأة عامرية، وقيله: لقد رأيت رجلاً تُعْريًّا يمشي وراء القوم سَيْتَهِيًّا (٣) عجز بيت لبشر بن أبي خازم، وهو في ديوانه ص ١٧٨، وصدره: فإنِّي والشكاةً مِنَ الِ لَأَمٍ. والرفاق: أن يُشْذَّ حيل من عنق البعير إلى رُسعه. ووقع في الأصل و(م): الرقاق. ٤ : سُورَةُ مُحَانَدٌ ٢٠٨ الآية : ٣٠ ما زادها التثقيفُ إلا ضَغَنا (١) والحقد في القلب يُشبّه به. وقال الليث وقطرب: الضُّغن: العداوة، قال الشاعر: قل لابن هندٍ ما أردتَ بمنطقِ ساء الصديقَ وشيَّد الأضغانا (٢) وهذا لا يُنافي الأول، لأنَّ الحقدَ العداوة لأمر يُخفيه المرء في قلبه، والإخراج مختصٌّ بالأجسام، والمرادُ به هنا الإبراز، أي: بل أَحَسِبَ الذين في قلوبهم حقدٌ وعداوةٌ للمؤمنين أنه لن يُبرِزَ الله تعالى أحقادَهم ويُظهرها للرسول بَّهِ والمؤمنين فتبقى مستورةً، والمعنى: إن ذلك مما لا يكادُ يدخل تحت الاحتمال. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ إراءتك إِيَّاهم ﴿لَأَرَبَِكَهُمْ﴾ أي: لعرَّفناكهم، على أنَّ الرؤية علمية ﴿فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ﴾ تفريعٌ لمعرفته بَِّ على تعريفِ الله عز وجل، ويجوزُ أن تكونَ الرؤيةُ بصريةً على أن المعنى: أنه وَِّ يعرفهم معرفةً متفرِّعة على إراءته إياهم. والالتفاتُ إلى نون العظمة للإيماء إلى العناية بالإراءة، والسِّيما: العلامة، والمعنى هنا على الجمع لعمومها بالإضافة، لكنها أُفردت للإشارة إلى أنَّ علاماتِهِم مثَّحدةٌ الجنس، فكأنها شيء واحدٌ، أي: فَلَعرفتهم بعلاماتٍ نَسِمُهم بها . ولام ((فلعرفتهم)) كلام ((لأريناكهم)) الواقعة في جواب ((لو)) لأن المعطوفَ على الجوابِ جواب، وكُرِّرت في المعطوف للتأكيد، وأما التي في قوله تعالى: ﴿وَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فواقعةٌ في جوابٍ قَسَم محذوف، والجملةُ معطوفةٌ على الجملة الشرطية . و ((لحن القول)) أسلوبٌ من أساليبه مطلقًا، أو المائلة عن الطريق المعروفة، كأن يعدلَ عن ظاهره من التصريح إلى التعريض والإبهام، ولذا سُمِّ خطأ الإعراب به لِعدوله عن الصواب. وقال الراغب: اللَّحن: صرفُ الكلام عن سَنَّه الجاري عليه؛ إما بإزالة الإعراب، أو التصحيف وهو المذمومُ، وذلك أكثرُ استعمالًا، وإما بإزالته (١) الرجز في تهذيب اللغة ١١/٨، واللسان (ضغن). (٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٨٢. الآية : ٣٠ ٢٠٩ سُؤَادَةٌ مُخَصَدَ عن التصريح وصَرْفه بمعناه إلى تعريض وفحوى، وهو محمودٌ من حيث البلاغة، وإليه أشار بقوله الشاعر عند أكثر الأدباء: منطقٌ صائبٌ وتلحنُ أحيا نّا وخيرُ الحديث ما كان لحنا وإيَّه قصد بقوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ اَلْقَوْلِّ)(١). وفي ((البحر))(٢): يقال: لَحَنْتُ له - بفتح الحاء - أَلْحَنُ لحنًا، قلت له قولًا يفهمه عنك ويخفى على غيره، ولَحِنَه هو - بالكسر - فَهِمه، وأَلْحنته أنا إِيَّاه، ولاحَنْتُ الناسَ: فاطَبْتُهم. وقيل: ((لحنُ القول)) الذهابُ عن الصواب. وعن ابن عباس: ((لحن القول)) هنا هو قولهم: ما لنا إنْ أَطعنا من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا إنْ عَصَينا من العقاب؟ وكان هذا الذي ينبغي منهم. وقال بعض من فسَّره بالأسلوب المائل عن الطريق المعروفة: إنهم كانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يُخاطبون بها الرسول وَ﴿ مما ظاهرُه حسنٌ ويعنون به القبيحَ، وكانوا أيضًا يتكلَّمون بما يُشعر بالاتِّباع وهم بخلاف ذلك، كقولهم إذا دعاهم المؤمنون إلى نصرهم: إنا معكم، وبالجملة إنهم كانوا يتكلَّمون بكلام ذي دسائسَ، وكان ◌َّ يعرفهم بذلك. وعن أنس ظه: ما خَفِيَ بعدَ هذه الآيةِ على رسول اللهِوَ طِّ شيء من المنافقين، كان عليه الصلاة والسلام يعرفهم بسيماهم، ولقد كُنَّا في بعض الغزوات، وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناسُ، فناموا ذاتَ ليلة وأصبحوا وعلى جبهةِ كلِّ واحد منهم مكتوبٌ: هذا منافق(٣). وفي دعواه أنه وَّ كان يعرفهم بسيماهم إشكال، فإن ((لو)) ظاهرها عدمُ الوقوع، بل المناسبُ معرفتهم من لَحْن (١) المفردات (لحن)، والبيت لمالك بن أسماء بن خارجة الفزاري، وهو في الشعر والشعراء ٧٨٢/٢، والأغاني ٢٣٦/١٧. (٢) البحر المحيط ٨/ ٧١. (٣) الكشاف ٥٣٧/٣، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥١ : ذكره الثعلبي بغير سند، ولم أجده. - ٢١٠ الآية : ٣٠ القول، وكأنه حمله على أنه وعدٌ بالوقوع دالٌ على الامتناع فيما سلف، ولقد صدق وعده، واستشهد عليه بما اتفق في بعض الغزوات. ولا تنحصر السيما بالكتابة، بل تكون بغيرها أيضاً مما يَعرفهم به النبيُّ ◌َ﴾ كما يعرفُ القائفُ حالَ الشخص بعلاماتٍ تدلُّ عليه، وكثيراً ما يعرف الإنسان مُحِيَّه ومُبِضَه من النظر، ويكادُ النظرُ يَنطِقُ بما في القلب، وقد شاهدنا غيرَ واحدٍ يعرف السُّنِّيَّ والشيعيَّ بسماتٍ في الوجه، وإنْ صحَّ أنَّ بعضَ الأولياء قُلِّسَتْ أسرارُهم كان يعرف البرَّ والفاجرَ والمؤمن والكافر، ويقول: أَشَمُّ من فلان رائحةَ الطاعة، ومن فلان رائحةَ المعصية، ومن فلانٍ رائحةَ الإيمان، ومن فلان رائحةَ الكفر، ويظهرُ الأمرُ حسبما أشار، فرسول الله# بتلك المعرفة أَولی وأولى؛ ولعلَّها بعلامات وراء طور عقولنا، والنور المذكور في خبر: (اتقوا فِراسةً المؤمن فإنه ينظرُ بنورِ الله تعالى)) (١) متفاوتُ الظُّهور بحسب القابليات، وللني ﴿ أَنْتُه. وذكروا من علامات النِّعاق بُغْضَ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه؛ فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كُنَّا نعرف المنافقين على عهد رسول اله جر إلا ببغضهم عليّ بن أبي طالب. وأخرج هو وابن عساكر عن أبي سعيد الخُدري ما يُؤْيِّله(٢)، وعندي أن بُنْضَه ﴿ من أقوى علاماتِ النفاق، فإنْ آمنتَ بذلك نيا ليت شعري ماذا تقول في يزيد الطُريد أكان يحبُّ عليًّا كرم الله تعالى وجهه أَمْ أشدَّ الْبُغْض، كان يبغضه؟ ولا أظنكَ في مِرْبة من أنه عليه اللعنة كان يبغضه وكذا يبغضُ ولديه الحسن والحسين على جلِّعما وأبويهما وعليهما الصلاة والسلام كما تدلُّ على ذلك الآثارُ المتواترة معنى، وحينئذ لا مجالَ لك من القول (١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري له، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وأخرجه الشهاب في مسنده (٦٦٣) من حديث أبي أمامة ، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف كما في التقريب. وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٥١٠) و(١٥١١) و(١٥١٢) و(١٥١٣) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله لز، وانظر بقية الكلام عليه ثمة. (٢) الخبران في الدر المنثور ٦٦/٦-٦٧، والخبر الثاني عند ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨٥/٤٢-٢٨٦، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٣١٢٥) من حديث جابر ٢١١ الآية : ٣١ بأنَّ الخبيث(١) كان منافقاً، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة علاماتٌ للنفاق غير ما ذُكر كقوله عليه الصلاة والسلام: ((علامات المنافق ثلاث)) الحديث(٢). لكن قال العلماء: هي علاماتٌ للنفاق العمليِّ لا الإيماني. وقيل: الحديثُ خارجٌ مخرجَ التنفير عن اتِّصاف المؤمن المُخلص بشيء منها لما أنها كانت إذ ذاك من علامات المنافقين. واسْتَدَلَّ بقوله تعالى: (وَلَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلَّ مَن جَعَلَ التعريضَ بالقذف موجبًا الحَدَّ. ولا یخفی حاله. ﴿وَنَّهُ يَتَكُ أَعْمَلَكُمْ فيجازيكم عليها بحسب قَصْدكم، وهذا - على ما قيل - وعدٌّ للمؤمنين وإيذانٌ بأنَّ حالهم بخلافٍ حال المنافقين. وقيل: وعيدٌ للمنافقين وإيذانٌ لهم بأنَّ المجزيَّ عليه ما يقصدونه لا ما يُعَرِّضون أو یُوَرُّون به، واستظهر أنه خطابٌ عامٌّ فهو وعدٌ ووعيدٌ. وحمل على العموم قوله تعالى: ﴿وآنبلونگم﴾ بالأمر بالجهاد ونحوه من التكاليف الثاقَّة ﴿حَّ فَكَرَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَاْلْتَّذِينَ﴾ على مَشاقٌ التكاليف علمًا فعليًّا يتعلَّق به الجزاء، وفي معناه ما قيل: أي: حتى يظهر علمنا، وقال ابنُ الحاجب في ذلك: العلم يُطلق باعتبار الرؤية، والشيء لا يُرى حتى يقعَ، يعني على المشهور، وهو هنا بمعنى ذلك، أو بمعنى المجازاة، والمعنى: حتى تُجازي المجاهد منكم ﴾﴾ فيظهر حسنُها وقبيحها، والكلامُ كتابةٌ عن بلاء والصابرين أعمالهم، فإنَّ الخبرَ حَسَته وقَبيحه على حسب المُخبَر عنه، فإذا تميّز الحسنُ عن الخبر القبيح فقد تميَّز المُخيّر عنه، وهو العمل كذلك، وهذا أبلغُ من: نبلو أعمالكم. والظاهرُ عمومُ الأخبار، وجُوِّز كون المراد بها: أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم للمؤمنين على أنَّ إضافتها للعهد، أي: ونبلو أخبارَ إيمانكم ومُوالاتكم فیظهر صِدْقُّها وگَذِيُها. (١) في (م): اللعين. (٢) أخرجه أحمد (٩١٥٨)، والبخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة# بلفظ: («آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)). سُورَةٌ مَحَدٌ ٢١٢ الآية : ٣٢ - ٣٣ وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة المُسندة إلى ضمير العظمة بالياء، وقرأ رويس: (ونَبلُوْ)) بالنون وسكون الواو(١)، والأعمش بسكونها وبالياء(٢)، فالفعلُ مرفوعٌ بضمَّة مُقدَّرة بتقدير: ونحن نبلو، والجملة حالية، وجُوِّز أن يكونَ منصوبًا - كما في قراءة الجمهور - سُگِّن للتخفيف كما في قوله: أبى اللهُ أَنْ أسمو بأمِّ ولا أبٍ (٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوا﴾ الناسَ ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّواْ الرَّسُولَ﴾ صاروا في شقِّ غير شِقِّه، والمرادُ عادوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَمُمُ الْمُدَى﴾ لِمَا شاهدوا من نَعْته عليه الصلاة والسلام في التوراة، أو بما ظهر على يديه وَل﴿ من المُعجزات ونزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات، وهم بنو قريظة والنَّضير، أو المُطعمون يوم بدر، وقد تقدَّم ذكرهم، وقيل: أناسٌ نافقوا بعد أن آمنوا. ﴿لَنْ يَضُواْ الََّ﴾ بِكُفرهم وصَدِّهم ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء أو شيئًا من الضرر، أو لن يضرُّوا رسولَ الله ◌ِّله بمشاقَّته شيئًا؛ وقد حُذف المضاف لتعظيمه عليه الصلاة والسلام بجعل مَضَرَّته وما يلحقه كالمنسوب إلى الله تعالى، وفيه تفظيعُ مُشاقَّتِه ◌َِ. ﴿وَسَيُخْبِطُ أَعْمَلَهُمْ (﴾﴾ في مَكايدِهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى ومُشاقّة رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يَصِلون بها إلى ما كانوا يبغُون من الغوائل ولا تُثمر لهم إلا القتل والجَلاء عن أوطانهم ونحو ذلك، وجُوِّز أن يُرادَ أعمالهم التي عَمِلوها في دينهم يرجون بها الثواب. قيل: إنَّ بني ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ٣٣ أسد أَسلموا وقالوا لرسول الله وَّه: قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا، كأنهم مَنُّوا بذلك، فنزلت فيهم هذه وقولُه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ [الحجرات: ١٧] ومن هنا قيل: المعنى: لا تُبطلوا أعمالكم بالمَنِّ بالإسلام، وعن ابن عباس: بالرِّياء (١) التيسير ص٢٠٦، والنشر ٣٧٥/٢، والبحر ٨٥/٨. (٢) البحر المحيط ٨/ ٨٥. (٣) عجز بيت لعامر بن الطفيل، وهو في ديوانه ص٧٠، وصدره: فما سوَّدتني عامر عن وراثةٍ. الآية : ٣٣ ٢١٣ والسُّمعة، وعنه أيضًا: بالشكِّ والنِّفاق، وقيل: بالعُجْب فإنه يأكل الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطب. وقيل: المراد بالأعمال الصدقات، أي: تُبطلوها بالمَنِّ والأذى. وقيل: لا تُبطلوا طاعاتِكم بمعاصيكم، أخرج عبد بن حُميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: مَن استطاع منكم أن لا يُبطل عملًا صالحًا بعمل سوء فَلْيَفعَلْ، ولا قوة إلا بالله تعالى(١). وأخرج عبد بن حُميد ومحمد بن نَصْر المَرْوَزي في كتاب ((الصلاة)) وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان أصحابُ رسول الله وَّهِ يرونَ أنه لا يضرُّ مع لا إله إلا الله ذنبٌ، كما لا ينفعُ مع الشِّرك عملٌ حتى نزلت: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ) فخافوا أن يُبطلَ الذنبُ العمل. ولفظ عبد بن حُميد: فخافوا الكبائر أن تُحِطَ أعمالهم. وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر ﴿ًّا قال: كثَّا معاشرَ أصحاب محمد ◌َّ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولًا حتى نزلت: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَلِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ) فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يُبطل أعمالَنا؟ فقلنا: الكبائر المُوجبات والفواحش، فكنا إذا رَأَيْنا مَنْ أصاب شيئًا منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلَتْ كَفَفْنا عن القول في ذلك، وكنّا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإنْ لم يُصب منها شيئًا رجونا له (٢) . واستدلَّ المعتزلةُ بالآية على أنَّ الكبائرَ تُحبط الطاعات، بل الكبيرة الواحدة تُبطل مع الإصرار الأعمال ولو كانت بعدد نجوم السماء، وذكروا في ذلك من الأخبار ما ذكروا. وفي ((الكشف)): لا بدَّ في هذا المقام من تحرير البحث بأن يقال: إنْ أراد (١) الدر المنثور ٦٧/٦، وتفسير الطبري ٢٢٦/٢١. (٢) الخبران في الدر المنثور ٦٧/٦، والثاني عند الطبري ٢٢٩/٢٠. ٢١٤ الآية : ٣٤ - ٣٥ المعتزلة أن نحو الزنى إذا عقب الصلاة يُبطل ثوابَها مثلاً فهذا لا دليل عليه نقلًا وعقلًا، بل هما متعادلان على ما دلَّ عليه صحاحُ الأحاديث، وكفى بقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْهَا يَرَّدُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ نَرَّقِ شَرَّا يَرَّهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] حُجَّةً بالغة، وإنْ أرادوا أن عقابه قد يَكْبر حتى لا يُعادِلَه صغارٌ الحَسنات، فهذا صحيحٌ، والكلامُ حينئذ في تسميته إحباطًا، ولا بأس به، لكن عندنا أنَّ هذا الإحباطَ غيرُ لازم، وعندهم لازم، وهو مبنيٌّ على جواز العفو، وهي مسألةٌ أُخرى، وأما الكبيرةُ التي تختصُّ بذلك العمل كالعُجب ونحو المَنِّ والأذى بعد التصلُّق فهي مُحيطة لا محالةَ اتّفاقًا، وعليه يُحمل ما نُقل من الآثار، ومَنْ لا يُسميه إحباطا لأنه يجعله شرطًا للقبول، والإحباطُ أن يصيرَ الثوابُ زائلًا، وهذا لا يتأتَى إذا لم يثبت له ثوابٌ، فله ذلك، وهو أمرٌ يرجعُ إلى الاصطلاح. انتهى، وهو من الحُسن بمكان. وإعادة الفعل في ((وأطيعوا الرسول)) للاهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة والسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ امتنعوا عن الدُّخول في الإسلام وسلوك طريقه، أوصقُّوا الناس عنه ﴿ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُقََّرٌ مَنْ يَغْفِرَ لَّهُ لَمْ (٣)﴾ نزلَتْ في أهل القَليب كما قيل، وحُكمها عامٌّ كما قال غيرُ واحد في كلِّ من مات على كفره، وهو ظاهرٌ على التفسير الأول لـ ((صلُّوا عن سبيل الله))، وأما على التفسير الثاني له فقيل عليه: إنَّ العمومَ مع تخصيص الكفر بصدِّ الناس عن الإسلام محلٌّ نظر، ويُفهم من كلام بعض الأجِلَّة أن العمومَ لأنَّ مدارَ عدم المغفرة هو الاستمرار على الكفر حسبما يُشعر اعتباره قيدًا في الكلام، فتلبَّر. واستدل بمفهوم الآية بعضُ القائلين بالمفهوم على أنه تعالى قد يغفر لمن لم یمُتْ على گُقره سائرَ ذنوبه. ـُوا﴾ أي: إذا علمتم أنَّ اللهَ تعالى مُبطلٌ أعمالهم ومُعاقبهم فهو خاذِلهم في الدنيا والآخرة، فلا تُبالوا بهم ولا تُظهروا ضعفًا، فالفاء فصيحةٌ في جواب شريط مفهوم مما قَبله، وقيل: هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة. الاتية : ٣٥ ٢١٥ ﴿وَّهُوَاْ إِلَى أَّلْمِ﴾ عطفُ على ((تهنوا)) داخلٌ في حيِّز النهي، أي: ولا تدعوا الكُفَّار إلى الصُّلح خَوَرًا وإظهارًا للعجز، فإن ذلك إعطاءُ اللَّنية. وجُوِّز أن يكونَ منصوبًا بإضمار ((أنْ) فيعطف المصدر المَسبوك على مصدر مُتُصيّد مما قبلَه، كقوله: لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مِثْلَه(١) واستدلَّ الكيا بهذا النهي على منع مُهادئة الكفار إلا عند الضرورة، وعلى تحريم تركِ الجهاد إلا عند المَجْزَ (٢). وقرأ السلمي: ((وتدَّعوا)) بتشديد الدال(٣) مِن ادَّعى بمعنى دعا. وفي ((الکشاف»(٤) ذگر ((لا)» في هذه القراءة، ولعلَّ ذلك روایةً أُخرى. وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وحمزة وأبو بكر: ((السِّلم)) بكسر السين(٥). ﴿وَيُُّ الْأَعْلَوَّنَ﴾ أي: الأغليون، والعُلُرُّ بمعنى الغَلبة مجازٌ مشهور، والجملة حاليةٌ مقرِّرة لمعنى النهي مُؤَكِّدة لوجوب الانتهاء، وكذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَّكُمْ﴾ أي: ناصرکم، فإن کونھم الأغلبین وکونه عز وجل ناصرهم من أقوی مُوجبات الاجتاب عمَّا يُوهم الدُّلَّ والضَّراعة. وقال أبو حيان(٦): يجوز أن يكونا جُملتين مستأنفتين أُخبروا أَولًا أنهم الأعلون، وهو إخبارٌ بمغيَّب أبرزه الوجود، ثم ارتقى إلى رُقبةٍ أعلى من التي قبلها، وهي كون الله تعالى معهم. (١) وعجزه: عارٌ عليك إذا فعلت عظيم. وهو في الخزانة ٥٦٤/٨. واختلف في قائله، قَتُسب المتوكّل الكتاني وللمتوكل الليثي، والمشهور أنه لأبي الأسود الدؤلي، ولعل المتوكّل أخذه من شعر أبي الأسود. قاله البغدادي. (٢) أحكام القرآن ٤/ ٣٧٥. (٣) القراءات الشاذة ص١٤١، والمحتسب ٢٧٣/٢، والبحر المحيط ٨٥/٨. (٤) ٥٣٩/٣. (٥) البحر المحيط ٨٥/٨، وقراءة حمزة وأبي بكر في النشر ٢٢٧/٢، والتيسير ص٢٠١. (٦) البحر المحيط ٨٥/٨. : ٢١٦ الآية : ٣٥ قال: ولن يظلمكم، وقيل: ولن ينقصكم، وقيل: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ ولن يُضيِّعها، وهو كما قال أبو عُبيد والمبرِّد: من وَتَرت الرجلَ إذا قتلتَ له قتيلاً مِن ولدٍ أو أخٍ أو حميم، أو سلبته ماله وذهبتَ به. قال الزمخشري(١): وحقيقته: أَفردته من قريبه أو ماله، من الوِتْر، وهو الفرد، فَشبَّه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام، وفيه هنا من الدَّلالة على مَزيد لُطفِ الله تعالى ما فيه، ومنه قوله وَّمَ: (مَنْ فاتَتْه صلاة العصرِ فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه))(٢). والظاهر على ما ذكره أنه لا بدَّ من تضمين وَتَرته معنى السَّلب ونحوه ليتعدَّى إلى المفعول الثاني بنفسه، وفي ((الصحاح)) (٣) أنه من الثِّرة، وحمله على نزع الخافض، أي: جعلته مَوْتُورًا لم يُدرك ثاره في ذلك، كأنه نقصه فيه، وجعله نظيرَ: دخلتُ البيت، أي: فيه. وهو سديدٌ أيضًا. وجوَّز بعضهم ((يتر)) هاهنا متعدِّياً لواحد، و((أعمالكم)) بدل من ضمير الخطاب، أي: لن يَتِرَ أعمالکم من ثوابها . والجملة قيل: معطوفةٌ على قوله تعالى: ((معكم))، وهي وإن لم تَقَعْ حالًا استقلالاً لتصديرها بحرف الاستقبال المُنافي الحال على ما صرَّح به العلامة التفتازاني وغيره لكنه يُغتفر في التابع ما لا يُغتفر في غيره. وقيل: المانعُ من وقوع المُصدَّرة بحرف الاستقبال حالاً مخالفتُه للسَّماع، وإلا فلا مانعَ من كونها حالاً مُقدَّرة، مع أنه يجوز أن تكون ((لن)) لمجرد تأكيدِ النفي. والظاهرُ أن المانعين بَنَوا المنعَ على المُنافاة، وأنها إذا زالت باعتبار أحدِ الأمرين فلا منع، لكن قيل: إنَّ الحال المقصود منها بيانُ الهيئة غير الحال الذي هو أحدُ الأزمنة، والمنافاة إنما هي بين هذا الحال والاستقبال. وهذا نظيرُ ما قال مُجوِّزو مَجيء الجملة الماضية حالاً بدون ((قد))، وما لذلك وما عليه في كتب النحو، وإذا جعلت الجملة قبلُ مستأنفة لم يكن إشكالٌ في العطف أصلاً . (١) الكشاف ٥٣٩/٣. (٢) أخرجه أحمد (٦٣٢٤)، والبخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦) (٢٠١) من حديث ابن عمر (٣) مادة: (وتر). الآية : ٣٦ - ٣٧ ٢١٧ ﴿إِنَّمَا اَلَوَّةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ لا ثَبات لها ولا اعتدادَ بها ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ أي: ثوابَ إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون. ﴿وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَوَلَكُمْ ﴾﴾ عطفٌ على الجزاء، والإضافة للاستغراق، والمعنى: إن تُؤمنوا لا يسألكم جميعَ أموالكم كما يأخذ من الكافر جمیعَ ماله، وفيه مقابلة حسنةٌ لقوله تعالى: ((يؤتكم أجوركم)) كأنه قيل: يُعطِكم كلَّ الأجور ويسألكم بعضَ المال، وهو ما شرعه سبحانه من الزكاة، وقول سفيان بن عيينة: أي: لا يسألكم كثيرًا من أموالِكم إنما يسألُكم ربعَ العُشر فَطيِّبوا أنفسكم، بيانٌ لحاصل المعنى. وقيل: أي: لا يسألكم ما هو مالكم حقيقة وإنما يسألُكم ماله عز وجل، وهو المالكُ لها حقيقةً وهو جل شأنه المُنعم عليكم بالانتفاع بها. وقيل: أي: لا يسألُكم أموالَكم لحاجته سبحانه إليها، بل ليرجع إنفاقُكم إليكم. وقيل: لا يسألكم الرسولُ وَله شيئاً من أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْتُكَلِفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ووجهُ التعليق عليها غيرُ ظاهر، وفي بعضها أيضاً ما لا يخفى. ﴿إِن يَتَذْكُمُوهَا﴾ أي: أموالكم ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ فَيُجهدكم بطلب الكُلِّ، فإنَّ الإحفاءَ والإلحاف المبالغةُ وبلوغُ الغايةِ في كلِّ شيء، يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربَه استَأُصَله وأَخَذَه أخذًا مُتناهياً. وأصلُ ذلك على ما قال الراغب(١): مِنْ أَحفيتُ الدابَّة جعلته حافياً، أي: مُنْسحِجَ الحافر، والبَعير جعلته مُنْسحِج الفَرْسن من المشي حتى يَرِقّ. ﴿تَبْخَلُواْ﴾ جواب الشرط، والمرادُ بالبخل هنا تركُ الإعطاء، إذ هو على المعنى المشهور أمرٌ طبيعيٌّ لا يترتَّب على السؤال. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَنَّكُمْ ﴾﴾ أي: أحقادَكم لمزيد حُبُّكم للمال، وضمير ((يخرج)) لله (١) المفردات (حفي). ٢١٨ الآتية : ٣٨ تعالى، وبَعضُده قراءة يعقوب ورُويت أيضاً عن ابن عباس: ((ونُخْرِجْ)) بالنون مضمومة(١). وجُوِّز أن يكون للسؤال أو للبخل، فإنه سببُ إخراج الأضغان، والإسناد على ذلك مجازيٌّ. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((ويُخْرِجُ)) بالرفع على الاستئناف(٢)، وجُوِّز جعل الجملة حالاً بتقدير: وهو يخرجُ، وحكاها أبو حاتم عن عيسى، وفي ((اللوامح)): عن عبد الوارث عن أبي عمرو: ((ويَخْرُجُ)) بالياء التحتية وفتحها وضمِّ الراء والجيم ((أضغاتُكم)) بالرفع على الفاعلية(٣). وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن مُحيصن وأيوب بن المُتوكّل واليماني: ((وتَخْرُج)) بتاء التأنيث ورفع (أضغائُكم)(٤). وقرئ: ((ويُخرَج)) بضمِّ الياء التحتية وفتح الراء ((أضغائُكم)) رفعاً على النيابة عن الفاعل، وهي مَرويةٌ عن عيسى إلا أنه فَتَح الجيم بإضمار ((أن))(٥)، فالواو عاطفةٌ على مصدر مُتصيَّد، أي: يكن يُخْلكم وإخراجُ أضغانكم. إِهَلَهُمْ هَوَّلَكَ﴾ أي: أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون بما تضمَّنه قولُه تعالى: ((إن يسألكموها)) إلخ، والجملةُ مبتدأ وخبر، وكُرِّرت ((ها)) التنبيهية للتأكيد، وقوله سبحانه: ﴿تُدَعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِ سَيِلِ أَقَّهِ﴾ إلخ، استئنافٌ مُقرّر ومُؤكِّد لذلك لاتِّحاد محصل معناهما، فإنَّ دعوتهم للإنفاق هو سُؤل الأموال منهم، ويُخل ناسٍ منهم هو معنى عدم الإعطاء المذكور مجملًا أولًا أو صلة لـ ((هؤلاء" على أنه بمعنى ((الذين))، فإنَّ اسمَ الإشارة يكون موصولًا مطلقًا عند الكوفيين، وأما البصريون فلم يثبتوا اسمَ الإشارة موصولًا إلا إذا تقلَّمه ((ما)» الاستفهامية باتفاق، أو (مَن)) الاستفهامية باختلاف، والإنفاق في سبيل الله تعالى هو الإنفاقُ المرضي له تعالى شأنه مطلقًا فيشمل النفقة للعيال والأقارب والغزو (١) القراءات الشاذة ص١٤١، وهي غير المشهورة عن يعقوب. (٢) القراءات الشاذة ص ١٤١، والمحتسب ٢٧٣/٢، والبحر المحيط ٨٦/٨. (٣) البحر المحيط ٨٦/٨، لكن بالتاء لا بالياء، وقال الزمخشري في الكشاف ٥٣٩/٣: و((يَخْرج)) بالياء والتاء مع فتحهما ورفع ((أضغانكم)). (٤) القراءات الشاذة ص ١٤١، والبحر المحيط ٨٦/٨. (٥) رواية عيسى في البحر المحيط ٨٦/٨. الآية : ٣٨ ٢١٩ وإطعام الضيوف والزكاة وغير ذلك، وليس مخصوصًا بالإنفاق للغزو أو بالزكاة كما قيل. ﴿قَِنكُم مَّن يَخَلَّ﴾ أي: ناس يَبْخَلون ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فلا يتعدَّى ضررُ بُخْله إلى غيرها، يقال: بَخِلْت عليه ويَخِلْتُ عنه؛ لأنَّ البخل فيه معنى المنع، ومعنى التضييقِ على مَنْ مُنع عنه المعروف والإضرار، فناسبَ أن يُعدَّى بـ ((عن)) للأول، وبـ ((على)) الثاني، وظاهرٌ أنَّ مَنْ منع المعروف عن نفسه فإضرارُه عليها، فلا فرقَ بين اللفظين في الحاصل. وقال الطيبي: يمكن أن يقال: ((يبخل عن نَفْسه)) على معنى يصدرُ البخلُ عن نفسه؛ لأنها مكان البخل ومَتْبعه كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩]. وهو كما ترى. ﴿وَّ الشَِّىُّ﴾ لا غيره عز وجل ﴿وَأَنْتُمُ الْقُقَرَآءُ﴾ الكاملون في الفقر، فما يأمركُم به سبحانه فهو لاحتياجكم إلى ما فيه من المنافع التي لا تقتضي الحكمة أيضًا لها بدون ذلك، فإن امتثلتُم فلكم، وإنْ تولَّيتم فعليكم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوَأَ﴾ عطفُ على قوله سبحانه: ((إن تؤمنوا)) أي: وإن تُعرضوا عن الإيمان والتقوى ﴿يَسْتَِّلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يخلق مكانكم قومًا آخرين، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ يِّقٍ جَدِيمٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]، ﴿قَُّّ لَا يَكُونُواْ أَشَلَكُمْ (٨)﴾ في التولِّي عن الإيمان والتقوى، بل يكونون راغبين فيهما. و(ثم)) للتراخي حقيقةً أو لبعدِ المَرْقبة عمَّا قبلُ. والمرادُ بهؤلاء القوم أهلُ فارس، فقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حُميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي في ((الدلائل)) والترمذي - وهو حديث صحيح على شرط مسلم - عن أبي هريرة قال: تلا رسولُ الله﴾ هذه الآيةَ: ((وإنْ تتولّوا)) إلخ، فقالوا: يا رسولَ الله، مَنْ هؤلاء الذين إنْ تولَّينا استُبدِلوا بنا ثم لا يكونون أمثالنا؟ فضرب رسولُ اللهلو على مَنْكِب سلمان ثم قال: «هذا سُورَةُ فَحَانَد ٢٢٠ التفسير الإشاري (٧- ٣٠) وقومُه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطًا بالتُّريا لتناولَه رجالٌ من فارس))(١). وجاء في رواية ابن مردويه عن جابر: ((الدينُ)) بدل: ((الإيمان))(٢). وقيل: هم الأنصار. وقيل: أهلُ اليمن. وقيل: كِندة والنخع. وقيل: العجم. وقيل: الروم. وقيل: الملائكة، وحملُ القوم عليهم بعيدٌ في الاستعمال، وحيث صحَّ الحديث فهو مذهبي. والخطاب لقريش أَوْ لأهل المدينة، قولان، والظاهرُ أنه للمخاطَبين قبلُ والشرطية غير واقعة، فعن الكلبي: شَرَط في الاستبدال تولِّيهم لكنهم لم يتولَّوا، فلم يستبدل سبحانه قومًا غيرهم. والله تعالى أعلم. ومما قاله بعضُ أرباب الإشارة في بعض الآيات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصْكُمْ﴾ نُصرة الله تعالى من العبد على وجهين صورةً ومعنّى، أما نُصرته تعالى في الصورة فنصرة دينه جلَّ شأنه بإيضاح الدليل وتبيينه وشرح فرائضه وسُننه وإظهارٍ معانيه وأسرارِه وحقائقه، ثم بالجهاد عليه وإعلاء كلمته وقمع أعدائه؛ وأما نُصْرته في المعنى فبإفناءِ الناسوت في اللاهوت(٣). ونصرة الله سبحانه للعبد على وجهين أيضًا صورةً ومعنى، أما نُصرته تعالى للعبد في الصورة فبإرسال الرُّسل وإنزال الكتب وإظهار المُعجزات والآيات وتبيين السُّبل إلى النعيم والجحيم، ثم بالأمر بالجهاد الأصغر والأكبر وتوفيق السعي فيهما طلبًا لِرضاه عز وجل، وأما نُصرته تعالى له في المعنى فبإفناء وجوده في وجوده سبحانه بتجلِّي صفاتٍ جماله وجلاله. (١) الدر المنثور ٦٧/٦، وتفسير الطبري ٢٣٣/٢١، والأوسط (٨٨٣٨)، والترمذي (٣٢٦١). والخبر مذكور عند البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١) في قوله تعالى: ﴿وَمَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ من سورة الجمعة. (٢) الدر المنثور ٦/ ٦٧ . (٣) الناسوت واللاهوت من مصطلحات الصوفية التي استخدمها ابن عربي حيث يعني بالناسوت الجسم البشري، وباللاهوت الروح. المعجم الصوفي ص٢٣٣.