Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ٦ - ٧ ٦١ سُورَةُ الأَخْقَفلِ وقال بعضهم على جعلها في عبدة الأصنام: إنَّ وصفها بما ذكر من ترك الاستجابة والغَفْلةِ مع ظهور حالها للتهكُّم بها، فتدبّر ولا تغفُلْ. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ عند قيام القيامة ﴿كَانُوا﴾ أي: المعبودون ﴿لَمْ﴾ أي: العابدين ﴿أَعْدَاءَ﴾ شديدي العداوة ﴿وَكَانُواْ﴾ أي: المعبودون أيضًا ﴿يِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: بعبادة الكَفَرة إياهم ﴿كَفِرِينَ ﴾﴾ مُكذِّبين، والأمر ظاهرٌ في ذوي العقول. وأما في الأصنام فقد رُوي أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا ويُنطِقُها فتتبرَّأ عن عبادتهم، وكذا تکون أعداءً لهم. وجُوِّز كون تكذيب الأصنام بلسان الحال؛ لظهور أنهم لا يصلحون للعبادة، وأنهم لا نفعَ لهم كما توقَّموه أولًا حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ورجوا الشفاعة منهم. وفُسِّرت العداوة بالضرِّ على أنها مجازٌ مُرسَل عنه، فمعنى «كانوا لهم أعداء)»: كانوا لهم ضارِّين، وما ذكرناه في بيان الضمائر هو الظاهر. وقيل: ضمير ((هم)) المرفوع البارز والمُستتر في قوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ) للكَفَرة الداعين، وضمير ((دعائهم)) لهم أو للمعبودين. والمعنى أن الكُفَّار عن ضلالهم بأنهم يَدْعون مَن لا يستجيب لهم غافلون لا يتأمَّلون ما عليهم في ذلك، وفيه من ارتكابٍ خلاف الظاهر ما فيه، وفي الضمائر بعدُ نحو ذلك. والمعنى: إذا حُشر الناس كان الكُفَّار أعداءً لآلهتهم الباطلة؛ لِمَا يرون من ترتّب العذاب على عبادتهم إياها، وكانوا لذلك مُنكرين أنهم عبدوا غيرَ الله تعالى كما حكّى اللهُ تعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وتُعقِّب بأنَّ السِّياق لبيان حالِ الآلهة معهم لا عكسه، ولأن كفرهم حينئذ إنكارٌ لعبادتهم، وتسميته كفرًا خلافُ الظاهر. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيْنَتٍ﴾ أي: واضحات، أو مُبِيِّنات ما يلزم بيانه ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ﴾ أي: الآياتِ المتلوَّةِ، وُضِعَ موضعَ ضميرها تنصيصًا على حقِّيتها ووجوب الإيمان بها، كما وُضِعَ الموصول موضعَ ضمير المتلوِّ عليهم تسجيلًا عليهم بكمال الكُفر والضلالة. سُوَدَةُ الأَحْقَفلِ ٦٢ الآية : ٨ وجُوِّز كون المراد بالحقِّ النبوَّة أو الإسلام، فليس فيه موضوعًا موضع الضمير، والأول أظهر. واللام متعلِّقة بـ ((قال)) على أنها لام العلّة، أي: قالوا لأجل الحقِّ وفي شأنه، وما يقال في شأن شيء مسوقٌ لأجله، وجُوِّز تعلُّقه بـ ((كفروا)) على أنه بمعنى الباء، أو حمل الكفر على نقيضه، وهو الإيمان، فإنه يتعدَّى باللام نحو: ﴿أَنْوْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١] وهو خلافُ الظاهر كما لا يخفى. ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ أي: في وقت مجيئه إياهم، ويُفهم منه في العُرف المبادرة، وتستلزم عدمَ التأمُّل والتدبُّر، فكأنه قيل: بادروا أولَ سماع الحقِّ من غير تأمُّل إلى أن قالوا: ﴿هَذَا سِخْرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ أي: ظاهرٌ كونُه سحرًا، وحُكمهم بذلك على الآيات لعجزهم عن الإتيان بمثلها، وعلى النبوّة لِمَا معها من الخارق للعادة، وعلى الإسلام لتفريقه بين المرء وزوجه وولده. ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ﴾ إضرابٌ وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة إلى حكاية ما هو أشنعُ منها، وهو الكذب عمدًا على الله تعالى، فإن الكذب خصوصًا عليه عز وجل متفقٌ على قُبحه، حتى ترى كلَّ أحد يشمئزُّ من نسبته إليه، بخلاف السِّحر فإنه وإن قَبُحَ فليس بهذه المرتبة، حتى تكاد تُعَدُّ معرفته من الأمور المرغوبة، وما في ((أمْ)) المنقطعةِ من الهمزة معنّى للإنكار التوبيخي المتضمِّن للتعجُّب من نسبته إلى الافتراء مع قولهم: هو سحرٌ، لعجزهم عنه، والضميرُ المنصوب في ((افتراه)» - كما قال أبو حيان (١) - ((للحق)) الذي هو الآياتُ المتلَّوة. وقال بعضهم: للقرآن الدالّ عليه ما تقدَّم، أي: بل أيقولون: افتراه. ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَرِيْتُهُ﴾ على الفرض ﴿فَلاَ تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً﴾ أي: [إن](٢) عاجلني الله تعالى بعقوبة الافتراء علیه سبحانه، فلا تقدرون على گَفِّه عز وجل عن معاجلتي، ولا تُطيقون دفع شيء من عقابه سبحانه عني، فكيف أَفتريه وأَتعرَّض لعقابه، فجواب ((إن)) في الحقيقة محذوفٌ، وهو: عاجَلني، وما ذكر مُسبَّب عنه ◌ُقیم مُقامه، أو تجوّز به عنه. (١) البحر المحيط ٨/ ٥٦. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي ٢٨/٨. الآية : ٩ ٦٣ سُورَةُ الأَحْقَقلِ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيِضُونَ فِيَّهِ﴾ بالذي تأخذون فيه من القَدْح في وحي الله تعالى والطّعن في آياته، وتسميتِهِ سحرًا تارةً وافتراءً أُخرى. واستعمالُ الإفاضة في الأخذ في الشيء والشروع فيه - قولًا كان أو فعلًا - مجازٌ مشهور، وأصلها إسالةُ الماء؛ يقال: أفاضَ الماء: إذا أساله. وما أشرنا إليه من كون ((ما)) موصولةً وضمير ((فيه)) عائد عليه هو الظاهرُ. وجُوِّز كون ((ما)) مصدريةً وضمير ((فيه)) للحقِّ أو للقرآن. ﴿كَفَ بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ حيث يشهد لي سبحانه بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجُحود، وهو وعيدٌ بجزاء إفاضتهم في الطعن في الآيات، واستؤنف؛ لأنه في جواب سؤال مقدَّر، و((به)) في موضع الفاعل بـ ((كفى)) على أصحِّ الأقوال، و((شهيدًا)) حال، و((بيني وبينكم)) متعلِّق به، أو بـ ((کفی)). ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ وعدِّ بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن، وإشعارٌ بحِلْم الله تعالى عليهم إذ لم يُعاجلهم سبحانه بالعقوبة، وأَمهلهم جلَّ شأنه ليتداركوا أمورهم. ﴿قُلّ مَا كُتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: بديعًا منهم، يعني: لست مبتدعًا لأمرٍ يُخالِفُ أمورهم، بل جئتُ بما جاؤوا به من الدعوة إلى التوحيد، أو فعلتُ نحوَ ما فعلوا من إظهارٍ ما آتاني الله تعالى من المُعجزات دون الإتيان بالمقترحات كلّها، فقد قيل: إنهم كانوا يقترحون عليه عليه الصلاة والسلام آياتٍ عجيبةً، ويسألونه عن المُغيَّبات عِنادًا ومُكابرةً، فأمر ◌َّ أن يقول لهم ذلك، ونظير ((بِدْع)): الخِفّ بمعنى الخفيف، والخِلّ بمعنى الخليل، فهو صفةٌ مشبَّهة، أو مصدرٌ مؤَول بها، وجُوِّز إبقاؤه على أصله. وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عَبْلة: ((بِدَعًا)) بفتح الدال(١)، وخُرِّج على أنه جمع بِذْعة، كسِذْرة وسِدْر، والكلام بتقدير مضاف، أي: ذا بِدْع، أو مصدر والإخبار به مبالغة، أو بتقدير المضاف أيضًا. وقال الزمخشري(٢): يجوز أن يكون صفةً على فِعَل كقولهم: دين قِيَم ولحم (١) القراءات الشاذة ص١٣٩، والمحتسب ٢٦٤/٢، والبحر ٨ /٥٦. (٢) الكشاف ٥١٧/٣. الآية : ٩ ٦٤ سُوَّةُ الأَحْقَفِلِ زِيَم، أي: متفرّق، قال في ((البحر))(١): ولم يُثبت سيبويه(٢) صفةً على هذا الوزن إلا عِدَى، حيث قال: ولا نعلمه جاء صفةً إلا في حرف معتلّ يُوصف به الجمع، وهو: قوم عِدّى، واستُدرك عليه: زِيَم، وهو استدراكٌ صحيح، وأما قِيَم فمقصور من قيام، ولولا ذلك لصحّت عينُه كما صحَّت في حِوَل وعِوَض. وأما قول العرب: مكان سِوَى، وماء رِوَى، ورجل رِضًا، وماء صِرَى، فمتأوَّلة عند التصريفيين إما بالمصدر أو بالقصر. وعن مجاهد وأبي حيوة: ((بَدِعًا)) بفتح الباء وكسر الدال(٣)، وهو صفة كحَذِر. ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُرْ﴾ أي: في الدارين على التفصيل كما قيل، وأخرج ابن جرير(٤) عن الحسن أنه قال في الآية: أما في الآخرة فمعاذ الله تعالى قد عَلِمَ بَّرِ أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرُّسل، ولكن ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأُخرجُ كما أُخرجت الأنبياء عليهم السلام من قَبْلي، أم أُقتل كما قُتلت الأنبياء عليهم السلام من قَبْلي، ولا بكم، أَأُمتي المكذِّبة أم أمتي المصدِّقة، أَمْ أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفًا، أم المخسوف بها خسفًا، ثم أُوحي إليه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] يقول سبحانه: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف عليه الصلاة والسلام أنه لا يُقتل، ثم أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] يقول: أشهد لك على نفسه أنه سَيُظهر دينَك على الأديان، ثم قال سبحانه له عليه الصلاة والسلام في أمته: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فأخبره الله تعالى بما صنع به وما يصنع بأمته. وعن الكلبي أنه وَ﴿ قال له أصحابُه وقد ضَجِروا مِنْ أذى المشركين: حتى (١) البحر المحيط ٨/ ٥٦. (٢) الكتاب ٤ / ٢٤٤. (٣) البحر المحيط ٥٦/٨. (٤) تفسير الطبري ١٢٢/٢١ . الآية : ٩ ٦٥ سُورَةُ الأَحْقَقلِ متى نكون على هذا؟ فقال: ((وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أَأُترك بمكة أَمْ أومر بالخروج إلى أرض قد رُفعت لي ورأيتها - يعني في منامه - ذاتٍ نخل وشجر))(١). وحكى في ((البحر))(٢) عن أنس بن مالك(٣) وقتادة وعكرمة والحسن أيضًا وابن عباس أن المعنى: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. وأخرج أبو داود في (ناسخه))(٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قال في الآية: نسختها الآية التي في ((الفتح)، يعني: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الآية: ٢] فخرج ◌َّ إلى الناس فبشَرهم بأنه غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبه وما تأخّر، فقال رجلٌ من المؤمنين: هنيئًا لك يا نبيَّ الله، قد عَلِمنا الآن ما يُفعل بك، فماذا يُفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الآية: ٤٧]، وقال سبحانه: ﴿لِيُدْرِلَ الْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: ٥] فبيَّن الله تعالى ما يُفعل به وبهم. واستشكل - على تقدير صحّته - بأنَّ النسخ لا يجري في الخبر، فلعلَّ المنسوخَ الأمرُ بقوله تعالى: ((قل)» إنْ قلنا: إنه هنا للتكرار، أو المراد بالنسخ مطلق التغيير. وقال أبو حيان(٥): هذا القول ليس بظاهر، بل قد أعلم الله تعالى نبيَّه عليه الصلاة والسلام من أول الرسالة بحاله وحال المؤمن وحال الكافر في الآخرة. قال الإمامُ(٦): أكثرُ المحقّقين استبعدوا هذا القولَ، واحتجُّوا بأن النبيَّ لا بد أن يعلم من نَفْسه كونَه نبيًّا، ومتى عَلِمَ ذلك عَلِمَ أنه لا يصدر عنه الكبائر، وأنه مغفورٌ [له] وإذا كان كذلك امتنع كونه شاًا في أنه هل هو مغفورٌ له أَمْ لا، وبأنه (١) أسباب النزول للواحدي ص٤٠١، ونقله عنه القرطبي ١٨٦/١٩. (٢) البحر المحيط ٨/ ٥٧ . (٣) في الأصل و(م): مالك بن أنس، والمثبت من البحر المحيط ٥٧/٨، والمحرر الوجيز ٩٤/٥. (٤) كما في الدر المنثور ٣٨/٦. (٥) البحر المحيط ٥٧/٨. (٦) تفسير الرازي ٨/٢٨، وما سيأتي بین حاصرتین منه .. الآية : ٩ ٦٦ سُورَةُ الأَحْقَقلِ لا شكَّ أن الأنبياءَ أرفعُ حالًا من الأولياء، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿أَلّ إنّ أَوْلِيَآءَ اَللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فكيف يعتقد بقاء الرسول وهو رئيسُ الأنبياء وقُدوة الأولياء شاًا في أنه هل هو من المغفورين أَمْ لا؟! وقد يقال: المرادُ أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام ما يدري ذلك على التفصيل، وما ذكر لا يتعين فيه حصولُ العلم التفصيلي؛ لجوازٍ أن يكون عليه الصلاة والسلام قد أُعلم بذلك في مبدأ الأمر إجمالًا، بل في إعلامه(١) وَّ بعدُ بحال كلِّ شخص شخص على سبيل التفصيل، بأن يكون قد أُعلم عليه الصلاة والسلام بأحوال زيد مثلًا في الآخرة على التفصيل وبأحوال عمرو كذلك، وهكذا = توقُّفٌ. وفي ((صحيح البخاري)) - وأخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن مردويه - عن أُمّ العلاء، وكانت بايعت رسولَ اللهِ وَّ﴾، أنها قالت لمَّا مات عثمان بن مظعون: رحمةُ الله تعالى عليك يا أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى. فقال رسولُ الله عليه الصلاة والسلام: ((وما يُدريك أن الله تعالى أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين مِن ربِّه، وإني لأرجو له الخير، واللهِ ما أدري وأنا رسولُ الله ما يُفعل بي ولا بكم)، قالت أُمُّ العلاء: فواللهِ ما أُزِّي بعده أحدًا(٢). وفي رواية ابن حبان والطبراني عن زيد بن ثابت أنها قالت لما قُبض: طِبْ أبا السائب نفسًا، إنك في الجنة. فقال النبيُّ وَّلين: ((وما يدريك))؟ قالت: يا رسول الله، عثمان بن مظعون! قال: «أجل، وما رأينا إلا خيرًا، واللهِ ما أدري ما يُصنع بي))(٣). وفي رواية الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أنه لمَّا مات قالت امرأته، أو امرأةٌ: هنيئًا لك ابنَ مظعون الجنةَ. فنظر إليها رسولُ اللهِ وَّهِ نظر مُغْضَب، وقال: ((وما يدريك؟ واللهِ إني لرسول الله وما أدري ما يَفعل اللهُ بي)) فقالت: يا رسول الله، صاحبُك وفارسُك، وأنت أعلمُ! فقال: ((أرجو له رحمةَ ربِّه تعالى، وأخاف عليه (١) قوله: في إعلامه، متعلق بخبر مقدم، والمبتدأ ما سيرد من قوله: توقفٌ. (٢) صحيح البخاري (١٢٤٣)، ومسند أحمد (٢٧٤٥٧)، وسنن النسائي الكبرى (٧٥٨٧). (٣) الدر المنثور ٣٨/٦، والمعجم الكبير (٤٨٧٩)، وصحيح ابن حبان (٦٤٣). الآية : ٩ ٦٧ سُؤَدَّةُ الأَحْقَقلِ ذَنْبه)) لكن في هذه الرواية أن ابن عباس قال: وذلك قبل أن ينزل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَّقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢](١) . ؟ وعن الضحاك: المراد: لا أدري ما أُومر به ولا ما تُؤمرون به في باب التكاليف والشرائع والجهاد، ولا في الابتلاء والامتحان. والذي أختاره أن المعنى على نفي الدراية من غير جهةِ الوحي، سواء كانت الدراية تفصيليةً أو إجمالية، وسواء كان ذلك في الأمور الدنيوية أو الأخروية، وأَعتقدُ أنه ◌َّه لم ينتقلْ من الدنيا حتى أُوتي من العلم بالله تعالى وصفاته وشؤونه والعلمٍ بأشياء يُعَدُّ العلمُ بها كمالًا ما لم يُؤْتَه أحدٌ غيره من العالمين، ولا أعتقد فواتَ كمالٍ بعدم العلم بحوادث دنيوية جُزئية؛ كعدم العِلم بما يصنع زيدٌ مثلًا في بيته، وما يجري عليه في يومه أَوْ غَدِهِ، ولا أرى حَسنًا قولُ القائل: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم الغيبَ، وأستحسن أن يقال بدله: إنه ﴿ أَطلعه الله تعالى على الغیب، أو علّمه سبحانه إيَّه، أو نحو ذلك. وفي الآية ردٌّ على من ينسب لبعض الأولياء علمَ كلِّ شيء من الكُلِّيات والجزئيات، وقد سمعتُ خطيبًا على منبر المسجد الجامع المنسوب للشيخ عبد القادر الكيلاني قُدِّس سرُّه يومَ الجمعة قال بأعلى صوت: يا باز، أنت أعلمُ بي من نفسي. وقال لي بعضٌ: إني لأَعتقدُ أن الشيخَ قدِّس سرُّه يعلم كلَّ شيءٍ مِنِّي حتى منابتَ شعري. ومثل ذلك مما لا ينبغي أن يُنسب إلى رسول الله وَّ فكيف يُنسب إلى مَنْ سواه؟ فليتقِ العبدُ مولاه. وفيما تقدَّم من الأخبار في شأن عثمان بن مظعون ردٌّ أيضًا على مَن يقول فيمَن دونه في الفضل، أو مَنْ لم يبشِّره الصادق بالجنة والكرامة، نحوَ ما قيل فيه. نعم ينبغي الظنُّ الحسنُ في المؤمنين أحياءً وأمواتًا، ورجاءُ الخير لكلٌّ منهم، فالله تعالى أرحم الراحمين . هذا، والظاهر أن ((ما)) استفهامية مرفوعة المحلّ بالابتداء، والجملة بعدها خبرٌ، وجملة المبتدأ والخبر معلَّق عنها الفعل القلبي، وهو إما متعدٍّ لواحد أو اثنين، وجُوِّز (١) المعجم الكبير (٨٣١٧)، والدر المنثور ٣٨/٦، وليس عند الطبراني قول ابن عباس . ١ سُورَةُ الأَحْقَفِ ٦٨ الآية : ١٠ أن تكون ((ما)) موصولة في محلّ نصب على المفعولية لفعل الدراية، وهو حينئذ متعدٍّ الواحد، والجملة بعدَها صلة، وأن تكون حرفًا مصدريًّا فالمصدرُ مفعولُ ((أدري))، والاستفهامية أقضى لحقِّ مقام التبرِّي عن الدراية، و((لا)) لتذكير النفي المنسحب على ((ما يُفعل)) إلخ، وتأكيدِه، ولولا اعتبار الانسحاب لكان التركيب: ما يُفعل بي وبكم، دون ((لا)) لأنه ليس محلًّا للنفي، ولا لزيادة ((لا))، ونظيرُ ذلك زيادةُ ((مِن)) في قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] لانسحاب النفي، فإنه إذا انتفتْ ودادة التنزيل انتفى التنزيل. وزيادةُ الباء في قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِفَدِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] لانسحاب النفي على ((أنَّ) مع ما في حيِّزها، ولولاه ما زِيدت الباء في الخبر. وقيل: الأصل: ولا ما يفعل بكم، فاختصر وقيل: ((ولا بكم)). وقرأ زيد بن عليٍّ وابن أبي عبلة: ((يَفعل)) بالبناء للفاعل(١)، وهو ضمير الله عز وجل. ﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَ﴾ أي: ما أفعل إلا اتِّباع ما يُوحى إليَّ، على معنى قصر أفعاله وَّر على اتِّباع الوحي. والمراد بالفعل ما يشملُ القولَ وغيره. وهذا جوابٌ عن اقتراحهم الإخبار عمَّا لم يُؤْحَ إليه عليه الصلاة والسلام من الغيوب. والخطاب السابق للمشركين. وقيل: عن استعجال المسلمين أن يتخلَّصوا عن أذية المشركين، والخطاب السابق لهم. والأول أوفق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ أُنذركم عقابَ الله تعالى حسبما يُوحى إليَّ ﴿مُّبِينٌ ﴾﴾ بَيِّن الإنذار بالمعجزات الباهرة، والحصرُ إضافي. وقرأ ابن عمير: ((يُوحِي)) على البناء للفاعل(٢). ﴿قُلْ أَوَّيْتُمْ إِن كَانَ﴾ أي: ما يُوحى إليَّ من القرآن. وقيل: الضمير للرسول. وفيه أن الظاهر لو كان المعنى عليه: كنتُ ﴿مِنْ عِندِ اللَِّ﴾ لا سحرًا ولا مُفترى كما تزعُمون ﴿وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ الواو للحال، والجملةُ حالٌ بتقدير ((قد)) على المشهور (١) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٥٧. (٢) الكشاف ٣/ ٥١٧، والبحر ٨/ ٥٧ . 'ئے الآية : ١٠ ٦٩ سُورَةُ الْأَحْقَقلِ من الضمير في الخبر، وُسِّطت بين أجزاء الشرط اهتمامًا بالتسجيل عليهم بالكفر، أو للعطف على ((كان)) كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢]، وكذا الواو في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله، فالجملُ المذكورات بعد الواوات ليست متعاطفةً على نسقٍ واحد، بل مجموع: ((شهد))، ((فآمن))، ((واستكبرتم))، معطوفٌ على مجموع ((كان)) وما معه، مثله في المفردات: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَلْأَخِرُ وَاَلََّهِرُ وَالْبَالِنٌ﴾ [الحديد: ٣] والمعنى: إن اجتمع كونُه من عند الله تعالى مع كُفركم، واجتمع شهادةُ الشاهد فإيمانه مع استكباركم عن الإيمان. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في جواب الشرط وفي مفعولي ((أرأيتم)). وضمير (به)) عائدٌ على ما عاد عليه اسمُ ((كان))، وهو ما يُوحى من القرآن أو الرسول. وعن الشعبي أنه للرسول، ولعله يقول في ضمير ((كان)) أيضًا كذلك، وكذا في ضمير ﴿عَلَى مِثْلِهِ،﴾ لئلا يلزم التفكيك. وأنت تعلم أن الظاهرَ رجوعُ الضمائر كلِّها للقرآن. وتنوين ((شاهدٌ)) للتفخيم، وكذا وصفه بالجارِّ والمجرور، أي: وشهد شاهدٌ عظيمُ الشأن من بني إسرائيل الواقفين على شؤون الله تعالى وأسرار الوحي بما أُوتوا من التوراة على مِثل القرآن من المعاني المنطوية في التوراة من التوحيد والوعد والوعيد وغيرِ ذلك، فإنها في الحقيقة عينُ ما فيه، كما يُعرب عنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ، لَفِى زُيُرِ الْأَوَِّينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] على وجه، وكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] والمثليةُ باعتبار تأديتها بعباراتٍ أُخرى. أو: على مثل ما ذكر من كونه من عند الله تعالى، والمِثليَّة لما ذكر. وقيل: على مثل شهادته - أي: لنفسه - بأنه من عند الله تعالى، كأنه لإعجازه يشهدُ لنفسهِ بذلك. وقيل: (مِثْله)) كناية عن القرآن نفسهِ للمبالغة. وعلى تقدير كونِ الضمير للرسول وَّهِ فُسِّر المِثْل بموسى عليه السلام. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَامَنَ﴾ أي: بالقرآن، للسببية، فيكون إيمانه مترتّبًا على شهادته له بمطابقته للوحي. ويجوز أن تكون تفصيلية، فيكون إيمانُه به هو سُوَدَّةُ الأَحْقَقلِ ٧٠ الآية : ١٠ الشهادةَ له، والمعنى على تقدير أن يراد فآمن بالرسول وَّلهو ظاهرٌ بأدنى التفات. وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبٌَّ﴾ أي: عن الإيمان، معطوفٌ - على ما أشرنا إليه - على (شهد شاهد))، وجُوِّز كونه معطوفًا على ((آمن)) لأنه قَسيمه، ويجعل الكلّ معطوفًا على الشرط، ولا تكرار في ((استكبرتم)) لأن الاستكبارَ بعد الشهادة، والكفر قبلَها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ ﴾ أي: الموسومين بهذا الوصف، استئنافٌ بياني في مقام التعليل للاستكبار عن الإيمان. ووصفهم بالظلم للإشعار بعلَّة الحكم، فتشعر هذه الجملة بأنَّ كفرهم به لضلالهم المُسبَّب عن ◌ُلمهم، وهو دليلُ جواب الشرط، ولذا حُذف، ومفعولا ((أرأيتم)) محذوفان أيضًا لدلالة المعنى عليهما، والتقدير: أرأيتم حالكم إنْ كان كذا فقد ظلمتم، ألستم ظالمين، فالمفعول الأول: حالكم، والثاني: ألستم ظالمين، والجواب: فقد ظلمتم. وقال ابن عطية في ((أرأيتم)): يحتمل أن تكون منبهة، فهي لفظٌ موضوعٌ للسؤال لا تقتضي مفعولًا، ويحتمل أن تكون جملة ((إن كان)) .. إلخ سادَّة مسدّ مفعوليها(١). وهو خلافُ ما قرَّره محقِّقو النُّحاة في ذلك. وقدَّر الزمخشري (٢) الجوابَ: ألستم ظالمين، بغير فاء. وردَّه أبو حيان(٣) بأن الجملة الاستفهامية إذا وقعت جوابًا للشرط لَزِمها الفاء، فإن كانت الأداة الهمزة تقدَّمت على الفاء، وإلا تأخَّرت، ولعلَّه تقديرُ معنى لا تقدير إعراب. وقدَّره بعضهم: أفتؤمنون، لدلالة ((فآمن))، وقدَّره الحسن: فمن أضلُّ منكم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِعَنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقيل: التقدير: فمَنِ المحقُّ منَّا ومنكم، ومَن المُبطل؟ وقيل: تهلكون. وقيل: هو (فآمن واستكبرتم)) أي: فقد آمن محمد بَّر به، أو الشاهد، واستكبرتُم أنتم عن الإيمان، وأكثرُها كما ترى. (١) المحرر الوجيز ٥ / ٩٤. (٢) الكشاف ٥١٩/٣. (٣) البحر المحيط ٨/ ٥٧ . الآية : ١٠ ٧١ سُوَدَّةُ الأَحْقَقلِ والشاهد عبد الله بن سلام ه عند الجمهور وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن سيرين والضحاك وعكرمة في رواية ابن سعد وابن عساكر عنه(١). وفي ((الكشف)»: في جعله شاهدًا والسورة مكيةٌ بحثٌ، ولهذا استُثنيت هذه الآية. وتحقيقُه أنه نُزِّل ما سيكون منزلةَ الواقع، ولهذا عطف ((شهد)) وما بعده على قوله تعالى: (كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ) ليعلم أنه مثله في التحقيق، فيكون على أسلوب قوله سبحانه: ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] أي: أنذر قريشًا مثلَ ما أنزلناه على يهود بني قريظة، وقد أنزل عليهم بعدَ سبع سنين من نزول الآية، ومصبّ الإلزام في قوله تعالى: ((فآمن))، كأنه قيل: أخبروني إن يؤمن به عالمٌ من بني إسرائيل أيّ عالم لِمَا تحقَّق عنده أنه مثلُ التوراة، ألستم تكونون أضلَّ الناس؟! ففيه الدلالةُ على أنه مثلُ التوراة يجب الإيمانُ به، شَهِدَ ذلك الشاهدُ أَوْ لم يَشْهَدْ، لأن تلك الشهادةَ يعقبها الإيمان من غير مهلة، فلو لم يُؤمن لم يكن عالمًا بما في التوراة؛ وهذا يصلحُ جوابًا مستقلًا من غير نظر إلى الأول، فافهم. وقول من قال: الشاهد عبدُ الله - على هذا - بيانٌ للواقع، وأنه كان ممن شَهِدَ وآمن لا أنَّ المرادَ بلفظ الآية عبدُ الله خصوصًا. وعلى الوجهين لا بدَّ من تأويل قول سعد - وقد تقدَّم في حديث الشيخين وغيرهما -: وفيه نزل ((وشهد شاهد)(٢)، بأنَّ المرادَ في شأنه الذي سيحدثُ على الأول، أو فيه وفيمن هو على حاله، كأنه قيل: هو من النازلين فيه، لأنه كان من الشاهدين. انتهى. وتُعقِّب قوله: إنه نُزِّل ما سيكون منزلةَ الواقع بأنه لا حاجةً إلى ذلك التنزيل على تقدير مَكِّيتها. وكون الشاهدِ ابنَ سلَام لمكان العطف على الشرط الذي يصيرُ به الماضي مستقبلًا، وحينئذ لا ضيرَ في شهادة الشاهدِ بعد نزولها. ومع هذا فالظاهرُ من الأخبار أن النزولَ كان في المدينة، وأنه بعدَ شهادة ابن سلام؛ أخرج أبو يعلى والطبراني والحاكم بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي قال: (١) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٥٣، وتاريخ دمشق ١٣٠/٢٩-١٣١، وينظر تفسير الطبري ١٢٧/٢١ - ١٣٠. (٢) تقدم أول السورة. سُوَّةُ الأَحْقَفِ ٧٢ الآية : ١٠ انطلق النبيُّ وَّ﴿ وأنا معه حتى دخلنا كنيسةَ اليهود يومَ عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسولُ الله ◌َ له: ((أروني اثني عشر رجلًا منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، يُحبطِ اللهُ تعالى عن كلِّ يهوديٍّ تحت أَديم السماء الغضبَ الذي عليه)» فسكتوا، فما أجابه منهم أحدٌ، ثم ردّ عليهم عليه الصلاة والسلام، فلم يُجبه أحدٌ، فثلَّث فلم يُجبه أحدٌ، فقال: ((أبيتم، فواللهِ لأنا الحاشرُ، وأنا العاقبُ، وأنا المُقَفِّي، آمنتم أو كذَّبتم)) ثم انصرف وَّهِ وأنا معه حتى كِدْنا أن نخرجَ، فإذا رجلٌ من خَلْفه فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل، فقال ذلك الرجل: أيّ رجلٍ تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم فينا رجلا أعلمَ بكتاب الله تعالى ولا أفقهَ منك ولا من أبيك ولا من جدِّك، قال: فإني أشهدُ بالله أنه النبيُّ الذي تجدونه في التوراة والإنجيل، فقالوا: كذبتَ. ثم ردُّوا عليه وقالوا شرًّا، فقام رسول الله وَ ﴿ وأنا وابنُ سلام، فأنزل الله تعالى: (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ ◌ِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ) الآية(١). ورُوي حديثُ شهادته وإيمانه على وجهٍ آخر (٢). ولا يظهرُ لي الجمعُ بينه وبين ما ذكر، وهو أيضًا ظاهرٌ في كون النزولِ بعدَ الشهادة. وأخرج عبد بن حُميد(٣) عن سعيد بن جُبير قال: جاء ميمون بن يامين إلى النبي ◌َّ﴿ وكان رأسَ اليهود بالمدينة، فأسلم وقال: يا رسولَ الله، ابعَثْ إليهم - يعني اليهود - فاجعل بينك وبينهم حكمًا من أنفسهم، فإنهم سيرضوني، فبعث عليه الصلاة والسلام إليهم وأُدخله الداخلَ، فأتَوْه فخاطبوه مليًّا فقال لهم: ((اختاروا رجلًا من أنفسكم يكون حكمًا بيني وبينكم)) قالوا: فإنا قد رَضِينا بميمون بن يامين، فأخرجه إليهم فقال لهم ميمون: لِنشهدْ(٤) أنه رسول الله، وأنه على الحق، فأَبَوْا أن يُصدقوه، فأنزل الله تعالى فيه (قُلْ أَزَوَيْتُمْ) الآية. (١) الدر المنثور ٣٩/٦، والمعجم الكبير ٤٦/١٨ (٨٣)، والمستدرك ٤١٥/٣، وأخرجه أحمد (٢٣٩٨٤)، وزاد السيوطي في الدر نسبته لابن جرير، وهو في تفسيره ٢١/ ١٣١. (٢) أخرجه أحمد (١٢٠٥٧)، والبخاري (٣٣٢٩). (٣) كما في فتح الباري ٧/ ١٣٠، والدر المنثور ٤٠/٦. (٤) في الفتح والدر: أشهد. الآية : ١٠ ٧٣ سُورَةُ الأَحْقَلِ وهو ظاهر في مدنيَّة الآية، وأنَّ نزولها قبلَ شهادة الشاهدِ، لكنه ظاهرٌ في أن الشاهدَ غير عبد الله بن سلام، وكونه كان يُسمَّى بذلك قبلُ لم أَرَهُ، ولا يظهر لي وجهُ التعبير به دون المشهور إن كان، والذي رأيته في ((الاستيعاب))(١) في ترجمة عبد الله أنه ابنُ سلام بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري، يُكنى أبا يوسف، وكان اسمُه في الجاهلية: الحُصين، فلما أسلم سمَّاه رسول الله وَ ◌ّه: عبدَ الله، والله تعالى أعلم. ومن كَذِبِ اليهود وجَهْلهم بالتاريخ ما يعتقدونه في عبد الله بن سلام أنه وَيه حين سافر إلى الشام في تجارة لخديجة ﴿ّا اجتمع بأحبار اليهود وقصَّ عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحبُ دولة، فأصحبوه عبدَ الله بن سلام وبقي معه مُدَّة فتعلَّم منه علمَ الشرائع والأمم السالفة، وأَفرطوا في الكذب إلى أن نسبوا القرآنَ المُعجِزَ إلى تأليفِ عبد الله بن سلام، وعبدُ الله هذا مما ليس له إقامةٌ بمكة ولا تردُّدٌ إليها، ولم يَرَ النبيَّ ◌َّهَ إلا في المدينة، وأسلم إذْ قَدِمَها عليه الصلاة والسلام، أو قبلَ وفاته ◌َ﴿ بعامين، على ما حكاه في ((البحر)) عن الشعبي(٢)، فما أَكذبَ اليهودَ وأَبهتهم، لعنهم الله تعالى، وناهيك من طائفة ما ذمَّ في القرآن طائفة مثلها . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق أنَّ الشاهدَ هو موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام(٣)، وقد تقدَّم أنه كان يدَّعي مكيةَ الآية، ويُنكر نزولها في ابن سلام، ويقول: إنما كانت خصومة خاصمَ بها محمد وَلَّ(٤). وكأنه على هذا لا يُحتاج إلى القول بأنها نزلَتْ بخصوص شاهد، وأُيِّد عدمُ إرادة الخصوص بأن ((شاهد)) في الآية نكرة، والنكرة في سياق الشرط تَعمُّ. وأنا أقول بكون التنوين في ((شاهد)) للتعظيم؛ وبمدنيَّة الآية ونزولها في ابن سلام، والخطابات فيها مطلقًا لكُفَّار مكة، وربما يُظَنُّ على بعض الروايات أنها (١) لابن عبد البر (بهامش الإصابة) ٢٨٨/٦. (٢) البحر المحيط ٥٨/٨. (٣) الدر المنثور ٦/ ٤٠، وتفسير الطبري ١٢٥/٢١. (٤) تقدم أول السورة. سُوَّةُ الأَحْقَفلِ ٧٤ الآية : ١١ لليهود، وليس كذلك، وهم المعنيون أيضًا بالذين كفروا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره، وهو حكايةٌ لبعضٍ آخرَ من أقاويلهم الباطلةِ في حقِّ القرآن العظيم والمؤمنين به. وفيه تحقيقٌ لاستكبارهم، أي: وقال كفارُ مكة ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: لأجلهم وفي شأنهم، فاللام للتعليل كما سمعتَ في ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِ﴾ [سبأ: ٤٣]. وقيل: هي لامُ المشافهة والتبليغ، والتفتوا في قولهم: ﴿لَوْ كَانَ﴾ أي: ما جاء به وَلِ﴿ من القرآن، وقيل: الإيمان ﴿خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهٍ﴾ ولولاه لقالوا: سبقتمونا، بالخطاب، أو لمَّا سمعوا أنَّ جماعةً آمنوا خاطبوا جماعةً أُخرى من المؤمنين، أي: قالوا للذين آمنوا: لو كان خيرًا ما سبقنا إليه أولئك الذين بلغنا إيمانهم. وتُعقّب بأنَّ هذا ليس من مواطنِ الالتفات، وكونهم قصدوا تحقيرَ المؤمنين بالغَيبةِ لا وجهَ له، وكون المشافَهين طائفةٌ من المؤمنين والمُخبَر عنهم طائفة أُخرى خلافُ الظاهر، فالأَولى كونها للتعليل، وقالوا ذلك لمَّا رأَوْا أن أكثرَ المؤمنين كانوا فقراءَ ضُعفاء كعمَّار وصُهيب وبلال، وكانوا يزعمون أن الخير الديني يتبع الخيرَ الدنيوي، وأنه لا يتأهّل للأول إلا من كان له القدحُ المُعلَّى من الثاني، ولذا قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَّنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وخَطؤهم في ذلك مما لا يخفى. وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب عبْه أَمَة أسلمت قبلَه يقال لها: زِنِّيرة، فكان رَُّه يضربها على إسلامها، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرًا ما سبقتْنا إليه زِيِّيرة. فأنزل الله تعالى في شأنها: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية (١). ولعلهم لم يُريدوا زِيِّيرة بخصوصها، بل مَنْ شابهها أيضًا. وفي الآية تغليبُ المذكَّر على المؤنَّث. وقال أبو المتوكّل: أسلم أبو ذَرِّ، ثم أسلمت غِفار، فقالت قريش ذلك. (١) الدر المنثور ٦/ ٤٠، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ١٤/١٣ (بهامش الإصابة) والحافظ ابن حجر في الإصابة ١٣/ ٢٧٢ أنها مولاة أبي بكر الآية : ١١ ٧٥ سُورَةُ الْأَخْقَلِ وقال الكلبي والزجاج(١): قال ذلك بنو عامر بن صعصعة وغَطَفان وأَسَد وأشجع لمَّا أَسْلَمَ أسلمُ وجهينةُ ومُزينة وغِفار. وقال الثعلبي: هي مقالةُ اليهود حين أسلم ابنُ سلَام وأصحابه منهم (٢). ويلزم عليه القول بأنَّ الآيةَ مدنيَّةٌ، وعدُّها في المستثنيات، أو كون ((قال)) فيها كـ((نادى)) في قوله تعالى: ﴿وَنَادَ أَعَْبُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨] وهذا كما ترى، والمعوَّل عليه ما تقدَّم. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، وقيل: بالرسول بَّر، و((إذ)) على ما اختاره جار الله ظرفٌ لمقدَّر دلَّ عليه السابق واللاحق، أي: وإذ لم يهتدوا به ظهر عِنادهم واستكبارهم، وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾﴾ - أي: يتحقَّق منهم هذا القولُ والطعن حينًا فحيناً كما يُؤذن بذلك صيغةُ المضارع - مسبَّبٌ عن العناد والاستكبار(٣)، وإذا جاز مثل: حينئذ الآن، أي: كان ذلك حينئذ وامتنع الآن، بدليل قرينة الحال، فهذا أَجْوَزُ. والإشارة إلى القرآن العظيم، وقولهم ذلك فيه، كقولهم: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. ولم يجوِّز(٤) أن يكون: ((فسيقولون)) عاملًا في الظرف لتدافع دلالتي المضيِّ والاستقبال، وإنما لم يجعله من قبيل: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ اَلْأَغْظَلُ﴾ [غافر: ٧٠ -٧١] نظمًا للمستقبل في سلك المقطوع - كما اختاره ابنُ الحاجب في ((الأمالي)) - لأن المعنى هاهنا - كما في ((الكشف)) - على أن عدم الهداية محقّقٌ واقعٌ، لا أنه سيقع البتة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا) بعد ما بين استكبارهم وعنادهم كيف ينصُّ على أنهم مُجادلون مُعرضون عن القرآن وتدبُّره غير مهتدين ببشائره ونُذْره؟ وقال بعضهم: الظرفُ معمول لـ ((سيقولون))، والفاء لا تمنع عن عمل ما بعدَها فيما قبلها - كما ذكره الرَّضي - والتسبُّب المُشعرة به عن كفرهم، و((سيقولون)) بمعنى: قالوا، والعدول إليه للإشعار بالاستمرار. وتُعقّب بأن ذلك مع السين بعيد. وقيل: ((إذ)) تعليلية للقول. وتُعقّب بأنه معلّل بكفرهم كما آذنت به الفاء. (١) معاني القرآن ٤/ ٤٤٠، وينظر تفسير القرطبي ١٩/ ١٩٠. (٢) تفسير الثعلبي ٩/ ١٠ . (٣) الكشاف ٥١٩/٣. (٤) يعني الزمخشري. الكشاف ٥١٩/٣. سُوَدَّةُ الأَحْقَفِ ٧٦ الآية : ١٢ وقدّر بعضهم العامل المحذوف: قالوا ما قالوا، ورجَّحه على التقدير السابق، وليس براجح عليه كما لا يخفى على راجح. ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن، وهو خبرٌ مقدَّم لقوله تعالى: ﴿كِنَّبُ مُوسَىّ﴾ قُدِّم للاهتمام، وجوَّز الطبرسي(١) كون ((كتاب)) معطوفًا على ((شاهد))، والظرف فاصلٌ بين العاطف والمعطوف، والمعنى: وشهد كتابُ موسى من قَبْله، وجعل ضمير ((قبله)) للقرآن أيضًا، وليس بشيء أصلًا. وقوله سبحانه: ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةٌ﴾ حال من الضمير في الخبر، أو من ((كتاب)) عند من جوَّز الحال من المبتدأ. وقيل: حال من محذوف، والعامل كذلك، أي: أنزلناه إمامًا. وهو كما ترى. والمعنى: وكائنٌ من قبله كتاب موسى يقتدى به في دين الله تعالى وشرائعه كما يقتدى بالإمام، ورحمة من الله سبحانه لمن آمن به وعمل بموجبه. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن الذي يقولون في شأنه ما يقولون ﴿كِتَبٌ﴾ مبتدأ وخبر، وقوله عز وجل: ﴿قُصَدِّقٌ﴾ نعت ((كتاب)) وهو مصبُّ الفائدة، أي: مصدِّق لكتاب موسى الذي هو إمامٌ ورحمة، أو لما بين يديه من جميع الكتب الإلهية، وقد قُرئ: ((مصدقٌ لما بين يديه))(٢)، والجملة عطفٌ على الجملة قبلها، وهي حالية أو مستأنفة، وأيَّاما كان فالكلامُ ردٌّ لقولهم: ((هذا إفك قديم)) وإبطالٌ له، والمعنى: كيف يصحُّ كونه إفكًا قديمًا وقد سلَّموا كتابَ موسى، والقرآن مصدِّق له متحدٍّ معه في المعنى، أو لجميع الكتب الإلهية. وقوله تعالى: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير ((كتاب)) المُستتر في ((مصدِّق))، أو منه نفسه لتخصيصه بالصفة، وعامله على الأول ((مصدق))، وعلى الثاني ما في (هذا)) من معنى الفعل، وفائدة هذه الحال مع أن عربيته أمرٌ معلومٌ لكلِّ أحد الاشعارُ بالدلالة على أن كونه مصدقًا، كما دلَّ على أنه حقٌّ دلَّ على أنه وحيٌّ وتوقيف من الله تعالى. (١) مجمع البيان ٢٦/ ١٠ . (٢) معاني القرآن للفراء ٥١/٣، والكشاف ٥٢٠/٣، ونسبها الفراء لعبد الله. الآية : ١٢ ٧٧ سُورَةُ الأَحْقَقلِ هذا على القول بأنَّ الكلامَ مع اليهود ظاهرٌ، وأما على القول بأنه مع كفار مكة فلأنهم قد يُسلِّمون التوراة ونحوها من الكتب الإلهية السابقة وإن كانوا أحيانًا يُنكرون إنزال الكتب وإرسالَ الرُّسل عليهم السلام مطلقًا . وفي ((الكشف)): وجه تقديم الخبر في قوله تعالى: ((ومن قبله كتاب موسى)) أن إرسالَ الرسل وإنزال الكتب أمرٌ مستمرٌّ كائن من عند الله تعالى، فمن قبل إنزال القرآن إمامًا ورحمة كان إنزالُ التوراة كذلك، وليس من تقديم الاختصاص، بل لأن العناية والاهتمام بذكره، ولمَّا ألزم الكفار بنزول مثله وشهادة أَعْلَم بني إسرائيل ذُكر علی سبیل الاعتراض من حال کتاب موسی علیه السلام ما یؤكِّد کونه من عند الله تعالى، وأن ما يُطابقه يكون من عنده سبحانه لا محالة، وتوصّل منه إلى أن القرآن لمَّا كان مصدِّقَه بل مصدِّق سائر الكتب السماوية وجب أن يُؤمَن به ویُتَلقَّی بالقبول؛ وهو بالحقيقة إعادةٌ للدعوى الأُولى على وجهٍ أَخْصَرَ وأشمل؛ إذ دلَّ فيه على أن كونه مصدِّقًا كافٍ، شَهِدَ شاهد بني إسرائيل أَوْ لا . وإن قيل: نُزّلوا لعنادهم منزلةَ من لا يعرف أن كتاب موسى قبلَه، إذ لو عرفوا وقد تبيَّن أنه مثله لأذعنوا، فقيل: ((ومن قبله)) لا من بعده = لكان وجهًا مونَّى فيه حقُّ الاختصاص كما آثره السّاكي من أنه لازم التقديم. انتهى. وهو ظاهر في أن الجملة ليست حالية. وجوِّز كون ((لسانًا)) مفعولًا لـ ((مصدّق))، والكلام بتقدير مضاف، أي: ذا لسان عربي، وهو النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وتصديقه إيّاه بموافقته كتاب موسى أو الكتب السماوية مطلقًا وإعجازه. وجوِّز على المفعولية كون ((هذا)) إشارةً إلى كتاب موسى، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، ويُراد بـ ((لسانًا عربيًّا)) القرآن، ووضعت الإشارة موضعَ الضمير للتعظيم، والأصل: وهو مصدّق لسانًا عربيًّا. وقيل: هو منصوبٌ بنزع الخافض، أي: مصدِّق بلسان عربي. والكلُّ كما ترى. وقرأ الكلبي: ((ومَن قبله)) بفتح الميم ((كتابَ موسى)) بالنصب(١)، وخُرِّجت على (١) البحر المحيط ٥٩/٨. : سُورَةُ الأَحْقَلِ ٧٨ الآية : ١٢ أن ((مَنْ)) موصولة معمولة لفعل مقدَّر، وكذا ((كتاب))، أي: وآتينا الذين كانوا قبلَ نزول القرآن من بني إسرائيل کتابَ موسی. ﴿لَيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ متعلِّق بـ ((مصدّق))، وفيه ضمير للكتاب أو لله تعالى أو للرسول عليه الصلاة والسلام، ويُؤيِّد الأخير قراءة أبي رجاء وشيبة والأعرج وأبي جعفر وابن عامر ونافع وابن كثير في رواية: ((لتُنذِر)) بتاء الخطاب(١)، فإنه لا يصلح بدون تكلّف لغير الرسول، والتعليل صحيحٌ على الكلِّ، ولا يتوهّم لزوم حذف اللام على أن الضمير للكتاب لوجود شرط النصب(٢)؛ لأنه شرط الجواز. ﴿وَبَشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ عطف على المصدر الحاصل من ((أَنْ)) والفعل. وقال الزمخشري(٣) وتَبِعه أبو البقاء (٤): هو في محلِّ النصب معطوف على محلِّ ((لينذر))؛ لأنه مفعول له، وزعم أبو حيان(٥) أن ذلك لا يجوز على الصحيح من مذهب النحويين، لأنَّ المحلَّ ليس بحقّ الأصالة، وهم يشترطون في الحمل عليه ذلك إذ الأصل في المفعول له الجرّ، والنصب ناشئ من نزع الخافض، لكنه كثر بشرطه، وحَكَى في إعرابه أوجهًا، فقال: قيل: معطوف على ((مصدّق))، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو بشرى، وقيل: منصوب بفعل محذوف معطوف على ((ينذر))، أي: ويُبشر بشرى. وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: ولبشرى. والظاهر أن ((المحسنين)) في مقابلة ((الذين ظلموا)) والمرادُ بالأول الكفرة وبالثاني المؤمنون. وفي ((شرح الطيبي)): إنما عدل عن العادلين إلى ((المحسنين)) ليكون ذريعةً إلى البِشارة بنفي الخوف والحزن لمن قالوا: ((ربُّنا الله ثم استقاموا))، وقيل: ((المحسنين)) دون: الذين أحسنوا، بعدَ قوله تعالى: ((الذين ظلموا)) ليكون المعنى: (١) قراءة أبي جعفر وابن عامر ونافع وابن كثير - في رواية البزي - في التيسير ص١٩٩، والنشر ٣٧٢/٢، وهي قراءة يعقوب أيضاً. (٢) وهو اتحاد الفاعل. ينظر الدر المصون ٩/ ٦٦٦. (٣) الكشاف ٣/ ٥٢٠ . (٤) إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٣٢٠/٤. (٥) البحر المحيط ٥٩/٨. الآية : ١٣ - ١٥ ٧٩ سُورَةُ الأَحْقَقلِ لينذر الذين وُجد منهم الظّلم ويُبَشِّر الذين ثبتوا واستقاموا على الصراط السَّوي، فيناسب تعليل البِشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُوا﴾ إلى آخره، أي: إن الذين جمعوا بين التوحيد - الذي هو خُلاصة العلم - والاستقامة في الدين التي هي منتهى العمل، و((ثم)) للتراخي الرُّتبي، فالعمل متراخي الرتبة عن التوحيد، وقد نصُّوا على أنه لا يعتدُّ به بدونه. ﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ من لحوق مكروه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣)﴾ من فوات محبوب، والمرادُ استمرارُ النفي، والفاء لتضمّن الاسم معنى الابتداء، فلا تدخل في خبر ((ليت)) و((لعلَّ)) و((كأن))، وإن كانت أسماؤها موصولات، وتقدَّم في سورة السجدة نظيرُ هذه الآية، وذكرنا في تفسيره ما ذكرنا، فليراجع. ﴿أُوْلَكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الوصفين الجليلين ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا﴾ حال من المستكنِّ في ((أصحاب))، وقوله تعالى: ﴿جَزَآءٌ﴾ منصوب إما بعامل مقدَّر، أي: يُجزون جزاء، والجملة استئنافٌ أو حال، وإما بمعنى ما تقدَّم على ما قيل، فإن قوله تعالى: ((أولئك أصحاب الجنة)) في معنى: جازيناهم ﴿يِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٤ من الحسنات القلبية والقالبية. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ نزلت كما أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في أبي بكر الصديق ظُبه إلى قوله تعالى: (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُؤْعَدُونَ)(١). ((وإحسانًا)) قيل: مفعولٌ ثانٍ لـ ((وصَّينا)) على تضمينه معنى ألزمنا، وقيل: منصوب على المصدر على تضمين ((وصينا)) معنى أَحسنًا، أي: أحسنًا بالوصية للإنسان بوالديه إحسانا، وقيل: صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف، أي: إيصاءً ذا إحسان، وقيل: مفعولٌ له، أي: وصَّيناه بهما لإحساننا إليهما. وقال ابن عطية: إنه منصوب على المصدر الصريح، و((بوالديه)) متعلّق (١) الدر المنثور ٤٠/٦، وتاريخ مدينة دمشق ٣٣٨/٣٠، وأخرجه من هذا الطريق أيضًا الفراء في معاني القرآن ٥٣/٣. سُوَّةُ الأَحْقَقلِ ٨٠ الآية : ١٥ بـ (وصَّينا))، أو به(١). وكأنه عنى: يحسن إحسانًا، وهو حَسَنٌ، لكن تعقّب أبو حيان(٢) تجويزَه تعلُّق الجارِّ بـ ((إحساناً) بأنه لا يصحُّ؛ لأنه مصدرٌ مقدَّر بحرف مصدري والفعل، فلا يتقدم معموله عليه، ولأن أحسن لا يتعدَّى بالباء، وإنما يتعدَّى باللام، تقول: أحسنت لزيد، ولا تقول: أحسنت بزيد، على معنى أن الإحسان يصل إليه. وفيه أنَّا لا نُسَلِّم أن المقدَّر بشيءٍ يُشارك ما قدّر به في جميع الأحكام؛ لجواز أن يكون بعضُ أحكامه مختصًّا بصريح لفظه، مع أنَّ الظرف يكفيه رائحة الفعل، ولذا يعمل الاسم الجامد فيه باعتبار لمح المعنى المصدري، وقد قالوا: إنه يتصرف فيه ما لا يتصرف في غيره لاحتياج معظم الأشياء إليه. والجارُّ والمجرور محمولٌ عليه، وقد كَثُر ما ظاهره التعلُّق بالمصدر المتأخّر نكرة، كـ: ﴿وَلَا تَأْخُذُكُم بِمَا رَأْفَةٌ ﴾ [النور: ٢] ومعرفة نحو: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وتأويل كلِّ ذلك تكلُّف. وأيضًا قوله: لأن أحسن لا يتعدَّى بالباء .. إلخ، فيه منعٌ ظاهر، وقدَّر بعضُهم الفعل قبلَ الجارِّ، فقال: وصَّينا الإنسان بأن يُحسن بوالديه إحساناً . ولعل التنوين للتفخيم، أي: إحسانًا عظيمًا، والإيصاء والوصية التقدُّم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ، من قولهم: أرض واصية، متصلة النبات، ففي الآية إشعارٌ بأنَّ الإحسان بهما أمرٌ معتنّى به، وقد عُدَّ في الحديث ثاني أفضل الأعمال وهو الصلاة لأول وقتها، وعُدَّ عقوقهما ثاني أكبر الكبائر، وهو الإشراك بالله عز وجل، والأحاديث في الترغيب في الأول والترهيب عن الثاني كثيرةٌ جدًّا، وفي الآيات ما فيه كفايةٌ لمن ألقى السمع وهو شهيد. وقرأ الجمهور: ((حُسْناً) بضمِّ الحاء وإسكان السين(٣)، أي: فعلًا ذا حُسْنٍ، أو كأنه في ذاته نفس الحسن لفرط حُسنه، وجوَّز أبو حيان(٤) فيه أن يكون بمعنى «إحسانًا)) فالأقوال السابقة تجري فيه. (١) المحرر الوجيز ٩٦/٥. (٢) البحر المحيط ٨/ ٦٠. (٣) التيسير ص ١٩٩، والنشر ٣٧٣/٢. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((إحسانًا)). (٤) البحر المحيط ٦٠/٨.