Indexed OCR Text

Pages 41-60

الآية : ٢٨
٤١
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
تقدَّر بقرينة ما قبل ((تقوم الساعة)) فيقال: ويومَ تقومُ الساعة يومَ إذ تقوم الساعة
يخسر المبطلون، فيكون تأكيداً لا بدلاً إذ لا وجه له. ولذا قيل: إنه بالتأكيد
أشبهُ.
وقول أبي حيان(١): إن كان بدلاً توكيديًّا - وهو قليلٌ - جاز، وإلا فلا = لا يُسمِنُ
ولا يُغني.
وتكلّف بعضُهم فزعم أن اليوم الثاني بمعنى الوقت الذي هو جُزء من يوم قيام
الساعة، فهو بدلُ بعض معه عائدٌ مقدَّر، ولما كان فيه ظهور خُسرانهم كان هو
المقصودَ بالنسبة .
وقالت فرقة: العامل في ((يوم تقوم)) ما يدلُّ عليه الملك، قالوا: وذلك أن يومَ
القيامة أمرٌ ثالثٌ ليس بالسماء ولا بالأرض لتبدُّلهما، فكأنه قيل: ولله ملك
السماوات والأرض والملك يومَ تقوم الساعة، و((يومئذ)) منصوب بـ ((يخسر)،
والجملة استئنافٌ. وإن كان لها تعلّق بما قبلها من جهة تنوين العوض.
وقيل: يجوز أن يكون عطفاً على ظرف معمول لـ ((ملك)) المذكور، كأنه قيل: لله
ملك السماوات والأرض اليومَ ويومَ تقوم الساعة. وهو كما ترى.
و((المبطلون)): الداخلون في الباطل، ولعل المرادَ به أعظم أنواعه، وهو الكفر.
﴿وَتَرَ كُلَّ أُمٍَّ﴾ من الأُمم المجموعة ﴿بَائِيَّةٌ﴾ باركةً على الرُّكَب مُستوفِزة، وهي
هيئةُ المُذنب الخائف المنتظر لما يكره، وعن ابن عباس: ((جائية)): مجتمعة، وعن
قتادة: جماعات، من الجثوة - مثلثة الجيم - وهي الجماعة تجتمع على جُثى، أي:
تراب مجتمع، وعن مُؤرِّج السدوسي: ((جائية)): خاضعة، بلغة قريش (٢) .
والخطاب في ((ترى)) لمن يصحُّ منه الرؤية أو لسيِّد المُخاطَبين عليه الصلاة
والسلام، وهي بصريَّة، و((جائية)) حال، وجُوِّز أن تكون صفةً، ولو كانت علميةً
كانت مفعولاً ثانياً .
(١) البحر المحيط ٥٠/٨.
(٢) تفسير القرطبي ١٦٩/١٩.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٤٢
الآية : ٢٩
وقرئ: ((جاذية)) بالذال(١)، والجُذُوّ أشدُّ استيفازاً من الجُثُوّ؛ لأن الجاذي هو
الذي يجلسُ على أطراف أصابعه. وجُوِّز أن يكون الجاذي بمعنى الجائي، أُبدلت
ثاؤه ذالاً، فإن الثاء والذال متقارضان كما قيل: شخَّات وشخَّاذ.
﴿كُلُّ أُنَّةٍ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا﴾ إلى صحيفة أعمالها التي كتبتها الحَفَظة لِتحاسب،
وأُفرد على إرادة الجنس، وإلا فلكلِّ واحد من كلِّ أمة صحيفةٌ فيها أعماله.
وقيل: المرادُ كتاب نبيِّها؛ تُدعى إليه لينظر هل عملت(٢) به أَوْ لا. وحُكي ذلك
عن يحيى بن سلام إلا أنه حمل ((كلّ أمة)) على كلِّ أُمة كافرة، والظاهر العموم.
وقيل: المراد بذلك اللوحُ المحفوظ، أي: تدعى إلى ما سبق لها فيه.
وقرأ يعقوب ((كلَّ) بالنصب(٣)، وخُرِّج على أنه بدل من ((كلّ)) الأول، وجملة
(تُدعى)) صفة، وإبدال الأمة المدعوة إلى كتابها من الأمة الجاثية حسن، وجاء ذلك
من الوصف، ويقال مثل ذلك فيما إذا كان الجملة حالاً، وإذا كانت الرؤية علمية
وجملة («تدعى)) مفعولاً ثانياً فالظاهر أنه تأكيدٌ، وجعله تأكيداً مع كون الجملة صفةً
فيه تخلُّل التأكيد بين الوصفين، وهو كما في ((الكشف)) غير مستحسن.
﴿اَلْيَّمَ تُجْزَنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ مقولُ قولٍ مقدَّرٍ هو حالٌ أو خبرٌ بعد خبر. وفي
الكلام مضافٌ مقدَّر، أي: جزاء ما كنتم .. إلخ، أو هو من المَجاز.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَا﴾ إلى آخره من تمام ما يقال حينئذ، والإشارة إلى
الكتاب التي تدعى إليه الأمة المَقولُ لها ذلك، وهو إذا كان صحيفة الأعمال
فإضافته إلى ضميره جل شأنه لأدنى مُلابسة على التجوُّز في النسبة الإضافية، فإنه
تعالى الذي أمر الكَتَبة أن يكتبوا فيه أعمالهم، وإن كان الكتابَ المُنزلَ على نبيٍّ
تلك الأمة، أو اللوحَ المحفوظَ، فأمر الإضافة ظاهر، وضمير العظمة على سائر
الأوجه لتفخيم شأن الكتاب. وجُوِّز أن يكون الضمير للكَتبة والإضافة فيه حقيقيةٌ،
قيل: ويأباه (نستنسخ)) إلا أن يُجعل بمعنى: ننسخ ونكتب، وستعلم إن شاء الله
(١) ذكرها أبو حيان في البحر ٥٠/٨.
(٢) في الأصل: علمت.
(٣) النشر ٣٧٢/٢.

الآية : ٢٩
٤٣
سُؤَةُ الجَائِيَّةِ
تعالى ما فيه. والأظهر عندي حملُ الكتاب في الموضعين على صحيفة الأعمال،
واسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبر.
وقوله سبحانه: ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يشهد عليكم ﴿بَلْحَقِّ﴾ من غير زيادة
ولا نقص، خبرٌ آخرُ أو حال أو مستأنف، و((بالحق)) حالٌ من فاعل ((ينطق))، وقوله
تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ﴾ إلى آخره تعليلٌ لِنُطقه عليهم بأعمالهم من غير إخلال
بشيء منها، أي: إنا كنا فيما قبل نستنسخ الملائكةَ، أي: نجعلها تَنسخ وتكتب ﴿مَا
كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ في الدنيا من الأعمال حسنةً كانت أو سيئةً.
وحقيقةُ النسخ كتابةٌ من أصل ينظر فيه، فكأن أفعالَ العباد هي الأصل على
ما في ((البحر))(١)، وأخرج ابن جرير(٢) عن ابن عباس قال: إن الله تعالى خَلَق
النونَ وهي الدواة، وخَلَق القلم، فقال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو
كائنٌ إلى يوم القيامة من عملٍ معمول، برِّ أو فجور، ورزق مقسوم حلالٍ أو حرام،
ثم أَلْزَمَ كلَّ شيءٍ من ذلك بيانه(٣): دخولَه في الدنيا متى، ومُقامه فيها کُمْ،
وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العِباد حَفَظةً، وعلى الكتاب خُزَّاناً، فالحفظة
يستنسخون كلَّ يوم من الخُزَّان عملَ ذلك اليوم، فإذا فَنِيَ الرزق وانقطع الأمر (٤)،
وانقضى الأجل، أَتَت الحَفَظةُ الخَزَنةَ يطلبون عملَ ذلك اليوم، فتقول الخَزَنة:
ما نجدُ لصاحبكم عندنا شيئاً. فترجع فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم
قوماً عرباً تسمعون الحَفَظة يقولون: ((إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون))، وهل يكون
الاستنساخ إلا من أصل؟!
وفي رواية ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه رُه أنه سئل عن الآية فذكر نحوَ
ما سمعتَ، ثم قال: هل يُستنسخ الشيء إلا من كتاب(٥).
وكون الاستنساخ من اللوح قد رواه جماعةٌ عنه، وما ذكرناه يُصحِّح أن يكون
(١) البحر المحيط ٥١/٨.
(٢) تفسير الطبري ١٠٤/٢١، وهو في الدر المنثور ٣٦/٦.
(٣) في تفسير الطبري: شأنه.
(٤) في تفسير الطبري: الأثر.
(٥) الدر المنثور ٣٦/٦.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٤٤
الآية : ٣٠ - ٣٢
هذا القول من الملائكة بدون تأويل ((نستنسخ)) بننسخ كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُهُمْ فِى رَحْمَتِهِ﴾ إلى
آخره تفصيلٌ للمجمل المفهوم من قوله تعالى: ((ينطق عليكم بالحق)) أو: يجزون من
الوعد والوعيد، والمراد بالرحمة الجنة مجازاً والظرفية على ظاهرها، وقيل: المراد
بالرحمة ما يشملُ الجنة وغيرها، والأولُ أظهر.
٣٥)﴾ الظاهرُ
﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من الإدخال في رحمته تعالى ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
كونه فوزاً لا فوزَ وراءه.
﴿وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُ﴾ أي: فيقال لهم بطريق التقريع
والتوبيخ: ألم تكن تأتيكم رُسلي فلم تكن آياتي تُتلى عليكم، فجوابُ ((أمَّا)) القول
المُقدَّر، وحُذف اكتفاءً بالمقصود، وهو المقولُ، وحذفُه كثيرٌ مقيس حتى قيل: هو
البحر حدِّث عنه، وحذف المعطوف عليه لقرينة الفاء العاطفة وأن تلاوة الآيات
تستلزم إتيان الرُّسل معنى، وهذا على ما ذهب إليه الزمخشري(١).
والجمهور على أن الهمزة مقدَّمة من تأخير لصدارتها، والفاءُ على نية التقدير،
والتقدير: فيقال لهم: ألم تكن .. إلخ، فليس هناك سوى حذف القول، وفي
((الكشف)): لو حمل على أن المحذوف: فيوبخون، لدلالة ما بعدَه عليه، وفائدة
هذا الأسلوب مع أن الأصل: فيدخلهم في عذابه، الدلالةُ على أن المؤمنين
يدخلون الجنة والكافرون بعدُ في الموقف معذّبون بالتوبيخ = لكان وجهاً .
قوماً عادتُهم الإجرام.
﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان بها ﴿وَكُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ (4)
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: ما(٢) وعده سبحانه من الأمور الآتية، أو وعده
تعالى بذلك ﴿حَقٌ﴾ أي: كائن هو أو متعلّقه لا محالة، ففي الكلام تجوُّز إما في
الطرف أو في النسبة.
وقرأ الأعرج وعمرو بن فائد: ((وإذا قيل أنَّ) بفتح الهمزة(٣) على لغة سُليم.
(١) الكشاف ٣/ ٥١٣.
(٢) في (م): وما.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣٨.

الآية : ٣٢
٤٥
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ برفع ((الساعةُ)) في قراءة الجمهور على العطف على محلِّ
(إنَّ) واسمِها على ما ذهب إليه أبو عليٍّ(١) وتَبِعِه الزمخشري(٢)، ومْن زعم أنَّ لاسم
(إنَّ) موضعاً جوَّز العطف عليه هنا، وزعم أبو حيان(٣) أن الصحيح أنه لا يجوز
كلا الوجهين، وعليه فجملة ((الساعةُ لا ريب فيها)) عطف على الجملة السابقة.
وقرأ حمزة: ((والساعةَ)) بالنصب(٤) عطفاً على اسم ((إنَّ) ورُوي ذلك عن
الأعمش وأبي عمرو وأبي حيوة وعيسى والعبسي والمفضَّل(٥). وذكر أمر الساعة
وأنها لا ريب في وقوعها مع أنها من جملة ما وعد الله تعالى اعتناء بأمر البعث
المقصود بالمقام.
، لغاية عُتَوِّكم: ﴿مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾ أي: أيُّ شيء هي؟ استغراباً لها جدًّا
كما يُؤذِن به جمع ((ما ندري)) مع الاستفهام.
﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا﴾ استشكل ذلك لِمَا أنه استثناءٌ مفرَّغ، وقد قالوا: لا يجوز
تفريغُ العامل إلى المفعول المطلق المؤكّد، فلا يقال: ما ضربت إلا ضرباً؛ لأنه
بمنزلة: ما ضربتُ إلا ضربتُ. وقال الرضي: إن الاستثناء المفرغ يجب أن يُستثنى
من متعدِّدٍ مقدَّرٍ معربٍ بإعراب المستثنى مستغرِق لذلك الجنس حتى يدخل فيه
المستثنى بيقين ثم يخرج بالاستثناء، وليس مصدر نظن محتملاً مع الظنِّ غيرَه حتى
يخرج الظنُّ منه، وكذا يقال في: ما ضربت إلا ضرباً، ونحوه، وهذا مرادُ من قال:
إنه من قبيل استثناء الشيء من نفسه.
واختلفوا في حِلِّه فقيل: إن معنى ما نظنُّ: ما نفعل الظنَّ، كما في نحو: قِيم
وقُعِدَ، وحينئذ يصحُّ الاستثناء ويتغاير موردُ النفي والإيجاب من حيث التقديرُ والتجوُّز
في الاستثناء من العامِّ المقدَّر، وجعل ((نظن)) في معنى نفعل الفعل، لا نفعل الظنَّ،
(١) في الحجة للقراء السبعة ٦/ ١٨٠.
(٢) في الكشاف ٥١٣/٣.
(٣) في البحر المحيط ٥١/٨.
(٤) التيسير ص١٩٩، والنشر ٣٧٢/٢.
(٥) البحر المحيط ٥١/٨، وهي غير المشهورة عن أبي عمرو.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٤٦
الآية : ٣٢
كأنه قيل: ما نفعل فعلاً إلا الظنّ، وكذا يقال في أمثاله ومنها قول الأعشى:
وما اعترَّه الشيب إلا اعترارا(١)
أحلَّ به الشيب أثقالَه
وارتضاه صاحبُ ((الكشف)).
وقيل: ما نظن بتأويل: ما نعتقد، ويكون ((ظنًّا)) مفعولاً به، أي: ما نعتقد شيئاً
إلا ظنًّا، وارتضاه أبو حيان(٢). وتُعقِّب بأنَّ ظاهر حالهم أنهم متردِّدون لا مُعتقدون.
وأُجيب بأنَّ الاعتقاد المنفيَّ لا يُنافي ظاهر حالهم، بل يُقْرِّرها على أتمٍّ وجه.
وقيل: المستثنى ظنّ أمر الساعة، والمستثنى منه مطلقُ الظنِّ، كأنه قيل: لا ظنَّ
ولا تردُّد لنا إلا ظن أمر الساعة والتردُّد فيه، فالكلام لنفي ظَنِّهم فيما سوى ذلك مبالغة.
وقال الرضي: إن: ما ضربتُ إلا ضرباً، يحتمل التعدُّد من حيث توهُّم
المخاطب، إذ ربما تقول: ضربتُ، وقد فعلتَ غير الضرب مما يجري مجراه من
مُقدِّماته كالتهديد، فتدفع ذلك وتقول: ضربت ضرباً، فهو نظيرُ: جاء زيدٌ زيدٌ، فلما
كان ((ضربت)) محتملاً للضرب وغيره من حيث التوهُّم صار كالمتعدِّد الشامل
للضرب وغيره، وحاصلُه أن الضربَ لما احتملَ قبل التأكيد والاستثناء فعلاً آخر
حُمل على العموم بقرينة الاستثناء، فيكون المعنى: ما فعلتُ شيئاً إلا ضرباً، وهكذا
(ما نظنُّ إلا ظنًّا)) وهذا كالمُتَّحد مع ما ذكرناه أولاً.
ورُدَّ بأن الاستثناء يقتضي الشمولَ المحقَّق، ولا يكفي فيه الاحتمال المحقّق
فضلاً عن المتوهّم.
وتُعقِّب بأنه ليس بشيء لأنه إذا تجرَّد الفعل لمعنى عامٌّ صار الشمول محقَّقاً،
على أن عدم كفاية الشمول الفرضي غير مسلَّم كما يعرفه من يتبَّع موارده.
وذهب ابن يعيش(٣) وأبو البقاء(٤) إلى أنه على القلب والتقديم والتأخير،
(١) ديوان الأعشى ص٩٥، وخزانة الأدب ٣/ ٣٧٤.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٥١.
(٣) شرح المفصل ٧/ ١٠٧-١٠٨.
(٤) إملاء ما من به الرحمن ٣١٧/٤ (بهامش الفتوحات الإلهية).

٠ !
الآية : ٣٢
٤٧
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
والأصل: إن نحن إلا نظنُّ ظنًّا. وحُكي ذلك عن المبرِّد، وقد حَمَل عليه ما حكاه
أبو عمرو بن العلاء وسيبويه من قول العرب: ليس الطَّيبُ إلا المِسْكُ، بالرفع(١)،
فقال: الأصلُ: ليس إلا الطَّيبُ المِسْكُ، ليكون اسمُ ((ليس)) ضميرَ الشأن، وما بعد
((إلا)) مبتدأ وخبراً في موضع الخبر لها. وردّه الرضي، وقال: إنه تكلُّف؛ لِمَا فيه
من التعقيد المُخِلِّ بالفصاحة.
والمثال المَحكي واردٌ على لغة بني تميم فإنهم عاملوا ((ليس)) معاملةَ ((ما))
فأهملوها لانتقاض النفي بـ ((إلا)).
وقيل: ((ظنًّا)) مفعول مطلق لفعل محذوف، والمستثنى محذوفٌ، والتقدير: إن
نظنُّ إلا أنكم تظنون ظنًّا. وحُكي عن المبرِّد أيضاً، وفيه حذف ((إن)) واسمها
وخبرها وإبقاء المصدر، وذلك لا يجوز، وفيه أيضاً من التعقيد المُخِلّ بالفصاحة
ما فيه، ولا أظنُّ صحةً حكايته عن المبرِّد؛ لغاية برودته.
وجوَّز صاحب ((التقريب)) أن يكون المراد: إن نظنُّ إلا ظنًّا ضعيفاً، فهو مصدر
مُبيِّن للنوع حُذفت صفته كما صرَّح به في ((البحر))(٢) لا مؤكِّدٌ، وهذا يُوافق ما ذكره
الإمام السّاكي في بحث أنَّ التنكير قد يكون للتحقير.
وتُعقِّب بأن قوله تعالى: ﴿وَمَا غَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ يأباه، فإن مقابل الاستيقان
مطلق الظنّ لا الضعيفُ منه، وقد صرَّح غيرُ واحد بأن هذه الجملة كالتأكيد
لما قبلها، والمراد بها استمرارُ النفي وتأكيده، قيل: والمعنى: وما نحن بمستيقنين
إمكانَ الساعة، أي: لا نتيقَّن إمكانها أصلاً فضلاً عن تحقُّق وقوعها المدلول عليه
بقوله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَها) فقولهم ذلك ردٌّ لهذا، ولعل المُثبتين
لأنفسهم الظنَّ من غير إيقانٍ بأمر الساعة غيرُ القائلين: إن هي إلا حياتنا الدنيا، فإنَّ
ذلك ظاهرٌ في أنهم مُنكرون للبعث جازمون بنفي الساعة، فيكون الگفرة صنفين:
صنفٌ جازمون بنفيها كأئمتهم، وصنفٌ متردِّدون متحيِّرون فيها، فإذا سمعوا ما يُؤثر
عن آبائهم أنكروها، وإذا سمعوا الآياتِ المتلوَّة تقهقر إنكارهم فتردَّدوا.
(١) الكتاب ١٤٧/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٥٥.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٥١.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٤٨
الآية : ٣٣ - ٣٤
ويحتمل اتّحاد قائل ذاك وقائل هذا، إلا أنَّ كلَّ قول في وقت وحال، فهو
مضطربٌ مختلف الحالات، تارة يجزم بالنفي فيقول: إن هي إلا حياتنا الدنيا،
وأُخرى يظن فيقول: إن نظنُّ إلا ظنًّا.
وقيل: الجزم هناك بنفي وقوعها، والظنُّ من غير إيقان هنا بمجرَّد إمكانها،
فهم متردِّدون بإمكانها الذاتي جازمون بعدم وقوعها بالفعل، فتأمَّل.
﴿وَبَ لَمْ﴾ أي: ظهر لهم حينئذ ﴿سَيِئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: قبائح أعمالهم، أي:
عقوباتها، فإنَّ العقوبة تسوء صاحبها وتقبحُ عنده. أو: سيئات أعمالهم، أي:
أعمالهم السيئات، على أن تكون الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف،
والكلام على تقدير مضاف، أي: ظهر لهم جزاءُ ذلك، أو أن يراد بالسيئات
جزاؤها، من باب إطلاق السبب على المسبّب.
وقيل: المراد: ظهر لهم الجهات السيئة الغير الحسنة عقلًا لأعمالهم، أي:
جهات قبحها العقلي التي خَفِيَتْ عليهم في الدنيا بتزيين الشيطان؛ وهو قولٌ
بالحُسْنِ والقُبْحِ العقليين في الأفعال.
و((ما)) موصولة، وجوِّز أن تكون مصدرية، فلا تغفل.
﴿وَحَاقَ﴾ أي: حلَّ ﴿بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ من الجزاء والعقاب.
﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَسَنَّكُمْ﴾ نترككم في العذاب، من باب إطلاق السبب على المسبّب،
لأن من نسي شيئًا تَرَكه، أو: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المُبالَى به، على
أن ثَمَّ استعارةً تمثيليةً. وجُوِّز أن يكون استعارة مكنية في ضمير الخطاب.
أَ نَسِيْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿لِقَّءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: تركتم عُدَّته(١)، وهي التقوى
والإيمان به، أو: كما لم تبالوا أنتم بلقائه، ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح
نسيًا منسيًّا. وجُوِّز أن يكون التعبير بنسيانه لأنَّ عِلْمَه مركوزٌ في فِظْرتهم، أو
لتمكّنهم منه بظهور دلائله، ففي النسيان الأول مُشاكلة.
وإضافة ((لقاء)) إلى ((يوم)) من إضافة المصدر إلى ظرفه، فهي على معنى ((في))،
(١) بضمٌّ فتشديد: ما يُعدُّ له مما لا بدَّ منه كزاد المسافر وراحلته، وعدة الآخرة التقوى وماضاهاها
كما قال: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. حاشية الشهاب ٢٤/٨.

الآية : ٣٥ - ٣٦
٤٩
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
والمفعول مقدَّر، أي: لقاءكم الله تعالى وجزاءه سبحانه في يومكم هذا. وقال العلامة
التفتازاني(١): ((لقاء يومكم)) كـ((مكر الليل)) من باب المجاز الحكمي، فلذا أجري
المضاف إليه مجرى المفعول به، وإنما لم يجعل من إضافة المصدر إلى المفعول به
حقيقةً لأن التوبيخ ليس على نسيان لقاء اليوم نفسه، بل نسيان ما فيه من الجزاء.
وقال بعض الأجلة (٢): لا يخفى أن لقاءَ اليوم يجوز أن يكون كنايةً عن لقاء
جميع ما فيه، وهو أنسبُ بالمقام لأن السياقَ لإنكار البعث.
﴿﴿وَمَأْوَنَّكُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِن ◌َّصِرِينَ ﴿٢﴾ ما لأحد منكم ناصرٌ واحد يُخلِّصكم منها.
﴿ذَلِكُ﴾ العذاب ﴿يَنَّكُ﴾ بسبب أنكم ﴿اَّخَذْتُمُّ ◌َيَتِ اَللَّهِ هُوَا﴾ أي: مهزوءًا بها،
ولم ترفعوا لها رأسًا ﴿وَغَرَّتَّكُمُ الْحَيَةُ الدُّنْيَا﴾ فحسبتم أنْ لا حياةَ سواها.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: النار. وقرأ الحسن وابن وثاب وحمزة والكسائي:
(لا يَخْرُجون)) مبنيًّا للفاعل(٣)، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن رتبة
الخطاب استهانةً بهم، أو بنقلهم من مقام الخطاب(٤) إلى غيابة النار. وجُوِّز أن
یکون هذا ابتداءً كلام، فلا التفات.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنُنَ ﴾ أي: يُطلب منهم أن يُعْتِبوا ربَّهم سبحانه، أي: يُزيلوا
عتبه جلَّ وعلا، وهو كنايةٌ عن إرضائه تعالى، أي: لا يُطلب منهم إرضاؤه عز
وجل لفوات أوانه. وقد تقدَّم في ((الروم)) و((السجدة)) أوجهٌ أُخر في ذلك، فتذكَّر.
تفريع على ما احتوت عليه
﴿فَلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (
السورة الكريمة، وقد احتوت على آلاء الله تعالى وإفضاله عز وجل، واشتملَتْ على
الدلائل الآفاقية والأنفسية، وانطوت على البراهين الساطعة والنصوص اللامعة في
المبدأ والمَعاد، واللام للاختصاص، وتقديم الخبر لتأكيده، وتعريفُ ((الحمد))
(١) كما في حاشية الشهاب ٢٤/٨.
(٢) هو الشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي ٢٤/٨.
(٣) قراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٧٥، والنشر ٢/ ٢٦٧، وهي قراءة خلف أيضًا.
(٤) في الأصل و(م): الخطابة، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧٦/٨، والكلام منه.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٥٠
الآية : ٣٧
للاستغراق أو الجنس. والجملة إخبار عن استحقاقه تعالى لِمَا تدلُّ عليه، وجُوِّز أن
يُرادَ الإنشاء، وتمام الكلام قد تقدَّم في ((الفاتحة)).
وفي التفريع المذكور على ما قال بعض الأجِلَّةُ (١) إشارةٌ إلى أن كفرهم لا يُؤْثِّر
شيئًا في ربوبيته تعالى، ولا يسدُّ طريق إحسانه ورحمته عز وجل:
ومَن يَسُدُّ طريقَ العارض الهَطِلِ (٢)
وإنما هم ظلموا أنفسهم.
وإجراء ما أُجري من الصفات الدالة على إنعامه تعالى عليه عز وجل كالدليل
على استحقاقه تعالی الحمد واختصاصه به جل وعلا .
وقوله تعالى: ((رب العالمين)) بدلٌ مما قبلُ؛ وفي تكرير لفظ الربّ تأكيدٌ وإيذان
بأنَّ ربوبيته تعالى لكلِّ بطريق الأصالة.
وقرأ ابن مُحيصن برفعه على المدح بإضمار هو (٣).
﴿وَلَهُ الْكِبِيَُّ﴾ فيه من الاختصاص ما في ((لله الحمد)). والكبرياءُ قال ابن
الأثير: العَظَمة والمُلك(٤). وقال الراغب (٥): الترقُّع عن الانقياد. وقيل: هي عبارةٌ
عن كمال الذات وكمال الوجود.
وقوله تعالى: ﴿فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ في موضع الحال، أو متعلِّق بـ («الكبرياء)»،
والتقييد بذلك لظهور آثار الكبرياء وأحكامها فيه، والإظهار في مقام الإضمار
التفخيم شأن الكبرياء، وفي الحديث القدسي: ((الكبرياء رِدائي والعظمةُ إزاري،
فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار)) أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود
وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) عن أبي هريرة (٦)، وهو
(١) هو الشهاب في حاشيته ٢٤/٨.
(٢) هذا عجز بيت للمتنبي، وصدره: وما ثناك كلام الناس عن كرم. ديوان المتنبي ٢١١/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٩٠/٥، وتفسير القرطبي ١٩/ ١٧٤.
(٤) النهاية (كبر).
(٥) مفردات ألفاظ القرآن (كبر).
(٦) مسند أحمد (٧٣٨٢)، وصحيح مسلم (٢٦٢٠) - ولفظه: ((العز إزاره والكبرياء رداؤه، فمن

التفسير الإشاري (١٣)
٥١
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
ظاهرٌ في عدم اتِّحاد الكبرياء والعظمة فلا تغفل. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب
﴿الْحَكِيمُ ﴾﴾ في كل ما قضى وقدَّر.
وفي هذه الجمل إرشادٌ - على ما قيل - إلى أوامرَ جليلةٍ، كأنه قيل: ((له الحمد)»
فاحمدوه تعالى، ((وله الكبرياء)) فكبِّروه سبحانه، ((وهو العزيز الحكيم)) فأطيعوه عز
وجل. وجعلها بعضُهم مجازًا أو كنايةً عن الأوامر المذكورة، والله تعالى أعلم.
هذا، ولم أَظفر من باب الإشارة بما يتعلَّق بشيء من آيات هذه السورة الكريمة
يفي بمؤنة نقله غير ما يتعلَّق بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ اُلَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
مِنْهُ﴾ مِن جَعْلِه إشارةً إلى وحدة الوجود، وقد مرَّ ما يُغني عن نقله، والله عز وجل
ولي التوفيق.
ينازعني عذبته)) - وسنن أبي داود (٤٠٩٠)، وسنن ابن ماجه (٤١٧٤)، ومصنف ابن أبي شيبة
=
٨٩/٩، والأسماء والصفات (٢٧٩).

سُورَةُ الأَحْقَقلِ
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة(١)، فأطلق غيرُ
واحد القولَ بمكِّيتها من غير استثناء، واستثنى بعضُهم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن
كَانَ مِنْ عِندِ اٌلَّهِ﴾ الآية [١٠]، فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك
الأشجعي أنها نزلت بالمدينة في قصة إسلام عبد الله بن سلام(٢)، ورُوي ذلك عن
محمد بن سيرين.
وفي ((الدر المنثور)): أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر
وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: ما سمعتُ رسولَ اللهِ وَلّه يقول لأحد
يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت
(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ)(٣).
وفي نزولها فيه رَُّه أخبارٌ كثيرة. وظاهر ذلك أنها مدنية لأنَّ إسلامَه فيها، بل
في الأخبار ما يدلُّ على مدنيَّتها من وجه آخر، وعكرمةُ يُنكر نزولها فيه ويقول: هي
مكية؛ كما أخرج عبد بن حُميد وابن المنذر عنه(٤)، وكذا مسروق، فقد أخرج ابن
جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية: واللهِ ما نزلت في عبد الله بن سلام،
(١) الدر المنثور ٣٧/٦.
(٢) المعجم الكبير ٤٦/١٨ (٨٣)، وسيأتي بتمامه في تفسير الآية (١٠) وسنذكر ثمة تخريجه.
(٣) الدر المنثور ٣٩/٦، وصحيح البخاري (٣٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٤٨٣)، وسنن النسائي
الكبرى (٨١٩٥)، وتفسير الطبري ١٢٦/٢١، وليس عند مسلم والنسائي أن الآية نزلت فيه.
وينظر فتح الباري ٧ / ١٣٠.
(٤) الدر المنثور ٣٩/٦.

٥٣
سُورَةُ الأَحْقَفْلِ
ما نزلت إلا بمكة، وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة، وإنما كانت خصومة
خاصم بها محمدٌ وَلِيٍ(١).
واستثنى بعضهم: ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾ الآيتين [١٧ و١٨]. وزعم مروان ــ مَن
لعن رسولُ اللهِ وَ﴿ أباه وهو في صُلبه - أنهما نزلتا في عبد الرحمن بن أبي بكر ﴿ًا،
فكذَّبته عائشة وقالت: كذب مروان - مرتين - والله ما هو به، ولو شئتُ أن أُسمِّي
الذي أُنزلت فيه لَسمَّيته، ولكن رسول الله ◌َّ لعن أبا مروان ومروانُ في صُلبه،
فمروان فضض - أي: قطعة - مِن لعنة الله تعالى(٢).
وفي رواية أنها قالت: إنما نزلت في فلان بن فلان. وسمَّت رجلًا آخر(٣).
واستثنى آخرُ: (وَوَضَّيْنَا الْإِنسَانَ) الآيات الأربع كما حكاه في ((جمال القُرَّاء)»،
وحَكَى أيضًا استثناء: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ﴾ الآية [٣٥](٤)، ونقله في ((البحر))
عن ابن عباس وقتادة، وكذا نقل فيه عنهما استثناء: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ﴾ إلخ [الآية: ١٠](٥).
وتمام الكلام في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى.
وآيها خمسٌ وثلاثون في الكوفي، وأربعٌ وثلاثون في غيره، والاختلاف في
((حم). وتُسمَّى لمجاوزتها الثلاثين: ثلاثين؛ أخرج أحمد بسند جيّد عن ابن
عباس(٦) قال: أقرأني رسولُ اللهِ وَ ليل سورةً من آل ((حم))، وهي ((الأحقاف))،
وكانت السورةُ إذا كانت أكثرَ من ثلاثين آية سُمِّيت ثلاثين.
(١) الدر المنثور ٣٩/٦، وتفسير الطبري ١٢٥/٢١.
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٢٧).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود رضيبه كما في الدر المنثور ٤١/٦.
(٤) جمال القرَّاء ١٣٩/١، وليس فيه استثناء ((ووصينا الإنسان)) الآيات الأربع، لكن المصنف
نقل كلامه من الإتقان ١/ ٥٠، وفهم من عبارته أنه محكيٍّ في جمال القراء. وعبارة الإتقان
هي: واستثنى بعضهم ((ووصينا الإنسان ... )) الآيات الأربع. وقوله: ((فاصبر كما صبر أولو
العزم ... )) الآية، حكاه في جمال القراء.
(٥) البحر المحيط ٨/ ٥٤.
(٦) كذا في الأصل و(م): ابن عباس، والصواب: ابن مسعود، والحديث في مسند أحمد
(٣٩٨١).
٠

-
سُوَدَّةُ الْأَحْقَقلِ
٥٤
الآية : ١ - ٣
وروي أن رسول الله ﴿ قرأها على وجهين، أخرج ابن الضُّريس
والحاكم - وصحَّحه - عن ابن مسعود قال: أَقْرأني رسول اللهِوَ ال﴿ سورةَ الأحقاف،
فسمعت رجلاً يقرؤها خلافَ ذلك، فقلت: مَنْ أقرأكها؟ قال: رسولُ اللهِ وَّهِ.
فقلت: واللهِ لقد أقرأني رسول الله : ﴿ ﴿ غيرَ ذا. فأَتينا رسولَ اللهِوَ له فقلت:
يا رسول الله، ألم تُقرئني كذا وكذا؟ قال: ((بلى))، فقال الآخر: ألم تُقرئني كذا
وكذا؟ قال: ((بلى))، فتمعَّر وجهُ رسول الله وَّر، فقال: ((ليقرأ كلُّ واحد منكما
ما سمع، فإنما هلك مَنْ قبلَكم بالاختلاف))(١). وأنت تعلم أن ما تواتر هو القرآن.
ووجهُ اتصالها أنه تعالى لما ختم السورة التي قبلها بذكر التوحيد وذمّ أهل الشّرك
والوعيد افتتح هذه بالتوحيد، ثم بالتوبيخ لأهل الكفر من العبيد، فقال عز وجل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حَمّ ® تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِ ﴾﴾ الكلامُ فيه كالذي تقدَّم في
مطلع السورة السابقة ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ بما فيهما من حيث الجُزئية منهما
ومن حيث الاستقرار فيهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من المخلوقات ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ استثناءٌ مفرَّغ.
من أعمِّ المفاعيل، أي: إلا خلقًا مُلتبسًا بالحقِّ الذي تقتضيه الحِكمة التكوينية
والتشريعة، وفيه من الدلالة على وجود الصانع وصفات كماله وابتناء أفعاله على
حِكم بالغة وانتهائها إلى غايات جليلة ما لا يخفى.
وجوِّز كونه مفرَّغًا من أعمِّ الأحوال من فاعل ((خلقنا)) أو من مفعوله، أي:
ما خلقناها في حال من الأحوال إلا حال ملابستنا بالحقّ، أو حال مُلابستها به.
﴿وَأَجَلٍ تُسَنَّى﴾ عطف على ((الحقِّ) بتقدير مضاف، أي: وبتقدير أجل مسمّى،
وقُدِّر لأن الخَلْق إنما يلتبس به لا بالأجل نفسه. والمراد بهذا الأجل - كما قال ابن
عباس - يومُ القيامة، فإنه ينتهي إليه أمورُ الكل، وتبدَّل فيه الأرض غيرَ الأرض
(١) الدر المنثور ٣٧/٦، والمستدرك ٢٢٣/٢، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٣٢٢)، وأصله عند
البخاري (٢٤١٠).

الآية : ٤
٥٥
سُوَّةُ الأَخْقَقلِ
والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار. وقيل: مُدَّة البقاء المقدَّر لكلِّ واحد.
ويؤيِّد الأول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ فإنَّ ما أُنذروه
يومُ القيامة وما فيه من الطامَّة التامَّة والأهوال العامة، لا آخر أعمارهم.
وجُوِّز كون ((ما)) مصدرية، أي: عن إنذارهم بذلك الوقت، على إضافة المصدر
إلى مفعوله الأول القائم مقام الفاعل، والجملة حالية، أي: ما خلقنا الخَلْق
إلا بالحقِّ وتقدير الأجل الذي يُجازَوْنَ عنده، والحال أنهم غير مؤمنين به،
مُعرضون عنه، غيرُ مستعدِّين لحلوله.
﴿قُلْ﴾ توبيخًا لهم وتبكيتًا: ﴿أَرَيْتُمُ﴾ أخبروني، وقرئ: ((أرأيتكم))(١) ﴿مَّا
تَدْعُونَ﴾ ما تعبدون ﴿مِن دُونِ الَّهِ﴾ من الأصنام، أو جميع المعبودات الباطلة،
ولعله الأظهر، والموصول مفعول أول لـ ((أرأيتم))، وقوله تعالى: ﴿آَرُونِ﴾ تأكيدٌ له،
فإنه بمعنى: أخبروني، أيضًا .
وقوله تعالى: ﴿مَاذَا خَلَقُواْ﴾ جُوِّز فيه أن تكون ((ما)) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا
لـ ((خلقوا))، و((ذا)) زائدة، وأن تكون ((ماذا)) اسمًا واحدًا مفعولًا مقدَّمًا، أي: أيَّ
شيء خلقوا، وأن تكون اسم استفهام مبتدأ أو خبرًا مقدَّمًا، و((ذا)) اسم موصول
خبرًا أو مبتدأ مؤخرًا، وجملة ((خلقوا)) صلة الموصول، أي: ما الذي خلقوه،
وعلى الأولين جملة («خلقوا)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((أرأيتم))، وعلى ما بعدهما جملة ((ماذا
خلقوا)).
وجوِّز أن يكون الكلام من باب الإعمال، وقد أعمل الثاني وحذف مفعولٌ
الأول، واختاره أبو حيان(٢).
وقيل: يحتمل أن يكون ((أروني)) بدل اشتمال من ((أرأيتم)).
وقال ابن عطية (٣): يحتمل ((أرأيتم)) وجهين: كونها متعدِّية و ((ما)) مفعولًا لها.
(١) ذكرها الفراء في معاني القرآن ٤٩/٣، وأبو السعود في تفسيره ٨/ ٧٧.
(٢) النهر الماد (بهامش البحر المحيط) ٨/ ٥٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٩١/٥.

سُوَدَةُ الأَحْقَقلِ
٥٦
الآية : ٤
وكونها منبهة لا تتعدَّى و((ما)) استفهامية على معنى التوبيخ. وهذا الثاني قاله
الأخفش(١) في ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ تفسيرٌ للمبهم في ((ماذا خلقوا))، قيل: والظاهرُ أن
المراد: من أجزاء الأرض وبقعها، وجُوِّز أن يكون المرادُ ما على وجهها من
حيوان وغيره بتقدير مضاف يُؤدِّي ذلك، ويجوز أن يُرادَ بالأرض السُّفليات مطلقًا ،
ولعله أولى.
﴿أَ لَمُمْ شِرٌْ﴾ أي: شركةٌ مع الله سبحانه ﴿فِى السَّمَوَتِ﴾ أي: في خَلْقها، ولعل
الأولى فيها أيضًا أن تُفسَّر بالعلويات. و((أم)) جُوِّز أن تكون منقطعةً وأن تكون
مُتَّصلة، والمرادُ نفي استحقاق آلهتهم للمعبودية على أتمِّ وجه، فقد نفى أولًا
مدخليَّتها في خَلْق شيء من أجزاءِ العالم السُّفلي حقيقةً واستقلالًا، وثانيًا مدخليَّتها
على سبيل الشَّرِكة في خَلْق شيءٍ من أجزاء العالم العُلوي، ومن المعلوم أن نفي
ذلك يستلزم نفيَ استحقاق المعبودية. وتخصيصُ الشركة في النظم الجليل بقوله
سبحانه: ((في السموات)) مع أنه لا شركةً فيها وفي الأرض أيضًا؛ لأنَّ القصدَ
إلزامهم بما هو مسلَّم لهم ظاهرٌ لكلِّ أحدٍ، والشركة في الحوادث السفلية ليست
كذلك، لتملُّكهم وإيجادهم لبعضها بحسب الصورة الظاهرة.
وقيل: الأظهر أن تُجعل الآية مِن حَذْف معادل ((أم)) المتصلة لوجود دليله،
والتقدير: ألهم شِرٌْ في الأرض، أم لهم شِرْك في السماوات. وهو كما ترى.
وقوله تعالى: ﴿أَثْنُونِ يِكِتَبٍ﴾ إلى آخره تبكيتٌ لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسندٍ
نقليٍّ، بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسندٍ عقليٍّ، فهو من جملة القول، أي:
ائتوني بكتابٍ إلهيٍّ كائنٍ ﴿مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ الكتاب، أي: القرآن الناطق بالتوحيد
وإبطال الشِّرك، دالٌ على صحّة دينكم ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِنْ عِلِّ﴾ أي: بقيةٍ من عِلم بقيت
عليكم من علوم الأوَّلين شاهدةٍ باستحقاقهم العبادة، فالأثارة مصدرٌ كالضلالة
بمعنى البقيَّة؛ من قولهم: سَمِنت الناقة على أَثارة من لحم، أي: بقيّة منه.
(١) كما في البحر المحيط ٥٤/٨، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٤
٥٧
سُؤَدَّةُ الأَحْقَفَلِ
وقال القُرظي (١): هي بمعنى الإسناد والرواية؛ ومنه قول الأعشى:
إن الذي فيه تمارَيْتُما بُيِّن للسامع والآثر(٢)
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: المعنى: أو خاصَّة من عِلم، فاشتقاقها
من الأثرة، فكأنها قد آثر الله تعالى بها مَن هي عنده. وقيل: هي العلامة. وأخرج
أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن ابن عباس، عن النبي ◌ِّي: ((أو أثارة من علم))، قال:
الخطّ))(٣)، ورُوي ذلك أيضًا موقوفًا على ابن عباس(٤)، وفُسّر بعِلْم الرَّمل، كما في
حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((كان نبيٌّ من الأنبياء يخظُ، فمن صادفَ مثل خَطِّه
عَلِم))(٥)، وفي رواية عن الحِبر أنه قال: ((أو أَثارة من علم)) خطّ كان يخظُّه العرب
في الأرض(٦). وهذا ظاهرٌ في تقوية أمرٍ علم الرَّمل، وأنه شيء له وجهٌ، ويُرشِد
إلى بعض الأمور، وفي ذلك كلام يُطلب من محلِّه.
وفي ((البحر)): قيل: إنْ صَّ تفسيرُ ابن عباس الأثارة بالخطّ في التراب كان
ذلك من باب التهكّم بهم وبأقوالهم ودلائلهم(٧).
والتنوين للتقليل، و((من علم)) صفة، أي: أو ائتوني بأَثارة قليلةٍ كائنة مِن علم
﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ في دعواكم، فإنها لا تكادُ تصحُّ ما لم يقم عليها برهان
عقليٍّ، أو دليل نقليٍّ، وحيث لم يَقُمْ عليها شيء منهما وقد قاما على خلافها تبيَّن
بطلانها .
(١) في الأصل و(م): القرطبي، وهو تحريف، والمثبت من المحرر الوجيز ٩٢/٥، وتفسير
القرطبي ١٩/ ١٨٠.
(٢) ديوان الأعشى ص١٩١، والخزانة ٣/ ٤٠٠.
(٣) الدر المنثور ٣٧/٦، ومسند أحمد (١٩٩٢)، ومعجم الطبراني الكبير (١٠٧٢٥).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٥٤ .
(٥) أخرجه عبد بن حُميد وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٨/٦، وأخرجه أحمد (٢٣٧٦٢)،
ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ه بلفظ: ((كان نبي من الأنبياء يخطّ
فمن وافق خطّه فذاك)) وهو قطعة من حديث طويل.
(٦) أخرجه الطبري ١١٣/٢١ .
(٧) البحر المحيط ٨/ ٥٥ .

سُورَةُ الأَحْقَقلِ
٥٨
الآية : ٥
وقرئ: ((إثارة) بكسر الهمزة(١)، وفُسِّرت بالمناظرة، فإنها تُثير المعاني. قيل:
وذلك من باب الاستعارة على تشبيه ما يبرزُ ويتحقَّق بالمناظرة بما يثور من الغبار
الثائر من حركات الفُرسان.
وقرأ عليٍّ وابن عباس ﴿ه - بخلاف عنهما - وزيد بن عليٍّ وعكرمة وقتادة
والحسن والسلمي والأعمش وعمرو بن ميمون: ((أَثَرَةٍ)) بغير ألف(٢)، وهي واحدة
جمعها أَثَر، كقَتَرة وقَتَر. وعليٍّ كرم الله تعالى وجهه والسُّلمي وقتادة أيضًا بإسكان
الثاء (٣)، وهي الفَعْلة الواحدة مما يُؤثر، أي: قد قنعتُ منكم بخبر واحدٍ أو أَثر
واحد يشهدُ بصحَّة قولكم.
وعن الكسائي ضمُّ الهمزة وإسكان الثاء(٤)، فهي اسمٌ للمقدار، كالغُرفة
لما يُغرف باليد، أي: ائتوني بشيء ما يؤثر من عِلْم. ورُوي عنه أيضًا أنه قرأ:
(إِثْرة) بكسر الهمزة وسكون الثاء(٥)، وهي بمعنى الأَثَرة بفتحتين.
﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِبُ لَهُ﴾ إنكارٌ لأنْ يكون [أحدٌ] (٦) أضلَّ
من المشركين، وذكر بعضُ الفُضَلاء أن المرادَ نفيُ أن يكون أحدٌ يُساويهم في الضلالة،
وإن كان سبكُ التركيب لنفي الأضلّ، وقد مرَّ ما يتعلَّق بذلك فتذكَّر، أي: هو أضلُّ مِنْ
كلِّ ضالّ حيث تركَ دعاءَ المجيب القادرِ المستجمع لجميع صفات الكمال كما يُشعر
بذلك الاسم الجليل، ودعا مَنْ ليس شأنُه الاستجابة له وإسعافه بمطلوبه.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: ما دامت الدنيا، وظاهره أنه بعدَها تقع الاستجابة،
وليس بمراد، لتحقُّق ما يدلُّ على خلافه، فهذه الغاية على ما في ((الانتصاف))(٧) من
الغايات المُشعرة بأنَّ ما بعدها وإن وافقَ ما قبلها إلا أنه أَزْيَدُ منه زيادةً بيِّنةً تُلحقه
(١) ذكرها أبو السعود في تفسيره ٧٨/٨ .
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٩، والمحتسب ٢٦٤/٢، والبحر المحيط ٥٥/٨.
(٣) المحتسب ٢/ ٢٦٤، والبحر المحيط ٨/ ٥٥.
(٤) القراءات الشاذة ص١٣٩، والبحر ٨/ ٥٥.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي ٢٦/٨.
(٧) الانتصاف (بهامش الكشاف) ٥١٥/٣.

الآية : ٥
٥٩
سُورَةُ الأَحْقَقلِ
بالمباين، حتى كأنَّ الحالتين - وإن كانتا نوعًا واحداً - لتفاوت ما بينهما كالشيء
وضدِّه، وذلك أن الحالةَ الأُولى التي جُعلت غايتها القيامة لا تزيدُ على عدم
الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة بالعداوة
وبالكُفر بعبادتهم إياهم كما يَنطِقُ به ما بعدُ، فهو من وادي قوله تعالى في سورة
الزخرف: ﴿بَلّ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ﴾ الآية [٢٩]، ونحوه قوله سبحانه في إبليس:
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨].
وقد يقال: المرادُ بهذه الغاية التأبيد، كما قيل في قوله تعالى: ﴿خَلِنَ فِهَا
مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ﴾ [هود: ١٠٧] وقولهم: مادام ثبير.
وقال بعضهم: لا إشكال في الآية؛ لأن الغايةَ مفهومٌ فلا تُعارض المنطوق.
وفيه بحث، ففي ((الدرر)(١) و((الينبوع)) عن ((البديع))(٢) أن الغاية عندنا من قَبيل
إشارة النَّصِّ لا المفهوم.
وقال الزركشي في ((شرح جمع الجوامع)): ذهب القاضي أبو بكر إلى أن
الحكم في الغاية منطوق، وادَّعى أن أهل اللغة صرَّحوا بأن تعليقَ الحُكم بالغاية
موضوع على أن ما بعدَها خلافُ ما قبلها، لأنهم اتفقوا على أنها ليست كلامًا
مستقلًا، فإن قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله سبحانه: ﴿حَقّ
يَْهُرْنٌ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لا بد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام؛ وذلك أن المضمر
إما ضدّ ما قبله أَوْ لا، والثاني باطل؛ لأنه ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، فيقدَّر:
حتى يَظْهُرنَ فاقربوهنَّ، حتى تنكح زوجًا غيره فتحلّ، قال: والمضمر بمنزلة
الملفوظ، فإنه إنما يضمر لسبقه إلى ذهن العارف باللسان، وعليه جرى صاحب
((البديع)) من الحنفية فقال: هو عندنا من دلالة الإشارة لا من المفهوم، لكن
الجمهور على أنه مفهوم، ومنعوا وضع اللغة لذلك(٣). انتهى.
(١) لعله: الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع، لمؤلفه: أحمد بن إسماعيل الكوراني الشافعي،
المتوفى سنة (٨٩٣هـ). كشف الظنون ١/ ٥٩٦.
(٢) هو كتاب بديع النظام الجامع بين البزدوي والإحكام في أصول الفقه، لمؤلفه: أحمد بن
علي بن ثعلب المعروف بابن الساعاتي. المتوفى سنة (٦٩٤هـ). كشف الظنون ٢٣٥/١.
(٣) تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع ٣٦٩/١، والمصنّف نقله عنه بواسطة الشهاب ٢٧/٨.

سُورَةُ الأَحْقَقلِ
٦٠
الآية : ٥
ويُعلم من هذا أن قوله في ((التلويح)) (١): إنَّ مفهوم الغاية متفقٌ عليه، لا يخلو
من الخلل.
﴿وَهُمْ عَن دُعَّيِهِمْ﴾ الضمير الأول لمفعول ((يدعوا)) أعني ((من لا يستجيب))،
والثاني لفاعله، والجمع فيهما باعتبار معنى ((من)) كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار
لفظها، أي: والذين يدعون مَن لا يستجيبون لهم [وهم] (٢) عن دعائهم إياهم
﴿غَفِلُونَ @) لا يسمعون ولا يَدْرون، أمَّا إن كان المدعوُّ جمادًا فظاهر، وأما إنْ
كان مِن ذوي العقول؛ فإن كان من المقبولين المقرّبين عند الله تعالى فلاشتغاله عن
ذلك بما هو فيه من الخير، أو كونه في محلٌّ ليس من شأن الذي فيه أن يسمع دعاء
الداعي للبعد، كعيسى عليه الصلاة والسلام اليومَ، أو لأنَّ الله تعالى يصون سمعه
عن سماع ذلك، لأنه - لكونه مما لا يُرضي اللهَ تعالى - يُؤلمه لو سمعه. وإن كان من
أعداء الله تعالى كشياطين الجِنِّ والإنس الذين عُبدوا من دون الله تعالى، فإن كان
ميتًا فلاشتغاله بما هو فيه من الشرّ، وقيل: لأن الميت ليس من شأنه السماع،
ولا يتحقَّق منه سماع إلا معجزةً، كسماع أهل القَلِيب، وفي هذا كلام تقدَّم بعضه.
وإن كان حيًّا؛ فإن كان بعيدًا مثلًا فالأمر ظاهرٌ، وإن كان قريبًا سليم الحاسَّة، فقيل:
الكلام بالنسبة إليه بعد تأويل الغفلة بعدم السماع وعلى التغليب لِنُدرة هذا الصنف.
ومن الناس من أوَّل الغفلة بعدم الفائدة، وتُعقّب بأنه حينئذ لا يكون لوصفهم
بالغَفْلة بعد وصفهم بعدم الاستجابة كثيرُ فائدة.
واعتبر بعضُهم التغليب من غير تأويلٍ، بمعنى أنه غُلِّب مَن يتصوَّر منه الغفلة
حقيقةً على غيره، وهذا كالتغليب في التعبير عن تلك الآلهة بما هو موضوعٌ لأن
يستعمل في العُقلاء.
وإن كانت الآيةُ في عَبَدة الأصنام ونحوها مما لا يعقل تجوّز في الغفلة، وكأنَّ
التعبير بما هو للعاقل لإجراء العبدة إيَّها مُجرى العُقلاء.
(١) هو كتاب التلويح شرح التوضيح لمتن التنقيح لسعد الدين التفتازاني، ونقله المصنف عنه
بواسطة الشهاب في حاشيته ٢٧/٨.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.