Indexed OCR Text
Pages 461-480
الآية : ١٦ ٤٦١ سُورَةُ الدُّخَّانِ ومن قال: المراد به ما هو من أشراط الساعة، قال بإمكان الكشف وعدم انقطاع التكليف عند ظهوره وإن كان من الأشراط، بل جاء في بعض الآثار أنه يمكثُ أربعين يوماً وليلة، فَيُكْشَفُ عنهم فيعودون إلى ما كانوا عليه من الضلال. وحمله على ما رُوي عن ابن مسعود ظاهرُ الاستقامة لا قيل فيه ولا قال، وقوله سبحانه: ((وقد جاءهم)) إلخ قويُّ الملاءمة له، وهو بعيدُ الملاءمة للقول المرويِّ عن الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه، فقد احتيج في تحصيلها إلى جعل الإسناد من باب إسناد حال البعض إلى الكلِّ، أو حمل الناس على الكفار الموجودين في ذلك الوقت. والأمر على القول بأنه ما كان في فتح مكة أهون، إلا أنه مع ذلك ليس کقول ابن مسعود. فتأمل. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَىّ﴾ هو يوم بدر عند ابن مسعود. وأخرجه عبد بن حُميد وابن جرير عن أبيّ بن كعب ومجاهد والحسن وأبي العالية وسعيد بن جُبير ومحمد بن سيرين وقتادة وعطية (١). وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس(٢). وأخرج ابن جرير وعبد بن حُميد بسند صحيح عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم القيامة(٣). ونقل في ((البحر)) حكاية أنه يوم القيامة عن الحسن وقتادة أيضاً (٤). والظرف معمولٌ لِمَا دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ أي: إنا ننتقم يومَ إذ إنا منتقمون، وقيل: لـ ((منتقمون))، وردَّه الزجَّاج(٥) وغيره بأنَّ ما بعد ((إِنَّ» لا يجوز أن يعمل فيما قبلها. وقيل: لـ ((عائدون)) على معنى: إنكم العائدون إلى العذاب يومَ نبطش. وقيل: بـ ((كاشفو العذاب)). وليس بشيء. (١) الدر المنثور ٢٩/٦، وتفسير الطبري ٢٥/٢١-٢٧ . (٢) الدر المنثور ٢٩/٦. (٣) الدر المنثور ٢٩/٦، وتفسير الطبري ٢٧/٢١. (٤) البحر المحيط ٣٥/٨. (٥) في معاني القرآن ٤٢٥/٤ . سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٦٢ الآية : ١٧ وقيل: لذكِّرهم، أو: اذكر، مقدَّراً. وقيل: هو بدل من ((يوم تأتي)) إلخ. وقرئ: (نَبطُش)) بضمِّ الطاء. وقرأ الحسن وأبو رجاء وطلحة بخلاف عنه: ((نُبطِش)) بضمِّ النون(١)، من باب الإفعال على معنى: نحمل الملائكة عليهم السلام على أن يبطشوا بهم، أو نُمكِّنهم من ذلك، فالمفعول به محذوفٌ للعلم وزيادة التهويل، وجَعْلُ البطشة على هذا مفعولاً مطلقاً على طريقة: ((أنبتكم نباتاً)). وقال ابن جني وأبو حيان(٢): هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، أي: يوم نُبطِش مَن نُبطِشه فيَبْطِشُ البطشةَ الكبرى. وقال ابن جني: ولك أن تنصبها على أنها مفعول به، كأنه قيل: يوم نُقوِّي البطشةَ الكبرى عليهم ونمكّنها منهم، كقولك: يوم نُسلِّط القتل عليهم ونُوسِّع الأخذ منهم. وفي ((القاموس)): بَطَشَ به يَبْطِشُ ويَبْطُشُ: أخذه بالعنف والسطوة، كأبطشه. والبَطْش: الأَخذُ الشديد في كلِّ شيء والبأس(٣). اهـ، فلا تغفل. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: امتحتَّاهم بإرسال موسى عليه السلام إليهم، على أنه مِنْ: فَتَنَ الفضةَ: عرضها على النار، فيكون بمعنى الامتحان، وهو استعارةٌ، والمرادُ: عاملناهم معاملةَ المُمتحِن لَيَظْهَر حالُهم لغيرهم، أو: أوقعناهم في الفتنة، على أنه بمعناه المعروف، والمراد بالفتنة حينئذ ما يُفتن به الشخص، أي: يغترّ ويغفلُ عمَّا فيه صلاحه، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] وفُسِّرت هنا بالإمهال وتوسيع الرزق. وفسَّر بعضهم الفتنةَ بالعذاب، ثم تجوّز به عن المعاصي التي هي سببٌ، وهو تكلُّفُ ما لا داعي له. وقرئ: ((فَتَنَّا)) بتشديد التاء(٤)، إما لتأكيد معناه المصدري أو لتكثير المفعول أو الفعل. ﴿وَجَآَهُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ﴾﴾ أي: مُكرم مُعظّم عند الله عز وجل، أو عند (١) القراءات الشاذة ص١٣٧، والمحتسب ٢٦٠/٢. (٢) المحتسب ٢٦٠/٢-٢٦١، والبحر المحيط ٣٥/٨. (٣) القاموس المحيط (بطش). (٤) البحر المحيط ٣٥/٨. ٠٠ الآية : ١٨ ٤٦٣ سُورَةُ الدُّخَّانِ المؤمنين، أو عنده تعالى وعندهم، أو كريم في نفسه مُتَّصفٌ بالخِصال الحميدة والصِّفات الجليلة حسباً ونسباً. وقال الراغب: الكرم إذا وُصِفَ به الإنسان فهو اسمٌ للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم حتى يظهر ذلك منه. ونَقَل عن بعض العلماء أن الكرمَ كالحرية إلا أن الحريةَ قد تُقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، والكرمُ لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة(١). وقال الخفاجيُّ: أصل معنى الكريم: جامع المحامد والمنافع(٢). وادَّعى لذلك أن تفسيره به أحسنُ من تفسيره بالتفسيرين السابقين. ﴿أَنْ أَدُّوَاْ إِلَى عِبَادَ اللَّهِ﴾ أطلقوهم وسلِّموهم إليَّ، والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون مستعبدَهم، والتعبير عنهم بـ ((عباد الله)) للإشارة إلى أن استعبادَه إِيَّاهم ظلمٌ منه، والأداء مجازٌ عما ذكر، وهذا كقوله عليه السلام: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ﴾ [طه: ٤٧] ورُوي ذلك عن ابن زيد ومجاهد وقتادة. أو: أُدُّوا إليَّ حقَّ الله تعالى من الإيمان وقَبول الدعوة يا عبادَ الله، على أن مفعول ((أدُّوا)) محذوفٌ، و((عباد)) منادى، وهو عامٌ لبني إسرائيل والقِبط، والأداء بمعنى الفعل للطاعة وقَبول الدعوة، ورُوي هذا عن ابن عباس. و ((أنْ) عليهما قيل: مصدرية قبلها حرفُ جرِّ مقدَّر متعلِّق بـ ((جاءهم))، أي: بأنْ أدُّوا. وتُعقِّب بأنه لا معنى لقولك: جاءهم بالتأدية إليَّ، وحَمْلُه على طلب التأدية إليَّ لا يخلو عن تعسُّف. ورُوَّ بأنه بتقدير القول، وهو شائعٌ مطَرد، فتقديرُه بأَنْ قال: أدُّوا إليَّ. ولا يخلو عن تكلُّف ما، ومع هذا، الأمرُ مبنيٌّ على جواز وصل المصدرية بالأمر والنهي، وهو غير متَّفق عليه، نعم الأصح الجواز. وقيل: هي مخفَّفة من الثقيلة. وتُعقّب بأنها حينئذ يُقدَّر معها ضمير الشأن، ومفسِّره لا يكون إلا جملةً خبريّة، وأيضاً لا بدَّ أن يقع بعدَها النفي أو ((قد)) أو السين أو ((سوف)) أو ((لو))، وأنْ يتقدَّمها فِعْلٌ قلبيٍّ ونحوه. وأُجيب بأنَّ مجيء الرسول يتضمَّن معنى فعل التحقيق كالإعلام، والفصلُ (١) مفردات ألفاظ القرآن الكريم (كرم). (٢) حاشية الشهاب ٨/ ٧. سُؤَدَّةُ الدُّخَانِ ٤٦٤ الآية : ١٩ المذكور غيرُ متَّفق عليه، فقد ذهب المبرِّد تبعاً للبغادِدة إلى عدم اشتراطه، والقول بأنه شاذٌّ يُصان القرآن عن مِثله غيرُ مسلَّم، واشتراطُ كون مُفسِّر ضمير الشأن جملةً خبرية، فيه خلافٌ على ما يُفهم من كلام بعضهم. ولم يذكر في ((المغني)) في الباب الرابع في الكلام على ضمير الشأن إلا اشتراطَ كون مُفسِّره جملةً، ولم يشترط فيها الخبرية، ولم يتعرض لخلاف. نعم قال في الباب الخامس: النوع الثامن: اشتراطُهم في بعضٍ الجملة الخبرية وفي بعضها الإنشائية، وعَدَّ من الأول خبر ((إنَّ) وضمير الشأن، لكنه قال بعد: وينبغي أن يُستثنى من ذلك في خبري ((إنَّ) وضمير الشأن خبر ((أن)) المفتوحة إذا خُفِّفت، فإنه يجوز أن يكون جملةً دعائيَّة، كقوله تعالى: ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيهَا﴾ [النور: ٩] في قراءة مَنْ قرأ: ((أَنْ)) و((غَضِبَ)) بالفعل، والاسم الجليل فاعل(١). وحقَّق بعض الأجِلَّة أن الإخبار عن ضمير الشأن بجملة إنشائية جائزٌ عند الزمخشري (٢). أو هي مفسِّرة، وقد تقدَّم ما يدلُّ على القول دون حروفه، لأن مجيء الرسول يكون برسالة ودعوة، وكأنَّ التفسير لمتعلِّقه المقدَّر، أي: جاءهم بالدعوة، وهي أنْ أدُّوا إليَّ عبادَ الله ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿وَأَنْ لَّا تَعَلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾، ولا تستكبروا عليه سبحانه بالاستهانة بوحيه جلَّ شأنه ورسوله عليه الصلاة والسلام، ((وأنْ)) كالتي قبلها، والمعنى على المصدرية: بكفِّكم عن العلوِّ على الله تعالى. ﴾ تعليلٌ للنهي، أي: آتيكم بحجة واضحة لا سبيل ﴿إِنّ ◌َاتِكُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( إلى إنكارها، أو مُوضحةٍ صِدْقَ دعواي، و((آتيكم)) على صيغة الفاعل أو المضارع، ولا يَخْفَى حُسْنُ ذكر الأمين مع الأداء، والسلطانِ مع العلاء. وذكر ((أن)) في الأول ترشيحاً للاستعارة المصرحة أو المكنية بجعلهم كأنهم مالٌ للغير في يده أمره بدفعه لمن يُؤتمن عليه، وفي الثاني تورية عن معنى الملك مرشحة بقوله: ((لا تعلوا)). (١) مغني اللبيب ص٦٣٧ و٧٦١. والقراءة المذكورة هي قراءة نافع. التيسير ص١٦١، والنشر ٣٣٠/٢. (٢) الكشاف ٥٠٢/٣، وينظر حاشية الشهاب ٨/٨. الآية : ٢٠ - ٢٢ ٤٦٥ سُورَةُ اللّخَّانِ وقرأت فرقة: ((أَني)) بفتح الهمزة(١)، فقيل: هو أيضاً على تعليل النهي بتقدير اللام. وقيل: هو متعلَّق بما دخله النهي، نظير قولك لمن غضب من قول الحقِّ له: لا تغضب لأَنْ قيل لك الحقّ. ﴿وَإِنِ عُذْتُ بَِبِ وَرَبِّكُرُ﴾ أي: التجأت إليه تعالى وتوثَّلت عليه جل شأنه ﴿أَنْ تَرْجُونِ ﴾﴾ من أنْ ترجموني، أي: تُؤذوني ضرباً أو شتماً، أو أن تقتلوني، وروي هذا عن قتادة وجماعة، قيل: لمَّا قال: أن لا تعلوا على الله، توعّدوه بالقتل فقال ذلك. وفي ((البحر)) (٢): إن هذا كان قبل أن يخبره عز وجل بعجزهم عن رجمه بقوله سبحانه: ﴿فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]. والجملة عطف على الجملة المستأنفة. وقرأ أبو عمرو والأخوان: ((عتُّ)) بإدغام الذال في التاء(٣). ﴿وَإِن ◌َّرْ نُؤْمِنُواْ لِى فَأْنَرُونِ ﴾﴾ فكونوا بمعزلٍ مني لا عليَّ ولا لي، ولا تتعرَّضوا لي بسوء، فليس ذلك جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلاحُكم. وقيل: المعنى: وإن لم تؤمنوا لي فلا موالاةَ بيني وبين من لا يؤمن، فتنخّوا واقطعوا أسبابَ الوصلة عني. ففي الكلام حذفُ الجواب وإقامة المسبَّب عنهُ مقامه، والأول أوفقُ بالمقام، والاعتزالُ عليه عبارةٌ عن الترك وإن لم تكن مفارقةٌ بالأبدان. ◌ِفَدَهَا رَبَّهُ﴾ بعد أن أصرُّوا على تكذيبه عليه السلام ﴿أَنَّ هَؤُلَآءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ أي: بأن هؤلاء .. إلخ، فهو بتقدير الباء صلةُ الدعاء، كما يقال: دعا بهذا الدعاء، وفيه اختصار، كأنه قيل: إن هؤلاء قومٌ مجرمون تناهى أمرهم في الكفر وأنت أعلم بهم، فافعل بهم ما يستحقُّونه. قيل: كان دعاؤه عليه السلام: اللَّهمَّ عجِّل لهم ما يستحقُّون بإجرامهم، وقيل: قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴾ [يونس: ٨٥-٨٨] وإنما ذكر الله سبحانه السببَ الذي يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ اَلْعَذَابَ ثَلَا استوجبوا به الهلاك ليعلم منه دعاؤه والإجابة معاً، وأن دعاءه كان على يأسٍ من إيمانهم، وهذا من بليغ اختصارات الكتاب المُعجز. (١) البحر المحيط ٣٥/٨. (٢) ٨/ ٣٥. (٣) التيسير ص٤١- ٤٢، والنشر ١٦/٢. وقرأ بها أبو جعفر وخلف. سُورَةُ اللّخَانِ ٤٦٦ الآية : ٢٣ - ٢٤ وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والحسن - في رواية - وزيد بن عليٍّ بكسر همزة (أنَّ)(١)، وخُرِّج على إضمار القول، أي: قائلاً: إنَّ هؤلاء .. إلخ. ﴿فَأَسَرِ بِبَادِى﴾ وهم بنو إسرائيل ومَن آمن به من القبط ﴿لّلًا﴾ بقطع من الليل، والكلام بإضمار القول؛ إما بعد الفاء، أي: فقال: أَسْرٍ .. إلخ، فالفاء للتعقيب والترتيب، والقولُ معطوف على ما قبله. أو قبلها، كأنه قيل: قال، أو فقال: إن كان الأمر كما تقول: فأسر .. إلخ، فالفاء واقعةٌ في جواب شرط مقدَّر، وهو وجوابه مقولُ القول المُقدَّر مع الفاء أو بدونها على أنه استئنافٌ. والإضمار الأول أولى لقلَّة التقدير، مع أنَّ تقدير ((إنْ)) لا يناسب، إذ لا شكَّ فيه تحقيقاً ولا تنزيلاً، وجعلها بمعنى ((إذا)» تكلُّفٌ على تكلُّف. وأبو حيان(٢) لا يُجيز حذفَ الشرط وإبقاء جوابه في مثل هذا الموضع، وقد شنَّع على الزمخشري في تجويزه(٣). وقرأ نافع وابن كثير: ((فاسر)» بوصل الهمزة (٤)، مِن سَری. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٣) يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم، فالجملة مستأنفة لتعليل الأمر بالسُّرَى ليلاً، ليتأخّر العلم به فلا يُدرَكون، والتأكيد لتقدُّم ما يلوح بالخبر. ﴿وَآَتْرَاءِ الْبَحْرَ رَهْوًّا﴾ أي: ساكناً كما قال ابن عباس. يقال: رها البحرُ يَرُهُو رَهْواً: سكن، ويقال: جاءت الخيلُ رهواً، أي: ساكنة، قال الشاعر: والخيلَ تمزعُ رهواً في أَعِنَّتها كالطير تنجو من الشُّؤْبوب ذي البَرَدِ (٥) ويقال: افعل ذلك رهواً، أي: ساكناً على هينة، وأنشد غيرُ واحد للقطاميِّ في نعت الركاب: (١) القراءات الشاذة ص ١٣٧ . (٢) البحر المحيط ٣٥/٨. (٣) الكشاف ٥٠٢/٣. (٤) وهي قراءة أبي جعفر أيضاً. التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢. (٥) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٤، وتفسير القرطبي ١١٥/١٩، والبحر ٣١/٨. ورواية الديوان: غرباً، بدل: رهواً. والغَرْب: الفرس الكثير الجري. وتمزع، أي: تُسرع. والشُّؤبوب: الدّفعة من المطر. القاموس (غرب) و(مزع) و(شأب). الآية : ٢٤ ٤٦٧ سُورَةُ الدّخَان يَمشينَ رَهْواً فلا الأعجازُ خاذلةٌ ولا الصدورُ على الأعجاز تَتَّكِلُ(١) والظاهرُ أنه مصدرٌ في الأصل يُؤَوَّل باسم الفاعل. وجُوِّز أن يكون بمعنى الساكن حقيقةً. وعن مجاهد: رهواً، أي: منفرجاً مفتوحاً. قال أبو عُبيدة(٢): رَهَا الرجلُ يَرَهُو رَهْواً: فتح بين رجليه. وعن بعض العرب أنه رأى جملاً فالجاً، أي: ذا سنامين، فقال: سبحان الله تعالى رهو بين سنامين! قالوا: أراد: فرجة واسعة. والظاهر أيضاً أنه مصدر مُؤَوَّل، أو فيه مضاف مقدَّر، أي: ذا فرجة. قال قتادة: أراد موسى عليه السلام بعد أن جاوز البحر هو ومن معه أن يضربه بعصاه حتى يلتئم كما ضربه أولاً فانفلق، لئلا يتبعه فرعون وجنوده، فأمر بأن يتركه رهواً. أي: مفتوحاً منفرجاً، أو ساكناً على هيئته، قارًّا على حاله من انتصاب الماء وكون الطريق يَبَساً، ولا يضربه بعصاه، ولا يُغير منه شيئاً، ليدخُلَه القِبط فإذا فھو حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَفُونَ تعليلٌ للأمر بتركه رهواً. وقيل: ((رهواً): سهلاً. وقيل: يابساً. وقيل: جدداً. وقيل غيرُ ذلك. والكلُّ بيانٌ لحاصل المعنى، وزعم الراغب(٣) أن الصحيح أنَّ الرهوَ السعةُ من الطريق، ثم قال: ومنه الرهاء: المفازة المستوية، ويقال لكلِّ جَوْبَة مستوية يجتمع فيها الماء: رهو، ومنه قيل: لا شفعة في رهو (٤). والحقُّ أن ما ذكره من جملة إطلاقاته، وأما أنه الصحیح فلا . وقرئ: (أنهم)) بالفتح(٥)، أي: لأنهم. (١) ديوان القطامي ص٢٦. (٢) كما في البحر ٣١/٨، والدر المصون ٩/ ٦٢٢. (٣) في مفردات ألفاظ القرآن (رهو). (٤) مأخوذ من حديث أورده أبو عبيد في غريب الحديث ١٢١/٣ عن النبيِّ ◌َظهر أنه قضى أن لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهو. (٥) الكشاف ٣/ ٥٠٣ . سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٦٨ الآية : ٢٥ - ٢٧ ) وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ ٢٥ ﴿كَمْ تَرَّكُواْ﴾ أي: كثيراً تركوا بمصر ﴿مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ( حسن شريف في بابه، وأُريد بذلك كما رُوي عن قتادة المواضع الحسان من المجالس والمساكن وغيرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابنُ مردويه عن جابر، أنه أريد به المنابر(١). وروي ذلك عن مجاهد وابن جُبير أيضاً. وقيل: السرر في الحجال. والأولُ أولى. وقرأ ابن هرمز وقتادة وابن السَّمَيْفَع ونافع في روايةٍ خارجةَ: ((مُقَام)) بضمِّ الميم(٢). ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ أي: تنعم. قال الراغب: النَّعمة بالفتح التنقُّم، وبناؤها بناء المَرة من الفعل، كالضَّربة والشَّتمة، والنِّعمة بالكسر الحالة الحسنة، وبناؤها بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان، كالجِلْسة والرِّكبة، وتقال للجنس الصادق بالقليل والكثير(٣). واختير هاهنا تفسير النعمة بالشيء المنعم به لأنه أنسبُ للترك، وهي كثيراً ما تكون بهذا المعنى. وقرأ أبو رجاء: ((ونعمةً)) بالنصب(٤)، وخُرِّج بالعطف على ((كم)). وقيل: هي معطوفة على محلٌّ ما قبلها، كأنه قيل: كم تركوا جناتٍ وعيوناً وزرعاً ومقاماً كريماً ونعمة . ﴿كَانُواْ فِيَهَا فَكِينَ (٧)﴾ طيبي الأنفس وأصحاب فاكهة، فَفَاكِه، كـ : لابِن، وتامر. وقال القشيري: لاهين. وقرأ الحسن وأبو رجاء: ((فَكِهين)) بغير ألف(٥)، والفَكِه يستعمل كثيراً في المُستخفّ المستهزئ؛ فالمعنى: مُستخِفِّين بشكر النعمة التي كانوا فيها. وقال الجوهريُّ: فَكِهَ الرجلُ - بالكسر - فهو فَكِهٌ، إذا كان مزَّاحاً، والفَكِه أيضاً الأَشِرُ(٦). (١) الدر المنثور ٣٠/٦. (٢) البحر المحيط ٣٦/٨، وهي غير المشهورة عن نافع. (٣) مفردات ألفاظ القرآن (نعم). (٤) البحر المحيط ٣٦/٨. (٥) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. النشر ٢/ ٣٥٤. (٦) الصحاح (فكه). الآية : ٢٨ ٤٦٩ سُورَةُ الدّخَّانِ كَذَلِكٌ﴾ قال الزجاج(١): المعنى: الأمر كذلك، والمراد التأكيدُ والتقرير، فيوقف على ((كذلك))، فالكاف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، أو الجارّ والمجرور كذلك. وقيل: الكاف في موضع نصب، أي: نفعل فعلاً كذلك لمن نريد إهلاكَه. وقول الكلبي: أي: كذلك أفعل بمن عصاني، ظاهر فيما ذكر. وقال الزمخشري(٢): الكاف منصوبة على معنى: مِثْلَ ذلك الإخراج - أي: المفهوم مما تقدَّم - أخرجناهم منها . عطف على ((تركوا))، والجملة معترضة فيما عدا وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ القول الأخير، وعلى ((أخرجناهم فيه)). وقيل: الكاف منصوبة على معنى: تركوا تركاً مثل ذلك، فالعطف على ((تركوا)) بدون اعتراض، وهو كما ترى. والمراد بالقوم الآخرين بنو إسرائيل، وهم مُغايرون للقبط جنساً وديناً، ويُفسِّر ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الآية: ٥٩] وهو ظاهرٌ في أن بني إسرائيل رَجَعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وملكوها، وبه قال الحسن. وقيل: المراد بهم غير بني إسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك القبط، وإليه ذهب قتادة، قال: لم يُرْوَ في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رَجَعوا إلى مصر، ولا أنهم ملكوها قطّ. وأَوِّلَ ما في سورة الشعراء بأنه من باب: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِةٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقولِك: عندي درهمٌ ونصفُه، فليس المرادُ خصوص ما ترکوه، بل نوعه وما يُشبهه. والإيراث: الإعطاء. وقيل: المراد من إيراثها إياهم تمكينهم من التصرُّف فيها، ولا يتوقّف ذلك على رجوعهم إلى مصر كما كانوا فيها أولاً . وأخذ جمعٌ بقول الحسن وقالوا: لا اعتبار بالتواريخ، وكذا الكتب التي بيد اليهود اليوم؛ لِمَا أن الكذبَ فيها كثير، وحسبنا كتاب الله تعالى، وهو سبحانه أصدقُ القائلين، وكتابه جلَّ وعلا مأمون من تحريف المُحرِّفین. (١) في معاني القرآن ٤٢٦/٤. (٢) في الكشاف ٥٠٣/٣. سُورَةُ الدَّخَّانِ ٤٧٠ الآية : ٢٩ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم. وهو استعارةٌ تمثيلية تخييلية، شُبِّه حالَ موتهم لشدَّته وعظمته بحال من تبكي عليه السماء والأجرام العظام، وأثبت له ذلك، والنفي تابع للإثبات في التجوُّز كما حقّق في موضعه. وقيل: هي استعارة مكنية تخييلية؛ بأن شبه السماء والأرض بالإنسان وأسند إليهما البكاء، أو تمثيلية بأن شبّه حالهما في عدم تغير حالهما وبقائهما على ما كانا عليه بحال من لم يبكِ. وليس بشيء كما لا يخفى على من راجع كلامهم. وقد كثر في التعظيم لمهلك الشخص: بكت عليه السماء والأرض، و: بكته الريح، ونحو ذلك، قال يزيد بن مُفرِّغ: الريحُ تَبكي شَجْوَه والبرقُ يلمع في غَمَامَهُ(١) وقال النابغة : بكى حارثُ الجولانِ مِن فَقْدِ ربِّه وحورانُ منه خاشعٌ متضائلٌ(٢) أراد بهما مكانين معروفين، وقال جرير: سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعِ(٣) لمَّا أتى خبرُ الزبير تواضَعَتْ وقال الفرزدق يرثي أميرَ المؤمنين عمر بن عبد العزيز: الشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفةٍ تبكي عليك نجومَ الليل والقمرا (٤) يتعجَّب من طلوع الشمس وكان من حقِّها أن لا تطلع، أو تطلعَ كاسفة، والنجوم تُروى منصوبةً ومرفوعة، فالنصب على المغالبة، أي: تغلب الشمسُ النجوم في البکاء نحو: باکیته فبکیته. (١) ديوان يزيد بن مفرِّغ ص ١٤٣، وروايته: فالريح تبكي شجوها ... والبرق يضحك في الغمامة. (٢) ديوان النابغة ص٩١، وفيه: موحش، بدل: خاشع. (٣) ديوان جرير ٩١٣/٢، وسلف ١٩٣/١٦. .(٤) البيت لجرير، وليس للفرزدق، وهو في ديوان جرير ٧٣٦/٢، وروايته: فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... ، وهو برواية المصنف في الكامل ٨٣٣/٢، والعقد الفريد ٩٦/١. الآية : ٢٩ ٤٧١ سُورَةُ الدُّخَان قال جار الله: كان رَُّه يتهجَّد بالليل فتبكيه النجوم، ويعدِلُ بالنهار فتبكيه الشمسُ، والشمس غالبةٌ في البكاء؛ لأن العدلَ أفضلُ من صلاة الليل. والجوهري(١) جعلها منصوبةً بكاسفة، أي: لا تكسف ضوءَ النجوم لِكَثْرة بكائها، وكأنه جعل خَفاءَ النجوم تحت ضوء الشمس كسفاً لها مجازاً. وفيه أن الكسف بالمعنى المذكور غيرُ واضح، وتخلُّل: تبكي، غيرُ مُسْتَفْصَحٍ. وفي (حواشي الصحاح): الشمس كاسفة ليست بطالعة(٢). وفيها أن نجومَ الليل ظرفٌ، أي: طول الدهر، كأنه من باب: آتيك الشمسَ والقمرَ، أي: وقتهما، كأنه قيل: تبكي ما يطلع النجوم والقمر، وفيه أنَّ مثل هذا الظرف مسموعٌ لا يثبت إلا بثبت، فكيف يعدل إليه مع المعنى الواضح؟! وقيل: التقدير: تبكي بكاءَ النجوم، فحذف المضاف. وفيه أنه مما لا يكاد يُفهم. والرفع واضح، والقمر منصوبٌ على أنه مفعول معه. وهذا استطرادٌ دعانا إليه شهرةُ البيت مع كثرة الخبط فيه. وأخرج الترمذي وجماعة عن أنس قال: قال: رسول الله وَل ـ: ((ما من عبد إلا وله في السماء بابان؛ بابٌ يصعدُ منه عَمَلُه، وبابٌ ينزلُ منه رزقُه، فالمؤمن إذا مات فقداه وبكيا عليه)) وتلا هذه الآية: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ)(٣). وذُكر أنهم لم يكونوا يعملون على وجه الأرض عملاً صالحاً، فتفقدَهم فتبكي عليهم، ولم يَصْعَدْ لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلامٌ طَيِّب، ولا عملٌ صالح، فتفقدهم فتبكي عليهم. وأخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) والحاكم وصحَّحه وغيرهما عن ابن عباس (١) الصحاح (كسف). (٢) وهي رواية الديوان، وقد أشرنا إليها عند تخريج البيت. (٣) الدر المنثور ٣٠/٦، وسنن الترمذي (٣٢٥٥) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي (وهما من رجال الإسناد) يُضَعَّفان في الحديث. سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٧٢ الآية : ٣٠ - ٣١ قال: إنَّ الأرضَ لَتبكي على المؤمن أربعين صباحاً. ثم قرأ الآية (١). وأخرج ابن المنذر وغيره عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إنَّ المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، ثم تلا: (فَمَا بَكَتْ) إلخ(٢). وجعلوا كلّ ذلك من باب التمثيل. ومَن أَثْبَتَ - كالصوفية - للأجرام السماوية والأرضية وسائر الجمادات شعوراً لائقاً بحالها لم يَحْتَجْ إلى اعتبار التمثيل، وأثبت بكاءً حقيقيًّا لها حسبما تقتضيه ذاتها ويَليق بها، أو أوَّله بالحزن أو نحوه وأثبته لها حسب ذلك أيضاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء: بكاء السماء حمرةُ أطرافها(٣). وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن نحوه، وأخرج عن سفيان الثوري قال: كان يقال: هذه الحمرة التي تكون في السماء بكاءُ السماء على المؤمن(٤). ولعمري ينبغي لمن لم يضحك من ذلك أن يبكي على عقله. وأنا لا أعتقد أن مَن ذُكر من الأجلَّة كانوا يعتقدونه. وقيل: إنَّ الآيةَ على تقدير مضاف، أي: فما بكت عليهم سكانُ السماء - وهم الملائکة ۔ وسکان الأرض۔۔ وهم المؤمنون - بل کانوا بهلا کھم مسرورين. وروي هذا عن الحسن، والأحسن ما تقدَّم. ﴾﴾ مُمْهَلين إلى وقت آخر أو إلى ﴿وَمَا كَانُواْ﴾ لمَّا جاء وقت هلاكهم ﴿مُنظَرِينَ يوم القيامة، بل عجّل لهم في الدنيا. ﴿وَلَقَدْ نَجَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ بما فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ من استعباد فرعون وقتله أبناءهم واستحيائه نساءهم على الخسف والضيم. ١٣٠ ﴿مِن فِرْعَوْنٌ﴾ بدل من ((العذاب)) على حذف المضاف، والتقدير: من عذاب فرعون، أو جعله - عليه اللعنة - عين العذاب مبالغةً. وجُوِّز أن يتعلَّق بمحذوف يقع (١) الدر المنثور ٣١/٦، وشعب الإيمان (٣٢٩٠)، ومستدرك الحاكم ٤٤٩/٢. (٢) الدر المنثور ٣١/٦. (٣) الدر المنثور ٣١/٦، وتفسير الطبري ٤١/٢١ . (٤) الدر المنثور ٣١/٦. الآية : ٣٢ ٤٧٣ سُورَةُ الدُّخَّانِ حالاً، أي: كائناً من جهة فرعون، وقيل: متعلِّق بمحذوف واقع صفةً، أي: كائناً، أو الكائن من فرعون، ولا بأس بهذا إذا لم يُعدّ ذلك من حذف الموصول مع بعض صلته . وقرأ عبد الله: ((من عذاب المهين))(١) على إضافة الموصوف إلى صفته، كبقلة الحمقاء . وقرأ ابن عباس: ((مَنْ فرعونُ)) على الاستفهام(٢) لتهويل العذاب، أي: هل تعرفون مَنْ فرعون في عُتوّه وشيطنته، فما ظنكم بعذابه؟ !. وقيل: لتحقير فرعون بجعله غيرَ معلوم يُسْتفهم عنه كالنكرة، لِمَا فيه من القبائح التي لم يُعهد مثلها، وما بعدُ يناسب ما قبلُ كما لا يخفى. وأيًّا ما كان فالظاهر أن الجملة استئنافٌ. وقيل: إنها مقولُ قولٍ مقدَّرٍ هو صفةٌ للعذاب، وقدّر ((المقول)) عنده إن كان تعريف العذاب للعهد، و((مقول)) إن كان للجنس فلا تغفل. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ متكبراً ﴿مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾﴾ في الشَّرِّ والفساد. والجارُّ والمجرور إما خبر ثانٍ لـ ((كان))، أي: كان متكبِّراً مُغرِقاً في الإسراف، وإما حال من الضمير المستتر في ((عالياً))، أي: كان متكبّراً في حال إغراقه في الإسراف. ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ﴾ أي: اصطفينا بني إسرائيل وشرَّفناهم ﴿عَلَى عِلٍّ﴾ أي: عالمين باستحقاقهم ذلك، أو: مع عِلْم منَّا بما يفرط منهم في بعض الأحوال. وقيل: عالمين بما يصدر منهم من العدل والإحسان والعلم والإيمان. ويرجع هذا إلى ما قيل أولاً، فإن العدلَ وما معه من أسباب الاستحقاق. وقيل: لأجل علم فيهم، وتُعقِّب بأنه ركيكٌ؛ لأنَّ تنكيرَ العلم لا يُصادف محزَّه. وأُجيب بأنه للتعظيم ويحسن اعتباره علَّة للاختيار. ﴾ أي: عالَمي زمانهم، كما قال مجاهد وقتادة، فالتعريف ﴿عَلَى الْعَلَمِينَ (َا للعهد، أو الاستغراق العرفي، فلا يلزم تفضيلهم على أمة محمد ◌َله الذين هم خيرُ أمةٍ أخرجت للناس على الإطلاق. وجُوِّز أن يكون للاستغراق الحقيقي، والتفضيل (١) القراءات الشاذة ص١٣٨ . (٢) الكشاف ٥٠٤/٣. سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٧٤ الآية : ٣٣ - ٣٥ باعتبار كثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم، لا من كلِّ الوجوه حتى يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية. وقيل: المراد: اخترناهم للإنجاء(١) على الوجه الذي وقع، وخَصصناهم به دون العالمين. وليس بشيء. ومما ذكرنا يُعلم أنه ليس في الآية تعلُّق حرفَي جرِّ بمعنَى بمتعلَّقٍ واحد، لأنَّ الأول متعلِّق بمحذوف وقع حالاً، والثاني متعلِّق بالفعل، كقوله: عليَّ وآلَتْ حَلْفةً لم تحلَّل(٢) ويوماً على ظَهْر الكثیبِ تعذّرتْ وقيل: لأن كلَّ حرف بمعنى. ﴿وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ﴾ كـ: فَلْق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المَنِّ والسلوى، وغيرها من عظائم الآيات التي لم يُعهد مثلها في غيرهم، وبعضُها وإن أُوتيها موسى عليه السلام يَصْدُقُ عليه أنهم أُوتوه، لأنَّ ما للنبيِّ لأُمَّته. ﴿مَا فِيهِ بَلَتُؤْ مُّبِينٌ ﴾﴾ أي: نعمة ظاهرة أو اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون. وفي ((فيه)) إشارةٌ إلى أن هناك أموراً أُخرى، ككونه معجزة. ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ كفار قريش؛ لأنَّ الكلامَ فيهم، وذكرُ قصة فرعون وقومه استطراديٌّ للدلالةِ على أنهم مِثْلُهم في الإصرار على الضلالة، والإنذارِ عن مثل ما حلَّ بهم، وفي اسم الإشارة تحقيرٌ لهم ﴿لَيَقُولُونَ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَ﴾ أي: ما العاقبةُ ونهايةُ الأمر إلا الموتةُ الأولى المُزيلة للحياة الدنيوية. ﴿َوَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أي: بمبعوثين بعدها، وتوصيفُها بالأولى ليس لقصد مقابلة الثانية، كما في قولك: حجَّ زيدٌ الحجَّةَ الأُولى، ومات. قال الإسنوي في (التمهيد))(٣): الأول في اللغة: ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان وقد لا يكون، (١) في (م): للإيحاء. (٢) البيت لامرئ القيس من معلقته، وهو في ديوانه ص١٢ . (٣) كذا ذكر الشهاب في حاشيته ٨/ ١٠، وعنه نقل المصنف، وكلام الإسنوي في كتابه الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية ص٢٤٩. الآية : ٣٥ ٤٧٥ سُورَةُ الدُّخَانِ كما تقول: هذا أولُ ما اكتسبته، فقد تكتسب بعده شيئاً وقد لا تكتسب، كذا ذكره جماعة منهم الواحدي في ((تفسيره)) والزجاج(١). ومن فروع المسألة ما لو قال: إن كان أول ولد تَلدينه ذكراً فأنت طالق، تطلق إذا ولدته، وإن لم تَلِدْ غيره بالاتفاق. قال أبو عليٍّ: اتفقوا على أنه ليس من شرط كونه أولاً أن يكون بعده آخر، وإنما الشرط أن لا يتقدَّم عليه غيره. اهـ. ومنه يعلم ما في قول بعضهم: إن الأول يضايف الآخر والثاني، ويقتضي وجودَه بلا شبهة، والمثال إنْ صحَّ فإنما هو فيمن نوى تعدُّد الحجِّ فاخترمَتْه المنية فَلِحَجِّه ثانٍ باعتبار العزم = من قصور الاطلاع، وأنه لا حاجة إلى أن يقال: إنها أُولى بالنسبة إلى ما بعدها من حياة الآخرة، بل هو في حدِّ ذاته غير مقبول لِمَا قال ابن المُنير من أن الأولى إنما يقابلها أُخرى تُشاركها في أخصِّ معانيها، فكما لا يصحُّ - أو: لا يحسن - أن يقال: جاءني رجلٌ وامرأة أُخرى، لا يقال: الموتة الأولى بالنسبة لحياة الآخرة(٢). وقيل: إنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقَّبها حياة كما تقدَّمتكم موتة قد تعقَّبتها حياة، وذلك قوله عز وجل: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فقالوا: ((إن هي إلا موتتُنا الأولى)) يريدون: ما الموتة التي من شأنها أن تتعقَّبها حياة إلا الموتة الأولى دون الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتةَ من تعقُّب الحياة لها إلا للموتة الأُولى خاصة، وهذا ما ارتضاه جار الله(٣)، وأراد أن النفي والإثبات لمَّا كان لردِّ المُنكِر المُصِرِّ إلى الصواب كان منزلاً على إنكارهم، لا سيما والتعريف في الأُولى تعريف عهد، وقوله تعالى: ﴿اَلْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] تفسير للمبهم، وهي على نحو: هي العرب تقول كذا، فيتطابقان، والمعهود الموتة التي تعقَّبتها الحياة الدنيوية، ولذلك استشهد بقوله تعالى: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا) إلخ، فليس اعتبار الوصف عُدولاً عن الظاهر من غير حاجة، كما قال ابن المُنيِّر. (١) كما في حاشية الشهاب ٨/ ١٠. (٢) ينظر الانتصاف (بحاشية الكشاف) ٥٠٥/٣، وحاشية الشهاب ١٠/٨، والكلام منه. (٣) الكشاف ٥٠٥/٣. سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٧٦ الآية : ٣٦ - ٣٧ وقوله في الاعتراض أيضاً: إن الموت السابق على الحياة الدنيوية لا يُعبَّر عنه بالمَوْتة؛ لأن فيها - لمكان بناء المرَّة - إشعاراً بالتجدُّد، والموتُ السابق مستصحبٌ لم تتقدَّمه حياة(١) = مدفوع، كما قال صاحب ((الكشف)). ثم إنه لا يلزم من تفسير الموتة الأُولى بما بعد الحياة في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةً الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] تفسيرها بذلك هنا؛ لأن إيقاع الذوق عليها هناك قرينة أنها التي بعد الحياة الدنيا؛ لأن ما قبل الحياة غير مذوق. ومع هذا كلِّه الإنصافُ أن حمل الموتة الأولى هنا أيضاً على التي بعد الحياة الدنيا أظهرُ من حملها على ما قبلَ الحياة من العدم، بل هي المُتبادرةُ إلى الفَهم عند الإطلاق، المعروفةُ بينهم، وأمرُ الوصف بالأُولى على ما سمعت أولاً . وقيل: إنهم وُعدوا بعد هذه الموتة موتة القبر وحياة البعث، فقوله تعالى عنهم: ((إن هي إلا موتتنا الأولى)) ردٌّ للموتة الثانية، وفي قوله سبحانه: ((وما نحن بمنشرين)) نفي لحياة القبر ضمناً، إذ لو كانت بدون الموتة الثانية لَثبت النشر ضرورة. ﴿فَأَتُوْ بِشَابَآيَنَا﴾ خطابٌ لمن وعدهم بالنشور من الرسول وَّه والمؤمنين، أي: فأتوا لنا بمن مات من آبائنا ﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ في وعدكم، ليدلَّ ذلك على صدقكم، ودلالة الإيقان إما لمجرَّد الإحياء بعد الموت، وإما بأن يسألوا عنه. قيل: طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعوَ الله تعالى فيحيي لهم قصي بنَ كلاب لِيشاوروه في صحَّة النبوّة والبعث؛ إذ كان كبيرَهم ومستشارَهم في النوازل. ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾ في القوَّة والمَنَعة ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ﴾ هو تُبَّع الأكبر الحِميري، واسمه: أسعدُ، بهمزة، وفي بعض الكتب: سعد، بدونها، وكنيته: أبو کرب، وكان رجلاً صالحاً. أخرج الحاكم وصحَّحه عن عائشة قالت: كان تُبَّع رجلاً صالحاً، ألا ترى أن الله تعالى ذمَّ قومَه ولم يَذُمَّه(٢). وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس: لا يشتبهنَّ عليكم أمرُ تُبَّع، فإنه كان مسلماً (٣). (١) الانتصاف ٣/ ٥٠٥. (٢) الدر المنثور ٣١/٦، والمستدرك ٤٥٠/٢. (٣) الدر المنثور ٣١/٦، وتاريخ مدينة دمشق ٦/١١. الآية : ٣٧ ٤٧٧ سُورَةُ الدُّخَانِ وأخرج أحمد والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله وَله: ((لا تَسُبُّوا تُبَّعاً؛ فإنه كان قد أسلم))(١). وأخرج ابن عساكر(٢) وابن المنذر عن ابن عباس قال: سألت كعباً عن تُبَّع، فإني أسمع اللهَ تعالى يذكر في القرآن قومَ تُبَّع ولا يذكر تُبَّعاً؟! فقال: إن تُبَّعاً كان رجلاً من أهل اليمن ملكاً منصوراً، فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند، فَرَجَعَ فأخذ طريقَ الشام، فأَسرَ بها أحباراً فانطَلَق بهم نحو اليمن حتى إذا دنا من مكة (٣) طار في الناس أنه هادم الكعبة، فقال له الأحبار: ما هذا الذي تُحدِّث به نفسك، فإن هذا البيت لله تعالى وإنك لن تُسلَّط عليه. فقال: إن هذا لله تعالى، وأنا أحقُّ من حرَّمه، فأسلم من مكانه وأحرم فدخلها محرماً، فقضى نُسكه ثم انصرف نحو اليمن راجعاً حتى قَدِمَ على قومه، فدخل عليه أشرافهم فقالوا: يا تُبَّع أنت سيِّدُنا وابن سيِّدِنا، خرجتَ من عندنا على دينٍ، وجئتَ على غيره، فاختر منَّا أحد أمرين؛ إما أن تُخلّينا ومُلكَنا وتعبد ما شئتَ، وإما أن تَذَرَ دينك الذي أحدثتَ. وبينهم يومئذ نارٌ تنزِلُ من السماء، فقال الأحبار عند ذلك: اجعل بينكَ وبينهم النار. فتواعدَ القومُ جميعاً على أن يجعلوها بينهم، فجيء بالأحبار وكتبهم، وجيء بالأصنام وعُمَّارها، وقَدِموا جميعاً إلى النار، وقامت الرجالُ خلفهم بالسيوف، فهدرت النارُ هديرَ الرعد، ورمَتْ شعاعاً لها، فنكص أصحاب الأصنام وأقبلت النار فأحرقت الأصنام وعُمَّرها، وسَلِمَ الآخرون، فأسلم قومٌ واستسلم قومٌ، فلبثوا بعد ذلك عُمرَ تُبَّع، حتى إذا نزل بِتُبَّع الموت استخلف أخاه، وهلك، فقتلوا أخاه وكفروا صفقة واحدة. وفي رواية عن ابن عباس: أن تُبَّعاً لما أقبل من الشرق بعد أن حيَّر الحِيْرة، أي: بناها ونظم أمرها - وهي بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة، مدينة بقرب (١) الدر المنثور ٣١/٦، ومسند أحمد (٢٢٨٨٠)، ومعجم الطبراني الكبير (٦٠١٣). قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٤٨: فيه ابن لهيعة عن عمرو بن جابر، وهما ضعيفان. اهـ. وينظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية. (٢) تاريخ دمشق ٨/١١، والكلام من الدر المنثور ٣١/٦-٣٢. (٣) في الأصل و(م) والدر المنثور: ملكه، والمثبت من تاريخ دمشق، وهو أوجه. سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٧٨ الآية : ٣٧ الكوفة - وبنى سمرقند، وهي مدينة بالعجم معروفة، وقيل: إنه هدمها، وقصد المدينةَ، وكان قد خلَّف بها حين سافر ابناً له فَقُتِلَ غِيلة، فأجمع على خرابها واستئصال أهلها، فجمع له الأنصار وخرجوا لقتاله، وكانوا يُقاتلونه بالنهار ويُقرونه بالليل، فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرامٌ. فبينما هو على ذلك إذ جاءه كعب وأسد ابنا عَمٍّ من قُريظة حِبْران، وأخبراه أنه يُحال بينك وبين ما تُريد، فإنها مُهاجَرُ نبيٍّ من قريش اسمه: محمد بَّ، ومولده بمكة، فثناه قولُهما عمَّا يُريد، ثم دَعَواه إلى دينهما فاتَّبعهما وأكرمهما، فانصرفوا عن المدينة ومعهم نفرٌ من اليهود، فقال له في الطريق نفر من هُذيل: نَدُلَّك على بيت فيه كنزٌ من لؤلؤ وزبرجد وذهب وفضَّة بمكة، وأرادت هُذيل هلاكه؛ لأنهم عرفوا أنه ما أراده أحدٌ بسوء إلا هلك، فذكر ذلك للحِبْرين فقالا: ما نعلم الله عز وجل بيتاً في الأرض اتَّخذه لنفسه غيرَ هذا، فاتَّخِذْه مسجداً وانسك عنده واحلق رأسَك، وما أراد القومُ إلا هلاكك. فأكرمه وكساه، وهو أول من كسى البيت، وقطع أيدي أولئك النَّفر من هُذيل وأرجلهم وسَمَلَ أعينهم وصَلَبهم(١). وفي رواية أنه قال للحِبْرين حين قالا له ما قالا: وأنتما ما يمنعكما من ذلك؟ فقالا: أما والله إنه لبيتُ أبينا إبراهيم عليه السلام، وإنه لَكَما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء التي يريقونها عنده، وهم نجسٌ أهلُ شرك، فعرف صِدْقَهما ونُصْحَهما، فطاف بالبيت ونحر وحلق رأسه، وأقام بمكة ستةً أيام فيما يذكرون ينحر للناس ويُطعم أهلها ويسقيهم العسل. وقيل: إنه أراد تخريبَ البيت، فُرُميَ بداء عظيم فكفَّ عنه وكساه. وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحاق أن تُبَّعاً أُري في منامه أن يكسو البيت، فكساه الخَصَف، ثم أُري أن يكسوه أحسنَ من ذلك، فكساه المَعَافر، ثم أُري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الوصائل وصائل اليمن، فكان - فيما ذُكر لي - أول من كساه، وأوصى بها ولاته من جُرْهُم وأَمَر بتطهيره، وجعل له باباً ومفتاحاً . (١) ذكر هذا الخبر أبو حيان في البحر المحيط ٣٩/٨، وهو مذكور في التيجان في ملوك حمير لابن هشام ص٣٠٥-٣٠٦، وما بعده مذكور فيه أيضاً. الآية : ٣٧ ٤٧٩ سُورَةُ الدّخَانِ وفي رواية أنه قال أيضاً: ولا تقربوه دماً ولا ميتاً ولا تَقْرَبْه حائض(١). وفي ((نهاية)) ابن الأثير في الحديث أن تُبَّعاً كسى البيتَ المُسوح، فانتفض البيتُ منه ومَزَّقه عن نفسه، ثم كساه الخَصَف فلم يقبله، ثم كساه الأنطاع(٢). وفي موضع آخر منها أن أول من كسى الكعبة كسوةً كاملةً تُبَّع، كساها الأنطاع، ثم كساها الوصائل(٣). والخَصَف؛ فَعَلٌ بمعنى مفعول من الخَصْف، وهو ضمُّ الشيء إلى الشيء، والمرادُ: شيء منسوجٌ من الخُوص على ما هو الظاهر. وقيل: أُريد به هاهنا الثياب الغِلاظ جدًّا تشبيهاً بالخصف المذكور. والمعَافر: بُرُود من اليمن منسوبة إلى معافر قبيلة بها، والميم زائدة. والوصائل: ثيابٌ حُمْر مُخطّطة يمانية. والمسوحُ، جمع مِسْح بكسر الميم وسكون المهملة: أثوابٌ من شعر غليظة. والأنطاع، جمع نِظْع بالكسر وبالفتح وبالتحريك: بُسُط من أَديم. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أُبيّ بن كعب قال: لما قَدِمَ تُبَّع المدينةَ ونزل بفنائها بَعَثَ إلى أحبار يهود فقال: إني مُخرِّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب. فقال له شامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم: أيُّها المَلِكُ إنَّ هذا بلدٌ يكون إليه مهاجَرُ نبيٍّ من بني إسماعيل مولده بمكة، اسمه: أحمد، وهذه دار هجرته. إلى أن قال: قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه لا يُيالي من لاقى حتى يظهر أمره. فقال تُبَّع: ما إلى هذا البلد من سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدي(٤). (١) الدر المنثور ٣٢/٦، وتاريخ دمشق ١٦/١١، وهو مذكور أيضاً في التيجان ص٣٠٦-٣٠٧. (٢) النهاية (خصف). (٣) النهاية (وصل). (٤) الدر المنثور ٣٢/٦، وفيه: شابور، بدل: شامول، والخبر في طبقات ابن سعد ١٥٩/١، وتاريخ دمشق ١ / ١٥٩. سُورَةُ الدُّخَّانِ ٤٨٠ الآية : ٣٧ وذكر أبو حاتم الرياشي أنه آمن بالنبيِّ وَّه قبل أن يبعث بسبع مئة سنة، وقيل: بينه وبين مولده عليه الصلاة والسلام ألف سنة. والقولان يَدُلَّان على أنه قبلَ مبعث عيسى عليه السلام. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لا تقولوا في تُبَّع إلا خيراً، فإنه قد حجّ البيت وآمن بما جاء به عيسى ابن مريم(١). وهو يدلُّ على أنه بعد مبعث عيسى عليه السلام، والأول أشهر. ومن حديث عبَّاد بن زياد المريِّ أنه لما أخبره اليهود أنه سيخرج نبيٌّ بمكة يكون قرارُه بهذا البلد - يعني المدينة - اسمه: أحمد، وأخبروه أنه لا يُدرِكه، قال للأوس والخزرج: أقيموا بهذا البلد، فإنْ خرج فيكم فوازٍروه، وإن لم يخرج فأَوصوا بذلك أولادكم، وقال في شعره: ـك يخرج حقًّا بأرض الحرم حُدِّثت أن رسول المَليـ لكنتُ وزيراً له وابنَ عم(٢) ولو مدَّ دهري إلى دهرِهِ وفي ((البحر))(٣) بدل البيت الأول: شهدتُ على أحمدٍ أنه رسولٌ من الله باري الشَّسم(٤) وفيه أيضاً رواية عن ابن إسحاق وغيره أنه كتب أيضاً كتاباً وكان فيه: أما بعد: فإني آمنتُ بك وبكتابك الذي أُنزل عليك، وأنا على دينكَ وسُنَّتك، وآمنتُ بربِّك وربِّ كلِّ شيء، وآمنت بكلِّ ما جاء من ربِّك من شرائع الإسلام، فإنْ أدركتُكَ فبها ونِعْمَتْ، وإن لم أُدركك فاشفع لي، ولا تنسني يومَ القيامة، فإني من أُمَّتك الأولين وتابعيك قبلَ مجيئك، وأنا على مِلَّتك ومِلَّة أبيك إبراهيم عليه السلام. ثم ختم الكتابَ ونقشَ عليه: لله الأمرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ. وكتب عنوانه: إلى محمد بن (١) الدر المنثور ٣١/٦. (٢) الدر المنثور ٣٢/٦، وتاريخ دمشق ١٨/١١-١٩. (٣) البحر المحيط ٣٨/٨. (٤) وذكره أيضاً هكذا ابن هشام في التيجان ص٣٠٨، وابن رشيق في العمدة ٢٢٦/٢.