Indexed OCR Text

Pages 341-360

الآية : ٤
٣٤١
سُؤَدَّةُ الْخْرُفِّ
دلَّ على المخلوقية فلا يدلُّ على أكثر من مخلوقية الكلام اللفظي، ولا نزاع فيها .
وأنت تعلم أنَّ الحنابلةَ يُنازعون في ذلك، ولهم عن الاستدلال أجوبةٌ مذكورة
في كُتبهم. وأخرج ابنُ مردويه عن طاوس قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس مِن
حضرموت فقال له: يا ابنَ عباس، أخبرني عن القرآن أكلامٌ من كلام الله تعالى أم
خلقٌ من خَلْق الله سبحانه؟ قال: بل كلامٌ من كلام الله تعالى، أَوَ ما سمعتَ الله
سبحانه يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ الَّهِ﴾ [التوبة: ٦]
فقال له الرجل: أفرأَيتَ قولَه تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَانَّا عَرَبِيًّا) قال: كتبه الله تعالى في
اللوح المحفوظ بالعربية، أما سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿بَلْ هُوَ قُرَُّانٌ تَجِدٌ ﴾ فِ لَوْچ
تَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ -٢٢] (١). فتأمل فيه.
﴿وَإِنَّهُ فِيَّ أُمِ اَلْكِتَبِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، على ما ذهب إليه جمعٌ، فإنه
أُمُّ الكتب السماوية، أي: أصلُها، لأنها كلَّها منقولةٌ منه، وقيل: ((أم الكتاب)»:
العلم الأزليُّ. وقيل: الآيات المحكمات، والضمير لـ ((حم)) أو للكتاب بمعنى
السورة، أي: إنها واقعةٌ في الآيات المُحكمات التي هي الأُمّ. وهو كما ترى.
وقرأ الأخَوان: ((إِ)) بكسر الهمزة لإتباع الميم، أو ((الكتاب)) فلا تكسر في عدم
الوصل(٢).
﴿لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا ﴿لَعَلِىّ﴾ رفيع الشأن بين الكُتب، لإعجازه واشتماله على
عظيم الأسرار ﴿حَكِيمُ ﴾﴾ ذو حِكمة بالغة، أو مُحْكَم لا ينسخه غيرُه، أو حاكم
على غيره من الكتب، وهما خبران لـ ((إنَّ). و((في أم الكتاب)) قيل: متعلق بـ ((عَلِيّ))
واللام لمَّا فارقَتْ محلَّها وتغيّرت عن أصلها بطلَتْ صدارتها فجاز تقديمُ ما في
حَيِّزها عليها، أو حالٌ منه لأنه صفةُ نكرةٍ تقدَّمَتْها، أو من ضميره المُستتر و((لدينا))
بدل من ((أم الكتاب)) وهما وإن كانا مُتغايرين بالنظر إلى المعنى متوافقان بالنظر إلى
الحاصل، أو حالٌ منه، أو من ((الكتاب))، فإن المضافَ في حكم الجزء لصحة
سُقوطه. ولعلَّ المختارَ كونُ الظرفين في موضع الخبر لمبتدأ محذوف، والجملة
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٣/٦.
(٢) التيسير ص٩٤، والنشر ٢٤٨/٢.

الآية : ٥
٣٤٢
مستأنفةٌ لبيان محلِّ الحُكم، كأنه قيل بعد بيان اتِّصافه بما ذكر من الوصفين
الجليلين: هذا في أُمِّ الكتاب ولدينا، ولم يُجوِّزوا كونهما في موضع الخبر لـ ((إنَّ)؛
لدخول اللام في غيرهما .
وأيَّاما كان فالجملة المؤكَّدة إما عطفٌ على الجملة المُقْسَم عليها داخلٌ في
حُكمها، وإما مستأنفةٌ مُقرِّرة لِعلوِّ شأن القرآن الذي أنبأ [عنه](١) الإقسامُ به على
منهاج الاعتراض في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ، لَقَسَرٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦].
وبعد ما بيَّن سبحانه عُلوَّ شأن القرآن العظيم وحقَّق جل وعلا أنَّ إنزاله على
لغتهم لِيعقلوه ويُؤمنوا به ويعملوا بموجبه، عقَّبَ سبحانه ذلك بإنكار أن يكون الأمر
بخلافه، فقال جل شأنه: ﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ أي: أَفْنُنحِّيه ونُبعِدُه عنكم،
على سبيل الاستعارة التمثيلية، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض. شبّه حال
الذِّكر وتَنْحيتهِ بحال غرائب الإبل وذَوْدِها عن الحوض إذا دخلَتْ مع غيرها عند
الورد، ثم استعمل ما كان في تلك القصة هاهنا، وفيه إشعارٌ باقتضاء الحِكمة توجُّهَ
الذِّكر إليهم وملازمته لهم كأنه يتهافَتُ عليهم، ولو جعل استعارةً في المفرد بجعل
التنحية ضرباً جاز، ومن ذلك قول طَرَفة:
إِضْرِبَ عنك الهمومَ طارقَها
ضَرْبَك بالسيف قَوْنسَ الفرس (٢)
وقول الحجَّاج في خطبته يُهدِّد أهلَ العراق: لأَضْرِبَنَّكم ضربَ غرائب الإبل.
و ((الذِّكر)) قيل: المراد به القرآن، ورُوي ذلك عن الضحاك وأبي صالح،
والكلام على تقدير مضاف، أي: إنزال الذِّكر، وفيه إقامة الظاهر مُقَامَ المُضمَر
تفخيماً. وقيل: بل هو ذكر العِباد بما فيه صلاحُهم، فهو بمعنى المصدر حقيقة،
وعن ابن عباس ومجاهد ما يقتضيه.
والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف يقتضيه على أحد الرأيين في مثل
هذا التركيب، أي: أَنُهملكم فَنجِّي الذِّكر عنكم.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٣٩/٨، والكلام منه.
(٢) ليس في ديوان طرفة، وهو في الخصائص ١٢٦/١، والخزانة ٤٥٠/١١.

الآية : ٥
٣٤٣
سُؤَدَّةُ الرَّحْرُق
وقال ابنُ الحاجب(١): الفاء لبيان أن ما قبلَها - وهو جعلُ القرآن عربيّاً - سببٌ
لِمَا بعدها، وهو إنكارُ أن يَضْرِبَ سبحانه الذِّكر عنهم.
﴿صَفْحًا﴾ أي: إعراضاً، وهو مصدر لِنَضْرِب من غير لفظه، فإنَّ تنحيةَ الذِّكر
إعراضٌ، فنصبه على أنه مفعول مطلق على نهج: قعدتُ جلوساً، كأنه قيل:
أَفنصفح عنكم صفحاً. أو هو منصوبٌ على أنه مفعولٌ له، أو حال مُؤَوَّل بصافحین
بمعنى مُعرضين، وأصلُ الصَّفح أن تُولِّي الشيءَ صفحَةَ عنقك. وقيل: إنه بمعنى
الجانب، فينتصب على الظرفية، أي: أفننحّيه عنكم جانباً، ويُؤْيِّده قراءةُ حسان بن
عبد الرحمن الضُّبَعي والسُّميط بن عُمير وشُبيل بن عَزْرة: ((صُفْحاً)) بضمِّ الصاد(٢)،
وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيفَ صُفُح - كـ : رُسُل - جمع صَفوح بمعنى صافحین،
وأبو حيان اختار أن يكون مفرداً بمعنى المفتوح كالسُّد والسَّد، وحكى عن ابن
عطية أن انتصابَ ((صفحاً)) على أنه مصدر مؤكّد لمضمون الجملة السابقة، فيكون
العامل فيه محذوفاً. ولا يخفى أنه لا يظهر ذلك(٣). وأيًّا ما كان فالمرادُ إنكار أن
يكون الأمرُ خلافَ ما ذُكر من إنزال كتاب على لُغتهم لِيفهموه.
﴿أَنْ ككُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾﴾ أي: لأَنْ كنتم منهمكين في الإسراف مُصرِّين
عليه، على معنى أنَّ الحِكمةَ تقتضي ذكركم وإنزال القرآن عليكم، فلا نترك ذلك
لأجل أنكم مُسرفون لا تلتفتون إليه، بل نفعل، الْتَّقَتُّم أَمْ لا .
وقيل: هو على معنى: إنَّ حالكم وإن اقتضى تَخْليتكم وشأنَكم حتى تموتوا
على الكُفر والضلالة وتبقوا في العذاب الخالد لكنَّنَا لِسَعَة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل
نَهديكم إلى الحقِّ بإرسال الرسول الأمين وإنزال الكتاب المبين.
(١) كما في حاشية الشهاب ٤٣٣/٧ .
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٤، والبحر المحيط ٦/٨. وحسان بن عبد الرحمن الضُّبعي تابعي،
قدم أصبهان مع أبي موسى عظُه، قال البخاري: حديثه مرسل. طبقات المحدثين بأصبهان
٣٢٠/١، والإصابة ٣٨/٣، والسُّميط بن عُمير، ويقال: ابن سُمير، السدوسي، البصري،
أبو عبد الله من الطبقة الثالثة. صدوق. وشُبيل بن عَزْرة الضبعي، أبو عمرو البصري
النحوي، صدوق يهم. من الطبقة الخامسة. قاله ابن حجر في تقريب التهذيب.
(٣) البحر المحيط ٨/ ٦، وكلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦/٥.

سُورَةُ الرَّحْزُقُ
٣٤٤
الآية : ٦ - ٨
وقرأ نافع والأخوان: ((إن كنتم)) بكسر الهمزة(١) على أن الجملة شرطية، و((إنْ))
وإن كانت تُستعمل للمشكوك وإسرافُهم أمرٌ مُحقَّق لكن جيء بها هنا بناءً على جعل
المُخاطب كأنه مُتردِّد في ثُبُوت الشرط شاٌّ فيه قصداً إلى نسبته إلى الجهل بارتكابه
الإسراف لتصويره بصورة ما يُفرض لوجوب انتفائه وعدم صدوره ممن يعقِلُ.
وقيل: لا حاجةً إلى هذا؛ لأن الشرط الإسراف في المستقبل، وهو ليس بمتحقِّق.
ورُدَّ بأنَّ ((إنْ)) الداخلة على ((كان)) لا تقلبه للاستقبال عند الأكثر، ولذا قيل:
(إن)) هنا بمعنى ((إذْ))، وأيِّد بأنَّ عليّ بن زيد قرأ به(٢)، وأنه يدلُّ على التعليل فتوافقُ
قراءةَ الفتح معنى، ولو سُلِّم فالظاهر من حال المُسرف المُصِرِّ على إسرافه بقاؤه
على ما هو عليه، فيكون محقَّقاً في المستقبل أيضاً على القول بأنها تقلبُ ((كان))
كغيرها من الأفعال.
وجواب الشرط محذوف ثقةً بدلالة ما قبلُ عليه. وجوّز أن يكون الشرط في
موقع الحال، أي: مفروضاً إسرافكم، على أنه من الكلام المُنصف، فلا يحتاج
إلى تقدير جواب. وتعقِّب بأنه إنما يتأتّى على القول بأنَّ ((إنْ)) الوصلية تَرِدُ في
كلامهم بدون الواو، والمعروفُ في العربية خلافُه.
وقوله عز وجل: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الْأَوَّلِينَ ﴿ وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيّ إِلَّا كَانُواْ
تقريرٌ لما قبلَه ببيان أنَّ إسرافَ الأُمم السالفة لم يمنعه تعالى من
بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ [®
إرسال الأنبياء إليهم، وتسليةٌ لرسول الله وَّر عن استهزاء قومه به عليه الصلاة
والسلام، فقد قيل: البَليَّةُ إذا عَمَّت طابَتْ.
و(كم) مفعولُ (أرسلنا))، و(في الأولين)» مُتعلِّق به، أو صفة ((نبي))،
و (ما يأتيهم)) إلخ للاستمرار، وضميره لـ ((الأولين)).
وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ نوعٌ آخرُ من التسلية له وَّ، وضمير
(منهم)) يرجِعُ إلى المسرفين المُخاطَبين لا إلى ما يرجِعُ إليه ضمير ((ما يأتيهم))؛
(١) التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٨/٢، وقرأ بها من العشرة أبو جعفر وخلف.
(٢) البحر ٦/٨.

الآية : ٩
٣٤٥
سُؤَدَّةُ الرَّحْزُقّ
لقوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: سلف في القرآن غيرَ مرَّة ذِكْرُ قصتهم
التي حقُّها أنْ تسيرَ مسيرَ المَثَل، ونصب ((بطشاً)) على التمييز، وجُوِّز كونه على
الحال من فاعل ((أهلكنا)) أي: باطشين، والأول أحسنُ، ووصف أولئك بالأشدِّيَّة
لإثبات حُكمهم لهؤلاء بطريق الأولويَّةِ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ عطفٌ على الخطاب السابق، والآيتان - أعني قوله تعالى: ((وكم
أرسلنا)» - اعتراضٌ لإفادة التقرير والتسلية كما سمعت. والمرادُ: ولئن سألتهم مَنْ
خلقَ العالمَ لَيُسْنِدُنَّ خَلْقَه إلى من هو مُتَّصفٌ بهذه الصفات في نفس الأمر، لا أنهم
يقولون هذه الألفاظَ ويصفونه تعالى بما ذكر من الصفات، ذكره الزمخشري (١) فيما
نُسب إليه، وهذا حسن، وله نظيرٌ عرفاً، وهو أنَّ واحداً لو أخبرك أن الشيخ قال
كذا، وعنى بالشيخ شمسَ الأئمة، ثم لقيت شمسَ الأئمة فقلت: إنَّ فلاناً أخبرني
أنَّ شمسَ الأئمة قال كذا، مع أنَّ فلاناً لم يَجرِ على لسانه إلا الشيخ، ولكنك تذكُر
ألقابه وأوصافه، فكذا هاهنا الكفار يقولون: خلقهنَّ الله، لا يُنكرون، ثم إن الله عز
وجل ذكر صفاته أي: إن الله تعالى الذي يُحيلون عليه خَلْقَ السماوات والأرض من
صفته سبحانه كيت وكيت.
وقال ابن المُنَيِّر: إن ((العزيز العليم)) من كلام المسؤولين، وما بعدُ من كلامه
سبحانه(٢).
وفي ((الكشف)): لا فرق بين ذلك الوجه وهذا في الحاصل، فإنه حكايةُ كلام
عنهم متصلٍ به كلامه تعالى على أنه من تتمته وإن لم يكن قد تفوَّهوا به، وهذا
كما يقول مُخاطبك: أكرمني زيدٌ، فتقول: الذي أكرمك وحيَّاك، أو لجماعة آخرين
حاضرين: الذي أكرمكم وحيَّاكم، فإنك تصلُ كلامَك بكلامه على أنه من تتمته،
ولكن لا تجعله من مَّقُوله، والأظهر من حيث اللفظُ ما ذكره ابنُ المُنِّر، وحينئذ يقع
الالتفات في ((فأنشرنا)» بعدُ موقعه، ونظير ذلك قولُه تعالى حكايةً عن موسى عليه
(١) الكشاف ٣/ ٤٧٩ .
(٢) الانتصاف (حاشية الكشاف) ٤٧٩/٣.

سُورَةُ الرَّحْرُّفُ
٣٤٦
الآية : ١٠ - ١١
السلام: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ
شَتَّ﴾ [طه: ٥٢-٥٣].
وفي إعادة الفعل في الجواب اعتناءٌ بشأنه ومطابقته للسؤال من حيث المعنى
- على ما زعم أبو حيان - لا من حيث اللفظ، قال: لأن ((مَنْ)) مبتدأ، فلو طابق في
اللفظ لكان بالاسم مبتدأ دون الفعل، بأن يقال: العزيز العليم خلقهنَّ(١).
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ مكاناً مُمَّداً، أي: مُوَّاً، ومآلَه: بَسَطها
لكم تستقِرُون فيها، ولا يُنافي ذلك كُريَّتها لمكان العِظَم.
وعن عاصم أنه قرأ: ((مَهْداً) بدون ألف(٢).
﴾
١٠
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا﴾ طُرقاً تسلُكونها في أسفاركم ﴿لَّمَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أي: لكي تهتدوا بسلوكها إلى مقاصدكم، أو بالتفكّر فيها إلى التوحيد الذي هو
المقصدُ الأصلي.
﴿وَلَّذِى نَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار تقتضيه المشيئةُ المَبْنيَّة على
الحِكَم والمصالح، ولا يعلم مِقدار ما ينزلُ من ذلك في كلِّ سنة على التحقيق إلا الله
عز وجل، والآلة التي صنعها الفلاسفةُ في هذه الأعصار المسماة بالأودوميتر يزعمون
أنه يُعرَفُ بها مِقدارُ المطر النازل في كلِّ بلد من البلاد في جميع السنة لا تُفيد تحقيقاً
في البقعة الواحدة الصغيرة فضلاً عن غيرها كما لا يخفى على المُنصِف.
وفي ((البحر)) ((بقدر)): أي: بقضاءٍ وحَتْم في الأزل(٣). والأولُ أَولى.
﴿فَأَنْشَرْنَ بِهِ﴾ أي: أحيينا بذلك الماء ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ خاليةً عن النَّماء والنبات
بالكُلِّية. وقرأ أبو جعفر وعيسى: ((ميِّناً)) بالتشديد (٤). وتذكيرُه لأنَّ البلدةَ في معنى البلد
والمكان. قال الجلبي: لا يبعد - والله تعالى أعلم - أن يكونَ تأنيثُ البلد وتذكيرُ ((ميتاً))
(١) البحر المحيط ٨/ ٧.
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. التيسير ص١٥١، والنشر ٣٢٠/٢.
(٣) البحر المحيط ٧/٨.
(٤) قراءة أبي جعفر في النشر ٢٢٤/٢، وقراءة عيسى في البحر المحيط ٧/٨.

الآية : ١٢
٣٤٧
إشارةً إلى بلوغ ضَعْفٍ حاله الغايةَ، وفي الكلام استعارةٌ مَكنية أو تصريحية. والالتفات
في ((أنشرنا)) إلى نون العظمة لإظهار كمالِ العناية بأمر الإحياء والإشعار بعظم خطره.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإنشار الذي هو في الحقيقة إخراجُ النبات من
الأرض، وهو صفةُ مصدر محذوف، أي: إنشاراً كذلك ﴿تُخْرَجُونَ ﴾﴾ أي:
تُبعثون من قبوركم أحياء. وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياءُ
الموتى، وعن إحيائهم بالإخراج، تفخيمٌ لشأن الإنبات وتهوينٌ لأمر البعث، وفي
ذلك من الردِّ علی مُنکریه ما فيه.
وقرأ ابنُ وثاب وعبد الله بن جُبير وعيسى وابنُ عامر والأخوان: ((تَخرُجون)»
مبنياً للفاعل(١).
﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ أي: أصناف المخلوقات، فالزوج هنا بمعنى
الصِّنف لا بمعناه المشهور، وعن ابن عباس: الأزواج: الضروبُ والأنواعُ كالحلو
والحامض، والأبيض والأسود، والذكر والأنثى.
وقيل: كلُّ ما سوى الله سبحانه زوجٌ؛ لأنه لا يخلو من المُقابل كـ : فوق وتحت،
ويمين وشمال، وماضٍ ومستقبل، إلى غير ذلك، والفردُ المُنزَّه عن المُقابل هو الله عز
وجل. وتُعقِّب بأنَّ دعوى اطّراده في الموجودات بأسرها لا تخلو عن النظر.
ولعلَّ من قال: كلُّ ما سوى الله سبحانه زوجٌ لم يَبْنِ الأمر على ما ذكر، وإنما بناه
علی أن الواجبَ جل شأنه واحدٌ من جميع الجهات لا ترکیب فیه سبحانه بوجه من
الوجوه لا عقلاً ولا خارجاً، ولا كذلك شيء من المُمكنات ماديةً كانت أو مجردةً.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ ﴾﴾ أي: ما تركبونه، فـ ((ما)) موصولة
والعائد محذوف، والركوبُ بالنظر إلى الفلك يتعدَّى بواسطة الحرف، وهو ((في))
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] بخلافه لا بالنظر إليه، فإنه
يتعدَّى بنفسه كما قال سبحانه: ﴿لِتَّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] إلا أنهُ غلِّب المتعدِّي بغير
(١) قراءة ابن عامر (في رواية ابن ذكوان) والأخوين (حمزة والكسائي) في التيسير ص١٠٩،
والنشر ٢٦٧/٢، وقراءة ابن وثاب وابن جبير وعيسى في البحر ٧/٨.

سُؤَدَّةُ الرَّحْفُ
٣٤٨
الآية : ١٣
واسطة لِقُوَّته على المُتعدِّي بواسطة، فالتجوُّز الذي يقتضيه التغليبُ بالنسبة إلى
المتعلق. أو غُلِّب المخلوق للركوب على المصنوع له لكونه مصنوعَ الخالق القدير،
أو الغالب على النادر، فالتجوُّز في ((ما)) وضميرِه الذي تعدَّى الركوبُ إليه بنفسه
دون النسبة إلى المفعول، ولتغليب ما رُكِبَ من الحيوان على الفُلك.
﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ حيث عبّر عن القرار على الجميع بالاستواء على الظهور
المخصوصِ بالدوابّ، والضمير لـ ((ما تركبون)) وأُفرد رعايةً للفظ، وجمع ◌ُظهور مع
إضافته إليه رعايةً لمعناه. والظاهر أن لام ((لتستووا)) لام كي. وقال الحوفي(١): مَنْ
أثبتَ لامَ الصيرورة جاز له أن يقول به هنا .
وقال ابن عطية: هي لامُ الأمر(٢). وفيه بُعدٌ من حيث استعماله أمر المخاطب
بتاء الخطاب، وقد اختلف في أمره فقيل: إنه لغةٌ رديئةٌ قليلة لا تكادُ تُحفظ إلا في
قراءة شاذَّة نحو: ((فبذلك فلتفرحوا))(٣) [يونس: ٥٨] أو شعرٍ نحو قوله:
لِتَقُمْ أنتَ يا ابنَ خيرٍ قُريشٍ(٤)
وما ذكره المُحدِّثون من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لتَأُخذوا مَصَافَّكم))(٥)
يحتمل أنه من المَرويّ بالمعنى. وقال الزجاج: إنها لغةٌ جِيِّدة(٦). وأبو حيان على
الأول، وحكاه عن جمهور النحویین(٧).
(١) كما في البحر المحيط ٨/ ٧.
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤٧ .
(٣) القراءات الشاذة ص ٥٧ .
(٤) البيت لا يعرف قائله، وهو في الإنصاف ٥٢٥/٢، والخزانة ١٤/٩، وعجزه: فلْتُقَضِّي
جوائج المسلمينا. والياء في ((فلتقضي)) لإشباع الكسرة كما ذكر البغدادي.
ئه أخرجه
(٥) أورده بهذا اللفظ الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٧٠، وهو قطعة من حديث معاذ
أحمد (٢٢١٠٩)، والترمذي (٣٢٣٥) لكن بلفظ: ((على مَصَافَكم)) وعليه لا شاهد فيه.
(٦) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٧/٨، ولم نقف عليه للزجاج، ولعل الصواب:
الزجاجي، فقد ذكره السمين في الدر المصون ٥٧٦/٩ عن أبي القاسم الزجاجي، وفي
كتاب اللامات للزجاجي ص٨٨: وربما أُدخلت اللام في هذا الفعل أيضاً توكيداً فقيل:
لتذهب يا زيد. اهـ. وليس فيه أنها لغة جيدة.
(٧) البحر المحيط ٨/ ٧.

الآية : ١٣
٣٤٩
سُوَّةُ الرَّحْرُونَ
﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيَّتٌ عَلَيْهِ﴾ أي: تذكروها بقلوبكم مُعترفين بها
مُستعظِمين لها، ثم تَحمَدوا عليها بألسنتكم، وهذا هو معنى ذِكْر نعمة الله تعالى
عليهم على ما قال الزمخشري(١)، وحاصلُه أن الذِّكر يتضمَّن شعورَ القلب والمرور
على اللسان، فنزل على أكمل أحواله، وهو أن يكونَ ذكراً باللسان مع شعور من
القلب، وأما الاعترافُ والاستعظامُ فمِن نعمة ربّكم لاقتضائه الإحضار في القلب
لذلك، وهذا عَيْنُ الحمد الذي هو شُكرٌ في هذا المقام، لا أنه يُوجبه وإنْ كان ذلك
التقرير سديداً أيضاً. ومنه يظهر إيثارهُ على: ثم تَحمدوا إذا استويتم، ومَن جوَّز
استعمالَ المشترَك في معنييه جوَّز هنا أن يُراد بالذِّكرِ الذِّكرَ القلبي والذِّكرِ اللساني،
وهو كما ترى.
ولمَّا كانت تلك النعمةُ مُتضمِّنةً لأمرٍ عجيب قال سبحانه: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى
سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: وتقولوا: سبحان الذي ذلَّله وجعله مُنقاداً لنا، متعجِّبين من
ذلك، وليس الإشارة للتحقير بل لتصوير الحال، وفيها مَزيدُ تقريرٍ لمعنى التعجُّب،
والكلامُ وإن كان إخباراً على ما سمعت أولاً يُشعر بالطلب.
أخرج عبد بن حُميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مِجْلز قال: رأى
الحسينُ بن علي رضي الله عنهما وكرم وجههما رجلاً رَكِبَ دابَّةً فقال: سبحان
الذي سخّر لنا هذا، فقال: أَوَبذلك أُمِرْتَ؟ فقال: فكيف أقول؟ قال: الحمدُ لله
الذي هدانا للإسلام، الحمدُ لله الذي مَنَّ علينا بمحمد وَّل، الحمدُ لله الذي جعلني
في خير أُمَّة أُخرِجت للناس، ثم تقول: ((سبحان الذي سخّر لنا هذا)) إلى
(مُقرِنين))(٢)، وهذا يومئ إلى أنْ ليس المرادُ من النعمة نعمةَ التسخير.
وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب أنه فسرها بنعمة الإسلام (٣) .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذيُّ - وصحَّحه - والنسائيُّ وجماعةٌ عن عليٍّ
كرم الله تعالى وجهه أنه أُتي بدابَّة، فلما وَضَع رِجْلَه في الرِّكاب قال: بسم الله،
(١) الكشاف ٣/ ٤٧٩.
(٢) الدر المنثور ١٤/٦، وهو عند الطبري ٥٥٨/٢٠، وفيه: الحسن بن علي، بدل: الحسين.
(٣) الدر المنثور ١٤/٦.

سُورَةُ الرَّحْزُقّ
٣٥٠
الآية : ١٣
فلما استوى على ظَهْرِها قال: الحمدُ للهِ - ثلاثاً - والله أكبر - ثلاثاً - (سُبْحَنَ الَّذِى
سَخَّرَ لَنَا هَذَا) إلى (لَمُنْقَلِبُونَ)، سبحانك لا إله إلا أنت، قد ظلمتُ نفسي فاغفِرْ لي
ذنوبي، إنّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت. ثم ضَحِكَ، فقيل له: مِمَّ ضَحِكْتَ يا أمير
المؤمنين؟ قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َّرَ فعلَ كما فعلتُ، ثم ضَحِكَ، فقلت:
يا رسولَ الله، مم ضَحِكْتَ؟ فقال: ((يتعجَّب الربُّ من عبده إذا قال: ربِّ اغفِرْ لي،
ويقول: عَلِمَ عبدي أنه لا يغفرُ الذنوبَ غيري))(١) .
وفي حديثٍ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والدارميُّ عن ابن عمر أن
رسول ﴿ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر حَمِدَ الله تعالى، وسبَّح وكَبَّر
ثلاثاً، ثم قال: (سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا) إلى (لَمُنْقَلِبُونَ)(٢).
وفي حديث أخرجه أحمد وغيره عن رسول الله وَّر قال: ((ما من بعيرٍ إلا في
ذروته شيطان، فاذكروا اسمَ الله تعالى إذا رَكِبتموه كما أمركم))(٣).
وظاهر النظم الجليل أنَّ تذكُّر النعمة والقولَ المذكورَ لا يخصّان رکوب
الأنعام، بل يَعُمَّانها والفُلكَ. وذكر بعضُهم أنه يقال إذا رُكِبت السفينة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ
◌َجْرِئُهَا وَمُرْسَهَا﴾ إلى ﴿رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] ويقال عند النُّزول منها: اللهم أَنْزلْنا منزلاً
مُباركاً، وأنت خيرُ المُنزلين.
﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (٣)﴾ أي: مُطِيقين، وأنشد قُطرب لعمرو بن مَعْدِي کرب:
لقد عَلِمَ القبائلُ ما عُقَيل لنا في النائباتِ بِمُقْرنينا (٤)
وهو من أَقْرَنَ الشيء: إذا أَطاقه، قال ابن هَرْمَة:
(١) الدر المنثور ١٤/٦، ومسند أحمد (٧٥٣) و(٩٣٠) و(١٠٥٦)، وسنن أبي داود (٢٦٠٢)،
وسنن الترمذي (٣٤٤٦)، وسنن النسائي الكبرى (٨٧٤٨).
(٢) صحيح مسلم (١٣٤٢)، وسنن الترمذي (٣٤٤٧)، وسنن أبي داود (٢٥٩٩)، وسنن
الدارمي (٢٧١٥) وفيها أنه وَّه يُكبِّر ثلاثاً ثم يقول: ((سبحان الذي سخّر لنا ... )) وليس فيها
أنه يحمد الله ویسبِّحه.
(٣) الدر المنثور ١٤/٦، ومسند أحمد (١٧٩٣٩)، وهو من حديث أبي لاسٍ الخزاعي.
.
(٤) البيت في تفسير القرطبي ١٣/١٩، والبحر المحيط ٨/ ٧.

الآية : ١٤
٣٥١
سُوَرَّةُ الرَّحْرُوَّةُ
وأَقرنْتُ ما حَمَّلْتِني ولَقلَّما يُطاقُ احتمالُ الصَّدِّ يا دعدُ والهَجْرِ (١)
وحقيقةُ أَقرنه: وَجَدَه قَرِينَتَهُ وما يُقرن به؛ لأن الصَّعب لا يكون قرينةً للضعيف،
ألا ترى إلى قولهم في الضعيف: لا تُقْرَنُ به الصَّعْبةُ(٢). والقَرَن الحَبْلِ الذي يُقْرَنُ
به، قال الشاعر :
وابنُ اللَّبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لم يستطع صولةَ البُزْل القناعيس (٣)
وحاصلُ المعنى: أنه ليس لنا من القوة ما يضبطُ به الدابّة والفلك، وإنما الله
تعالى هو الذي سخّر ذلك وضبطه لنا .
أخرج عبد بن حُميد وابن المنذر عن سليمان بن يسار أن قوماً كانوا في سفر،
فكانوا إذا رَكِبوا قالوا: (سُبْحَنَ الَّذِى سَخَرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُفْرِنِينَ)، وكان فيهم
رجلٌ له ناقةٌ رازم(٤)، فقال: أمَّا أنا فَلِهذه مُقْرِن، فقمصَتْ(٥) به فصرعَتْه، فاندقَّت
◌ُنقه.
وقرئ: ((مُقرِّنين)) بتشديد الراء مع فتحها وكَسْرها(٦)، وهما بمعنى المُخفّف.
، أي: راجعون، وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّ الراكب أن
١٤
﴿وَإِنّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ (
يتأمَّل فيما يُلابسه من السير، ويتذكَّر منه المسافرة العظمى التي هي الانقلابُ إلى الله
تعالى، فيبني أُمورَه في مسيره ذلك على تلك الملاحظة، ولا يأتي بما يُنافيها. ومن
ضرورة ذلك أن يكون ركوبُه لأمرٍ مشروع. وفيه إشارةٌ إلى أن الركوبَ مَخْطرةٌ،
فلا ينبغي أن يُغْفَلَ فيه عن تذكُر الآخرة.
(١) البيت في الكشاف ٣/ ٤٨٠، والبحر المحيط ٨/ ٧.
(٢) الكشاف ٣/ ٤٨٠. ويقال لمن تُراض به صعاب الأمور وتذل بتدبيره: بفلان تُقرن الصعبة.
والصعبة: هي الناقة التي لم تركب ولم يطمئها حبل. ينظر المستقصى ٣٢٠/٢، وفصل
المقال للبكري ص١٣٢- ١٣٣.
(٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح محمد بن حبيب ١٢٨/١، وسلف ٢١٤/١. قال شارح
الديوان: ابن اللبون: لثلاث سنين. والقناعيس: الشداد.
(٤) في الأصل و(م): رزام، والمثبت من الدر المنثور ١٤/٦، واللسان (رزم) والخبر فيهما،
والرازم من الإبل: الثابت على الأرض الذي لا يقوم من الهُزال. كما في اللسان.
(٥) قمص البعير: رفع يديه وطرحهما معاً. القاموس (قمص).
(٦) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٨٠، وأبو السعود في تفسيره ٤١/٨.

سُورَةُ الرّحْزُقِ
٣٥٢
الآية : ١٥
﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ مُتَّصلٌ بقوله تعالى: ((ولئن سألتهم)) إلى آخره، فهو
حال من فاعل ((ليقولنَّ)) بتقدير ((قد)) أو بدونه. والمرادُ بيانُ أنهم مُناقِضون مُكابِرون
حيث اعترفوا بأنه عز وجل خالقُ السماوات والأرض، ثم وصفوه سبحانه بصفات
المخلوقين وما يُناقض كونه تعالى خالقاً لهما، فجعلوا له سبحانه جُزءاً، وقالوا:
الملائكة بناتُ الله، سبحانه وتعالى عن ذلك عُلوًّا كبيراً.
وعبّر عن الولد بالجُزء لأنه بضعةٌ ممن هو وَلَدٌ له، كما قيل: أولادنا أكبادنا،
وفيه دلالةٌ على مَزيد استحالته على الحقِّ الواحد الذي لا يُضاف إليه انقسامٌ حقيقةً
ولا فرضاً، ولا خارجاً ولا ذِهناً، جل شأنه وعلا. ولتأكيدِ أمرِ المُناقضة لم يكتفٍ
بقوله تعالى: ((جزءاً) وقيل: ((من عباده)) لأنه يلزمهم على مُوجب اعترافهم أن يكونَ
ما فيهما مخلوقَه تعالى وعبدَه سبحانه إذ هو حادث بَعدهما مُحتاجٌ إليهما ضرورةً.
وقيل: الجُزء اسمٌ للإناث يقال: أَجْزأَتِ المرأة، إذا ولَدْت أُنثى، وأنشد قول
الشاعر :
إِنْ أَجزأَتْ حُرَّة يوماً فلا عَجَبٌ قد تُجزئ الحُرَّةُ الِمِذْكارُ أحياناً(١)
وقوله :
زوجتها من بنات الأوس مجزئة للعوسج اللَّذْنِ في أنيابها زَجَلٌ(٢)
وجعلَ ذلك الزمخشري من بِدع التفاسير، وذكر أنَّ ادِّعاءَ أنَّ الجُزء في لغة
العرب اسمٌ للإناث كَذِبٌ عليهم، وَوَضْعٌ مستحدثٌ منحولٌ، وأن البيتين
مصنوعان(٣). وقال الزجاج في البيت الأول: لا أدري قديمٌ أم مصنوع(٤). ووجَّه
بعضُهم ذلك بأنَّ حواء خُلقت من جُزء آدم عليه السلام فاستُعير لكلِّ الإناث.
(١) البيت في معاني القرآن للزجاج ٤٠٧/٤، والمحرر الوجيز ٤٨/٥، وتفسير القرطبي ١٦/١٩.
(٢) البيت في مجالس ثعلب ص١٤٥، قال ثعلب: يقول: نكحتها مخافةً أن تلد البنات، فولدت
بنات كثيرة ملأت منهن بيته، والعوسج اللَّذن، كانت العرب يعملون منه المغازل يغزل
النساء بها، فيكون لمغازلهنَّ زَجَلٌ.
(٣) الكشاف ٣/ ٤٨١.
(٤) معاني القرآن ٤/ ٤٠٧.

الآية : ١٦ - ١٧
٣٥٣
سُورَةُ الرَّحْفُ
وقرأ أبو بكر عن عاصم: (جُزُؤاً)) بضمَّتين(١).
ثم الكلام وإنْ سِيق للفَرْض المذكور يُفهم منه كُفرهم؛ لتجسيم الخالق تعالى
والاستخفاف به جل وعلا، حيث جعلوا له سبحانه أخسَّ النوعين، بل إثباتُ ذلك
يستدعي الإمكان المُؤذن بحدوثه تعالى فلا يكون إلهاً ولا بارئاً ولا خالقاً، تعالى
عمَّا يقولون، وسبحانه عمَّا يَصِفون.
وليس الكلامُ مُساقاً لِتعديد الكُفران كما قيل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ
لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ لا يقتضيه، فإن المُرادَ المبالغةُ في كُفران النعمة، وهي في إنكار
الصانع أشدُّ من المبالغة في كُفرهم به كما أُشير إليه. و(مبين)) مِن أَبان اللازم،
أي: ظاهرُ الكُفران، وجوّز أن يكون من المتعدّي، أي: مُظهرٌ كُفرانه.
﴿أَبِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ ((أَمْ)) منقطعة، وما فيها من معنى ((بل)) للانتقال،
والهمزةُ للإنكار والتعجيب من شأنهم، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْفَنَكُمْ يِلْبَنِينَ
إما عطفٌ على ((انَّخذ)) داخلٌ في حكم الإنكار والتعجيب، أو حال من فاعله
بإضمار ((قد)) أو بدونه. والالتفاتُ إلى خِطابهم لتشديد الإنكار، أي: بل أنَّخذ
سبحانه مِن خَلْقِه أخسَّ الصِّنفين، واختار لكم أفضلَهما، على معنى: هَبُوا أنَّ
إضافةَ اتِّخاذ الولد إليه سبحانه جائزةٌ فَرْضاً، أما تفطّنتم لِمَا ارتكبتم من الشَّطَط في
القِسمة وقُبح ما ادَّعيتم من أنه سبحانه آثركم على نَفْسهِ بخير الجُزأين وأعلاهما،
وترك له جل شأنه شرَّهما وأدناهما، فما أنتم إلا في غايةِ الجهل والحَماقة. وتنكيرُ
بنات وتعريفُ البنين لِقرينة ما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ
كَظِيمُ ﴾﴾ قيل: حال، وارتضاه العلامةُ الثاني، على معنى أنهم نَسبوا إليه تعالى
ما ذكروا من حالهم أنَّ أحدَهم إذا بُشِّر به اغتمَّ. وقيل: استئنافٌ مقرِّر لما قبلَه.
وجوِّز عطفُه على ما قبلَه، وليس بذاك. والالتفاتُ للإيذان باقتضاء ذِكْر قبائحهم أن
يُعرَضَ عنهم وتُحكى لغيرهم تعجيباً .
والجملة الاسمية في موضع الحال، أي: إذا أُخبر أحدُهم بجنس ما جعله مَثَلاً
(١) التيسير ص٨٢، والنشر ٢١٦/٢.

سُورَةُ الرَّحْرُفِّ
٣٥٤
الآية : ١٨
للرحمن جل شأنه - وهو جنسُ الإناث، لأنَّ الولدَ لا بد أن يُجانس الوالد(١)
ويُماثله - صار وجهه أسودَ في الغايةِ لسوء ما بُشِّرَ به عنده، والحال هو مملوءٌ من
الکرب والكآبة .
وعن بعض العرب أنَّ امرأتَه وضعتْ أُنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت:
ما لأبي حمزةَ لا يأتينا
يَظَلُّ في البيت الذي يلينا
غضبانَ أنْ لا نَلِدَ البنينا
وليس لنا من أَمْرنا ما شينا
وإنما نأخذُ ما أُعطينا(٢)
وقرئ: ((مُسْوَةٌ)) بالرفع. و: ((مِسْوادِ)) بصيغة المبالغة - من اسوادّ، كـ:
احمارَّ - مع الرفع أيضاً(٣) على أنَّ في ((ظلَّ) ضميرَ المُبَشَّر، و((وجهه مسودٌّ» أو
((مسْوادِ)) جملة واقعةٌ موقعَ الخبر، والمعنى: صار المُبَشَر مُسَودَّ الوجه. وقيل:
الضمير المستتر في ((ظل)) ضمير الشأن، والجملة خبرها. وقيل: الفعل تامٌ،
والجملة حالية. والوجه ما تقدَّم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُّأْ فِى الْعِلْيَةِ﴾ تكريرٌ للإنكار، و(مَنْ)) منصوبةُ المَحَلّ
بمضمر معطوف على ((جعلوا))، وهناك مفعولٌ محذوف أيضاً، أي: أَوَجعلوا له
تعالى مَنْ شأنُه أن يَتربَّى في الزِّينة - وهنَّ البنات، كما قال ابن عباس ومجاهد
وقتادة والسدي - ولداً، فالهمزةُ لإنكار الواقع واستقباحه.
وجُوِّز انتصابُ ((مَنْ)) بمضمر معطوف على ((اتَّخذ))، فالهمزة حينئذ لإنكار الوقوع
واستبعادِهِ، وإقحامُها بين المعطوفين لِتذكير ما في ((أَمْ)) المُنقطعة من الإنكار، والعطفُ
للتغاير العنواني، أي: أَواتَّخذ سبحانه مَنْ هذه الصِّفة الذميمة [صفته](٤) ولداً.
(١) تحرفت في (م) إلى: الولد.
(٢) الرجز في البيان والتبيين ١٨٦/١ و٤٧/٤، والكشاف ٤٨٢/٣، وتفسير القرطبي ١٨/١٩.
(٣) الكشاف ٣/ ٤٨٢، وتفسير القرطبي ١٨/١٩.
(٤) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٤٢/٨، وعنه نقل المصنف.

الآية : ١٨
٣٥٥
سُورَةُ الرّحْرُويُ
﴿وَهُوَ﴾ مع ما ذُكر من القُصور ﴿فِ لُلْخِصَامِ﴾ أي: الجِدال الذي لا يكاد يخلو
عنه إنسانٌ في العادة ﴿غَيْرٌ مُبِينٍ ﴾﴾ غيرُ قادر على تقرير دعواه وإقامةٍ(١) حُجَّته
لِنُقصان عَقْله وضَعْفٍ رأيه. والجارُّ متعلِّق بـ ((مبين)). وإضافةُ ((غير)) لا تمنع عملَ
ما بعدَها فيه؛ لأنه بمعنى النفي فلا حاجةَ لجعله متعلّقاً بمقدَّر.
وجُوِّز كون ((مَنْ)) مبتدأ محذوف الخبر، أي: أَوَمَنْ حالُه كيت وكيتَ ولدُه عز
وجل؟! وجعل بعضُهم خبرَه: جعلوه ولداً لله سبحانه وتعالى، أو: اتَّخذه جل وعلا
ولداً.
وعن ابن زيد أن المرادَ بـ ((مَنْ يُنَشَّأ في الحِلية)) الأصنامُ، قال: وكانوا يتّخذون
كثيراً منها من الذهب والفضة، ويجعلون الحلي على كثير منها.
وتُعقّب بأنه يُبعِدُ هذا القولَ قولُه تعالى: (وَهُوَ فِى الْخِصَارِ غَيْرُ سُبِينٍ) إلا إنْ أُريد
بنفي الإبانة نفي الخِصام، أي: لا يكون منها خِصامٌ فإبانة، كقوله:
على لاحبٍ لا يُهتدَى بمنارِه(٢)
وعندي أنَّ هذا القول بعيدٌ في نفسه، وأنَّ الكلامَ أعني قوله سبحانه: ((أم اتّخذ) إلى
هنا واردٌ لمزيد الإنكار في أنهم قومٌ مِن عادتهم المناقضةُ ورميُّ القول من غير علم.
وفي المَجيء بـ ((أَمْ)) المنقطعة وما في ضِمنها من الإضراب دليلٌ على أن مُعتمد
الكلام إثباتُ جهلهم ومناقضتهم لا إثبات كُفرهم، لكنه يُفهم منه كما سمعتَ
وتسمع إن شاء الله تعالى.
وقرأ الجحدري في روايةٍ: ((يُنْشَأ)) مبنياً للمفعول مُخفَّفاً، وقرأ الحسن في رواية
أيضاً: (يُناشَأ)) على وزن يُفاعل مبنيّاً للمفعول(٣)، والمناشاة بمعنى الإنشاء،
(١) في (م): وإقامته.
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، وعجزه: إذا سافه العَوْد النباطي جرجرا. قال
شارحه: اللاحب: الطريق البين، لا يُهتدى بمناره: ليس فيه عَلَمٌ ولا منار فيهتدى به، إذا
سافه العود: أي: إذا شمّه المسن من الإبل صوَّت ورغا لبعده وما يلقى من مشقته.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٣٤.

سُورَةُ الرَّحْفُ
٣٥٦
الآية : ١٩
كالمغالاة بمعنى الإغلاء. وقرأ الجمهور: ((يَنْشَأُ)) مبنيًّاً للفاعل(١).
والآية ظاهرةٌ في أنَّ النشوءَ في الزِّينة والتُّعومة من المعايب والمَذامِّ، وأنه من
صفات ربَّات الحِجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنفَ منه، ويربأ بنفسه عنه،
ويعيش كما قال عمر ربه: اخشوشنوا في اللِّباس، واخشوشبوا في الطعام،
وتمعدَدوا(٢). وإنْ أراد أنْ يُزيِّن نفسَه زيَّنها من باطن بلباس التقوى.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّتَّا﴾ - أي: سَمَّوا
وقالوا: إنهم إناث. قال الزجاج: الجَعْل في مِثْله بمعنى القول والحُكم على
الشيء؛ تقول: جعلتُ زيداً أعلمَ الناس، أي: وَصَفتُه بذلك وحكمتُ به (٣).
واختار أبو حيان أن المعنى: صيَّروهم في اعتقادهم إناثاً(٤) - اعتراضٌ واردٌ لإثبات
مُناقضتهم أيضاً وادِّعاء ما لا علمَ لهم به المؤيِّد لجعله معتمدَ الكلام على ما سبق
آنفاً، فإنهم أَنَّوهم في هذا المعتقد من غير استنادٍ إلى علم، فأرشد إلى أنَّ ما هم
عليه من إثباتِ الولد مثلُ ما هم عليه من تأنيث الملائكة عليهم السلام في أنهما
سُخفٌ وجهلٌ كانا كُفرين أوْ لا، نعم هما في نفس الأمر كفران، أما الأول فظاهر،
وأما الثاني فللاستخفاف برسُلهِ سبحانه - أعني الملائكة - وجعلهم أنقصَ العباد رأياً
وأخسَّهم صنفاً وهم العِباد المُكرمون المبرَّؤون من الذُّكورة والأنوثة، فإنهما من
عوارض الحيوان المتغذّي المُحتاج إلى بقاءِ نوعه لعدم جَريان حكمة الله تعالى ببقاء
شخصه. وليس ذلك عطفاً على قوله سبحانه: (وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا) لما عَلِمتَ
من أنَّ الجملة في موضع الحال من فاعل ((لَيقولن)) ولا يحسنُ بحسب الظاهر أن
يقال: لَيقولنَّ خلقهنَّ العزيز العليم وقد جعلوا الملائكة إناثاً .
(١) التيسير ص١٩٦، والنشر ٣٦٨/٢. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص: ((يُثَنَّأ)).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٣٣٩/٥ بلفظ: اخشوشنوا واخشوشبوا واخلولقوا
وتمعددوا كأنكم معدٍّ ... ، وقد ورد الخبر بروايات مختلفة كما في مصنف عبد الرزاق
(١٩٩٩٤)، ومسند أحمد (٣٠١)، وصحيح ابن حبان (٥٤٥٤). ومعنى اخشوشنوا: البسوا
الخشن. واخشوشبوا: كلو الغليظ من الطعام. ينظر غريب الحديث للحربي ٥٤٥/٢ - ٥٤٦.
(٣) معاني القرآن ٤/ ٤٠٧.
(٤) البحر ٨/ ١٠.

الآية : ١٩
٣٥٧
سُورَةُ الرَّحْرُونَ
وقُرئ: ((عَبيدُ)) جمع عبد (١)، وكذا ((عِبادُ))، وقيل: عِبادُ جمع عابد، كصائم
وصِیام، وقائم وقيام.
وقرأ عمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر وشيبة والأعرج
والابنان ونافع: ((عندَ الرحمن)) ظرفاً (٢)، وهو أدلُّ على رفع المنزلة وقُربٍ
المكانة. والكلامُ على الاستعارةِ في المشهور، لاستحالة العِنديَِّ المكانية في حقٌّه
سبحانه. وقرأ أبو عبد الرحمن بالباء، مُفرد عِباد(٣)، والمعنى على الجمع بإرادة
الجنس.
وقرأ الأعمش: ((عبادَ)) بالجمع والنصب، حكاها ابن خالويه، وقال: هي في
مصحف ابن مسعود كذلك(٤). وخرَّج أبو حيان النصبَ على إضمار فعل، أي:
الذين هم خلقوا عبادَ الرحمن(٥).
وقرأ زيدُ بن علي: (أُنُثا)) بضمتين(٦) - كَكُتب - جمع إناثاً، فهو جمعُ الجمع.
وعلى جميع القراءات الحصرُ إذا سُلِّم إضافيٍّ، فلا يتمُّ الاستدلالُ به على
أفضلية المَلَكِ على البَشَر.
﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ أي: أَحَضَروا خَلْقَ الله تعالى إيَّاهم فشاهدوهم إناثاً حتى
يحكموا بأنوثتهم، فإنَّ ذلك مما يُعلَم بالمشاهدة. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا
الْمَلَتَكَةَ إِنَئًا وَهُمْ شَهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وفيه تجهیلٌ لهم وتهكّمُ بهم.
(١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٨٣/٣.
(٢) التيسير ص١٩٦، والنشر ٣٦٨/٢ عن الابنين (ابن كثير وابن عامر)، ونافع وأبي جعفر
ويعقوب، والكلام من البحر ١٠/٨، وقرأ: ((عباد)» عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي
وخلف.
(٣) البحر المحيط ١٠/٨.
(٤) القراءات الشاذة ص١٣٥ .
(٥) البحر المحيط ٨/ ١٠.
(٦) المصدر السابق.

سُورَةُ الرَّحْرُفِّ
٣٥٨
الآية : ١٩
وإنما لم يتعرَّض لنفي الدلائل النقلية لأنها في مثل هذا المَطْلب مُفرَّعة على
القول بالنبوّة، وهم الكفرة الذين لا يقولون بها، ولنفي الدلائل العقلية لظهور
انتفائها، والنفي المذكور أظهرُ في التهكّم. فافهم.
وقرأ نافع: ((أَأُشهدوا)) بهمزة داخلة على أشْهدَ الرباعيِّ المبنيّ للمفعول(١)،
وفي رواية أنه سهّل هذه الهمزة فجعلها بين الهمزة والواو(٢)، وهي روايةٌ عن
أبي عمرو(٣)، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه وابن عباس ومجاهد. وفي
أُخرى أنه سهَّلها، وأدخل بينها وبين الأولى ألفاً كراهةَ اجتماع همزتين، ونُسبت
إلى جماعة (٤)، والاكتفاءُ بالتسهيل أوجه.
وقرأ الزهري وناسٌ: (أُشْهِدوا)) بغير استفهام مبنيّاً للمفعول رباعيّاً (٥)، فقيل:
المعنى على الاستفهام نحو قوله:
قالوا تُحبها قلتُ بهراً (٦)
وهو الظاهر، وقيل: على الإخبار، والجملةُ صفة ((إناثاً)) وهم وإن لم يشهدوا
خَلْقَهم لكن نُزِّلوا لجراءتهم على ذلك منزلةَ مَنْ أُشْهِدَ، أو المراد أنهم أَظْلَقوا عليهم
الإناث المعروفات لهم اللاتي أُشهدوا خلقهنَّ لا صنفاً آخرَ من الإناث. ولا يخفى
ما في كلا التأويلين من التكلُّف.
﴿سَتُكْنَبُ﴾ في ديوان أعمالهم ﴿شَهَدَهُهُمْ﴾ التي شَهِدوا بها على الملائكة
(١) تفسير القرطبي ٢٢/١٩، والبحر ١٠/٨ وهي غير المشهورة عنه.
(٢) وهي قراءة نافع في رواية ورش.
(٣) وهي غير المشهورة عنه، والمشهور عنه كقراءة الجمهور: (أَشَهِدوا)).
(٤) وهي رواية قالون عن نافع بخلف عنه. وقرأ بها أبو جعفر أيضاً. التيسير ص١٩٦، والنشر
٣٦٨/٢-٣٦٩. والكلام السالف في البحر المحيط ١٠/٨.
(٥) تفسير القرطبي ٢٢/١٩، والبحر المحيط ١٠/٨.
(٦) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في ديوانه ص٤٣١، والبيت بتمامه:
ثم قالوا تُحِبُّها قلتُ بَهْرا عدد النجم والحصى والتراب

الآية : ١٩
٣٥٩
سُورَةُ الرَّحْفُ
عليهم السلام. وقيل: سألهم الرسول وَلجر: ((ما يُدريكم أنهم إناتٌ))؟ فقالوا: سَمِعنا
ذلك من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يَكْذِبوا. فقال الله تعالى: (سَتُكْنَبُ
شَهَدَتُهُمْ)(١).
﴿وَيُسْتَلُونَ ﴾﴾ عنها يوم القيامة. والكلامُ وعيدٌ لهم بالعقاب والمُجازاة على
ذلك والسين للتأكيد، وقيل: يجوز أن تُحمل على ظاهرها من الاستقبال، ويكون
ذلك إشارةً إلى تأخير كتابة السيئات لرجاء التوبة والرجوع، كما ورد في الحديث:
((إنَّ كاتبَ الحسناتِ أمينٌ على كاتب السيئات، فإذا أرادَ أن يَكْتُبها قال له: توقَّفْ،
فيتوقَّف سبعَ ساعات، فإن استغفرَ وتاب لم يَكْتُب))(٢)، فلما كان ذلك من شأن
الكتابة قُرنت بالسين، وكونهم ◌ُفَّاراً مُصِرِّين على الكُفر لا يأباه.
وقرأ الزهري: ((سيُكتَبُ)) بالياء التحتية مبنيّاً للمفعول، وقرأ الحسن كالجمهور
إلا أنه قرأ: ((شهاداتهم)) بالجمع(٣)، وهي قولهم: إنَّ الله سبحانه جُزءاً، وإنَّ له
بناتٍ وإنها الملائكة. وقيل: المرادُ ما أُريد بالمفرد، والجمعُ باعتبار التكرار.
وقرأ ابنُ عباس وزيدُ بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن أبي عَبْلة والجَحْدري
والأعرج: ((سَنَكتُب)) بالنون مبنيّاً للفاعل ((شهادتَهم)) بالنصب والإفراد(٤).
وقرأتْ فرقةٌ: ((سيَكْتُب)) بالياء التحتية مبنيّاً للفاعل وبإفراد ((شهادتهم))
ونصبها(٥)، أي: سيكتب الله تعالى شهادتهم.
وقرئ: ((يُساءلون)) من المفاعلة للمبالغة(٦).
(١) ذكره البغوي في تفسيره عند هذه الآية ونسبه للكلبي.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٩٧١) من حديث أبي أمامة ◌ُبه، قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٢٠٨/١٠: فيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٣٥ .
(٤) البحر المحيط ١٠/٨، وهي خلاف المشهور عن أبي جعفر، ونسبها للأعرج ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص١٣٥ .
(٥) البحر المحيط ١٠/٨.
(٦) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٨٣/٣.

سِوَةَ الْخزف
٣٦٠
الآية : ٢٠ - ٢٢
﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ عطفٌ على قوله سبحانه: ((وجعلوا
الملائكة)) إلخ إشارةً إلى أنه من جنس ادِّعائهم أنوثةَ الملائكة في أنهم قالوه من غير
عِلْم، ومرادُهم بهذا القول - على ما قاله بعضُ الأجِلَّة - الاستدلالُ بنفي مشيئة الله
تعالى تركَ عبادة الملائكة عليهم السلام على امتناع النهي عنها، أو على حُسنها،
فكأنهم قالوا: إنَّ الله تعالى لم يَشأُ تركَ عبادتنا الملائكةَ، ولو شاء سبحانه ذلك
لتحقَّق، بل شاء جلَّ شأنه العبادةَ لأنها المُتحقِّقةُ، فتكون مأموراً بها أو حسنةً،
ويمتنع كونها مَنهيّاً عنها أو قبيحةً، وهو استدلالٌ باطلٌ؛ لأن المشيئة لا تستلزم
الأمرَ أو الحُسن؛ لأنها ترجيحُ بعض المُمكنات على بعض حسناً كان أو قبيحاً،
فلذلك جُهِّلوا بقوله سبحانه: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ﴾ القولِ على الوجه الذي قصدوه منه،
وحاصلُه يرجع إلى الإشارة إلى زعمهم أن المشيئة تقتضي طباقَ الأمر لها أو حُسنَ
ما تعلَّقت به. ﴿مِنْ عِلی﴾ يستند إلى سندٍ ما.
﴿إِنّ هُمْ إِلَّا يَخْرُسُونَ ﴾ أي: يكذبون، كما فسَّره به غير واحد، ويُطلق
الخَرْص على الحَزْر، وهو شائع، بل قيل: إنه الأصل، وعلى كلِّ هو قولٌ عن ظنٍّ
و تخمین.
إضرابٌ
٢١
وقوله تعالى: ﴿أَمْ ءَانِيْنَهُمْ كِتَبًا مِن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ
عن نفي أن يكونَ لهم بذلك علمٌ من طريق العقل إلى إبطال أن يكون لهم سندٌ
من جهة النَّقل؛ فـ ((أم)) منقطعة، لا متَّصلةٌ معادِلةٌ لقوله تعالى:
(أَشَهدوا)) - كما قيل - لبُعده. وضمير ((قَبله)) للقرآن لِعلمه من السِّياق، أو
الرسول عليه الصلاة والسلام، وسين ((مُستمسكون)) للتأكيد لا للطلب، أي: بل
أآتيناهم كتاباً مِن قَبلِ القرآن، أو من قَبلِ الرسولِ وَلَّهِ يَنْطِقُ بصحة ما يدَّعونه،
فهم بذلك الكتاب مُتَمسِّكون، وعليه مُعَوِّلون.
وقوله جل وعلا: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابََّنَا عَلَى أُمَّذٍ وَإِنَّا عَلَىّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ
٢٢
إيطالٌ لأن يكون لهم حُبَّةٌ أصلاً، أي: لا حَُّةً لهم على ذلك عقليةً ولا نقليةً،
وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجَهَلة مِثلهم.