Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ١٥ ٤١ سُورَةٌ غَفل سبحانه وحدَه بالعبادة بالنسبة إلى مَنْ يُنيب لا المعاندِ. وقولُه في ((الكشاف)): ثم قال للمنيبين، إشارةٌ إلى أنَّ فائدةَ تقديم الاعتراض أنَّ الانتفاعَ بالآيات على هذا التقدير، فكأنَّه مسبّبٌ عن الإنابة معنّى لَمَّا كان تسبُّبُ السابق للََّّحقِ الإنابة، فهذا هو الوجهُ، ولا يأباه تفسيرُ ((ولو كره الكافرون)) بقوله(١): وإن غاظ ذلك أعداءكم، فإِنَّه للتنبيهِ على أنَّ امتثالَ ذلك الأمرِ إنَّما يكونُ بعدَ إنابتهم، وكأنْ قد حصل ذلك وحصل التضادُّ بينهم وبين الكافرين. وهو تحقيقٌ حقيقٌ بالقبول، لكن في توجيه كلام (الكشاف)» تكلُّفٌ ظاهرٌ. ﴿َرَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ صفةٌ مشبَّهة أُضيفت إلى فاعلها من: رفُع الشيءُ، بالضمِّ: إذا علا. وجوِّز أن يكون صيغةَ مبالغةٍ من باب أسماء الفاعلين وأُضيف إلى المفعول، وفيه بعدٌ. و((الدرجات)): مصاعدُ الملائكة عليهم السلام إلى أن يبلغوا العرشَ، أي: رفيعُ درجاتٍ ملائكته ومعارجِهم إلى عرشه. وفسَّرها ابن جبير بالسماوات، ولا بأسَ بذلك، فإنَّ الملائكة يعرُجون من سماءٍ إلى سماء حتى يبلغوا العرشَ، إلا أنه جَعَلَ ((رفيعاً)) اسمَ فاعلٍ مضافاً إلى المفعول، فقال: أي: رفع سماءً فوقَ سماءٍ والعرش فوقَهنَّ(٢)، وقد سمعتَ آنفاً أنَّ فيه بُعداً. ووصفُه عزَّ وجلَّ بذلك للدلالة - على سبيل الإدماج - على عزَّته سبحانه وملكوته جلَّ شأنه. ويجوز أن يكونَ كنايةً عن رِفعةٍ شأنِهِ وسلطانِه - عزَّ شأنُه وسلطانُه - كما أنَّ قولَه تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ كنايةٌ عن ملكِه جلَّ جلاله، ولا نظرَ في ذلك إلى أنَّ له سبحانه عرشاً أو لا، فالكنايةُ وإن لم تُنافِ إرادةَ الحقيقة لكن لا تَقتضي وجوبَ إرادتها، فقد وقد. وعن ابن زيد أنه قال: أي: عظيم الصفات(٣). وكأنه بيانٌ الحاصل المعنى الكنائيِّ. (١) أي: قول الزمخشري في الكشاف ٤١٩/٣. (٢) الكشاف ٤١٩/٣، والبحر المحيط ٤٥٥/٧ . (٣) البحر ٧/ ٤٥٥، ونسبه في النكت والعيون ١٤٧/٥ لا بن زياد. سُورَةٌ غَفَاءِ ٤٢ الآية : ١٥ وقيل: هي درجاتُ ثوابه التي ينزِّلها أولياءًه تعالى يوم القيامة. وروي ذلك عن ابن عباس وابن سلَّام(١)، وهذا أنسبُ بقوله تعالى: (فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ)، والمعنى الأول أنسبُ بقوله تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِوٍ﴾ لتضمُّنه ذكرَ الملائكة عليهم السلام وهم المنزَّلون بالروح كما قال سبحانه: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ.﴾ [النحل: ٢]. وأيَّاما كان فـ ((رفيع الدرجات)) و((ذو العرش)) وجملةُ ((يُلْقي) أخبارٌ ثلاثة قيل: لـ ((هو)) السابقِ في قوله تعالى: (هُوَ اُلَّذِى يُرِيكُمْ) إلخ، واستبعَده أبو حيان(٢) بطول الفصل. وقيل: لـ ((هو)) محذوفاً. والجملةُ كالتعليل لتخصيصِ العبادة وإخلاص الدين له تعالى، وهي متضمِّنةٌ بيان إنزال الرزق الروحانيِّ بعد بيانٍ إنزال الرزق الجسمانيِّ في ((ينزل لكم من السماء رزقاً» فإن المرادَ بالروح على ما روي عن قتادة الوحيُّ، وعلى ما روي عن ابن عباس القرآنُ، وذلك جارٍ من القلوب مجرى الروح من الأجساد، وفسَّره الضخَّاك بجبريل عليه السلام، وهو عليه السلام حياةُ القلوب باعتبارِ ما يَنزِل به من (٣) العلم(٣). وجوَّز ابنُ عطية أن يرادَ به كلُّ ما يُنعم الله تعالى به على عباده المهتدين في تفهيم الإيمان والمعقولات الشريفة(٤)، وهو كما ترى. وقوله تعالى: ((من أمره)) قيل: بيانٌ للروح، وفسِّر بما يتناول الأمر والنهيَ، وأُوثِر على لفظ الوحي للإشارة إلى أنَّ اختصاصَ حياة القلوب بالوحي من جهتَي التخلِّي والتحلّي الحاصلين بالامتثال والانتهاء. وعن ابن عباسٍ تفسيرُ الأمر بالقضاء(٥)، فجُعلت ((من)) ابتدائيةً متعلِّقةً بمحذوفٍ ٠.٠ (١) هو يحيى بن سلام كما في تفسير القرطبي ٣٣٨/١٨، والنكت والعيون ٥/ ١٤٧. (٢) في البحر ٧ / ٤٥٤ . (٣) النكت والعيون ١٤٧/٥-١٤٨، وزاد المسير ٢١٠/٧، والبحر ٤٥٥/٧. (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٥٥٠. (٥) الوسيط ٤/ ٧. الآية : ١٥ ٤٣ سُورَةٌ غَفٍ وقع حالاً من ((الروح))، أي: ناشئاً من أمره، أو صفةً له على رأي مَن يجوِّزُ حذف الموصول مع بعض صلته، أي: الكائنِ من أمره. وفسَّرِه بعضُهم بالمَلَكَ، وجَعل ((من)) ابتدائيةً متعلِّقةً بمحذوفٍ وقع حالاً، أو صفةً على ما ذُكر آنفاً، وكونُ الملك مبدأً للوحي لتلقِّيه عنه، ومن فسَّر الروحَ بجبريل عليه الصلاة والسلام قال: ((من)) سببيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ ((يُلقي))، والمعنى: ينزِّل الروحَ من أجلِ تبليغِ أمره. ﴿عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ وهو الذي اصطفاه سبحانه لرسالته وتبليغ أحكامه إليهم، والاستمرارُ التجدُّديُّ المفهومُ من ((يُلقي)) ظاهرٌ، فإنَّ الإلقاءَ لم يَزل من لدُنْ آدم عليه السلام إلى انتهاء زمانٍ نبيِّنا وَّر، وهو في حكم المتَّصل إلى قيام الساعة بإقامة مَن يقوم بالدعوة على ما رَوى أبو داود عن أبي هريرة عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مئةٍ سنةٍ مَن يجدِّدُ لها دينَها))(١)، أي: بإحياءِ ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمرِ بمقتضاهما، وأمرُ ذلك التجدُّدِ على ما جوَّزه ابن عطية (٢) لا يحتاج إلى ما ذكر. وقرئ: ((رفيعَ)) بالنصب على المدح(٣). ﴿لِنَذِرَ﴾ُ علَّةٌ للإلقاء، وضميرُه المستتر لله تعالى، أو لـ ((مَن)) وهو الملقَى إليه، أو لـ («الروح))، أو للأمر، وعودُه على الملقَى إليه وهو الرسولُ أقربُ لفظاً ومعنَى؛ القُربِ المرجع وقوَّة الإسناد، فإنَّه الذي يُنذِر الناسَ حقيقةً بلا واسِطةٍ، واستظهر أبو حيان رجوعَه إليه تعالى لأنَّه سبحانه المحدَّثُ عنه(٤). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ النَّلَاقِ ﴾﴾ مفعولٌ لـ ((ينذر))، أو ظرفٌ والمنذَر به محذوفٌ، أي: لينذِرَ العذابَ - أو نحوه - يومَ التلاق. (١) سنن أبي داود (٤٢٩١)، وهو في مستدرك الحاكم ٥٢٢/٤. (٢) يريد به تفسير ابن عطية للروح، وقد مرّ قريباً. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٢، والبحر ٧ / ٤٥٤ . (٤) البحر المحيط ٧/ ٤٥٥ . ٤٤ الآية : ١٦ وقولُه سبحانه: ﴿يَوْمَ هُم بَئِزُونَ﴾ بدلٌ من ((يوم التلاق))، و((هم)) مبتدأً و((بارزون) خبرٌ، والجملةُ في محلِّ جرِّ بإضافةِ ((يوم)) إليها، قيل: وهذا تخريجُ على مذهب أبي الحسن من جوازٍ إضافةٍ الظرف المستقبل كـ ((إذا)) إلى الجملة الاسمية نحو: أجيئك إذا زيدٌ ذاهب. وسيبويه لا يجوِّز ذلك ويوجِبُ تقديرَ فعلٍ بعدَ الظرف يكون الاسمُ مرتفعاً به. وجوِّز أن يكون ((يوم)) ظرفاً لقوله تعالى: ﴿لَا يَخْفَ عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ والظاهرُ البدليةُ، وهذه الجملةُ استئنافٌ لبيانٍ بروزهم، وتقريرٌ له وإزاحةٌ لِمَا كان يتوقَّمه بعضُ المتوهِّمين في الدنيا من الاستتار توهُّماً باطلاً. وجوِّز أن تكونَ خبراً ثانياً لـ ((هم)). وقيل: هي حالٌ من ضمير ((بارزون)). و(يوم التلاق)) يومُ القيامة، سمِّي بذلك؛ قال ابن عباس: لالتقاءِ الخلائق فيه. وقال مقاتل: لالتقاء الخالق والمخلوق فيه. وحكاه الطبرسيُّ عن ابن عباس(١). وقال السديُّ: لالتقاء أهل السماء وأهل الأرض. وقال ميمون بن مهران: لالتقاء الظالم والمظلوم. وحكى الثعلبيُّ أنَّ ذلك لالتقاءِ كلِّ امرئٍ . وعمله (٢) واختار بعضُ الأجلَّةِ ما قال مقاتل وقال: هو أَولى الوجوه؛ لِما فيه مِن حمل المطلَق على ما ورد في كثيرٍ من المواضع نحو: ﴿فَتَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا﴾ [الفرقان: ٢١]. وقال صاحب ((الكشف)): القولُ الأول - وهو ما نُقِل عن ابن عبَّاس أوَّلاً - أشبهُ؛ لجَرَيان الكلام فيه على الحقيقة، ونفْي ما يُتَوهّم من المساواة بين الخالق والمخلوق، واستقلالِ كلِّ من البدلَين بفائدةٍ في التهويل لِما في الأول مِن تصويرٍ (١) مجمع البيان ٥/ ١٨٧ . (٢) تفسير الثعلبي ٨/ ٢٧٠، وتنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٢٩٦/٢٠-٢٩٧، وتفسير البغوي ٩٤/٤، وزاد المسير ٣١١/٧، والبحر ٧/ ٤٥٥ . الآية : ١٦ ٤٥ سُورَةٌ عَفِلٍ تلاقي الخلائق على اختلاف أنواعها، وفي الثاني من البروز لمالكِ أمرِها بروزاً لا يبقى لأحدٍ فيه شبهةٌ، وأمَّا نحوُ قوله تعالى: ﴿لِقَّةَ رَبِّهِ ﴾ [الكهف: ١١٠] فمسوقٌ بمعنى آخر. و ((بارزون)) مِن بَرَزَ، وأصلُه: حصل في بَراز، أي: فضاء، والمراد: ظاهرون لا يستُرهم شيءٌ من جبلٍ أو أَكَمَةٍ أو بناءٍ، لأنَّ الأرضَ يومئذٍ قاعٌ صفْصَفٌ، ولیس عليهم ثيابٌ، إنما هم عراةٌ مكشوفون كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس: سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إنكم ملاقو اللهِ حُفاةً عراةً غُولاً))(١). وقيل: المرادُ: خارجون من قبورهم، أو ظاهرةٌ أعمالُهم وسرائرُهم. وقيل: ظاهرةٌ نفوسُهم لا تُحجَب بغواشِي الأبدان مع تعلُّقِها بها. ولا يقبلُ هذا بدون ثبتٍ من المعصوم. والمراد بقوله تعالى: ((منهم)) على ما قيل: من أحوالهم وأعمالهم. وقيل: من أعيانهم. واختِيرَ التعميمُ، أي: لا يخفى عليه عزَّ شأنُه شيءٌ مّا من أعيانِهم وأعمالِهِم وأحوالِهم الجليةِ والخفيةِ، السابقةِ واللاحقةِ. وقرأ أُبيِّ: (ليُنْذِرَ يومُ)) ببناءِ ((يُنْذِرَ)) للفاعل ورفع ((يوم)) على الفاعلية مجازاً (٢). وقرأ اليماني فيما ذكر صاحبُ (اللوامح)): ((ليُنْذَرَ)) مبنياً للمفعول (يومُ)) بالرفع على النيابة عن الفاعل(٣). وقرأ الحسن واليماني فيما ذكر ابن خالويه: ((لتُنذِرَ)) بالتاء الفوقية(٤)، فقيل: الفاعلُ فيه ضميرُ الخطاب للرسول وَّهِ. وقيل: ضميرُ الرُوح لأنها تؤنَّث. وقوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَارِ ﴾﴾ حکایةٌ لِما يُسألُ عنه في ذلك اليوم ولِما يُجاب به بتقدير قولٍ معطوفٍ على ما قبله من الجملة المنفية (١) صحيح البخاري (٦٥٢٤)، وصحيح مسلم (٢٨٦٠)، وهو في مسند أحمد (١٩١٣). (٢) البحر ٧ /٤٥٥ . (٣) المحرر الوجيز ٥٥١/٤، ونقله المصنف من البحر ٤٥٥/٧ . (٤) القراءات الشاذة ص١٣٢، وهي قراءة روح وزيد عن يعقوب كما في مجمع البيان ١٨٥/٥ . سُورَةُ عَدفاء ٤٦ الآية : ١٧ المستأنَفة، أو مستأنَفٍ يقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ بروزهم وظهورِ أحوالهم، كأنه قيل: فما يكون حينئذٍ؟ فقيل: يقال: ((لمن الملك)) إلخ. وقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: مِن النفوس البَرَّةِ والفاجرة ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: من خيرٍ أو شرِّ ﴿لَا ظَلَّمَ اَلْيَوْمُ﴾ بنقص الثواب وزيادةِ العقاب ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾﴾ أي: سريعٌ حسابُه؛ إذ لا يشغله سبحانه شأنٌ عن شأنٍ، فيصل إلى المحاسَب من النفوس ما يستحقُّه سريعاً؛ روي عن ابن عباس أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقل: أهلُ الجنة، إلا فيها، ولا: أهلُ النار، إلَّا فيها = من تتمَّةِ(١) الجواب جيء به لبيانِ إجمالٍ فيه، والتذييلُ لتعليلِ ما قبلَه(٢). والمنادِي بذلك سؤالاً وجواباً واحدٌ؛ أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: يجمعُ الله تعالى الخلقَ يوم القيامة بصعيدٍ واحدٍ بأرضٍ بيضاء كأنها سبيكة فضَّةٍ لم يُعص الله تعالى فيها قظُ ولم يُخْطأ فيها، فأوَّلُ ما يتكلّمُ أن ينادي منادٍ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ◌ُلَمَ الْيَّوْمُّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، فأولُ ما يبدؤون به من الخصومات الدماءُ ... الحديث(٣). وهو عند الحسن: اللهُ نفسُه عزَّ وجلَّ، وقيل: مَلَكٌ. وقيل: السائلُ هو الله تعالى أو ملكٌ، والمجيبُ الناس. وذكر الطيبيُّ تقريراً لعبارة ((الكشاف))(٤) أنَّ قوله تعالى: ((اليوم تجزى)) إلخ تعليلٌ، فيجب أن يكونَ السائلُ والمجيبُ هو الله عزَّ وجلَّ، فإنَّه سبحانه لَمَّا سأل (لمن الملك اليوم)) وأجاب هو سبحانه بنفسه (الله الواحد القهار)) كان المقامُ موقعَ السؤال وطلبٍ التعليل فأوقع ((اليوم تجزى)) جواباً عنه، يعني إنَّما اختَصَّ المُلْكَ به (١) قوله: من تتمة ... ، هو خبرٌ لقوله: وقوله تعالى ... إلخ. (٢) يعني جملة ((إن الله سريع الحساب)) تعليل لجملة ((اليوم تجزى)) إلخ؛ فإن كون ذلك اليوم بعينه يوم التلاقي ويوم البروز ربما يوهم استبعاد وقوع الكل فيه. تفسير أبي السعود ٧/ ٢٧١ . (٣) الدر المنثور ٣٤٨/٥، وهو في الزهد لابن المبارك (٣٨٨ - زوائد نعيم بن حماد). (٤) ينظر الكشاف ٤٢٠/٣. الآية : ١٧ ٤٧ سُوَالأَ عَفاء تعالى لأنه وحدَه يقدِر على مجازاة كلِّ نفسٍ بما كسبت، وله العدلُ التامُّ فلا يظلم أحداً، وله التصرُّفُ فلا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ فُسرع الحسابَ. ولو أُوقع الله الواحد القهار)» جواباً عن أهل المحشر لم يحسُنْ هذا الاستئنافُ. انتهى، وفيه ما فيه. والحقُّ أنَّ قولَه تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ) إلخ إن كان من كلامِ المجيبِ كما هو ظاهرُ حديث ابن مسعود بَعُدَ أن يكونَ من الناس. وجوِّز فيه أن لا يكونَ من تتمَّة الجواب بل هو حكايةٌ لِما سيقوله تعالى في ذلك اليوم عقيبَ السؤال والجواب. وأيَّاما كان فتخصيصُ المُلكِ به تعالى في ذلك اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهرٍ الحال من زوالِ الأسباب وارتفاع الوسائط وظهورٍ ذلك للكَفَرَة والجَهَلة، وأمّا حقيقةُ الحال فناطقةٌ بذلك دائماً . وذهب محمدُ بن كعب القرظيُّ إلى أنَّ السؤال والجواب منه تعالى، ويكونان بين النفختَيْن حينَ يُقْنِي عزَّ وجلَّ الخلائقَ(١). وروي نحوه عن ابن عباس؛ أخرج عبد الله بن أحمد(٢) في زوائد ((الزهد))، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه، وأبو نعيم في ((الحلية)) عنه ظُه قال: ينادي منادٍ بين يدي الساعة: يا أيها الناسُ، أتتكم الساعةُ، فيسمَعُها الأحياءُ والأمواتُ، وينزِل الله سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول: (لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ)(٣). والسياق ظاهرٌ في أنَّ ذلك يوم القيامة، فلعلَّه على تقدير صحَّةِ الحديث يكون مرَّتین. ومعنى جزاءٍ النفوس بما كسبت أنَّها تُجزى خيراً إن كسبت خيراً، وشرًّا إن کسبتْ شرًّا. (١) النكت والعيون ١٤٨/٥ . (٢) تصحف في الأصل و(م) ومطبوع الدر المنثور ٣٤٨/٥ (والكلام منه) إلى: عبد بن حميد. (٣) السنة لعبد الله بن أحمد ص٤٢، وتفسير ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ١٣٦/٧، والمستدرك ٤٣٧/٢، والحلية ٣٢٤/١. سُوَةٌ غَافِلِ ٤٨ الآية : ١٨ وقيل: إنَّ النفوسَ تكتسب بالعقائد والأعمالِ هيئاتٍ تُوجب لذَّتَها وألمها لكنَّها لا تَشْعُر بها في الدنيا، فإذا قامت قيامتُها وزالت العوائقُ أدركت ألَمَها ولذَّتَها. والظاهرُ أنَّ هذا قولٌ باللّهِ والألم الروحانيَيْنِ، ونحن لا نُنْكِر حصولَهما يومئذٍ لكن نقول: إنَّ الجزاءَ لا ينحصر بهما، بل يكونُ أيضاً بلذّةٍ وألم جسمانيَّيْنِ. فالاقتصارُ في تفسير الآية على ذلك قصورٌ. ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ يومَ القيامة، كما قال مجاهد وقتادة وابن زيد(١). ومعنى (الآزفة)): القريبةُ، يقال: أزِف الشخوصُ: إذا قرُب وضاق وقتُه، فهي في الأصل اسمُ فاعل، ثم نُقلت منه وجُعلت اسماً للقيامة؛ لقُربها بالإضافة لِمَا مضى من مدَّة الدنيا، أو لِمَا بقي، فإنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ. ويجوز أن تكونَ باقيةً على الأصل، فتكونُ صفةً لمحذوفٍ، أي: الساعة الآزفة، وقدَّر بعضُهم الموصوفةَ: الخُطَّة، بضمِّ الخاء المعجمةِ وتشديد الطاء المهملة، وهي القصَّة والأمرُ العظيمُ الذي يستحقُّ أن يُخَظّ ويُكتب لغرابته، ويراد بذلك ما يقع يومَ القيامة من الأمور الصعبة، وقربُها لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ. والمراد باليوم الوقتُ مطلقاً، أو هو يومُ القيامة، وقال أبو مسلم: ((يوم الازفة)) يومُ المَنِيَّة وحضورِ الأجل(٢). ورجّح بأنَّه أبعدُ عن التكرار وأنسبُ بما بعده، ووصفُ القرب فيه أظهر. ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ﴾ بدلٌ مِن ((يوم الآزفة))، و((الحناجر)) جمعُ: حَنْجَرةٍ أو حَنجُورٍ كخُلقوم لفظاً ومعنّى؛ وهي كما قال الراغب: رأس الغَلْصَمَة من خارجٍ(٣)، وهي لحمةٌ بين الرأس والعنق، والكلامُ كنايةٌ عن شدّةِ الخوف أو فرْطِ التّأَلُّم. وجوِّز أن يكونَ على حقيقته، وتبلغ قلوبُ الكفّار حناجرَهم يوم القيامة، ولا يموتون كما لو كان ذلك في الدنيا . (١) تفسير الطبري ٢٠/ ٣٠٠-٣٠١. (٢) البحر المحيط ٧/ ٤٥٦. (٣) المفردات (حنجر). الآية : ١٨ ٤٩ سُؤَلاَ لَغَفَاءِ ﴿كَظِمِينَ﴾ حالٌ من أصحاب القلوب على المعنى، فإنَّ ذكرَ القلوب يدلُّ على ذكرٍ أصحابها، فهو من بابٍ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣] فكأنه قيل: إذ قلوبُهم لدى الحناجر كاظمين عليها، وهو من كظَم القِرْبةَ: إذا ملأها وسدّ فاها، فالمعنى: مُمْسِكين أنفسَهم على قلوبهم لئلا تخرجَ مع النَّفَس، فإنَّ كاظمَ القِربةِ كاظمٌ على الماءِ مُمْسِكُها عليه لئلا يخرجَ امتلاءً، وفيه مبالغةٌ عظيمةٌ. وجوِّز كونُه حالاً من ضميرٍ ((القلوب)) المستترِ في الخبر، أعني: ((لدى الحناجر))، وعلى رأي من يجوِّز مجيءَ الحال من المبتدأ كونُه حالاً من ((القلوب)) نفسِها. وجُمِع جمْعَ العقلاء؛ لتنزيلِها منزلتَهم لوصفِها بصفتِهم كما في قوله تعالى: ﴿فَطَلَّتْ أَعْتَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] والمعنى: حالَ كون القلوب كاظمةً على الغمِّ والكرب، ومنه يُعلم أنه لا يجوز أن يكونَ ((لدى الحناجر)) ظرفَ ((كاظمين)) الفساد المعنى، والحاجةٍ إلى تقديرٍ محذوفٍ مع الغنَى عنه، وكذلك على قراءة (كاظمون))(١) للأول فقط، فيتعيَّنُ كونُ ((لدى الحناجر)) خبراً، و((كاظمون)) خبراً آخرَ، وبذلك يترجَّحُ كونُ الحال من القلوب. وقدَّر الكواشي: هم كاظمون، ليوافقَ وجة الحالية من الأصحاب. وجوِّز كونُه حالاً من مفعول: ((أنذرهم))، أي: أنذرهم مقدَّراً كظمُهم، أو مشارفين الكظمَ. ﴿مَا لِلَّلِمِينَ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: قريبٍ مشفقٍ، مِن احتمَّ فلانٌ لفلانٍ: احتدَّ، فكأنَّه الذي يحتدُّ حمايةً لذويه، ويقال لخاصَّةِ الرجل: حامَّتُه، ومن هنا فسِّر الحميمُ بالصدیق . ﴿وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ ﴾﴾ أي: ولا شفيع يُشفَّع، فالجملةُ في محلِّ جرٍّ أو رفعٍ صفة ((شفيع))، والمرادُ نفْيُ الصفة والموصوفِ، لا الصفةِ فقط، ليدلَّ على أنَّ ثََّ شفيعاً لكن لا يُطاعِ، فالكلامُ من بابٍ: ولا ترى الضبَّ بها ينجحر (١) (١) البحر ٧ /٤٥٦ . (٢) وصدره: لا تُفْرِعُ الأرنبَ أهوالها، وسلف ٢٣٧/٣. ٥٠ الآية : ١٩ ولم يقتصرْ على نفع الشفيع بل ضمَّ إليه ما ضمَّ ليُقامَ انتفاءُ الموصوف مقامَ الشاهد على انتفاء الصفة فيكون ذلك الضمُّ إزالةً لتوهُّم وجودِ الموصوف حيثُ جُعل انتفاؤُه أمراً مسلَّماً مشهوراً لا نزاعَ فيه لأنَّ الدليلَ ينبغي أن يكونَ أوضحَ من المدلول، وهذا كما تقول لمن عاتبك على القعود عن الغزو: ما لي فرسٌ أرگبه، وما معي سلاحٌ أحارب به، فليُفْهَم. والضمائرُ المذكورةُ من قوله تعالى: ((وأنذرهم)) إلى هنا إن كانت للكفَّار كما هو الظاهرُ فوَضعُ ((الظالمين)) موضعَ ضميرهم للتسجيلِ عليهم بالظلم وتعليلِ الحكم، وإن كانت عامةً لهم ولغيرهم فليس هذا من باب وضع الظاهر موضعَ الضمير، وإنما هو بيانُ حكم للظالمين بخصوصِهم، والمرادُ بهم الكاملون في الظلم، وهم الكافرون لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ﴿يَعْلَمُ خَآَيِنَّةَ الْأَعْيُنِ﴾ أي: النظرةَ الخائنةَ، كالنظرة إلى غير المحرَم واستراقٍ النظر إليه وغير ذلك، فـ ((خائنة)) صفةٌ لموصوفٍ مقدَّرٍ، وجعل النظرةِ خائنةً إسنادٌ مجازيٌّ، أو استعارةٌ مصرِّحةٌ أو مكنيةٌ وتخييليةٌ بِجَعل النظر بمنزلة شيء يسرق من المنظور إليه، ولذا عبّر فيه بالاستراق. ويجوز أن يكونَ ((خائنة)) مصدراً كالكاذبة والعاقبة والعافية، أي: يَعلم سبحانه خيانةَ الأعين. وقيل: هو وصفٌ مضافٌ إلى موصوفه كما في قوله: وإن سقيتٍ كرامَ الناسِ فاسْقِينا(١) أي: يَعلم سبحانه الأعينَ الخائنةَ. ولا يحسُن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِى (١) الشطر وقع في بيتين أحدهما للمرقش الأكبر كما في شرح اختيارات المفضل ١٠٧٠/٢، والخزانة ٨/ ٣٠١ وتمامه: يا ذات أجوارنا قولي فحيينا وإن سقيتٍ كرامَ الناس فاسقينا وثانيهما لبعض بني قيس بن ثعلبة، وقيل: لبشامة بن حزْن النهشلي كما في شرح ديوان الحماسة ٥٠/١، والتذكرة السعدية ص٣٤، والخزانة ٣٠٢/٨، وتمامه: إنا محيُّوك يا سلمى فحيينا وإن سقيتٍ كرامَ الناس فاسقينا ٥١ الآية : ١٩ الصُّدُورُ ﴾﴾ أي: والذي تُخفيه الصدورُ من الضمائر، أو إخفاءَ الصدور لِما تُخفيه من ذلك؛ لأنَّ الملاءمةَ واجبةُ الرعاية في علم البيان، وملائِمُ الأعيُنِ الخائنةِ الصدورُ المُخْفيةُ. وما قيل في عدمِ حُسنِ ذلك من أنَّ مقامَ المبالغة يقتضي أن يُرادَ استراقُ العين ضُمَّ إليه هذه القرينة أوْ لا = فغيرُ قادحِ في التعليل المذكور؛ إذ لا مانعَ من أن يكونَ على مطلوبٍ دلائلُ، ثم لولا القرينةُ لجاز أن تُجعلَ الأعينُ تمهيداً للوصف، فالقرينةُ هي المانِعة. وهذه الجملةُ على ما في ((الكشاف))(١) متصلةٌ بأول الكلام، خبرٌ من أخبارٍ ((هو)) في قوله تعالى: ((هو الذي يريكم)) على معنى: هو الذي يريكم .. إلخ، وهو يعلم خائنة الأعين. ولم يجعله تعليلاً لنفي الشفاعة على معنى: ما لَهم من شفيعٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يعلم منهم الخيانةَ سرًّا وعلانيةٌ = قيل: لأنَّه لا يصلُح تعليلاً لنفْيِها، بل لنقْي قبولها؛ فإنَّ الله تعالى هو العالِم لا الشفيع، والمقصودُ نفْيُ الشفاعة. ووجهُ تقريرِ هذا الخبر في هذا الموضع ما فيه من التخلُّص إلى ذمّ آلهتهم، مع أنَّ تقديمَه على ((الذي يريكم)) لا وجهَ له؛ لتعلُّقه بما قبله أشدَّ التعلُّق كما أُشيرَ إليه، وكذلك على ((رفيع الدرجات)) لاتصاله بالسابق، وأمر المنيبين بالإخلاص، ولِما فيه من النَّبْو من توسيط المنكَّر الفعليِّ بين المبتدأ وخبره المعرَّفِ الاسميِّ. وأما توسيطُه بين القرائنِ الثلاث فبَين العصا ولحائها، فلا موضعَ له أحقُّ من هذا، ولا يَضُرُّ البُعدُ اللفظيُّ في مثل ذلك كما لا يخفى. وظنَّ بعضُهم ضررَه، فمنهم من قال: الجملةُ متصلةٌ بمجموع قوله عزَّ وجلَّ : (وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ) إلى آخره، وذلك أنه سبحانه لَمَّا أمر بإنذارِ ذلك اليومِ وما يُعرض فيه من شدَّةِ الكرب والغمِّ، وذَكَر تعالى أنَّ الظالمَ لا يجد مَن يحميه مِن ذلك ولا مَن يَشِفَعُ له = ذَكَر جلَّ وعلا اطّلاعَه على جميع ما يصدر من العبد وأنَّه مُجازَى بما عمِل ليكون على حذَرٍ من ذلك اليوم إذا علِم أنَّ الله تعالى مطّلعٌ على أعماله. وإلى هذا ذهب أبو حيان(٢). (١) ٣/ ٤٢١. (٢) في البحر ٧/ ٤٥٧ . سُورَةٌ غَافِلِ ٥٢ الآية : ٢٠ وقال ابن عطية: هي متصلةٌ بقوله تعالى: (سَرِيعُ الْحِسَابٍ)؛ لأنَّ سرعةَ حسابِهِ تعالى للخَلْقِ إنما هي لعلمِه تعالى الذي لا يحتاج معه إلى رويَّةٍ وفكرٍ، ولا لشيء مما يحتاجه المحاسبون، وحَكى رحمه الله تعالى عن فرقةٍ أنها متصلةٌ بقوله تعالى: (لَا يَخَْ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ) ثم قال: وهذا قولٌ حَسَنٌّ يقوِّيه تناسُبُ المعنيَيْنِ ويضعِّفُه البعدُ وكثرةُ الحائل(١). وجعلها بعضٌ متصلةً بنفي قبولِ الشفاعة الذي تضمَّنَه قوله تعالى: (وَلَا شَفِيع يُطَاعُ) - فإنَّ ((يطاع)) المنفيَّ بمعنى: تُقبل شفاعتُه ــ على أنها تعليلٌ لذلك، أي: لا تقبل شفاعةُ شفيعٍ لهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى يعلم منه الخيانةَ سرًّا وعلانيةً، وليست تعليلاً لنفْي الشفاعة ليرِدَ ما قيل. ولا يخفى ما فيه، ولعمري إنَّ جارَ الله في مثل هذا المقام لا يُجارى. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ أي: والذي هذه صفاتُه يقضي قضاءً ملتبساً بالحقِّ لا بالباطل؛ لاستغنائه سبحانه عن الظلم. وتقديمُ المسنَد إليه للتقوِّي، وجوِّز أن يكونَ للحصر. وفائدةُ العدول عن المضمَر إلى المظهَر والإتيانِ بالاسم الجامع عقيبَ ذكر الأوصاف = ما أشير إليه من إرادة الموصوف بتلك الصفات. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٌ﴾ تهكُّمُ بآلهتِهِم؛ لأنَّ الجمادَ لا يقال فيه: يقضِي أو لا يقضِي، وجَعَلَه بعضُهم من باب المشاكلة، وأصلُه: لا يقدرون على شيء. واختِيْرَ الأولُ، قيل: لأنَّ التهكُّمَ أبلغُ؛ لأنَّه ليس المقصودُ الاستدلالَ على عدم صلاحيتهم للإلهية. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلافٍ عنه وهشام: ((تَدعون)) بتاء الخطاب على الالتفات(٢)، وجوِّز أن يكونَ على إضمار ((قل))، فلا يكون التفاتاً وإن عبِّر عنه بالغَيبة قبله؛ لأنَّه ليس على خلافٍ مقتضَى الظاهرِ إذ هو ابتداءُ كلامٍ مبنيٍّ على خطابهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾﴾ تقريرٌ لعلمه تعالى بخائنة الأعين وما تخفي (١) المحرر الوجيز ٤/ ٥٥٢- ٥٥٣. (٢) التيسير ص١٩١، والنشر ٢/ ٣٦٤ عن نافع وهشام، والكلام من البحر ٤٥٧/٧ . الآية : ٢١ ٥٣ سُوَلاَ غَفاء الصدورُ، وقضائِه سبحانه بالحقِّ، ووعيدٌ لهم على ما يقولون ويفعلون، وتعريضُ بحالٍ ما يَدْعون من دونه عزَّ وجلَّ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ القاضيَ ينبغي أن يكونَ سميعاً بصيراً. ﴿أَوَلَمْ يَبِيُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: مآلُ حالِ الذين كذبوا الرسلَ عليهم السلام قبلهم كعادٍ وثمودَ. و((ينظروا)) مجزومٌ على أنه معطوفٌ على ((يسيروا))، وجوَّز أبو حيان(١) كونَه منصوباً في جواب النفْي، كما في قوله: ألم تَسْألْ فتُخْبِرَكَ الرسومُ (٢) وتعقِّب بأنه لا يصحُّ تقديرُه بـ: إنْ لم يسيروا ينظروا. وأجيب بأنَّ الاستفهامَ إنكاريٌّ، وهو في معنى النفْي، فيكونُ جوابَ نفْي النّفْي. ﴿كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَةً﴾ قدرةً وتمكّناً من التصرُّفات، والضميرُ المنفصل تأكيدٌ للضميرِ المتصلِ قبلَه. وجوِّز كونُه ضميرَ فصلٍ، ولا يتعيَّن وقوعُه بين معرفتين، فقد أجاز الجرجانيُّ وقوعَ المضارع بعدَه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُدِئُ وَهِيدٌ﴾ [البروج: ١٣]، نعم الأصل الأكثر فيه ذلك، على أنَّ أفعل التفضيل الواقعَ بعدَه ((مِن)) الداخلةُ على المفضَّل عليه مضارعٌ(٣) للمعرفة لفظاً في عدم دخول ((أل)) عليه ومعنّى لأنَّ المرادَ به الأفضلُ باعتبارِ أفضليةٍ معيَّنةٍ. وجملة («كانوا)) إلخ مستأنَفَةٌ في جوابٍ: كيف صارت أمورُهم؟. (١) في البحر ٧/ ٤٥٧ . (٢) عجزه: على فِرْتاجَ والِظَّلَلُ القديمُ وهو في الكتاب ٣٤/٣، والبحر ٤٥٧/٧، واللسان (فرتج)، وتاج العروس (فرتج) دون نسبة، وعزاه في منتهى الطلب ٧٦/٨ لعمرو بن شأس، وعزاه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ١٥٢/٢ للبُرج بن مُسهر، ورواية منتهى الطلب والسيرافي: ألم تربع، بدل: ألم تسأل، ورواية اللسان: ألم تَسَلي، وفِرتاج: موضع في بلاد طيِّئ كما في اللسان. (٣) أي: مشابه، والكلام من حاشية الشهاب ٣٦٧/٧. سُورَةٌ غَفٍ ٥٤ . الآية : ٢٢ وقرأ ابن عامر: ((منكم)) (١) بضمير الخطاب على الالتفات. ﴿وَءَاثَّارًا فِ اُلْأَرْضِ﴾ عطفٌ على ((قوة))، أي: وأشدَّ آثاراً في الأرض مثلَ القِلاعِ المحكمَةِ والمدائنِ الحصينة. وقد حَكَى الله تعالى عن قومٍ منهم أنَّهم كانوا ينحِتون من الجبال بيوتاً . وجوِّز كونُه عطفاً على ((أشدَّ)) بتقدير محذوفٍ، أي: وأكثرَ آثاراً، فتشمل الآثارَ القويةَ وغيرَها، وهو ارتكابُ خلافِ المتبادر من غير حاجةٍ يُعَتَدُّ بها . وقيل: المرادُ بهذه الآثار آثارُ أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم. وليس بشيء أصلاً. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي: وليس لهم واقٍ من الله تعالى يقيهم ويمنعُ عنهم عذابَه تعالى أبداً، فـ ((كان)) للاستمرار، والمرادُ استمرارُ النفْي، لا نفْيُ الاستمرار، و((من)) الثانيةُ زائدةٌ، و ((من)) الأولى متعلّقةٌ بـ ((واقٍ)، وقدِّم الجارُّ والمجرورُ للاهتمام والفاصلةِ؛ لأنَّ اسمَ الله تعالى قيل: لم يقع مقطعاً للفواصل. وجوِّز أن تكونَ ((مِنْ)) الأولى للبدلية، أي: ما كان لهم بدلاً مِن المتَّصفِ بصفات الكمال واقٍ، وأُريدَ بذلك شركاؤُهم، وأن تكونَ ابتدائيةً؛ تنبيهاً على أنَّ الأخذَ في غاية العُنف؛ لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه واقيةٌ لم يكن لهم باقيةٌ. ﴿ذَلِكَ﴾ الأخذُ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسببِ أنَّهم ﴿كَانَت تَأْتِيِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ﴾ بالمعجزاتِ والأحكام الواضحة ﴿فَكَفَرُواْ﴾ رَيْئَما أَتَتْهم رسلُهم بذلك ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ، قَوِىٌ﴾ متمكِّنٌ مما يريده عزَّ وجلَّ غايةَ التمكُّن ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾ لا يُعتَدُّ بعقابٍ عند عقابِه سبحانه، وهذا بيانٌ للإجمال في قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمُ اَللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) إن كانت الباءُ هناك سببيةً، وبيانٌ لسببِ الأخذ إن كانت للملابسة، أي: أَخَذَهم ملابِسين لذنوبهم غيرَ تائبين عنها، فتأمل. (١) التيسير ص١٩١، والنشر ٣٦٥/٢. الآية : ٢٣ - ٢٤ ٥٥ سُورَةٌ غَافِلِ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَئِنَا﴾ وهي معجزاتُه عليه السلام ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) حجَّةٍ قاهرةٍ ظاهرةٍ، والمرادُ بذلك قيل: ما أُريدَ بالآيات، ونزِّل تغايرُ الوصفين منزلةً تغايُرِ الذاتَيْنِ، فَعُطف الثاني على الأول. وقيل: المرادُ به بعضٌ مِن آياته له شأنٌ كالعصا، وعُطِف عليها تفخيماً لشأنه كما عُطف جبريلُ وميكال عليهما السلام على الملائكة(١). وتعقِّب بأنَّ مثلَه إنَّما يكونُ إذا غُيِّر الثاني بعلمٍ أو نحوه، أما مع إبهامه ففيه نظرٌ. وحكى الطبرسيُّ أنَّ المرادَ بالآيات حُجَجُ التوحيد، وبالسلطان المعجزاتُ الدالَّةُ على نبوَّتِهِ عليه السلام(٢). وقيل: الآياتُ: المعجزاتُ، والسلطانُ: ما أوتيه عليه السلام من القوَّة القدسية، وظهورُها باعتبارِ ظهورٍ آثارها من الإقدام على الدعوة من غيرِ اكتراثٍ. وقرأ عيسى: ((سُلُطان)) بضمِّ اللام(٣). ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ﴾ وزيرُ فرعون، وزَعْمُ اليهود أنَّه لم يكن لفرعونَ وزيرٌ يُدْعى: هامان، وإنما هامان ظالمٌ جاء بعد فرعون بزمان مديدٍ ودهرٍ داهرٍ = نَقْيٌّ جاءهم من اختلال أمرِ كتبِهم وتواريخ فرعون؛ لطولِ العهد وكثرة المِحَن التي ابْتُلُوا بها، فاضمحلّت منها أنفسُهم وكتبُهم. ﴿وَقَرُونَ﴾ قيل: هو الذي كان من قوم موسى عليه السلام، وقيل: هو غيرُه، وكان مقدَّم جنودِ فرعون، وذِكْرُهما من بين أتباع فرعون؛ لمكانَتِهما في الكفر وكونِهما أشهرَ الأتباع. وفي ذكرٍ قصة الإرسال إلى فرعون ومَن معه وتفصيلٍ ما جرى تسليةٌ لرسول الله وَّل﴿ وبيانٌ لعاقبةٍ مَن هو أشدُّ الذين كانوا من قبلُ وأقربُهم زماناً، ولذا خُصَّ ذلك بالذكر، ولا بُعدَ في كونِ فرعونَ وجنودِه أشدَّ من عادٍ. (١) في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِيلَ وَمِيكَلَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. (٢) مجمع البيان ٥/ ١٩٢ . (٣) المحرر الوجيز ٥٥٤/٤، والبحر المحيط ٤٥٩/٧. ٠٠. ٥٦ الآية : ٢٥ - ٢٦ ﴿فَقَالُواْ سَحِرٌ﴾ أي: هو - يَعْنُون موسى عليه السلام - ساحرٌ فيما أظهرَ مِن المعجزاتِ ﴿كَذَّابٌ ﴾﴾ في دعواه أنه رسولٌ مِن ربِّ العالمين. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا﴾ وبلَّغهم أمرَ الله تعالى غيرَ مكترثٍ بقولهم: ساحرٌ كذابٌ ﴿قَالُواْ﴾ غيظاً وحَنَقاً وعَجْزاً عن المعارضة: ﴿اقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ. وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾ أي: أَعِيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه بهم أولاً كَي تصدُّوهم عن مظاهرةٍ موسى عليه السلام، فالأمرُ بالقتل والاستحياءِ وقع مرَّتين: المرَّةُ الأولى حين أخبَرَت الكَهَنَةُ والمنجِّمون في قولٍ فرعونَ بمولودٍ من بني إسرائيل يسلبُه ملگه، والمرَّةُ الثانية هذه، وضميرُ ((قالوا)) لفرعونَ ومَن معه. وقيل: إنَّ قارونَ لم يصدُرْ منه مثلُ هذه المقالةِ لكنَّهم غلِبوا عليه. ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَلِ ﴾﴾ في ضَياعِ، مِن ضَلَّت الدابةُ: إذا ضَاعت، والمرادُ أنه لا يفيدُهم شيئاً، فالعاقبةُ للمتقين. واللامُ إمَّا للعهد والإظهارُ في موضع الإضمار لذمِّهم بالكفر والإشعارِ بعلَّة الحكم، أو للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولاً أوليًّا . والجملةُ اعتراضٌ جيء به في تضاعيفِ ما حُكي عنهم من الأباطيلِ للمسارَعةِ إلى بيانِ بُطلانِ ما أظهروه من الإبراق والإرعاد، واضمحلالِه بالمرَّة. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى﴾ كان إذا همَّ بقتله كَقُّوه بقولهم: ليس بالذي تخافه، وهو أقلُّ من ذلك وأضعفُ، وما هو إلا ساحرٌ يقاومه ساحرٌ مثلُه، وإنَّك إذا قتلتَه أدخلتَ الشبهةَ على الناس، واعتقدوا أنك عجزتَ عن مظاهرته بالحجَّة. والظاهرُ أنه لعنه الله تعالى استيقن أنه عليه السلام نبيٌّ، ولكن كان فيه خبٌّ وجَرْبَزَةٍ(١)، وكان قتَّالاً سفَّاكاً للدماء في أهون شيءٍ، فكيف لا يقتُل مَن أحسَّ منه بأنَّه الذي يُثلُّ عرشَه ويهدِمُ ملكَه؟ ولكنَّه يخاف إن همَّ بقتله أن يعاجل بالهلاك، فقوله: ((ذروني) إلخ كان تمويهاً على قومه وإيهاماً أنَّهم هم الذين يكفُّونه، وما كان يكُفُّه إلا ما في نفسه من هول الفزَع، ويُرشد إلى ذلك قولُه: ﴿وَلَيَدْعُ رَبٌَّ﴾ لأنَّ (١) الجَرْبَزة: الخبث. القاموس (جربز). الآية : ٢٦ ٥٧ سُورَةٌ غَفَاءِ ظاهرَه الاستهانةُ بموسى عليه السلام بدعائه ربَّه سبحانه كما يقال: ادْعُ ناصرَك فإني منتقِمٌّ منك، وباطنُه أنَّه كان تُرعَدُ فرائصُه من دعاء ربِّه، فلهذا تكلّم به أوَّلَ ما تكلّم وأظهرَ أنه لا يبالي بدعاءِ ربِّه، وما هو إلّا كمن قال: ذروني أفعل كذا وما كان فليكن، وإلا فما لمن يدَّعي أنه ربُّهم الأعلى أن يجعلَ لِما يدّعيه موسى عليه السلام وزناً، فيتفوَّهَ به تهكُّماً أو حقيقةً. ﴿إِنَّ أَخَافُ﴾ إن لم أقتلْه ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أن يغيِّر حالَكم الذي أنتم عليه من عبادتي وعبادةِ الأصنام، وكان عليه اللعنة قد أمَرَهم بنحتِها، وأن تُجعلَ شفعاءَ لهم عندَه كما كان كفَّارُ مكة يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَمَتُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ولهذا المعنى أضافوا الآلهةَ إليه في قولهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] فهي إضافةٌ تشريفٍ واختصاصٍٍ، وهذا ما ذهب إليه بعضُ المفسرين. وقال ابن عطية(١): الدين: السلطانُ، ومنه قولُ زهير: لئن حَلَلْتَ بحيٍّ من بني أسدٍ في دِين عمرو وحالت بينَنا فَدَهُ(٢) أي: إني أخاف أن يغيِّرَ سلطانَكم ويستذلَّكم ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾ إن لم يقدرْ على تغييرِ دينكم بالكلية ﴿فِي الْأَرْضِ اُلْفَسَادَ ﴾﴾ وذلك بالتهارُج الذي يذهب معه الأمن وتتعطّلُ المزارعُ والمكاسبُ ويهلك الناسُ قتلاً وضَياعاً، فالفسادُ الذي عناه فسادُ دنياهم، فيكون حاصلُ المعنى على ما قرِّر أولاً: إني أخاف أن يفسدَ عليكم أمرَ دينِكم بالتبديل، أو يفسدَ عليكم أمرَ دنياكم بالتعطيل، وهما أمران كلٌّ منهما مُرٍّ ، ونحو هذا يقال على المعنى الثاني للدين. وعن قتادة أنَّ اللعين عنى بالفساد طاعةَ الله تعالى(٣). (١) في المحرر الوجيز ٤/ ٥٥٥ . (٢) ديوان زهير ص ١٨٣، ورواية الديوان، والمحرر الوجيز ٤/ ٥٥٥، والبحر ٤٥٩/٧، واللسان (فدك)، والتاج (فدك): حللتَ بجوٍّ، وأورده في اللسان (خوو)، والتاج (خور) بلفظ: حللت بخوٍّ، بالخاء الفوقية. قوله: فَدَك، قرية بخيبر، فيها عين ونخل، أفاءها الله على نبيه اَهلِ. (٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨٠، وتفسير الطبري ٣١٠/٢٠. سُورَة ◌َفِ ٥٨ الآية : ٢٧ وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو: ((وأن)) بالواو الواصلة(١). وقرأ الأعرج والأعمش وابن وثاب وعيسى وابن كثير وابن عامر والكوفيون غير حفص: ((يَظْهَر)) بفتح الياء والهاء، ((الفسادُ» بالرفع(٢). وقرأ مجاهد: ((يَّهَّر)) بتشديد الظاء والهاء، ((الفسادُ)) بالرفع. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((يُظْهَر)) بضم الياء وفتح الهاء مبنيًّا للمفعول، ((الفسادُ)) بالرفع(٣). ﴿وَقَالَ مُوسَىّ﴾ لَمَّا سمع بما أجراه اللعينُ من حديثٍ قتله: ﴿إِنِّ عُدْتُ بِرَتِ وَرَيْكُمْ مِن كُلِّ مُتَكٍَِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾﴾ قاله عليه السلام مخاطِباً به قومَه على ما ذهب إليه غيرُ واحد، وذلك أنَّه لَمَّا كان القولُ السابقُ من فرعون خطاباً لقومه على سبيلِ الاستشارة وإجالة الرأي، لا بمحضَرٍ منه عليه السلام، كان الظاهرُ أنَّ موسى عليه السلام أيضاً خاطبَ قومَه لا فرعونَ وحاضریه بذلك، ويؤيِّده قولُه تعالى في الأعراف: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا﴾ [الآية: ١٢٨] في هذه القصة بعينها، وقولُه تعالى هنا: ((وربِّكم))، فإنَّ فرعون ومَن معه لا يعتقدون ربوبيتَه تعالى، وإرادةُ أنَّه تعالى كذلك في نفس الأمر لا يضُرُّ في كونه مؤيّداً؛ لأنَّ التأييدَ مدارُه الظاهرُ. وصدِّر الكلام بـ ((إنَّ) تأكيداً وتنبيهاً على أنَّ السببَ المؤَّد في دفع الشرِّ هو العياذُ بالله تعالى، وخُصَّ اسمُ الربِّ لأنَّ المطلوبَ هو الحفظُ والتربيةُ، وأضافه إليه وإليهم حثًّا لهم على موافَقتِهِ في العياذِ به سبحانه والتوجُّهِ التامِّ بالروح إليه جلَّ شأنُه، لِما في تظاهُرِ الأرواح مِن استجلابِ الإجابة، وهذا هو الحكمةُ في مشروعية الجماعة في العبادات. و ((من كلِّ)) على معنى: من شرِّ كلّ، وأراد بالتكبُّرِ الاستكبارَ عن الإذعان (١) التيسير ص١٩١، والنشر ٣٦٥/٢، والبحر ٧/ ٤٦٠، وزادوا: ابن عامر وابن كثير. (٢) التيسير ص١٩١، والنشر ٣٦٥/٢ عن ابن كثير وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي وخلف. (٣) القراءات الشاذة ص ١٣٢، والبحر ٧ / ٤٦٠ . الآية : ٢٨ ٥٩ سُورَةٌ عَدفل للحقِّ، وهو أقبحُ استكبارٍ وأدلَّه على دناءةٍ ومهانةِ نفسِه وعلى فرطِ ظلمه وعَسْفِهِ، وضَمَّ إليه عدمَ الإيمان بيوم الجزاء ليكونَ أدلَّ وأدلَّ، فمن اجتمع فيه التكبُّرُ والتكذيبُ بالجزاء وقلَّةُ المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسبابَ القسْوةِ والجراءةِ على الله تعالى وعبادِهِ، ولم يتركْ عظيمةً إلا ارتكبها . واختير المنزَّل دون: منه، سلوكاً لطريقِ التعريض؛ لأنَّه كلامٌ واردٌ في عرضهم فلا يلبسون جلد النمر(١) إذا عُرض عليهم، مع ما في ذلك من الدلالة على علَّة الاستعاذة، ورعايةٍ حقِّ تربية اللعين له عليه السلام في الجملة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيُّ: ((مُتُّ)) بإدغام الذال المعجمة في التاء بعدَ قلبها تاءٌ(٢). ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ قيل: كان قبطيًّا ابنَ عمِّ فرعون، وكان يجري مَجرى وليّ العهد ومَجرى صاحب الشرطة. وقيل: كان إسرائيليًّا. وقيل: كان غريباً ليس من الفئتين. ووصفُه على هذين القولين بكونه من آلٍ فرعون باعتبارِ دخوله في زمرتهم وإظهارٍ أنَّه على دينهم ومَّتهم تقيةً وخوفاً، ويقال نحو هذا في الإضافة في ((مؤمن آل فرعون)) الواقع في عدَّة أخبار(٣) . وقيل: ((من آل فرعون)) على القولين متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿يَكْتُمُ إِمَنَهُ﴾ والتقديمُ للتخصيص، أي: رجلٌ مؤمن يكتُم إيمانَه من آل فرعون دونَ موسى عليه السلام ومَن اتبعَه؛ ولا بأس على هذا في الوقف على ((مؤمن)). واعتُرِض بأنَّ (كتم)) يتعدَّى بنفسه دونَ ((من))، فيقال: كتمت فلاناً كذا، دون: كتمت مِن فلانٍ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقال الشاعر : (١) مثل يضرب في إظهار العداوة وكشفها، يقال: لبست له جلد النمر، إذا أظهرت له العداوة الشديدة. جمهرة الأمثال ١٩٩/٢، ومجمع الأمثال ٢/ ١٨٠. (٢) النشر ١٦/٢. (٣) منها ما في مسند البزار (٧٦١)، ومسند الفردوس (٣٨٦٦). سُؤَةُ غَفَرِ ٦٠ الآية : ٢٨ وهمَّيْن همَّا مُستكِنًّا وظاهِرا كتَمْتُك ليلاً بالجَمُومَيْن ساهِرا وَوِردَ هُمومٍ لن يَجِدْن مَصادِرا(١) أحاديثَ نفْسٍ تشْتکِی ما یَریبُها وأراد على ما في ((البحر)): كتمتُكَ أحاديثَ نفسٍ وهمَّيْن(٢). وفيه أنه صرَّح بعضُ اللغويين بتعدِّيه بـ ((من)) أيضاً، قال في ((المصباح)): كَتَم من بابٍ فَتَل يتعدَّى إلى مفعولين، ويجوز زيادةُ ((مِن)) في المفعول الأول فيقال: كتمتُ من زيدِ الحديثَ كما يقال: بعتُه الدار وبعتُها منه(٣). نعم تعلُّقه بذلك خلاف الظاهر، بل الظاهرُ تعلُّقه بمحذوفٍ وقع صفةً ثانيةً لـ ((رجل))، والظاهرُ على هذا كونُه مِن آلٍ فرعونَ حقيقةً، وفي كلامه المحكيِّ عنه بعدُ ما هو ظاهرٌ في ذلك. واسمه: قيل: شمعان، بشينٍ معجمة. وقيل: خِرْبِيل، بخاء معجمة مكسورة وراء مهملة ساكنة. وقيل: حِزْبيل، بحاء مهملة وزاي معجمة. وقيل: حبيب. وقرأ عيسى وعبد الوارث وعبيد بن عقيل وحمزة بن القاسم عن أبي عمرو: (رجْلٌ) بسكون الجيم، وهي لغةُ تميمٍ ونجد (٤). ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ أي: أتقصدون قتلَه، فهو مجازٌ ذُكر فيه المسبّبُ وأريد السببُ، وكونُ الإنكار لا يقتضي الوقوعَ لا يصحِّحه من غير تجوُّزٍ. ﴿أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ﴾ أي: لأن يقولَ ذلك ﴿وَقَدْ جَءَكُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ الشاهدةِ على صدقه، من المعجزات والاستدلالاتِ الكثيرةِ، وجمعُ المؤنَّث السالم - وإن شاع أنَّه للقلَّة - لكنَّه إذا دخلت عليه ((أل)) يفيد الكثرةَ بِمَعُونة المقام. (١) البيتان للنابغة الذبياني، وهما في ديوانه ص٦٣، والجَمُومَيْن: قال في اللسان (جمم): الجموم: البئر الكثيرة الماء، وقوله: كتمتك ليلاً بالجمومين، يجوز أن يعني رَكيَّتَيْن قد غلبت هذه الصفة عليهما، ويجوز أن يكونا موضعين. (٢) البحر المحيط ٧/ ٤٦٠ . (٣) المصباح المنير (كتم). (٤) البحر ٧ / ٤٦٠ .