Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ٣٩
٤٤١
سُورَةُ الدُّهَزْ
وقرأ الأعرج وشيبة وعمرو بن عبيد وعيسى بخلاف عنه وأبو عمرو وأبو بكر:
(كاشفاتٌ)) و((ممسكاتٌ)) بالتنوين فيهما ونصبٍ ما بعدهما (١).
وتعليقُ إرادة الضرِّ والرحمة بنفسه النفيسة عليه الصلاة والسلام للردِّ في
نحورهم حيث كانوا خوَّفوه معرَّةَ الأوثان، ولِمَا فيه من الإيذان بإمحاضِ النصيحة.
وقدِّم الضرُّ؛ لأنَّ دفعَه أهمُ.
وقيل: ((كاشفات)) و((ممسكات)) على ما يصفونها به من الأنوثة؛ تنبيهاً على
کمال ضعفها .
﴿قُلْ حَسِىَ اللَّهُ﴾ كافيَّ جلَّ شأنه في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشرِّ.
روي عن مقاتل أنه ◌ّ﴿ لَمَّا سألهم سكتوا؛ فنزل ذلك.
لعِلْمِهم أنَّ كلَّ
﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ﴾ لا على غيرِه في كلِّ شيءٍ ﴿الْمُتَوَّكِلُونَ
ما سواه تحتَ ملكوته تعالی.
﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ﴾ على حالتِكم التي أنتم عليها من العداوة التي
تمَّنْتُم فيها، فإنَّ المكانةَ نُقلت من المكان المحسوس إلى الحالة التي عليها
الشخصُ واستعيرتْ لها استعارة محسوسٍ لمعقول، وهذا كما تُستعار ((حيث)»
و((هنا)) للزمان بجامع الشمول والإحاطة. وجوِّز أن يكون المعنى: اعملوا على
حسبٍ تمگنکم واستطاعتِكم.
وروي عن عاصم: ((مكاناتكم)) بالجمع(٢).
والأمرُ للتهديد، وقوله تعالى: ﴿إِّ عَمِلٌ﴾ وعيدٌ لهم، وإطلاقُه لزيادة الوعيد
لأنَّه لو قيل: على مكانتي، لتَراءَى أنَّه عليه الصلاة والسلام على حالةٍ واحدةٍ
لا تتغيَّر ولا تزداد، فلمَّا أُطلِقِ أَشْعَرَ بأنَّ له وَلِّ كلَّ زمانٍ مكانةٌ أخرى، وأنَّه لا يزال
يزداد قوَّةً بنصر الله تعالى وتأييدِهِ، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٩
فإِنَّه دالٌّ على أنه وَّهِ منصورٌ عليهم في الدنيا والآخرة بدليل قوله تعالى: ﴿مَن يَأْتِيهِ
(١) التيسير ص ١٩٠، والنشر ٣٦٣/٢ عن أبي عمرو ويعقوب، والكلام من البحر ٤٣٠/٧.
(٢) هي رواية أبي بكر عن عاصم، كما في التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢.

سُورَّةُ الزُّز
٤٤٢
الآية : ٤٠ - ٤٢
فإنَّ الأولَ إشارةٌ إلى العذاب الدنيويِّ
عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمُ
وقد نالهم يوم بدر، والثاني إشارةٌ إلى العذاب الأخرويِّ، فإنَّ العذابَ المقيمَ
عذابُ النار. فلو قيل: إنِّي عاملٌ على مكانتي، وكان إذ ذاك غير غالبٍ بل الأمرُ
بالعكس؛ لم يلائم المقصود.
و(مَن) تحتمِلُ الاستفهام(١) والموصولية. وجملةُ ((يخزيه)) صفةُ ((عذاب))،
والمرادُ بـ ((مقيم): دائمٌ. وفي الكلام مجازٌ في الطرَف(٢) أو الإسناد، وأصلُه: مقيمٌ
فيه صاحبه.
﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ﴾ لأجلهم، فإنَّه مناطُ مصالِحهم في المعاشِ
والمعادِ ﴿بَلْحَقٌ﴾ حالٌ من مفعولِ («أنزلنا»، أو مِن فاعلِه، أي: أنزلنا الكتابَ
ملتِساً أو ملتبسينَ بالحقِّ.
﴿فَمَنِ أَهْتَدَى﴾ بأنْ عمِل بما فيه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ إذ نفعَ به نفسَه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾
بأن لم يعمَلْ بموجبه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا﴾ لِمَا أنَّ وبالَ ضلاله مقصورٌ عليها .
﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
لتُجبرهم على الهدى، وما وظيفتُك إلَّا البلاغ،
٤١
وقد بلَّغتَ أيَّ بلاغٍ.
﴿اللَّهُ يَتَوَّلَى الْأَنفُسَ﴾ أي: يقبضُها عن الأبدان بأن يقطع تعلُّقَها - تعلُّقَ التصرُّفِ
فيها - عنها ﴿حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي: في وقت موتها، ﴿وَلَِّى لَمْ تَمُتْ﴾ أي: ويتوقَّى
الأنفسَ التي لم تَمُتْ ﴿فِى مَنَامِهَاً﴾ متعلّقٌ بـ ((يتوفى))، أي: يتوقَّاها في وقت نومها
على أنَّ مناماً اسمُ زمان. وجوِّز فيه كونُه مصدراً ميميًّا، بأن يقطعَ سبحانه تعلُّقَها
بالأبدان تعلُّقَ التصرُّفِ فيها عنها أيضاً، فَتَوَفِّي الأنفس حين الموت، وتَوَفِّيها في
وقت النوم بمعنى قَبْضِها عن الأبدان وقطع تعلُّقِها بها تعلُّق التصرف، إلّا أنَّ تَوَفِيها
حينَ الموت قطعٌ لتعلُّقِها بها تَعلُّقَ التصرُّفَ ظاهراً وباطناً، وتوفِيها في وقتِ النوم
(١) في الأصل: ((الاستفهامية))، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٤١/٧.
(٢) في (م): ((الظرف))، بالظاء المعجمة، والمثبت من الأصل، وهو موافق لما في حاشية
الشهاب ٣٤١/٧، وهو الصواب.

الآية : ٤٢
٤٤٣
سُؤَدَّةُ الزُّهِزْ
قطعٌ لذلك ظاهراً فقط، وكأنَّ التوفِّي الذي يكون عندَ الموت - لكونه شيئاً واحداً
في أوَّلِ زمانِ الموت وبعد مُضِيٍّ أيام منه - قيل: ((حين موتها))، والتوفِّي الذي يكونُ
في وقت النوم لكونه يتفاوَتُ في أوَّل وقت النوم وبعد مُضيِّ زمانٍ منه قوةً وضعفاً
قيل: ((في منامها))، أي: في وقتٍ نومها، كذا قيل، فتدبَّره، ولمسلكِ الذهن السليم
تساعٌ.
وإسنادُ الموت والنوم إلى الأنفس قيل: مجازٌ عقليّ؛ لأنَّهما حالًا أبدانِها،
لا حالاها. وزعم الطبرسيُّ(١) أنَّ الكلامَ على حذف مضافٍ، أعني: الأبدان.
وجعل الزمخشريُّ ((الأنفسَ)) عبارةً عن الجملة دونَ ما يقابل الأبدان، وحَمل
توفِّيها على إماتتها وسلبٍ صحَّةٍ أجزائها بالكلية، فلا تبقى حيَّةً حسَّاسةً درَّاكةً حتى
كأنَّ ذاتَها قد سُلبت، وحيثُ لم يتحقَّق هذا المعنى في التوِّي حينَ النوم؛ لأنَّه ليس
إلَّا سلبَ كمال الصحة وما يترتَّبُ عليه من الحركات الاختيارية وغيرِها، قال في
قوله تعالى: (وَلَّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً)، أي: يتوقَّاها حين تنام تشبيهاً للنائمين
بالموتى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُم بِلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] حيث لا تميِّزون
ولا تتصرَّفون كما أنَّ الموتى كذلك(٢).
وما يتخايل فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز يُدْفع بالتأمُّل. وتقديمُ الاسم
الجليل وبناءُ ((يتوَفَّى)) عليه؛ للحصر، أو للتقوِّي، أو لهما، واعتبارُ الحصر أوفقُ
بالمقام من اعتبار التقوِّي وحده، أي: الله يتوفَّى الأنفسَ حقيقةً لا غيرُه عزَّ وجلَّ.
﴿فَيُمْسِكُ أَلَّتِى﴾ أي: الأنفس التي ﴿قَضَى﴾ في الأزل ﴿عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾،
ولا يردُّها إلى أبدانها، بل يُبقيها على ما كانت عليه، وينضمُّ إلى ذلك قطعُ تعلُّقٍ
التصرُّفِ باطناً، وعبَّر عن ذلك بالإمساك ليناسِبَ التوفِّي.
وقرأ حمزة والكسائيُّ وعيسى وطلحة والأعمش وابن وثاب: ((قُضي)) على البناء
للمفعول، ورفع ((الموت))(٣).
(١) في مجمع البيان ١٥٩/٢٤ .
(٢) الكشاف ٣/ ٤٠٠.
(٣) التيسير ص ١٩٠، والنشر ٣٦٣/٢، عن حمزة والكسائي، والكلام من البحر ٤٣١/٧.

سُوَّةُ الدُّز
٤٤٤
الآية : ٤٢
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَ﴾ أي: الأنفس الأخرى - وهي النائمة - إلى أبدانها فتكون
كما كانت حالَ اليقظة متعلّقة بها تعلُّقَ التصرُّف ظاهراً وباطناً، وعبّر بالإرسال رعايةً
للتقابل، ﴿إِلَىَّ أَجَلِ تُسَنَّىَّ﴾ هو الوقت المضروبُ للموت حقيقةً، وهو غايةٌ لجنس
الإرسال الواقعِ بعدَ الإمساك، لا لفردٍ منه، فإنَّه آنيّ لا امتدادَ له فلا يُغَيًّا. واعتبر
بعضُهم كونَ الغاية للجنس لئلا يَرِدَ لزومُ أنْ لا يقع نومٌ بعد اليقظة الأولى أصلاً،
وهو حَسن.
وقيل: ((يرسل)) مضمَّنٌ معنى الحفظ، والمراد: يرسل الأخرى حافظاً إياها عن
الموت الحقيقيّ إلى أجلٍ مسمَّى.
وروي عن ابن عباس أنَّ في ابن آدم نَفْساً وروحاً بينهما مثلُ شعاع الشمس،
فالنفسُ هي التي بها العقلُ والتمييزُ، والروحُ هي التي بها النَّفَسُ والتحرُّك، فيُتوقَّيان
عند الموت، وتُتوقَّى النفس وحدها عند النوم(١). وهو قولٌ بالفرق بين النفس
والروح، ونسبه بعضُهم إلى الأكثرين.
ويعبّر عن النفس بالنفس الناطقة؛ وبالروح الأمرية؛ وبالروح الإلهية، وعن
الروح بالروح الحيوانية؛ وكذا بالنفس الحيوانية، والثانيةُ كالعرش للأولى.
قال بعض الحكماء المتألهين: إن القلب الصنوبري فيه بخارٌ لطيف هو عرشٌ
للروح الحيوانية وحافظٌ لها وآلةٌ يتوقَّفُ عليها آثارُها، والروحُ الحيوانية عرشٌ ومرآةٌ
للروح الإلهية التي هي النفس الناطقةُ، وواسطةٌ بينها وبينَ البدن، بها يصلُ حكم
تدبیر النفس إليه .
وإلى عدم التغاير ذهب جماعةٌ، وهو قول ابن جبير؛ وأحد قولين لابن عباس،
وما روي عنه أولاً في الآية يوافقُ ما ذكرناه من حيث إنَّ النفس عليه ليست بمعنى
الجملة كما قال الزمخشريُّ وادَّعى أنَّ الصحيحَ ما ذكره دون هذا المروي بدلیلِ
(١) عزاه السيوطيُّ في الدر ٣٢٩/٥ لابن أبي حاتم، ونقله المصنف من تفسير البيضاوي مع
حاشية الشهاب ٧/ ٣٤١.

الآية : ٤٢
٤٤٥
سُؤَدَّةُ الزُِّزْ
موتها ومنامها، والضمير لـ ((الأنفس)) وما أريد منها غيرُ متَّصفٍ بالموت والنوم،
وإنما الجملة هي التي تَّصِف بهما (١).
وقال في ((الكشف)): ولأنَّ الفرق بين النفسين رأيٌ يدفعه البرهان، وإيقاع
الاستيفاء أيضاً لا بدَّ له من تأويلٍ أيضاً، فلا ينبغي أن يُعدل عن المشهور
الملائم - يعني حمل التوفِّي على الإماتة - فإنَّ أصلَه أخذُ الشيء من المستوفَى منه
وافياً كَمَلاً وسلبُه منه بالكلية، ثم نُقل عن ذلك إلى الإماتة لِمَا أنَّه موجودٌ فيها حتى
صارت المتبادرةَ إلى الفهم منه. وفيه دغدغةٌ.
والذي يشهد له كثيرٌ من الآثار الصحيحة أنَّ المتوفَّى الأنفسُ التي تُقابل الأبدانَ
دون الجملة؛ أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّه:
(إذا أَوَى أحدُكم إلى فراشِهِ فَلْيَنْفُضْه بداخلةِ إزاره فإنه لا يدري ما خَلَفَه عليه، ثم
ليقل: اللهمَّ باسمك ربِّي وضعتُ جنبي وباسمك أرفعه، إن أمسكتَ نفسي
فارحَمْها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظُ به الصالحين مِن عبادِك))(٢).
وأخرج أحمد والبخاريُّ وأبو داود والنسائيُّ وابن أبي شيبة عن أبي قتادة أنَّ
النبيَّ ◌َّه قال لهم ليلة الوادي: ((إنَّ الله تعالى قَبَضَ أرواحَكم حين شاء وردّها
عليكم حينَ شاء))(٣).
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبيِّ وَِّ في سفرٍ فقال:
(من يَكْلَؤُنَا الليلة))؟ فقلت: أنا، فنام ونام الناسُ ونمتُ فلم نستيقظ إلا بِحَرِّ
الشمس، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((أيُّها الناس، إنَّ هذه الأرواحَ
عارَّيةٌ في أجسادِ العباد، فيقبِضُها اللهُ إذا شاء ويُرسِلُها إذا شاء))(٤).
(١) الكشاف ٣/ ٤٠٠.
(٢) صحيح البخاري (٦٣٢٠)، وصحيح مسلم (٢٧١٤).
(٣) مسند أحمد (٢٢٦١١)، وصحيح البخاري (٥٩٥)، وسنن أبي داود (٤٣٩)، وسنن النسائي
١٠٦/٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٦٦/٢.
(٤) الدر المنثور ٣٢٩/٥، وأخرجه أيضاً البزار (٣٩٦ - كشف)، والدولابي في الكنى
(١٣٦٧)، والإسماعيلي في معجم الشيوخ ١/ ٤٤٥، وفي إسناده أبو عمرو عتبة بن يقظان،
وهو ضعيف كما في التقريب.

سُوَّةُ الزُِّز
٤٤٦
الآية : ٤٢
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سليم بن عامر أنَّ عمر بن الخطاب
قال: العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيءَ لم يخطر له على بالٍ فتكون
رؤياه كأخذٍ باليد، ويرى الرجلُ الرؤيا فلا تكون رؤیاہ شيئاً. فقال عليٍّ كرَّم الله
تعالى وجهه: أفلا أخبرُك بذلك يا أمير المؤمنين؟ يقول الله تعالى: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَلَى
اُلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَتِ لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
الْأُخْرَّ إلَى أَجَلِ تُسَتَّىَّ﴾ فالله تعالى يتوفَّى الأنفسَ كلَّها فما رأت وهي عنده سبحانه
في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أُرْسِلَتْ إلى أجسادِها فهي
الرؤيا الكاذبة؛ لأنَّها إذا أرسِلَتْ إلى أجسادها تلقَّتْها الشياطينُ في الهواءِ فَكَذَبَتْها
وأخْبَرَتْها بالأباطيل فكذبتْ فيها. فعَجِبَ عمرُ من قولِه ◌ِ﴾ (١) .
وظاهرُ هذا الأثر أنَّ النفسَ النائمةَ المقبوضةَ تكون في السماء حتى تُرْسَل،
ومثلُ ذلك مما يجب تأويلُه على القول بتجرُّدِ النفس ولا يجب على القول الآخر.
نعم لعلَّك تختارُه، وكأنَّك تقول: إنَّ النفسَ شريفةٌ علويةٌ هبطَتْ من المحلِّ الأرفع،
وأرْسِلت من حِمَّى ممنَّعٍ، وشُغلت بتدبيرٍ منزلها في نهارها وليلها، ولم تزل تنتظِرُ
فرصةَ العودِ إلى ذيَّاك الحمى، والمحلِّ الرفيع الأسمى، وعند النوم تنتهز تلك
الفرصة، وتهونُ عليها في الجملة هاتيك الغصَّة، فيحصلُ لها نوعُ توجُّهٍ إلى عالم
النور ومعلَم السرور الخالي من الشرور، بحيثُ تستعدُّ استعداداً مّا لقبولِ بعضٍ
آثاره، والاستضاءةِ بشيءٍ من أنواره، وجعلُها كذلك هو قبضُها، وبه لعمري بسطُها
وفيضها، فمتى رأت وهي في تلك الحال مستفيضةً مِن ذلك العالم الموصوفِ
بالكمال رؤيا، كانت صادقةً، ومتى رأتْ وهي في راجعة القهقرى إلى ما ابتُلِيَتْ به
من تدبیرٍ منزلٍ تَحُوم فیه شیاطینُ الأوهام، وتزدحمُ فيه أيَّ ازدحام، كانت رؤياها
كاذبةً، ثم إنَّها في كلا الحالين متفاوتةُ الأفراد فيما يكون من الاستعداد، والوقوف
على حقيقة الحال لا يتمُّ إلَّا بالكشف دون القيل والقال.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾﴾ الإشارةُ إلى ما ذُكر من التوقِّي
والإمساكِ والإرسال، والإفرادُ لتأويله بالمذكور أو نحوه، وصيغةُ البعيد باعتبارِ
(١) الدر المنثور ٣٢٩/٥.

الآية : ٤٣
٤٤٧
سُؤَّةُ الرُِّزْ
مبدئِه أو تقضِّي ذكرِهِ أو بُعْدِ منزلته، والتنوينُ في ((آياتٍ)) للتكثير والتعظيم، أي: إنَّ
فيما ذُكر لآياتٍ كثيرةً عظيمةً دالَّةً على كمالٍ قدرته تعالى وحكمتِهِ وشمولٍ رحمتِّه
سبحانه لقوم يتفكّرون في كيفيةِ تعلُّق الأنفس بالأبدان، وتوفّيها عنها تارةً بالكلِّية
عند الموت، وإمساكِها باقيةً لا تفنى بفنائها إلى أن يعيدَ الله تعالى الخلقَ،
وما يعتريها من السعادة والشقاوةٍ، وأخرى عن ظواهرِها فقط كما عند النوم،
وإرسالها حيناً بعد حينٍ إلى انقضاءِ آجالها .
أَمِ أَّخَذُوا﴾ أي: بل أنَّخذَ قريشٌ، فـ ((أم)) منقطعةٌ والاستفهامُ المقدَّرُ لإنكارِ
اتخاذهم ﴿مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءٌ﴾ تشفَعُ لهم عندَ الله تعالى في رفع العذاب. وقيل:
في أمورهم الدنيوية والأخروية. وجوِّز كونُها متصلةً بتقدير معادلٍ، كما ذكره ابنُ
الشيخ في ((حواشي البيضاوي))، وهو تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه.
ومعنى ((من دون الله): من دون رضاه، أو إذنِه؛ لأنَّه سبحانه لا يشفَعُ عندَه إلَّا
مَن أذِن له ممن ارتضاه(١)، ومثلُ هذه الجماداتِ الخسيسة ليست مرضيةً ولا مأذونةً.
ولو لم يلاحَظ هذا اقتضى أنَّ الله تعالى شفيعٌ، ولا يطلَقُ ذلك عليه سبحانه. أو
التقدير: أم اتخذوا آلهةً سواه تعالى لتشفع لهم؟! وهو يؤولُ لِمَا ذُكِر.
﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: أيشفعون حالَ
تقديرٍ عدم ملكهم شيئاً من الأشياء وعدم عقلهم إياه؟ وحاصله: أيشفعون وهم
جمادات لا تقدر ولا تعلم؟ فالهمزة داخلة على محذوف، والواو للحال، والجملة
حالٌ من فاعلِ الفعل المحذوف.
وذهب بعضهم إلى أنَّها للعطف على شرطيةٍ قد حُذفَتْ لدلالةِ ((لو كانوا
لا يملكون)» إلخ عليها، أي: أيشفعون لو كانوا يملكون شيئاً ويعقلون ولو كانوا
لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؟ والمعنى على الحالية أيضاً، كأنه قيل: أيشفعون على
كلِّ حال.
وقال بعضُ المحقّقين من النحاة: إنها اعتراضيةٌ، ويعني بالجملة الاعتراضية
(١) في (م): أرضاه.

سُؤَدَّةُ الرُِّزْ
٤٤٨
الآية : ٤٤
ما يتوسّطُ بين أجزاء الكلام متعلِّقاً به معنًى، مستأنفاً لفظاً، على طريق الالتفات،
کقوله :
فأنتِ طلاقٌ والطلاقُ أَلِيَّةٌ (١)
وقوله :
ترى كلّ مَنْ فيها وحاشاك فانيا(٢)
وقد تجيء بعد تمام الكلام كقوله وَله: ((أنا سيِّدُ ولدِ آدَمَ ولا فخرَ))(٣). وفي
احتياج أداة الشرط في مثل هذا التركيب إلى الجواب خلافٌ، وعلى القَول
بالاحتياج هو محذوفٌ لدلالةِ ما قبلُ عليه، وتحقيقُ الأقوال في كتب العربية.
وجوِّز أن يكون مدخولُ الهمزة المحذوفُ هنا الاتخاذَ، أي: قل لهم:
أتتَّخِذونهم شفعاءَ ولو كانوا لا يملكون شيئاً من الأشياء - فضلاً عن أن يملكوا
الشفاعةَ عند الله تعالى - ولا يعقلون؟!
﴿قُل ◌ِلِّ الشَّفَعَةُ جَميعًا﴾ لعلَّه كما قال الإمام ردٌّ لِمَا يجيبون به، وهو أنَّ
الشفعاءَ ليست الأصنامَ أنفسَها، بل أشخاصٌ مقرَّبون هي تماثيلُهم، والمعنى أنَّه
تعالى مالكُ الشفاعة كلِّها، لا يستطيع أحدٌ شفاعةً مّا إلا أن يكونَ المشفوعُ مرتضى
والشفيعُ مأذوناً له، وكلاهما مفقودان هاهنا.
وقد يُستدلُّ بهذه الآية على وجود الشفاعة في الجملة يوم القيامة؛ لأنَّ المِلكَ
(١) وعجزه:
ثلاثاً ومَن يَخْرِق أعقُّ وأظلمُ
وهو في الحماسة البصرية ٣١٤/٢، والمغني ص٧٦، والخزانة ٤٥٩/٣، وروايته في
المغني :... والطلاق عزيمة، وصحح هذه الرواية البغداديُّ في الخزانة ٣/ ٤٦٠. وقوله:
أَلِيَّةٌ، أي: يمين. ويَخْرِق: مضارع خرق: إذا عمل شيئاً لم يرفُق فيه. والشاهد فيه قوله:
والطلاق ألية، وقع اعتراضاً بين قوله: فأنتِ طلاقٌ، وقوله: ثلاثاً. الخزانة ٤٥٩/٣.
(٢) عجز بيت للمتنبي وهو في ديوانه ٤/ ٤٢٧، وصدره:
وتَحْتَقِرُ الدنيا احتقار مجرِّبٍ
(٣) سلف ٣٧٨/١٢.

الآية : ٤٥
٤٤٩
سُوَرَّةُ الرُِّزْ
أو الاختصاصَ الذي هو مفادُ اللام هنا يقتضِي الوجودَ، فالاستدلالُ بها على نفْي
الشفاعة مطلقاً في غاية الضعف.
وقولُه تعالى: ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ استئنافٌ تعليليٌّ لكونِ الشفاعة
جميعاً له عزَّ وجلَّ، كأنه قيل: له ذلك لأنَّه جلَّ وعلا مالكُ الملك كلِّه فلا يتصرَّف
أحدٌ بشيء منه بدون إذنه ورضاه، فالسماوات والأرضُ كنايةٌ عن كلِّ ما سواه
سبحانه .
عطفٌ على قوله تعالى: ((له ملك» إلخ،
٤٤
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرَجَعُونَ
وكأنه تنصيصٌ على مالكية الآخرة التي فيها معظمُ نفع الشفاعة، وإيماءٌ إلى انقطاع
المِلك الصوريِّ عما سواه عزَّ وجلَّ. وجوِّز أن يكونَ عطفاً على قوله تعالى: ((لله
الشفاعة)). وجعلَه في ((البحر))(١) تهديداً لهم، كأنَّه قيل: ثم إليه تُرجعون فتَعْلمون
أنهم لا يشفعون لكم، ويخيب سعيكم في عبادتكم(٢) إياهم.
وتقديمُ ((إليه)) للفاصلة وللدلالة على الحصر، إذ المعنى: إليه تعالى لا إلى أحد
غيرِه سبحانه - لا استقلالاً ولا اشتراكاً - ترجعون.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي: مفرَداً بالذكر ولم تُذكرْ معه آلهتُهم. وقيل: أي:
إذا قيل: لا إله إلا الله ﴿أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾ أي: انقبضت
ونفرت كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْ عَلَى أَدْبَِمْ نُفُورًا﴾
[الإسراء: ٤٦].
﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ﴾ فُرادى أو مع ذكر الله عزَّ وجلَّ ﴿إِذَا هُمْ
لفرْط افتتانهم بهم ونسيانهم حقَّ الله تعالى. وقد بولِغ في بيانٍ
٤٥
يَسْتَبْشِرُونَ
حالهم القبيحةِ حيث بيَّن الغايةَ فيهما، فإنَّ الاستبشارَ أن يمتلىءَ القلبُ سروراً حتى
تنبسطَ له بَشَرَةُ الوجهِ، والاشمئزازَ أن يمتلئَ غيظاً وغمًّا ينقبضُ عنه أديمُ الوجه
کما یشاهَدُ في وجهِ العابس المحزون.
(١) البحر المحيط ٤٣١/٧.
(٢) في (م): عبادتهم.

سُوَّةُ الزُّزْ
٤٥٠
الآية : ٤٥
و (إذا)) الأولى شرطية محلُّها النصبُ على الظرفية، وعاملُها الجواب عند
الأكثرين وهو (اشمأزت))، أو الفعلُ الذي يليها وهو ((ذُكِرَ)) عند أبي حيان(١)
وجماعة، وليست مضافةً إلى الجملة التي تليها عندهم، وكذا ((إذا)) الثانية فالعاملُ
فيها إما ((ذُكر)) بعدها، وإمَّا (يستبشرون)). و((إذا)) الثالثةُ فجائيةٌ رابطةٌ لجملةِ الجزاء
بجملة الشرط كالفاء، فعلى القول بحرفيَّتها لا يعمل فيها شيءٌ، وعلى القول
باسميَّتها وأنها ظرفُ زمانٍ أو مكانٍ عاملُها هنا خبرُ المبتدأ بعدَها.
وقال الزمخشريُّ(٢): عاملُها فعلٌ مقدَّر مشتقٌّ من لفظِ المفاجأة، تقديرُه:
فاجؤوا وقتَ الاستبشار، فهي مفعولٌ به، وجوِّز أن تكون فاعلاً على معنى:
فاجأهم وقت الاستبشار، وهذا الفعل المقدَّرُ هو جوابُ ((إذا)) الثانيةِ، فتعلَّقُ به بناءً
على قول الأكثرين من أنَّ العاملَ في ((إذا)» جوابُها، ولا يلزَمُ تعلَّقُ ظرفين بعاملٍ
واحدٍ؛ لأنَّ الثانيَ منهما ليس منصوباً على الظرفية.
نعم قيل على الزمخشري: إنَّه لا سلفَ له فيما ذهب إليه، وأنت تعلم أنَّ
الرجل في العربية لا يقلِّد غيره.
ومن العجيب قولُ الحوفي: إنَّ ((إذا)) الثالثة ظرفيةٌ جيء بها تكريراً لـ ((إذا)) قبلها
وتوكيداً، وقد حذف شرطُها، والتقديرُ: إذا كان ذلك هم يستبشرون(٣). ولا ينبغي
أن يلتفت إليه أصلاً.
والآية في شأن المشركين مطلقاً؛ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنَّه فسّر:
((الذين لا يؤمنون بالآخرة)) بأبي جهل بن هشام والوليد بن عقبةً وصفوانَ وأُبيِّ بن
خلف، وفسَّر: (الذين من دونه)) باللات والعزى(٤). وكأن ذلك تنصيص على بعض
أفراد العامِّ.
وأخرج ابن المنذر وغيرُه عن مجاهد أنَّ الآية حكت ما كان من المشركين يوم
(١) البحر المحيط ٧/ ٤٣٢.
(٢) في الكشاف ٤٠١/٣.
(٣) البحر ٤٣١/٧.
(٤) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٣٠/٥.

الآية : ٤٦
٤٥١
سُوَّةُ الزُِّزْ
قرأ النبيُّ وَّرِ: ((والنحم)) عند باب الكعبة (١)، وهذا أيضاً لا ينافي العمومَ
كما لا يخفى.
وقد رأينا كثيراً من الناس على نحوِ هذه الصفة التي وصفَ الله تعالى بها
المشركين يَهُثُّون لذكر أمواتٍ يستغيثون بهم ويطلبون منهم، ويطرَبون من سَماع
حكاياتٍ كاذبةٍ عنهم توافِقُ هواهم واعتقادَهم فيهم، ويعظّمون من يحكي لهم
ذلك، وينقبضون مِن ذكرِ الله تعالى وحدَه ونسبةِ الاستقلال بالتصرُّف إليه عزَّ وجلَّ
وسردٍ ما يدلُّ على مزيدٍ عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كلَّ النَّفْرة،
وينسُبونه إلى ما يكره، وقد قلت يوماً لرجلٍ يستغيث في شدَّةٍ ببعض الأموات
وينادي: يا فلانُ، أغِثْني. فقلت له: قل: يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] فغضِب،
وبلغني أنَّه قال: فلانٌ منكرٌ على الأولياء. وسمعتُ عن بعضهم أنه قال: الوليُّ
أسرعُ إجابةً من الله عزَّ وجلَّ. وهذا من الكفر بمكانٍ، نسأل الله تعالى أن يعصِمَنا
من الزيغ والضلال(٢).
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهْدَةِ أَنْتَ تَحْكُرُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِىِ مَا
» أُمِر بالدعاء والالتجاء إلى الله تعالى لِمَا قاساه في أمرٍ
گانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
دعوتهم ونالَه من شدَّةِ شكيمتهم في المكابرة والعنادِ، فإنَّه تعالى القادرُ على الأشياء
بجملتها، والعالمُ بالأحوال برُمَّتها، والمقصودُ من الأمر بذلك بيانُ حالهم
ووعيدِهم، وتسليةُ حبيبه الأكرمِ وَِّ، وأنَّ جدَّه وسعْيَه معلومٌ مشكورٌ عنده عزَّ
وجلَّ، وتعليمُ العباد الالتجاءَ إلى الله تعالى والدعاءَ بأسمائه العظمى.
والله تعالى دَرُّ الربيع بن خثيم فإنَّه لَمَّا سئل عن قتل الحسين ظُه تأوَّه وتلا هذه
الآية. فإذا ذُكر لك شيءٌ مما جرى بين الصحابة قل: ((اللهم فاطر السموات)) إلخ،
فإنه من الآداب التي ينبغي أن تحفظ.
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢١٨/٢٠-٢١٩، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٢٩/٥-٣٣٠.
(٢) في (م): والطغيان.
٠

سُرَّةُ الزُّهَِّزْ
٤٥٢
الآية : ٤٧ - ٤٩
وتقديمُ المسند إليه في ((أنت تحكم)) للحصر، أي: أنت تحكم وحدَك بين
العباد فيما استمرَّ اختلافُهم فيه حكماً يسلِّمه كلُّ مکابِرٍ معاندٍ، ويخضعُ له كلُّ عاتٍ
ماردٍ، وهو العذابُ الدنيويُّ أو الأخرويُّ، والمقصود من الحكم بين العباد: الحكمُ
بينه عليه الصلاة والسلام وبينَ هؤلاء الكَفَرَة.
﴿وَلَوَ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إلخ قيل: مستأنَفٌ مسوقٌ لبيانِ آثارٍ
الحكم الذي استدعاه النبيُّ وَّهِ وغايةِ شدَّته وفظاعتِه، أي: لو أنَّ لهم جميعَ ما في
الدنيا من الأموال والذخائر ﴿وَمَثْلَهُ، مَعَهُ لَأَفْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوْءِ الْعَذَابِ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾،
أي: لجعلوا كلَّ ذلك فديةً لأنفسِهم من العذاب السيِّئ الشديد.
وقيل: الجملةُ معطوفةٌ على مقدَّرٍ، والتقدير: فأنا أحكم بينهم وأعذِّبهم، ولو
علموا ذلك ما فعلوا ما فعلوا، والأولُ أظهر. وليس المراد إثباتَ الشرطية، بل
التمثيل لحالهم بحالٍ مَن يحاولُ التخلُّصَ والفداءَ مما هو فيه بما ذُكر فلا يُتقبّلُ منه،
وحاصلُه أنَّ العذابَ لازمٌ لهم لا يخلّصُون منه ولو فُرض هذا المحالُ، ففيه من
الوعيدِ والإقناطِ ما لا يخفى.
®®) - أي: ظهرَ لهم من
وقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَّم مِّنَ اَللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ
فنُون العقوبات ما لم يكن في حسابهم - زيادةُ مبالَغةٍ في الوعيد، ونظيرُ ذلك في
الوعد قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] والجملةُ
قيل: الظاهرُ أنها حالٌ من فاعلٍ ((افتدوا)).
﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ حينَ تُعرض عليهم صحائفُهم ﴿سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أي: الذي
كسبوه وعمِلوه، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ، أو: كَسْبُهم وعملُهم على أنَّها مصدريةٌ،
وإضافةُ ((سيئات)) على معنى ((مِنْ)) أو اللام.
أي: جزاءُ ذلك، على
٤٨
﴿وَحَاقَ﴾ أي: أحاط ﴿بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
أنَّ الكلام على تقديرِ المضاف، أو على أنَّ هناك مجازاً بذكر السبب وإرادةٍ مسيّبه،
و((ما)) محتمِلَةٌ للموصوليةِ والمصدريةِ أيضاً.
﴿فَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ ضُرِّ دَعَانًا﴾ إخبارٌ عن الجنسِ بما يغلب فيه، وقيل: المرادُ

الآية : ٤٩
٤٥٣
سُوَّةُ الرُّهَِّزْ
بـ ((الإنسان)) [أبو] حذيفةُ بن المغيرة(١)، وقيل: الكَفَرة.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا﴾ أي: أعطيناه إياها تفضُّلاً، فإنَّ التخويلَ على ما قيل: ثم ..
مختصٌّ به، لا يطلَقُ على ما أعطِيَ جزاءً.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِمَّ﴾ أي: على علمٍ منِّي بوجوهِ كسبِهِ، أو: بأنِّي سأعطاه
لِمَا لي من الاستحقاق، أو: على علمٍ من الله تعالى بي وباستيجابي.
و((إنما)) للحصر، أي: ما أوتيته لشيء من الأشياء إلا لأجلِ علمٍ.
والهاء للنعمة، والتذكيرُ لتأويلها بشيء من النِّعَم، والقرينة على ذلك التنكيرُ.
وقيل: لأنَّها بمعنى الإنعام. وقيل: لأنَّ المرادَ بها المالُ، وقيل: لأنها تشتمِلُ على
مذكَّرٍ ومؤنَّثٍ فغلِّبَ المذكَّرُ. وجوِّز أن يكون لـ ((ما)) في ((إنما)) على أنَّها موصولة،
أي: إنَّ الذي أوتِيْتُه كائنٌ على علمٍ، ويُبعِد موصوليتَها كتابتُها متصلةً في
المصاحف.
﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾ ردٌّ لقوله ذلك، والضميرُ للنعمة باعتبارٍ لفظِها كما أنَّ الأولَ
لها باعتبارِ معناها، واعتبارُ اللفظ بعدَ اعتبارِ المعنى جائزٌ وإن كانَ الأكثرُ العکسَ.
وجوِّز أن يكونَ التأنيثُ باعتبارِ الخبر. وقيل: هو ضميرُ الإتيانة. وقرئ بالتذكير(٢)،
فهو للنعمة أيضاً كالذي مرَّ، أو للإتيان، أي: ليس الأمرُ كما يقول بل ما أوتِيَه
امتحانٌ له أيشكُر أم يكفر؟ وأُخبِرَ عنه بالفتنة - مع أنَّه آلةٌّ لها - لقصد المبالغة، ونحو
هذا يقال على تقدير عود الضمير للإتيانة أو الإتيان.
٤٩
أنَّ الأمرَ كذلك، وهذا ظاهرٌ في أنَّ المرادَ
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
بـ ((الإنسان)) الجنسُ، إذ لو أريد العهد لقيل: لكنَّه لا يعلم، أو: لكنهم لا يعلمون.
وإرادةُ العهد هناك وإرجاعُ الضمير للمطلق هنا على أنَّه استخدامٌ نظير: عندي درهمٌ
ونِصْفُه = تكلُّفٌ.
والفاءُ للعطف، وما بعدها عطفٌ على قوله تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحْدَهُ) إلخ،
(١) النكت والعيون ١٣٠/٥، وزاد المسير ١٨٨/٧، وما بين حاصرتين منهما.
(٢) الکشاف ٤٠٢/٣.

سُورَةُ الرُّهَِزْ
٤٥٤
الآية : ٥٠
وهي لترتيبه عليه، والغرضُ منه التهكُّم والتحميق، وفيه ذمُّهم بالمناقضة والتعكيس
حيث إنهم يشمَئِزُون عن ذكر الله تعالى وحدَه ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسَّهم
ضرِّ دعَوا مَن اشمأزُّوا مِنْ ذكره دونَ مَن استبشروا بذكره، وهذا كما تقول: فلانٌ
يسيء إلى فلانٍ، فإذا احتاج سأله فأحسن إليه، ففي الفاء استعارةٌ تبعيةٌ تهكُّمِية.
وقيل: يجوز أن تكونَ للسببية داخلةً على السبب؛ لأنَّ ذِكرَ المسبّب يقتضي ذكرَ
سببِهِ؛ لأنَّ ظهورَ ((ما لم يكونوا يحتسبون)) إلخ مسبَّب عمَّا بعد الفاء إلا أنَّه يتكرَّرُ
مع قوله تعالى الآتي: ((والذين ظلموا منهم)) إلى آخره إن لم يتغايرا بكون
أحدهما في الدنيا والآخَرِ في الأُخْرَى. وإلى ما قدَّمنا ذهب الزمخشريُّ(١).
والجملُ الواقعة في البين عليه أعني قوله سبحانه: ((قل اللَّهمَّ)) إلى ((يستهزئون))
اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإنكار عليهم. وزعم أبو حيان أنَّ في ذلك تكلُّفاً واعتراضاً بأكثر
من جملتين، وأبو علي الفارسيُّ لا يجيزُ الاعتراضَ بجملتين، فكيف يجيزه
بالأكثر(٢). وأنا أقول: لا بأس بذلك لاسيَّما وقد تضمَّنَ معنًى دقيقاً لطيفاً،
والفارسيُّ محجوجٌ بما وردَ في كلام العرب من ذلك.
﴿قَدْ قَالَمَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ضميرُ ((قالها)) لقوله تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلَّمَّ)
لأنَّها كلمةٌ أو جملةٌ. وقرئ بالتذكير(٣)، أي: القولَ، أو: الكلامَ المذكور،
و((الذين من قبلهم)) قارونُ وقومُه، فإنَّه قالَ ورضُوا به، فالإسنادُ من بابِ إسنادٍ
ما للبعض إلى الكلِّ، وهو مجازٌ عقليٍّ.
وجوِّز أن يكون التجوُّز في الطرفِ، فـ ((قالها الذين من قبلهم)) بمعنى: شاعت
فيهم، والشائع الأول، والمراد: قالوا مثلَ هذه المقالة، أو: قالوها بعينها،
ولاتحادٍ صورةِ اللفظ تُعَدُّ شيئاً واحداً في العرف.
۵﴾ من متاع الدنيا، ويجمعونه منه.
﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
(١) المصدر السابق.
(٢) البحر ٤٣٣/٧ .
(٣) الكشاف ٣/ ٤٠٢ .

الآية : ٥١ - ٥٣
٤٥٥
سُوَّةُ الرُِّزْ
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أي: أصابهم جزاءُ سيئاتٍ كسبهم، أو: الذي
كَسَبُوه؛ على أنَّ الكلامَ بتقدير مضافٍ، أو أنه تجوُّزٌ بالسيئات عما تسبَّب عنها،
وقد يقال لجزاء السيئة: سيئةٌ، مشاكلةً، نحوَ قولِه تعالى: ﴿وَجَزَّوًا سَيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾
[الشورى: ٤٠] فيكون ما هنا من المشاكلة التقديرية، وإذا كان المعنى على جعلٍ
جزاءِ جميعٍ ما كسبوا سيِّئاً، دلَّ الكلامُ على أنَّ جميعَ ما كسبوا سيِّيّ، إذ لو كان فيه
حَسَنٌ جوزِيَ عليه جزاءً حَسَناً، وفيه مِن ذمِّهم ما فيه.
﴿وَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ المشركين، و((مِن)) للبيان، فإنَّهم كلَّهم كانوا ظالمين
إذ الشركُ ظلمٌ عظيمٌ، أو للتبعيض، فالمراد بـ ((الذين ظلموا)): مَن أصرَّ على الظلم
حتى تصيبَهم قارعةٌ، وهم بعضُ منهم.
﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ كما أصاب الذين من قبلهم، والمراد به العذابُ
الدنيويُّ، وقد قُحِطوا سبعَ سنين، وقتل ببذْرٍ صناديدُهم. وقيل: العذابُ الأخرويُّ.
وقيل: الأعمّ. ورُجِّح الأولُ بأنَّه الأوفقُ للسياق، وأشير بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم
﴾ - أي: بفائتين على ما قيل - إلى العذاب الأخرويِّ.
٥١
پِمُعْچِینَ
﴿أَوَّلَمْ يَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أن يبسطَه له ﴿وَيَقْدِرٌ﴾ لمن يشاء أن
يقدِرَ له، مِن غيرِ أن يكونَ لأحدٍ ما مدخلٌ في ذلك، حيثُ حَبَس عنهم الرزقَ سبعاً
ثم بسطه لهم سبعاً .
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر ﴿لَآَيَتٍ﴾ دالَّةً على أنَّ الحوادثَ كافةً مِن الله تعالى
شأنه، والأسباب في الحقيقة ملغاةٌ ﴿لَّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ إذ هم المستدِلَّون بها على
مدلولاتها .
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أفرطوا في المعاصي جانين عليها.
وأصلُ الإسراف: الإفراط في صَرْف المال، ثم استُعْمِل فيما ذُكر مجازاً بمرتبتين
على ما قيل. وقال الراغب: هو تجاوزُ الحدِّ في كلِّ فعلٍ يفعله الإنسان، وإن كان
ذلك في الإنفاق أشهر(١). وهذا ظاهرٌ في أنه حقيقةٌ فيما ذكرنا، وهو حَسَنٌ.
(١) المفردات (سرف).

سُوَدَّةُ الزُِّزْ
٤٥٦
الآية : ٥٣
وضُمِّن معنى الجناية ليصحَّ تعدِّيه بـ ((على))، والمضمَّن لا يلزم فيه أن يكون معناه
حقيقيًّا. وقيل: هو مضمَّنٌ معنى الحمل.
وحَمل غيرُ واحد الإضافةَ في ((عبادي)) على العهد أو على التشريف، وذهبوا
إلى أنَّ المرادَ بالعبادِ المؤمنون، وقد غلب استعمالُه فيهم مضافاً إليه عزَّ وجلَّ في
القرآن العظيم، فكأنه قيل: أيُّها المؤمنون المذنبون ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي:
لا تيأسوا من مغفرته سبحانه وتفضُّله عزَّ وجلَّ، على أنَّ المغفرةَ مُدْرَجٌ في
الرحمة، أو أنَّ الرحمةَ مستلزِمة لها؛ لأنه لا يُتُصوَّر الرحمةُ لمن لم يُغْفر له.
وتعليلُ النهي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يقتضي دخولَها في
المعلَّل، والتذييلُ بقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ كالصريح في ذلك.
وجوِّز أن يكونَ في الكلام صنعةُ الاحتباك، كأنه قيل: لا تقنطوا من رحمة الله
ومغفرته، إنَّ الله يغفر الذنوبَ جميعاً ويرحم. وفيه بُعْدٌ.
وقالوا: المرادُ بمغفرة الذنوب التجافي عنها وعدمُ المؤاخذة بها في الظاهر
والباطن وهو المرادُ بسترها .
وقيل: المرادُ بها مَحْوُها من الصحائف بالكلية مع التجافي عنها، وأنَّ الظاهرَ
إطلاقُ الحكم، وتقييدُه بالتوبة خلافُ الظاهر، كيف لا وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِّرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] ظاهرٌ في الإطلاق فيما عدا
الشرك، ويشهَدُ للإطلاق أيضاً أمورٌ:
الأول: نداؤهم بعنوان العبودية؛ فإنَّها تقتضي المذلَّة وهي أنسبُ بحال العاصي
إذا لم يتُبْ، واقتضاؤها للترجُم ظاهر.
الثاني: الاختصاص الذي تُشْعِر به الإضافةُ إلى ضميره تعالى، فإنَّ السَّيِّدَ مِن
شأنه أن یرحَمَ عبده ویشفق علیه.
الثالث: تخصيصُ ضررِ الإسراف - المشعِرَة به ((على)) - بأنفسهم؛ فكأنه قيل:
ضررُ الذنوب عائدٌ عليهم لا عليَّ، فيكفي ذلك من غيرِ ضررٍ آخرَ، كما في المثل:
أحسِنْ إلى مَن أساء كفى المسيءَ إساءتُه، فالعبد إذا أساء ووقف بين يدي سيِّدِهِ

الآية : ٥٣
٤٥٧
سُوَّةُ الرُّز
ذليلاً خائفاً عالماً بسخَطِ سيِّده عليه ناظراً لإكرام غيره ممن أطاع لَحِقَه ضررٌ؛ إذ
استحقاقُ العقاب عقابٌ عندَ ذوي الألباب.
الرابع: النهيُ عن القنوط مطلقاً عن الرحمة، فضلاً عن المغفرة وإطلاقِها .
الخامس: إضافةُ الرحمةِ إلى الاسم الجليل المحتوي على جميع معاني
الأسماء على طريق الالتفات، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في سعَتها، وهو ظاهرٌ في شمولها
التائبَ وغیرَه.
السادس: التعليلُ بقوله تعالى: ((إن الله)) إلخ، فإنَّ التعليلَ يحسُن مع الاستبعاد،
وترك القنوط من الرحمة مع عدم التوبة أكثرُ استبعاداً مِن تركه مع التوبة.
السابع: وضعُ الاسم الجليل فيه موضعَ الضمير لإشعارِه بأنَّ المغفرةَ من
مقتضياتٍ ذاته لا لشيءٍ آخرَ من توبةٍ أو غيرها .
الثامن: تعريفُ الذنوب، فإنَّه في مقام التمدُّح ظاهرٌ في الاستغراق، فتشمل
الذنبَ الذي تعقبه التوبةُ والذي لا تعقبُه.
التاسع: التأکیدُ بالجميع.
العاشر: التعليل بـ ((إنه هو)) إلخ.
الحادي عشر: التعبيرُ بالغَفور، فإنه صيغةُ مبالغةٍ، وهي إن كانت باعتبارِ الكِمِّ
شملت المغفرةُ جميعَ الذنوب، أو باعتبارِ الكيف شملت الكبائرَ بدون توبة.
الثاني عشر: حذفُ معمولِ ((الغفور)»، فإنَّ حذفَ المعمولِ يفيد العمومَ.
الثالث عشر: إفادةُ الجملة الحصرَ، فإنَّ مِن المعلوم أنَّ الغفرانَ قد يوصَفُ به
غيرُه تعالى، فالمحصورُ فيه سبحانه إنما هو الكامل العظيمُ، وهو ما يكون بلا توبة.
الرابع عشر: المبالغةُ في ذلك الحصر.
الخامس عشر: الوعدُ بالرحمة بعد المغفرة، فإنَّه مشعِرٌ بأنَّ العبدَ غيرُ مستحِقٌّ
للمغفرة لولا رحمتُه، وهو ظاهرٌ فيما إذا لم يتب.
السادس عشر: التعبيرُ بصيغة المبالغةِ فيها .
السابع عشر: إطلاقُها .

سـ
٤٥٨
الآية : ٥٤
ومنَع المعتزلةُ مغفرةَ الكبائر والعفوَ عنها من غير توبةٍ، وقالوا: إنها وردت في
غير موضعٍ من القرآن الكريم مقيَّدةً بالتوبة، فإطلاقُها هنا يُحمل على التقييد؛
لاتحاد الواقعة، وعدم احتمال النسخ، وكونِ القرآن في حكم كلام واحد. وأيَّدوا
ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنِيُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا
نُصَرُونَ
فإنَّه عطفٌ على ((لا تقنطوا)) والتعليلُ معترِضٌ، وبعدَ تسليم حديثٍ
٥٤
حملِ الإطلاقِ على التقييد يكونُ عطفاً لتتميم الإيضاح، كأنه قيل: لا تقنطوا من
رحمة الله تعالى فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم، وأنيبوا إليه تعالى وأخلصوا له عزَّ
وجلَّ.
وأجاب بعضُ الجماعة بمنع وجوبٍ حملِ الإطلاق على التقييد في كلامٍ واحدٍ
نحو: أكرمُ الفضلاءِ أكرمُ الكاملين، فضلاً عن كلامٍ لا يسلَمُ كونُه في حكمٍ كلامٍ
واحدٍ، وحينئذٍ لا يكون المعطوفُ شرطاً للمعطوفِ عليه، إذ ليس من تتمَّته.
وقيل: إن الأمرَ بالتوبة والإخلاصِ لا يُخِلُّ بالإطلاق، إذ ليس المدَّعَى أن الآيةَ
تدلُّ على حصولِ المغفرة لكلِّ أحدٍ من غير توبة وسبْقِ تعذيب لتُغْني عن الأمرِ
بهما، وتُنافي الوعيدَ بالعذاب.
وقال بعض أجلَّةِ المدقِّقين: إنَّ قولَه تعالى: (يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) خطابٌ
للكافرين والعاصين وإن كان المقصودُ الأَولى الكفَّارَ؛ لمكان القُرب وسبب
النزول؛ فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أهل مكة
قالوا: يزعم محمد - وَ﴾هـ أنه مَن عَبد الأوثانَ، ودعا مع الله تعالى إلهاً آخرَ، وقتلَ
النفس التي حرَّم الله، لم يُغْفَرْ له، فكيف نُهاجِر ونُسلِم، وقد عبدْنا الآلهة، وقتلْنا
النفسَ، ونحن أهلُ شرك؟! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَ
أَنفُسِهِمْ﴾ إلخ(١).
وأخرج ابن جرير عن ابن عمرَ ﴿ما قال: نزلت هذه الآياتُ في عياش بن
أبي ربيعة والوليدِ بن الوليد ونفرٍ من المسلمين، كانوا أسلموا، ثم فُتنوا وعُذِّبوا
(١) تفسير الطبري ٢٢٤/٢٠، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٣١/٥.

الآية : ٥٤
٤٥٩
سُوَّةُ الرَِّزْ
فافتُتِنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله تعالى من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، أقوامٌ
أَسلموا ثم تركوا دينَهم بعذاب عُذِّبوه، فنزلت هؤلاء الآيات، وكان عمرٌ ◌َُه كاتباً
فكتبها بيده ثم كتب بها إلى عياشٍ وإلى الوليدِ وإلى أولئك النفر، فأسلموا
وهاجروا(١).
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآيات الثلاث: ﴿قُلْ
يَعِبَادِىَ﴾ إلى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ بالمدينة في وحشيٍّ وأصحابه(٢).
وتخلَّل قولُه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) بين المعطوفين تعليلاً للجزء
الأول قبل الوصول إلى الثاني؛ للدلالة على سعة رحمته تعالى وأنَّ مثلَه حقيقٌ بأن
يُرجى وإن عظُم الذنبُ، لاسيما وقد عقّب بقوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ) الآية الدالِ على
انحصار الغُفران والرحمة على الوجه الأبلغ، فالوجهُ أن يجريَ على عمومه ليناسِبَ
عمومَ الصدر، ولا يقيَّدُ بالتوبة، لئلا ينافيَ غرضَ التخلُّل مع أنه جمعٌ محلَّى
باللام، وقد أكّد بما صار نصًّا في الاستغراق. ولا يُغْني المعتزليَّ أنَّ القرآنَ العظيم
كالكلامِ الواحدِ، وأنه سليمٌ من التناقض، بل يضرُّه، وكذلك ما ذُكر من أسباب
النزول. انتهى.
وقد تضمَّن الإشارةَ إلى بعضٍ مؤكِّدات الإطلاقِ التي حكيناها آنفاً، والذي
يترجَّحُ في نظري ما اختاره من عموم الخطاب في ((يا عبادي)) للعاصين
والكافرين، وأمرُ الإضافة سهلٌ، وأنَّ قولَه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً)
مقيَّد بـ ((لِمَن يشاء)) بقرينة التصريح به في قراءة عبد الله هنا(٣)، وكونِ الأمور كلِّها
معلّقةً بالمشيئة، ولا نسلِّم أنَّ متعلَّقَ المشيئةِ التائبُ وحدَه، وكونُها تابعةً للحكمة
على تقدير صحَّته لا ينفع، إذ دونَ إثباتِ كون المغفرة لغير التائب منافيةً للحكمة
خَرْطُ القَتاد.
(١) تفسير الطبري ٢٢٧/٢٠-٢٢٨.
(٢) تفسير الطبري ٢٢٥/٢٠.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣٢ .

سُوَدَّةُ الرَِّّزْ
٤٦٠
الآية : ٥٤
نعم لا تتعلَّقُ بالمشرك ما لم يؤمِنْ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]، فمغفرةُ الشرك مشروطةٌ بالإيمان، فالمشركُ داخلٌ في ((من
يشاء)» لكن بالشرط المعروف، واعتبارُ الشرط فيه لا يضرُّ في عدم اعتبار شرطٍ
التوبة في العاصي بما دونه.
ويشهد لذلك ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده» وابن جرير وابن أبي حاتم
وابن مردويه والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ثوبانَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِّه
يقول: ((ما أُحِبُّ أنَّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ
أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية))، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، ومَن أشَرَكَ؟ فسكت النبيُّ ◌َه
ساعةً ثم قال: ((ألا ومَنْ أشَرَكَ)) ثلاثَ مراتٍ(١).
لا يقال: المغفرةُ لِمَنْ أشركَ بشرط الإسلام أمرٌ واضحٌ، فلا يجوزُ أن تخفى
على السائل وعليه عليه الصلاة والسلام حتى يسكُتَ لانتظار الوحي أو الاجتهاد.
لأنا نقول: السؤالُ للاستبعاد مِن حيث العادةُ، والسكوتُ لتعليم سلوكٍ طريق التأنِّي
والتدبُّر، وإن كان الأمر واضحاً.
وقيل: الظاهر أنه لانتظارٍ الإذنِ، أو الاجتهاد في التصريح بعموم المغفرة فإنَّهم
ربما اتَّكلوا على ذلك فيُخشى التفريطُ في العمل، وهو لا ينافي التعليمَ فإنَّه عليه
الصلاة والسلام إنما يعلِّمهم التدبُّرَ بعد أن يتدبَّرَ هو في نفسه وَ ◌ّهَ. وزعمُ أنَّ
الحديثَ دالٌّ على اشتراط التوبة، ليس بشيء.
ويؤيِّدُ إطلاقَ المغفرة عن قيد التوبة ما أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد
وأبو داود والترمذي وحسَّنه وابنُ المنذر، وابن الأنباري في ((المصاحف)) والحاكم
وابن مردويه عن أسماءً بنتٍ يزيدَ قالت: سمعتُ رسول الله وَله يقرأ: ((يا عبادي
الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذنوب جميعاً
(١) الدر المنثور ٣٣١/٥، وهو في مسند أحمد (٢٢٣٦٢)، وتفسير الطبري ٢٢٨/٢٠-٢٢٩،
وشعب الإيمان (٧١٣٧) وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.