Indexed OCR Text

Pages 281-300

الآية : ٣٣
٢٨١
سُوُ اَلُ صِرْ
المعاصي بعَقْرِ الخيل سُوقها وأعناقها، وقد وَرَدَ النهيُّ عن ذَّبْحِ الحيوان
إلا لأكله(١). فهذه أنواعٌ من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام، مع أنَّ لَفْظَ
القرآن لا يدلُّ على شيءٍ منها. وسادسها: أنَّ ذِكْرَ هذه القصة - وكذا التي قبلها - بعد
أمره بالصبر على سفاهة الكفار، يقتضي أنْ تكونَ مشتملةً على الأعمال الفاضلة،
والأخلاق الحميدة، والصبر على طاعة الله تعالى، والإعراض عن الشهوات
واللَّذَّات، وأما اشتمالُها على الإقدام على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة،
فبمراحلَ عن مقتضى التعقيب، فثبتَ أنَّ كتابَ الله تعالى ينادي على القول المذكور
بالفساد.
والصوابُ أن يقال: إنَّ رِباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم، كما أنه كذلك
في دين نبيِّنَا وَّه، ثم إنَّ سليمانَ احتاجَ إلى الغزو، فجلس وأَمَرَ بإحضار الخيل،
وأَمَرَ بإجرائها، وذَكَرَ: إِنِّي لا أُحبُّها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أُحبُّها
لأمر الله تعالى وتقوية دينه، وهو المراد من قوله تعالى: ((عن ذكر ربِّي)) ثم إنه عليه
السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارثْ بالحجاب، أي: غابتْ عن بصره، ثم
أمر الرائضين بأن يَردُّوا تلك الخيل إليه، فلما عادتْ إليه طَفِقَ يمسحُ سُوقها
وأعناقها، والغرضُ من ذلك المسح أمور:
الأول: تشريفٌ لها، وإبانةٌ لِعِزَّتها لكونها من أعظم الأعوان في دَفْع العدو.
والثاني: أنه أرادَ أن يظهرَ أنه في ضَبْط السياسة والملك يتَّضعُ إلى حيثُ يُباشرُ
أكثر الأمور بنفسه.
والثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنُها
ويمسحُ سُوقها وأعناقها حتى يعلمَ هل فيها ما يدلُّ على المرض.
فهذا التفسيرُ الذي ينطبقُ عليه لَفْظُ القرآن انطباقاً موافقاً، ولا يلزمنا نسبةُ شيءٍ
من تلك المنكرات والمحذورات إلى نبيٍّ من الأنبياء عليهم السلام.
ثم قال: وأقول: أنا شديدُ التعجّب من الناس، كيف قبلوا ما شاعَ من الوجوه
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٣١٦) من حديث القاسم مولى عبد الرحمن.

سُوءَاضِ﴾
٢٨٢
الآية : ٣٣
السخيفة، مع أنَّ العقل والنقلَ یَردَّانها، وليس لهم في إثباتها شبهةٌ، فضلاً عن
حُجَّة، ولَفْظُ الآية لا يدلُّ على شيءٍ من تلك الوجوه التي يذكرها الجمهور كما قد
ظهر ظهوراً لا يرتابُ العاقل فيه، وبِفَرَضِ الدلالة يقال: إنَّ الدلائلَ الكثيرةَ قامتْ
على عصمة الأنبياء عليهم السلام، ولم يدلَّ دليلٌ على صحّة تلك الحكايات،
وروايةُ الآحاد لا تصلحُ معارضةً للدلائل القوية، فكيف الحكاياتُ عن أقوامٍ
لا یُیالی بهم ولا يُلتفتُ إلی أقوالهم(١)؟! انتھی کلامه.
وكان عليه الرحمة قد اعترض القولَ برجوع ضميرٍ ((توارت)) إلى الشمس دون
(الصافنات))، بأنَّ الصافناتِ، مذكورةٌ بصريحها والشمسُ ليست كذلك، وعَوْدُ
الضمير إلى المذكور أولى من عَوْده إلى المقدَّر، وأيضاً أنه قال: ((إني أحببتُ حُبَّ
الخير عن ذِكْر ربِّي حتى توارثْ بالحجاب)» وظاهره يدلُّ على أنه كان يُعيدُ ويُكرِّرُ
قوله: ((إني أحببتُ حُبَّ الخيرَ عن ذِكْرِ ربِيٍّ)) إلى أن توارثْ بالحجاب، فإذا كانتٍ
المتواريةُ الشمسَ، يلزمُ القولُ بأنه كرَّر ذلك من العَصْر إلى المغرب، وهو بعيدٌ،
وإذا كانتِ الصافناتِ كان المعنى: أنه حين وَقَعَ بَصَرُهُ عليها حالَ عَرْضِها كان يقولُ
ذلك إلى أنْ غابتْ عن عينه، وذلك مناسبٌ، وأيضاً: القائلون بالعَوْد إلى الشمس
قائلونَ بتَرْكه عليه السلام صلاة العصر، ويأباهُ: ((إني أحببتُ)) إلخ؛ لأنَّ تلك المحبَّةَ
لو كانتْ عن ذِكْر الله تعالى لما نسي الصلاةَ، ولما تَرَكَ ذِكْرَ الله عزَّ وجلَّ(٢).
وأقول: ما عند الجمهور أولى بالقَبول، وما ذكره عليهم من الوجوه لا يُلتفتُ
إليه ولا يُعوَّل عليه؛ أما ما قاله من أنه لو كان مَسْحُ السوق والأعناق بمعنى القَطْع
لكان: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أَمْراً بقَطْعها، ففيه أنَّ هذا إنما يتمُّ لو قيل:
إنَّ المسحَ كلَّما ذُكِرَ بمعنى القَطْع، ولم يُقَلْ ولا يُقال، وإنما قالوا: إنَّ المسحَ في
الآية بمعنى القَطْع، وقد قال بذلك رسول الله وَّ كما جاء في خبرٍ حَسَنٍ، وقد
قدَّمناه لك عن الطبرانيّ والإسماعيلي وابن مردويه(٣)، وليس بعد قوله عليه الصلاة
(١) تفسير الرازي ٢٠٥/٢٦-٢٠٧.
(٢) تفسير الرازي ٢٠٤/٢٦-٢٠٥.
(٣) سلف ص٢٧٥ .

الآية : ٣٣
٢٨٣
سُوْاْلأَ صِ
والسلام قولٌ لقائلٍ، ويكفي مثلُ ذلك الخبر في مثل هذا المطلب؛ إذ ليس فيه
ما يُخالفُ العقلَ أو نقلاً أقوى كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر هذا المعنى للمسح الزمخشريُّ أيضاً(١)، وهو من أَجِلَّة علماء هذا
الشأن، وصَحَّ نقلُهُ عن جماعةٍ من السلف، وقال الخفاجيُّ: استعمالُ المَسْحِ بمعنى
ضَرْبٍ العنق استعارةٌ وقعتْ في كلامهم قديماً (٢). نعم احتياجُ ذلك للقرينة
مما لا شُبهةَ فيه، والقرينةُ عند مَنْ يدَّعيه هاهنا السياقُ وعَوْدُ ضمير ((توارثْ)) على
الشمس، وهو كالمتعيّن كما سيتَّضحُ لك إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: إنهم جمعوا على سليمان عليه السلام أنواعاً من الأفعال المذمومة،
نَفِرْیةٌ من غير مریة.
وقوله: أولها: تَرْكُ الصلاة، فيه أنَّ التَّرْكَ المذمومَ ما كان عن عمدٍ، وهم
لا يقولون به، وما يقولون به التركُ نسياناً، وهو ليس بمذموم؛ إذ النسيانُ لا يدخلُ
تحتَ التكليف، على أنَّ كونَ ما تُرك فرضاً مما لم يجزم به الجميع.
وقوله: ثانيها: أنه استولى عليه الاشتغالُ بحُبِّ الدنيا إلى حيثُ تَرَكَ الصلاةَ،
فيه أنَّ ذلك اشتغالٌ بخيلِ الجهاد، وهو عبادة.
وقوله: ثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغلْ بالتوبة والإنابة، فيه
أنَّا لا نُسلِّم أنه عليه السلام ارتكبَ ذنباً حقيقةً، فضلاً عن كونه عظيماً، نعم
ربما يقال: إنه عليه السلام لم يستحسنْ ذلك بمقاومة، فأتبعه التقرُّب بالخيل التي
شُغِلَ بسببها، وذلك يدلُّ على التوبة دلالةً قوية، ولم يكن ليتعطّلَ أمرُ الجهاد به،
فقد أوتي عليه السلام غير ذلك، على أنَّ كونَ ما ذُكر كالاستشهاد على قوله تعالى:
(إنه أواب)) مُشعرٌ بتضمُّنه الأَوْبةَ، وإن ذهبنا إلى تعلُّق ((إذا عُرض)) بـ ((أوَّاب)) يكادُ
لا يَرِدُ هذا الكلام رأساً.
وقوله: رابعها: أنه خاطَبَ ربَّه عزَّ وجلَّ بلَفْظِ غيرِ مناسب، فيه أنه إن وَرَدَ
(١) في الكشاف ٣/ ٣٧٤.
(٢) حاشية الشهاب ٧/ ٣١٠.

٢٨٤
الآية : ٣٣
فإنما يَرِد على القول برجوع ضمير ((رُدُّوها)) إلى الشمس، ونحن لا نقول به،
فلا يلزمنا الجوابُ عنه، والذي نقوله: إنَّ الضميرَ للخيل، والخطابَ لخدمته، ومع
هذا لم يقلْ تلك الكلمةَ تهوُّراً وتجبُّراً كما يُتوهّم.
وقوله: خامسها: إنه أتبع هذه المعاصي بعَقْرِ الخيل، وقد وَرَدَ النهي .. إلخ،
فيه أنه عليه السلام لم يفعلْ معصيةً ليقال: أتبعَ هذه المعاصي، وأنَّ الخيلَ عُقرتْ
قرباناً، وكان تقريبُها مشروعاً في دينه، فهو طاعة.
ومن مجموع ما ذكرنا يُعلَمُ ما في قوله: سادسها .. إلخ على أنه قد تقدَّم لك
وجهُ رَبْطِ هذه القصص بما قبلها، وهو لا يتوقَّفُ على التزام ما قاله في هذه
القصة، وما زَعَمَهُ من أنه الصوابُ، ففيه إرجاعُ ضمير ((توارت)) إلى الخيل،
ولا يخفى على ذي ذوقٍ سليمٍ وطبعٍ مستقيمٍ أنَّ تواريَ الخيل بالحجاب عبارةٌ
ركيكةٌ يُجَلُّ عنها الكتابُ المتين.
وفيه أيضاً أنه لا يكادُ ينساقُ إلى الذهن متعلَّق ((حتى توارت)) الذي أشار إليه
في تقرير ما زَعَمَ صوابيَّته، وتعلُّقه بـ ((قال)) على ما يُشير إليه كلامه المنقولُ آخراً
مما يُستبْعَدُ جدّاً، فإنَّ الظاهرَ أنَّ قوله: ((حتى توارت بالحجاب)) من المحكيِّ
كالذي قبله والذي بعده، لا من الحكاية، وأيضاً كونُ الردِّ للمَسْحِ الذي ذكره
خلاف ما جاء في الخبر الحسن، وهو في نفسه بعيد، والأغراض التي ذكرها فيه
لا يخفى حالها، ودعواهُ أنَّ هذا التفسيرَ هو الذي ينطبقُ عليه لفظُ القرآن مما لا يتمُّ
لها دليلٌ، ولعلَّ الدليلَ على عَدَمِ الانطباق ظاهرٌ.
وقوله: أنا شديدُ التعجّب من الناس .. إلخ، أقولُ فيه: أنا تعجّبي منه أشدُّ من
تعجّبه من الناس، حيث خفي عليه حُسْنُ الوجه الذي استحسنه الجمهور ولم يطَّلعْ
على ما ورد فيه من الأخبار الحسان، وظَنَّ أنَّ القولَ به منافٍ للقول بعِصْمةِ الأنبياء
عليهم السلام حتى قال ما قال، وَرَشَقَ على الجمهور النِّالَ.
وقوله في ترجيح رجوع ضمير ((توارت)) إلى ((الصافنات)) على رجوعه إلى
الشمس: إنها مذكورةٌ بصريحها دون الشمس، ليس بشيءٍ، فإنَّ رجوعَهُ إلى الشمس

الآية : ٣٣
٢٨٥
يجعلُ الكلامَ ركيكاً، فلا ينبغي ارتكابه لمجرَّد أنَّ فيه رجوع الضمير إلى مذکورٍ
صريحاً، على أنَّ في كونه راجعاً إلى الصافنات المذكورة صريحاً بحثاً، ولا يَرِدُ
على الجمهور لزومُ تخالف الضمائر في المرجع، وهو تفكيكٌ؛ لأنَّ التخالفَ مع
القرينة لا ضَيْرَ فيه.
وأَعْجَبُ مما ذكرَ زَعْمُهُ أنه يلزمُ على ما قال الجمهور أنَّ سليمان عليه السلام
كرَّر قوله: ((إني أحببتُ حُبَّ الخير عن ذِكْرٍ ربي)) من العَصْر إلى المغرب، فإنَّ
الجمهورَ ما حاموا حولَ ما يلزمُ منه ذلك أصلاً؛ إذ لم يقلْ أحدٌ منهم بأنَّ ((حتى))
متعلّقةٌ بـ ((قال)) كما زَعَمَ هو، بل هي عندهم متعلِّقةٌ بـ ((أحببت)) على المعنى الذي
أسلفناه، ومَن أنصفَ لا يرتضي أيضاً القولَ بأنه عليه السلام كرَّرَ ذلك القولَ إلى
أن غابت الخيلُ عن عينه كما قال به هذا الإمام.
ويَرِدُ على قوله: القائلون بالعَوْد إلى الشمس قائلونَ بتَرْكه عليه السلام صلاةً
العصر، ويأباه (إني أحببت)) إلخ؛ لأنَّ تلك المحبة لو كانت عن ذِكْرِ الله تعالى
لما نسي الصلاةَ = أنَّ الجمهورَ لا يقولون بأنَّ ((على)) للتعليل، والإباءُ
المذكورُ - على تقدير تسليمه - لا يتسنَّى إلا على ذلك، وما يقولونه - وقد أسلفناه
لك ۔ بمراحلَ عنه.
وبالجملة، قد اختلَّتْ أقوالُ هذا الإمام في هذا المقام، ولم ينصف مع
الجمهور وهم أعرفُ منه بالمأثور، نعم ما ذكره في الآية وجهٌ ممكنٌ فيها على بُعدٍ
إذا قُطِعَ النظرُ عن الأخبار وما جاء عن السلف من الآثار، وقد ذَكَرَ نحوَهُ
عبد الوهاب الشعرانيُّ في كتابه ((اليواقيت والجواهر)) وهو في الحقيقة - والله تعالى
أعلم - من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين قُدِّسَ سِرُّهُ وقد خالف الجمهورَ كالإمام،
قال في الباب المئة والعشرين من ((الفتوحات))(١): ليس للمفسِّرين الذين جعلوا
التواري للشمس دليلٌ، فإنَّ الشمسَ ليس لها هنا ذِكْرٌ، ولا للصلاة التي يزعمون،
ومساقُ الآية لا يدلُّ على ما قالوه بوجهٍ ظاهرٍ ألبتَّة، وأما استرواحهم فيما فسَّروه
بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَمَنَ﴾ فالمرادُ بتلك الفتنة إنما هو الاختبارُ بالخيل، هل
(١) بل في الباب الرابع والعشرين ومئة.

٢٨٦
الآية : ٣٣
يُحبُّها عن ذِكْرِ ربِّه تعالى لها، أو يُحبُّها لعينها؟ فأَخبر عليه السلام عن نفسه أنه
أحبَّها عن ذِكْرِ ربِّه سبحانه إياها، لا لِحُسْنها وكمالها وحاجته إليها، إلى آخر
ما قال.
وقد كان قُدِّسَ سِرُّهُ معاصراً للإمام، وكتب إليه رسالةً يُرغِّبه فيها بسلوك طريقة
القوم، ولم يجتمعا، وغالبُ الَّنِّ أنه لم يأخذْ أحدهما من الآخر ما قال في الآية،
بل لم يسمعه، وعِلْمُ كلِّ منهما لا يُنكَرُ، والشيخ بحرٌ لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وما ذكره في
الاسترواح مما لم أقفْ عليه لأحدٍ من المفسّرين، والله تعالى أعلم.
وقرأ ابن كثير: ((بالسُّؤْق)) بهمزةٍ ساكنة (١)، قال أبو عليٍّ (٢): وهي ضعيفةٌ، لكنَّ
وَجْهَها في القياس أنَّ الضمةَ لمَّا كانت تلي الواوَ قُدِّرَ أنها عليها، كما يفعلون
بالواو المضمومة حيث يُبدلونها همزة، ووجهُها من القياس (٣) أنَّ أبا حَيَّةَ النميري
کان یهمزُ كلَّ واوٍ ساكنةٍ قبلها ضمة، وکان ینشد:
أَحَبُّ الوافدَيْنِ إليَّ مُؤْسى (٤)
وقال أبو حيان: ليستْ ضعيفةً؛ لأنَّ الساق فيه الهمزة، فوزنه: فُعْلٌ بسكون
العين، فجاءت هذه القراءةُ على هذه اللغة(٥).
وتُعقّبَ بأنَّ هَمْزَ الساق إبدالٌ على غير القياس؛ إذ لا شُبهةَ في كونه أجوف،
فلا بدَّ من التوجيه بما تقدم.
وقرأ ابن محيصن: ((بالسُّؤُوق)) بهمزةٍ مضمومةٍ بعدها واوٌ ساكنةٌ بوزن الفُسُوق،
ورواها بكَّار عن قنبل(٦)، وهو جَمْعُ ساقٍ أيضاً.
(١) التيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢.
(٢) في الحجة للقراء السبعة ٦٨/٦-٦٩.
(٣) كذا في الأصل و(م) والبحر ٣٩٧/٧ نقلاً عن أبي عليّ، والذي في الحجة: السماع.
(٤) صدر بيت لجرير، وهو في ديوانه ص١١٦، وعجزه: وجَعْدَةٌ لو أضاءهما الوقود، وسلف
١٩/ ٤٦٠ برواية: أَحَبُّ المُؤقِدَيْنِ.
(٥) البحر المحيط ٤/ ٣٩٧.
(٦) الكشاف ٣/ ٣٧٤، والمحرر الوجيز ٥٠٤/٤، والبحر المحيط ٣٩٧/٧.

الآية : ٣٤
٢٨٧
سُوَاَلأَ صِ
وقرأ زيد بن عليٍّ ◌َ﴿ه: ((بالساق)) مفرداً (١)؛ اكتفى به عن الجمع لأمْنِ اللَّبْس.
﴿وَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَلْقَيْنَا عَلَى كُِّهِ، جَسَدًّا ثُمَّ أَبَ ﴾﴾ أظهرُ ما قيل في فتنته عليه
السلام أنه قال: ((لأطوفنَّ الليلةَ على سبعينَ امرأة، تأتي كلُّ واحدةٍ بفارسٍ يُجاهد في
سبيل الله تعالى، ولم يقلْ: إن شاء الله، فطافَ عليهنَّ فلم تحملْ إلا امرأة، وجاءتْ
بشِقٌ رجلٍ)) وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعاً، وفيه: ((فو الذي
نفسُ محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا فرساناً))(٢) لكنَّ الذي في ((صحيح
البخاري)) أربعينَ، بدلَ: سبعين(٣)، وأنَّ الملك قال له: قلْ: إن شاء الله، فلم يقلْ.
وغايتُهُ تَرْكُ الأَولى، فليس بذَنْبٍ وإن عدَّهُ هو عليه السلام ذنباً، فالمراد بالجَسَدِ ذلك
الشِّقُّ الذي وُلِدَ له، ومعنى إلقائه على كُرسيِّهِ: وَضْعُ القابلة له عليه لِيَراهُ.
وروى الإماميَّةُ عن أبي عبد الله تَظُّه أنه وُلد لسليمان ابنٌّ، فقالت الجنُّ
والشياطين: إن عاشَ له ولدٌ لَنَلْقَينَّ منه ما لَقينا من أبيه من البلاء، فأشفقَ عليه
السلام منهم، فجعلهُ وظِثْرَهُ في السحاب من حيثُ لا يعلمون، فلم يشعرْ إلا وقد
أُلقي على كُرسِيهِ ميتاً؛ تنبيهاً على أنَّ الحَذَرَ لا يُنجِّي من القَدَر، وُوتبَ على تَرْكه
التوُّلَ اللائقَ بالخواصِ من تَرْكِ مباشرةِ الأسباب، ورُوي ذلك عن الشعبيِّ
أيضاً(٤). ورواه بعضُهم عن أبي هريرةَ على وجهٍ لا يَشُُّ في وَضْعه إلا مَنْ يَشُكُّ
في عِضمة الأنبياء عليهم السلام، وأنا في صحَّةِ هذا الخبر لستُ على يقينٍ، بل
ظاهرُ الآية أنَّ تسخيرَ الريح بعد الفتنة، وهو ظاهرٌ في عدم صِحَّة الخبر؛ لأنَّ
الوَضْعَ في السحاب يقتضي ذلك.
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي(٥) من طريق عليٍّ بن زيدٍ عن سعيد بن
المسيب أنَّ سليمانَ عليه السلام احتجُبَ عن الناس ثلاثةَ أيامٍ، فأوحى الله تعالى
(١) الكشاف ٣٧٤/٣، والبحر المحيط ٣٩٧/٧.
(٢) صحيح البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤)، وهو عند أحمد (٧٧١٥).
(٣) كذا في حاشية الشهاب ٣١١/٧. والصواب أنه في البخاري: سبعين. وفي رواية: تسعين،
وفي أخرى: مئة.
(٤) مجمع البيان ١١٤/٢٣.
(٥) كما في الدر المنثور ٣١٢/٥.

سُوءَةُ صِنْ
٢٨٨
الآية : ٣٤
إليه أنْ: يا سليمان، احتجبتَ عن الناس ثلاثةَ أيامٍ فلم تنظرْ في أمور عبادي، ولم
تُنصفْ مظلوماً من ظالم. وكان مُلْكُهُ في خاتمه، وكان إذا دخل الحمَّامَ وَضَعَ
خاتمه تحتَ فراشه، فجاء الشيطانُ فأخذهُ، فأقبل الناسُ على الشيطان، فقال
سليمان: يا أيها الناس، أنا سليمان نبيُّ الله تعالى. فدفعوه، فَسَاحَ أربعينَ يوماً،
فأتى أهلَ سفينةٍ فأعطوه حُوتاً فشقَّها، فإذا هو بالخاتم فيها، فتختَّم به ثم جاء،
فأخذ بناصيته فقال عند ذلك: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾.
وأخرج النسائيُّ وابن جرير وابن أبي حاتم - قال ابن حجر والسيوطيُّ: بسندٍ
قويٌّ(١) - عن ابن عباس: أراد سليمانُ عليه السلام أن يدخلَ الخلاءَ، فأعطى
لجرادةَ خاتمه - وكانت امرأته، وكانت أَحَبَّ نسائه إليه - فجاء الشيطانُ في صورة
سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته، فلما لَبِسَهُ دانتِ الإنسُ والحِنُّ
والشياطينُ، فلما خَرَجَ سليمانُ قال لها: هاتي خاتمي. قالت: قد أعطيته سليمان،
قال: أنا سليمان، قالت: كذبتَ لستَ سليمان، فجعل لا يأتي أحداً فيقول له: أنا
سليمان، إلا كَذَّبه، حتى جَعَلَ الصبيانُ يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عَرَفَ أنه
من أمرِ الله تعالى، وقام الشيطانُ يحكمُ بين الناس، فلما أراد الله تعالى أن يَرُدَّ عليه
سلطانه، ألقى في قلوب الناس إنكارَ ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان
فقالوا: أَنْتُكِرْنَ من سلیمان شيئاً؟ قلنَ: نعم، إنه یأتینا ونحن ◌ُيَّضُ، وما كان يأتينا
قبلَ ذلك، فلما رأى الشيطانُ أنه قد فُطِنَ له، ظَنَّ أنَّ أمرَه قد انقطعَ، فأمر الشياطينَ
فکتبوا گُتُباً فيها سِخْرٌ ومگْرٌ، فدفنوها تحت ◌ُرسيٍّ سليمان، ثم أثاروها وقرؤوها
على الناس وقالوا: بهذا كان يظهرُ سليمانُ على الناس ويغلبهم، فَأَكْفَرَ الناسُ
سليمانَ، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فَطَرَحهُ في البحر، فتلقَّتُهُ سمكةٌ، فأخذته،
وكان عليه السلام يعملُ على شَطّ البحر بالأجر، فجاء رجلٌ فاشترى سَمَكاً فيه تلك
السَّمكة، فدعا سليمانَ فحملَ معه السمكَ إلى باب داره، فأعطاه تلك السمكة،
فَشَقَّ بطنها، فإذا الخاتم فيه، فأخذهُ فَلَبِسَهُ، فدانتْ له الإنسُ والجِنُّ والشياطين،
وعاد إلى حاله، وهَرَبَ الشيطانُ إلى جزيرةٍ في البحر، فأرسل في طلبه، وكان
(١) الدر المنثور ٣١٠/٥، والخبر في السنن الكبرى للنسائي (١٠٩٢٦)، وتفسير الطبري ٣٢٤/٢.

الآية : ٣٤
٢٨٩
مَريداً فلم يقدروا عليه حتى وجدوه نائماً، فبنوا عليه بنياناً من رصاصٍ، فاستيقظَ
فأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان، فأمرَ فنُقِرَ له صندوقٌ من رخام، فأُدخل في جوفه،
ثم سُدَّ بالنحاس، ثم أُمر به فَطُرِحَ في البحر.
وذُكر في سبب ذلك أنه عليه السلام كان قد غزا صيدون في الجزائر، فقتل
مَلِكَها وأصاب ابنته، وهي جرادةُ المذكورة، فأحَبَّها، وكان لا يرقأُ دَمْعُها جَزَعاً
على أبيها، فأمرَ الشياطينَ فمثَّلوا لها صورته - وكان ذلك جائزاً في
شريعته - وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها، يَسْجُدْنَ لها كعادتهنَّ في مُلْكه،
فأخبرهُ آصَفُ (١) فَكَسَرَ الصورةَ وضَرَبَ المرأة، فعُوتب بذلك حيث تغافلَ عن
حال أهله.
واختلف في اسم ذلك الشيطان، فعن السُّدِّي أنه حبقيق؛ وعن الأكثرين أنه
صَخْرٌ، وهو المشهور، وإنما قال سبحانه: (جَسَدًّا) لأنه إنما تمثَّلَ بصورة غيره،
وهو سليمانُ عليه السلام، وتلك الصورةُ المتمثّلة ليس فيها روحُ صاحبها الحقيقيّ،
وإنما حَلَّ في قالبها ذلك الشيطان، فلذا سُمِّيتْ جَسَداً، وعبارة ((القاموس))(٢)
صريحةٌ في أنَّ الجَسَدَ يُطلَقُ على الجِنِّي.
وقال أبو حيان وغيره: إنَّ هذه المقالةَ من أوضاع اليهود وزنادقة السوفسطائية،
ولا ينبغي لعاقلٍ أن يعتقدَ صِحَّةَ ما فيها، وكيف يجوزُ تمثُّلُ الشيطان بصورة نبيٍّ
حتى يَلتبسَ أمرُهُ عند الناس، ويعتقدوا أنَّ ذلك المتصوَّر هو النبيّ، ولو أمكن وجودُ
هذا لم يُوثَقْ بإرسال نبيٍّ، نسأل الله تعالى سلامة ديننا وعقولنا(٣).
ومن أقبح ما فيها زَعْمُ تسلُّط الشيطان على نساء نبيِّه، حتى وطئهنَّ وهُنَّ
حُيَّصُ. الله أكبرُ، هذا بهتانٌ عظيمٌ، وخَطْبٌ جسيم، ونسبةُ الخبر إلى ابن عباس
لا تسلم صِحَّتها، وكذا لا تسلمُ دعوى قوَّة سَنَده إليه، وإن قال بها مَن سمعت.
(١) آصَف: كاتب سليمان صلوات الله عليه، دعا بالاسم الأعظم فرأى سليمانُ العرش مستقراً
عنده. القاموس المحيط (أصف).
(٢) مادة (جسد).
(٣) البحر المحيط ٣٩٧/٧.

٢٩٠
الآية : ٣٤
وجاء عن ابن عباس برواية عبد الرزاق وابن المنذر(١) ما هو ظاهرٌ في أنَّ ذلك
من أخبار كَعْب، ومعلومٌ أنَّ كعباً يرويه عن كتب اليهود، وهي لا يُوثَقُ بها، على
أنَّ إشعارَ ما يأتي بأنَّ تسخيرَ الشياطين بعد الفتنة يأبى صِحَّةً هذه المقالة
كما لا يخفى، ثم إنَّ أمرَ خاتم سليمان عليه السلام في غاية الشهرة بين الخواصِّ
والعوامٌّ، ويُستبعد جدّاً أن يكون الله تعالى قد رَبَطَ ما أعطى نبيَّه عليه السلام من
الملك بذلك الخاتم، وعندي أنه لو كان في ذلك الخاتم السِّرُّ الذي يقولون،
لَذَكَرَهُ الله عزَّ وجلَّ في كتابه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وقال قوم: مَرِضَ سليمان عليه السلام مَرَضَاً كالإغماء، حتى صار على
كُرسيِّه كأنه جَسَدٌ بلا روح، وقد شاع قولهم في الضعيف: لَحْمٌ على وَضَم (٢)،
وجَسَدٌ بلا روح، فالجسدُ الملقى على الكرسيِّ هو عليه السلام نفسه. وروي
ذلك عن أبي مسلم، وقال في قوله تعالى: (ثُمَّ أَنَبَ) أي: رجع إلى الصحة،
وجعل ((جَسَداً) حالاً من مفعول ((ألقينا)) المحذوف، كأنه قيل: ولقد فتنًّا
سليمانَ - أي: ابتليناه وأمرضناه - وألقيناه على كرسِّيه ضعيفاً كأنه جَسَدٌ
بلا روح، ثم رَجَعَ إلى صِحَّته. ولا يخفى سقمُهُ، والحقُّ ما ذُكر أولاً في
الحديث المرفوع.
وعَظْفُ ((أناب)) بـ ((ثم)) وكان الظاهر الفاء، كما في قوله تعالى: (فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ)،
قيل: إشارةٌ إلى استمرار إنابته وامتدادها، فإنَّ الممتَدَّ يُعطَفُ بها نظراً لأواخره،
بخلاف الاستغفار، فإنه ينبغي المسارعةُ إليه، ولا امتدادَ في وقته.
وقيل: إنَّ العَظْفَ بـ (ثم)) هنا لما أنه عليه السلام لم يعلم الداعي إلى الإنابة
عَقيبَ وقوعه، وهذا بخلاف ما كان في قصة داود عليه السلام، فإنَّ العَظْفَ هناك
على ظَنِّ الفتنة، واللائقُ به أن لا يُؤخَّر الاستغفارُ عنه. وقيل: العَظْفُ بها هنا
لما أنَّ بين زمان الإنابة وأول زمان ما وقع منه عليه السلام من تَرْك الاستثناء مدَّةً
(١) كما في الدر المنثور ٣١٠/٥.
(٢) الوَضَم: ما وقيتَ به اللحمَ عن الأرض من خشب وحصير. وتركهم لحماً على وضم:
أوقعهم فذلَّلهم وأوجعهم. القاموس المحيط (وضم).

الآية : ٣٥
٢٩١
سُؤَادَةَ صِ
طويلة، وهي مُدَّةُ الحمل، وليس بين زمان استغفار داود عليه السلام وأول زمان
ما وقع منه كذلك.
﴿قَالَ﴾ بدلٌ من ((أناب)) وتفسيرٌ له على ما في ((إرشاد العقل السليم)) (١)، وهو
الظاهر. ويمكن أن يكون استئنافاً بيانياً نشأ من حكاية ما تقدَّم، كأنه قيل: فهل كان
له حالٌ لا يضرُّ معه مَسْحُ الخيل سُوقها وأعناقها؟ وهل كان بحيثُ تقتضي الحكمةُ
فتنته؟ فأُجيب بما أُجيب، وحاصله: نعم كان له حالٌ لا يضرُّ معه المَسْحُ، وكان
بحيثُ تقتضي الحكمةُ فتنتهُ، فقد دعا بمُلْكٍ عظيمٍ فَؤُهِبَ له، ويمكن أن يُقرَّرَ
الاستئنافُ على وجهٍ آخر، وكذا يمكن أن يكونَ استئنافاً نحويّاً لحكاية شيءٍ من
أحواله عليه السلام، فتأمل.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ﴾ ما لم أَستحسنْ صدورَهُ عني.
﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ أي: لا يصحُّ لأحدٍ غيري لِعَظمته،
فـ ((بعد)) هنا نظيرُ ما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجائية: ٢٣] أي:
غير الله تعالى، وهو أعمّ من أن يكونَ الغيرُ في عَصْره، والمراد وَصْفُ الملك
بالعَظَمة على سبيل الكناية، كقولك: لفلانٍ ما ليس لأحدٍ من الفَضْل والمال،
وربما كان في الناس أمثالُهُ، تريدُ أنَّ له من ذلك شيئاً عظيماً، لا أن لا يُعطَى أحدٌ
مثله ليكون منافسة.
وما أخرج عبد بن حميد والبخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ، والحكيم الترمذيُّ في
(نوادر الأصول))، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ عفريتاً
جعل يتفلَّتُ عليَّ البارحةَ ليقطعَ عليَّ صلاتي، وإنَّ الله تعالى أمكنني منه، فلقد
هَمِمْتُ أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد حتى تُصبحوا فتنظروا إليه كلّكم،
فَذَكَرْتُ قولَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ﴾ فردَّهُ الله
تعالى خاسئاً)(٢) لا ينافي ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أراد كمالَ رعايةٍ دعوة
(١) ٢٢٧/٧ .
(٢) صحيح البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١)، والنسائي في الكبرى (١١٣٧٦)، ونوادر الأصول
ص١١١، وهو عند أحمد (٧٩٦٩).

٢٩٢
الآية : ٣٥
أخيه سليمان عليه السلام بِتَرْكِ شيءٍ تضمَّنه ذلك المُلْك العظيم، وإلا فالمُلْكُ
العظيمُ ليس مجرَّدَ رَبْطِ عفريتٍ إلى سارية، بل هو سائرُ ما تضمَّنه قوله تعالى
الآتي: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِجَ﴾ إلخ.
وقيل: إنَّ عَدَمَ المنافاة؛ لأنَّ الكنايَةُ تُجامعُ إرادةَ الحقيقةِ كما تُجامعُ إرادةَ
عَدَمِها، ولعلَّه إنما طلب عليه السلام ذلك ليكونَ علامةً على قبول سؤاله المغفرةَ
وجَبْرَ قَلْبٍ عمَّا فاته بتَرْكِ الاستثناء، أو ليتوصَّل به إلى تكثير طاعته لله عزَّ وجلَّ
ونعمت الدنيا الصالحة للعبد الصالح، فلا إشكال في طَلَبِ الملك في هذا المقام
إذا قلنا بما يقتضيه ظاهرُ النّظم الجليل من صدور الطّلبين معاً.
وقال الزمخشريُّ: كان سليمان عليه السلام ناشئاً في بيت الملك والنبوَّة،
ووارثاً لهما، فأراد أن يطلبَ من ربِّه عزَّ وجلَّ معجزةً، فطلب على حَسَبِ إلفه
مُلْكاً زائداً على الممالك زيادةً خارقةً للعادة، بالغةً حَدَّ الإعجاز؛ ليكون ذلك
دليلاً على نبوَّته، قاهراً للمبعوث إليهم، ولن تكون معجزةً حتى تخرقَ العادات،
فذلك معنى: ((لا ينبغي لأحد من بعدي))(١). فقوله: ((من بعدي)) بمعنى: من
دوني وغيري كما في الوجه السابق، وحُسْنُ طَلَبٍ ذلك معجزةً مع قَطْع النَّظر عن
الإلف أنه عليه السلام كان زمن الجبَّارين وتفاخرهم بالملك، ومعجزةُ كلِّ نبيِّ
من جنس ما اشتهر في عصره، ألا ترى أنه لمَّا اشتهر السِّحرُ وغَلَبَ في عهد
الكليم عليه السلام، جاءهم بما يتلقَّفُ ما أَتوا به، ولما اشتهر الطِّبُّ في عهد
المسيح عليه السلام، جاءهم بإبراء الأَكْمَه والأبرص وإحياء الموتى، ولما اشتهر
في عهد خاتم الرسل وَّه الفصاحة، أتاهم بكلامٍ لم يقدروا على أَقْصَرِ فَضْلٍ من
فصوله.
واعتُرض بأنَّ اللائقَ بطَلَبِ المعجزةِ أن يكون في ابتداء النبوّة، وظاهرُ النَّظم
الجليل أنَّ هذا الطّلَبَ كان بعد الفتنة والإنابة، كيف لا وقوله تعالى: ((قال)) إلخ
بدلٌ من («أناب)) وتفسيرٌ له، والفتنةُ لم تكنْ في الابتداء كما يُشعر به النَّظْمُ.
(١) الكشاف ٣/ ٣٧٥.

الآية : ٣٥
٢٩٣
وأجيب بأنَّا لا نُسلِّمُ أنَّ اللائقَ بَطَلَبِ المعجزةِ كونها في ابتداء النبوَّة، وإن سُلِّمَ
فليس في الآية ما ينافي وقوعه، وكذا وقوعُ الفتنة في ابتدائها لاسيَّما إن قلنا: إنَّ
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ) إلخ ليس تفسيراً لـ («أناب)).
وأجيب على القول بأنَّ الفتنةَ كانت سَلْبَ الملك بأنَّ رجوعَهُ بعدُ كالابتداء.
وذكر بعضُ الذاهبين إلى ذلك أنه عليه السلام أقام في مُلْكه قبل الفتنة عشرينَ
سنة، وأقام بعدها عشرينَ سنة أيضاً، وقالوا في هذه الآية: إنَّ مَصَبَّ الدعاء
الوَصْفُ، فمعنى الآية: هَبْ لي مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ غيري ممن هو في عصري،
بأنْ يسلبه مني كهذه السلبة. وروي هذا المعنى عن عطاء بن أبي رباح وقتادة،
وحاصله الدعاء بعَدمِ سَلْبٍ مُلْكه عنه في حياته، ويُفهم مما في سياق التفريع إجابةٌ
سؤاله عليه السلام، وأنَّ ما وُهِبَ له لا يُسلَبُ عنه بَعْدُ.
وجُوِّزَ أن يكونَ هذا دعاءً بِعَدَم السَّلْبِ، وإن لم يتقدَّم سَلْبٌ، ودوامُ نعمة الله
عزَّ وجلَّ مما يَحْسُنُ الدعاءُ به، والآثار مَلأُى من ذلك، فهذا الوجهُ لا يتعيَّنُ بناؤه
على تفسير الفتنة بسَلْبٍ الملك على ما حكي سابقاً.
وقال الجبائيُّ: إنه عليه السلام طَلَبَ مُلْكاً لا يكونُ لغيره أبداً، ولم يطلبْ ذلك
إلا بعد الإذن، فإنَّ الأنبياء عليهم السلام لا يطلبون إلا ما يُؤْذَنُ لهم في طَلَبه،
وجائز أن یکون الله تعالی قد أَعلمه أنه إن سأل ذلك کان أصلح له في الدين،
وأَعلمه أنْ لا صلاحَ لغيره فيه، وهو نظيرُ قول القائل: اللهم اجعلني أكثرَ أهل
زماني مالاً إذا علمتَ أنَّ ذلك أصلح لي، فإنه حَسَنٌ لا يُنْسَبُ قائله إلى شُحِّ. اهـ.
قيل: ويجوز أن يكونَ معنى الآية عليه: هَبْ لي مُلْكاً ينبغي لي حِكمة،
ولا ينبغي حِكمةً لأحدٍ غيري، وأراد بذلك طَلَب أن يكون عليه السلام متأهِّلاً
لِنْعَمِ الله عزَّ وجلَّ. وهو كما ترى. وقيل غير ذلك.
ومن أعجبٍ ما رأيتُ ما قاله السيد المرتضى: إنه يجوزُ أن يكونَ إنما سألَ
مُلْكَ الآخرة وثوابَ الجنة، ويكونُ معنى قوله: ((لا ينبغي لأحدٍ من بعدي)):
لا يستحقُّهُ بعدَ وصوله إليه من حيثُ لا يصحُّ أن يعمل ما يستحقُّ به ذلك لانقطاع

٢٩٤
الآية : ٣٦
التكليف. ولا يخفى أنه مما لا يرتضيه الذوقُ، والتفريعُ الآتي آبٍ عنه كلَّ الإباء.
واستدلَّ بعضُهم بالآية على بعض الأقوال المذكورة فيها على تكفير من ادَّعى
استخدامَ الجِنِّ وطاعتهم له، وأَيِّدَ ذلك بالحديث السابق(١)، والحقُّ أنَّ استخدامَ
الجِنِّ الثابت لسليمان عليه السلام لم يكنْ بواسطة أسماءٍ ورياضات، بل هو تسخيرٌ .
إلهيٍّ من غير واسطة شيءٍ، وكان أيضاً على وجهٍ أتمّ، وهو مع ذلك بعض الملك
الذي استوهبه. فالمختصُّ على تقدير إفادة الآية الاختصاصَ مجموعُ ما تضمَّنه قوله
تعالى: (فَسَخَّنَ) إلخ فالظاهرُ عدمُ إكفار مَنْ يدَّعي استخدامَ شيءٍ من الجِنِّ، ونحن
قد شاهدنا مراراً مَنْ يدَّعي ذلك، وشاهدنا آثارَ صِدْقٍ دعواه على وجهٍ لا يُنكرهُ
إلا سوفسطائي أو مكابر.
ومن الاتفاقيات الغريبة أني اجتمعتُ يومَ تفسيري لهذه الآية برجلٍ مَوْصليٍّ
يدَّعي ذلك، وامتحنتُهُ بما يُصدِّقُ دعواه في مَحْفَلٍ عظيمٍ، ففعل وأتى بالعَجَبِ
العُجاب، وكانت الأدلةُ على نفي احتمال الشَّعبذة ونحوهاً ظاهرةً لذوي الألباب،
إلا أنَّ لي إشكالاً في هذا المقام، وهو أنَّ الخادمَ الجنيَّ قد يُحضِرُ الشيءَ الكثيفَ
من نحو صندوقٍ مقفلٍ بين جَمْع في حُجْرةٍ أُغلقت أبوابها، وسُدَّتْ منافذها، ولم
يشعر به أحد، ووجهُ الإشكال أَنَّ الجنيَّ لطيفٌ، فكيف سَتَرَ الكثيفَ فلم يُرَ في
الطريق، وكيف أخرجه من الصندوق وأدخله الحُجْرةَ وقد سُدَّتِ(٢) المنافذ،
وتَلَُفُ الكثيف ثم تكثُّفه بَعْدُ مما لا يقبله إلا كثيفٌ أو سخيفٌ، ومثلُ ذلك كونُ
الإحضار المذكور على نحو إحضار عَرْشٍ بلقيس بالإعدام والإيجاد كما يقوله
الشيخ الأكبر، أو بوجهٍ آخرَ من الإعجاز(٣) كما يقول غيره، ولعلَّ الشرعَ أيضاً يأبى
هذا، وسرعةُ المرور إن نفعتْ ففي عدم الرؤية في الطريق.
وقُصارى ما يقال: لعلَّ للجِنِّيِّ سِحْراً أو نحوه، سَلَبَ به الإحساسَ، فَتَصَرَّفَ
بالصندوق ومنافذ الحُجْرةِ حَسْبَما أراد، وأتى بالكثيف يَحمِلُهُ ولم يشعرْ به أحدٌ من
(١) وهو حديث العفريت الذي كان يتفلَّت.
(٢) في (م): سددت.
(٣) قوله: من الإعجاز، ليس في (م).

٠٫٠
٢٩٥
الآية : ٣٦
الناس، فإنْ تَمَّ هذا فيها، وإلا فالأمرُ مُشكلٌ والله المتعال أعلم بحقيقة الحال(١).
وظاهر جَعْل جملة: ((قال ربِّ اغفر لي)» تفسيراً للإنابة يقتضي أنَّ الاستغفار
مقصودٌ لذاته، لا وسيلةٌ للاستيهاب، وفي كون الاستيهاب مقصوداً لذاته أيضاً
احتمالان.
وتقديمُ الاستغفار على تقدير كونهما مقصودین بالذات؛ لمزيد اهتمامه بأمر
الدين، وقد يُجْعَلُ مع هذا وسيلةً للاستيهاب المقصود أيضاً، فإنَّ افتتاحَ الدعاء بنحو
ذلك أرجى للإجابة، وجُوِّزَ على بُعْدٍ بَعْدَ التزام الاستئناف في الجملة كونٌ
الاستيهاب هو المقصود لذاته، والاستغفارُ وسيلة له، وسيجيءُ إن شاء الله تعالى
ما قيل في الاستئناس له.
وقرئ: ((من بعديَّ)) بفتح الياء(٢)، وحكي القراءة به في ((لي))(٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ هَ﴾ تعليلٌ للدعاء بالمغفرة والهبة معاً، لا للدعاء
بالأخيرة فقط، فإنَّ المغفرةَ أيضاً من أحكام وَصْف الوهّابية قَطْعاً، ومَنْ جَوَّزَ كَوْنَ
الاستيهاب هو المقصود استأنسَ له بهذا التعليل ظَّاً منه أنه للدعاء بالأخيرة فقط،
وكذا بِعَدَمِ التعرُّضِ لإجابة الدعاء بالأَولى، فإنَّ الظاهرَ أنَّ قوله تعالى: ﴿فَخَّنَا لَهُ
الرَّجَ﴾ إلى آخره، تفريعٌ على طَلَبه مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، ولو كان
الاستغفارُ مقصوداً أيضاً لقيل: فغفرنا له وسخّرنا له الريح .. إلخ.
وأُجيب بأنه يجوزُ أن يقال: إنَّ المغفرة لمن استغفرَ - لا سيَّما الأنبياء عليهم
السلام - لمَّا كانتْ أمراً معلوماً بخلاف هِبةٍ مُلْكٍ لمن استوهبَ، لم يصرّح بها،
واكتفى بدلالة ما ذُكر في حَيِّز الفاء، مع ما في الآية بعد على ذلك، وتَقوَى هذه
الدلالة على تقدير أن يكونَ طلبُ الملك علامةً على قبول استغفاره وإجابة دعائه.
فتأمل.
(١) قوله: والله المتعال أعلم بحقيقة الحال، ليس في (م).
(٢) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وأبي جعفر، التيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦٢/٢.
(٣) ذكرها أبو السعود في تفسيره ٧/ ٢٢٧ .

سُورَةُ ضِ
٢٩٦
الآية : ٣٦
والتسخيرُ: التذليلُ، أي: فذلَّلناها لطاعته إجابةً لدعوته، وقيل: أَدَمْنا تذليلها
کما كان.
وقرأ الحسنُ وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر: ((الرياح)) بالجمع(١)، قيل: وهو
أَوفقُ؛ لِمَا شاع من أنَّ الريحَ تُستعمل في الشَّرِّ، والرياحُ في الخير، وقد علمتَ أنَّ
ذلك لیس بمطرد.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِى بِأَرِهِ﴾ بيانٌ لتسخيرها له عليه السلام، أو حالٌ، أي:
جاريةٌ بأمره.
﴿ُنَّةَ﴾ أي: ليِّنةً من الرخاوة لا تُحرَّكُ لشدَّتها. واستشكل هذا بأنه ينافي قوله
تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرَّحَ عَاصِفَةٌ﴾ [الأنبياء: ٨١] لوَصْفها ثمةَ بالشِّدَّة، وهنا باللِين.
وأجيب بأنها كانتْ في أَصْلِ الخِلْقة شديدةً، لكنها صارتْ لسليمانَ لَيَّةً سهلةٌ.
أو أنها تشتدُّ عند الحمل وتلينُ عند السير، فَوُصِفَتْ باعتبار حالين. أو أنها شديدةٌ
في نفسها، فإذا أراد سليمانُ عليه السلام لِينَها لانتْ على ما يُشير إليه قوله تعالى:
((بأمره)). أو أنها تلينُ وتعصفُ باقتضاء الحال.
وقال ابن عباس والحسن والضحاك: ((رُخاءً)»: مطيعةً لا تخالفُ إرادته،
كالمأمور المنقاد، فالمرادُ بلينها انقيادُها له، وهو لا ينافي عَصْفَها، واللِّينُ يكون
بمعنى الإطاعة، وكذا الصَّلابةُ تكون بمعنى العصيان.
﴾ أي: قَصَدَ وأراد، كما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة،
﴿حَيْثُ أَصَابَ
وحكى الزجاج(٢) عن العرب: أصابَ الصَّوابَ فأخطأ الجواب. وعن رؤيةَ أنَّ رجلين
من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا:
هذه طِلْبتنا. ورجعا، ويقال: أصابَ الله تعالى بك خيراً، وأنشد الثعلبيُّ:
فأخطا الجوابَ لَدى المعضلِ (٣)
أصابَ الکلامَ فلم يستطع
(١) النشر ٢٢٣/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر المحيط ٣٩٨/٧.
(٢) كما في البحر ٣٩٨/٧، وذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٣٧٥ عن الأصمعي.
(٣) البيت في المحرر الوجيز ٥٠٦/٤، وتفسير القرطبي ٢٠٨/١٨، والبحر ٣٩٨/٧، وعندهم:
المفصل، بدل: المعضل.

الآية : ٣٧ - ٣٨
٢٩٧
سِوَرَةُ صِ﴾
وعن قتادة: أنَّ ((أصاب)) بمعنى أراد لغةُ هَجَر. وقيل: لغة حِمْير. وجُوِّزَ أن
يكون ((أصاب)) من صابَ يصوبُ بمعنى نزل، والهمزةُ للتعدية، أي: حيث أنزل
جنوده. و((حيث)) متعلّقةٌ بـ ((سخَّرنا)) أو بـ ((تجري)).
بدلٌ من ((الشياطين))، وهو
﴿وَالشَّيَطِينَ﴾ عَظْفٌ على الريح ﴿كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ (
بدلُ كلٍّ من كلٍّ إن أُريد المعهودونَ المسخّرون، أو أُريد مَنْ له قوَّةُ البناء والغَوص
والتمكُّن منهما. أو بدلُ بعضٍ إن لم يُرَدْ ذلك، فيقدَّرُ ضميرٌ، أي: منهم. والغَوْصُ
لاستخراج الحِلية، وهو عليه السلام - على ما قيل - أولُ من استخرجَ الدُّرَّ.
· عَظْفٌ على ((كل)) لا على ((الشياطين))؛ لأنهم
﴿وَءَاخَرِيْنَ مُقَرِّنَ فِ اَلْأَصْفَادِ (
منهم، إلا أن يُراد العَهْدُ، ولا على ما أُضيف إليه ((كل)) لأنه لا يَحسُنُ فيه
إلا الإضافةُ إلى مفردٍ منكَّرٍ أو جَمْعٍ مُعرَّفٍ.
والأصفاد جمع: صَفَدٍ، وهو القيدُ في المشهور، وقيل: الجامعة، أعني الغُلَّ
الذي يجمعُ اليدين إلى العنق، قيل: وهو الأنسبُ بـ ((مقرَّنين))؛ لأنَّ الثَّقرينَ بها
غالباً، ويُسمَّى به العطاء؛ لأنه ارتباطٌ للمنعَم عليه، ومنه قول عليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه: مَنْ بَرَّكَ فقد أَسَرَكَ، ومَنْ جفاك فقَد أَظْلَقَكَ. وقول القائل: غَلَّ يداً
مُظْلِقُها، وفكّ رقبةً معتقُها، وقال أبو تمام(١):
هِمَمي معلقةٌ عليك رقابُها مغلولةٌ إِنَّ العطاءَ إِسارُ
وتبعه المتنبي في قوله(٢):
وقيَّدتُ نفسي في ذَراك محبَّةً ومن وَجَدَ الإحسانَ قَيْداً تقيّدَا
وفرَّقوا بين فعليهما، فقالوا: صَفَدَهُ: قيَّدهُ، وأَصْفَده: أعطاه، عكسُ وَعَدَهُ
وأَوْعَده. ولهم في ذلك كلامٌ طويلٌ قال فيه الخفاجيُّ ما قال، ثم قال: والتحقيق
عندي أنَّ هاهنا ماذَّتين في كلِّ منهما ضارٍّ ونافعٌ، وقليلُ اللَّفظ وكثيره، وقد وَرَدَ في
إحداهما الضارُّ بلفظٍ قليلٍ مقدَّم، والنافعُ بلفظِ كثيرٍ مؤخّر، وفي الأخرى عكسُهُ،
(١) في ديوانه ٢/ ١٨١.
(٢) في ديوانه ٢/ ١٥.

٢٩٨
الآية : ٣٨
ووجههُ في الأول أنه أمرٌ واقعٌ؛ لأنه وُضِعَ للقيد، ثم أُطلق على العطاء؛ لأنه يُقِيِّدُ
صاحبه، وعُبِّرَ بالأقلِّ في القيد لضيقه المناسب لِقِلَّةٍ حروفه، وبالأكثر في العطاء؛
لأنه من شأن الكرم، وقُدِّمَ الأولُ لأنه أصلٌ أخفّ، وعُكِسَ ذلك في وَعَدَ وأَوْعَدَ،
فعبّر في النافع بالأقلِّ وقدّمَ، وأخّرَ الضارّ وكثّر حروفه؛ لأنه مستقبلٌ غيرُ واقع،
والخيرُ الموعودُ به يُحمد سرعة إنجازه وقلَّة مدَّة وقوعه، فإن أهنأ البِرِّ عاجله، وهذا
يناسبُ قِلَّةَ حروفه، وفي الوعيد يُحمَدُ تأخيره لِحُسْنِ الخلف والعفو عنه، فناسَبَ
كثرة حروفه، ثم قال: وهذا تحقيقٌ في غاية الحُسْنِ، وما عداهُ وَهْمٌ فارٌ
فاعرفه(١).
والمراد بهؤلاء المقرَّنين المَرَدَةُ، فتفيدُ الآيةُ تفصيلَ الشياطين إلى عَمَلَةٍ
استعملهم عليه السلام في الأعمال الشاقَّة؛ كالبناء والغَوْص، ومَرَدَةٍ قَرَنَ بعضَهم
ببعضٍ بالجوامع ليكفُّوا عن الشَّرِّ، وظاهره أنَّ هناك تقييداً حقيقةً، وهو مشكلٌ لأنَّ
الشياطينَ إما أجسامٌ ناريةٌ لطيفةٌ قابلةٌ للتشكُّل، وإما أرواحٌ خبيئةٌ مجرَّدَةٌ، وأيَّاما كان
لا يمكنُ تقييدها ولا إمساكُ القید لها .
وأُجيبَ باختيار الأول، وهو الصحيح، والأصفاد غيرُ ما هو المعروف، بل هي
أصفادٌ يتأتَى بها تقييدُ اللَّطيف على وجهٍ يمنعه عن التصرُّف، والأمر من أوَّله خارقٌ
للعادة.
وقيل: إنَّ لَطَافَةَ أجسامهم بمعنى شفافتها، والشفافةُ لا تأبى الصَّلابة؛ كما في
الزُّجاج والفَلَكِ عند الفلاسفة، فيمكنُ أن تكونَ أجسامهم شفافةً وصُلْبةً، فلا تُرى
لشفافتها، ويتأَتَّى تقييدُها لصلابتها، وأَنكر بعضُهم الصلابةَ؛ لتحقُّق نفوذ الشياطين
فيما لا يمكنُ نفوذُ الصُّلب فيه، وأنهم لا يُدرَكون باللَّمس والصُّلْبُ يُدرَكُ به.
وقيل: لا مانع من أنه عليه السلام يُقيِّدهم بشكلٍ صلب، فيقيِّدهم حينئذٍ
بالأصفاد، والشيطانُ إذا ظَهَرَ متشكِّلاً بشكلٍ قد يتقيَّدُ به، ولا يمكنه التشكُّل بغيره،
ولا العَوْدُ إلى ما كان، وقد نصَّ الشيخُ الأكبر محيي الدين قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ نظر
(١) حاشية الشهاب ٣١٣/٧.
,

الآية : ٣٩
٢٩٩
الإنسانِ يقيِّدُ الشيطانَ بالشكل الذي يراه فيه، فمتى رأى الإنسانُ شيطاناً بشكلٍ ولم
يَصْرِفْ نَظَرَهُ عنه بالكلية لم يستطيع الشيطانُ الخفاءَ عنه، ولا التشكّلَ بشكلٍ آخرَ،
إلى أن يجدَ فرصة صَرْفِ النظر عنه ولو برمشة عين.
وزعم الجبائيُّ أنَّ الشيطانَ كان كثيفَ الجسم في زمن سليمان عليه السلام
ويُشاهده الناس، ثم لما تُوقِّيَ عليه السلام أماتَ الله عزَّ وجلَّ ذلك الجِنَّ وخَلَقَ
نوعاً آخرَ لطيفَ الجسم، بحيثُ لا يُرى ولا يقوى على الأعمال الشاقَّة.
وهذا لا يُقبَلُ أصلاً إلا بروايةٍ صحيحة، وأنَّى هي؟!
وقيل: الأقرب أنَّ المرادَ تمثيلُ كَفِّهم عن الشرور بالإقران في الصَّفَد، وليس
هناك قيدٌ ولا تقييدٌ حقيقة.
﴾ إما حكايةٌ لما خُوطب به سليمان
٣٩
﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ
عليه السلام مبيّةٌ لِعِظَم شأن ما أوتي من الملك، وأنه مُفوَّضٌ إليه تفويضاً كُليّاً،
وإما مقولٌ لقولٍ مُقَدَّرٍ هو معطوفٌ على (سخَّرنا)) أو حالٌ من فاعله، أي: وقلنا،
أو: قائلين له هذا .. إلخ، والإشارة إلى ما أعطاه مما تقدَّم، أي: هذا الذي
أعطيناكَهُ من الملك العظيم والبَسْطة، والتسليط على ما لم يُسَلَّظ عليه غيرُكَ،
عطاؤنا الخاصُّ بك، فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وامنعْ مَنْ شِئْتَ غيرَ مُحاسَبٍ على شيءٍ من
الأمرين، ولا مسوؤل عنه في الآخرة، لتفويض التصرُّف فيه إليك على الإطلاق،
فـ (بغير حسابٍ)) حالٌ من المستكنِّ في الأمر، والفاءُ جزائيةٌ، و((هذا عطاؤنا))
مبتدأ وخبرٌ، والإخبارُ مفيدٌ لما أشرنا إليه من اعتبار الخصوص، أي: عطاؤنا
الخاصُّ بك، أو يقال: إنَّ ذِكْرَهُ ليس للإخبار به، بل ليترتَّبَ عليه ما بعده
کقوله :
ما بقاءُ الدموع في الآماق(١)
هذه دارُهمْ وأنت مشوقٌ
بے
وجُوِّزَ أن يكون (بغير حساب)) حالاً من العطاء نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾
[هود: ٧٢] أي: هذا عطاؤنا متلبِّساً بغير حسابٍ عليه في الآخرة، أو: هذا عطاؤنا
(١) البيت في المدهش ص ١٤٧ منسوباً للشبلي.

سُورَةِ صِ)
٣٠٠
الآية : ٤٠
كثيراً جدّاً لا يُعَدُّ ولا يُحْسَبُ لغاية كثرته، وأن يكونَ صِلَةَ العطاء، واعتبره بعضهم
قيداً له لتتمَّ الفائدة، ولا يحتاجُ لاعتبار ما تقدَّم، وعلى التقديرين ما في البين
اعتراضٌ، فلا يضرُّ الفصلُ به، والغاء اعتراضيةٌ، وجاء اقترانُ الاعتراض بها
كما جاء بالواو كقوله:
واعلمْ فعِلمُ المرء ينفعهُ أن سوفَ يأتي كلّ ما قُدِرا (١)
وقيل: الإشارةُ إلى تسخير الشياطين، والمراد بالمَنِّ والإمساك إطلاقهم
وإبقاؤهم في الأصفاد، والمَنُّ قد يكونُ بمعنى الإطلاق كما في قوله تعالى: ﴿فَإمّا
مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤] والأَولى في قوله تعالى: ((بغير حساب)) حينئذٍ كونه حالاً
من المستكنُّ في الأمر، وهذا القولُ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن
(٢)
عباس(٢).
وما روي عنه من أنه إشارةٌ إلى ما وُهِبَ له عليه السلام من النساء والقدرة على
جماعهنَّ، لا يكاد يصحُّ؛ إذ لم يجرِ لذلك ذِكْرٌ في الآية، وإلى الأول ذهب
الجمهور وهو الأظهر.
وقرأ ابن مسعود: ((هذا فامننْ أو أمسك عطاؤنا بغير حساب))(٣).
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَ﴾ لَقُرْبَةً وكرامةً مع ما لَهُ من الملك العظيم، فهو إشارةٌ إلى أنَّ
مُلْكَهُ لا يضرُّهُ ولا ينقصه شيئاً من مقامه.
﴿وَحُسْنَ مَثَابٍ (٤) حُسْنَ مَرْجِعٍ في الجنة، وهو عَظْفٌ على ((زلفى)).
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة: ((وحُسْنُ)) بالرفع(٤)، على أنه مبتدأُ خبرُهُ
محذوفٌ، أي: له، والوقفُ عندهما على (لَزُلغى)).
هذا، وأَمْرُ سليمانَ عليه السلام من أعظم الأمور، وكان مع ما آتاه الله تعالى
(١) سلف ٤٢٨/١.
(٢) تفسير الطبري ١٠٢/٢٠، والدر المنثور ٣١٥/٥.
(٣) الكشاف ٣٧٦/٣.
(٤) البحر المحيط ٣٩٩/٧.