Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٧ ٢٢١ سُورَةُ حِزْ وقيل: إنَّ هذا الذي يدّعيه من أمر التوحيد، أو يقصده من الرياسة والترفُّع على العرب والعجم، لشيءٌ يتمنَّى أو يريده كلُّ أحدٍ، ولكن لا يكونُ لكلِّ ما يتمنَّاه أو یریده، فاصبروا . وقيل: إنَّ هذا، أي: دينكم يُطلَبُ ليُتَزَعَ منكم ويطرح، أو يُراد إبطاله. وقيل: الإشارةُ إلى الصبر المفهوم من ((اصبروا)) أي: إنَّ الصبرَ لشيءٌ مطلوبٌ؛ لأنه محمودُ العاقبة. وقال القفال: هذه كلمةٌ تُذكَرُ للتهديد والتخويف، والمعنى أنه ليس غرضُهُ من هذا القول تقرير الدين، وإنما غرضُهُ أن يستوليَ علينا، فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يُريد. فتأمل. ◌ِمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي يقوله ﴿فِ آلْمِلَّةِ آلآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب ومقاتل: أرادوا مِلَّةَ النصارى. والتوصيفُ بالآخرة بحَسَبِ الاعتقاد؛ لأنهم الذينَ لا يؤمنون بنبوَّةِ محمد ◌َِّة، ومرادهم من قولهم: ((ما سمعنا)) إلخ: إنَّا سمعنا خلافَهُ، وهو عدمُ التوحيد، فإنَّ النصارى كانوا يُثَلِّئون، ويزعمون أنه الدينُ الذي جاء به عيسى عليه السلام، وحاشاه. وعن مجاهدٍ أيضاً وقتادة: أرادوا مِلَّةَ العرب ونِحْلَتها التي أَدركوا عليها آباءهم. وجُوِّزَ أن يكونَ ((في الملَّة الآخرة)) حالاً من اسم الإشارة، لا متعلِّقاً بـ (سمعنا))، أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه من التوحيد كائناً في المِلَّة التي تكونُ آخرَ الزمان، أرادوا أنهم لم يسمعوا من أهل الكتاب والكُھَّان الذين كانوا يُحدِّثونهم قبل بعثة النبيِّ وَّرَ بظهور نبيٍّ أنَّ في دينه التوحيد، ولقد كذبوا في ذلك، فإنَّ حديثَ أنَّ النبيَّ المبعوثَ آخر الزمان يكسرُ الأصنامَ ويدعو إلى توحيد الملك العلَّام، كان أشهرَ الأمور قبل الظهور، وإن أرادوا على هذا المعنى: إنَّا سمعنا خلاف ذلك، فكذبهم أقبح. ﴾﴾ أي: افتعالٌ وافتراءٌ من غیر سَبْق ﴿إِنّ هَذَا﴾ أي: ما هذا ﴿إِلَّا أَخِلَقُ مَثَلٍ له. سُورَةُ صِنْ ٢٢٢ الآية : ٨ - ٩ ﴿أَمُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ ونحن رؤساءُ الناس وأشرافهم، كقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ومرادهم إنكار كونه ذِكْراً مُنزلاً من عند الله تعالى كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وأمثالُ هذه المقالات الباطلة دليلٌ على أنَّ مناطَ تكذيبهم ليس الحسد وقَصْر النظر على الحطام الدنيوي. ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىٌ﴾ من القرآن الذي أنزلته على رسولي المشحون بالتوحيد؛ لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن الأدلة المؤدِّية إلى العلم بحقِّيَّته، وليس في عقيدتهم ما يقطعونَ به، فلذا تراهم ينسبونه إلى السِّحر تارةً، وإلى الاختلاق أخرى، فـ ((بل)) للإضراب عن جميع ما قبله، و((بل)) في قوله تعالى: ﴿بَل لَمَا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ﴾﴾ إضرابٌ عن مجموع الكلامين السابقين: حديثِ الحسد في قوله تعالى: ((أأنزل)) إلخ، وحديثِ الشَّكِّ في قوله تعالى: ﴿بَلْ ثُمْ فِ شٍَ﴾ أي: لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقوه زالَ عنهم ما بهم من الحسد والشك حينئذٍ، يعني: أنهم لا يُصدِّقونَ إلا أن يمسَّهمُ العذابُ، فيضطرُّوا إلى التصديق. أو إضرابٌ عن الإضراب قبله، أي: لم يذوقوا عذابي بعدُ، فإذا ذاقوه زالَ شَكُّهم واضطرُّوا إلى التصديق بذِكْري، والأول على ما في ((الكشف)) هو الوجهُ السديدُ، وينطبقُ عليه ما بعدُ من الآيات. وقيل: المعنى: لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكُوا فيه. وهو كما ترى. وفي التعبير بـ ((لمَّا)) دلالةٌ على أنَّ ذَوْقَهم العذابَ على شرف الوقوع. (ج) في مقابلة قوله وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَّيْنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَطَّابِ سبحانه: ((أأنزل)) إلخ، ونظيره في رَدِّ نظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١] و ((أم)) منقطعةٌ مقدَّرةٌ بـ ((بل)) والهمزة، والمراد بالعِنْدية الملك والتصرُّف، لا مجرَّدُ الحضور. وتقديمُ الظرف لأنه محلُّ الإنكار، أي: بل أيملكونَ خزائنَ رحمته تعالى، ويتصرَّفون فيها حسبما يشاؤون، حتى إنهم يصيبون بها مَنْ شاؤوا، ويصرفونها عمَّن شاؤوا، ويتحكّمون فيها بمقتضى رأيهم فيتخيَّروا للنبوَّة بعضَ صناديدهم. الآية : ١٠ ٢٢٣ سُورَ ضِ وإضافة الرَّبِّ إلى ضميره ◌َّه للتشريف واللطف به عليه الصلاة والسلام. و((العزيزُ)): القاهرُ على خَلْقه، و((الوهابُ)): الكثيرُ المواهب المصيبُ بها مواقعها، وحديثُ العزَّة والقهر يناسبُ ما كانوا عليه من ترفُّعهم بالنبوَّة عنه وَّ تجبُّراً . والمبالغةُ في ((الوهَّاب)) من طريق الكَمِّيَّة تناسِبُ قوله تعالى: ((خزائن)) وتدلُّ على حرمانٍ لهم عظيم، وفي ذلك إدماجُ أنَّ النبوةَ ليست عطاءً واحداً بالحقيقة، بل يتضمَّنُ عطايا جَمَّة تفوتُ الحَصْرَ، وهي من طريق الكيفية المشار إليها بإصابة المواقع؛ للدلالة على أنَّ مستحقَّ العطاء ومحلَّهُ مَنْ وُهِبَ ذلك وهو النبيُّ ◌َّ، وفي الوصف المذكور أيضاً إشارةٌ إلى أنَّ النبوَّةَ موهبةٌ ربانيَّةٌ. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾ ترشيحٌ لما سبقَ، أي: بل أَلَهُمْ ملكُ هذه الأجرام العلوية والأجسام السفلية، حتى يتكلَّموا في الأمور الربانية، ويتحكَّموا في التدابير الإلهيّة التي يستأثر بها ربُّ العزّة والكبرياء. جواب شرط محذوف، أي: إن كان وقوله تعالى: ﴿فَلْيَقُواْ فِ الْأَسْبَبِ لهم ما ذُكر من الملك، فليصعدوا في المعارج والمناهج التي(١) يتوضَّل بها إلى السماوات، فليدبِّروها وليتصرَّفوا فيها، فإنهم لا طريقَ لهم إلى تدبيرها والتصرُّف فيها إلا ذاك. أو: إن ادَّعوا ما ذُكر من الملك، فليصعدوا وليتصرَّفوا حتى يُظَنَّ صِدْقُ دعواهم، فإنه لا أمارةَ عندهم على صِدْقها، فلا أقلّ من أن يجعلوا ذلك أمارة. وقال الزمخشريُّ ومتابعوه: أي: فليصعدوا في المعارج والطرق التي يُتوصَّل بها إلى العرش، حتى يستووا عليه ويدبِّروا أمرَ العَالم وملكوتَ الله تعالى، ويُنزلوا الوحيَ إلى مَنْ يختارونَ ويستصوبون(٢). وهو مناسبٌ للمقام، بَيْدَ أنَّ فيه دغدغة. وأيًّاما کان ففي أمرهم بذلك تھُمُ بهم لا يخفى. (١) في (م): الذي. (٢) الكشاف ٣٦١/٣-٣٦٢. ٢٢٤ الآية : ١١ والسببُ في الأصل: الوصلةُ من الحبل ونحوه. وعن مجاهدٍ: الأسبابُ هنا أبوابُ السماوات. وقيل: السماواتُ أنفسُها؛ لأنَّ الله تعالى جَعَلَها أسباباً عاديةً للحوادث السفلية. ﴾ أي: هم جندٌ .. إلخ، فـ((جندٌ) خبرُ ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ اٌلْأَحْزَابِ ﴾ مبتدأ محذوف مقدَّر مقدَّماً كما هو الظاهر، و((ما)) مزيدةٌ، قيل: للتقليل والتحقير، نحو: أكلتُ شيئاً ما. وقيل: للتعظيم والتكثير. واعترض بأنه لا يلائمه ((مهزوم)). وأُجيب بأنَّ الوَصْفَ بالعَظَمة والكَثْرة على سبيل الاستهزاء، فهي بحَسَبِ اللَّفظ عظمةٌ وكثرةٌ، وفي نفس الأمر ذِلَّةٌ وقِلَّةٌ، ورُجِّحَ بأنَّ الأكثرَ في كلامهم كونها للتعظيم، نحو: لأمرٍ ما جدعَ قصيرٌ أنفَه، لأمرٍ ما يسودُ من يسود. وقول امرئ القیس(١): وحديثُ الرَّكْبِ يومَ هُنا وحديثٌ ما على قِصَرِهْ مع أنَّ الكلامَ لتسليته وَّهِ وتبشيره بانهزامهم، وذلك أكملُ على هذا التقدير، بل قيل: إنَّ التبشيرَ بخذلان عدوٍّ (٢) حقيرٍ، ربما أشعرَ بإهانةٍ وتحقير: إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا(٣) ألم ترَ أنَّ السيفَ ينقصُ قَدْرُهُ وفيه نظرٌ. و((هنالك)) صفةٌ ((جند)) أو ظرفُ ((مهزوم))، وهو إشارةٌ إلى المكان البعيد، وأُريد به على قولٍ المكانُ الذي تفاوضوا فيه مع الرسول ◌َّه بتلك الكلمات السابقة، وهو مكة، وجُعل ذلك إخباراً للغيب عن هزيمتهم يومَ الفتح. وقيل: يوم بدر، وروي ذلك عن مجاهد وقتادة، وأنت خبيرٌ بأنَّ ((هنالك)) إذا كان إشارةً إلى مكة ومتعلِّقاً بـ (مهزوم)) لا يتسنَّى هذا إلا إذا أريد من مكة ما يشملُ بَدْراً. و((مهزومٌ) خبرٌ بعد خبر، وأصلُ الهَزْمِ: غَمْزُ الشيء اليابس حتى ينحطمَ، كَهَزْم الشَّنِّ، وهَزْمِ القِثَّاء والبطّيخ، ومنه الهزيمةُ؛ لأنه كما يُعبَّر عنه بذلك، يُعبَّر عنه(٤) (١) البيت في ديوانه ص١٢٧ . (٢) في (م): عدد. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ٣٠٠ والكلام منه. (٣) نُسب في يتيمة الدهر ٢٩٩/٥ للشيخ أبي بكر. (٤) قوله: بذلك يُعبَّر عنه. ليس في (م). الآية : ١١ ٢٢٥ بالحطم والكسر، والتعبيرُ عمَّا لم يقع باسم المفعول المُؤْذِنِ بالوقوع - على ما في بعض ((شروح الكشاف)) - للإيذان بشدّةِ قُرْبه، حتى كأنه محقّقٌ. و((من الأحزاب)) صفةُ ((جند))، أي: هم جندٌ قليلونَ أذلَّاء، أو كثيرونَ عظماء كائنونَ هنالك، من الكفار المتحزِّبين على الرسل، مكسورونَ عن قريبٍ، أو جندٌ من الأحزاب مكسورونَ عن قريبٍ في مكانهم الذي تكلَّموا فيه بما تكلَّموا، فلا تبالٍ بما يقولون، ولا تكترثْ بما يَهذُونَ. وقال أبو البقاء: ((جندٌ)) مبتدأٌ، و(ما)) زائدةٌ، و((هنالك)) نعتٌ، وكذا ((من الأحزاب))، و(مهزومٌ) خبرٌ (١). وتعقَبُهُ أبو حيان بأنَّ فيه بُعْداً لِتَقلَّته عن الكلام الذي قبله(٢) . واعتبر الزمخشريُّ الحَصْرَ، أي: ما هم إلا جندٌ من المتحزِّبينَ مهزومٌ عن قريب، لا يتجاوزونَ الجنديةَ المذكورةَ إلى الأمور الربانية(٣). وهو حَسَنٌ إلا أنه اختلفَ في منشأ ذلك فقيل: إنه كان حقُّ ((الجند)) أن يُعرَّفَ؛ لكونه معلوماً، فَتُكِّرَ سَوْقاً للمعلوم مَساقَ المجهول، كأنه لا يُعرَفُ منهم إلا هذا القَدْرُ، وهو أنهم جندٌ بهذه الصفة. وقال صاحب ((الكشف)): إنه التفخيمُ المدلولُ عليه بالتنكير وزيادة ((ما)) الدالة على الشيوع وغاية التعظيم لدلالتهما على اختصاص الوَصْف بالجندية من بين سائر الصفات، كأنه لا وَصْفَ لهم غيرها. وفيه منعٌ ظاهرٌ. ويُفهِمُ كلامُ العلّامة الثاني أنه اعتبار كون ((جند)» خبراً مقدَّماً لمبتدأ محذوفٍ؛ لأنَّ المقامَ يقتضي الحَصْرَ. فتدبَّر ولا تغفل. وجعل الزمخشريُّ ((هنالك)) الموضوعَ للإشارة إلى المكان البعيد مستعاراً للمرتبة من العلوِّ والشرف، على أنه إشارةٌ إلى حيثُ وَضَعوا فيه أنفسَهم من (١) الإملاء ٢٤٦/٤. (٢) البحر المحيط ٣٨٦/٧. والدر المصون ٣٦٠/٩، ووقع في مطبوع البحر: لفصله. بدل: لتفلته . (٣) الكشاف ٣٦٤/٣. سُورَةُ صِ﴾ ٢٢٦ الآية : ١٢ الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، كما في قولهم لمن انتُدِبَ لأمرٍ ليس من أهله: لستَ هنالك(١). وفيه إيماءٌ إلى عِلَّةِ اللَّمِّ؛ وجُوِّزَ على هذا أن تكونَ ((ما)) نافيةٌ، أي: هم جندٌ ليسوا حيثُ وضعوا أنفسهم. وتُعقِّبَ بأنه مما لم يقلْهُ أحدٌ من أهل العربية، ولا يليقُ بالمقام، وفيه بحثٌ. وجُوِّزَ أن تكون ((هنالك)) إشارة إلى الزمان البعيد، وهي - كما قال ابن مالك - قد يُشارُ بها إليه، نحو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] وتتعلَّق بـ ((مهزومٍ)). والكلامُ إخبارٌ بالغيب إما عن هزيمتهم يومَ الفتح، أو يومَ بدر كما تقدَّم حکایته، أو يوم الخندق. ولا يخفى ما فيه. وقيل: إشارةٌ إلى زمان الارتقاء في الأسباب، أي: هؤلاء القومُ جندٌ مهزومٌ إذا ارتقوا في الأسباب. وليس بالمَرْضيِّ. وقيل: ((ما)) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، و((هنالك)) في موضع الصِّلة، و((جندٌ)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((مهزومٌ)) و((من الأحزاب)) صفتان، وهما المقصودان بالإفادة، و((ما هنالك)) إشارةٌ إلى مكة، والمرادُ من الذين فيها: المشركون، والتعبيرُ عنهم بـ ((ما)) لأنهم كالأنعام بل هم أضلُّ، وقيل: الأصنامُ وعَبَدَتُها، وأمْرُ التعبير بـ ((ما)) عليه أظهر. ويقال فيه نحو ما قاله أبو حيان في كلام أبي البقاء وزيادةٌ لا تخفى. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَارِ ﴾﴾ إلى آخره، استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله ببيان أحوال العُتاة الطغاة مما فعلوا من التكذيب وفُعل بهم من العقاب، و((ذو الأوتاد)» صفةُ ((فرعون))، لا لجميع ما قبله، وإلا لقيل: ذوو الأوتاد. و((الأوتاد)) جمعُ: وَتِدٍ، وهو معروفٌ، وكَسْرُ التاء فيه أشهرُ من فتحها، ويقال: وَتِدٌ واتِدٌ، كما يقال: شُغلٌ شاغلٌ. قاله الأصمعيُّ، وأنشد: (١) المصدر السابق. الآية : ١٢ ٢٢٧ سُوَالأَصِرْ لاقَتْ على الماء جُذَيلاً واتِدا ولم يكن يُخْلِفُها الموَاعِدا(١) وقالوا: وَدّ، بإبدال التاء دالاً والإدغام، وَ: وتّ، بإبدال الدال تاءً، وفيه قَلبُ الثاني للأول، وهو قليلٌ، وأصلُ إطلاق ذلك على البيت المُطْنِب بأوتاده، وهو لا یثبتُ بدونها كما قال الأعشى: والبيتُ لا يُبتَنى إلا على عمدٍ ولا عمادَ إذا لم تُرْسَ أوتادُ(٢) فقيل: إنه شُبَّهَ هنا فرعونُ في ثبات مُلْكه ورسوخ سَلْطنته ببيتٍ ثابتٍ أُقيم عمادُهُ وثبتتْ أوتادُهُ؛ تشبيهاً مُضمَراً في النفس على طريق الاستعارة المكنية، وَوُصِفَ بذي الأوتاد على سبيل التخييل، فالمعنى: كذَّبتْ قبلَهم قومُ نوح وعادٌّ وفرعونُ الثابتُ مُلْكُهُ وسَلْطنتُهُ. وقيل: شُبِّهَ الملكُ الثابتُ من حيثُ الثباتُ والرسوخُ بذي الأوتاد، وهو البيتُ المُظْنِبُ بأوتاده، واستعيرَ ذو الأوتاد له على سبيل الاستعارة التصريحية. قيل: وهو أظهرُ مما مرَّ، نهايته أنه وُصِفَ بذلك فرعونُ مبالغةً لِجَعْله عين مُلكه، والمعنى على وَصْفه بثبات الملك ورسوخ السلطنة واستقامة الأمر. وقال ابن مسعود وابن عباس في رواية عطية: ((الأوتادُ»: الجنودُ يُقوُّون مُلْكَهُ كما يقوِّي الوتدُ الشيءَ، أي: وفرعونُ ذو الجنود. فالاستعارةُ عليه تصريحيةٌ في الأوتاد، وقيل: هو مجازٌ مرسلٌ للزوم الأوتاد للجند. وقيل: المباني العظيمة الثابتة، وفيه مجازٌ أيضاً. وقال ابن عباس في روايةٍ أخرى، وقتادة وعطاء: كانت له - عليه اللَّعنةُ - أوتادٌ وخُشُبٌ يُلعَبُ له بها وعليها . (١) البيت لأبي محمد الفقعسي، وهو في اللسان (وتد). والشطر الأول منه في زهر الأكم ٨٦/١. (٢) لم نقف عليه عن الأعشى، ونسب للأفوه الأودي في العقد الفريد ٩/١، والتمثيل والمحاضرة ص٥١، وأمالي القالي ٢٢٤/٢، والحماسة البصرية ٦٩/٢. والأفوه اسمه: صلاءة بن عمرو. ٢٢٨ الآية : ١٣ - ١٤ وقيل: كان يشبحُ المعذَّبَ بين أربع سَوارٍ، كلُّ طَرَفٍ من أطرافه إلى سارية، ويَضربُ في كلِّ وَتِداً من حديد، ويتركه حتى يموت، وروي معناه عن الحسن ومجاهد. وقيل: كان يمدُّه بين أربعة أوتادٍ في الأرض، ويُرسل عليه العقاربَ والحيَّات. وقيل: يشدُّهُ بأربعة أوتادٍ، ثم يرفعُ صَخْرةً فتلقَى عليه فتشدَخُهُ. وعلى هذه الأقوال الأربعة، فالأوتادُ ثابتةٌ على حقيقتها. ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لْتَبْكَّةِ﴾ أصحابُ الغيضة، وهم الذين أُرسل إليهم شعيبٌ عليه السلام، نُسبوا إلى غيضةٍ كانوا يسكنونها . وقيل: الأيكةُ: اسمُ بلدٍ لهم. ﴿أُوْلَكَ﴾ المكذِّبون ﴿الْأَحْزَابُ ﴾﴾ أي: الكفار المتحزِّبون على الرسل عليهم السلام، والمهزومون، وهو مبتدأ وخبرٌ، ويُفهمُ من ذلك أنَّ الأحزابَ الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم هم هم، وأنهم الذين وُجِدَ منهم التكذيبُ؛ لأنَّ المبتدأَ والخبرَ في مثله متعاكسان رأساً برأس، لا لأنَّ ((أولئك)) إشارةٌ إلى الأحزاب أولاً، والأحزابُ ثانياً هم المكذِّبون. وقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ استئنافٌ جيءَ به تقريراً لتكذيبهم على أبلغ وَجْهٍ، وتمهيداً لما يعقبهُ، فـ ((إن)) نافيةٌ، ولا عملَ لها؛ لانتقاض النفي بـ ((إلا))، و(كلُّ) مبتدأٌ، والاستثناءُ مفرٌ من أعمِّ العام، وهو الخبر، أي: ما كلُّ حِزْبٍ من الأحزاب محكوماً عليه بحُكم إلا محكوماً عليه بأنه كذَّبَ الرسلَ، أو مُخبَراً عنه بخبرٍ إلا مُخبَراً عنه بأنه كذَّبَ الرسلَ؛ لأنَّ الرسلَ يُصدِّقُ كلٌّ منهم الكُلَّ، وكلُّهم متَّفقونَ على الحقِّ، فتكذيبُ كلّ واحدٍ منهم تكذيبٌ لهم جميعاً. وجُوِّزَ أن يكونَ من مقابلة الجمع، أي: ما كلُّهم محكوماً عليه بحُكم، أو مخبراً عنه بشيءٍ إلا محكوماً عليه - أو إلا مُخبَراً عنه - بأنه كذَّب رسوله. والحصرُ مبالغةٌ، كأنَّ سائرَ أوصافهم بالنظر إلى ما أُثبتَ لهم بمنزلة العَدَم، فيدلُّ على أنهم غالونَ في التكذيب، ويدلُّ على غُلوِّهم فيه أيضاً إعادتُهُ متعلِّقاً بالرسل، وتنويعُ الجملتين على اسميةٍ استثنائيةٍ وغيرها، أعني قوله تعالى: ((كذبت الآية : ١٥ ٢٢٩ قبلهم)) إلخ، وجَعْل كلِّ فرقةٍ مكذِّبٍ للجميع على الوجه الأول، ويُسجِّلُ ذلك عليهم ®﴾ أي: ثبتَ استحقاقَهم أشدَّ العقابَ، ولذا رُتِّبَ عليه قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عِقَابٍ وَوَقَعَ على كلٌّ منهم عقابي الذي كانت تُوجبه جناياتهم من أصناف العقوبات، فأغرقَ قومَ نوحِ، وأَهلكَ فرعونَ بالغرق، وقومَ هودٍ بالريح، وثمودَ بالصَّيحةِ، وقومَ لوطِ بالخَسْفِ، وأصحابَ الأيكة بعذابِ الظُّلَّة. وجُوِّزَ أن يكونَ ((أولئك الأحزاب)) بدلاً من الطوائف المذكورة، والجملةُ بعدُ مستأنفةٌ لما سمعتَ، وأن يكونَ مبتدأَ، والجملة بعده خبرٌ بحَذْفِ العائد، أي: إن كلٌّ منهم - أو كلُّهم - إلا كذَّب الرسلَ، والمجموعُ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله، مع ما فيه من بيان كيفية تكذيبهم، وكلاهما خلافُ الظاهر. وأما ما قيل من أنه خبرٌ، والمبتدأ قوله تعالى: ((وعاد)) إلخ أو: قوله تعالى: ((وقوم لوط)) إلخ = فمما يجبُ تنزيهُ ساحة التنزيل عن أمثاله. شروعٌ في بیان عقاب كفار ١٥ ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ مَّا لَهَا مِن فَاقٍ مكةَ، إثرَ بيان عقاب أضرابهم، فإنَّ الكلامَ السابقَ مما يُوجبُ ترقُّبَ السامع بيانه، والنظرُ: بمعنى الانتظار، وعُبِّر به مجازاً بجَعْلٍ مُحقَّقِ الوقوع كأنه أمرٌ منتظرٌ لهم، والإشارة بـ ((هؤلاء)) للتحقير، والمرادُ بالصَّيحة الواحدةِ النفخةُ الثانية، أي: ما ينتظرُ هؤلاء الكَفَرةُ الحقيرونَ الذين هم أمثالُ أولئك الطوائف المهلَكَةِ في الكُفْر والتكذيب شيئاً إلا النفخة الثانية التي تقومُ بها الساعة. قاله قتادة. وليس المرادُ أنها نفسها عقابٌ لهم؛ لعمومها للبَرِّ والفاجر من جميع الأمم، بل المراد أنه ليس بينهم وبين ما أُعِدَّ لهم من العذاب إلا هي، لتأخير عقوبتهم إلى الآخرة، لما أنَّ تعذيبَهُمْ بالاستئصال حسبما يستحقُّونه والنبيُّ وَ ﴿ موجودٌ، خارجٌ عن السنة الإلهية المبنية على الحِكَم الباهرة، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] إذ المراد من ((وأنت فيهم)) وجوده عليه الصلاة والسلام، لا مجاورته لهم كما تُوهِّم، حتى يقال: لا دلالةَ في الآية على امتناع وقوعه بعد الهجرة؛ لمخالفته للتفسير المشهور. ٢٣٠ الآية : ١٥ وقيل: المراد بالصيحة المذكورة النفخةُ الأولى. وتُعقِّبَ بأنه مما لا وَجْهَ له أصلاً؛ لما أنه لا يُشاهِدُ هولَها ولا يُصعَقُ بها إلا مَنْ كان حيّاً عند وقوعها، وليس عقابهم الموعودُ واقعاً عَقيبها، ولا العذابُ المطلَقُ مؤخّراً إليها، بل يَحِلُّ بهم من حینٍ موتهم. وقيل: المراد صيحةٌ يهلكون بها في الدنيا، كما هلكتْ ثمود، ولا يخفى أنَّ هذا تعذيبٌ بالاستئصال، وهو مما لا يقعُ كما سمعتَ، فلا يكونُ منتظراً. وقال أبو حيان: الصيحةُ: ما نالهم من قَتْلٍ وأَسْرٍ وغَلَبةٍ، كما تقولُ: صاحَ بهم الدهر(١). فهي مجازٌ عن الشَّرِّ كما في قولهم: ما ينتظرون إلا مثلَ صيحةِ الحُبْلى، أي: شرّاً يعاجلهم، وفيه بُعْدٌ. وجُوِّزَ جَعْلُ ((هؤلاء)) إشارة إلى الأحزاب، ولمَّا سبق ذِكْرهم مكرَّراً مؤكّداً استحضَرَهم المخاطَبُ في ذهنه، فَنُزِّلَ الوجودُ الذهنيُّ منزلةَ الخارجيِّ المحسوس، وأُشير إليهم بما يُشارُ به للحاضر المشاهَد، واحتمالُ التحقير قائمٌ، ولا ينبو عنه التعبيرُ بـ ((أولئك))؛ لأنَّ البُعدَ في الواقع مع أنه قد يُقصَدُ به التحقيرُ أيضاً، والكلام بيانٌ لما يصيرون إليه في الآخرة من العقاب بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب، وجَعْلُهُمْ منتظرين له؛ لأنَّ ما أصابهم من عذابِ الاستئصال ليس هو نتيجة ما جَنَوه من قبيح الأعمال؛ إذ لا يُعتَدُّ به بالنسبة إلى ما ثمَّةَ من الأهوال، فهو تحذيرٌ لكفَّار قريش، وتخويفٌ لمن يُساقُ له الحديثُ، فلا وَجْهَ لما قاله أبو السعود من أنَّ هذا ليسَ في حَيِّز الاحتمال أصلاً؛ لأنَّ الانتظارَ سواءٌ كان حقيقةً أو استهزاءً، إنما يُتُصوَّرُ في حقِّ مَنْ لم يترتَّب على أعماله نتائجها بَعْدُ، وبعد ما بُيِّنَ عقابُ الأحزاب واستئصالهم بالمرَّة، لم يبقَ مما أُريد بيانه من عقوباتهم أمرٌ منتظرٌ، بخلاف كفار قريشٍ حيث ارتكبوا ما ارتكبوا ولمَّا يلاقوا بعدُ شيئاً. قاله الخفاجيّ(٢). ولا يخفى أنَّ المنساقَ إلى الذهن هو الاحتمال الأول، وهو المأثورُ عن السلف. (١) البحر المحيط ٣٨٩/٧. (٢) في حاشيته ٣٠١/٧- ٣٠٢، وينظر إرشاد العقل السليم ٢١٨/٧. الآية : ١٦ ٢٣١ سُورَةَ صِ﴾ والفَواق: الزمنُ الذي بين حَلْبَتَي الحالب ورَضْعَتَي الراضع، ويقال لِلَّبنِ الذي يجتمعُ في الضَّرْعِ بين الحَلْبتين: فِيْقَة، ويُجمَعُ على: أَفواقٍ، وأَفاويقٌ جَمْعُ الجمع، والكلامُ على تقدير مضافين، أي: ما ينتظرون إلا صيحةً واحدةً ما لها من توقُّف مقدار فواقٍ، أو على ذِكْر الملزوم الذي هو الفَوَاق، وإرادةِ اللازم الذي هو التوقّف مقدارَه، وهو مجازٌ مشهورٌ، والمعنى أنَّ الصيحةَ إذا جاءَ وقتُها لم تستأخرْ هذا القَدْرَ من الزمان. وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة تفسيرُهُ بالرجوع والتّرداد، وهو مجازٌ أُطلق فيه الملزومُ وأُريدَ اللازم، فإنَّ في الزمان بين الحَلْبتين يرجعُ اللَّنُ إلى الضَّرع، والمعنى أنها صيحةٌ واحدةٌ فحسب، لا تُثنى ولا تُردَّدْ، فالجملةُ عليه صفةٌ مؤكِّدةٌ لوَحْدةِ الصَّيحة. وقرأ السُّلميُّ وابنُ وثَّابٍ والأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وطلحةُ بضمِّ الفاء(١)، فقيل: هما بمعنّى واحدٍ، وهو ما تقدَّم كقَصاص الشَّعر وقُصاصه. وقيل: المفتوحُ اسمُ مصدرٍ من أفاقَ المريضُ إفاقةً وفاقةً، إذا رَجَعَ إلى الصحة، وإليه يرجعُ تفسيرُ ابن زيد والسدي وأبي عبيدة والفرَّاء له بالإقامة والاستراحة، والمضمومُ اسمُ ساعةِ رجوعِ اللَّبن للضَّرْع(٢). حكايةٌ لِمَا قالوه وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عِل لََّا قِطّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ عند سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة، أي: قالوا بطريق الاستهزاء والسخرية: ربَّنا عَجِّلْ لنا قِسْطنا ونصيبنا من العذاب الذي تُوعِدنا به، ولا تؤخِّرُهُ إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحةُ المذكورةُ. وتصديرُ دعائهم بالنِّداء المذكور؛ للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة والابتهال. والقائلُ - على ما روي عن عطاء - النَّضْرُ بن الحارث بن علقمة بن كلدة، وهو (١) التيسير ص١٨٧، والنشر ٣٦١/٢، والمحرر الوجيز ٤٩٦/٤، والبحر المحيط ٣٨٩/٧. (٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٤٠٠/٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١٧٩/٢. سُورَةُ صِرْ ٢٣٢ الآية : ١٧ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. وأبو جهل على ما روي عن قتادة. وعلى القولين الباقون راضون، فلذا جيءَ بضمير الجمع. والقِظُّ: القطعةُ من الشيء، من قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ، ويقال لصحيفة الجائزة: قِطّ ؛ لأنها قطعةٌ من القِرْطاس، ومن ذلك قولُ الأعشى: بِنعمتهِ يُعطي القُطوطَ ويُطلقُ(١) ولا المَلِكُ النعمانُ يومَ لَقِيتُهُ قيل: وهو في ذلك أكثرُ استعمالاً، وقد فسَّرهُ بها هنا أبو العالية والكلبيُّ، أي: عَجِّلْ لنا صحيفةَ أعمالنا لننظرَ فيها، وهي روايةٌ عن الحسن. وجاء في روايةٍ أخرى عنه أنهم أرادوا نصيبَهم من الجنة، وروي هذا أيضاً عن قتادة وابن جبير، وذلك أنهم سمعوا رسولَ اللهِوَّه يذكرُ وَعْدَ الله تعالى المؤمنينَ الجنةَ، فقالوا على سبيل الهزء: عَجِّلْ لنا نصيبنا منها؛ لنتنعَّمَ به في الدنيا. قال السمر قنديُّ: أقوى التفاسير أنهم سألوا أن يُعَجَّلَ لهم النعيمُ الذي كان يَعِدُهُ عليه الصلاة والسلام مَنْ آمنَ؛ لقولهم: ربَّنا، ولو كان على ما يحمله أهلُ التأويل من سؤال العذاب أو الكتاب استهزاءً، لسألوا رسولَ اللهِ له ولم يسألوا ربَّهم. وفيه بحثٌ يُعلَمُ مما مرَّ آنفاً . ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ على ما يتجدَّدُ من أمثال هذه المقالات الباطلة المؤذية. ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ أي: اذكرْ لهم قِصَّتَه عليه السلام؛ تعظيماً للمعصية في أعينهم، وتنبيهاً لهم على كمال تُبْح ما اجترؤوا عليه، فإنه عليه السلام مع علوِّ شأنه وإيتائه النبوَّةَ والمُلْكَ لمَّا أَلَمَّ بما هو خلافُ الأَولى، ناله ما أَلَمَّهُ وأدامَ غَمَّهُ ونَدَمَهُ، فما الظّنُّ بهؤلاء الكَفَرة الأَذلِّين، الذين لم يزالوا على أكبر الكبائر مُصرِّين. أو: اذكر قِصَّته عليه السلام في نفسك، وتحفّظُ من ارتكاب ما يُوجبُ العتاب. وقيل: إنه تعالى أمرهُ عليه الصلاة والسلام أن يذكرَ قصص الأنبياء عليهم السلام الذين عَرَضَ لهم ما عَرَضَ، فصبروا حتى فرَّجَ الله تعالى عنهم وأحسن (١) ديوان الأعشى ص٢٦٩ وفيه: بإمَّته، بدل: بنعمته. وهما بمعنى. الآية : ١٧ ٢٣٣ سُورَةُ صِنْ عاقبتهم؛ ترغيباً له في الصبر، وتسهيلاً لأمره عليه، وإيذاناً ببلوغ ما يريده بذلك. وهو كما ترى. وقيل: أمرهُ بالصَّبر وذِكْرٍ قصص الأنبياء ليكونَ ذلك برهاناً على صحة نبوَّتِهِ وَ ﴿، والذكرُ على هذا والأولِ لسانيٍّ، وعلى ما بينهما قلبيٍّ، وهو مرادُ مَنْ فَسَّر ((اذكر)) على ذلك بـ: تذكَّر. ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أي: ذا القوَّة، يقال: فلانٌ أَيِّدٌ، وذو أَيْدٍ، وذو آدٍ وأيادٍ بمعنى، وأيادُ كلِّ شيءٍ: ما يتقوَّى به. ﴿إِنَّهُ: أَّبُ (٣)﴾ أي: رَجَاعٌ إلى الله تعالى وطاعته عزَّ وجلَّ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: الأوابُ: المسبِّحُ(١). وعن عمرو بن شرحبيل: أنه المسِّبحُ بلغة الحبشة. وأخرج الديلميُّ عن مجاهدٍ قال: سألتُ ابنَ عمر عن الأوَّاب فقال: سألتُ النبيَّ وَِّ عنه فقال: ((هو الرجلُ يذكرُ ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله تعالى»(٢). وهذا إن صحَّ لا يُعدَلُ عنه، والجملةُ تعليلٌ لكونه عليه السلام ذا الأيد، وتدلُّ بأيِّ معنَى كان الأوابُ فيها على أنَّ المرادَ بالأيد القوَّةُ الدينية، وهي القوَّةُ على العبادة كما قال مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم؛ إذ لا يَحْسُنُ التعليلُ لو حُملتٍ القوَّةُ على القوَّة في الجسم، نعم قد كان عليه السلام قويَّ الجسم أيضاً، إلا أنَّ ذلك غيرُ مرادٍ هنا؛ وفي التعبير عنه بعبدنا وَوَصْفِهِ بذي الأيد، والتعليلِ بما ذُكِرَ دلالةٌ علی کثرة عبادته وَُفور طاعته. وقد أخرج البخاريُّ في ((تاريخه)) عن أبي الدرداء قال: كان النبيُّ وَّهِ إذا ذَكَرَ داودَ وحدَّثَ عنه قال: ((كان أَعبدَ البشر))(٣). (١) تفسير الطبري ١٤/ ٥٥٧ و٤٥٠/٢١. (٢) الدر المنثور ٢٩٨/٥، وأخرجه عبد الرزاق ٣٧٦/١ عن مجاهد قوله. (٣) التاريخ الكبير ٨٩/١. وهو عند الترمذي (٣٤٩٠)، وقال: حديث حسن غريب. سُورَةُ ضِ؟ ٢٣٤ الآية : ١٨ قال: قال رسول الله وَله: ((لا ينبغي لأحدٍ وأخرج الديلميُّ عن ابن عمر(١) . أن يقول: إني أُعبدُ من داود)». وروي أنه كان يصومُ يوماً ويُفطر يوماً، وكان يقومُ نصفَ الليل(٢). وفي ذلك دلالةٌ على قوَّته في العبادة، لما في كلٌّ من الصيام والقيام المذكورَين من تَرْكِ راحةٍ تذكّرها قريباً. ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ استئنافٌ لبيان قِصَّته عليه السلام، وجُوِّزَ كونه لتعليل قوَّته في الدين وأوَّابيَّته إلى الله عزَّ وجلَّ، و((مع)) متعلّقةٌ بـ ((سخَّر))، وإيثارها على اللام؛ لأنَّ تسخيرَ الجبال له عليه السلام لم يكنْ بطريق تفويض التصرُّف الكلِّيِّ فيها إليه، كتسخير الريح وغيرها لسليمان عليه السلام، بل بطريق الاقتداء به في عبادة الله تعالى. وأُخِّر الظرفُ المذكور عن ((الجبال)) وقُدِّم في سورة الأنبياء فقيل: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَُدَ الْجِبَالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قال بعضُ الفضلاء: لِذِكْر داودَ وسليمان ثمةَ، فَقُدِّم مسارعةً للتعيين، ولا كذلك هنا . وجُوِّزَ تعلُّقها بقوله تعالى ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ وهو أقربُ بالنسبة إلى آية الأنبياء، وتسبيحهنَّ تقديسٌ بلسان قالٍ لائقٍ بهنَّ نظير تسبيح الحصى المسموع في كفّ النبيِّ ◌َلِيَ(٣). وقيل: تقديسٌ بلسان الحال، وتقييدهُ بالوقتين المذكورين بعدُ يأباهُ؛ إذ لا اختصاصَ لتسبيحهنَّ الحاليِّ بهما، وكذا لا اختصاصَ له بكونه معه. وقيل: المعنى: يَسِرْنَ معه، على أنَّ يُسبِّحْنَ من السِّباحة. (١) في مسند الفردوس ١٣٩/٥: ابن عمرو. (٢) أخرج أحمد (٦٤٩١)، والبخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً)). (٣) سلف ٢/ ٢٥٤. الآية : ١٨ ٢٣٥ سُوَلَ صِرْ والجملةُ حالٌ من ((الجبال))، والعدولُ عن: مسبِّحاتٍ، مع أنَّ الأصلَ في الحال الإفرادُ؛ للدلالة على تجدُّدِ التسبيح حالاً بعد حالٍ نظير ما في قول الأعشى: لَعَمْري لقد لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ إلى ضوءِ نارٍ في يفاعِ تُحَرَّقُ(١) وجُوِّزَ أن تكونَ مستأنفةً لبيان كيفية التسخير، ومقابلتها بـ ((محشورةٍ)) هنا كالمعيِّنة للحالية. ﴿بَلْعَشِّ﴾ هو كما قال الراغب: من زوال الشمس إلى الصباح(٢). أي: يُسبِّحْنَ بهذا الوقت، وليس ذلك نصًّا في استيعابه بالتسبيح. ﴿وَالْإِشْرَاقِ ﴾ أي: ووقت الإشراق، قال ثعلب: يقال: شَرَقَتِ الشمسُ: إذا طَلَعتْ، وأَشرقَتْ: إذا أضاءتْ وَصَفَتْ، فوقتُ الإشراق وقتُ ارتفاعها عن الأفق الشرقيِّ وصفاءِ شعاعها، وهو الضحوةُ الصُّغرى، وروي عن أمِّ هانىءٍ بنتِ أبي طالب أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى صلاةَ الضُّحى، وقال: ((هذه صلاةُ الإشراق))(٣). وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء الخراسانيّ أنَّ ابنَ عباس قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضُّحى شيءٌ حتى قرأتُ هذه الآية: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاْإِشْرَاقِ﴾(٤)، وفي روايةٍ عنه أيضاً: ما عرفتُ صلاةَ الضُّحى إلا بهذه الآية(٥). ووجهُ فَهْم الحبر إياها من الآية أنَّ (٦) كلَّ تسبيح وردَ في القرآن فهو عنده - ما لم يُرَدْ به التعجّبُ والتنزيه - بمعنى الصلاة، فحيث كانت صلاةً لداود عليه السلام وقُصَّتْ على طريق المدح عُلم منه مشروعيتها . (١) ديوان الأعشى ص٢٧٣. وجاء في هامش الأصل عند قوله: كثيرة: وفي بعض النسخ: كبيرة بالباء الموحدة بدل التاء المثلثة. وعند قوله: يفاع: اليفاع: أعلى الجبل. (٢) مفردات ألفاظ القرآن (عشا). (٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٤٠٦/٢٤. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣٨/٢: وفيه حجاج بن نصير ضعفه ابن المديني وجماعة، ووثقه ابن معين وابن حبان. (٤) مصنف عبد الرزاق (٤٨٧٠)، وينظر الدر المنثور ٢٩٨/٥. (٥) مستدرك الحاكم ٤/ ٥٣. (٦) في (م): أي. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٠٣/٧، والكلام منها. سُودَاضِ﴾ ٢٣٦ الآية : ١٨ وفي ((الكشف)): وجهه أنَّ الآيةَ دلَّتْ على تخصيصه عليه السلام ذَينك الوقتين بالتسبيح، وقد عُلم من الرواية أنه كان يُصلِّي مسبِّحاً فيهما، فحكي في القرآن ما كان عليه، وإن لم يُذكَرْ كيفيته، فيكون في الآية ذكرُ صلاة الضحى، وهو المطلوبُ، أو نقول: إنَّ تسبيحَ الجبال غيرُ تسبيح داود عليه السلام؛ لأنَّ الأولَ مجازٌ، فحُمِلَ تسبيحُ داودَ على المجاز أيضاً؛ لأنَّ المجازَ بالمجاز أنسب. اهـ. وتُعقِّبَ بأنه إذا عُلم من الرواية، فكيف يقال: إنه أخذهُ من الآية، والتجوُّزُ ينبغي تقليله ما أمكن، وهذا بناء على أنَّ ((معه)) متعلُّقٌ بـ ((يُسبِّحْنَ)) حتى يكون هو عليه السلام مسبّحاً، أي: مُصلِّياً، وإلا فتسبيحُ الجبال لا دلالةً له على الصلاة، ومع هذا ففيه حينئذٍ جمعٌ بين معنيين مجازيَّيْنِ، إلا أن يقال به، أو يُجعلَ بمعنى: يُعَظِّمْنَ، ويُجعلُ تعظيمُ كلِّ محمولاً على ما يناسبه، وبعد اللَّيًّا والتي لا يخلو عن كَدَرٍ، وارتضى الخفاجيُّ الأولَ (١)، وأراهُ لا يخلو عن كَدَرٍ أيضاً. وقال الجلبيُّ في ذلك: يجوز أن يقال: تخصيصُ هذين الوقتين بالذكر دلَّ على اختصاصهما بمزيد شَرَفٍ، فيصلحُ ذلك الشرفُ سبباً لتعيينهما للصلاة والعبادة، فإنَّ لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثراً في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات. وهذا عندي أصفى مما تقدَّم، ويُشعر به ما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) وابن مردويه عن ابن عباس قال: كنتُ أمرُّ بهذه الآية: ﴿يَُّحْنَ بِلْعَشِّ وَاْإِشْرَاقِ﴾ فما أدري ما هي، حتى حدَّثتني أمُّ هانىءٍ أنَّ رسول الله وَّهِ صلَّى يومَ فتح مكة صلاةَ الضحى ثمانِ ركعات، فقال ابن عباس: قد ظننتُ أنَّ لهذه الساعة صلاةً؛ لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِلْعَشِ وَالْإِشْرَاقِ﴾(٢). هذا، ولهم في صلاة الضحى كلامٌ طويلٌ، والحقُّ سُنِّيتها، وقد ورد فيها - كما قال الشيخُ وليُّ الدين ابن العراقي - أحاديث كثيرةٌ صحيحٌ مشهورةٌ حتى (١) حاشية الشهاب ٧/ ٣٠٣. (٢) المعجم الأوسط (٤٢٥٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٩/٧: فيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. الآية : ١٨ ٢٣٧ سُورَةَ صِرْ قال محمد بن جرير الطبري: إنها بلغتْ مبلغ التواتر. ومن ذلك حديثُ أمِّ هانئ الذي في الصحيحين(١). وزَعْمُ أنَّ تلك الصلاةَ كانت صلاةَ شكرٍ لذلك الفتح العظيم صادفتُ ذلك الوقتَ لا أنها عبادةٌ مخصوصةٌ فيه دون سببٍ، أو أنها كانت قضاءً عمَّا شغل نَّه تلك الليلة من حِزْبه فيها = خلافُ ظاهرِ الخبر السابق عنها . وكذا ما رواه أبو داود من طريق كريب عنها أنها قالت: صلَّى عليه الصلاة والسلام سُبْحة الضحى (٢)، ومسلم في ((كتاب الطهارة))(٣) من طريق أبي مرَّةً عنها أيضاً، ففيه: ثم صلَّى ثماني ركعات سُبْحةَ الضحى. وابن عبد البر في ((التمهيد))(٤) من طريق عكرمة بن خالد أنها قالت: قَدِمَ رسول الله وَلّهِ مكةَ فصلَّى ثمان ركعات، فقلت ما هذه الصلاة؟ قال: ((هذه صلاة الضحى)). واحتجَّ القائلونَ بالنفي بحديث عائشةَ: إنْ كان رسولُ اللهِ وَِّ لَيَدَعُ العمل وهو يحبُّ أن يعملَ به؛ خشيةَ أن يعمل به الناس، فيُفرَضَ عليهم، وما سبَّح رسول الله وَ﴿ سبحةَ الضُّحى قظُ، وإني لأُسبِحها. رواه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك(٥) وحمله القائلون بالإثبات على نفي رؤيتها ذلك؛ لِمَا أنه روى عنها مسلم وأحمد وابن ماجه(٦) أنها قالت: كان رسول الله وَلِّ يُصلِّي الضحى أربعاً، ويزيدُ ما شاء الله تعالى. وقد شهد أيضاً بأنه عليه الصلاة والسلام كان يُصلِّيها - على ما قال (١) صحيح البخاري (١١٠٣)، ومسلم (٣٣٦) ١ / ٤٩٧. (٢) سنن أبي داود (١٢٩٠). (٣) برقم (٣٣٦): (٧١). (٤) ١٣٦/٨. (٥) صحيح البخاري (١١٢٨)، وصحيح مسلم (٧١٨)، وسنن أبي داود (١٢٩٣)، والموطأ ١٥٢/١. ووقع في الأصل و(م): وأبو مالك، وهو خطأ. (٦) صحيح مسلم (٧١٩)، وأحمد (٢٤٩٢٤)، وابن ماجه (١٣٨١). ٢٣٨ الآية : ١٨ الحاكم - أبو ذرِّ الغفاري وأبو سعيدٍ وزيد بن أرقم وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وأبو الدرداء وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وعتبة بن عبد السلمي ونعيم بن همام الغطفاني وأبو أمامة الباهلي وأم هانئ وأم سلمة. ومن القواعد المعروفة أنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، مع أنَّ روايةَ الإثبات أكثرُ بكثيرٍ من رواية النفي، وتأويلها أهونُ من تأويل تلك. وذكر الشافعيةُ أنها أفضلُ التطوُّعِ بعد الرواتب، لكنَّ النوويَّ في ((شرح المهذب)) (١) قدَّم عليها صلاة التراويح، فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى، والمذهبُ عنهم وجوبها عليه وَله وأنَّ ذلك من خصوصيَّاته عليه الصلاة والسلام، واحتجَّ له بما أخرجه ابنُ العربيِّ بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّاج: ((كتب عليَّ النحرُ ولم يُكتَبْ عليكم، وأُمرت بصلاة الضحى ولم تُؤمروا بها)) رواه الدار قطني أيضاً (٢). وقال شيخ الحفاظ أبو الفضل ابن حجر(٣): إنه لم يثبت ذلك في خبرٍ صحيح. وفي الأخبار ما يُعگِّر على القول به. وذكر أنَّ أقلَّها ركعتان؛ لخبر البخاريِّ عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام أوصاه بهما وأن لا يدعهما(٤)، وأدنى كمالها أربعٌ؛ لما صحَّ: كان ◌َّهِ يُصلِّي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء(٥). فستٌّ فثمانٍ، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة؛ لخبرٍ ضعيف(٦) يُعمل به في مثل ذلك. وذهب الكثير إلى أنَّ الأكثرَ ثمان، وذكروا أنها أفضل من اثنتي عشرة، والعملُ (١) ٥٢٥/٣ وما بعده. (٢) ٢٨٢/٤، وهو عند أحمد (٢٩١٧) وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف. (٣) فتح الباري ٥٦/٣ . (٤) صحيح البخاري (١١٧٨)، وهو عند أحمد (٧٥١٢)، ومسلم (٧٢١). (٥) هو حديث السيدة عائشة السالف قبل قليل. (٦) وهو ما أخرجه الترمذي (٤٧٣) عن أنس بن مالك ه قال: قال رسول الله وَلهو: ((من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة)) وهو حديث غريب. الآية : ١٩ ٢٣٩ سُوْرَةَ صِْ القليل قد يفضُلُ الكثيرَ، فما يقتضيه ((أَجْرُكِ على قَدْر نَصَبِكِ))(١) أغلبيٌّ (٢). وصرَّح ابنُ حجرٍ الهيتمي - عليه الرحمة - بالمغايرة بين صلاة الضحى وصلاة الإشراق، قال: ومما لا يُسَنُّ جماعةً ركعتان عَقِبَ الإشراق بعد خروج وقت الكراهة، وهي غيرُ الضحى(٣). وتقدَّم لك ما يفيدُ اتحادهما، ويدلُّ عليه غيرُ ذلك من الأخبار، وصحَّ إطلاقُ صلاة الأوابين على صلاة الضحى، كإطلاقها على الصلاة المعروفة بعد المغرب. هذا، وتمام الكلام فيها في كتب الفقه والحديث. ﴿وَلَيْرَ﴾ عطفٌ على ((الجبال)) على ما هو الظاهر. ﴿يَعْثُورَةٌ﴾ حالٌ من ((الطير)) والعاملُ ((سخَّرنا))، أي: وسخَّرنا الطيرَ حالَ كونها محشورة، عن ابن عباس: كان عليه السلام إذا سبَّح جاوبته الجبالُ بالتسبيح، واجتمعتْ إليه الطيرُ فسبَّحتْ، وذلك حَشْرُها. ولم يُؤْتَ بالحال فعلاً مضارعاً كالحال السابقة؛ ليدلَّ على الحشر الدفعي الذي هو أدلُّ على القدرة؛ وذلك بتوسُّطِ مقابلته للفعل، أو لأنَّ الدفعية هي الأصلُ عند عدم القرينة على خلافها . وقرأ ابن أبي عبلة والجحدري: ((والطيرُ محشورةٌ) (٤) برفعهما مبتدأً وخبراً، ولعلَّ الجملةَ على ذلك حالٌ من ضمير ((يُسبِّحنَ)). ﴿كُلِّ لَّهُهُ أَّبٌ ﴾﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، مصرٌِّ بما فُهم منه إجمالاً من تسبيح الطير، واللام تعليليةٌ، والضميرُ لداود، أي: كلُّ واحدٍ من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجٌَّ إلى التسبيح، وَوَضْعُ الأوابِ موضعَ المسبِّح؛ إما لأنها كانت تُرجعُ التسبيح، والمُرجِعُ رجَّاعٌ؛ لأنه يَرجعُ إلى فعله رجوعاً بعد رجوع، وإما لأنَّ الأوَّابَ هو التوَّابُ الكثيرُ الرجوع إلى الله تعالى، كما هو المشهور، ومَنْ دأبه إكثارُ الذكر وإدامةُ التسبيح والتقديس. (١) أخرجه أحمد (٢٤١٥٩)، والبخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة (٢) تحفة المحتاج ٢٣١/٢-٢٣٣ بهامش حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي. (٣) تحفة المحتاج ٢٣٧/٢-٢٣٨. (٤) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحرر الوجيز ٤٩٧/٤، والبحر المحيط ٧/ ٣٩٠. ٢٤٠ الآية : ٢٠ وقيل: يجوزُ أن يكونَ المرادُ: كلٌّ من الطير، فالجملةُ للتصريح بما فُهم. وكذا يجوزُ أن يُرادَ: كلٌّ من داود عليه السلام ومن الجبال والطير، والضميرُ الله تعالى، أي: كلٌّ من داود والجبال والطير لله تعالى أوَّابٌ، أي: مُسبِّحُ مرجعٌ للتسبيح. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قوَّيناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود ومزيد النعمة، واقتصر بعضهم على الهيبة، والسُّديُّ على الجنود، وروى عنه ابن جرير والحاكم أنه كان يحرسهُ كلّ يومٍ وليلةٍ أربعةُ آلاف(١). وحكي أنه كان حول محرابه أربعون ألف مستلئم (٢) يحرسونه، وهذا في غاية البعد عادةً، مع عدم احتياج مثله عليه السلام إليه، وكذا القول الأول كما لا يخفى علی مُنْصِفٍ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ادَّعى رجلٌ من بني إسرائيلَ عند داود عليه السلام رجلاً ببقرةٍ(٣)، فجحده، فسُئِلَ البيّنة، فلم تكنْ بيِّنة، فقال لهما عليه السلام: قوما حتى أنظرَ في أمركما. فقاما من عنده، فأُتيَ داودُ في منامه، فقيل له: اقتل الرجلَ المدَّعى عليه، فقال: إنَّ هذه رؤيا ولستُ أعجل. فأُتي الليلةَ الثانية فقيل له: اقتل الرجل، فلم يفعل، ثم أُتيَ الليلةَ الثالثة فقيل له: اقتل الرجل أو تأتيك العقوبة من الله تعالى، فأرسل عليه السلام إلى الرجل فقال: إنَّ الله تعالى أمرني أن أقتلك فقال: تقتلني بغير بيِّنة ولا ثبت؟ قال: نعم، والله لأُنفذنَّ أمرَ الله عزَّ وجلَّ فيكَ. فقال له الرجل: لا تعجلْ عليَّ حتى أخبرك: إني والله ما أُخذتُ بهذا الذنب، ولكنني كنتُ اغتلتُ والدَ هذا فقتلته، فبذلك أُخذتُ، فأمر به داود عليه السلام فقتل، فعظُمتْ بذلك هيبته في بني إسرائيل، وشُدَّ به مُلكه. (١) ابن جرير ٤٦/٢٠، والحاكم ٥٨٦/٢ . (٢) أي: من لَأُمة الحرب، وهي الدرع. القاموس (لأم). والمعنى عليه: يلبسون الدروع. (٣) كذا وقعت العبارة في الأصل و(م)، والذي في المصادر: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود، فقال: إن هذا غصبني بقراً لي .. ، ينظر تفسير الطبري ٤٧/٢٠، وتفسير البغوي ٤/ ٥٠، وتاريخ مدينة دمشق ١٧/ ١٠٢.