Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ١٨٢ ٢٠١ سُورَةُ الصَّافَاتِبُّ يقدِّمون المفضولَ على الفاضل إذا اقتضى المقامُ الاعتناءَ به، ولعله من تتمّة جملةٍ التسبيح، وبهذا ينحلُّ ما يقال من أنَّ حمدَه تعالى أجلُّ من السلام على الرُّسل عليهم السلام، فكان ينبغي تقديمُه عليه على ما هو المنهجُ المعروفُ في الكتب والخطب، ولا يحتاج إلى ما قيل: إنَّ المرادَ بالحمد هنا الشكرُ على النِّعم، وهي الباعثةُ عليه، ومن أجلِّها إِرسال الرُّسلِ الذي هو وسيلةٌ لخيرَي الدارين، فقدِّم عليه لأنَّ الباعثَ على الشيءِ يتقدَّم عليه في الوجود وإنْ كان هو متقدِّماً على الباعث في الرُّتبة، فتدبّر. وهذه الآيةُ من الجوامعِ والكوامل، ووقوعُها في موقعها هذا ينادي بلسانٍ ذَلِقٍ أنه كلامُ مَن له الكبرياء، ومنه العزَّة جلَّ جلالُه وعمَّ نوالُه. وقد أَخرج الخطيبُ(١) عن أبي سعيدٍ قال: كان رسولُ اللهِ نَّه يقول بعد أن يسلّم: ((سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين)). وأخرج الطبرانيُّ عن زيد بنٍ أَرقمَ عن رسول اللهِوَ ◌ّهِ قال: ((مَن قال دُبُرَ كلِّ صلاة: سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. ثلاثَ مرَّات، فقد اكتال بالمكيال الأَوفَى من الأَجر))(٢). وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الشعبيِّ قال: قال رسول الله وَّر: ((مَن سرَّه أن يكتالَ بالمكيال الأَوفى من الأجر يومَ القيامة، فليقل آخرَ مجلسِه حين يريدُ أن يقوم: سبحانَ ربِّك ربِّ العزّة)) إلى آخر السورة. وأخرجه البغويُّ من وجوٍ آخَرَ متصلٍ عن عليَّ كرَّم الله تعالى وجهَه موقوفاً (٣). وجاء في ختم المجلسِ بالتسبيح غيرُ هذا، ولعله أصُ منه؛ فقد أَخرج أبو داودَ (١) في تاريخ بغداد ١٣٨/١٣، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (١١١٨)، وفي إسناده أبو هارون العبدي عمارة بن جوين، قال عنه الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم مَن كذَّبه. (٢) المعجم الكبير (٥١٢٤) قال في المجمع ١٠٣/١٠: فيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف جدًّا. (٣) تفسير البغوي ٤٦/٤، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٣١٩٦). وفي إسناده الأصبغ بن نباته، وهو متروك. سُوَرَّقُ الضَنَّافَاتِ ٢٠٢ التفسير الإشاري عن ابن عمرو(١) ◌ُّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلماتٌ لا يتكلّم بهنَّ أحدٌ في مجلسه عند قيامِه ثلاثَ مرَّاتٍ إلَّا كفِّر بهنَّ عنه، ولا يقولهنَّ في مجلس خيرٍ وذِکرٍ إلَّا خُتم له بهنَّ عليه كما يُختم بخاتَم على الصحيفة: سبحانك اللهمَّ وبحمدك، لا إلهَ إلَّ أنت، أستغفرك وأتوبُ إليكَ))(٢) لكنَّ المشهورَ اليومَ بين الناسِ أنَّهم يقرؤون عند ختم مجلس القراءةِ أو الذِّكر أو نحوِهما الآيةَ المذكورة: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (4) رَبِّ الْعِزَّةِ عَنَّا يَصِفُونَ ﴿يَا ومن باب الإِشارة في الآياتِ ما قالوا: ﴿وَالصَّفَّتِ صَفَّ﴾ هي الأرواحُ الكاملةُ المكمَّلة من الصفِّ الأوَّل وهو صفُّ الأنبياءِ عليهم السلام، والصفِّ الثاني وهو صفُّ الأصفياءِ ﴿فَالزَّجِرَتِ نَحْرًا﴾ عن الكفر والفسوقِ بالحُجَجِ والنصائحِ والهِمم القدسية ﴿فَلَّلِيَتِ ذِكْرًا﴾ آياتِ اللهِ تعالى وشرائعَه عزَّ وجلّ. وقيل: الصافَّات: جماعةُ الملائكةِ المهيمين، والزَّاجرات: جماعةُ الملائكةِ الزَّاجرين للأَجرام العلويةِ والأجسامِ السُّفلية بالتدبير، والتاليات: جماعةُ الملائكةِ التالية آیاتِ الله تعالی وجلایا قدسِه علی أنبيائه وأوليائه. وتنزُّلُ الملائكةِ على الأولياء ممَّا قال به الصوفيةُ قدَّس الله تعالى أسرارَهم، وقد نطق بأصل التنزُّلِ عليهم قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدِمُوا تَتَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقد يطلقون على بعض الأولياء أنبياء الأولياء، قال الشعراويُّ في رسالة «الفتح في تأويل ما صدر عن الكُمَّل من الشَّطح)): أنبياءُ الأولياءِ هم كلُّ وليٍّ أقامه الحقُّ تعالى في تجلِّ من مظهر تجلِّياته، وأقام له مظهرَ محمدٍ وَّهِ ومظهرَ جبريلَ عليه السلام، فأَسمعه ذلك المظهرُ الروحانيُّ خطابَ الأحكامِ المشروعةِ لمظهر (١) في الأصل و(م): عمر، والمثبت هو الصواب. (٢) سنن أبي داود (٤٨٥٧)، وله شواهد تنظر في حاشية مسند أحمد عند الحديث (١٥٧٢٩). التفسير الإشاري ٢٠٣ سُوَرَةُ الصَنَافَاتِ محمدٍ نَّةِ، حتى إذا فرغ من خطابه وفُزِّع عن قلب هذا الوليّ، عَقَلَ صاحبُ هذا المشهدِ جميعَ ما تضمَّنه ذلك الخطابُ من الأحكام المشروعةِ الظاهرةِ في هذه الأمَّة المحمدية، فيأخذها هذا الوليُّ كما أخذها المظهرُ المحمدي، فيردُّ إلى حسِّه وقد وعى ما خاطب الروحُ به مظهرَ محمدٍ وَّهِ وعلم صحَّتَه علمَ يقين، بل عينَ يقين، فمثلُ هذا يعمل بما شاءً من الأحاديث، لا التفاتَ له إلى تصحيح غيرِه أو تضعيفِه، فقد يكون ما قال بعضُ المحدِّثين بأنَّه صحيحٌ لم يقلْه النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وقد يكون ما قالوا فيه: إنَّه ضعيف، سمعه هذا الوليُّ من الرُّوح الأمينِ يلقيه على حقيقة محمدٍ وَّ﴾، كما سمع بعضُ الصحابةِ حديثَ جبريلَ في بيان الإِسلام والإِيمانِ والإِحسان، فهؤلاء هم أنبياءُ الأولياء، ولا ينفردون قطّ بشريعة، ولا يكون لهم خطابٌ بها إلَّا بتعريف أنَّ هذا هو شرعُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام، أو يشاهدون المنزلَ على رسوله وَّهِ في حضرة التمثَّل الخارجِ عن ذاتهم والداخلِ المعبّر عنه بالمبشِّرات في حقِّ النائم، غيرَ أنَّ الوليَّ يشترك مع النبيِّ في إدراك ما تدركه العامَّةُ في النوم في حالِ اليقظة، فهؤلاء في هذه الأمةِ كالأنبياءِ في بني إسرائيل، على مرتبة تعبُّد هارونَ بشريعة موسى مع كونِه نبيّاً، وهم الذين يحفظون الشريعةَ الصحيحةَ التي لا شكَّ فيها على أنفسهم وعلى هذه الأمَّة، فهم أعلمُ الناسِ بالشرع، غير أنَّ غالبَ علماءِ الشريعةِ لا يسلِّمون لهم ذلك، وهم لا يلزمهم إِقامةٌ الدليلِ على صدقهم؛ لأنَّهم ليسوا مشرِّعين، فهم حقَّاظ الحالِ النبويِّ والعلمِ اللَّهُنِّي والسرِّ الإلهي، وغيرُهم حفَّاظُ الأحكام الظاهرة. وقد بسطنا الكلامَ على ذلك في ((الميزان)). اهـ. وقال بُعيدَ هذا في رسالته المذكورة: إِعلم أنَّ بعضَ العلماءِ أَنكروا نزولَ المَلَك على قلب غيرِ النبيِّ وَّهِ لعدم ذوقِه له، والحقُّ أنه ينزل ولكن بشريعة نبيِّه ◌ِوَّل، فالخلافُ إنمَّا ينبغي أن يكونَ فيما ينزل به الملكُ لا في نزول المَلَك، وإذا نزل على غير نبيٍّ لا يظهر له حالَ الكلامِ أبداً، إنمَّا يسمع كلامَه ولا يرى شخصَه، أو يرى شخصَه من غير كلام، فلا يجمع بين الكلامِ والرؤيةِ إلَّا نبيّ، والسلام. اهـ. وقد تقدَّم لك طرفٌ من الكلام في رؤية المَلَك، فَتَذكَّر. سُورَةُ الصَنَافَات ٢٠٤ التفسير الإشاري ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَِّدٌ﴾ إخبارٌ بذلك ليعلموه ولا يتَّخذوا من دونه تعالى آلهةً من الدنيا والهوى والشَّيطان. ومعنى كونِه عزَّ وجلَّ واحداً تفرُّده في الذات والصفاتِ والأفعال، وعدمُ شركةٍ أحدٍ معه سبحانه في شيءٍ من الأشياء، وطبّقوا أكثرَ الآياتِ بعدُ على ما في الأنفُس. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوُزْ إِنَّهُمْ تَسْئُولُونَ﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ للسالك في كلِّ مقام وقفةً تناسب ذلك المقام، وهو مسؤولٌ عن أداءِ حقوقٍ ذلك المقام، فإن خرج عن عُهدة جوابِهِ أُذن له بالعبور، وإلّا بقي موقوفاً رهيناً بأحواله إلى أن يؤدِّيَ حقوقَه. وكذا طبَّقوا ما جاء من قصصٍ المرسَلين بعدُ على ما في الأنفس. وقيل في قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾: يشير إلى أنَّ المَلَكَ لا يتعدَّى مقامَه إلى ما فوقه، ولا يهبط عنه إلى ما دونه، وهذا بخلاف نوع الإِنسان، فإنَّ من أَفراده مَن سار إلى مقام ((قابَ قوسين)) بل طار إلى منزل ((أو أدنى)) وجرَّ هناك مطارفَ ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] ومنها مَن هوى إلى أسفلٍ سافلين، وانحظّ إلى قعر سِجِّين ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَيَئِنَا فَنَسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقد ذكروا أنَّ الإنسان قد يترقَّى حتى يصلَ إلى مقام المَلَك، فيعْبُره إلى مقام قربِ النوافل، ومقام قربِ الفرائض، وقد يهبط إلى درك البهيميةِ فما دونَها ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. نسأل الله تعالى أن يرقِّيَنا إلى مقامِ يرضاه، ويرزقنا رضاه يومَ لِقاه، وأن يجعلنا من جُنده الغالبين، وعباده المخلصين، بحرمة سيِّد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلامٌ على المرسَلين، والحمد لله ربِّ العالمين. سُورَةِ صِ﴾ مكيةٌ كما روي عن ابن عباس وغيره، وقيل: مدنيّة، وليس بصحيحٍ كما قال الداني(١). وهي ثمانٍ وثمانون آيةً في الكوفي، وستٌّ وثمانونَ في الحجازيِّ والبصريِّ والشاميِّ، وخمسٌ وثمانونَ في عَدِّ أيوب بن المتوكل وحده، قيل: ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ (ص)) وحدها آية، كما قيل في غيرها من الحروف في أوائل السور، وفيه بحثٌ. وهي كالمتمِّمةِ لما قبلها من حيثُ إنه ذُكر فيها ما لم يُذكَرْ في تلك من الأنبياء عليهم السلام كداود وسليمانَ. ولمَّا ذَكَرَ سبحانه فيما قبلُ عن الكفار أنهم قالوا : ﴿لَوْ أَنَّ ◌ِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴿َ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٣)﴾ وأنهم كفروا بالذكر لمَّا جاءهم، بدأ عزَّ وجلَّ في هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، وفضَّل ما أَجْمَلَ هناك من كُفْرهم، وفي ذلك من المناسبة ما فيه، ومَنْ دَفَّق النظرَ لاحَ له مناسباتٌ أُخَرُ، والله تعالى الموفق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿صَّ﴾ بالسكون على الوقف عند الجمهور، وقرأ أبيٍّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وأبو السَّمَّال وابن أبي عبلة ونصرُ بن عاصم: ((صادٍ) بكَسْر الدال(٢)؛ والظاهرُ أنه كَسْرٌ لالتقاء الساكنين، وهو حرفٌ من حروف المعجم نحو ﴿قّ﴾ و﴿نّ﴾. (١) في البيان في عدِّ آي القرآن ص ٢١٤. (٢) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحتسب ٢٣٠/٢، والبحر المحيط ٣٨٣/٧. سُورَةُ صِنْ ٢٠٦ الآية : ١ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه أمرٌ من صادَى أي: عارَضَ(١)، ومنه الصَّدَى: وهو ما يُعارض الصوت الأولَ ويقابله بمثله في الأماكن الخالية، والأجسام الصُّلبة العالية، والمعنى: عارِضِ القرآنَ بعملك، أي: اعملْ بأوامره ونواهيه، وقال عبد الوهاب(٢): أي: اعرضه على عملك، فانظرْ أين عملُكَ من القرآن. وقيل: هو أمرٌ من صادَى أي: حادَثَ، والمعنى: حادِثِ القرآنَ، وهو روايةٌ عن الحسن أيضاً، وله قُرْبٌ من الأول. وقرأ عيسى ومحبوب عن أبي عمرو وفرقة: ((صادَ)) بفتح الدال(٣)، وكذا قرؤوا: ((قافَ)) و((نونَ)) بالفتح فيهما؛ فقيل: هو لالتقاء الساكنين أيضاً طَلَباً للخِفَّة. وقيل: هو حركةُ إعرابٍ على أنَّ ((صادَ) منصوبٌ بفعلٍ مُضمَرٍ، أي: اذكرْ، أو: اقرأ صادَ، أو بفعلِ القَسَم بعد نَزْعِ الخافض لما فيه من معنى التعظيم المتعدِّي بنفسه نحو: اللهَ لأفعلنَّ، أو مجرورٌ بإضمار حرف القَسَم، وهو ممنوعٌ من الصَّرف للعَلَمية والتأنيث بناءً على أنه عَلَمٌ للسورة. وقد ذكر الشريفُ أنه إذا اشتَهر مسمَّى بإطلاق لفظٍ عليه يُلاحَظُ المسمَّى في ضمن ذلك اللفظ، وأنه بهذا الاعتبار يصحُّ اعتبارُ التأنيث في الاسم. وقرأ ابن أبي إسحاق في روايةٍ: ((صادٍ)) بالجرِّ والتنوين(٤)، وذلك إما لأنَّ الثلاثيَّ الساكن الوسطِ يجوزُ صَرْفه. بل قيل: إنه الأرجح، وإما لاعتبار ذلك اسماً للقرآن، كما هو أحدُ الاحتمالات فيه، فلم يتحقَّقْ فيه العِلَّتان فَوَجَبَ صَرْفه، والقولُ بأنَّ ذاكَ لكونه عَلَماً لمعنى السورة لا للفظها، فلا تأنيثَ فيه مع العَلَمية ليكونَ هناك علَّتان، لا يخلو عن دغدغة. (١) تفسير الطبري ٥/٢٠. (٢) هو عبد الوهاب بن عطاء الخفَّف راوي خبر الحسن السالف، وورد كلامه في تفسير الطبري ٥/٢٠ إثر كلام الحسن، وينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٥٠٩/١٨. (٣) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحتسب ٢٣٠/٢، والبحر المحيط ٣٨٣/٧. (٤) المحرر الوجيز ٤٩١/٤، والبحر المحيط ٣٨٣/٧. الآية : ١ ٢٠٧ وقرأ ابن السَّمَيْفَع وهارون الأعور والحسن في رواية: ((صادُ)) بضمِّ الدال(١)، وكأنه اعتُبر اسماً للسورة، وجُعل خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذه صادُ. ولهم في معناه غير متقيِّدين بقراءة الجمهور اختلافٌ كأضرابه من أوائل السور، فأخرج عبدُ بن حميد عن أبي صالح قال: سُئل جابرُ بن عبد الله وابن عباس عن ﴿صٍ﴾ فقالا: ما ندري ما هو (٢). وهو مذهبُ كثيرٍ في نظائره. وقال عكرمة: سألَ نافعُ بن الأزرق عبدَ الله بن عباس عن ﴿صَّ﴾ فقال: ﴿م﴾ کان بحراً بمکةً، وکان علیه عرشُ الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال ابن جبير: هو بحرٌ يُحيي الله تعالى به الموتى بين النفختين. والله تعالى أعلم بصحّة هذين الخبرين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: ﴿صٍ﴾ صدق الله(٣). وأخرج ابن مردويه عنه أنه قال: ﴿صَّ﴾ يقول: إني أنا الله الصادق(٤). وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاحُ أسماء الله تعالی: صَمَدٌ، وصانعُ المصنوعات، وصادقُ الوعد. وقيل: هو إشارةٌ إلى صدود الكفار عن القرآن. وقيل: حرفٌ مسرودٌ على منهاج التحدِّي، وجَنَحَ إليه غيرُ واحدٍ من أرباب التحقيق، وقيل: اسمٌ للسورة. وإليه ذهب الخليل وسيبويه والأكثرون. وقيل: اسمٌ للقرآن. وقيل غيرُ ذلك باعتبار بعضٍ القراءات كما سمعتَ عن قريب. ومن الغريب أنَّ المعنى: صادَ محمدٌ وَِّ قلوبَ الخلق واستمالها حتى آمنوا به. ولعلَّ القائلَ به اعتبره فعلاً ماضياً مفتوحَ الآخر أو ساكِنَه للوقف، وأنا لا أقول به ولا أرتضيه وجهاً . (١) القراءات الشاذة ص١٢٩، والبحر المحيط ٣٨٣/٧. (٢) الدر المنثور ٢٩٦/٥. (٣) تفسير الطبري ٢٠/ ٧. (٤) الدر المنثور ٢٩٦/٥. الآية : ١ ٢٠٨ وهو على بعض هذه الأوجه لا حَظّ له من الإعراب، وعلى بعضها يجوزُ أن يكونَ مُقْسَماً به ومفعولاً لمضمَرٍ وخبرَ مبتدأ محذوف، وعلى بعضها يتعيَّنُ كونه مُقسماً به، وعلى بعضٍ ما تقدَّم في القراءات يتأتَّى ما يتأتَّى مما لا يخفى عليك. وبالجملة إن لم يُعتبر مُقسماً به فالواو في قوله سبحانه ﴿ وَالقُرْءَانِ ذِی الذْرِ للقَسَم، وإن اعتبر مُقسَماً به، فهي للعطف عليه، لكن إذا كان قَسَماً منصوباً على الحذف والإيصال، يكونُ العَظْفُ عليه باعتبار المعنى والأصل. ثم المغايرةُ بينهما قد تكون حقيقيّةً كما إذا أُريد بالقرآن كلُّه وبـ ((ص)) السورة، أو بالعكس، أو أريد بـ (ص)) البحرُ الذي قيل به فيما مرَّ، وبالقرآن كلُّه أو السورة، وقد تكون اعتباريَّة كما إذا أُريد بكلِّ السورةُ أو القرآنُ على ما قيل، ولا يخفى ما تقتضيه الجزالةُ الخالية عن التكلُّفِ. وضُعِّفَ جَعْلُ الواو للقَسَم أيضاً بناءً على قول جَمْعِ أنَّ تواردَ قَسَمين على مُقْسمٍ علیه واحدٍ ضعيفٌ. والذكرُ - كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس - الشرفُ(١). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]. أو الذكرى والموعظة للناس على ما روي عن قتادة والضحاك. أو ذكرُ ما يحتاج إليه في أمر الدين من الشرائع والأحكام وغيرها من أقاصيص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأخبار الأمم الدارجة، والوعد والوعيد على ما قيل. وجواب القَسَم قيل: مذكورٌ، فقال الكوفيون والزجَّاج: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَّ تَخَصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [الآية: ٦٤](٢)، وتعقَّبه الفرَّاء بقوله: لا نجده مستقيماً؛ لتأّر ذلك جدّاً عن القَسَم(٣). وقال الأخفش: هو ﴿إِن كُلُّ إلَّا كَذَّبَ الرّسُلَ﴾ [الآية: ١٤](٤). وقال قوم: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْدٍ﴾ [الآية: ٣] وحذفت اللام، (١) تفسير الطبري ٨/٢٠. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣١٩/٤. (٣) معاني القرآن للفراء ٣٩٧/٢. (٤) معاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٧٠ . الآية : ١ ٢٠٩ سُوٌَّلَ صٌِّ﴾ أي: لَكَم، لمَّا طال الكلامُ كما حذفت من: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الشمس: ٩] بعد قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ [الشمس: ١] حكاه الفرَّاء(١) وثعلب، وتعقَّبه الطبرسيُّ بأنه غَلَطُ؛ لأنَّ اللامَ لا تدخلُ على المفعول، و((كم)) مفعول(٢). وقال أبو حيان: إنَّ هذه الأقوال يجبُ اطِّراحها(٣). ونقل السمر قنديُ(٤) عن بعضهم أنه: ((بل الذين كفروا .. )) إلخ فإنَّ ((بل)) لنفي ما قبله وإثبات ما بعده، فمعناه: ليس الذين كفروا إلا في عِزَّةٍ وشقاق. وجُوِّزَ أن يريد هذا القائلُ أنَّ ((بل)) زائدةٌ في الجواب، أو ربط بها الجواب لتجريدها لمعنى الإثبات. وقيل: هو (ص)؛ إذ معناه: صَدَقَ الله تعالى، أو: صَدَقَ محمد ◌َّهِ. ونُسب ذلك إلى الفراء وثعلب، وهو مبنيٌّ على جواز تقدُّم جواب القَسَم واعتقاد أنَّ ((ص)) تدلُّ على ما ذكر، ومع هذا في كون ((ص)) نفسه هو الجواب خفاء. وقيل: هو جملة: هذه صاد، على معنى السورة التي أعجزتِ العربَ، فكأنه قيل: هذه السورةُ التي أعجزتِ العربَ والقرآنِ ذي الذِّكر. وهذا كما تقول: هذا حاتمٌ واللهِ، تريد: هذا هو المشهورُ بالسَّخاء واللهِ، وهو مبنيٌّ على جواز التقدُّم أيضاً. وقيل: هو محذوفٌ، فقدَّرهُ الحوفيُّ: لقد جاءكم الحقُّ، ونحوه. وابن عطية: ما الأمر كما تزعمون، ونحوه(٥). وقدَّرهُ بعضُ المحققين: ما كَفَرَ مَنْ كَفَرَ لِخَلَلٍ وجده، ودلّ عليه بقوله تعالى: ((بل الذين .. )) إلخ. وآخرُ: إنه لَمُعجزٌ، ودلَّ عليه ما في ((ص)) من الدلالة على التحدِّي بناءً على أنه اسمُ حرفٍ من حروف المعجم (١) في معاني القرآن ٣٩٧/٢. (٢) مجمع البيان ٢٣/ ٩٥. (٣) البحر المحيط ٣٨٣/٧. (٤) كما في حاشية الشهاب ٢٩٥/٧، وعنه نقل المصنف. (٥) المحرر الوجيز ٤/ ٤٩٢. الآية : ٢ ٢١٠ ذُكر على سبيل التحدِّي والتنبيه على الإعجاز، أو ما في أُقسم بـ ((ص)، أو هذه (ص) من الدلالة على ذلك بناءً على أنه اسمٌ للسورة. أو: إنه لواجب العمل به، . دلَّ عليه ((ص)) بناءً على كونه أمراً من المصاداة. وقدَّره بعضهم غير ذلك. وفي ((البحر)): ينبغي أن يُقدَّر هنا ما أُثبت جواباً للقَسَم بالقرآن في قوله تعالى: ﴿يَسَ ﴿ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١-٢]. ويقوِّي هذا التقدير ذِكْرُ النذارة هنا في قوله تعالى: ﴿وَعِبُوْ أَن ◌َّمَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤] وهناك في قوله سبحانه: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦] فالرسالة تتضمَّنُ النذارةَ والبشارةَ، وجَعَلَ ((بل)) في ، للانتقال من هذا القَسَم والمقَسَم قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَِّ وَشِقَاقٍ عليه إلى ذِكْر حال تعزّز الكفار ومشاقَّتهم في قبولهم رسالته ◌َّهِ وامتثال ما جاء به(١). وهي كذلك على كثيرٍ من الوجوه السابقة، وقد تُجعل على بعضها للإضراب عن الجواب بأن يقال مثلاً: إنه لمعجزٌ، بل الذين كفروا في استكبارٍ من الإذعان لإعجازه، أو هذه السورةُ التي أعجزت العربَ، بل الذين كفروا لا يُذعنون. وجعلها بعضُهم للإضراب عمَّا يُفهَمُ مما ذكر ونحوه من أنَّ مَنْ كَفَرَ لم يكفر لِخَلَلٍ فيه، فكأنه قيل: مَنْ كَفَرَ لم يكفرْ لخللٍ فيه، بل كَفَرَ تكبِّراً عن اتباع الحقِّ وعناداً، وهو أظهرُ من جَعْلِ ذلك إضراباً عن صريحه، وإن قُدِّرَ نحو هذا المفهوم جواباً، فالإضرابُ عنه قَطْعاً. وفي ((الكشف)»: عدُّ هذا الإضرابِ من قبيل الإضرابِ المعنويِّ على نحو: زيدٌ عفيفٌ عالمٌ، بل قومه استخفُّوا به، على الإضراب عمَّا يلزمُ الأوصافَ من التعظيم، كما نقل عن بعضهم = عدولٌ عن الظاهر. ويمكن أن يكونَ الجوابُ الذي عنه الإضراب: ما أنتَ بمقصِّرٍ في تذكير الذين كفروا وإظهار الحقِّ لهم، ويُشعر به الآياتُ بعدُ، وسببُ النزول الآتي ذكرهُ إن شاء الله تعالى، فكأنه قيل: ص، والقرآن ذي الذِّكر، ما أنت بمقصِّرٍ في تذكير الذين كفروا، وإظهارٍ الحقِّ لهم، بل الذين كفروا مقصِّرونَ في اتباعك والاعتراف (١) البحر المحيط ٣٨٣/٧. الآية : ٣ ٢١١ بالحقِّ، ووجهُ دلالة ما في النَّظْم الجليل على قولنا: بل الذين كفروا مقصِّرون .. إلخ ظاهرٌ. وهذه عِدَّةُ احتمالاتٍ بين يديك، وإليك أمرُ الاختيار، والسلامُ عليك. والمراد بالعِزَّةِ ما يُظهرونه من الاستكبار عن الحقِّ، لا العزَّةُ الحقيقيةُ، فإنها لله تعالی ولرسوله پګ وللمؤمنين. وأصل الشقاق: المخالفةُ، وكونك في شِقِّ غير شِقِّ صاحبك، أو من: شَقَّ العصا بينك وبينه، والمراد مخالفةُ الله تعالى ورسولِهِ وَّله، والتنكير للدلالة على شِدَّتهما، والتعبيرُ بـ ((في)) [فيهما للدلالة] (١) على استغراقهم فيهما . وقرأ حماد بن الزِّبرقان، وسَوْر عن الكسائي، وميمونة عن أبي جعفر، والجَحدريُّ من طريق العقيلي: ((في غِرَّةٍ)) بالغين المعجمة المكسورة، والراء المهملة(٢)، أي: في غفلةٍ عظيمةٍ عمَّا يجبُ عليهم من النظر فيه، ونُقل عن ابن الأنباريِّ أنه قال في كتاب ((الرد على من خالف الإمام)): إنه قرأ بها رجلٌ، وقال: إنها أنسبُ بالشِّقاق، وهو القتال بجِدٍّ واجتهاد، وهذه القراءةُ افتراءٌ على الله تعالی. اهـ. وفيه ما فيه. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن ◌َّرْنٍ﴾ وعيدٌ لهم على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أصاب أضرابَهم، و((كم) مفعولُ ((أهلكنا))، و((من قرن)) تمييزٌ، والمعنى: قَرْناً كثيراً أهلكنا من القرون الخالية. ﴿فَنَادَواْ﴾ عند نزول بأسنا وحلول نقمتنا استغاثةً لينجوا من ذلك، وقال الحسن وقتادة: رفعوا أصواتهم بالتوبة حين عاينوا العذابَ لينجوا منه. ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾﴾ حالٌ من ضمير ((نادوا)) والعائدُ مقدَّرٌ، وإن لم يلزم، أي: مناصهم. و((لات)) هي ((لا)) المشبّهة بـ ((ليس)) عند سيبويه(٣)، زيدتْ عليها تاءُ (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٩٥/٧. (٢) القراءات الشاذة ص١٢٩، والبحر المحيط ٣٨٣/٧. (٣) الكتاب ١/ ٥٧-٥٨ . سُالأَ صَ ٢١٢ الآية : ٣ التأنيث لتأكيد معناها وهو النفي؛ لأنَّ زيادةَ البناء تدلُّ على زيادة المعنى، أو لأنَّ التاءَ تكونُ للمبالغة كما في: علَّامة، أو لتأكيد شَبَهها بـ ((ليس)) بجَعْلها على ثلاثة أحرفٍ ساكنة الوسط. وقال الرضيُّ: إنها لتأنيث الكلمة، فتكون لتأكيد التأنيث، واختصَّت بلزوم الأحيان، ولا يتعيَّنُ لفظُ الحين إلا عند بعضٍ. وهو محجوجٌ بسماع دخولها على مرادفه، وقول المتنبي(١): لقد تصبَّرتُ حتَّى لاتَ مُصطَبَرٍ فالآنَ أُقْحِمُ حتَّى لاتَ مُقتَحَمٍ وإن لم يهمَّنا أمرهُ مخرَّجُ على ذلك بجعل المصطبر والمقتحم اسمي زمانٍ، أو القول بأنها داخلةٌ فيه على لفظ ((حين)) مقدَّرٍ بعدها. والتزموا حَذْفَ أحد الجزأين، والغالبُ حَذْفُ المرفوع كما هنا على قراءة الجمهور، أي: ليس الحينُ حينَ مناص. ومذهب الأخفش أنها ((لا)) النافية للجنس العاملة عملَ ((إنَّ) زيدتْ عليها التاءُ، فـ : ((حينَ مناصٍ)) اسمها، والخبر محذوفٌ، أي: لهم(٢). وقيل: إنها ((لا)) النافية للفعل، زيدتْ عليها التاءُ، ولا عمل لها أصلاً، فإنْ وَلِيها مرفوعٌ فمبتدأٌ حُذف خبرُه، أو منصوبٌ كما هنا، فبعدها فعلٌ مقدَّرٌ عاملٌ فيه، أي: ولا تری حین مناص. وقرأ أبو السَّمَّال: ((ولاتُ حينُ)) بضمِّ التاء ورفع النون(٣)، فعلى مذهب سيبويه (حين)) اسمُ ((لات)) والخبرُ محذوفٌ، أي: ليس حينُ مناصٍ حاصلاً لهم، وعلى القول الأخير: مبتدأُ خبره محذوفٌ، وكذا على مذهب الأخفش، فإنَّ من مذهبه كما في ((البحر))(٤) أنه إذا ارتفعَ ما بعدها فعلى الابتداء، أي: فلا حينُ مناصٍ كائن لهم. (١) في ديوانه ٤/ ١٥٧ . (٢) ينظر معاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٧٠. (٣) القراءات الشاذة ص ١٢٩، والبحر المحيط ٣٨٣/٧. (٤) ٣٨٤/٧. الآية : ٣ ٢١٣ سُوَ لَ صِ وقرأ عيسى بن عمر: ((ولاتٍ حينٍ)) بكَسْر التاء مع النون (١)، كما في قول المنذر بن حرملة الطائي النصراني: فأَجبنا أنْ لاتَ حين بقاءٍ(٢) طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ وخُرِّجَ ذلك إما على أنَّ((لاتَ)) تجرُّ الأحيان، كما أنَّ ((لولا)) تجرُّ الضمائر كـ : ((لولاك)) و((لولاه)) عند سيبويه(٣)، وإما على إضمار ((مِن))، كأنه قيل: لات من حين مناصٍ، ولاتَ من أوانِ صُلْحٍ، كما جَرُّوا بها مضمرةً في قولهم: على كم جِذْعِ بيتك؟ أي: من جذعٍ، في أصْحِّ القولين، وقولهم: ألا رجلٍ جزاهُ الله خيراً. يريدونَ: ألا من رجلٍ، ويَكونُ موضعُ ((من حين مناص)) رَفْعاً على أنه اسمُ ((لات)) بمعنى: ليس، كما تقولُ: ليسَ من رجلٍ قائماً، والخبرُ محذوفٌ على قول سيبويه، وعلى أنه مبتدأً والخبرُ محذوفٌ على قول غيره، وخرَّج الأخفش ((ولاتَ أوانٍ)) على إضمار ((حين)) أي: ولاتَ حينُ أوانٍ صُلْحٍ، فحُذفت (حين)) وأُبقي ((أوان)) على جَرِّه(٤). وقيل: إنَّ((أوان)) في البيت مبنيٌّ على الكسر، وهو مشَّبهٌ بـ ((إذ)) في قول أبي ذؤيب: نهيتُكَ عن طِلابكَ أمَّ عمرٍو بعاقبةٍ وأنتَ إِذٍ صحيحُ(٥) ووجهُ التشبيه أنه زمانٌ قُطع عنه المضافُ إليه؛ لأنَّ الأصلَ: أوانُ صُلْح، وعُوِّضَ التنوينُ فكُسِرَ لالتقاء الساكنين لكونه مبنيّاً مثله، فهما شبهان في أنهما مبنيًّان مع وجود تنويٍ في آخرهما للعِوَض یوجبُ تحریكَ الآخر بالگَسْر، وإن كان سبب البناء في ((أوان)) دون ((إذ)) شَبَهُ الغايات حيثُ جُعلَ زماناً قُطع عنه المضاف إليه، وهو مرادٌ، وليس تنوينُ العِوَضِ مانعاً عن الإلحاق بها، فإنها تُبنى إذا لم يكن (١) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحرر الوجيز ٤٩٢/٤، والبحر المحيط ٣٨٤/٧. (٢) البيت في معاني القرآن للفراء ٣٩٧/٢-٣٩٨، وإعراب القرآن للنحاس ٤٥٢/٣، والكشاف ٣٥٩/٣، والخزانة ١٦٩/٤. وروايته في المصادر عدا الكشاف: وليس حين بقاء. (٣) الكتاب ٣٧٣/٢. (٤) معاني القرآن للأخفش ٦٧٠/٢ . (٥) البيت في ديوان الهذليين ٦٨/١، والخزانة ٥٣٩/٦. ٢١٤ الآية : ٣ تنوينٌ؛ لأنَّ عِلَّتْهُ الاحتياجُ إلى المحذوف، كاحتياج الحرف إلى ما يتمُّ به، وهذا المعنى قائمٌ نُوَّنَ أو لم ينوَّن، فإنَّ التنوينَ عِوَضٌ لفظيٌّ لا معنويٌّ، فلا تنافي بين التعويض والبناء، لكن اتفقَ أنهم لم يُعوِّضوا التنوينَ إلا في حال إعرابها، وكأنَّ ذلك لئلا يتمخَّض للتعويض، بل يكونُ فيها معنى التمكّن أيضاً، فلا منافاة، وثبتَ البناءُ فيما نحن فيه بدليلِ الكَسْر، وكانت العِلَّةُ التي في الغايات قائمةً، فأحيل البناءُ عليها، واتفق أنهم عوَّضوا التنوينَ هاهنا تشبيهاً بـ ((إذ)) في أنها لما قُطعتْ عن الإضافةُ نُوِّنَتْ، أو توفيةً لحقِّ اللفظ لمَّا فاتَ حُّ المعنى، وخُرِّجتِ القراءةُ على حَمْل ((مناصٍ)) على أوانٍ في البيت؛ تنزيلاً لما أضيف إليه الظرفُ وهو ((حين)) منزلةً الظرف؛ لأَنَّ المضافَ والمضافَ إليه كشيءٍ واحدٍ، فقُدِّرتْ ظرفيَّتَهُ وهو قد كان مضافاً؛ إذ(١) أصله: مناصهم، فقُطع وصارَ كأنه ظرفٌ مبنيٌّ مقطوعٌ عن الإضافة، منوَّنٌ لِقَطْعه، ثم بني ما أُضيف إليه وهو ((حين)) على الكَسْر لإضافته إلى ما هو مبنيٌّ فرضاً وتقديراً، وهو (مناص)) المشابه لـ ((أوان)). وأورد عليه أنَّ ما ذُكر من الحمل لم يُؤْثِّر في المحمول نفسه، فكيف يُؤثِّرُ فيما يُضاف إليه، على أنَّ في تخريج الجرِّ في البيت على ذلك ما فيه، والعجبُ كلُّ العجب ممن يرتضيه . وضَمُّ التاء على قراءة أبي السَّمَّال وكَسْرُها على قراءة عيسى للبناء، وروي عن عيسى: ((ولاتُ حينُ)) بالضمِّ ((مناصَ)) بالفتح (٢)، قال صاحب ((اللوامح)): فإنْ صَحَّ ذلك فلعلَّهُ بنى (حين)) على الضَّمِّ تشبيهاً بالغايات، وبنى ((مناصَ)) على الفتح مع (لات))، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: ولاتَ مناصَ حينُ، لكن ((لا)) إنما تعمل في النكرات المتصلةِ بها دونَ المنفصلة عنها ولو بظرف، وقد يجوزُ أن يكونَ لذلك معنی لا أعرفه. انتھی. وأهونُ من هذا فيما أرى كون ((حين) مُعرباً مضافاً إلى ((مناص)) والفتحُ المجاورة واو العطف في قوله تعالى: ﴿وَمُوا﴾ نظير فتح الراء من ((غير)) في قوله: (١) في (م): إذا . (٢) البحر المحيط ٣٨٤/٧. الآية : ٣ ٢١٥ حمامةٌ في غصونٍ ذاتٍ أَوْقَالٍ (١) لم يمنعِ الشُّرْبَ منها غيرَ أنْ نطقتْ على قولٍ، والأغلبُ على الَّنِّ عدمُ صحة هذه القراءة. وقرأ عيسى أيضاً كقراءة الجمهور إلا أنه كَسَرَ تاء ((لاتِ))(٢). وعُلم من هذه القراءات أنَّ في تائها ثلاث لغات. واختلفوا في أمر الوقف عليها، فقال سيبويه والفرَّاء وابن كيسان والزجَّاج (٣): يُوقَفُ عليها بالتاء، وقال الكسائيُّ والمبرِّد: بالهاء، وقال أبو عليٍّ: ينبغي أن لا يكون خلافٌ في أنَّ الوقفَ بالتاء؛ لأنَّ قَلْبَ التاء هاءً مخصوصٌ بالأسماء. وزعم قومٌ أنَّ التاءَ ليست ملحقةً بـ ((لا))، وإنما هي مزيدةٌ في أول ما بعدها. واختاره أبو عبيد(٤)، وذكر أنه رأى في الإمام(٥): ((ولا تحينَ مناص)) برسم التاء مخلوطاً بأول حين، ولا يردُ عليه أنَّ خَطَّ المصحف خارجٌ عن القياس الخطّيِّ؛ إذ لم يقعْ في الإمام في محلٌّ آخرَ مرسوماً على خلاف ذلك حتى يقالَ: ما هنا مخالفٌ للقياس، والأصلُ اعتبارهُ إلا فيما خَصَّه الدليل، ومن هنا قال السخاويُّ في ((شرح الرائية)»: أنا أَستحبُّ الوقفَ على ((لا)) بعد ما شاهدته في مصحف عثمان ێ، وقد سمعناهم يقولون: اذهبْ تلآن وتَحين، بدون ((لا))، وهو كثيرٌ في النثر والنظم(٦). انتهى، ومنه قوله: (١) البيت لأبي قيس بن الأسلت، أو لأبي قيس بن رفاعة. ينظر شرح المفصل لابن يعيش ٨٠/٣، والخزانة ٤١٣/٣، وسلف ٦٩/١٢. (٢) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحرر الوجيز ٤٩٢/٤، والبحر المحيط ٣٨٤/٧. (٣) معاني القرآن للفراء ٣٩٨/٢، وللزجاج ٣٢٠/٤. (٤) في الأصل و(م): أبو عبيدة. والمثبت هو الصواب، ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٥١/٣، والمحرر الوجيز ٤٩٢/٤، وتفسير القرطبي ١٢٩/١٨، والدر المصون ٣٤٩/٩، والخزانة ٤ / ١٧٥. (٥) أي: مصحف عثمان ـ (٦) الوسيلة إلى كشف العقيلة لعلم الدين السخاوي ص٤٣٨، والعقيلة هي رائية الشاطبي المسماة: عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد. سُورَةَ صِرْ ٢١٦ الآية : ٣ العاطفونَ تَحِينَ لا مِنْ عاطف والمُطعمونَ زمانَ ما من مُظْعِمٍ (١) وكون أصله: العاطفونه، بِهَاء السكت، فلما أُثبتْ في الدَّرْج قُلبت تاء، مما لا يُصَغَى إليه، نعم الأَولى اعتبارُ التاء مع ((لا)) لشهرة ((حين)) دون (تَحين))، وقال بعضهم: إنَّ ((لات)) هي ليس بعينها، وأصلُ ليس: لَبِسَ بكَسْر الياء، فأُبدلتْ أَلِفاً لتحرُّكها بعد فتحة، وأُبدلت السينُ تاءً كما في ((سِتُّ)) فإنَّ أصله: سِدْسٌ. وقيل: إنها فعلٌ ماضٍ، و((لات)) بمعنى نَقَصَ وقلَّ، فاستعملتْ في النفي كـ : قلَّ. ولیس بالمعوَّل عليه. والمناصُ: المنجا والفَوْت، يقال: ناصَهُ ينوصُهُ: إذا فاته. وقال الفرَّاء: النَّوْصُ: التأخّر(٢). يقال: ناصَ عن قِرْنه ينوصُ نَوْصاً ومَناصاً، أي: فرَّ وزاغَ، ويقال: استناصَ: طَلَبَ المناص، قال حارثة بن بدر يصفُ فرساً له: بَيَدي استناصَ ورامَ جَرْيَ المِسْحَلِ (٣) غَمْرُ الجِراءِ إذا قَصَرْتُ عِنانه وعلى المعنى الأول حمله بعضُهم هنا، وقال: المعنى: نادَوا واستغاثوا طَلَباً للنجاة، والحالُ أنْ ليسَ الحينُ حينَ فواتٍ ونجاة. وعن مجاهدٍ تفسيرُهُ بالفرار، وأخرج الطستي عن ابن عباس أنَّ نافعَ بنَ الأزرق فقال: ليس بحینِ فرارٍ، قال له: أَخِرْني عن قوله تعالى: ﴿وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ وأنشد له قولَ الأعشى: تذكّرتُ ليلى لاتَ حين تذكُرٍ وقد بِنْتُ عنها والمناصُ بعيد(٤) وعن الكلبيِّ أنه قال: كانوا إذا قاتلوا فاضطُرُّوا قال بعضهم لبعض: مناص؛ أي: عليكم بالفِرار، فلما أتاهم العذابُ قالوا: مناص، فقال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ (١) البيت لأبي وَجْزة يزيد بن عبيد السعدي، وهو في الصحاح (حين)، والخزانة ٤/ ١٧٥ . (٢) معاني القرآن ٣٩٧/٢. (٣) البيت في العين ٧/ ١٦٠، والكشاف ٣٥٩/٣، واللسان (نوص). (٤) الدر المنثور ٢٩٦/٥. الآية : ٤ - ٥ ٢١٧ سُورَةُ صِرْ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال القشيري: فعلى هذا يكون التقدير: فنادَوا: مناص، فحذف لدلالة ما بعده عليه، أي: ليس الوقتُ وقتَ ندائكم به. والظاهرُ أنَّ الجملةَ على هذا التفسير حاليةٌ، أي: نادَوا بالفرار وليس الوقتُ وقتَ فرار. وقال أبو حيان في تقرير الحالية: وهم لاتَ حين مناصٍ، أي: لهم(١). وقال الجرجاني: أي: فنادَوا حين لا مناص، أي: ساعةً لا منجا ولا فَوْتَ، فلما قدَّم ((لا)) وأَخَّر ((حين)) اقتضى ذلك الواوَ، كما يقتضي الحالُ إذا جُعل مبتدأً وخبراً مثلَ: جاء زيدٌ راكباً، ثم تقول: جاء زيدٌ وهو راكبٌ، فـ((حين)) ظرفٌ لقوله تعالى: (فَنادوا). انتهى. وكون الأصل ما ذكر أنَّ (حين)) ظرفٌ لـ ((نادَوا)) دعوى أعجميةٌ مخالفةٌ لذوق الكلام العربي لا سيَّما ما هو أفصحُ الكلام، ولا أدري ما الذي دعاه لذلك. ﴿وَعِّبُوَاْ أَنْ جََّهُ مُنْذِرُ مِنْهُمْ﴾ حكايةٌ لأباطيلهم المتفرِّعة على ما حكي من استكبارهم وشقاقهم، أي: عجبوا من أن جاءهم رسولٌ من جنسهم، أي: بشرٌ، أو من نوعهم وهم معروفون بالأمِّيَّة، فيكون المعنى: رسولٌ أميٌّ، والمراد أنهم عَدُّوا ذلك أمراً عجيباً خارجاً عن احتمال الوقوع، وأنكروه أشدَّ الإنكار، لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه. ﴿وَقَالَ الْكَفِرُونَ﴾ وُضِعَ فيه الظاهرُ موضِعَ الضمير؛ غَضَباً عليهم وذمّاً لهم، وإيذاناً بأنه لا يتجاسرُ على مثل ما يقولون إلا المتوغِّلون في الكُفْر والفسوق. ﴿هَذَا سَحِرٌ﴾ فيما يُظهِره مما لا نستطيع له مثلاً ﴿كَذَّابُ فيما يُسنده ٤ إلى الله عزَّ وجلَّ من الإرسال والإنزال. ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَمِدًا﴾ بأن نفى الأُلوهيةَ عنها وقَصَرَها على واحدٍ، فالجَعْلُ بمعنى التصيير، وليس تصييراً في الخارج، بل في القول والتسمية كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَاتًا﴾ [الزخرف: ١٩] وليس ذلك من باب إنكار وَحْدة الوجود في شيءٍ، ليقال: إن الله سبحانه نعى على الكَفَرة ذلك (١) البحر ٣٨٤/٧. الآية : ٥ ٢١٨ الإنكار فتثبتُ الوحدة، فإنه عليه الصلاة والسلام ما قال باتحاد آلهتهم معه عزَّ وجلَّ في الوجود. ، أي: بليغٌ في العَجَب، فإنَّ فُعالاً بناءُ مبالغةٍ كـ : رجل ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ طُوال وسُراعٍ، ووَجْهُ تعجّبهم أنه خلافُ ما أَلْفَوا عليه آباءَهم الذين أجمعوا على تعدُّد الآلهة، وواظبوا على عبادتها، وقد كان مدارُهم في كلِّ ما يأتونَ ويَذَرونَ التقليدَ، فيعدُّونَ خلافَ ما اعتادوه عجيباً بل محالاً . وقيل: مدارُ تعجّبهم زعمهُمْ عدم وفاء عِلْم الواحد وقدرته (١) بالأشياء الكثيرة، وهو لا يتمُّ إلا إن ادّعوا لآلهتهم علماً وقدرةً، والظاهرُ أنهم لم يدَّعوهما لها: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، والسُّلَميُّ وعيسى وابن مقسم: ((عُجَّاب)) بِشَدِّ الجيم(٢)، وهو أبلغُ من المخفَّف، وقال مقاتل: ((عُجَّاب)) لغةُ أَزْدشنوءة، أخرج أحمد وابن أبي شيبةً وعبدُ بن حميد والترمذيُّ وصححه، والنسائيُّ وابن جرير وغيرهم(٣) عن ابن عباس قال: لما مرضَ أبو طالب دخل عليه رهطً من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابنَ أخيك يشتمُ آلهتنا، ويفعلُ ويقولُ ويقولُ، فلو بعثتَ إليه فنهيتَهُ. فبعثَ إليه، فجاء النبيُّ وَّ﴿ فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قَدْرُ مجلسٍ، فخشيَ أبو جهلٍ إن جلس إلى أبي طالبٍ أن يكونَ أرقّ عليه، فَوَثَبَ فجلس في ذلك المجلس، فلم يجدْ رسولُ الله ◌َّهِ مجلساً قُرْبَ عمِّه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي، ما بالُ قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتمُ آلهتَهم، وتقولُ وتقولُ؟! قال: وأَكثَروا عليه من القول، وتكلّم رسولُ الله وَله فقال: ((يا عمّ، إني أُريدهم على كلمةٍ واحدةٍ يقولونها، يدينُ لهم بها العرب، وتؤدِّي إليهم بها العَجَمُ الجزيةَ)) ففرحوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: ما هي وأبيكَ؟ (١) في الأصل و(م): قدره. والمثبت من إرشاد العقل السليم ٢١٥/٧ والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحتسب ٤٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٤٩٢/٤، والبحر ٣٨٥/٧. (٣) أحمد (٣٤١٩)، وابن أبي شيبة ٢٩٩/١٤، والترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في الكبرى (١١٣٧٢)، وابن جرير ١٩/٢٣. وفي مطبوع الترمذي أنه حديث حسن. الآية : ٦ ٢١٩ لنعطينَّكها وعَشْراً، قال: ((لا إله إلا الله))، فقاموا فَزِعينَ ينفضونَ ثيابهم وهم يقولون: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً واحداً، إنَّ هذا لشيءٌ عُجاب. وفي روايةٍ أنهم قالوا: سَلْنا غيرَ هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرَها)) فغضبوا وقاموا غِضاباً قالوا: والله لنشتمنَّكَ وإلهكَ الذي یأمرك بهذا . ﴿وَأَنْطَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ﴾ أي: وانطلق الأشرافُ من قريشٍ من مجلس أبي طالب بعد ما بَكَّتَهُمْ رسولُ الله ◌َِّ، وشاهدوا تصلُّبه في الدين، ويئسوا مما كانوا يرجونه منه عليه الصلاة والسلام بواسطة عمِّه، وكان منهم أبو جهلٍ، والعاصُ بنُ وائل، والأسودُ بنُ المطلب بن عبد يغوث، وعقبةُ بن أبي معيط. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن أبي مجلز قال: قال رجلٌ يومَ بدرٍ: ما هم إلا النساء، فقال رسول الله وَ له: ((بل هم الملأُ)) وتلا: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾(١). وَنِ آَمْشُواْ﴾ الظاهرُ أنه أمرٌ بالمشي بمعنى نَقْلِ الأقدام عن ذلك المجلس، و((أن)) مفسِّرة، فقيل: في الكلام محذوفٌ وَقَعَ حالاً من ((الملأ))، أي: انطلقَ الملأُ يتحاوَرون، والتفسير لذلك المحذوف، وهو متضمِّنٌ معنى القول دون لفظه . وقيل: لا حاجةً إلى اعتبار الحذف، فإنَّ الانطلاقَ عن مجلس التقاول يستلزمُ عادةً تفاوضَ المنطلقين وتحاورَهم بما جرى فيه، وتضمُّنُ المفسَّر لمعنى القول أعمّ من كونه بطريق الدلالة وغيرها، كالمقارنة، ومثلُ ذلك کافٍ فیه. وقيل: الانطلاقُ هنا الاندفاعُ في القول، فهو متضمِّنٌ لمعنى القول بطريق الدلالة، وإطلاقُ الانطلاق على ذلك، الظاهرُ أنه مجازٌ مشهورٌ نُزِّلَ منزلةَ الحقيقة، وجُوِّزَ أن يكون التجوُّز في الإسناد، وأصله: انطلقتْ ألسنتهم، والمعنى: شَرَعوا في التكلّم بهذا القول. وقال بعضهم: المراد بـ ((امشوا)): سيروا على طريقتكم وداوموا على سيرتكم. (١) تفسير أبي حاتم ٣٢٣٦/١٠. الآية : ٦ ٢٢٠ وقيل: هو من مَشَتِ المرأةُ، إذا كَثُرَتْ ولادتها، ومنه الماشيةُ، وسُمِّيتْ بذلك لأنها من شأنها كثرةُ الولادة، أو تفاؤلاً بذلك، والمرادُ لازمُ معناه، أي: أكثَروا واجتمعوا . وقيل: هو دعاءٌ بكثرة الماشية، افتتحوا به كلامهم للتعظيم، كما يقال: أسلمْ أيها الأمير، واختاروه من بين الأدعية لِعِظَم شأن الماشية عندهم. وتُعُقب بأنه خطأٌ؛ لأنَّ فِعْلَهُ مزيدٌ، يقال: أَمشى إذا كَثُرَتْ ماشيتُهُ، فكان يلزمُ قَطْعُ همزته، والقراءة بخلافه، مع أنَّ إرادةَ هذا المعنى هنا في غاية البعد. وأيَّاما كان فالبعض قال للبعض ذلك، وقيل: قال الأشرافُ لأتباعهم وعوامِّهم. وقرئ: ((امشوا)) بغير ((أن))(١)، على إضمار القول دون إضمارها، أي: قائلين: امشوا . ﴿وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ﴾ أي: اثبتوا على عبادتها متحمِّلينَ لما تسمعونه في حقٌّها من القَدْح. وقرأ ابنُ مسعود: ((وانطلقَ الملأ منهم يمشونَ أنِ اصبروا))(٢) فجملةُ ((يمشون)) حاليةٌ أو مستأنفةٌ، والكلام في ((أنِ اصبروا)) كما في ((أن امشوا)) سواءٌ تعلَّقَ بـ : «انطلق» أو بما يليه. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾﴾ تعليلٌ للأمر بالصبر أو لوجوب الامتثال به، والإشارةُ إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبيِّ وَ لّ وتصلُّبه في أمر التوحيد ونفي ألوهية آلهتهم، أي: إنَّ هذا لشيءٌ عظيمٌ يُرادُ من جهته وَل﴿ إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارفٍ يلويه ولا عاطفٍ يثنيه، لا قولٌ يقالُ من ◌َطَرَفِ اللسان، أو أمرٌ يُرجى فيه المسامحةُ بشفاعة إنسان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم، واصبروا على عبادة آلهتكم. وقيل: إنَّ هذا الأمرَ لشيءٌ من نوائب الدهر يُراد بنا، فلا حيلةَ إلا تجرُّع مرارة الصبر. (١) الكشاف ٣٦٠/٣-١٦١، وتفسير الرازي ١٧٨/٢٦. (٢) المحرر الوجيز ٤٩٤/٤، والكشاف ٣٦١/٣، وتفسير البيضاوي ١٥/٥.