Indexed OCR Text

Pages 1-20

د
بُزَوَعُ النَّـ
في
تَفِي القرآنَعَظِيمْ والسُّنْ المثَانِ
1
تأليف
شِهَابُ الدّينْ أَبِيُ الثَّنَاءِ
مَجْمُودِ بْن عَبِّدُ اللَّهُ الأَلوُسيْ البُغْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقة هَذّا الجزء
مِحيِّ مَعَبْدُ الشیدْ
سَاهُمْ في تحقيقه
إِسْمَاعِيَ اخَالِيٌ
أحمد صبح محمَّ النقّوفي
ملحقة
ومحمّد مَعْتز كريم اليّين
المجلد الثالث زم والعشرون
مؤسسة الرسالة

-3

◌ُفُ المَعَانِى
في
تفِي القرآن العَظِيْ والسُّنْع المشَانِ
(٢٣)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلّاثر
الطَّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
للطّبَاعَة وَالنَّشْرَوَالتّوزيع
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

۔
سُوَدَّةُ الصَّافَات
مكِّية، ولم يَحكوا في ذلك خلافاً. وهي مئةٌ وإحدى وثمانون آيةً عند
البصريين، ومئةٌ واثنتان وثمانون عندَ غيرِهم. وفيها تفصيلُ أحوالِ القرونِ المشارِ
إلى إِهلاكها في قوله تعالى في السُّورة المتقدِّمة: ﴿أَلَمْ يَرَوَأْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن
الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] وفيها من تفصيل أحوالِ المؤمنين وأَحوالٍ
أعدائهم الكافرين يوم القيامةِ ما هو كالإيضاح لمَا في تلك السورة من ذلك، وذُكر
فيها شيءٌ مما يتعلَّق بالكواكب لم يُذكَر فيما تقدَّم، ولمجموع ما ذُكر ذُكرت بعدها .
وفي ((البحر))(١): مناسبةُ أولِ هذه السورةِ لآخر سورة (يس)) أنَّه تعالى لمّا ذكر
المعادَ وقدرتَه سبحانه على إِحياء الموتى، وأنَّه هو مُنشئهم، وأنَّه إذا تعلَّقت إرادتُه
بشيءٍ كان، ذكر عزَّ وجلَّ هنا وحدانيتَه سبحانه؛ إذ لا يتمُّ ما تعلَّقت به الإِرادة
إيجاداً وإعداماً إلّا بكون المريدِ واحداً، كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ
ءَإِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالظَّنَّفَّتِ صَفَّا (٣)﴾ إقسامٌ من الله تعالى بالملائكة عليهم السلام، كما روي
عن ابن عباسٍ وابن مسعودٍ ومسروقٍ ومجاهدٍ وعكرمةَ وقتادةَ والسُّديِّ.
وأَبى أبو مسلم ذلك، وقال: لا يجوز حملُ هذا اللفظ - وكذا ما بعدُ - على
الملائكة؛ لأنَّ اللفظِّ مشعرٌ بالتأنيث، والملائكةُ مبرَّؤون عن هذه الصفة.
(١) ٣٥١/٧.

سُوَدَقُ الضَّافَاتِ
٦
الآية : ٢
وفيه أنَّ هذا في معنى جمع الجمع، فهو جمعُ: صافَّة، أي: طائفة، أو جماعة
صافَّة. ويجوز أن يكونَ تأنيثُ المفردِ باعتبار أنَّه ذاتٌ ونفس، والتأنيثُ المعنويُّ هو
الذي لا يَحسُن أن يُطلقَ عليهم، وأما اللفظيُّ فلا مانعَ منه، كيف وهم المسمّون
بالملائكة؟!
والوصفُ المذكورُ منزَّلٌ منزلةَ اللازم، على أنَّ المرادَ إيقاعُ نفسِ الفعلِ من غير
قصدٍ إلى المفعول، أي: الفاعلات للصفوف، أو المفعولُ محذوف، أي:
الصافَّاتِ أنفسَها، أي: الناظماتِ لها في سِلك الصفوفِ بقيامها في مقاماتها
المعلومةِ حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]
وذلك باعتبار تقدُّم الرتبةِ والقربٍ من حظيرة القُدس، أو: الصافَّاتِ أنفسَها
القائماتِ صفوفاً للعبادة. وقيل: الصافَّات أقدامَها للصَّلاة. وقيل: الصافَّات
أَجتحتَها في الهواء منتظراتٍ أمرَ اللهِ تعالى.
وقيل: المرادُ بـ ((الصافَّات)) الطير، من قوله تعالى: ﴿وَاَلَّيْرُ صَفَّةٍ﴾
[النور: ٤١]. ولا يعوَّل على ذلك.
و (صفًّا)) مصدرٌ مؤكِّد، وكذا (زَجْراً)) في قوله تعالى: ﴿فَالزَّجِرَتِ زَحْرًا
٢
وقيل: ((صفًّا)) مفعولٌ به، وهو مفردٌ أُريد به الجمع، أي: الصافَّاتِ صفوفَها. وليس
بذاك.
والمرادُ بالزاجرات الملائكةُ عليهم السلام أيضاً عند الجمهور.
والزَّجرُ في الأصل: الدفعُ عن الشيءِ بتسلُّطٍ وصياحٌ، وأَنشدوا:
زجرَ أبي عروةَ السِّباعَ إذا أَشفق أن يختلطنَ بِالغَنَمِ (١)
ويُستعمل بمعنى السَّوق والحثّ، وبمعنى المنعِ والنَّهي وإن لم يكن صياحٌ،
والوصفُ منزَّلٌ منزلةَ اللازم، أو مفعولُه محذوف، أي: الفاعلاتِ للزَّجر، أو:
الزاجراتِ ما نيط بها زجرُه من الأَجرام العلويةِ والسُّفلية وغيرِها على وجهٍ يليق
(١) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص ١٥٨ .

الآية : ٣
٧
سُورَةُ القَنَافَاتِ
بالمزجور، ومن جملة ذلك زجرُ العبادِ عن المعاصي بإلهام الخير، وزجرُ الشياطين
عن الوسوسة والإِغواء وعن استراق السَّمع، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
وعن قتادة: المرادُ بالزاجرات آياتُ القرآن؛ لتضمُّنها النواهيَ الشرعية.
وقيل: كلُّ ما زجر عن معاصي اللهِ عزَّ وجلَّ. والمعوَّل عليه ما تقدَّم.
وكذا المرادُ - كما رُوي عن ابن عباسٍ وابن مسعودٍ وغيرِهما - في قوله تعالى:
إج﴾ الملائكةُ عليهم السلام.
﴿ فَلَّلِيَتِ ذِكْرًا (
و((ذِكْراً)) نصب على أنَّه مفعولٌ به، وتنوينُه للتفخيم، وهو بمعنى المذكورِ
المتلوّ، وفسّر بكتاب(١) اللهِ عزَّ وجلَّ.
قال أبو صالح: هم الملائكةُ يجيئون بالكتاب والقرآنِ من عند اللهِ عزَّ وجلَّ إلى
الناس. فالمرادُ بتلاوته تلاوتُه على الغير.
وفسَّره بعضُهم بالآيات والمعارفِ الإلهية، والملائكةُ يتلونهما على الأنبياءِ
والأولياء. وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى في باب الإِشارةِ ما يتعلَّق بتلاوة الملائكةِ ذلك
على الأولياءِ قدَّس اللهُ تعالى أسرارهم.
وقال بعض: أي: فالتالياتِ آياتِ اللهِ تعالى وكتبَه المنزلةَ على الأنبياءِ عليهم
السلام، وغيرها من التسبيح والتقديس والتحميدِ والتمجيد. ولعلَّ التلاوةَ على هذا
أعمُّ من التِّلاوة على الغير وغيرها .
وقيل: ((ذكراً)) نصب على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد على غير اللفظ؛ لتكونَ المنصوباتُ
على نسقٍ واحد.
وقال قتادة: التاليات ذِكراً: بنو آدم يتلون كتابَه تعالى المنزلَ وتسبيحَه وتكبيرَه.
وجوِّز أن يكونَ اللهُ تعالى أقسم بنفوس العلماءِ العمَّال، الصافاتِ أنفسَها في
صفوف الجماعات، أو أَقدامَها في الصَّلوات، الزاجراتِ بالمواعظ والنصائح،
(١) في الأصل: بكتب.

سُورَةُ الصَنَافَاتِ
٨
الآية : ٣
التالياتِ آياتِ اللهِ تعالى، الدارسات شرائعَه وأحكامَه. أو بطوائفٍ قوَّاد الغزاةِ في
سبيل اللهِ تعالى التي تصفُّ الصفوفَ في مواطن الحروب، الزاجراتِ الخيلَ للجهاد
سوقاً، أو العدوَّ في المعارك طرداً، التالياتِ آياتِ اللهِ سبحانه وذِكرَه وتسبيحَه في "
تضاعيف ذلك.
وجُوِّز أيضاً أن يكونَ أقسم سبحانه بطوائفِ الأجرامِ الفلكيةِ المرتبة كالصُّفوف،
المرصوصةِ بعضُها فوق بعض، والنفوسِ المدبِّرة لتلك الأجرامِ بالتحريك ونحوِه،
والجواهرِ القدسيةِ المستغرقة في بحار القدسِ يسبِّحون الليلَ والنهارَ لا يفتُرون،
وهم الملائكةُ الكَروبيُّون ونحوُهم. وهذا بعيدٌ بمراحلَ عن مذهب السلفِ الصالح،
بل عن مذهب أهلِ السنَّة مطلقاً كما لا يخفى.
والفاءُ العاطفةُ للصِّفات قد تكون لترتيب معانيها الوصفية في الوجود الخارجيِّ
إذا كانت الذاتُ المتَّصفةُ بها واحدة، كما في قوله:
ـابحٍ فالغانمِ فالآيبٍ(١)
يا لهفَ زيَّابةَ للحارث الصَّـ
أي: الذي صَبَحَ فَغَنِم فَآبَ ورجع.
أو لترتيب معانيها في الرُّتبة إذا كانت الذاتُ واحدةً أيضاً، كما في قولك: أَتمّ
العقل فيك إذا كنت شاباً فكهلاً.
أو لترتيب الموصوفاتِ بها في الوجود، كما في قولك: وقفتُ كذا على بَنيَّ
بطناً فبطناً. أو في الرُّتبة، نحو: رحم الله تعالى المحلِّقين فالمقصِّرين. وكلاهما مع
تعدُّد الموصوف، والترتيبُ الرُّتْبِيُّ إما باعتبار الترقِّي أو باعتبار التدلِّي.
وهي - إذا كانت الذاتُ المتصفةُ بالصِّفات هنا واحدةً، وهم الملائكةُ عليهم
السلام بأسرهم - تحتمل أن تكونَ للترتيب الرتبيِّ باعتبار الترقِّي، فالصفُّ في الرُّتبة
الأُولى؛ لأنَّه عملٌ قاصر، والزَّجر أَعلى منه؛ لما فيه من نفع الغير، والتلاوةُ أَعلى
وأعلى؛ لما فيها من نفع الخاصَّةِ الساري إلى نفع العامَّةِ بما فيه صلاحُ المعاشِ
(١) البيت لابن زيّابة التيمي، وسلف ٤٠٩/١١.

الآية : ٣
٩
سُورَةُ الصَّافَاتِ
والمعاد. أو للترتيب الخارجيّ من حيث وجودُ ذواتِ الصِّفات، فالصفُّ يوجد أوَّلاً
لأنَّه كمالٌ للملائكة في نفسها، ثم يوجد بعده الزَّجرُ للغير؛ لأنَّه تكميلٌ للغير يستعدُّ
به، والشخصُ ما لم يكمُّل في نفسه لا يتأهّل لأن يُكملَ غيرَه، ثم توجد التلاوةُ بناءً
على أنَّها إِفاضةٌ على الغير المستعدِّ لها، وذا لا يتحقَّق إلَّا بعد حصولِ الاستعدادِ
الذي هو من آثار الزَّجر.
وإذا كانت الذاتُ المتصفةُ بها من الملائكة عليهم السلام متعدِّدةً، بمعنى أنَّ
صنفاً منهم كذا وصنفاً آخَرَ كذا، فالظاهرُ أنَّها للترتيب الرتبيِّ باعتبار الترقِّي كما في
الشِّقِّ الأول، فالجماعاتُ الصافَّاتُ كاملون، والزاجراتُ أكملُ منها، والتالياتُ
أكملُ وأكمل، كما يُعلم ممَّا سبق.
وقيل: يجوز أن يكونَ بعكس ذلك، بأن يرادَ بالصافَّات جماعاتٌ من الملائكة
صافَّاتٌ من حول العرش، قائماتٌ في مقام العبودية، وهم الكُرُوبِيُّون المقرَّبون، أو
ملائكةٌ آخَرون يقال لهم - كما ذكر الشيخُ الأكبر قدَّس اللهُ سرَّه -: المُهَيَّمون،
مستغرقون بحبِّه تعالى، لا يدري أحدُهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلق غيرَه، وذكر أنَّهم لم
يؤمروا بالسُّجود لآدمَ عليه السلام لعدم شعورِهم باستغراقهم به تعالى، وأنَّهم
المعنيُّون بالعالين في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].
وبالزَّاجرات جماعاتٌ أُخرُ أُمرت بتسخير العُلوياتِ والسفليات، وتدبيرِها لما خُلقت
له، وهي في الفضل - على ما لها من النفع للعباد - دون الصافَّات. وبالتاليات ذِكراً
جماعاتٌ أخرُ أُمرت بتلاوة المعارفِ على خواصِّ الخلق، وهي - لخصوص
نفعِها - دونَ الزاجرات. أو المرادُ بالزاجرات الزاجراتُ الناسَ عن القبيح بإلهام
جهةٍ قبحِه وما ينفِّر عن ارتكابه، وبالتاليات ذِكراً الملهماتُ للخير والجهاتِ المرغِّبة
فيه .
ولكون دفعِ الضرِّ أَولى من جلب الخير، ودرءِ المفاسدِ أهمَّ من جلب
المصالح؛ ولذا قيل: التخلية - بالخاء - مقدَّمة على التحلية = كانت التالياتُ دون
الزَّاجرات.

سُؤَدَقُ الضَنَّافَاتِ
١٠
الآية : ٣
وحالُ الفاءِ - على سائر الأقوالِ السابقةِ في الصفات - لا يخفى على مَن له
أدنی تأمُّل.
ويجوز عندي - والله تعالى أعلمُ - أن يرادَ بـ ((الصافَّات)): المصطفُّون للعبادة،
من صلاةٍ ومحاربةٍ كفرةٍ مثلاً، ملائكةً كانوا أم أناسيَّ أم غيرَهما، وبـ ((الزاجرات)):
الزَّاجرون عن ارتكاب المعاصي بأقوالهم أو أفعالهم، كائنين مَن كانوا، وبـ ((التاليات
ذِكراً)): التالون لآيات اللهِ تعالى على الغير، للتعليم أو نحوِه كذلك. ولا عنادَ بين
هذه الصِّفات، فتجتمع في بعض الأشخاص.
ولعلَّ الترتيبَ على سبيل الترقِّي باعتبار نفسِ الصفات، فالاصطفافُ للعبادة
كمال، والزجرُ عن ارتكاب المعاصي أَكمل، والتلاوةُ لآياتِ اللهِ تعالى للتعليم؛
لتضمُّنه الأمرَ بالطاعات والنهيَ عن المعاصي، والتخلِّيَ عن الرذائل والتحلِّيَ
بالمعارف، إلى أمورٍ أُخرَ أكملَ وأكمل.
وجَعلُ الصفاتِ المذكورةِ لموصوفٍ واحدٍ من الملائكة على ما مرّ، بأن تكونَ
جماعاتٌ منهم صافَّات، بمعنى صافاتٍ أنفسَها في سلك الصفوفِ بالقيام في
مقاماتها المعلومة، أو القائماتِ صفوفاً للعبادة، وتالياتٍ ذكراً بمعنی تالیاتِ الآياتِ
بطريق الوحي على الأنبياءِ عليهم السلام = لا يخلو عن بُعدٍ فيما أرى، على أن
تعدُّدَ الملائكةِ التالين للوحي - سواءٌ كان صنفاً مستقلًا أم لا - ممَّا يُشكل عليه
ما ذكره غيرُ واحدٍ أنَّ الأمينَ على الوحي التاليَ الذِّكر على الأنبياءِ هو جبريلُ عليه
السلام لا غير. نَعَم من الآيات ما ينزل مشيَّعاً بجمع من الملائكة عليهم السلام،
ونطق الكتابُ الكريمُ بالرَّصد عند إِبلاغ الوحي، وهذا أمرٌ والتلاوةُ على الأنبياءِ
عليهم السلام أمرٌ آخَر، فتأمَّل جميعَ ذلك. وفي المراد بالصفات المتناسقةٍ
احتمالاتٌ غيرُ ما ذُكر، فلاتغفُل.
وأيَّاما كان، فالقَسَمُ بتلك الجماعاتِ أنفسِها ولا حَجرَ على الله عزَّ وجلَّ، فله
سبحانه أن يُقسِمَ بما شاء، فلا حاجةَ إلى القول بأنَّ الكلامَ على حذفٍ مضاف،
أي: وربِّ الصافاتِ، مثلاً.

الآية : ٤ - ٥
١١
سُورَةُ الصَنَافَات
والآيةُ ظاهرةُ الدَّلالة على مذهب سيبويه والخليلِ في مثل: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَغْشَى
وَلَّهَارِ إِذَا تَلَّ﴾ [الليل: ١-٢] من أنَّ الواوَ الثانيةَ وما بعدَها للعطف(١)، خلافاً لمذهب
غيرِهما من أنَّها للقَسَم؛ لوقوع الفاءِ فيها موقعَ الواو، إلّا أنَّها تُفيد الترتيب.
وأَدغم ابنُ مسعودٍ ومسروقٌ والأعمشُ وأبو عَمرٍو وحمزةُ التاءاتِ الثلاثَ
فيما يليها(٢)؛ للتَّقارب، فإنَّها من طرف اللسانِ وأصولِ الثَّنايا.
﴿إِنَّ إَِهَكُمْ لَوَبٌِّ ﴾﴾ جوابٌ للقَسَمِ. وقد جرت عادتُهم على تأكيد ما يهتمُّ به
بتقديم القَسَم؛ ولذا قدِّم هاهنا، فلا يقال: إنَّه كلامٌ مع منكِرٍ مكذِّب، فلا فائدةَ في
القَسَمِ. وما قيل من أنَّ وحدةَ الصانع قد ثبتت بالدليل النقليِّ بعد ثبوتِها بالعقل
ففائدتهُ ظاهرةٌ هنا = غيرُ تامّ؛ لأنَّ الكلامَ مع مَن لا يعترف بالتوحيد، وقد أُشير إلى
فإنَّ
البرهان في قولِه سبحانه: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ
وجودَها على هذا النَّمط البديعِ أوضحُ دليلٍ على وَحدته عزَّ وجلَّ، بل في كلِّ ذَرَّةٍ
من ذرَّات العالمَ دليلٌ على ذلك:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحِدُ(٣)
و(ربّ)) خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ) على مذهب مَن يجوِّز تعدُّدَ الأخبار. أو خبرُ مبتدأ
محذوف، أي: هو ربُّ السماواتِ .. إلخ. وجوَّز أبو البقاءِ(٤) وغيرُه كونَه بدلاً من
((واحد)) فهو المقصودُ بالنسبة. أي: خالقُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما من
الموجودات.
ويدخل في عموم الموصولِ أفعالُ العباد، فتدلُّ الآيةُ على أنَّها مخلوقةٌ له
تعالى، ولا ينافي ذلك كونُ قدرةِ العبدِ مؤثّرةً بإذنه عزَّ وجلَّ، كما ذهب إليه معظمُ
السلف، حتى الأشعريُّ نفسُه في آخر الأمرِ على ما صرَّح به بعضُ الأَجِلَّة.
(١) انظر الكتاب ٥٠١/٣.
(٢) البحر المحيط ٣٥٢/٧، وانظر لقراءة أبي عمرو وحمزة التيسير ص ٢٢-٢٦ و١٨٥-١٨٦،
والنشر ٢٨٦/١ فما بعد، و٣٥٦/٢.
(٣) سلف ١/ ٢٧١.
(٤) في الإملاء ٢٣٢/٤.

الآية : ٥
١٢
سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
وفسَّر بعضُهم الربَّ هنا بالمالك وبالمربِّي. ولعلَّ الأَوَّل أَظهر، وفي دلالة الآيةِ
علی کون أفعالِ العباد مخلوقةً له على ذلك بحث.
والمرادُ بـ ((المشارق)) - عند جمع ـ مشارقُ الشمس؛ لأنَّها المعروفةُ الشائعةُ
فيما بينهم، وهي بعدد أيامِ السَّنة؛ فإِنَّها في كلِّ يومٍ تُشرق من مشرقٍ وتَغرب في
مغرب، فالمغاربُ متعدِّدة تَعدُّدَ المشارق، وكأنَّ الاكتفاءَ بها لاستلزامها ذلك، مع
أنَّ الشروقَ أدلُّ على القدرة وأبلغُ في النِّعمة؛ ولهذا استدلَّ به إبراهيمُ عليه السلام
عند محاجَّةِ النُّمروذ.
وعن ابن عطيةً(١) أنَّ مشارقَ الشمسِ مئةٌ وثمانون.
ووفَّق بعضُهم بين هذا وما يقتضيه ما تقدَّم من مضاعفة العددِ بأنَّ مشارقَها من
رأس السَّرطان، وهو أولُ بروجِ الصيف، إلى رأس الجَدي، وهو أوَّل بروجِ
الشِّتاء، متَّحدةً معها من رأس الجدىٍ إلى رأس السَّرطان، فإن اعتُبر ما كانت عليه
وما عادت إليه واحداً، كانت مئةً وثمانين، وإنْ نُظر إلى تغايرهما، كانت ثلاثَ مئةٍ
وستين. وفي هذا إِسقاطُ الكسر؛ فإنَّ السَّنةَ الشمسيةَ تزيد على ذلك العددِ بنحو ستّة
أيامٍ على ما بيِّن في موضعه.
وفسّرت ((المشارقُ)) أيضاً بمشارق الكواكب، ورجّح بأنَّه المناسبُ لقوله تعالى
بعد: (إنا زينا .. )) إلخ. وهي للسيَّارات منها متفاوتةٌ في العدد، وأكثرُها
مشارقَ - على ما هو المعروفُ عند المتقدِّمين - زُحَل، ومشارقُه إلى أن يُتمَّ دورتَه
أكثرُ من مشارق الشمسِ إلى أن تُتِمَّ دورتَها بألوف، ومشارق الثوابتِ إلى أن تُتَمَّ
الدورةَ أكثر وأكثر، فلا تغفُل وتبصَّر.
وتثنيةُ المشرق والمغربِ في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْشَرِفَيْنِ وَرَبُّ الْغْرِيَّنِ﴾ [الرحمن: ١٧]
على إرادة مشرقِ الصيفِ ومشرقِ الشتاءِ ومغربيهما. وإعادةُ ((رب)) هنا مع المشارقِ
لغاية ظهورِ آثارِ الرُّبوبية فيها وتجدُّدِها كلَّ يوم.
(١) في المحرر الوجيز ٤ / ٤٦٥.

الآية : ٦
١٣
سُوَدَةُ الصَّافَاتِ
﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ أي: أقربَ السماواتِ من أَهل الأرض، فالدُّنيا هنا
مؤنَّث أدَنى، بمعنى أَقرب، أَفعلُ تفضيل ﴿ِنَةٍ﴾ عجيبةٍ بديعةٍ ﴿اَلْكُوَكَبِ ﴾﴾ بالجرِّ
بدلٌ من «زينة)) بدلَ كلٍّ، على أنَّ المرادَ بها الاسم، أي: ما يُزان به، لا المصدر؛
فإنَّ الكواكبَ بأَنفُسها وأوضاعِ بعضِها من بعضٍ زينة، وأيُّ زينة:
دُرَرٌ نُثرنَ على بساطِ أَزرق(١)
فكأنَّ أجرامَ النجومِ لوامعاً
وجوّز أن تكونَ عطف بيان.
وقرأ الأَكثرون: ((بزينةِ الكواكبِ)) بالإِضافة(٢)، على أنَّها بيانية؛ لمَا أنَّ الزينةَ
مبهَمةٌ صادقةٌ على كلِّ ما يزان به، فتقع الكواكبُ بياناً لها، ويجوز أن تكونَ لامية،
على أنَّ الزينةَ للكواكب أضواؤها أو أوضاعُها. وتفسيرُها بالأضواءِ منقولٌ عن ابن
عباسٍ پا.
وجُوِّز أن تكونَ الزينةُ مصدراً كالنسبة، وإضافتُها من إِضافة المصدرِ إلى
مفعوله، أي: زيَّا السماءَ الدنيا بتزييننا الكواكبَ فيها، أو من إِضافة المصدرِ إلى
فاعله، أي: زينَّاها بأن زينتَها الكواكب.
وقرأ ابن وثَّابٍ ومسروقٌ بخلافٍ عنهما، والأَعمش، وطلحة، وأبو بكر:
(زينةٍ)) منوَّناً ((الكواكبَ)) (٣) نصباً. فاحتمل أن يكونَ ((زينة)) مصدراً، و((الكواكب»
يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥]
١٤
مفعولٌ به، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِّعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَتْرِ
وليس هذا من المصدر المحدودِ كالضَّربة حتى يقال: لا يصحُّ إِعمالُه كما نصَّ عليه
ابنُ مالك(٤)؛ لأنَّه وُضع مع التاءِ كالكتابة والإِصابة، وليس كلُّ تاءٍ في المصدر
للوحدة. وأيضاً ليست هذه الصيغةُ صيغةَ الوحدة. واحتمل أن يكونَ ((الكواكب»
بدلاً من «السماء)» بدلَ اشتمال، واشتراطُ الضميرِ معه للمبدَل منه إذا لم يظهر
(١) قائله أبو طالب الرقي، وهو في يتيمة الدهر ٣٤٦/١، وأسرار البلاغة ص ١٣٧ .
(٢) قرأ عاصم وحمزة بالتنوين والباقون بالإضافة. التيسير ص ١٨٦، والنشر ٣٥٦/٢.
(٣) البحر ٣٥٢/٧. وقراءة أبي بكر في التيسير ص ١٨٦، والنشر ٣٥٦/٢.
(٤) في التسهيل ص ١٤٢ .

الآية : ٧
١٤
سُوَّةُ الصَنَافَاتِ
اتّصالُ أحدِهما بالآخر، كما قرَّروه في قوله تعالى: ﴿قُلَ أَعَْبُ الْأُخْدُودِ جَ النَّارِ﴾
[البروج: ٤-٥] وقيل: اللامُ بدلٌ منه. وجوِّز كونُه بدلاً من محلِّ الجارِّ والمجرور، أو
المجرورِ وحدَه على القولين، وكونُه منصوباً بتقدير: أَعني.
وقرأ زيدُ بن عليٍّ عَ﴿ها: ((بزينةٍ)) منوَّناً ((الكواكبُ))(١) رفعاً على أنَّها خبرُ مبتدأِ
محذوف، أي: هي الكواكب. أو فاعلُ المصدر، ورفعُه الفاعلَ قد أجازه
البصريُّون على قِلَّة، وزعم الفرَّاءُ أنَّه ليس بمسموع.
وظاهرُ الآية أنَّ الكواكبَ في السماءِ الدنيا، ولا مانعَ من ذلك وإن اختلفت
حركاتُها وتفاوتت سرعةً وبطئاً؛ لجواز أن تكونَ في أفلاكها، وأفلاكُها في السماءِ
الدنيا، وهي ساكنة، ولها من الفِّخن ما يمكن معه نضدُ تلك الأفلاكِ المتحرّكةِ
بالحركات المتفاوتةِ وارتفاعُ بعضِها فوقَ بعض.
وحكى النيسابوريُّ في تفسير سورة التكويرِ عن الكلبيِّ أنَّ الكواكبَ في قناديلَ
معلّقةٍ بين السماءِ والأرض بسلاسلَ من نُور، وتلك السلاسلُ بأيدي الملائكةِ عليهم
السلام(٢)، وهو مما يكذِّبه الظاهر، ولا أراه إلَّا حديثَ خُرافة.
وأمَّا ما ذهب إليه جُلُّ الفلاسفةِ من أنَّ القمرَ وحده في السماءِ الدنيا، وعُطارد
في السماءِ الثانية، والزُّهَرة في الثالثة، والشمسَ في الرابعة، والمرِّيخ في الخامسة،
والمشتريَ في السادسة، وزُحَلَ في السابعة، والثوابتَ في فلكٍ فوق السابعة، هو
الكرسيُّ بلسان الشَّرع = فممَّا لا يقوم عليه برهانٌ يفيد اليقين، وعلى فَرْض صحَّتِه
لا يقدح في الآية؛ لأنَّه يكفي لصحّة كونِ السماءِ الدنيا مزيَّنةً بالكواكب كونُها
كذلك في رأي العين.
﴿وَحِفْظًا﴾ نصب على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ معطوفٍ على ((زينا))، أي:
وحفظناها حفظاً. أو عطفٌ على ((زينة)) باعتبار المعنى، فإنَّه معنَّى مفعولٌ له، كأنَّه
قيل: إنَّا خلقنا الكواكبَ زينةً للسماءِ وحفظاً لها. والعطفُ على المعنى كثير، وهو
(١) البحر ٣٥٢/٧.
(٢) تفسير النيسابوري ٣٤/٣٠ ولكن عن عطاء.

الآية : ٨
١٥
سُؤَدَّةُ الصَّانَاتِ
غيرُ العطفِ على الموضع، وغيرُ عطفِ التوهُّم. وجوِّز كونُه مفعولاً له بزيادة الواو،
أو على تأخيرِ العامل، أي: ولحِفظها زيَّناها.
وقولُه تعالى: ﴿مِنِ كُلِّ شَيْطَانٍ ◌َارِمٍ ﴾﴾ متعلِّق بحفظنا المحذوف، أو
بـ ((حِفظاً)). والماردُ كالمَريد: المتعرِّي عن الخيرات، من قولهم: شجرٌ أَمرد: إذا
تعرَّى من الورق، ومنه قيل: رملةٌ مَرداء: إذا لم تُنبت شيئاً، ومنه الأَمرد؛ لتجرُّده
عن الشّعر. وفسِّر هنا أيضاً بالخارج عن الطّاعة، وهو في معنى التعرِّي عنها.
وقوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلَإِ اَلْأَعْلَى﴾ أي: لا يتسمَّعون، وهذا أصلُه،
فأدغمت التاءُ في السِّين، وضميرُ الجمعِ لـ ((كلِّ شيطان))؛ لأنَّه بمعنى الشياطين.
وقرأ الجمهور: ((لا يَسْمعونَ)) بالتَّخفيف (١).
والملأ في الأَصل جماعةٌ يجتمعون على رأيٍ فيملؤون العيونَ رُوَاء، والنفوسَ
جلالةٌ وبهاء. ويُطلَق على مطلق الجماعة، وعلى الأشرافِ مطلقاً .
والمرادُ بـ ((الملأ الأعلى)) الملائكةُ عليهم السلام كما رُوي عن السُّدِّي؛ لأنَّهم
في جهة العُلوّ، ويقابله الملأُ الأسفل، وهم الإنسُ والجِنّ؛ لأنَّهم في جهة السُّفل.
وقال ابن عباس: هم أشرافُ الملائكةِ عليهم السلام. وفي روايةٍ أخرى عنه
أنَّهم كتَّابهم. وفسِّر العلوُّ على الرِّوايتين بالعلوِّ المعنويّ.
وتعديةُ الفعلِ على قراءة الجمهورِ بـ ((إلى)) لتضمينه معنى الإصغاء، أي:
لا يسَّمعون مصغين إلى الملأ الأعلى. والمرادُ نفيُ سماعِهم مع كونِھم مصغین،
وفيه دلالةٌ على مانعٍ عظيمٍ ودهشةٍ تُذهلهم عن الإدراك. وكذا على القراءة
الأخرى، وهي قراءةُ ابنِ عباسٍ بخلافٍ عنه، وابنٍ وثَّاب، وعبدِ الله بن مسلم،
وطلحة، والأَعمش، وحمزة، والكِسائيّ، وحفص (٢)، بناءً على ما هو الظاهرُ من
أنَّ التفعُّل لا يخالف ثلاثيَّه في التعدية، واستعمالُ تسمَّع مع ((إلى)) لا يقتضي كونَه
غيرَ مضمَّن. وقيل: لا يحتاج إلى اعتبار التضمينِ عليها، والتفعُّل مؤذِنٌ بالطلب،
(١) التيسير ص ١٨٦، والنشر ٣٥٦/٢. وقرأ بالتشديد حمزة والكسائي وخلف وحفص.
(٢) انظر التعليق السابق.

سُوَرَّةُ الصَّافَات
١٦
الآية : ٨
فتسمَّع بمعنى: طلب السَّماع. قيل: ويُشعر ذلك بالإِصغاء؛ لأنَّ طلب السماعِ يكون
بالإِصغاء، فتتوافق القراءتان وإنْ لم يقل بالتَّضمين في قراءة التَّشديد. ولعلَّ الأَوْلى
القول بالتضمین.
ونفيُّ طلبِهِم السماعَ مع وقوعِه منهم حتى قيل: إنَّه يَركب بعضُهم بعضاً لذلك،
إمَّا ادِعائيٌّ للمبالغة في نفي سماعِهم، أو هو - على ما قيل - بعدَ وصولهم إلى محلٌ
الخطر؛ لخوفهم من الرَّجم، حتى يُدهشوا عن طلب السَّماع.
وقال أبو حيَّان(١): إنَّ نفيَ التسمُّع لانتفاء ثمرتِه، وهو السَّمع.
وقال ابنُ كمال: عدِّي الفعلُ في القراءتين بـ ((إلى)) لتضمُّنه معنى الانتهاء، أي:
لا ينتهون بالسَّمع أو التسمُّع إلى الملأ الأعلى. وليس بذاك كما لا يخفى على
المتأمِّل الصادق.
والجملةُ في المشهور مستأنفةٌ استئنافاً نحويّاً، ولم يجوَّز كونُها صفةً لـ ((شيطان))،
قالوا: إذ لا معنى للحِفظ من شياطينَ لا تسمع أو لا تسَّمَّع، مع إِيهامه لعدم الحفظ
عمَّن عداها. وكذا لم يجوَّز كونُها استئنافاً بيانيّاً واقعاً جواب سؤالٍ مقدَّر؛ إذ
المتبادرُ أنْ يؤخذَ السؤالُ من فحوى ما قبلَه، فتقديرُه حينئذٍ: لم تحفظ، فيعود
محذورُ الوصفية. وكذا كونُها حالاً مقدَّرة؛ لأنَّ الحالَ كذلك يقدِّرها صاحبُها،
والشياطينُ لا يقدِّرون عدمَ السَّماع أو عدمَ التسمُّع، ولا يريدونه.
وجوَّز ابن المنيرِ(٢) كونَها صفة، والمراد: حفظ السماواتِ ممَّن لا يسمع أو
لا يسَّمَّع بسبب هذا الحِفظ، وهو نظيرُ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [المؤمنون: ٤٤]. ﴿وَسَخَّرَ
لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِوَّةِ﴾ [النحل: ١٢]. ومن هنا
لم يجعل بعضُ الأَجِلَّة قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن قتل قتيلاً فله سلَبُه))(٣) من
مجاز الأَوْل.
(١) في البحر ٣٥٣/٧.
(٢) في الانتصاف ٣٣٥/٣.
(٣) سلف ٣٤٢/١.

الآية : ٨
١٧
سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
وتعقِّب بأنَّ ذلك خلافُ المتبادر، ولا يكاد يُفهم من: إِضرب الرجلَ
المضروب، كونُه مضروباً بهذا الضربِ المأمورِ به لا بضربٍ آخَرَ قبله.
وكذا جوَّز صاحبُ ((الكشف)) كونَها صفة، وكونَها مستأنفةً استئنافاً بيانياً أيضاً،
ودفع المحذورَ وأَبعدَ في ذلك المغزى كعادته في سائر تحقيقاتِه، فقال: المعنى:
لا يمكّنون من السَّماع مع الإِصغاء، أو: لا يمكّنون من التسمُّع، مبالغةً في نفي
السَّماع، كأنَّهم مع مبالغتهم في الطلب لا يُمكنهم ذلك، ولا بدَّ من ذلك، جُعِلت
الجملةُ وصفاً أو لا؛ جمعاً بين القراءتين، وتوفيةً لحقِّ الإِصغاء المدلولِ عليه
بـ ((إلى))، وحينئذٍ يكون الوصفُ شديدَ الطَّباق، وردُ الاستئنافِ البيانيِّ واردٌ على
تقدير السؤال: لِمَ تحفظ؟ وليس كذلك، بل السؤالُ عمَّا يكون عند الحفظِ وعن
كيفيَّته؛ لأنَّ قولَه سبحانه: (وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانِ مَارِدٍ) مما يحرِّك الذِّهن له، فقيل:
((لا يسمعون)) جواباً عمَّا يكون عنده ((ويقذفون)) لكيفيَّة الحفظ. وهذا أولى من
جعلها مبدأَ اقتصاصٍٍ مستطرَد، لئلا ينقطعَ ما ليس بمنقطعٍ معنّى. انتهى.
واستدقَّه الخفاجيُّ واستحسنه(١)، وذكر أنَّ حاصلَه أنَّه ليس المنفيَّ هنا السماُ
المطلقُ حتى يلزمَ ما ظنُّوه من فساد المعنى؛ لأنَّه لمَّا تعدَّى بـ ((إلى)) وتضمَّن معنى
الإِصغاء، صار المعنى: حفظناها من شياطينَ لا تُنصت لما فيها إنصاتاً تامّاً تضبط
به ما تقوله الملائكةُ عليهم السلام، ومالُه: حفظناها من شياطينَ مسترِقةٍ للسَّمع،
وقولُه سبحانه: ﴿إِلَّ مَنْ خَطِفَ﴾ إلخ [الآية: ١٠] ينادي على صحّته، والمناقشةُ
بحديث الأوصاف قبل العلم بها أخبارٌ إن جاءت لا تتمّ، فالحديثُ غير مطَّرد.
وقيل: إنَّ الأصل: لئلا يسمعوا، على أنَّ الجارّ متعلّق بـ ((حفظاً))، فحُذفت
اللامُ كما في: جئتُك أن تُكرمَني، ثم حُذفت ((أنْ)) ورُفع الفعل، كما في قوله:
أَلَا أيُّهذا الزاجريْ أَحضرُ الوغى وأنْ أشهدَ اللذَّاتِ هل أنت مُخْلِدي(٢)
وفيه أنَّ حذفَ اللامِ وحذفَ ((أنْ)) ورفعَ الفعلِ وإنْ كان كلٌّ منهما واقعاً في
الفصيح، إلَّا أنَّ اجتماعَ الحذفين منكرٌ يصان كلامُ اللهِ تعالى عنه.
(١) في حاشيته ٧/ ٢٦١.
(٢) سلف ٢/ ٢٧٧.

سُوَّةُ الصَنَافَاتِ
١٨
الآية : ٩
وأبو البقاءِ يجوِّز كونَ الجملةِ صفة، وكونَها استئنافاً، وكونَها حالاً(١)،
فلا تغفل.
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: يُرمَون ويُرجَمون ﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ
من جوانب السماءِ إذا
٨
قصدوا الصعودَ إليها. وليس المرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ يُرمَى من كلِّ جانب، بل هو على
التوزيع، أي: کلُّ مَن صعد من جانبٍ رُمي منه.
وقرأ محبوبٌ عن أبي عمرو: ((يَقذِفون)) بالبناءِ للفاعل(٢)، ولعلَّ الفاعلَ
الملائكةُ، وجوِّز أن يكونَ الكواكبَ، وأمرُ ضميرِ العقلاءِ سهل.
وقولُه تعالى: ﴿دُكُورًا﴾ مفعولٌ له وعلَّة للقذف، أي: للدُّحور، وهو الطردُ
والإِبعاد. أو مفعولٌ مطلقٌ لـ ((يقذفون))، كـ: قعدت جلوساً؛ لتنزيل المتلازمَين منزلة
المتَّحدَين، فيقام ((دحوراً)) مُقامَ قذفاً، أو ((يقذفون)) مُقَامَ يدحَرون. وعلى التقديرين
هو مصدرٌ مؤگِّد.
أو حالٌ من ضمير ((يُقذفون)) على أنَّه مصدرٌ [مؤوَّلٌ](٣) باسم المفعولِ على
القراءة الشائعة، وهو في معنى الجمع؛ لشمولِه للكثير، أي: مدحورين. وجوِّز
كونُه جمعَ: داحرٍ، بمعنى مدحور، كـ : قاعدٍ وقُعود، وكونُه جمعَ داحرٍ من غير
تأويلٍ بناءً على القراءة الأخرى.
وجوِّز أن يكونَ منصوباً بنزع الخافض، وهو الباء، على أنَّه جمعُ: دَخْر، كدَهْر
ودُهور، وهو ما يُدحر به، أي: يُقذفون بدُحور.
وقرأ السُّلَميّ، وابنُ أبي عبلة، والطبرانيُّ عن أبي جعفر: ((دَحوراً)) بفتح
الدَّال(٤)، فاحتمل كونه نصباً بنزع الخافضِ أيضاً، وهو على هذه القراءةِ أَظهر؛
لأنَّ فَعولاً بالفتح بمعنى ما يُفْعل به كثير، كطَهور وغَسول، لمَا يُتْطَهَّر ويُغسل به.
(١) الإملاء ٤/ ٢٣٤.
(٢) البحر ٣٥٣/٧.
(٣) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٧/ ٢٦٢.
(٤) البحر ٧/ ٣٥٣، وزاد نسبتها إلى علي ظُه، ونسبها ابن خالويه ص ١٢٧ للسلمي
وعلي ظُهُ، وابن جني ٢١٩/٢ للسلمي.

الآية : ١٠
١٩
سُوَدَّةُ الصَّافَاتِ
واحتمل أن يكونَ صفةً كصبورٍ لموصوفٍ مقدَّر، أي: قذفاً دَحوراً طارداً لهم.
وأن يكونَ مصدراً كالقَبول، وفَعول في المصادر نادر، ولم يأتِ في كتب التصريفِ
منه إلَّا خمسةُ أَحرف: الوضوء، والطّهور، والَولوع، والوَقود، والقَبول، كما حُكي
عن سيبويه(١)، وزِيدَ عليه: الوَزوعُ بالزاي المعجَمة، والهَوِيُّ بفتح الهاء، بمعنى
السُّقوط، والرَّسول بمعنى الرِّسالة.
﴿وَمْ﴾ أي: في الآخرة ﴿عَذَابٌ﴾ آخَرُ غيرُ ما في الدنيا من عذاب الرَّجم
بالشُّهب ﴿وَاصِبُ ﴾﴾ أي: دائم، كما قال قتادةُ وعكرمةُ وابنُ عباس، وأَنشدوا
لأبي الأسود:
لا أشتري الحمدَ القليلَ بقاؤه يوماً بذمّ الدهرِ أجمعَ واصباً (٢)
وفسَّره بعضُهم بالشَّديد. قيل: والأوَّل حقيقةُ معناه، وهذا تفسیرٌ له بلازمه.
والآيةُ - على ما سمعتَ - كقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
[الملك: ٥]. وجوَّز أبو حيانَ(٣) أن يكونَ هذا العذابُ في الدنيا، وهو رجعُهم دائماً
وعدمُ بلوغِهم ما يقصدون من استراق السَّمع.
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استثناءٌ متصلٌ من واو ((يسمعون)) و ((من)) بدلُ منه، على
ما ذكره الزمخشريُ(٤) ومتابعوه.
وقال ابنُ مالك: إذا فُصل بين المستثنَى والمستثنَى منه، فالمختارُ النصب؛ لأنَّ
الإِبدالَ للتشاكل، وقد فات بالتراخي(٥). وذكره في ((البحر))(٦) هنا وجهاً ثانياً.
وقيل: هو منقطع، على أنَّ ((من)) شرطيةٌ جوابُها الجملةُ المقرونةُ بالفاء بعد.
وليس بذاك.
(١) انظر الكتاب ٤/ ٤٢.
(٢) البيت في ديوانه ص ٥٧، وسلف ١٤/ ١٥٧.
(٣) في البحر ٧/ ٣٥٣.
(٤) في الكشاف ٣٣٦/٣.
(٥) انظر التسهيل ص ١٠١- ١٠٢ .
(٦) ٣٥٣/٧.

سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
٢٠
الآية : ١٠
والخطف: الاختلاسُ والأخذُ بخفّة وسرعةٍ على غفلة المأخوذِ منه. والمرادُ
اختلاسُ كلامِ الملائكةِ مسارقةً، كما يُعرب عنه تعريفُ الخطفةِ بلام العهد؛ لأنَّ
المرادَ بها أمرٌ معيَّن معهود، فهي نصبٌ على المصدرية. وجوِّز أن تكونَ مفعولاً به
على إِرادة الكلمة.
وقرأ الحسنُ وقتادة: ((خِطِّفَ)) بكسر الخاءِ والطاءِ مشدّدةٌ (١). قال أبو حاتم:
ويقال: هي لغةُ بكرٍ بن وائلٍ وتميمٍ بن مُرّ، والأصل: اختطف، فسكِّنت التاءُ
للإدغام وقبلها خاءٌ ساكنة، فالتقى ساكنان، فحرِّكت الخاءُ بالكسر على الأصل،
وكُسرت الطاءُ للإِتباع، وحُذفت ألفُ الوصلِ للاستغناءِ عنها .
وقُرئ: ((خَطّف)» بفتح الخاءِ وكسرِ الطاءِ مشدّدةً، ونسبها ابنُ خالويه إلى
الحسن وقتادةَ وعيسى(٢). واستُشكلت بأنَّ فتحَ الخاءِ سديدٌ؛ لإِلقاء حركةِ التّاءِ
عليها، وأمَّا كسرُ الطاء، فلا وجهَ له. وقيل في توجيهها: إنَّهم نقلوا حركةَ الطاءِ
إلى الخاءِ وحُذفت ألفُ الوصل، ثم قلبوا التاءَ وأَدغموا، وحرَّكوا الطاءَ بالكسر
على أصل التقاء الساكنين. وهو كما ترى.
وعن ابن عباس: ((خِطِف)) بكسر الخاءِ والطاءِ مخفَّفةً، أَتبع - على ما في
((البحر))(٣) - حركةَ الخاءِ لحركة الطاءِ، كما قالوا: نِعِم.
﴿فَهُ﴾ أي: تَبِعه ولحقه، على أنَّ أَتبعَ من الإفعال بمعنى تَبِعَ الثلاثي،
فيتعدَّى لواحد ﴿شِهَابٌ﴾ هو في الأصل: الشعلةُ الساطعةُ من النار الموقَدة،
والمرادُ به العارضُ المعروفُ في الجوّ، الذي يُرى كأنه كوكبٌ منقضٍّ من السماء
مضيءٌ، كما قال الحسنُ وقتادة، كأنَّه تَقَبَ الجوَّ بضوئه.
ثَاقِبٌ
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن زيدٍ: الثاقب: المتوقّد. وهو قريبٌ ممَّا تقدَّم.
وأخرج عن السُّدِّي: الثاقب: المحرِق.
(١) البحر المحيط ٣٥٣/٧.
(٢) البحر ٣٥٣/٧، وانظر القراءات الشاذة ص ١٢٧.
(٣) ٣٥٣/٧.