Indexed OCR Text
Pages 361-380
الآية : ٤٢ ٣٦١ سفائن بَرِّ والسرابُ بحارُها(١) ورُوي ذلك عن الحسن وعبد الله بنِ شدَّاد. وفسّره مجاهدٌ بالأنعام، الإبلِ وغيرِها. وعن أبي مالكِ وأبي صالحٍ وغيرِهما - وهي روايةٌ عن ابن عباس أيضاً - أنَّ المرادَ بالفُلك سفينةُ نوح عليه السلام، على أنَّ التعريفَ للعهد، فـ ((ما)) عبارةٌ عما سمعتَ أيضاً عن بعض، وعند آخَرين هي السفنُ والزوارقُ التي كانت بعد تلك السفينة . واستُشكل حملُ ذريَّتهم في سفينة نوح عليه السلام. وأُجيب بأنَّ ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريَّتُهم، وتخصيصُ الذريةِ مع أنَّهم محمولون بالتبع؛ لأنَّه أبلغُ في الامتنان حيث تضمَّن بقاءَ عقبِهم، وأَدخلُ في التعُجُّب ظاهراً، حيث تضمَّن حملَ ما لا يكاد يُحصى كثرةً في سفينةٍ واحدةٍ مع الإيجاز؛ لأنَّه كان الظاهرُ أن يقال: حملناهم ومَن معهم ليبقى نسلُهم، فذِكرُ الذرِّية يدلُّ على بقاءِ النسل، وهو يستلزم سلامةَ أصولِهم، فدلَّ بلفظ قليلٍ على معنی کثیر. وقال الإِمام(٢): يحتمل عندي أنَّ التخصيصَ لأنَّ الموجودين كانوا كفَّاراً لا فائدةَ في وجودهم، أي: لم يكن الحملُ حملاً لهم، وإِنمَّا كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: الكلامُ على حذفِ مضاف، أي: حملنا ذرياتٍ جنسِهم. وهو كما ترى. وقيل: ضميرُ ((لهم)) لأهل مكَّة، وضميرُ ((ذريتهم)) القرون الماضيةِ الذين هم منهم، وحُكي ذلك عن عليٍّ بن سليمان، وليس بشيءٍ. (١) حاشية الشهاب ٧/ ٢٤٤. (٢) في التفسير الكبير ٧٩/٢٦. سَُلاَ يَسْنَ ٣٦٢ الآية : ٤٢ وجوَّز الإِمام كونَ الضميرَين للعباد في قوله تعالى: (يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) ولا يكون المرادُ في كلِّ أشخاصاً معيَّنين، بل ذلك على نحو: هؤلاء القومُ هم قتلوا أنفسَهم، على معنى: قتل بعضهم بعضاً، فالمعنى: آيةٌ لكلِّ بعضٍ منهم أنَّا حملنا ذريةَ كلِّ بعضٍ منهم، أو: ذرِّيةَ بعضٍ منهم. وفيه من البُعد ما فيه. ورجّح تفسيرُ ((ما)) بالإِبل ونحوِها من الأنعام دون السُّفنِ بأنَّ المتبادرَ من الخلق الإِنشاءُ والاختراع، فيبعد أن يتعلَّقَ بما هو مصنوعُ العباد. وتُعقِّب بأنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ لله تعالى عند أهلِ الحقّ، وتبادُرُ الإِنشاءِ ممنوع، وعليه يكون في الآية ردّ على المعتزلة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] على تقدیر کونِ ((ما)) موصولة. و ((من)) تحتمل أن تكونَ للبيان، وأن تكونَ للتبعيض. وجوِّز زيادتُها على نظر الأخفشِ ورأيه. والظاهرُ أنَّ ضميرَ ((لهم)) الثانيَ عائدٌ على ما عاد عليه ضميرُ الأوَّل، وجوِّز عودُه على الذرِّية، وجوِّز أيضاً عودُ ضميرٍ ((مثله)) على معلومٍ غيرِ مذكور، تقديرُه: مِن مثل ما ذكرنا من الملخوقاتِ في قوله سبحانه: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [يس: ٣٦] وهو أَبعدُ من العَيُّوق(١). وأيّاً ما كان، فلا يخفَى مناسبةُ هذه الآيةِ لقوله تعالى: (وَكُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَعُونَ) وإنَّما لم يؤتَ بها على أُسلوب أَخواتها بأن يقال: وآيةٌ لهم الفلكُ حملنا ذريَّتَهم فيه، كما قال سبحانه: (وَءَايَّةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَنْتَةُ أَحَْيْتَهَا)، (وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) لأنَّه ليس الفلكُ نفسُه عجباً، وإنَّما حملُهم فيه هو العجب. وقرأ نافعٌ، وابنُ عامر، والأَعمش، وزيدُ بن عليّ، وأبانُ بن عثمان: ((ذُرِّيَّاتِهِم) بالجمع، وكَسَرَ زيدٌ وأبانُ الذالَ(٢). (١) نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن. القاموس (عوق). (٢) البحر ٣٣٨/٧، وقراءة نافع وابن عامر في التيسير ص ١٨٤، والنشر ٢٧٣/٢، وقراءة أبان في القراءات الشاذة ص ١٢٥ . الآية : ٤٣ ٣٦٣ ﴿وَإِن نَّشَأْ﴾ إِغِراقَهم ﴿نُغْرِفْهُمْ﴾ في الماءِ مع ما حملناهم فيه من الفُلكِ وما يركبون من السُّفن والزَّوارق. فالكلامُ من تمام ما تقدَّم، فإنْ كان المرادُ بما هناك السفنَ والزوارق، فالأمرُ ظاهر، وإنْ كان المرادُ بها الإبلَ ونحوَها، كان الكلامُ من تمام صدرِ الآية، أي: نُغرقهم مع ما حملناهم فيه من الفُلك، وكان حديثُ خلقِ الإبل ونحوِها في البين استطراداً للتماثل، ولِمَا في ذلك من نوعٍ بُعدٍ قيل: إنَّ قولَه سبحانه: (وَإِن نَّشَأ) إلخ يرجّح حملَ ((الفلك)) على الجنس، و((ما)) على السفن والزوارقِ الموجودةِ بين بني آدمَ إلى يومِ القيامة. وفي تعليق الإِغراق بمحض المشيئةِ إشعارٌ بأنَّه قد تكامل ما يستدعي إهلاكهم من معاصيهم، ولم يبقَ إلَّا تعلُّق مشيئتِه تعالى به. وقيل: إنَّ في ذلك إشارةً إلى الردِّ على مَن يتوهّم أنَّ حملَ الفلكِ الذريةَ من غير أن يغرقَ أمرٌ تقتضيه الطبيعة، ويستدعيه امتناعُ الخلاء. وقرأ الحسن: (نُغرِّقهم)) بالتشديد(١). ﴿فَلَ صَرِيخَ لَمُمْ﴾ أي: فلا مغيثَ لهم يحفظُهم من الغرق. وتفسيرُ الصريخِ بالمغيث مرويٌّ عن مجاهدٍ وقتادة، ويكون بمعنى الصَّارخ، وهو المستغيثُ، ولا يراد هنا، ويكونُ مصدراً كالصُّراخ، ويتجوَّز به عن الإِغاثة؛ لأنَّ المستغيثَ ينادي مَن يستغيث به، فيصرخ له ويقول: جاءك العونُ والنصر، قال المبرِّد في أوَّل (الكامل)): قال سلامةُ بن جَندَل: كنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فَزِعٌ كان الصُّراغُ له فزْعَ المطانيبِ(٢) يقول: إذا أتانا مستغيثٌ كانت إغاثتُه الجدّ في نُصرته. وجوِّز إِرادتُه هنا، أي: فلا إغاثةَ لهم. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والبحر ٣٣٩/٧. (٢) الكامل ٣/١، والديوان ص ١٢٥ وفيهما: قرع الظنابيب. وجاء في هامش الأصل عند كلمة المطانيب: لعله جمع مطناب: الجيش العظيم. اهـ منه. قال المبرد: يقال: قرع لذلك الأمر ظنبوبه: إذا جدَّ فيه ولم يفتر، والظنبوب: مقدم عظم الساق. سُوَةٌ كَسَن ٣٦٤ الآية : ٤٤ ﴿وَلَا هُمْ يُقَذُونَ ﴾﴾ أي: ينجون من الموت به بعدَ وقوعِه ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَعًا﴾ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ العللِ الشاملةِ للباعث المتقدِّم والغايةِ المتأخّرة، أي: لا يغاثون ولا يُنقذون لشيءٍ من الأشياء، إلَّا لرحمة عظيمةٍ من قِبَلنا داعيةٍ إلى الإِغاثة والإِنقاذ، وتمتيع بالحياة مترتِّبٍ عليهما. ويجوز أن يرادَ بالرحمة ما يقارن التمتيعَ بالحياة الدُّنيوية، فيكون كلاهما غايةً للإِغاثة والإِنقاذ، أي: لنوع من الرَّحمة وتمتيع، وإلى كونه استثناءً مفرَّغاً ممَّا يكون مفعولاً لأجله ذهب الزجَّاجُ(١) والكسائي. والاستثناءُ على ما يقتضيه الظاهرُ متصل. وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ، على معنى: ولكن رحمةٌ منَّا ومتاعٌ يكونان سبباً لنجاتهم. وليس بذاك. وجوِّز أن يكونَ النصبُ بتقدير الباء، أي: إلَّا برحمةٍ ومتاع، والجارُّ متعلِّق بـ : ((يُنقَذُون))، ولمّا حُذف انتصب مجرورُه بنزع الخافض. وقيل: هو على المصدرية لفعلٍ محذوف، أي: إلّا أن نرحمَهم رحمةً ونمتِّعَهم تمتيعاً. ولا يخفَى حالُه، وكذا حالُ ما قبلَه. ﴿إِلَى حِينٍ ﴾﴾ أي: إلى زمانٍ قدِّر فيه - حسبما تقتضيه الحِكمة - آجالُهم، ومن هنا أخذ أبو الطيِّب قولَه: ولم أَسلَمْ لكي أبقَى ولكن سَلِمتُ من الحِمَامِ إلى الحِمَامِ (٢) والظاهرُ أنَّ المحدَّث عنه مَن يشاء اللهُ تعالى إغراقَهم. وقال ابنُ عطية (٣): إنَّ (فلا صريخ لهم)) إلخ استئنافُ إِخبار عن المسافرين في البحر، ناجين كانوا أو مُغْرَقين، أي: لا نجاةً لهم إلَّا برحمة اللهِ تعالى، وليس مربوطاً بالمغرَقين، وقد يصحُّ ربطُه به، والأوَّل أحسن، فتأمَّله. اهـ. وقد تأمَّلناه فوجدناه لا حُسنَ فيه، فضلاً عن أن يكونَ أحسن. والفاءُ ظاهرةٌ في تعلَّق ما بعدَها بما قبلها. (١) في معاني القرآن ٢٨٩/٤. (٢) الديوان ٢٧٩/٤. وصدره فيه: وإن أسلم فما أبقى ولكن. (٣) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٥ . الآية : ٤٥ - ٤٦ ٣٦٥ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ إلخ بيانٌ لإِعراضهم عن الآياتِ التنزيلية، بعد بيانِ إِعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها وعدم تأمُّلهم فيها، أي: إذا قيل لأَهل مكةَ بطريق الإِنذار بما نزل من الآياتِ أو بغيره: ﴿أَنَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ قال قتادةُ ومقاتل: أي: عذابَ الأممِ التي قبلكم. والمرادُ: اتقوا مثلَ عذابِهِم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: عذابَ الآخرة. وقال مجاهدٌ - في رواية - عكسَ ذلك. وجاء عنه في روايةٍ أخرى: ((ما بين أيديهم)): ما تقدَّم من ذنوبهم، و((ما خلفَهم): ما يأتي منها. وعن الحسن مِثلُه. وقيل: ((ما بين أيديهم)): نوازلُ السماء، و((ما خلفهم)) نوائبُ الأرض. وقيل: ((ما بين أيديهم)): المكارهُ من حيث يحتسبون، و((ما خلفهم)): المكارهُ من حيث لا يحتسبون. وحاصلُ الأمرِ على ما قيل: اتَّقوا العذاب، أو: اتَّقوا ما يترتَّب العذابُ عليه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ ﴾﴾ حالٌ من واو (اثَّقوا))، أو غايةٌ له، أي: راجين أن تُرحَموا، أو: كي تُرحموا. وفسِّرت الرحمةُ بالإِنجاءِ من العذاب. وجواب ((إذا)) محذوف، ثقةً بانفهامه من قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُوْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾﴾ إِنفهاماً بيِّناً، أمَّا إذا كان الإنذارُ بالآية الكريمة، فبعبارة النصّ، وأمَّا إذا كان بغيرها، فبدَلالته؛ لأنَّهم حين أعرضوا عن آيات ربِّهم، فلَأَن يُعرضوا عن غيرها بطريق الأَولى، كأنه قيل: وإذا قيل لهم: اتَّقوا العذابَ، أو: اتَّقوا ما يوجبه، أَعرضوا؛ لأنَّهم اعتادوه وتمرَّنوا عليه. و((ما)) نافية، وصيغةُ المضارعِ للدَّلالة على الاستمرار التجدُّدي، و((مِن)) الأُولى مزيدةٌ لتأكيد العموم، والثانيةُ تَّبعيضيةٌ متعلِّقة بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((آية)). وإضافةُ الآياتِ إلى اسم الربِّ المضافِ إلى ضميرهم لتفخيم شأنِها، المستتبعِ لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقِّها. والمرادُ بها إمّا هذه الآياتُ الناطقةُ بما فصّل من بدائع صنعِ اللهِ تعالى وسوابغٍ آلائه تعالى، الموجبةِ للإقبال عليها والإِيمان، وإيتاؤها نزولُ الوحي بها، أي: ما نزل الوحيُّ بآيةٍ من الآيات الناطقةِ بذلك إلَّا كانوا عنها مُعرِضين على وجه التكذيبِ والاستهزاء. ٣٦٦ الآية : ٤٧ وإمَّا ما يعمُّها والآياتِ التكوينيةَ الشاملةَ للمعجزات وتعاجيبِ المصنوعات، التي من جُملتها الآياتُ الثلاثُ المعدودةُ آنفاً، وإيتاؤها ظهورُها لهم، أي: ما ظهرت لهم آيةٌ من الآيات التي من جُملتها ما ذُكر من شؤونه تعالى الشاهدةِ بوحدانيته سبحانه، وتفرُّدِه تعالى بالألوهية ((إلَّا كانوا عنها معرضين)) تاركين للنَّظر الصحيحِ فيها المؤذِّي إلى الإِيمان به عزَّ وجلَّ. وفي الكلام إشارةٌ إلى استمرارهم على الإِعراض حسَبَ استمرارٍ إتيانِ الآيات. و((عن)) متعلّقة بـ ((معرضين))، قدِّمت عليه للحصر الادِّعائي، مبالغةً في تقبيح حالهم. وقيل: للحصر الإِضافي، أي: معرضين عنها، لا عمَّا هم عليه من الكفر. وقيل: لرعاية الفواصل. والجملةُ في حيِّز النصبِ على أنَّها حالٌ من مفعول ((تأتي))، أو من فاعله المتخصِّصٍ بالوصف؛ لاشتمالها على ضمير كلٍّ منهما. والاستثناءُ مفرَّغ من أعمِّ الأحوال، أي: ما تأتيهم آيةٌ من آيات ربِّهم في حالٍ من أحوالهم إلَّا حالَ إِعراضهم عنها، أو: ما تأتيهم آيةٌ منها في حالٍ من أحوالها إلَّا حالَ إعراضِهم عنها. وجملة ((وما تأتيهم)) إلخ - على ما يُشعر به كلامُ ((الكشّاف)) (١) - تذييلٌ يؤكّد ما سبق من حديث الإِعراض، وإلى كونه تذييلاً ذهب الخفاجيّ(٢)، ثم قال: فتكون معترضة، أو حالاً مسوقةً لتأكيد ما قبلها؛ لشمولها لما تضمَّنه مع زيادة إفادةِ التعليلِ الدالِّ على الجواب المقدَّر المعلَّل به، فليس من حقّها الفصلُ؛ لأنَّها مستأنفةٌ كما توهِّم، فتأمَّل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَّكُمُ الَهُ﴾ أي: أعطاكم سبحانه بطريق التفضُّل والإِنعام من أنواع الأَموال. وعبَّر بذلك تحقيقاً للحقِّ وترغيباً في الإنفاق، على منهاج قولِه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ [القصص: ٧٧] وتنبيهاً على عِظَم جنايتهم في ترك الامتثالِ بالأمر، وكذلك الإِتيانُ بـ ((من)) التبعيضية. (١) ٣٢٥/٣. (٢) في حاشيته ٧/ ٢٤٥. الآية : ٤٧ ٣٦٧ والكلامُ - على ما قيل - لذمِّهم على ترك الشفقةِ على خلق اللهِ تعالى إثرَ ذمِّهم على ترك تعظيمِه عزَّ وجلَّ بترك التقوى، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّهم أخلّوا بجميع التكاليف؛ لأنَّها كلَّها ترجع إلى أمرين: التعظيم لله تعالى، والشفقة على خلقه سبحانه. وقيل: هو للإِشارة إلى عدم مبالاتهم بنصح الناصحِ وإِرشاده إِيَّاهم إلى ما يدفع البلاءَ عنهم، نظير قولِه تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُواْ) إلخ. والمعنى عليه: إذا قيل لهم بطريق النصيحةِ والإرشاد إلى ما فيه نفعُهم: أَنفقوا بعضَ ما آتاكم اللهُ من فضلِه على المحتاجين، فإنَّ ذلك ممَّا يردُّ البلاءَ ويدفع المكاره، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَْعَمَهُ:﴾ والأوَّلُ أظهر. والظاهرُ أنَّ ((الذين كفروا)) هم الذين قيل لهم: أنفقوا، وعدل عن ضميرهم إلى الظّاهر إيماءً إلى علَّة القولِ المذكور. وفي كون القولِ للذين آمنوا إيماءٌ إلى أنَّهم القائلون، قيل: لمَّا أسلم حواشي الكفارِ من أقربائهم ومواليهم من المستضعفين، قطعوا عنهم ما كانوا يواسونهم به، وكان ذلك بمَّةً قبل نزول آياتِ القتال، فندبهم المؤمنون إلی صِلة حواشیھم، فقالوا: ((أنطعم .. )) إلخ. وقيل: شخَّت قريشٌ بسبب أزمةٍ على المساكين من مؤمنٍ وغيرِهِ، فندبهم النبيُّ وَّه إلى النفقةِ عليهم، فقالوا هذا القول. وقيل: قال فقراءُ المؤمنين: أَعطونا ما زعمتم من أموالِكم أنَّها لله تعالى. فحَرَموا وقالوا ذلك. ورُوي هذا عن مقاتل. وقال ابنُ عباس: كان بمكةَ زنادقةٌ إذا أُمروا بالصَّدقة قالوا: لا والله، أَيُفقره اللهُ تعالى ونُطعمه نحن؟ وكانوا يسمعون المؤمنين يعلِّقون الأفعالَ بمشيئة الله تعالى، يقولون: لو شاء الله تعالى لأَغنى فلاناً، ولو شاء لأعزَّه، ولو شاء سبحانه لَكان كذا، فأَخرجوا هذا الجوابَ مُخرجَ الاستهزاءِ بالمؤمنين وبما كانوا يقولون. وقال القشيريُّ أيضاً: إنَّ الآيةَ نزلت في قومٍ من الزَّنادقة لا يؤمنون بالصَّانع، وأنكروا وجودَه، فقولُهم: ((لو يشاءُ الله))، من باب الاستهزاءِ بالمسلمين. وجوِّز أن سٌ لايسن ٣٦٨ الآية : ٤٨ يكونَ مبنيّاً على اعتقاد المخاطَبين، ويُفهم من هذا أنَّ الزِّنديقَ مَن ينكر الصانع. وقد حقَّق الأمرَ فيه على الوجه الأكملِ ابنُ الكمالِ في رسالةٍ مستقلّة، فارجع إليها إن أردتَ ذلك. وعن الحسن وأبي خالدٍ أنَّ الآيةَ نزلت في اليهود، أُمروا بالإِنفاق على الفقراءِ فقالوا ذلك. وظاهرُ ما تقدَّم يقتضي أنَّها في كفَّار مَّة، أُمروا بالإِنفاق ممَّا رزقهم اللهُ تعالى، وهو عامٌّ في الإِطعام وغيرِه، فأجابوا بنفي الإطعام الذي لم يزالوا يفتخرون به، دلالةً على نفي غيرِه بالطريق الأَولى؛ ولذا لم يقل: أَنْتَفق. وقيل: لم يقل ذلك؛ لأنَّ الإِطعام هو المرادُ من الإِنفاق، أو لأنَّ ((نطعم)) بمعنى نُعطي. وليس بذاك. و((أَطْعَمَه)» جوابُ (لو)» وورودُ الموجَب جواباً بغير لام فصيحٌ، ومنه: ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أَجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] نعم الأكثرُ مجیتُه باللام. والظاهرُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ (﴾﴾ من تتمَّة قولِ الذين كفروا للذين آمنوا، أي: ما أنتم إلَّا في ضلالٍ ظاهرٍ حيث طلبتم منَّا ما يخالف مشيئةَ اللهِ عزَّ وجلَّ. ولَعمري إنَّ الإناءَ ينضح بما فيه، فإنَّ جوابَهم يدلُّ على غاية ضلالِهم وفَرطِ جهلهم، حيث لم يعلموا أنَّه تعالى يُطعم بأسباب، منها حثُّ الأغنياءِ علی إِطعام الفقراءِ وتوفیقُهم سبحانه له. ويجوز أن يكونَ جواباً من جهته تعالى، زَجَر به الكفرةَ وجهلَهم به، أو حكايةً لجواب المؤمنين لهم، فيكون على الوجهين استئنافاً بيانياً، جواباً لِمَا عسى أن يقال: ما قال الله تعالى؟ أو: ما قال المؤمنون في جوابهم؟ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عطفٌ على الشرطية السابقة، مفيدٌ لإِنكارهم البعثَ الذي هو مبدأُ كلِّ قبيح، والنبيُّ وَ﴿ لم يزل يَعِدهم بذلك، وممَّا يستحضر في الآية : ٤٩ ٣٦٩ أذهانهم ما تقدَّم من الأوامر؛ فلذا أَتَوا بالإِشارة إلى القريب في قولهم: ﴿مَنَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون وعدَ البعث. وجوِّز أن يكونَ ذلك من باب الاستهزاءِ، وأرادوا: متى يكونُ ذلك ويتحقَّق في · فيما تقولون وتَعِدون، فَأَخِرونا بذلك. (٤٨) الخارج ﴿إِن كُنتُمْ مَدِقِينَ والخطابُ لرسول اللهِ وَّهِ والمؤمنين؛ لِمَا أنَّهم أيضاً كانوا يتلون عليهم الآياتِ الدالَّةَ عليه والآمرةَ بالإِيمان به، وكأنَّه لم يعتبر كونه شرّاً لهم؛ ولذا عبّروا بالوعد دونَ الوعيد. وقيل: إنَّ ذاك لأنَّهم زعموا أنَّ لهم الحسنى عند اللهِ تعالى إن تحقَّق البعث، بناءً على أنَّ الآيةَ في غير المعطّلة. ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ جوابٌ من جهته تعالى، أي: ما ينتظرون ﴿إِلَّاّ صَيْحَةٌ﴾ عظيمةٌ ﴿وَجِدَةً﴾ وهي النفخةُ الأولى في الصُّور التي يموت بها أهلُ الأرض. وعبّر بالانتظار نظراً إلى ظاهر قولهم: ((متى هذا الوعد» أو لأنَّ الصيحة لمّا كانت لا بدَّ من وقوعها، جُعلوا كأنَّهم منتظروها . ◌ِتَأْخُذُهُمْ﴾ تَقهرُهم وتستولي عليهم، فيهلكون ﴿وَهُمْ يَخْصِمُونَ ﴾﴾ أي: يتخاصمون ويتنازعونَ في معاملاتهم ومتاجرِهم، لا يخطر ببالهم شيءٌ من مخايلها، كقوله تعالى: ﴿أَوَ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(١) [يوسف: ١٠٧] فلا يغترُّوا بعدم ظهورٍ علائمها حسبما يريدون، ولا يزعمون أنَّها لا تأتي. وأخرج ابن جَريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عمرَ(٢) قال: لَيُنفخنَّ في الصُّور والناسُ في طُرُقهم وأسواقِهم ومجالِسهم، حتى إنَّ الثوبَ ليكونُ بين الرَّجلين يتساومان، فما يرسله أحدُهما من يده حتى ينفخَ في الصُّور، فيصعق به، وهي التي قال الله تعالى: (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً) إلخ. وأَخرج الشيخانِ(٣) وغيرُهما عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((لَتقومنَّ (١) في الأصل و(م): فأخذتهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون. ولا توجد آية بهذا اللفظ. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ابن عمرو، كما في تفسير ابن جرير ٤٥١/١٩. (٣) صحيح البخاري (٦٥٠٦)، وصحيح مسلم (٢٩٥٤) بنحوه. سٌ لاَ يَسْ ٣٧٠ الآية : ٥٠ الساعةُ وقد نشر الرجلان ثوبَهما بينهما، فلا يتبايعانهِ ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعةُ والرجلُ يَليط حوضَه، فلا يَسْقي منه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد انصرف الرجلُ بلبن نعجتِهِ، فلا يَطْعَمُه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد رفع أَكْلَتَه إلى فمه، فلا يَطْعَمُها)). وأصلُ ((يَخِصِّمون)): يختصمون، وبه قرأ أُبيّ (١)، فسكِّنت التاءُ وأُدغمت في الصاد بعد قلبِها صاداً، ثم كُسرت الخاءُ لالتقاء الساكنَين، وجوِّز أن يكونَ الكسرُ الإِتباع حركةِ الصادِ الثانية، والساكنُ لا يضرُّ حاجزاً. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عَمرٍو والأعرجُ وشبلُ وابنُ قسطنطين(٢) بإِدغام التاءِ في الصاد ونقلٍ حركتِها - وهي الفتحة - إلى الخاء. وأبو عَمرٍو - أيضاً - وقالون - بخُلف - باختلاس حركةِ الخاءِ وتشديدِ الصاد. وعنهما إِسكانُ الخاءِ وتخفيفُ الصاد، من: خَصَمه: إذا جادله، والمفعولُ - عليها - محذوف، أي: يَخصم بعضُهم بعضاً، وقيل: يخصمون مجادلتهم عن أنفسهم. وبعضُهم يكسر ياءَ المضارعةِ إتباعاً لكسرة الخاءِ وشدِّ الصاد(٣). وكسرُ ياءِ المضارعةِ لغةٌ حكاها سيبويه عن الخليلِ في مواضع (٤). وعن نافعٍ أنَّه قرأ بفتح الياءِ وسكونِ الخاءِ وتشديدِ الصَّاد المكسورة(٥)، وفيها الجمعُ بين الساكنَين على حدِّه المعروف، وكأنَّه يجوز الجمع بينهما إذا كان الثاني مدغماً، كان الأوَّلُ حرفَ مدِّ أيضاً أم لا. وهذا ما اخترناه في نقل القراءاتِ تبعاً لبعض الأجِلَّة، والرواةُ في ذلك مختلفون. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ﴾ في شيءٍ من أمورهم إذا كانوا فيما بين أهليهم. ونصب (توصية)) على أنَّه مفعولٌ به لـ ((يستطيعون))، وجوِّز أن يكونَ مفعولاً مطلقاً لمقدَّر. (١) البحر ٣٤٠/٧. (٢) هو الإمام أبو إسحاق إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين المخزومي المكي، شيخ القراء بمكة في زمانه، وآخر من قرأ على ابن كثير وفاة. مات سنة (١٧٠، أو ١٩٠هـ). معرفة القراء الكبار ٢٩٠/١. (٣) البحر ٣٤٠/٧-٣٤١. وانظر التيسير ص ١٨٤، والنشر ٣٥٤/٢. (٤) انظر الكتاب ١١٠/٤- ١١٣. (٥) التيسير ص١٨٤، والنشر ٣٥٤/٢. الآية : ٥١ - ٥٢ ٣٧١ ﴿وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ بَرْجِعُونَ ﴾﴾ إذا كانوا في خارج أبوابِهم، بل تَبغتهم الصيحةُ فيموتون حيثما كانوا، ويرجعون إلى الله عزَّ وجلَّ لا إلى غيرِه سبحانه. وقرأ ابنُ محيصن: ((يُرْجَعون)) بالبناءِ للمفعول(١)، والضمائرُ للقائلين: ((متى هذا الوعد» لا من حيث أعيانُهم، أعني أهلَ مَّة الذين كانوا وقتَ النزول، بل لمنكري البعثِ مطلقاً . ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ﴾ هي النفخةُ الثانية، بينها وبين الأُولى أربعون، أي: ينفخ فيه، وصيغةُ الماضي للدَّلالة على تحقُّق الوقوع. وقرأ الأَعرج: ((الصُّوَر)) بفتح الواو(٢)، وقد مرَّ الكلامُ في ذلك. ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَبْدَائِ﴾ أي: القبور، جمعُ: حدث، بفتحتين. وقُرىء بالفاء بدلَ الثاء(٣)، والمعنى واحد. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ مالكِ أمرِهم ﴿يَنْسِلُونَ ﴾﴾ يُسرعون بطريق الإِجبار؛ لقوله تعالى: ((لدينا محضرون)) قيل: وذِكرُ الربِّ للإشارة إلى إِسراعهم بعد الإِساءة إلى مَن أحسن إليهم حين اضطرُّوا إليه. ولا منافاةَ بين هذه الآيةِ وقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] لجواز اجتماع القيامِ والنظرِ والمشي، أو لتقارب زمانٍ القيامِ ناظرين، وزمانِ الإِسراع في المشي. وقرأ ابنُ أبي إسحاقَ وأبو عمرٍو - بخلافٍ عنه - بضمِّ السين (٤). ﴿قَالُوا﴾ أي: في ابتداء بعثهم من القبور ﴿يَوَيِّنًا﴾ أي: هلاكَنا، احضُر فهذا أَوانُك. وقيل: أي: يا قومَنا انظروا ويلَنا وتعجَّبوا منه، وعلى حذف المنادى قيل: (وَي)) كلمةُ تعجُّب، و((لنا)) بيان. ونُسب للكوفيين، وليس بشيءٍ. (١) البحر ٣٤١/٧. (٢) البحر ٣٤١/٧. (٣) البحر ٣٤١/٧. (٤) البحر ٣٤١/٧، ونسبها في القراءات الشاذة ص ١٢٥ لابن أبي إسحاق. ٣٧٢ الآية : ٥٢ وقرأ ابنُ أبي ليلى: ((يا وَيلتَنا)) بتاءِ التأنيث(١). وعنه أيضاً: ((يا وَيلتَى)) بتاءٍ بعدها ألفٌ بدلٌ من ياء الإِضافة(٢)، والمرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يقول: يا ويلتَى. ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّْ﴾ أي: رُقادِنا، على أنَّه مصدرٌ ميميّ، أو: محلِّ رقادِنا، على أنَّه اسمُ مكان، ويراد بالمفرَد الجمع، أي: مراقِدنا. وفيه تشبيهُ الموتِ بالرُّقاد من حيث عدمُ ظهورِ الفعل، والاستراحةُ من الأَفعال الاختيارية. ويجوز أن يكونَ المرقدُ على حقيقته، والقومُ لاختلاط عقولِهِم ظنُّوا أنَّهم كانوا نياماً، ولم يكن لهم إدراٌ لعذاب القبرِ لذلك، فاستفهموا عن مُوقِظهم. وقيل: سمَّوا ذلك مرقداً مع علمِهم بما كانوا يقاسون فيه من العذاب؛ لعِظَم ما شاهدوه، فكأنَّ ذلك مرقدٌ بالنّسبة إليه، فقد رُوي أنَّهم إذا عاينوا جهنَّمَ وما فيها من ألوان العذاب، يَرَون ما كانوا فيه مثلَ النومِ في جنبها، فيقولون ذلك. وأَخرج الفريابيّ، وعبد بن حُمَيد، وابن جَرِير، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم عن أُبَيِّ بن كعب أنَّه قال: ينامون قبل البعثِ نومة(٣). وأَخرج هؤلاء ما عدا ابنَ جَرِيرٍ عن مجاهدٍ قال: للكفَّار هجعةٌ يجدون فيها طعمَ النومِ قبل يومِ القيامة، فإذا صيحَ بأهل القبورِ يقولون: ((يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا))(٤). ورُوي عن ابن عباسٍ أنَّ اللهَ تعالى يرفع عنهم العذابَ بين النفختين، فيَرقدون، فإذا بُعثوا بالنفخة الثانيةِ وشاهدوا الأَهوال، قالوا ذلك. وفي ((البحر))(٥) أنَّ هذا غيرُ صحيح الإسناد، واختار أنَّ المرقدَ استعارةٌ عن مضجع الموت. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والبحر ٣٤١/٧. (٢) البحر ٣٤١/٧. (٣) الدر المنثور٥/ ٢٦٦، وهو في تفسير الطبري ٤٥٦/١٩. (٤) الدر المنثور ٢٦٦/٥. (٥) ٣٤١/٧. الآية : ٥٢ ٣٧٣ سُوَلاَ يَسْ} وقرأ أميرُ المؤمنين عليٍّ وابنُ عباسٍ والضخَّاك وأبو نَهِيك: ((مِن بَعْثِنا)) بـ ((مِن)) الجارَّة والمصدرِ المجرور (١)، وهو متعلِّق بويل، أو بمحذوفٍ وقع حالاً منه. ونحوه في الخبر: ويلي عليكَ وويلي منك يا رَجُلُ (٢) و((مِن)) الثانيةُ متعلّقة ببعث. وعن ابن مسعودٍ أنَّه قرأ: ((مَن أَهبَّنا)) بـ ((مَن)) الاستفهامية، وأَهبَّ بالهمز، مِن هبَّ من نومه: إذا انتبه، وأَهبيتُه أنا، أي: أنبهتُه. وعن أُبيِّ أنه قرأ: «هبّنا)» بلا همز. قال ابن جِنِّي (٣): وقراءةُ ابنِ مسعودٍ أَقْيَسُ، فهبَّني بمعنى: أَيقظني، لم أرَ لها أصلاً، ولا مرَّ بنا في اللغة مهبوبٌ بمعنى موقَظ (٤)، اللهم إلّا أن يكونَ حرفُ الجرِّ محذوفاً، أي: هبَّ بنا، أي: أَيقظنا، ثم حُذف وأُوصل الفعل، وليس المعنى على: مَن هبَّ فهبينا معه، وإنَّما معناه: من أَيقظنا . وقال البيضاوي(٥): ((هَّنا)) بدون الهمزِ بمعنى (أَهبَّا)) بالهمز. وقُرىء: ((مِن هَبِّنا)) بـ ((مِن)) الجارَّةِ والمصدرِ (٦)، من: هَبَّ يَهُبُّ. ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾﴾ عطفٌ على ما في حيِّز ((ما)). وعطفُه على الجملة الاسمية، أو جعلُه حالاً بتقدير قد أو بدونه، خلافُ الظاهر. و((ما)) موصولةٌ محذوفةُ العائد، أي: هذا الذي وعده الرحمنُ (١) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والمحتسب ٢١٣/٢، والبحر ٣٤١/٧، والكلام منه. (٢) قائله الأعشى الكبير وهو في ديوانه ص ١٠٧، وصدره: قالت هريرة لما جئت زائرها. (٣) في المحتسب ٢١٤/٢، والقراءتان فيه. (٤) بعدها في المحتسب: وهي - مع حسن الظن بأبي - مقبولة، وقد أثبتها أبو حاتم أيضاً، اللهم إلا .... (٥) في تفسيره ١٨٩/٤ . (٦) الكشاف ٣٢٦/٣. ٣٧٤ الآية : ٥٢ والذي صَدَقَه المرسَلون، أي: صَدَقَ فيه، من قولهم: صَدَقْتُ زيداً الحديثَ، أي: صَدَقْتُه فيه، ومنه قولُهم: صَدَقني سِنُّ بَكرِه(١). أو مصدرية، أي: هذا وعدُ الرحمنِ وصِدقُ المرسلين، على تسمية الموعودِ والمصدوقِ فيه بالوعد والصِّدق. وهو - على ما قيل - جوابٌ من جهته عزَّ وجلَّ، وعلى ما قال الفرَّاءُ(٢): من قِبَل الملائكة، وعلى ما قال قتادةُ ومجاهدٌ: من قِبَل المؤمنين. وكان الظاهرُ أن يجابوا بالفاعل؛ لأنَّه الذي سألوا عنه، بأن يقال: الرحمن، أو: اللهُ بعثكم، لكن عدل عنه إلى ما ذكر؛ تذكيراً لكفرهم، وتقريعاً لهم عليه، مع تضمُّنه الإِشارةَ إلى الفاعل. وذكر غيرُ واحدٍ أنَّه من الأُسلوب الحكيم، على أنَّ المعنى: لا تسألوا عن الباعث؛ فإنَّ هذا البعثَ ليس كبعثِ النائم، وإنَّ ذلك ليس ممَّا يُهمُّكم الآن، وإنَّما الذي يهمُّكم أن تسألوا: ما هذا البعثُ ذو الأهوالِ والأَفزاع؟ وفيه مِن تقریعهم ما فيه. وزعم الطيبيُّ أنَّ ذِكرَ الفاعلِ ليس بكافٍ في الجواب؛ لأنَّ قولهم: ((من بعثنا من مرقدنا)» حكايةٌ عن قولهم ذلك عند البعثِ بعد ما سبق من قولهم: ((متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)) فلا بدَّ في الجواب من قولٍ مضمَّن معنيين، فكان مقتضَى الظاهرِ أن يقال: بَعَثَكم الرحمنُ الذي وعدكم البعثَ وأنبأكم به الرُّسل، لكن عدل إلى ما يُشعر بتكذيبهم ليكونَ أَهْوَلَ، وفي التقريع أَدْخَلَ. وهو واردٌ على الأُسلوب الحكيم، وفي دعوى عدمٍ كفاية ذكر الفاعلِ في الجواب نظر. وفي إيثار اسم ((الرحمن))، قيل: إشارةٌ إلى زيادة التقريع، من حيث إنَّ الوعدَ بالبعث من آثار الرَّحمة، وهم لم يُلقوا له بالاً ولم يلتفتوا إليه، وكذَّبوا به ولم يستعدُّوا لِما يقتضيه. (١) يضرب مثلاً للرجل يكذب في الأمر يدل بعض أحواله على الصدق فيه. وأصله أن رجلاً ساوم رجلاً ببعير وسأل عن سنِّه، فأخبره أنه بَكر، فَفَرَّ عنه، فوجده هرماً، فقال: صَدَقني سِنُّ بَكْرِهِ، وكَذَبني هو. جمهرة الأمثال ١/ ٥٧٥ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ٣٨٠. الآية : ٥٣ ٣٧٥ سُوٌوَيَسْن وقيل: آثره المجيبون من المؤمنين لِمَا أنَّ الرحمةَ قد غمرتهم، فهي نصب أعينهم، واختصاصُ رحمةِ الرحمنِ بما يكون في الدنيا ورحمةِ الرحيمِ بما يكون في الأُخرى ممنوع؛ فقد ورد: ((يا رحمنَ الدنيا والآخرةِ ورحيمَهما))(١). وقال ابنُ زيد: هذا الجوابُ من قِبَل الكفار، على أنَّهم أَجابوا أنفسَهم حيث تذكَّروا ما سمعوه من المرسَلين عليهم السلام، أو أجاب بعضُهم بعضاً، وآثروا اسمَ الرحمنِ طمعاً في أن يرحمَهم، وهيهاتَ هيهات، ليس لكافرٍ نصيبٌ يومئذٍ من رحمته عزَّ وجلَّ. وجوَّز الزجَّاجُ(٢) كونَ ((هذا)) صفةً لـ ((مرقدنا))؛ لتأويله بمشتقّ، فيصحُّ الوقفُ عليه - وقد رُوي عن حفصٍ أنَّه وقف عليه وسكت سكتةً خفيفة(٣)، فحكايةُ إجماع القرَّاءِ على الوقف على ((مرقدنا)) غيرُ تامة - و ((ما)) مبتدأ محذوفُ الخبر، أي: حقٍّ، أو: مبتدأُ خبرُه محذوف (٤)، أي: هو، أو: هذا ما وعد. وفيه ـ كما قيل - من البديع صنعةُ التجاذب، وهو أن تكونَ كلمةٌ مُحتمِلةٌ أن تكونَ من السابق وأن تكونَ من اللاحق، ومثلُه - كما قال الشيخُ الأكبر قدِّس سرُّه في تفسيره المسمَّى بـ ((إيجاز البيانِ في الترجمة عن القرآن)»(٥)، ومن خطّه الشريفِ نقلت - (الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ) الآيةَ، بعد قولِه تعالى: ﴿وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِّ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] وقوله تعالى: ﴿فِهِ هُدَّى﴾ بعد ﴿لَا رَيْبٌ﴾ [البقرة: ٢] فَلْيُحفَظ. ﴿إِن كَانَتْ﴾ أي: ما كانت الفِعلةُ أو النفخةُ التي حُكيت آنفاً ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَهِدَةٌ﴾ حصلت من نفخ إِسرافيلَ عليه السلام في الصُّور. وقيل: هي قولُ (١) سلف ١/ ٢٣٣. (٢) في معاني القرآن ٢٩١/٤ . (٣) التيسير ص ١٤٢، والنشر ٢٤٣/١. (٤) كذا في الأصل و(م)، ولعله سهو، والصواب: خبر مبتدأ محذوف. انظر البحر ٣٤١/٧. (٥) في هامش الأصل: وهو على أسلوب أهل الظاهر من المفسرين. اهـ منه. سُوٌلَ ايَسْن ٣٧٦ الآية : ٥٤ إسرافيلَ(١) عليه السلام: أيتها العظامُ النَّخِرة، والأوصالُ المتقطعة، والشعورُ المتمزِّقة، إنَّ اللهَ يأمركنَّ أن تجتمعنَ لفصل القضاءِ. وقُرئ برفع ((صيحة))(٢)، ومرَّ توجيهُها. ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ﴾ مجموعٌ ﴿لَّدَيْنَا﴾ عندنا، وفي محلٌّ حكمِنا، وانقطاعِ التصرُّف الظاهريِّ من غيرنا ﴿مُحْضَرُونَ ﴾﴾ لفصل الحساب، من غير لبثٍ مّا طرفةَ عين، وفيه من تهوين أمرِ البعثِ والحشر، والإِيذانِ باستغنائهما عن الأسباب ما لا يخفَى. ﴿ فَلْيَوْمَ﴾ الحاضر، أو المعهود، وهو يومُ القيامةِ الدالُّ نفخُ الصورِ عليه. وانتصب على الّرف، والعاملُ فيه قولُه تعالى: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ من النفوس، برَّةً كانت أو فاجرةً ﴿شَيْئًا﴾ من الظّلم، فهو نصبٌ على المصدرية، أو شيئاً من الأَشياء، على أنَّه مفعولٌ به على الحذف والإِیصال. ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: إلَّا جزاءً ما كنتم تعملونه في الدُّنيا على الاستمرارِ من الكفر والمعاصي، فالكلامُ على حذف المضافِ وإقامةٍ المضاف إليه مُقامَه؛ للتنبيه على قوَّة التلازم والارتباطِ بينهما، كأنَّهما شيءٌ واحد، أو: إلَّا بما كنتم تعملونه، أي: بمقابلته، أو بسببه. وقيل: لا تُجزون إلَّا نفسَ ما كنتم تعملونه، بأن يظهرَ بصورة العذاب. وهذا حكايةٌ عمَّا يقال للكافرين حين يرون العذابَ المعدَّ لهم، تحقيقاً للحقِّ وتقريعاً لهم. واستظهر أبو حيَّانَ(٣) أنَّ الخطابَ يعمُّ المؤمنين، بأن يكونَ الكلامُ إخباراً من الله تعالى عمَّا لأهل المحشرِ على العموم، كما يُشير إليه تنكيرُ ((نفس)). واختاره السگاکي(٤). (١) في (م): إسرائيل. (٢) هي قراءة أبي جعفر كما في النشر ٣٥٣/٢. (٣) في البحر ٧/ ٣٤١. (٤) مفتاح العلوم ص ٢٥٩. الآية : ٥٥ ٣٧٧ سُوٌ لاَ يَسْنَ وقيل عليه: يأباه الحصر؛ لأنَّه تعالى يوفي المؤمنين أجورَهم ويَزِيدُهم من فضله أضعافاً مضاعفة. ورُدَّ بأنَّ المعنى أنَّ الصالحَ لا يُنقَص ثوابُه، والطالحَ لا يزاد عقابه؛ لأنَّ الحكمةَ تأبى ما هو على صورة الظّلم، أمَّا زيادةُ الثوابِ ونقصُ العقابِ فليس كذلك. أو المرادُ بقوله تعالى: (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): إنَّكم لا تُجزون إلَّا من جنس عملِكم، إنْ خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. ﴾ - على تقدير كونٍ وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَّوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ الخطاب السابق خاصّاً بالكفرة - من جُملة ما سيقال لهم يومَئذ، زيادةً لحسرتهم وندامِتهم، فإنَّ الإخبارَ بحسن حالِ أعدائهم إثرَ بيانِ سوءٍ حالهم ممَّا يَزِيدهم مساءةً على مساءة، وفي حكاية ذلك مزجرةٌ لهؤلاء الكفرةِ عمَّا هم عليه، ومدعاةٌ إلى الاقتداءِ بسيرة المؤمنين. وعلى تقدير كونِه عامّاً، ابتداءُ كلام وإخبارٌ لنا بما يكون في يوم القيامة، إذا صار كلٌّ إلى ما أعدَّ لهم من الثَّواب والعقاب. والشُّغُل: هو الشأنُ الذي يصدُّ المرءَ ويَشغله عمَّا سواه من شؤونه؛ لكونه أهمّ عنده من الكلّ، إمَّا لإِيجابه كمالَ المسرَّة، أو كمالَ المساءة، والمرادُ هاهنا هو الأوَّل، وتنكيرُه للتعظيم، كأنَّه شُغُلٌ لا يُدرَكِ كُنْهُه. والمرادُ به ما هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كلِّ ما يخطر بالبال. وعن ابن عباسٍ وابن مسعودٍ وقتادة: هو افتضاضُ الأَبكار. وهو المرويُّ عن جعفرٍ الصادق څه. وفي روايةٍ أُخرى عن ابن عباس: ضربُ الأَوتار. وقيل: السَّماع، ورُوي عن وكيع. وعن ابن كَيسان: التزاور. وقيل: ضيافةُ اللهِ تعالى، وهي يومَ الجمعةِ في الفردوس الأعلى عند كثيب المِسك، وهناك يتجلَّى سبحانه لهم، فيرونه جلَّ شأنُه جميعاً. وعن الحسن: نعيمُ شغلِهم عمَّا فيه أهلُ النارِ من العذاب. وعن الكلبيّ: شغلُهم عن أهاليهم من أهل النَّار، لا يذكرونهم لئلا يتنغَّصوا. ولعل التعميمَ أولى. وليس مرادُ أهلِ هذه الأقوالِ بذلك حصرَ شغلهم فيما ذكروه فقط، بل بيانَ أنَّه من جملة أَشغالهم، وتخصيصُ كلٌّ منهم كلَّ من تلك الأمورِ بالذِّكر محمولٌ على اقتضاء مقام البيان إيَّاه. وأُفرد الشغلُ باعتبار أنَّه نعيم، وهو واحدٌ بهذا الاعتبار. ٣٧٨ الآية : ٥٥ والجارُّ مع مجرورِه متعلِّق بمحذوفٍ وقع خبراً لـ ((إنَّ)، و((فاكهون)) خبرٌ ثانٍ لها، وجوِّز أن يكونَ هو الخبر، و((في شغل)» متعلّق به، أو حالٌ من ضميره. والمرادُ بـ ((فاكهون)) - على ما أَخرج ابن جَرِيرٍ(١) وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن عبّاس - فَرِحون. وأَخرجوا عن مجاهدٍ أنَّ المعنى: يتعجّون بما هم فيه(٢). وقال أبو زيد: الفاكه: الطيِّب النفسِ الضَّحوك، ولم يُسمع له فعلٌ من الثلاثيّ. وقال أبو مسلم: إنَّه مأخوذٌ من الفكاهة، بالضمِّ، وهي التحدُّث بما يَسُرُّ. وقيل: التمتّع والتلُّد. وقيل: ((فاكهون)) ذوو فاكهة، نحو: لابنٌّ وتامر. وظاهرُ صنيعِ أبي حيَّان اختیارُ.(٣). والتعبيرُ عن حالهم هذه بالجملة الاسميةِ قبل تحقُّقها؛ لتنزيل المترقَّبِ المتوقَّعِ منزلةَ الواقع؛ للإِيذان بغاية سرعةٍ تحقُّقها ووقوعِها، وفيه على تقدير خصوصٍ الخطابِ زيادةٌ لمساءة المخاطّين. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرٍو: ((شُغْل)) بضمِّ الشينِ وسكونِ الغين(٤)، وهي لغةٌ في شُغُل - بضمَّتين - للحجازيين كما قال الفرَّاء(٥). وقرأ مجاهدٌ وأبو السمَّال وابن هُبَيرة - فيما نقل عنه ابنُ خالويه - بفتحتين(٦). ويزيدُ النحويُّ وابن هُبيرةَ أيضاً - فيما نقل عنه أبو الفضلِ الرازيّ - بفتح الشينِ وإِسكان الغين. وهما لغتان أيضاً فيه. (١) في تفسيره ١٩/ ٤٦٣. (٢) تفسير الطبري ٤٦٣/١٩، وينظر الدر المنثور٢٦٦/٥. (٣) في البحر ٧/ ٣٤٢. (٤) التيسير ص ١٨٤، والنشر ٢١٦/٢. (٥) انظر معاني القرآن ٣٨٠/٢. (٦) القراءات الشاذة ص١٢٥، والبحر ٣٤٢/٧، والكلام منه، وتحرف هبيرة في المطبوع من كتاب ابن خالويه إلى: هريرة. الآية : ٥٦ ٣٧٩ وقرأ الحسن، وأبو جعفرٍ، وقتادة، وأبو حَيوَة، ومجاهد، وشَيبة، وأبو رجاءٍ، ویحیی بنُ صبيح، ونافعٌ في رواية: «فَكُِون))(١) جمع: فَكِه، كحَذِر وحَذِرون، وهو صفةٌ مشبَّهة تدلُّ على المبالغة والتُّبوت. وقرأ طلحةُ والأعمش: ((فاكِهين)) بالألف وبالياء نصباً على الحال(٢)، و((في شغل)) هو الخبر. وقُرئ: ((فَكِهين)) بغير ألفٍ وبالياء كذلك. وقُرئ: ((فَكُهون)) بفتح الفاءِ وضمِّ الكاف(٣). وفَعُل ـ بضمِّ العين - من أوزان الصفةِ المشبَّهة، كـ ((نَطُسٍ))، وهو الحاذقُ الدقيقُ النظرِ الصادقُ الفراسة. استئنافٌ مسوقٌ ٥٦ وقولُه تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَّبِكِ مُتَكِنُونَ لبيان كيفيةِ شُغلِهم وتفكُّههم، وتكميلها بما يزيدهم بهجةً وسروراً من شركة أَزواجهم، فـ ((هم) مبتدأ، و((أزواجهم)) عطفٌ عليه، و((متكئون)) خبر، والجارَّانِ صِلة له، قيل: قدِّما عليه لمراعاة الفواصل، أو هو والجاران بما تعلَّقا به من الاستقرار أخبارٌ مترتّبة. وجوِّز أن يكونَ الخبرُ هو الظرف الأوَّل، والظرفُ الثاني متعلِّق بـ ((متكئون))، وهو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم متَّكئون على الأَرائك، أو الظرفُ متعلِّق بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّم، و((متكئون)) مبتدأ مؤخّر، والجملةُ على الوجهين استئنافٌ بيانيّ. وقيل: ((هم) تأكيدٌ للمستكِنِّ في خبر ((إنَّ)، أَعني: ((فاكهون))، أو: ((في شُغُل)) - ومنعه بعضُهم زعماً منه أنَّ فيه الفصلَ بين المؤكِّد والمؤَّد بأجنبي - و((متكئون» خبرٌ آخَرُ لها، و((على الأرائك)) متعلِّق به، وكذا ((في ظلال)) أو هو متعلِّق بمحذوفٍ هو حالٌ من المعطوف والمعطوفِ عليه، ومَن جوَّز مجيءَ الحالِ من المبتدأ جوَّز هذا الاحتمالَ على تقدير أن يكونَ ((هم)) مبتدأً أيضاً. والظّلال جمعُ: ظِلّ، وجمعُ فِعلٍ على فِعال كثير، كشِعب وشِعاب، وذئب (١) النشر ٢/ ٣٥٤ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٣٤٢/٧. (٢) جاء في هامش الأصل: أي: من المستكن في الظرف. اهـ منه. (٣) ذكر هذه القراءات صاحب البحر ٣٤٢/٧. سُوَلاَيَسْ ٣٨٠ الآية : ٥٦ وذئاب. ويحتمل أن يكونَ جمعَ: ◌ُلَّة، بالضَّمِّ، كقُبَّة وقِباب، وبُرمة وبِرام، وأُيِّد بقراءة عبدِ الله والسُّلميِّ وطلحةً وحمزةَ والكِسائي: ((في ◌ُلَلٍ)) بضمٌّ ففتح (١)، فإنَّه جمعُ تُظُلَّةٍ لا ظِلّ، والأصلُ توافقُ القراءات. ومنذرُ بن سعيدٍ يقول: جمعُ: ظِلَّة، بالكسر، وهي لغةٌ في ظُلَّة بالضمّ، فيكون كلِقْحة ولقاح، وهو قليل. وفسَّر الإمامُ (٢) الظُّلَّ بالوقاية عن مظانِّ الألم، ولأهل الجنةِ من ظلِّ اللهِ تعالى ما يقيهم الأَسواء، والجمعُ باعتبار ما لكلِّ واحدٍ منهم من ذلك، أو هو متعدِّد للشخص الواحدِ باعتبار تعدُّدِ ما منه الوقاية. ويحتمل أنَّه جمع باعتبار كونِه عظيمَ الشأنِ جليلَ القدر، كجمع اليدِ بمعنى القدرة - على قولٍ - في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ بَيْتَهَا بِأَبْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧ وفسَّر أبو حيان(٣) الظلالَ - جمع: ظُلَّة - بالملابس ونحوِها من الأشياء التي تُظِلّ، كالسُّتور. وأقول: قال ابنُ الأثير (٤): الظُّلّ: الفيءُ الحاصلُ من الحاجز بينك وبين الشَّمس، أيَّ شيءٍ كان. وقيل: هو مخصوصٌ بما كان منه إلى زوال الشَّمس، وما كان بعده فهو الفيُ. وأنت تعلم أنَّ الظلَّ بالمعنى الذي تُعتبر فيه الشمسُ لا يتصوَّر في الجنة؛ إذ لا شمسَ فيها، ومن هنا قال الراغب(٥): الظلُّ ضدُّ الصِّحّ، وهو أعمُّ من الفيء؛ فإنَّه يقال: ظلُّ الليلِ وظلُّ الجنة. وجاء في ظلِّها ما يدلُّ على أنَّه كالظلِّ الذي يكون في الدنيا قبلَ طلوعٍ الشمس، فقد روى ابنُ القيِّم في ((حادي الأرواح))(٦) عن ابن عباسٍ أنَّه سئل: (١) البحر ٣٤٢/٧، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٨٤، والنشر ٣٥٥/٢. (٢) في التفسير الكبير ٢٦/ ٩٢. (٣) في البحر ٣٤٢/٧. (٤) في النهاية (ظل). (٥) في المفردات (ظل). (٦) ص ١٨٩.