Indexed OCR Text

Pages 341-360

الآية : ٣٩
٣٤١
ثم الطَّرْف: وهما كوكبان صغيرانِ من الرابع، أحدُهما على رأس الأسدِ قُدَّامَ
عينيه، والآخرُ قدَّامَ يدِه المقدَّمة، والقمرُ يحاذي أشملَهما ويَكسف أجنبَهما،
ويعنون بالطَّرْف عينَ الأسدِ.
ثم الجبهة: ويعنون بها جبهةَ الأسد، وهي أربعةُ كواكبَ على سطرٍ فيه تعويجٌ
آخذٌ من الشَّمال إلى الجنوب، أعظمُها على طرف السطرِ ممَّا يلي الجنوب، يسمَّى
قلبَ الأسدِ لكونه في موضعه، ويسمَّى الملكيَّ أيضاً، وهو من القدر الأوَّل،
والقمرُ يمرُّ به وبالذي يليه.
ثم الزُّبْرة: بضمِّ الزاي وسكونِ الباء، وهما كوكبان نيِّران على أَثر الجبهة،
بينهما أرجحُ من ذراع، وهما على زُبْرة الأسد، أي: كاهلِه، عند العرب، وعند
المنجِّمين عند مؤخّره، فزُبرةُ الأسدِ شعرُه الذي يزبُر عند الغضبِ في قفاه،
أجنبُهما من الثالث وأشملُهما من الثاني، وتسمَّى: ظهرَ الأسد، والقمرُ يحاذيهما من
جهة الجنوب.
ثم الصَّرْفة: وهو كوكبٌ واحدٌ على طرف ذنبِ الأسد، ويسمَّى: ذنبَ الأسد،
والقمرُ يحاذيه من جهة الجنوب، وسمِّي بذلك لأنَّ البردَ ينصرف عند سقوطه.
ثم العَوَّاء: يمدُّ ويقصَر، والقصرُ أَجود، وهي خمسةُ كواكبَ من الثالث على
هيئة لامٍ في الخطِّ العربي، ثلاثةٌ منها آخذةٌ من منكب العذراءِ الأيسرِ إلى
تحت ثديها الأيسر، وهي على سطرٍ جنوبيٍّ من الصَّرفة، ثم ينعطف اثنان على
سطرٍ يحيط مع الأوَّل بزاويةٍ منفرجة، زعمت العربُ أنَّها كلابٌ تَعوي خلفَ
الأسد؛ ولذلك سمِّيت العَوَّاء. وقيل في ذلك: كأنَّها تَعوي في أثر البرد؛ ولهذا
سمِّيت طاردةَ البرد. وقيل: هي مِن: عوى الشيءَ: عَطَفَه، فِلِمَا فيها من
الانعطاف سمِّيت بذلك. وفي ((الكشف)): العَوَّاء: سافلةُ الإنسان، ويقال: إنها
وَرِكُ الأسد، والقمرُ يخرقها .
ثم السِّماك الأَعزل: وهو كوكبٌ نيِّر من الأوَّل، على كَتِف العذراءِ اليسرى
قريبٌ من المنطقة، والقمرُ يمرُّ به ويَكسفه. ويقابل السماكَ الأعزلَ السِّماكُ الرامح،

سُاَلُكَسْن
٣٤٢
الآية : ٣٩
وليس من المنازل، وسمِّي رامحاً لكوكبٍ يَقدُمه كأنَّه رمحُه، وسمي سِماكاً لأنَّه
سَمَكَ، أي: ارتفع.
ثم الغَفْر: وهي ثلاثةُ كواكبَ من الرابع، على ذيل العذراءِ ورِجلها المؤشّرة،
على سطرٍ معوج حدبته إلى الشَّمال. وقيل: كوكبان، والقمرُ يمرُّ بجنوبيِّهما، وقد
يحاذي الشماليّ، وهو منزلُ خيرٍ بَعُدَ عن شرَّين: مقدَّمِ الأسدِ ومؤشّر العقرب.
ويقال: إنَّه طالعُ الأنبياءِ والصالحين، وسمِّيت غَفراً لسترها ونقصانِ نورِها. وذكر
بعضُهم أنَّها من كواكب الميزان.
ثم الزُّبانَى: بالضمِّ وآخرُه أَلِفٍ، وهما كوكبان نيِّران من الثاني، متباعدان في
الشَّمال والجنوب، بينهما قِيدُ رمح على كِفَّتي الميزان. وقال غيرُ واحد: هما قَرنا
العقرب، والقمرُ قد يَكسف جنوبيَّهما.
ثم الإِكليل: وهي ثلاثةُ كواكبَ خفيَّةٌ معترضةٌ من الشّمال إلى الجنوب، على
سطرٍ مقوَّس يشبه شكلُها شكلَ الغَفْرِ، الأَوسطُ منها متقدِّم والاثنان تاليان، وهي من
الرابع، والقمرُ يمرُّ بجميعها. وقيل: هي أربعةُ كواكبَ برأس العقرب؛ ولذا سمِّيت
به، وأصلُ معناه التاج.
ثم القلب: وهو قلبُ العقرب، كوكبٌ أحمرُ نيِّرٌ أوسط الثلاثةِ التي على بدن
العقرب، على استقامةٍ من المغرب إلى المشرق، وهو من الثاني، واللذان قبلَه
وبعدَه - ويسمَّيان نياطَين - من الثالث، والقمرُ يمرُّ به ويَكسفه؛ لقُربه من المنطقة.
ثم الشَّوْلَة: بفتح الشينِ المعجَمة واللام، وتسمَّى: إِبرةَ العقربِ عند
الحجازيين، كوكبان من الثاني أَزهران متقاربان، على طرف ذنبٍ العقربِ في
موضع الحُمَة، والقمرُ يحاذيهما .
ثم النعائم: أربعةُ كواكبَ من الثالث على منحرفٍ تابع للشَّولة، وتسمَّى :
النعائمَ الواردة، أي: إلى المجرَّة، والقمرُ يمرُّ باثنين منها ويحاذي الباقية، ويقرب
منها أربعةٌ أخرى من الثالثِ على منحرف، هي النعائمُ الصادرة، أي: من المجرَّة،
وكلُّها من صورة الرامي، وسمِّيت نعائمَ؛ تشبيهاً بالخشبات التي تكون على البثر.

الآية : ٣٩
٣٤٣
ثم البَلْدَة: وهي قطعةٌ من السماءِ خاليةٌ من الكواكب مستديرة، شبِّهت ببلدة
الثعلب، وهي ما يَكنسه بذنبه، وتسمَّى أيضاً بالمفازة والفُرجة. وقيل: سمِّيت بذلك
تشبيهاً بالفُرجة التي تكون بين الحاجبَين، وموضعُها خلفَ الكواكبِ التي تسمَّى
بالقِلادة، وهي عِصابة الرامي.
ثم سَعْدٌ الذابحُ: كوكبان على قرنَي الجَدي، بينهما قَدْرُ باع، جنوبيُّهما من
الثالث، والقمرُ يقاربه ولا يَكسفه، ويقرب الشماليَّ كوكبٌ صغيرٌ يكاد يلتصق به،
يقال: إنَّه شاتُه التي يريد أن يذبحها. وقيل: إنَّه في مذبحه؛ ولهذا يسمَّى بالذابح.
ثم سعدُ بُلَعَ (١): كوكبان على كفِّ ساكبِ الماءِ اليسرى فوقَ ظهرِ الجدي،
بينهما قدرُ باع، غربيُّهما من الثالث وشرقيُّهما من الرابع، ويقرب متقدِّمَهما كوكبٌ
صغيرٌ كأَنَّه ابتلعه؛ فلهذا سمِّي به.
وفي ((القاموس)) (٢): سعدُ بُلَعَ، كزُفَرَ، مَعْرِفَةً: منزلٌ للقمر طَلَعَ لمَّا قال اللهُ
تعالى: ﴿يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ﴾ [هود: ٤٤] وهو نجمان مستويانٍ في المجرى،
أحدُهما خفيّ، والآخرَ مضيٌ يسمَّى: بالعاً، كأنَّه بلع الآخرَ. وقيل: لأنَّه ليس له
ما لسعدِ الذابحِ، فكأنَّه بلع شاتَه، والقمرُ يقارب أجنبَهما ولا يَكسفه.
ثم سعدُ السعود: كوكبان - وقيل: ثلاثة - على خطّ مقوَّس بين الشِّمال
والجنوب، حَدَبته إلى المغرب أجنبُهما، والقمرُ يقرب منه، من الخامس على طرف
ذنبٍ الجدي، وأشملُهما من الثالث، وهو مع الآخر في القول الآخَر من كواكب
القوس، والقمرُ يقارب أجنبَهما؛ وسمِّي بذلك لأنَّه في وقت طلوعِه ابتداءُ ما به
یعیشون و تعیشُ مواشیھم.
ثم سعدُ الأَخبية: أربعةُ كواكبَ من الثالث، ومن كواكبِ الرامي على يد ساکبٍ
الماءِ اليمنى، ثلاثةٌ منها على شكل مثلَّثٍ حادِّ الزوايا، والرابعُ وسْطَه، وهو
(١) في هامش الأصل: طلوعه لليلة تبقى من كانون الآخر وسقوطه لليلة تمضي من آب. اهـ
قاموس. اهـ منه.
(٢) مادة (بلع).

سُوٌَّلاَ يَسْن
٣٤٤
الآية : ٣٩
السعد، والثلاثُ خباؤه؛ ولذا سمِّي بذلك. وقيل: لأنَّه يطلع قبل الدِّفء، فيخرج
من الهوامٌّ ما كان مختبئاً، والقمرُ يقاربها من ناحية الجنوب.
ثم الفَرْغُ المقدَّم: ويقال: الأَعلى، كوكبان نيِّران من الثاني، بينهما قِيدُ رمح،
أجنبُهما على متن الفرسِ الأكبر المجنَّح(١)، وأشملُهما على مَنكِبه، والقمرُ يمرُّ
بالبُعد منهما .
ثم الفَرْغُ المؤشّر: كوكبان نيِّران من الثاني، بينهما قِيدُ رمح أيضاً، أجنبُهما على
جناح الفرس، وأشملُهما مشتركٌ بين سُرَّته ورأسِ المسلسلة، شبَّهت العربُ الأربعةَ
بفَرْغ الدَّلو، وهو بفتح الفاءِ وسكونِ الراءِ المهمَلة وغينٍ معجَمة، مصبُّ الماءِ منها؛
لكثرة الأمطارِ في وقتها .
ثم بطنُ الحوت: ويقال له: الرِّشاء، بكسر الراءِ، أي: رِشاءُ الدلو، وقلبُ
الحوتِ أيضاً كوكبٌ نيِّر من الثالث على جنب المرأةِ المسلسلة، يحاذيه القمرُ
ولا يقاربه، وإنَّما سمِّي به لوقوعه في بطن سمكةٍ عظيمةٍ تحت نحرِ الناقة، تصوَّرها
العربُ من سطرين عليهما كواكبُ خفية، بعضُها من المسلسلة وبعضُها من إِحدى
سمکتَي الحوت.
هذا واعلمْ أنَّ هذه المنازلَ الثمانيةَ والعشرين تسمِّي العربُ الأربعةَ عشرَ
الشماليةَ منها - التي أولُها الشَّرَطانُ وآخرُها السِّماك - شامية، والباقيةَ منها - التي
أولُها الغَفْرُ وآخرُها بطنُ الحوت - يمانية، وأنَّها تسمِّ خروجَ المنزلِ من ضياء الفجرِ
طلوعَه، وغروبَ رقيبهِ وقتَ الصبحِ سقوطه، والمنازلَ التي يكون طلوعُها في مواسم
المطرِ الأَنواء، ورقباءَها إذا طلعت في غير مواسمِ المطرِ البوارح، قاله القطب.
وقال الجوهريّ(٢): النَّوء: سقوطُ نجمٍ من المنازل في المغربِ مع الفجر،
وطلوعُ رقيبِهِ من المشرق، يقابله من ساعته في كلِّ ليلةٍ إلى مُضيِّ ثلاثةَ عشرَ يوماً،
ما خلا الجبهةَ فإنَّ لها أربعةَ عشرَ يوماً .
(١) في هامش الأصل: أي: ذي الجناحين. اهـ منه.
(٢) في الصحاح (نوأ).

الآية : ٣٩
٣٤٥
سُوَ الُكَسَنَ
قال أبو عُبيد: ولم يُسمَع في النَّوء أنه السقوطُ إلَّا في هذا الموضع، والعربُ
تضيف الأمطارَ والرياحَ والحرَّ والبردَ إلى الساقط منها، وقال الأصمعيّ: إلى
الطالع في سلطانه، فتقول: مُطرنا بنوءِ الثُّريا مثلاً، والجمع: أنواءٌ ونُؤْآن، مثل:
عبد وعبدان.
وذكر الطيبيُّ عن المرزوقيّ أنَّ نوءَ الشَّرَطين ثلاثةُ أيام، ونوءَ البُطَين ثلاثُ ليال،
ونوء الثُّريا خمسُ ليال، ونوء الدَّبَران ثلاث ليال، ونوءَ الهَفْعة سِتُّ ليال، ولا يذكرون
نوأها إلَّا بنوءِ الجوزاء، ونوء الهَنْعة لا يذكر أيضاً، وإنَّما يكون في أنواءِ الجوزاء،
والذِّراع لا نوءَ له، ونوءَ النَّثْرة سبع ليال، ونوءَ الطَّرف ثلاثُ ليال، ونوءَ الجبهةِ سبع،
والزُّبْرة أربع، والصرفة ثلاث، والعَوَّاء ليلة، والسِّماك أربع، والغَفْر ثلاث، وقيل:
ليلة، والزُّبَانَى ثلاث، والإِكليل أربع، والقلب ثلاث، والشَّولة كذلك، والنَّعائم ليلة،
والبلدة ثلاث، وقيل: ليلة، وسعد الذابح ليلة، وبُلَعَ وسعد السعودِ وسعد الأخبية
والفَرْغ المقدَّم ثلاث، والمؤخّر أربع، ولم يَذْكُر في نسختي للرِّشاء نوءاً.
ثم إنَّ قولَ الإنسان: مُطرنا بنوءِ كذا، إن أراد به أن النَّوءَ نزل بالماء، فهو
كفر، والقائلُ كافرٌ حلالٌ دمُه إن لم يتب، كما نصَّ عليه الشافعيُّ وغيرُه.
وفي ((الرَّوضة)): من اعتقد أنَّ النوءَ يُمطِر حقيقة، كفر وصار مرتدًّا، وإنْ أراد به
أنَّ النوءَ سببٌ يُنزل اللهُ تعالى به الماءَ حَسبما عَلِمَ وقدَّر، فهو ليس بكفر، بل مباح،
لكن قال ابنُ عبد البرّ(١): هو وإن كان مباحاً كفرٌ بنعمة اللهِ تعالى، وجهلٌ بلطيف
حکمته.
وفي الصَّحيحين: عن زيد بنِ خالد الجُهَنيِّ أن النبيَّ وَّ قال إِثِرَ سماء: ((هل
تدرون ما قال ربّكم؟)) قالوا: اللهُ تعالى ورسولُه أعلم. قال: ((قال: أَصبح مِن
عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأمَّا مَن قال: مُطِرنا بفضل اللهِ تعالى ورحمته، فذلك مؤمنٌ
بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطِرنا بنوءِ كذا، فهو كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب))(٢)
(١) في التمهيد ٢٨٦/١٦.
(٢) البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، وسلف ٢١٤/٥.

سُوٌلَا يَسْن)
٣٤٦
الآية : ٣٩
وظاهرُه أنَّ الكفرَ مقابلُ الإِيمان، فيُحمَل على ما إذا أراد القائلُ ما سمعتَ أولاً .
والله تعالى الحافظُ من كلِّ سوء، لا ربَّ غيرُه، ولا يُرجَى إلَّا خيرُه.
والقمرُ في العرف العامِّ: هو الكوكبُ المعروفُ في جميع ليالي الشهر،
والمشهورُ عند اللغويين أنَّه بعد الاجتماعِ مع الشمسِ ومفارقته إياها لا يسمَّى قمراً
إلَّا من ثلاث ليالٍ إلى ستٍّ وعشرين ليلة، وفيما عدا ذلك يسمَّى هلالاً.
ولعلَّ الأظهرَ في الآية حملُه على المعنى الأوَّل، وهو الشائعُ إذا ذُكر مع
الشمس، أي: قدَّرنا هذا الچِرمَ المعروفَ منازلَ ومسافاتٍ مخصوصة، فسار فيها
ونزلها منزلةً منزلةً ﴿حَّى عَادَ﴾ أي: صار في أواخر سيرِه وقربِه من الشمس في رأي
العينِ ﴿كَلْعُرْجُونِ﴾ هو عودُ عِذقِ النَّخلةِ من بين الشِّمراخ إلى منبته منها. ورُوي ذلك
عن الحسنِ وقتادة. وعن ابن عباسٍ أنَّه أصلُ العِذق. وقيل: الشمراخ، وهو ما عليه
اليُسرُ من عيدان العِذْق والكِباسة. والمشهورُ الأوَّل.
ونونُه ـ على ما حُكي عن الزجَّاج - زائدة، فوزنُه: فُعلون(١)، من الانعراج،
وهو الاعوجاجُ والانعطاف. وذهب قومٌ - واختاره الراغبُ والسَّمين وصاحبُ
((القاموس)) - إلى أنَّها أصلية(٢)، فوزنُه: فُعلول.
وقرأ سليمانُ التيمي: ((كالعِرْجَون)) بكسر العينِ وسكون الراءِ وفتح الجيم(٣)،
وهي لغةٌ فيه، كالبُزُيُون والبِزيون، وهو بساطً روميّ، أو السُّندس.
﴿ِالْقَدِيرِ ﴾﴾ أي: العتيقِ الذي مرَّ عليه زمانٌ يَبِس فيه. ووجهُ الشبهِ الاصفرارُ
والدِّقَّةُ والاعوجاج. وقيل: أقلُّ مُدَّة القِدَمِ حَوْل، فلو قال رجل: كلُّ مملوكٍ لي
(١) في المطبوع من معاني القرآن ٢٨٨/٤ أن وزنه: فعلول. ولعلَّها تصحفت عن: فُعلُون، لأن
الزمخشري في الكشاف٣٢٣/٣، والقرطبي في التفسير ١٧/ ٤٤٧ نقلا كلامه وذكرا أن وزنه:
فعلون. وهو الصواب.
(٢) الدر المصون ٢٧٠/٩، وذكره الراغب وصاحب القاموس في مادة (عرجن)، ولعل هذا هو
المقصود من نسبة الاختيار إليهما .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والبحر ٣٣٧/٧.

الآية : ٤٠
٣٤٧
سُوٌ لا يَسْ
قديم فهو حرٌّ، عَتَقَ منهم مَن مضى له حَولٌ وأكثر. وقيل: ستةُ أَشهر، وحكاه بعضُ
الإماميةِ عن أبي الحسن الرِّضاتَلُه(١).
﴿لَ الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا﴾ أي: يتسخّر ويتسهّل، كما في قولك: النارُ ينبغي أن
تحرقَ الثوب. أو: يَحسُن ويَليق، أي: حكمةً، كما في قولك: المَلِكُ ينبغي أن
يُكرمَ العالِم. واختار غيرُ واحدٍ المعنى الأوَّل.
وأصلُ ((ينبغي)) مطاوعُ: بَغَى، بمعنى طَلَبَ، وما طاوَعَ وقَبِل الفعلَ فقد تسخّر
وتسهّل، والنفيُ راجعٌ في الحقيقة إلى ((ينبغي)) فكأنَّه قيل: لا يتسهّل للشمس
ولا يتسخّر ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أي: في سلطانه، بأن تجتمعَ معه في الوقت الذي
حدَّه الله تعالى له وجعله مظهراً لسلطانه؛ فإنَّه عزَّ وجلَّ جعل لتدبير هذا العالَمِ
بمقتضى الحكمةِ لكلٍّ من النّيِّرين الشمسِ والقمرِ حدّاً محدوداً ووقتاً معيَّناً يظهر فيه
سلطانُه، فلا يدخل أحدُهما في سلطان الآخَر، بل يتعاقبان إلى أن يأتيَ أمرُ اللهِ عزَّ
وجلَّ.
وهذه الجملةُ لنفي أن تدركَ الشمسُ القمرَ فيما جُعل له، وقولُه تعالى:
﴿وَلَا أَيْلُ سَابِقُ النَّارِ﴾ لنفي أن يدركَ القمرُ الشمسَ فيما جُعل لها، أي:
ولا آيةُ الليلِ سابقةٌ آيَةَ النهارِ وظاهرٌ سلطانُها في وقت ظهورٍ سلطانِها. وإلى
هذا المعنى يشير كلامُ قتادةَ والضخَّاكِ وعكرمةَ وأبي صالح، واختاره
الزمخشريّ(٢)؛ ليناسبَ قولَه تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَلْبَغِى لَهَا) ولأنَّ الكلامَ في
الآيتين دلَّ عليه قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِى) الآيتان، وآخِراً: (وَكُلُّ فِىِ فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ).
وعبَّر بالإِدراك أوَّلاً وبالسبق ثانياً - على ما في ((الكشّاف))(٣) - لمناسبة حالٍ
الشمس من بُطْءِ السَّير وحالِ القمرِ من سرعته. ولم يقل: ولا القمرُ سابقُ الشمس؛
(١) ونقله عنه الطبرسي في مجمع البيان ٢٤/٢٣-٢٥.
(٢) في الكشاف ٣٢٣/٣.
(٣) ٣٢٤/٣.

سُورَةٌ يَسْ
٣٤٨
الآية : ٤٠
ليؤذنَ - على ما قال الطّبي - بالتعاقب بين الليلِ والنهار، وبنصوصيةِ التدبيرِ على
المعاقبة؛ فإنَّه مستفادٌ من الحركة اليوميةِ التي مدارُ تصرُّفِ كلِّ منهما عليها .
وفي ((الكشف)): التحقيقُ أنَّ المقصودَ بيانُ معاقبةٍ كلٍّ من الشمس والقمرِ في
ترتّب الإضاءةِ وسلطانِه على الاستقلال، وكذلك اختلافُ الليلِ والنهار، فقيل:
((ولا الليل سابق النهار)) كنايةً عن سبق آيتِه آيتَه، فحصل الدلالةُ على الاختلاف
أيضاً إِدماجاً؛ لأنَّها لا تنافي إرادةَ الحقيقة، وجاءَ من ضرورة التقابلِ هذا المعنى
في النهار أيضاً من قوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَقْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) ولمَّا ذُكر مع
الشمس الإدراكُ المؤذنُ بأنَّها طالبةٌ للَّحاق، قيل: ((لا ينبغي)) رعايةً للمناسبة،
وجيءَ بالفعل المؤذِن بالتجدُّد، ولمَّا نُفي السبقُ في المقابل، أكّد ذلك بأنْ جيءَ
بالجملة الاسميةِ المحضةِ من دون الابتغاء؛ لأنَّه مطلوبُ اللُّحوق. اهـ.
ولم يُذكر السُّ في إدخال حرفِ النفي على الشمس دون الفعلِ المؤذِن بصفتها،
ويوشك أن يكونَ أخفَى من السُّها(١)، وكأنَّ ذلك ليُستشعرَ منه في المقام الخطابيِّ
أنَّ الشمسَ إذا خُلِّيت وذاتَها تكون معدومة، كما هو شأنُ سائرِ الممكنات،
وإنَّما يحصل لها ما يحصلُ من ◌ِلَّته التي هي عبارةٌ عن تعلُّق قدرتِه تعالى به على
وَفق إرادتِه سبحانه الكاملة، التي لا يأبى عنها شيءٌ من أشياء عالَم الإِمكان، ويفيد
ذلك في غاية كونِها مسخّرةً في قبضة تصرُّفِه عزَّ وجلَّ، لا شيءَ فوق تلك
المسخَّرية، وفيه تأكيدٌ لما يفيده قولُه تعالى: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) وردٌّ بليغٌ
لمن إليها يُسند التأثير.
وجوِّز أن يكونَ ذلك لإِفادة كونِها مسخّرةً لا يتسهّل لها إلَّا ما أُريد بها، من
حيث إنَّ تقديمَ المسئَدِ إليه على الفعل وجعلَه بعد حرفِ النفي، نحو: ما أنا قلت
هذا، و: ما زيدٌ سعى في حاجتك، يُفيد التخصيص، أي: ما أنا قلت هذا بل
غيري، و: ما زيدٌ سعى في حاجتك بل غيرُه، على ما حقَّقه علماءُ البلاغة،
والمقصودُ من نفي تسمُّل إدراكِ القمرِ في سلطانه عن الشمس، نفيُ أن يتسهَّلَ لها
(١) السُّهَا: كوكب خفيٍّ من بنات نعش الصغرى. القاموس (سها).

الآية : ٤٠
٣٤٩
سُورَةُكَسْرُ
أن تطمسَ نورَه وتُذهب سلطانَه، ويرجع ذلك إلى نفي قدرتها على الطمس وإذهابٍ
السلطان، فيكون المعنى بناءً على قاعدة التقديم أنَّ الشمسَ لا تقدر على ذلك، بل
غيرُها يقدر عليه، وهو اللهُ عزَّ وجلَّ، وهذا - بعد إثباتِ الجَرَيانِ لها بتقدير العزيزِ
العليمِ - مشعرٌ بكونها مسخّرةً لا يتسهّل لها إلَّا ما أُريد بها .
وقال بعضُ الفضلاءِ فيما كتبه على هامش تفسيرِ البيضاويِّ عند قولِه: وإيلاءُ
حرفِ النفي الشمسَ للدَّلالة على أنَّها مسخَرة لا يتيسَّر لها إلَّا ما أُريد بها(١): وجهُ
الدلالةِ أنَّ الإيلاءَ المذكورَ يفيد التخصيص والانبغاء(٢) بمعنى الصحةِ والتسهيلِ
المساوقَين للاقتدار، فيفيد الكلامُ أنَّ الشمسَ ليس لها قدرةٌ على إِدراك القمرِ
وسرعةِ المسيرِ التي هي ضدٌّ لحركتها الخاصَّة، بل القدرةُ عليهما لله سبحانه، فهو
فاعلٌ لحركتها حقيقة، ولها مجرَّد المحلِيَّةِ للحركة، فصحّت الدلالةُ المذكورة.
ثم قال: وتفصيلُ الكلام: أنَّ اللهَ سبحانه ذكر أولاً أنَّ الشمسَ تجري لمستقرِّ
لها إشارةً إلى حركتها الخاصَّة، ثم ذكر سبحانه أنَّه قدَّر القمرَ أيضاً في منازل
الشمس حتى عاد كالعُرجون القديم، أي: رجع إلى الشَّكل الهلاليّ، وذلك
إنَّما يكون عند قُربه إلى الشَّمس ورجوعِه إليها. ولمَّا كان للوهم سبيلٌ إلى أن يتوهَّمَ
أنَّ جَريَ الشمسِ وسيرَها وتقديرَ أنوارِ القمرِ وجِرمه المرئي، ممَّا يستند إلى
إِرادتهما على سبيل إِرادتنا التي تتعلَّق تارةً بالشيءٍ وأخرى بضدِّه، فيصحُّ ويتيسَّر
للنَّيِّرين الأمران كما يصحَّان لنا، وأن يتوهّمَ أنَّ إِسناد أمرِ الشمس والقمرِ إلى
التقدير الإلهيِّ من قبيل إِسناد أفعالِنا إليه، من حيث إنَّ الإقدارَ والتمكينَ منه تعالى،
وأنَّه سبحانه المبدأُ والمنتهَى، إلى غير ذلك من الاعتبارات = نبَّه جلَّ شأنُه
بالتخصيص المذكورِ على دفع هذا التوهُّم على سبيل التنبيهِ على كون الشيءٍ مسخّراً
مضطرّاً في أمره، بسلب اقتدارِه على ضدِّه وإنْ لم يذكر جميعَ أضدادِه، فأَشار
سبحانه إلى أنَّ الحركةَ السريعةَ المفضيةَ إلى إدراك القمرِ التي هي ضدُّ الحركةِ
الخاصَّة للشمس، لا يصحُّ استنادُها إليها، والقدرةُ عليها مختصَّة بغيرها ((وهو
(١) تفسير البيضاوي ١٨٨/٤.
(٢) في (م): الابتغاء.

سُوْلَ ا يَسْن
٣٥٠
الآية : ٤٠
العزيز العليم)) حتى يظهرَ أنَّ وجودَ الحركةِ الخاصةِ لها مستنِدٌ إلى تقديره تعالى
وتدبيرِه جلَّ شأنُه، من غير مشاركةٍ للشمس معه سبحانه. ثم أردف ذلك بحكم
القمر، حيث قال تعالى: (وَلَا أَلَيْلُ سَابِقُ النَّارِ) فإنَّ الأقربَ كونُ المعنى فيه:
ليس لآية الليلِ القدرةُ على أن تسبقَ آيَةً النهارِ بحيث تفوتها ولا تكونُ لها مراجعةٌ
إليها ولحوقٌ بها تنبيهاً على أنَّ تقديرَ القمرِ في المنازل على الوجه المرصودِ الذي
يعود به إلى الشَّكل الهلاليِّ الشبيهِ بالعُرجون ويُفضي إلى مقاربةِ الشمس، مستندٌ
أيضاً إلى تقديره تعالى وتدبيرِه سبحانه من غير مشاركةٍ للقمر فيه، فالجملتان في
قوَّة التأكيدِ للآيتَين السابقتين؛ ولهذا فُصِلتا. اهـ. وفيه دغدغةٌ لا تَخْفَى على
ذكيٍّ، فتأمَّل.
وما أَشار إليه من أنَّ معنى ((لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر)) أنَّ الشمسَ
لا قدرةَ لها على أن تدركَ القمرَ في سيره لبطءِ حركتِها الخاصَّة وسرعةٍ حركته،
كذلك قاله غيرُ واحد. وادَّعى النخَّاس(١) أنَّه أظهرُ ما قيل في معناه، وبينه وبين
ما تقدَّم من المعنى قربٌ ما، بل قال بعضُهم: الفرقُ بين الوجهَين بالاعتبار. وقال
بعضُ مَن ذهب إليه في ((ولا الليل سابق النهار)): إنَّ المرادَ أنَّ القمرَ لا يسبق
الشمسَ بالحركة اليوميّة، وهي ما تكون له - وكذا لسائر الكواكب - بواسطة فلكٍ
الأَفلاك؛ فإنَّ هذه الحركةَ لا يقع بسببها تقدُّمٌ ولا تأخّر.
وقيل: المرادُ بقوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) أَنَّه لا ينبغي لها
أن تُدركَه في آثاره ومنافِعه؛ فإنَّه سبحانه خصَّ كلَّ منهما بآثارٍ ومنافع، كالتلوينِ
بالنسبة للقمر، والنُّضجِ بالنسبة للشمس.
وعن الحسن أنَّ المرادَ أنَّهما لا يجتمعان فيما يشاهَد من السماء ليلةَ الهلالِ
خاصَّة، أي: لا تبقى الشمسُ طالعةً إلى أن يطلعَ القمر، ولكن إذا غربت طَلَع.
وقال يحيى بنُ سلام: المراد: لا تُدركه ليلةَ البدرِ خاصَّة؛ لأنَّه يبادر المغيبَ
قبل طلوعِها .
(١) في إعراب القرآن ٣٩٥/٣.

الآية : ٤٠
٣٥١
سُوَلاَ يَسْ
وكلا القولَين لا يعوَّل عليهما، ولا ينبغي أن يُلتفتَ إليهما. وقيل في معنى
الجملةِ الثانية: إنَّ الليلَ لا يسبق النهارَ ويتقدَّمُ على وقته فيدخلُ قبل مُضِيِّه.
وفي ((الدُّر المنثور))(١) عن بعض الأَجِلَّة: أي: لا ينبغي إذا كان ليلٌ أن يكونَ
ليلٌ آخَرُ حتى يكونَ النهار. وعليك بما تقدَّم، فهو لَعمري أَقوم.
واستُدلَّ بالآية أنَّ النهارَ سابقٌ على الليل في الخَلْق، روى العيَّاشيُّ في تفسيره
بالإِسناد عن الأشعث بنِ حاتم قال: كنت بخراسانَ حيث اجتمع الرِّضا .
والمأمونُ والفضلُ بن سهلٍ في الإِيوان بمَرو، فوُضعت المائدة، فقال الرِّضا: إنَّ
رجلاً من بني إسرائيلَ سألني بالمدينة فقال: النهارُ خُلِقٍ قبلُ أم الليل؟ فما عندَكم؟
فأرادوا الكلام، فلم يكن عندهم شيء، فقال الفضلُ للرِّضا: أَخيِرنا بها أَصلحك اللهُ
تعالى، قال: نَعَم، من القرآنِ أم من الحساب؟ قال له الفضلُ: من جهة الحساب،
فقال له: قد علمتَ يا فضلُ أنَّ طالعَ الدنيا السَّرطان، والكواكب في مواضع
شرفِها، فزُحَل في الميزان، والمشتري في السَّرطان، والمِرِّيخ في الجدي،
والشمسُ في الحَمَل، والزُّهَرة في الحوت، وعُطارِد في السُّنبلة، والقمر في الثَّور،
فتكون الشمسُ في العاشر وسْطَ السماءِ، فالنهارُ قبلَ الليل، ومن القرآن قولُه
تعالى: (وَلَا أَيْلُ سَابِقُ النََّارِ) أي: الليلُ قد سبقه النهار(٢). اهـ.
وفي الاستدلال بالآية بحثٌ ظاهر، وأمَّا بالحساب فله وجهٌ في الجملة، ورأيُ
المنجّمين أنَّ ابتداءً الدورةِ دائرةُ نصفِ النهار، وله موافقةٌ لما ذكر. والذي يغلب
على الظنِّ عدمُ صحَّة الخبرِ من مبتدئه، فالرِّضا أجلُّ من أن يستدلَّ بالآية على
ما سمعتَ من دعواه.
وفَهِمَ الإمامُ(٣) من قوله تعالى: (وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) أنَّ الليلَ مسبوقٌ
لا سابق، ومِن قوله سبحانه: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُمُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]
(١) ٥/ ٢٦٤.
(٢) ونقله المصنف عن مجمع البيان ٢٥/٢٣.
(٣) في التفسير الكبير ٧٣/٢٦-٧٤.

سُوٌمَلاَ يَسْن
٣٥٢
الآية : ٤٠
أنَّ الليلَ سابق؛ لأنَّ النهارَ يطلبه. وأَجاب عمَّا يلزم عليه من كون الليلِ سابقاً
مسبوقاً، بأنَّ المرادَ من الليل هنا آيتُه، وهو القمر، وهو لا يسبق الشمسَ بالحركة
اليومية، والمرادَ من الليل هناك نفسُ الليل، وكلُّ واحدٍ لمَّا كان في عَقِب الآخَر
كان طالبه.
وتعقّبه أبو حيانَ(١) بأنَّ فيه جعلَ الضميرِ الفاعلِ في ((يطلبه)) عائداً على النّهار،
وضميرَ المفعولِ عائداً على ((الليل))، والظاهرُ أنَّ ضميرَ الفاعلِ عائدٌ على ما هو
الفاعلُ في المعنى، وهو الليل؛ لأنَّه كان قبلَ دخولِ همزةِ النقل: يَغْشَى الليلُ
النهارَ، وضميرَ المفعولِ عائدٌ على ((النهار)) لأنَّه المفعولُ قبل النقلِ وبعده، وحينئذٍ
كلتا الآيتين تُفيد أنَّ النهارَ سابق، فلا سؤال. انتهى. فتأمَّل ولا تغفُل.
وقرأ عمَّارُ(٢) بن عقيل: ((سابقُ)) بغير تنوين ((النهارَ)) بالنصب، قال المبرِّد(٣):
سمعتُه يقرأ، فقلت: ما هذا؟ قال: أَردت: سابقٌ النهارَ، بالتنوين، فحذفت لأنَّه
أخفّ. وفي ((البحر)) (٤): حَذَفَ التنوينَ لالتقاءِ الساكنين.
﴿وَكُلُّ﴾ أي: كلُّ واحدٍ من الشمس والقمر؛ إذ هما المذكوران صريحاً،
والتنوينُ عِوضٌ عن المضاف إليه، وقدَّره بعضُهم ضميرَ جمع العقلاء؛ ليوافقَ
ما بعد، أي: كلُّهم. وقدَّره آخَرُ اسمَ إِشارة، أي: كلُّ ذلك، أي: المذكورِ :
الشمسِ والقمر ﴿فِي فَلَكٍ﴾ هو كما قال الراغبُ مَجرى الكوكب، سمِّي به لاستدارته
كَفَلْكة المِغزَل، وهي الخشبةُ المستديرة في وسَطه، وفَلْكةِ الخيمة، وهي الخشبةُ
المستديرةُ التي توضع على رأس العمودِ لئلا تتمزّقَ الخيمة.
﴿يَسْبَحُونَ ﴾﴾ أي: يسيرون فيه بانبساط، وكلُّ مَن بسط في شيءٍ فهو يسبح
(١) في البحر ٧/ ٣٣٧-٣٣٨.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: عمارة، وهو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية
الخطفي اليربوعي، يكنى أبا عقيل، شاعر فصيح، واسع العلم. مات سنة (٣٠٠هـ). معجم
الشعراء للمرزباني ص ٧٨، وتاريخ بغداد ١٢/ ٢٨٢.
(٣) في الكامل ٣٢٨/١. والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٢٥، والبحر ٣٣٨/٧.
(٤) ٣٣٨/٧.

الآية : ٤٠
٣٥٣
سُوَلاَ يَسْنَ
فيه، ومنه السِّباحةُ في الماء، وهذا المجرَى في السماء. ولا مانعَ عندنا أن يجريَ
الكوكبُ بنفسه في جوف السماءِ وهي ساكنةٌ لا تدور أصلاً، وذلك بأن يكونَ فيها
تجويفٌ مملوءٌ هواء، أو جسماً آخَرَ لطيفاً مثلَه، يجري الكوكبُ فيه جَرَیانَ السمكةِ
في الماء، أو البندقةِ في الأنبوب المستديرِ مثلاً، أو تجويفٌ خالٍ من سائر ما يشغله
من الأجسام، يجري الكوكبُ فيه، أو بأن تكونَ السماءُ بأسرها لطيفة، أو ما هو
مجرَى الكوكبِ منها لطيفاً، فيشقُّ الكوكبُ ما يحاذيه ويجري كما تجري السمكةُ
في البحر، أو في ساقية منه وقد انجمد سائرُه.
وانقطاعُ كرةِ الهواءِ عند كرةِ النارِ المماسَّة لمقعَّر فلكِ القمرِ عند الفلاسفة،
وانحصارُ الأجسامِ اللطيفةِ بالعناصر الثلاثة، وصلابةُ جِرم السماءِ وتساوي أجزائها،
واستحالةُ الخَرقِ وَالالتئام عليها، واستحالةُ وجودِ الخَلاء = لم يتمَّ دليلٌ على شيءٍ
منه، وأَقوى ما يُذكر في ذلك شبهاتٌ أَوهنُ من بيت العنكبوت، وإنَّه ۔ وربِّ
السماء - لأَ وهنُ البيوت.
ويجوز أن يكونَ الفلكُ عبارةً عن جسم مستدير، ویکونَ الکوکبُ فیه یجري
بجريانه في ثِخَن السماءِ من غير دورانٍ للسماء، ولا مانعَ من أن يعتبرَ هذا الفلكُ
لبعض الكواكبِ الفلكَ الكُلِّي، ويكونَ فيه نحوُ ما يُثبته أهلُ الهيئةِ لضبط الحركاتِ
المختلفةِ من الأَفلاك الجزئية، لكن لا يضطرُّ إلى ذلك بناءً على القواعد الإسلامية
كما لا يخفى، إلّا أنَّ في نسبة السَّبحِ إلى الكوكب نوعَ إباءٍ بظاهره عن هذا
الاحتمال.
وفي كلام الأئمَّة من الصَّحابة وغيرِهم إيماءٌ إلى بعضٍ ما ذكرنا، أَخرج ابن
جَرِير(١)، وابنُ أبي حاتم، وأبو الشَّيخ في ((العَظَّمة))(٢) عن ابن عباسٍ أنَّه قال في
الآية: ((كل في فلك)): فَلكة كفلكة المِغزل، ((يَسْبَحون)) يدورون في أبواب السماءِ
كما تدور الفلكةُ في المِغزّل. وأَخرج الأَخيران عن مجاهدٍ أَنَّه قال: لا يدور
(١) في تفسيره ٤٤٠/١٩-٤٤١.
(٢) برقم (٦٥٤).

سُوٌمَا يَسْنَ
٣٥٤
الآية : ٤٠
المغزلُ إلَّا بالفَلكة، ولا تدور الفَلكةُ إلَّا بالمغزل، والنجومُ في فَلكةٍ كفلكة
المِغزل، فلا يَدُرن إلَّا بها، ولا تدور إلَّا بهنّ(١).
وفي ((الفتوحات المكية))(٢) للشيخ الأكبرِ قدِّس سرُّه: جعل الله تعالى
السماواتِ ساكنة، وخلق فيها سبحانه نجوماً، وجعل لها في عالم سيرِها وسباحتِها
في هذه السماواتِ حركاتٍ مقدَّرةً لا تزيد ولا تنقص، وجعلها عاقلةً سامعةً مطيعة،
وأَوحى في كلِّ سماءٍ أمرَها، ثم إنَّه عزَّ وجلَّ لمَّا جعل السباحةَ للنُّجوم في هذه
السماوات، حَدَثت لسيرها طرق، لكلِّ كوكبٍ طريق، وهو قولُه تعالى: ﴿وَالتَّمَاءِ ذَاتٍ
اْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧] فسمِّيت تلك الطرقُ أفلاكاً، فالأفلاكُ تحدث بحدوث سیرٍ
الكواكب، وهي سريعةُ السيرِ في جِرم السماءِ الذي هو مساحتُها، فتخرق الهواءَ
المماسَّ لها، فيحدث لسيرها أصواتٌ ونغماتٌ مطرِبة؛ لكون سيرِها على وزنٍ
معلوم، فتلك نغماتُ الأفلاكِ الحادثة من قَطْعِ الكواكبِ المسافاتِ السَّماوية، فهي
تجري في هذه الطرقِ بعادةٍ مستمرَّة، قد عُلِم بالرصد مقاديرُ ودخولُ بعضِها على
بعضٍ في السّير، وجُعِل سيرُها للناظرين بين بطءٍ وسرعة، وجعل سبحانه لها تقدُّماً
وتأّراً في أماكنَ معلومةٍ من السماء، تعيِّنها أجرامُ الكواكبِ لإِضاءتها دونَها. إلى
آخر ما قال.
وقال الإِمام(٣): إنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يجعلَ الكوكبَ بحيث يشقُّ السماءَ
فيجعل دائرةً متوهَّمة، كما لو جرت سمكةٌ في الماء على الاستدارة، وهذا هو
المفهومُ من قوله تعالى: (فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ) والظاهرُ أنَّ حركةَ الكوكبِ على هذا
الوجه. وأربابُ الهيئةِ أَنكروا ذلك؛ للزوم الخرقِ والالتئامِ إن انشقَّ موضعُ الجري
والْتَّمَ، أو الخلاءِ إن انشقَّ ولم يلتئم، والكلُّ محالٌ عندهم، وعندنا لا محاليةً في
ذلك، وما يلزم هنا الخرقُ والالتئام؛ لأنَّه المفهومُ من ((يَسبحون))، ولا دليلَ لهم
على الاستحالةِ فيما عدا المحدد، وهو هناك شبهةٌ ضعيفةٌ لا دليل.
(١) العظمة (٦٨٥) بنحوه.
(٢) ٤١٦/٣.
(٣) في التفسير الكبير ٧٦/٢٦.

الآية : ٤٠
٣٥٥
وظاهرُ الآيةِ أنَّ كلَّ واحدٍ من النَّيِّرين في فلك، أي: في مجرّی خاصِّ به،
وهذا ممَّا يشهد به الحِسّ، وذهب إلى نحوه فلاسفةُ الإسلام كغيرهم من الفلاسفة،
بيدَ أنَّهم يقولون باتِّحاد الفلكِ والسماء، ولمَّا سمعوا عمَّن قبلهم أنَّ كلَّا من السَّبع
السيَّارةِ في فلك، وكلَّ الكواكبِ الثوابتِ في فلك، وفوقَ كلِّ ذلك فلكٌ يحرِّك
الجميعَ من المشرق إلى المغرب، ويسمَّى: فلكَ الأفلاك؛ لتحريكه إيَّاها،
و: الفلكَ الأَعظم؛ لإِحاطته بها، و: الفلكَ الأطلس؛ لأنَّه كاسمه غيرُ مكوكب،
وسمعوا عن الشَّارعِ ذِكرَ السماواتِ السبعِ والكرسيِّ والعرش = أرادوا أن يطبِّقوا
بين الأمرين، فقالوا: السماواتُ السبعُ في كلام الشارعِ هي الأفلاكُ السبعةُ في
كلام الفلاسفة، فلكلِّ من السيّارات سماءٌ من السماوات، والكرسيُّ هو فلكُ
الثوابت، والعرشُ هو الفلكُ المحرِّك للجميع المسمَّى بـ: فلك الأَفلاك.
وقد أخطؤوا في ذلك، وخالفوا سلفَ الأمةِ فيه، فالفلكُ غيرُ السماء، وقولُه
تعالى مع ما هنا: ﴿أَلَ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَقًا ﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥- ١٦] لا يدلُّ على الاتِّحاد؛ لما قلنا من أنَّ الكوكبَ
في الفلك، والفلكَ في السماء، فيكون الكوكبُ فيها بلا شبهة، فلا يحوج الجمعُ
إلى القولِ بالعينية.
ولم يقم دليلٌ على كُرية العرش، بل ظاهرُ ما ورد في الأخبار من أنَّ له قوائمَ يدلُّ
على عدم الكرية، نعم وَرَدَ ما يدلُّ بظاهره أنَّه مقبَّب، وهذا شيءٌ غيرُ ما يزعمونه فيه.
وكذا الكرسيّ، لم يدلَّ دليلٌ على كريَّته كما يزعمون، ومع هذا ليس عندهم
دليلٌ تامٌّ على كون الثوابتِ كلِّها في فلك، فيجوز أن تكونَ في أفلاك، كممثَّلاتٍ
كلها فوق زُحَل، أو بعضُها فوقه وبعضُها بين أفلاكِ العلوية، وهي لا تَكسِف
الثوابتَ التي عروضُها أكثرُ من عروضها، ولا لها اختلافُ منظرٍ ليعرفَ بأحد
الوجهين كونُ الجميعِ فوق العلويةِ أو كتداوير، ولا يلزم اختلافُ أبعادٍ بعضِها من
بعض؛ لجواز تساوي أَجرام التداويرِ وحركاتها، ولا اختلافُ حركاتِها بالسرعة
والبطءٍ للبُعد والقُرب، وموافقةِ الممثَّل ومخالفتِه؛ لأنَّا لا نسلِّم أنَّ حركاتِها
لا تختلف بذلك المقدار، ولا اختلافُ أَبعادِها من الأرض؛ لأنَّها غيرُ محقَّقة.

سُوَ اسْن
٣٥٦
الآية : ٤٠
ويجوز أيضاً أن تكونَ كلُّها مركوزةً في محدَّب ممثَّل زُحَل، على أنَّه يتحرّك
الحركةَ البطيئةَ والمعدَّل الحركة السريعة. وأيضاً يجوز أن يكونَ فيما سمّوه الفلكَ
الأطلسَ كواكبُ لا تُرى لصغرها جدّاً، أو تُرى وهي سريعةُ الحركة، ولم يُرصَد
كلُّ كوكبٍ ليتحقَّقَ بطءُ حركةِ الجميع، وأيضاً يجوز أن تكونَ السياراتُ أكثرَ من
سبع، فيحتاج إلى أزيدَ من سبع سماوات، ويقرِّب هذا ظَفَرُ أهلِ الأرصاد
الجديدةِ بكوكبٍ سيَّارٍ غيرِ السبع سمَّوه باسم مَن ظَفِرَ به وأَدركه، وهو:
هرشل(١).
وبالجملة، لا قاطعَ فيما قالوه، وللشّيخ الأَكبرِ قدِّس سرُّه في هذا البابِ كلامٌ
آخَرُ مبناه الكشف، وهو أنَّ العرشَ الذي استوى الرحمنُ سبحانه علیه سریرٌ ذو
أركانٍ أربعة، ووجوهٍ أربعةٍ هي قوائمُه الأصلية، وهي على الماء الجامد، وفي
جوفه الكرسيّ، وهو على شكله في التربيع لا في القوائم، ومقرُّه على الماء الجامدِ
أيضاً، وبين مقعَّر العرشِ وبينه فضاء واسع وهواءٌ مخترق، وفي جوف الكرسيِّ
خلق الله تعالى الفلكَ الأطلس، جسماً شفَّافاً مستديراً مقسَّماً إلى اثني عشرَ قسماً،
هي البروجُ المعروفة، وفي جوفه الفلكُ المكوكب، وما بينهما الجنَّات، وبعد أن
خلق الله تعالى الأرَضين واكتسى الهواءُ صورةَ الدخان، خلق اللهُ سبحانه السماواتِ
السَّبع، وجعل في كلٍّ منها كوكباً، وهي الجواري(٢).
وزعم الخفاجيُّ(٣) أنَّ المرادَ بالفلك في الآية الفلكُ الأَعظم؛ لأنَّ الشمسَ
والقمر - وكذا سائرُ الكواكب - تتحرَّك بحركته، فالسباحةُ عنده عبارةٌ عن الحركة
القَسْرية. وفي القلب من ذلك شيء.
ثم - على ما هو الظاهرُ من أنَّ لكلِّ واحدٍ فلكاً يخصُّه - ذهبوا إلى أنَّ
فلكَ الشمسِِ فوق فلكِ القمر؛ لمَا أنَّه يكسفها، والمكسوفُ فوق الكاسفِ
(١) وليم هرشل (١٧٣٨-١٨٢٢م) فلكي إنكليزي من أصل ألماني. ينظر المنجد في الأعلام
ص٧٢٧ .
(٢) الفتوحات المكية ٤٣١/٣-٤٣٣.
(٣) في حاشيته ٧/ ٢٤٤ .

الآية : ٤٠
٣٥٧
سُوٌوَ لاَيَسْ
ضرورةً، وذكر معظمُ أهلِ الهيئةِ أنَّ الفلكَ الأدنَى فلكُ القمر، وفوقه فلكُ
عطارد، وفوقه فلكُ الزُّهَرة، وفوقه فلكُ الشمس، وفوقه فلكُ المِرِّيخ، وفوقه
فلكُ المشتري، وفوقه فلكُ زُحَل. واستدلُّوا على بعضٍ ذلك بالكسف، وعلى
بعضه الآخَر بأنَّ فيه حُسنَ الترتيبِ وجَودةَ النظام. ولا مانعَ فيما أرى من
القول بذلك، لكن لا على الوجهِ الذي قال به أهلُ الهيئةِ من كون السماوات
هي الأفلاكَ الدائرة، بل على وجهٍ يتأتَّى معه القولُ بسكون السماواتِ ودورانِ
الكواكبٍ في أَفلاكها ومجاريها بعضِها فوقَ بعض، وقد مرَّ لك ما ينفعك في
هذا المقامِ فراجعْه.
وجوِّز كونُ ضميرٍ ((يسبحون)) عائداً على الكواكب، ويُشعر بها ذِكرُ الشمسِ
والقمرِ والليلِ والنهار، ورجّح على الأوَّل بأنَّ الإِتيانَ بضمير الجمعِ عليه ظاهرٌ
لا يحتاج إلى تكلُّف، بخلافه على الأوَّل، فإنَّه مُحوِجٌ إلى أن يقال: اختلافُ
أحوالِ الشمسِ والقمرِ في المطالع وغيرِها نزّل منزلةَ تعدُّد أفرادِهما، فكان المرجعُ
شموساً وأقماراً.
وظنِّي أنَّه لا يحتاج إلى ذلك، بناءً على أنَّه قد يُعتبر الاثنان جمعاً، أو بناءً على
ما قال الإمامُ(١) من أنَّ لفظَ ((كلّ) يجوز أن يوحَّدَ نظراً إلى لفظه، وأن يُجمعَ نظراً
إلى كونِه بمعنى الجميع، وأمَّا التثنيةُ فلا يدلُّ عليها اللفظُ ولا المعنى، قال: فعلى
هذا يَحسُن أن يقال: زيدٌ وعَمْرٌو كلٌّ جاء، و: كلٌّ جاؤوا، ولا يَحسُن: كلٌّ جاءا،
بالتثنية .
واستُدلَّ بالإِتيان بضمير جمع العقلاءِ على أنَّ الشمسَ والقمرَ من ذوي العقول.
وأُجيب بأنَّ ذاك لِمَا أنَّ المسندَ إليهما فعلُ ذوي العقول، كما في قوله تعالى في
حقِّ الأصنام: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] وقوله سبحانه: ﴿أَلَا تَأْكُونَ﴾
[الصافات: ٩١]. والظواهرُ غيرَ ما ذُكر مع المستدلِّين.
واستَدلَّ بالآية بعضُ فلاسفةِ الإسلامِ القائلين باتِّحاد السماءِ والفلكِ على
(١) في التفسير الكبير ٢٦/ ٧٥.

سُوَةٌ يَسْ
٣٥٨
الآية : ٤٠
استدارةِ السماءِ، وجعلوا من اللطائفِ فيها أنَّ ((كلٌّ في فلك)) لا يستحيل
بالانعکاس، نحو: کلامُك کمالك، وسِرْ فلا کبا بكَ الفرس، وقالوا: لا يعكّر
على ذلك أنَّه سبحانه سمَّاها سقفاً في قوله عزَّ قائلاً: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥]
لأنَّ السقفَ المقبَّبَ لا يخرج عن كونه سقفاً بالتقبيب.
وأنت تعلم أنَّ السماواتِ غيرُ الأَفلاك، ومع هذا أقول باستدارة السماواتِ
كما ذهب إليه بعضُ السلف، وبعضُ ظواهرِ الأخبار يقتضي أنَّها أنصافُ كرات،
كلُّ سماءٍ نصفُ كرة، كالقبَّة على أرضٍ من الأَرَضين السبع، وإليه ذهب الشيخُ
الأَكبر(١)، وقال بالاستدارة لفلك المنازل دون السماواتِ السَّبع، وادَّعى أنَّ تحت
الأَرَضينَ السبع التي على كلٍّ منها سماءٌ ماءً، وتحته هواءٌ، وتحته ظُلمة، وعليه
فليُتأمَّل في كيفية سيرِ الكوكبِ بعد غروبِه حتى يطلع.
ثم إنَّ الفلاسفةَ الذاهبين إلى استدارة السماءِ تمسّكوا في ذلك بأدلَّة،
أقربُها ۔ علی ما قيل - دليلان:
الأوَّل: أنَّا متى قصدنا عدةَ مساكنَ على خطّ واحدٍ من عرض الأرض،
وحصَّلنا الكواكبَ المارَّةَ على سَمت رأسٍ في كلِّ واحدةٍ منها، ثم اعتبرنا أَبعادَ
ممرَّات تلك الكواكبِ في دائرة نصفِ النهارِ بعضِها من بعض، وجدناها على نِسَب
المسافاتِ الأرضيةِ بين تلك المساكن، وكذلك وجدنا ارتفاعَ القطبِ فيها متفاضلاً
بمثل تلك النِّسب، فتحدُّب السماءِ في العرض مشابهٌ لتحدُّب الأرضِ فيه، لكنَّ هذا
التشابه موجودٌ في كلِّ خطّ من خطوط العرض، وكذا في كلِّ خطّ من خطوط
الطول، فسطحُ السماءِ بأسْره موازٍ لسطح الظاهرِ من الأرض بأسره، وهذا السطحُ
مستديرٌ حسّاً، فكذا سطحُ السماءِ الموازي له.
والثاني: أنَّ أصحابَ الأرصادِ دوَّنوا في كتبهم مقاديرَ أجرامِ الكواكب،
وأبعاد ما بينها في الأماكن المختلفةِ في وقتٍ واحد كما في أَنصاف نهارٍ تلك
(١) انظر الفتوحات المكية ٤٣٩/٣.

الآية : ٤١
٣٥٩
الأماكنِ مثلاً متساوية، وهذا يدلُّ على تساوي أَبعادِ مراكزِ الكواكبِ عن مناظر
الإبصار المستلزم لتساوي أبعادها عن مركز العالم؛ لاستدارة الأرضِ المستلزمِ
الكون جِرم السماءِ كُرَيّاً.
ونوقش في هذا بأنَّه إنَّما يصحُّ أنْ لو كان الفلكُ ساكناً والكوكبُ متحرِّكاً، إذ
لو كان الفلكُ متحرِّكاً، جاز أن يكونَ مربَّعاً، وتكون مساواةُ أبعادِ مراكز الكواكب
عن مناظر الإِبصارِ وتساوي مقادير الأجرام للكواكب حاصلة.
وفي الأوَّل بأنَّه إنَّما يصحُّ لو كان الاعتبارُ المذكورُ موجوداً في كلِّ خطّ من
خطوط الطول والعرض. ولا يخفَى جَرَيانُ كلٍّ من المناقشتين في كلٍّ من
الدليلين، ولهم غيرُ ذلك من الأدلَّة مذكورةٌ - بما لها وعليها - في مطوَّلات
کتبهم.
﴿وَءَيَّةٌ لَّمْ أَنَا حَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ﴾ أي: أولادَهم. قال الراغب(١): الذرِّيةُ أصلُها
الصّغار من الأولاد، ويقع في التعارفِ على الصِّغار والكبار معاً، ويُستعمل للواحد
والجمع، وأصلُه للجمع، وفيه ثلاثةُ أقوال: فقيل: هو مِن: ذرأَ اللهُ الخَلْقِ، فَتُرك
همزتُه، نحو: بَرِيَّة ورَويَّة. وقيل: أصله: ذُرْوِيَّة. وقيل: هو فُعْلِيّة من الذرّ، نحو:
قُمْريَّة(٢).
واستظهر حمله على الأولاد مطلقاً أبو حيَّان(٣)، وجوَّز غيرُ واحدٍ أن يُحملَ
على الكبار؛ لأنَّهم المبعوثون للتجارة، أي: حملناهم حين يبعثونهم للتِّجارة ﴿فِی
اُلْفُلْكِ﴾ أي: السفينة، سمِّيت بذلك - على ما في ((مَجمَع البيان)»(٤) - لأنَّها تدور في
الماء ﴿الْمَشْحُونِ ﴾﴾ أي: المملوء.
وقيل: هو مستعملٌ على أصله، وهم الأولادُ الصِّغار الذين يستصحبونهم.
(١) في المفردات (ذرو).
(٢) هو ضرب من الحمام. القاموس (قمر).
(٣) في البحر المحيط ٣٣٨/٧.
(٤) ٢٧/٢٣.

الآية : ٤٢
٣٦٠
وقيل: المرادُ به النساء؛ فإنَّه يُطلَق عليهنّ. وفي الحديث أنَّه عليه الصلاة
والسلام نهى عن قتل الذَّراري، وفسّر بالنساء(١).
وفي ((الفائق)): قال حنظلةُ الكاتب: كثَّا في غَزاةٍ عند رسولِ اللهِِّ، فرأى
امرأةً مقتولة، فقال: ((هاه، ما كانت هذه تقاتِل، الحقْ خالداً وقل: لا تقتلنَّ ذُرِّيةً
ولا عسيفاً)) وهي نسلُ الرجل، وأُوقعت على النساءِ كقولهم للمطر: سماء(٢).
ويراد بالنِّساء: اللاتي يستصحبونهنّ.
وتخصيصُ الذريةِ على هذين القولَين بالذِّكر؛ لأنَّ استقرارَهم وتماسكهم في
الفُلك أعجب.
وقيل: تُطلق الذريةُ على الآباءِ وعلى الأَبناء، قاله أبوعثمان. وتعقّبه ابنُ
عطيةَ(٣) بأنَّه تخليطٌ لا يُعرف في اللغة.
وقيل: الذرِّية: النُّطَف، والفُلكُ المشحونُ: بطونُ النساء. ذكره الماوردي،
ونسب إلى عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه(٤). والظاهرُ أنَّه لم يصحَّ ذلك عنه نظ ◌ُبه، وفي
الآية ما يُبعده، وهو أشبهُ شيءٍ بتأويلات الباطنية.
والمرادُ بالفُلك جنسُه، والوصفُ بالمشحون أقوَى في الامتنانِ بسلامتهم فيه،
وقيل: لأنَّه أبعدُ من الخطر. وإِرادةُ الجنس مرويةٌ عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ
والسُّدِّي.
وفسِّر ما في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَزْكَبُونَ
عليه بالإبل؛ فإنَّها
٤٣
سفائنُ البَرّ، لكثرة ما تحمل وقِلَّةِ كَلالِها في المسير، وإِطلاقُ السفائنِ عليها شائع،
كما قيل:
(١) الكشاف ٣/ ٣٢٤، وينظر التعليق الآتي.
(٢) الفائق ٧/٢، والحديث أخرجه النسائي في الكبرى (٨٥٧٣)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، وأحمد
(١٧٦١٠) من حديث حنظلة الكاتب له. وأخرجه النسائي (٨٥٧١) و(٨٥٧٢)، وابن
ماجه (٢٨٤٢)، وأحمد (١٥٩٩٢) من حديث رباح بن الربيع
(٣) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٣٣٨/٧.
(٤) في النكت والعيون ١٩/٥.