Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ١١ ٢٨١ ولمَّا بَيَّن كونَ الإنذار عندَهم كعدمه، عقّب ببيان مَن يتأثَّر منه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُذِرُ﴾ أي: إنذاراً مستتبعاً للأثر ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: القرآنَ - كما رُوي عن قتادة - بالتأمُّل فيه والعملِ به. وقيل: الوعظَ. واتَّبع بمعنى يَتَّبع، والتعبيرُ بالماضي لتحقّق الوقوع، أو المعنى: إنَّما ينفع إنذارُك المؤمنين الذين اتَّبعوا. ويكون المرادُ بـ ((مَن اتَّبع)) المؤمنين، وبالإِنذار الإِنذارَ عمَّا يفرط منهم بعد الاتِّباع، فلا يَلزم تحصيلُ الحاصل. وقيل: المرادُ: مَن اتّبع في علم اللهِ تعالى، وهم الأقلُّون الذين لم يحقَّ القولُ عليهم. ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ﴾ أي: عقابَه، ولم يغترَّ برحمته عزَّ وجلّ؛ فإِنَّه سبحانه مع عِظَم رحمتِه أليمُ العذاب، كما نطق به قولُه تعالى: ﴿نَّ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا ◌ٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩-٥٠] ومما قُرِّر يُعلَم سرُّ ذِكرِ الرحمنِ مع الخشيةِ دون القهَّار ونحوِه. بِالْغَيٍْ﴾ حالٌ من المضاف المقدَّرِ في نظم الكلام كما أشرنا إليه، أي: خشي عقابَ الرحمنِ حالَ كونِ العقابِ ملتبساً بالغيب، أي: غائباً عنه. وحاصلُه: خشي العقابَ قبل حلولِه ومعاينةٍ أَهواله. ويجوز أن يكونَ حالاً من فاعل ((خشي)) أي: خشي عقابَ الرحمنِ غائباً عن العقابِ غيرَ مشاهدٍ له، أو: خشي غائباً عن أَعيُن الناسِ غيرَ مُظهِرٍ الخشيةَ لهم؛ لأنَّها علانيةً قلَّما تسلم عن الرِّياء. وبعضُهم فسَّر الغيبَ بالقلب، وجعل الجارَّ متعلِّقاً بـ ((خشي))، أي: خشي في قلبه، ولم يكن مُظهِراً للخشية وليس بخاشٍ. قيل: ويجوز جعلُه حالاً من (الرحمن)). ولا يخفَى حالُه. والكلامُ في ((خشي)) على طرز الكلامِ في ((اتبع)). ﴿فَشْرَهُ بِمَغْفِرَوْ﴾ عظيمةٍ لِمَا سلف. وقيل: لما يَفْرُط منه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾﴾ حسنٍ لا يقادَر قَدْرُه لِما أَسلف. والفاءُ لترتيب البِشارة أو الأمرِ بها على ما قبلَها من اتّباعِ الذِّكر والخشية. وفي ((البحر): لمَّا أَجْدَت(١) فيه النِّذارة فبشِّره .. إلخ، فلا تغفل. (١) في مطبوع البحر ٣٢٥/٧: أحدث. الآية : ١٢ ٢٨٢ وعن قتادةَ تفسيرُ الأجرِ الكريمِ بالجنة، والمراد نعيمُها الشاملُ لما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌّ سمعت ولا خطر على قلبٍ بَشَر، وأجلُّ جميع ذلك رؤيةُ اللهِ عزَّ وجلَّ. وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُعِ الْمَوْقَى﴾ إلخ، تذييلٌ عامٌّ للفريقين المصمِّمَين على الكفر والمُشْفَعَين بالإِنذار، ترهيباً وترغيباً، ووعيداً ووعداً. وتكريرُ الضميرِ الإفادة الحصر، أو للتقوية. وما ألطفَ هذا الضميرَ الذي عكسُه كطرده هاهنا. وضميرُ العظمةِ للإشارة إلى جلالة الفعل، والتأكيدُ للاعتناءِ بأمر الخبر، أو لردِّ الإنكار؛ فإنَّ الكفرةَ كانوا يقولون: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا ◌َّْنُ بِعَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] أي: إنَّا نحن نحيي الأمواتَ جميعاً ببعثهم يومَ القيامةِ ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَعُوا﴾ ما أَسلفوه من الأعمال الصالحةِ والطالحةِ ﴿وَمَثَرَهُمْ﴾ التي أبقَوها بعدَهم من الحسنات؛ كعلم علَّموه، أو كتابٍ أَلَّفوه، أو حبيسٍ وقفوه، أو بناءٍ في سبيل اللهِ تعالى بنَوه، وغيرِ ذلك من وجوه البِرِّ، ومن السيِّئات؛ كتأسيس قوانينِ الظلم والعدوان، وترتيبٍ مبادئ الشرِّ والفساد، فيما بين العباد، وغيرِ ذلك من فنون الشرورِ التي أَحدثوها وسُّوها بعدَهم للمفسدين . أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن جَرير بنِ عبد اللهِ البَجَليِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (مَن سنَّ سُنَّةً حسنة، فله أجرُها وأجرُ مَن عمل بها مِن بعده من غيرِ أن يَنقصَ من أجورهم شيئاً، ومن سنَّ سُنَّةً سيِّئة، كان عليه وِزرُها ووزرُ مَن عمل بها مِن بعده لا ينقص من أوزارهم شيئاً، ثم تلا: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَمَاثَرَهُمْ))(١). وعن أنسٍ أنَّه قال في الآية: هذا في الخَطو يومَ الجمعة. وفسَّر بعضُهم الآثارَ بالخُطا إلى المساجد مطلقاً؛ لِمَا أخرج عبدُ الرزاق، وابنُ جَرِير، وابنُ المنذر، والترمذيُّ وحسَّنه، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: كان بنو سَلِمة في ناحيةٍ من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قُرب المسجد، فأنزل الله تعالى: (إِنَّا (١) سلف أصله ١٠/ ٤٨٢. الآية : ١٢ ٢٨٣ سٌلا يَسْ نَحْنُ نُحِي الْمَوْقَدْ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّعُواْ وَمَثَرَهُمَّ) فدعاهم رسولُ اللهِ وَله فقال: ((إنَّه يكتب آثاركم)) ثم تلا عليهم الآيةَ، فتركوا(١). وأَخرج الإِمام أحمدُ في ((الزُّهد)) وابنُ ماجه(٢) وغيرُهما عن ابن عباسٍ قال: كانت الأنصارُ منازلُهم بعيدةً من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمّ) فقالوا: بل نمكث مكاننا. وأنت تعلم أنَّه لا دلالةَ فيما ذُكر على أنَّ الآثارَ هي الخطا لا غير، وقُصارى ما يدلُّ عليه أنَّها من الآثار، فلتُحمَل الآثارُ على ما يعمُّها وغيرها . واستُدلَّ بهذين الخبرَين ونحوِهما على أنَّ الآيةَ مدنيّة. وقال أبو حيَّان(٣): ليس ذلك زعماً صحيحاً. وشُنِّع عليه بما ورد ممَّا يدلُّ على ذلك، وانتصر له الخفاجيّ(٤) بأنَّ الحديثَ الدالَّ معارَضٌ بما في الصحيحين(٥) أنَّ النبيَّ وَ ل ◌َ قرأ لهم هذه الآية، ولم يذكرْ أنَّها نزلت فيهم، وقراءتُه عليه الصلاة والسلام لا تنافي تقدُّمَ النزول، ومرادُ أبي حيانَ هذا، لا أنَّه أَنكر أصلَ الحديث. ولا يخفى أنَّ الحديثين السابقين ظاهران في أنَّ الآيةَ نزلت يومَئذ، وليس في حديث الصَّحیحین ما یعارِض ذلك، والعجبُ من الخفاجيّ كيف خفي عليه هذا. وقيل: ((ما قدَّموا)) من النيَّات ((وآثارهم)) من الأعمال. والظاهرُ أنَّ المرادَ بالكتابة الكتابةُ في صحف الملائكةِ الكرامِ الكاتبين، ولكونها بأمره عزَّ وجلَّ أُسندت إليه سبحانه، وأُخّرت في الذِّكر عن الإِحياء مع أنَّها مقدَّمة عليه؛ لأنَّ أثرَها إنَّما يظهر بعده، وعلى هذا يَضعُفُ تفسيرُ (ما قدَّموا)) بالنيات، بناءً على ما يدلُّ عليه بعضُ الأخبارِ من أنَّ النياتِ لا تطّلع عليها الملائكةُ عليهم السلامُ ولا يؤمرون بكتابتها . (١) مصنف عبد الرزاق (١٩٨٢)، وسنن الترمذي (٣٢٢٦)، وتفسير الطبري ٤١٠/١٩. (٢) في سننه (٧٨٥). (٣) في البحر ٣٢٢/٧. (٤) في حواشيه ٢٣١/٧. (٥) صحيح البخاري (٦٥٥) و(٦٥٦) من حديث أنس ر ◌ُه، وصحيح مسلم (٦٦٥) من حديث جابر ق سُبَ ةُ يَسْن ٢٨٤ الآية : ١٢ وفسَّر بعضُهم الكتابةَ بالحفظ، أي: نحفظ ذلك ونُثبته في علمنا، لا ننساه ولا نُهمله، كما يُثَبَت المكتوبُ. ولعلك تختار أنَّ كتابةَ ما قدَّموا وآثارَهم كنايةٌ عن مجازاتهم عليها، إن خيراً فخيرٌ وإن شرّاً فشرّ، وحينئذٍ فوجهُ ذِكرها بعد الإحياء ظاهر. وعن الحسنِ والضَّّاك أنَّ إحياءَ اللهِ تعالى الموتى أن يُخرجَهم من الشِّرك إلى الإِيمان، وجعلا الموتَ مجازاً عن الجهل. وتعريفُ ((الموتى)) للعهد، والكلامُ عليه توكيدٌ للوعد المبشَر به، كأنَّه قيل: إنَّما ينفع إِنذارُك في هؤلاء لأنَّا نُحييهم ونكتب صالحَ أعمالِهم وآثارهم. ولا يخفَى ما في ذلك من البُعد. وقرأ زِرِّ ومسروق: ((ويُكتَب)) بالياءِ مبنيّاً للمفعول، و((آثارُهم)) بالرَّفع(١). ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء كائناً ما كان. والنصبُ على الاشتغال، أي: وأَحصينا كلَّ شيءٍ ﴿أَحْصَيْتَهُ﴾ أي: بيَّنَّاه وحفظناه. وأصلُ الإِحصاءِ العدّ، ثم تجوِّز به عمّا ذُكر لأنَّ العدَّ لأجله. ﴿فيّ إِمَامٍ﴾ أي: أصلٍ عظيم الشأن، يؤتمُّ ويقتدَى به، ويُتْبَع ولا يخالَف مُظهِرٍ لما كان وسيكون. وهو - على ما في ((البحر))(٢) حكايةً عن ﴿قُبِينٍ ﴾﴾ مجاهدٍ وقتادةً وابنٍ زيد - اللوحُ المحفوظ، وبيانُ كلِّ شيءٍ فيه إذا حُمِل العمومُ على حقيقته بحيث يشمل حوادثَ الجنةِ وما يتجدَّد لأَهلها من دون انقطاع، على نحو ما يُحكَى من بيان الحوادثِ الكونِيَّةِ في الجفر الجامع، لكنَّه على طَرٍ أَعلى وأشرف، ونحوُ هذا ما قال غيرُ واحدٍ من اشتمال القرآنِ الكريمِ على كلِّ شيءٍ حتى أسماءِ الملوكِ ومُدَدٍ ملکھم. أو يقال: إنَّ بيانَ ذلك فيه ليس دفعةً واحدة، بل دَفَعات، بأن يبيَّنَ فيه جملةٌ من الأشياء، كحوادث ألفٍ سنةٍ مثلاً، ثم تمحَى عند تمامِ الألف، ويبيَّن فيه جملةٌ (١) البحر ٣٢٥/٧، والقراءات الشاذة ص ١٢٤، وفيه: ابن مسروق. (٢) ٣٢٥/٧. الآية : ١٢ ٢٨٥ سُوَ لاَ يَس أخرى، كحوادث ألفٍ أخرى، وهكذا. والداعي لما ذُكر أنَّ اللوحَ عند المسلمين جسم، وكلُّ جسم متناهي الأبعادِ كما تشهد به الأدلَّة، وبيانُ كلِّ شيءٍ فيه على الوجه المعروفِ لنّا دفعةً مقتضٍ لكون المتناهي ظرفاً لغير المتناهي، وهو محالٌ بالبديهة . وإذا أُريد بـ ((كلّ شيءٍ) الأشياءُ التي في هذه النشأةِ وأفعالُ العبادِ وأحوالُهم فيها، فلا إشكالَ في البيان على الوجه المعروفِ دفعة. والذي يترجَّح عندي أنَّ ما كُتب في اللَّوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهو متناهٍ، وبعضُ الآثارِ تشهد بذلك، والمطلقُ منها محمولٌ على المقيَّدَ، وحقيقةٌ اللوحِ لم يَرِد فيها ما يفيد القطع؛ ولذا نُمسك عن تعيينها، وكونُ أحدٍ وجهَيه ياقوتةً حمراءَ والثاني زمرُّدةً خضراءَ جاء في بعض الآثارِ، ولا جزم لنا بصحّته، وكونُه أحدَ المجرَّدات وما من شيءٍ إلَّا وهو يعلمه بالفعل ممَّا لم يذهب إليه أحدٌ من المسلمين، وإنَّما هو من تخيُّلات الفلاسفةِ ومَن حذا حَذوَهم، فلا ينبغي أن يعوَّلَ عليه . وفسَّر بعضُهم الإمامَ المبينَ بعلمه تعالى الأَزليّ، كما فسِّر (أُمُ الْكِتَبِ) في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩] به، وهو أصلٌ لا يكون في صفوف صنوفِ الممكناتِ ما يخالفه، کما يلوح به قولُ الشافعيِّ رحمه الله : خلقتَ العبادَ على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمُسِنُّ(١) ووصفُه بمُيين لأنَّه مُظهِر، فقد قالوا: العلمُ صفةٌ يتجلَّى بها المذكورُ لمن قامت به. أو لأنَّ إِظهارَ الأشياءِ من خزائن العدم يكون بعد تعلُّقِه، فإنَّ القدرةَ إنَّما تتعلَّق بالشيء بعدَ العلم، فالشيءُ يُعلَم أولاً، ثمَ يراد، ثم تتعلَّق القدرةُ بإيجاده فيوجد. ولا يخفَى ما في هذا التفسيرِ من ارتكاب خلافِ الظاهر، وعليه فلا كلامَ في العموم، نَعَم في كيفية وجودِ الأشياءِ في علمه تعالى كلامٌ طويلٌ محلَّه كتبُ الكلام. وعن الحسن أنَّه أُريد به صُحفُ الأَعمال. وليس بذاك. (١) الوافي بالوفيات ١٧٩/٢ وفيه: على ما أردت. سَُّلاَ يَسْ ٢٨٦ الآية : ١٣ وحُكي لي عن بعض غُلاةِ الشيعةِ أنَّ المرادَ بالإِمام المبينِ عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وإِحصاءُ كلِّ شيءٍ فيه من باب: ليس على اللهِ بمستنكّرٍ أن يجمعَ العالَمَ في واحدٍ(١) ومنهم مَن يزعم أنَّ ذلك على معنى جعلِه كرَّم اللهُ تعالى وجهَه خزانةً للمعلومات على نحو اللَّوح المحفوظ. ولا يخفَى ما في ذلك من عظيم الجهلِ بالكتاب الجليلِ، نسأل اللهَ تعالى العفو والعافية. ويمكن أنْ يقال: إنَّهم أرادوا بذلك نحوَ ما أراده المتصوِّفة في إِطلاقهم الكتابَ المبينَ على الإنسان الكاملِ اصطلاحاً منهم على ذلك، فيهون أمرُ الجهل، وكمالُ عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه لا يُنكره إلَّا ناقصُ العقلِ عديمُ الدِّين. وقرأ أبو السمَّال: ((وكلُّ) بالرَّفع على الابتداء(٢). ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ﴾ إمَّا عطفٌ على ما قبله عطفَ القصةِ على القصَّة، وإمَّا عطفٌ على مقدَّر، أي: فَأَنذرهم واضرِبْ لهم .. إلخ. وضربُ المثلِ يستعمل تارةً في تطبيق حالةٍ غريبةٍ بأخرى مثلها، كما في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ الآية [التحريم: ١٠] وأخرى في ذِكر حالةٍ غريبةٍ وبيانِها للناس من غيرٍ قصدٍ إلى تطبيقها بنظيرةٍ لها، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] في وجه، أي: بينًا لكم أحوالاً بديعةً هي في الغرابة كالأَمثال. فالمعنى على الأوَّل: إِجعل أصحابَ القريةِ مثلاً لهؤلاء في الغُلوِّ في الكفر والإِصرارِ على التكذيب، أي: طبّق حالَهم بحالهم، على أنَّ (مَثَلاً)) مفعولٌ ثانٍ لـ «إِضرِبْ))، و((أَصحابَ القرية)) مفعولُه الأوَّل أُخِّر عنه ليَّصلَ به ما هو شرحُه وبيانُه. وعلى الثاني: اذكرْ وبيِّن لهم قصةً هي في الغرابةِ كالمثل. (١) قائله أبو نواس، وهو في ديوانه ص ٢١٨ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والبحر ٣٢٥/٧. الآية : ١٤ ٢٨٧ سُوٌَّلُ كَسْنَ وقولُه سبحانه: (أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ) بتقديرِ مضاف، أي: مثلَ أصحابِ القرية، وهذا المضافُ بدلٌ من ((مثلاً)) بدلَ كلٍّ من كلّ، أو عطفُ بيان له على القولِ بجواز اختلافِهما تعريفاً وتنكيراً، وجوِّز أن يكونَ المقدَّر مفعولاً وهذا حالاً . والقرية - كما رُوي عن ابن عباسٍ وبُريدةً وعكرمة - أنطاكية، وفي ((البحر))(١) أنَّها هي بلا خلاف. ﴿إِذ ◌َءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾ بدلُ اشتمالٍ من («أصحاب القرية))، أو ظرفٌ للمقدَّر. وجوِّز أن يكونَ بدلَ كلِّ من ((أصحاب)) مراداً بهم قصَّتُهم، وبالظَّرف ما فيه، وهو تكلُّف لا داعيّ إليه. وقيل: ((إذ جاءها)) دونَ: إذ جاءهم، إشارة إلى أنَّ المرسلين أَتَوهم في مقرِّهم. والمرسَلون - عند قتادةَ وغيرِه من أجِلَّة المفسِّرين - رسلُ عيسى عليه السلام من الحواريِّين، بعثهم حين رُفع إلى السماء، ونسبةُ إرسالهم إليه تعالى في قولِه سبحانه: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَتْهِمُ أَثْنَيْنِ﴾ بناءً على أنَّه كان بأمره تعالى لتكميلِ التمثيلِ وتتميمٍ التسلية . وقال ابنُ عباس وكعب: هم رسلُ اللهِ تعالى. واختاره بعضُ الأَجِلَّة، واذَّعى أنَّ اللهَ تعالى أرسلهم رِدءاً لعيسى عليه السلام مقرِّرين لشريعته، كهارونَ لموسى عليهما السلام، وأيِّد بظاهر ((إذ أرسلنا إليهم اثنين)) وقولِ المرسَل إليهم: ((ما أنتم إلا بشر مثلنا)) إذ البشريّةُ تنافي - على زعمهم - الرسالةَ من اللهِ تعالى لا من غيره سبحانه. واستدلَّ البعضُ على ذلك بظهورِ المعجزة، كإِبراء الأَكمهِ وإِحياء المیِّتِ على أيديهم، كما جاء في بعضٍ الآثار، والمعجزةُ مختصَّة بالنبيِّ على ما قرِّر في الكلام. ومَن ذهب إلى الأوَّل أَجاب عن الأوَّل بما سمعت، وعن الثاني بأنَّهم إمَّا أن يكونوا دَعَوهم على وجهٍ فهموا منه أنَّهم مبلِّغون عن الله تعالى دونَ واسطة، أو أنَّهم جعلوا الرسلَ بمنزلة مرسِلهم، فخاطبوهم بما يُبطل رسالتَه، ونزَّلوه منزلةَ الحاضرِ (١) ٣٢٦/٧. الآية : ١٤ ٢٨٨ تغليباً، فقالوا ما قالوه. وعن الثالث بأنَّ ما ظهر على أيديهم - إن صحَّ الأثر - كان كرامةً لهم في معنى المعجزةِ لعيسى عليه السلام، ولا يتعيَّن كونُه معجزةً لهم إلاّ إذا كانوا قد ادَّعوا الرسالةَ من الله تعالى بدون واسطة، وهو أوَّل المسألة. و((إذ)) بدلٌ من ((إذ)) الأُولى، والاثنان قيل: يوحنّا وبولس، وقال مقاتل: تومان وبولس، وقال شعيبٌ الجبائي: شمعون ويوحنا، وقال وهبٌّ وكعب: صادق وصدوق، وقيل: ناروص وماروص. وقيل: ((أرسلنا إليهم)) دونَ: أَرسلنا إليها؛ ليطابقَ ((إذ جاءها))، لأنَّ الإِرسالَ حقيقةً إنَّما يكون إليهم لا إليها، بخلاف المجيء، وأيضاً التعقيبُ بقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ عليه أَظهر، وهو هنا نظيرُ التعقيبِ في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجِّ فَأَنْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وسمِّيت الفاءَ الفصيحة؛ لأنَّها تُفصح عن فعلٍ محذوف، وكان أصحابُ القريةِ إذ ذاك عبَّادَ أصنام. ﴿فَعَزَّْنَا﴾ أي: فقوَّيناهما وشددنا. قاله مجاهدٌ وابنُ قتيبة (١)، وقال: يقال: تعزّز لحمُ الناقة، إذا صَلُب. وقال غيرُه: يقال: عزَّز المطرُ الأرض، إذا لبَّدها وشدَّها، ويقال للأرض الصُّلبة: العَزَاز، ومنه العِزُّ بمعناه المعروف. ومفعولُ الفعلِ محذوف، أي: فعزَّزناهما ﴿بِثَالِثٍ﴾ لدَلالة ما قبلَه عليه؛ ولأنَّ المقصودَ ذِكرُ المعزَّز به. وهو - على ما رُوي عن ابن عباس - شمعون الصفا، ويقال: سمعان، أيضاً. وقال وهبٌّ وكعب: شلوم. وعند شُعَيب الجبائي: بولص، بالصاد، وبعضُھم یحکیه بالسِّين. وقرأ الحسنُ وأبو حَيوة وأبو بكرٍ والمفضَّل وأَبان: ((فعزَزْنا)) بالتخفيف(٢)، وهو والتشديدُ لغتان، كـ : شدَّده(٣) وشدَدَه، فالمعنى واحد. وقال أبو عليّ(٤): المخفَّف (١) في غريب القرآن ص ٣٦٤. (٢) البحر ٣٢٦/٧، وقراءة أبي بكر في التيسير ص ١٨٣، والنشر ٣٥٣/٢. (٣) في الأصل و(م): شده، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٣٥/٧، والكلام منه. (٤) في الحجة ٣٨/٦. الآية : ١٥ ٢٨٩ ◌ُ لاَيَسْنَ مِن: عزَّه، إذا غلبه، ومنه قولُهم: مَن عزَّ بزّ، أي: مَن غلب سلب، والمعنى عليه: فغلبناهم بحجّة ثالث. وقرأ عبدُ الله: ((بالثَّالث))(١). ﴿فَقَالُواْ﴾ عطفٌ على ((فكذبوهما فعززنا)) والفاءُ للتعقيب، أي: فقال الثلاثةُ بعدَ تكذيبٍ الاثنين والتعزيزِ بثالث: ﴿إِنّاَ إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾﴾ ولا يضرُّ في نسبة القولِ إلى الثلاثة سكوتُ البعض؛ إذ يكفي الاتِّفاق، بل قالوا: طريقةُ التكلّم مع الغير كونُ المتكلِّمِ واحداً والغيرِ مثَّفقاً معه. ﴿قَالُواْ﴾ أي: أصحابُ القريةِ مخاطِبِين للثلاثة: ﴿مَآ أَنْتُمْ لِلَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ من غير مزيَّةٍ لكم علينا موجبةٍ لاختصاصكم بما تدَّعونه. ورفعُ ((بشر)) لانتقاض النفي بـ ((إلََّ))؛ فإنَّ ((ما)) عملت حملاً على ((ليس))، فإذا انتقض نفيُها بدخول ((إلَّا)) على الخبر، ضَعُفَ الشَّبَهُ فيها، فبطل عملُها، خلافاً ليونس. و(مثل)) صفةُ (بشر)) ولم يكتسب تعريفاً بالإِضافة كما عُرِف في النحو. ﴿وَمَآ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ﴾ مما تدَّعون من الوحي على أحد. وظاهرُ هذا القولِ يقتضي إقرارَهم بالألوهية، لكنَّهم يُنكرون الرسالَةَ ويتوسّلون بالأَصنام، وكأنَّ تخصيصَ هذا الاسمِ الجليلِ من بين أسمائه عزَّ وجلَّ لزعمهم أنَّ الرحمةَ تأبى إنزالَ الوحي؛ لاستدعائه تكليفاً لا يعود منه نفعٌ له سبحانه، ولا يتوقَّف إيصالُه تعالى الثوابَ إلى العبد عليه. وقيل: ذِكر الرحمنِ في الحكاية لا في المحكيّ، وهم قالوا: لا إلهَ ولا رسالة؛ لما في بعض الآثارِ أنَّهم قالوا: ألنا إلهٌ سوى آلهتنا؟ والتعبيرُ به لحلمه تعالى عليهم، ورحمتِّه سبحانه إِيَّاهم بعدم تعجيلِ العذابِ آنَ إِنكارهم. ولعلَّ ما تقدَّم أَوْلى وأظهر، ولا جزمَ بصحّة ما ينافيه من الأَثر. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾﴾ فيما تدَّعون. وهذا تصريحٌ بما قصدوه من الجملتين السابقتين، واختيارُ ((تَكْذِبون)) على: كاذبون، للدَّلالة على التجدُّد. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٤- ١٢٥، والبحر المحيط ٣٢٦/٧-٣٢٧. سُؤَةٌ يَسْنَ ٢٩٠ الآية : ١٦ - ١٧ ﴾ استشهدوا بعلم اللهِ ﴿قَالُواْ﴾ أي: المرسَلون: ﴿رَبَُّا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ تعالى، وهو جارٍ مَجرى القَسَم في التأكيد والجوابِ بما يجاب به، وذُكر أنَّ مَن استشهد به كاذباً يكفر، ولا كذلك القَسَّمُ على كذب، وفيه تحذيرُهم معارضةَ علمِ اللهِ تعالى. وفي اختيار عنوانِ الرُّبوبية رمزٌ إلى حكمة الإِرسال، كما رمز الكَفَرةُ إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافةُ ربِّ إلى ضمير الرسلٍ لا يأبى ذلك، ويجوز أن يكونَ اختيارُه لأنَّه أوفقُ بالحال التي هم فيها من إِظهار المعجزِ على أيديهم، فكأنَّهم قالوا: ناصرُنا بالمعجزات يعلم إنَّا إليكم لَمرسَلون. وتقديمُ المسندِ إليه لتقويةٍ الحكم، أو للحصر، أي: ربُّنا يعلم لا أنتم؛ لانتفاء النظرِ في الآيات عنكم. ﴿وَمَا عَلَيْنَاً إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ ﴾﴾ إلَّا تبليغُ رسالتِه تعالى تبليغاً ظاهراً بيِّناً، بحيث لا يخفى على سامعه، ولا يقبل التأويلَ والحملَ على خلاف المرادِ أصلاً، وقد خرجنا من عُهدته، فلا مؤاخذةً علينا من جهة ربِّنا. كذا قيل. والأولى أن يفسّر التبليغُ المبينُ بما قُرن بالآيات الشاهدةِ على الصحّة، وهم قد بلَّغوا كذلك، بناءً على ما رُوي من أنَّهم أَبرؤوا الأَكمهَ وأَحيّوا الميِّت، أو أنَّهم فعلوا خارقاً غيرَ ما ذُكر ولم ينقَلْ لنا، ولم يُلَزَم في الكتاب الجليلِ ولا في الآثار ذِكرُ خارقٍ كلِّ رسولٍ كما لا يخفى. ثم إنَّ ذلك إمَّا معجزةٌ لهم على القول بأنَّهم رسلُ اللهِ تعالى بدون واسطة، أو كرامةٌ لهم معجزةٌ لمرسِلهم عيسى عليه السلام على القول بأنَّهم رسلُه عليه السلام، والمعنى: ما علينا من جهة ربِّنا إلَّا التبليغُ البَيِّن بالآيات، وقد فعلنا، فلا مؤاخذةَ علينا. أو: ما علينا شيءٌ نطالَب به من جهتكم إلَّا تبليغُ الرسالةِ على الوجه المذكور، وقد بلَّغنا كذلك، فأيَّ شيءٍ تطلبون منا حتى تصدِّقونا بدعوانا. ولكون تبليغِهم كان بيِّناً بهذا المعنى، حَسُنَ منهم الاستشهادُ بالعلم، فلا تغفُل. وجاء كلامُ الرسلِ ثانياً في غاية التأكيدِ لمبالغة الكَفَرةِ في الإِنكار جدًّا، حيث أَتَوا بثلاث جُمَل، وكلٌّ منها دالٌّ على شدّة الإِنكار، كما لا يخفى على مَن له أدنَی تأمُّل، وجاء أولاً مؤكّداً بـ ((إنّ) واسميةِ الجملة فقط؛ لأن إنكارهم دون ذلك(١). (١) قوله: وجاء أولاً، إلى هذا الموضع ساقط من (م). الآية : ١٧ ٢٩١ سُوٌَّ لاَ يَسْن) قال السكّاكي(١): أكَّدوا في المرّة الأولى؛ لأنَّ تكذيبَ الاثنين تكذيبٌ للثالث، الاتّحاد المقالة، فلمَّا بالغوا في تكذيبهم، زادوا في التأكید. وقال الزمخشريّ(٢): إنَّ الكلامَ الأوَّل ابتداءُ إِخبار، والثاني جوابٌ عن إِنكار. ووجَّه ذلك السِّيدُ السندُ بأنَّ الأولَ ابتداءُ إِخبارٍ بالنظر إلى أنَّ مجموعَ الثلاثةِ لم يسبق منهم إِخبار، فلا تكذيبَ لهم في المرَّة الأولى، فيحمل التأكيدُ فيها على الاعتناءِ والاهتمام منهم بشأنِ الخبر. انتهى. وفيه أنَّ الثلاثةَ كانوا عالمين بإِنكارهم، والكلامُ المخرجُ مع المنكر لا يقال له: ابتداءُ إِخبار. وقال صاحبُ ((الكشف)): أراد أنَّه غيرُ مسبوقٍ بإخبارٍ سابق، ولم يُرِد أنَّه كلامٌ مع خالي الذِّهن، أو جَعَلَ الابتداءَ باعتبار قولِ الثالثِ أو المجموع. وقال الجلبي: لعل مرادَه أنَّه بمنزلة ابتداءِ إخبارٍ بالنسبة إلى إِنكارهم الثاني في عدم احتياجِه إلى مثل تلك المؤكِّدات، فكأن إِنكارهم الأوَّل لا يعدُّ إنكاراً بالنّسبة إلى إنكارهم الثاني، لا أنَّه ابتداءُ إخبارٍ حقيقة. ولا يخفى ضَعفُ ذلك. وقال الفاضلُ اليمني: إنَّما أِّد القولُ الأوَّل لتنزيلهم منزلةَ مَن أَنكر إرسالَ الثلاثة؛ لأنَّه قد لاح ذلك من إِنكار الاثنين، فعلى هذا يكون ابتداءَ إخبارٍ بالنظر إلى إِخراج الكلام على مقتضى الظاهر، وإنكاريّاً بالنظر إلى إخراج الكلام لا على مقتضَى الظاهر، فنظرُ الزمخشريِّ أدقُّ من نظر السّاكيِّ وإنْ قال السيدُ السَّنَد بالعكس. ويُعلَم ما فيه مما تقدَّم بأدنَى نظر. وقال أجلُّ المتأخِّرين الفاضلُ عبد الحكيم السيالكوتيّ: عندي أنَّ ما ذكره السّاكيُّ مبنيٌّ على عطف ((فقالوا إنا إليكم مرسلون)) على ((فكذَّبوهما فعزَّزنا)) والفاءُ للتعقيب، فيكون الكلامُ صادراً عن الثلاثة بعد تكذيبٍ الاثنين والتعزيزِ بثالث، فكان كلاماً مع المنكرين، فجاء مؤكّداً، وقولُ الزمخشريِّ مبنيٌّ على أنَّه (١) انظر مفتاح العلوم ص ١٧١ . (٢) في الكشاف ٣١٨/٣. ٢٩٢ الآية : ١٨ عطفٌ على ((إذ جاءها المرسلون)) وأنَّه تفصيلٌ للقصَّة المذكورةِ إجمالاً بقوله سبحانه: (إِذْ جَهَا الْمُرْسَلُونَ) إلى قوله تعالى: (فَعَزَّنَا بِثَالِتٍ) فالفاءُ للتفصيل، فقولُه تعالى: (فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) بيانٌ لقوله عزَّ وجلَّ: (إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَِّمُ أَثْتَيْنِ) فيكون ابتداءَ إخبارٍ صدر من الاثنين، [وجاء](١) ((قالوا)) بصيغة الجمع تقريراً لشأن الخبر، وقولُه تعالى: (قَالُواْ مَآَ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) إلخ بيانٌ لقوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُمَا) وقولُه سبحانه: (رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ) بيانٌ لقوله عزَّ شأنُه: (فَعَزَّنَا ◌ِخَالِتٍ) فإنَّ البلاغَ المبينَ هو إثباتُهم الرسالةَ بالمعجزات، وهو التعزيزُ والغلبة. ثم قال: ولا يخفَى حُسنُ هذا التفسير؛ لموافقته للقصَّة المذكورةِ في التفاسير، وملاءمتِهِ لسَوق الآية، فإنَّها ذُكرت أوَّلاً إِجمالاً بقوله تعالى: (وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلاَ أَصْحَبَ اُلْقَرْيَةِ) ثم فصِّلت بعضَ التفصيلِ بقوله تعالى: (إِذْ جَهَا الْمُرْسَلُونَ) إلى قوله سبحانه: (فَعَزَّنَا بِثَالِثٍ) ثم فصِّلت تفصيلاً تامًّا بقوله تعالى: (فَقَالُواْ إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) إلى قوله تعالى: (خَكِدُونَ) وعدم احتياجِه إلى جعل الفاءِ في ((فكذبوهما)) فصيحةً بخلاف تفسيرِ السّاكي، فإنَّه يحتاج إلى تقدير: فدَعَوا إلى التوحيد. اهـ. ولا يخفَى على المُنصف أنَّه تفسيرٌ في غاية البُعد، والكلامُ عليه واصلٌ إلى رتبة الإِلغاز، ومع هذا فيه ما فيه. وأنا أقول: لا يَبعد أن يكونَ الزمخشريُّ أراد بكلامه أحدَ الاحتمالاتِ التي ذُكرت في توجيهه، إلّا أنَّ ما ذهب إليه السّاكيُّ أبعدُ عن التكلُّف، وأَسلمُ عن القيل والقال. ﴿قَالُوا﴾ لمَّا ضاقت عليهم الحيلُ، وعيَّت بهم العِلَل: ﴿إِنَّا تَطَبَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا بكم، جرياً على ديدن الجَهَلة، حيث يتيمَّنون بكلِّ ما يوافق شهواتِهم وإنْ كان مستجلباً لكلِّ شرّ، ويتشاءمون بما لا يوافقها وإنْ كان مستتبعاً لكلِّ خير. أو بناءً على أنَّ الدعوةَ لا تخلو عن الوعيدِ بما يكرهونه من إِصابة ضُرِّ إن لم يؤمنوا، فکانوا ینفرون عنه. وقد قال مقاتل: إنَّه حُبس عنهم المطر. وقال آخر: أَسرع فيهم الجذامُ عند (١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. الآية : ١٩ ٢٩٣ تكذيبِهم الرسلَ عليهم السلام. وقال ابنُ عطية (١): إنَّ تطيُّر هؤلاء كان بسبب ما دخل فيهم من اختلاف الكلمةِ وافتتانِ الناس. وأصل التطيُّرِ: التفاؤلُ بالطير البارحِ والسانح، ثم عمَّ. وكان مناطُ التطيُّرِ بهم مقالتَهم، كما يُشعر به قوله تعالى: ﴿لَيْن لَّمْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عن مقالتكم هذه ﴿لَزَهُنَّكُمْ﴾ بالحجارة. قاله قتادة. وذُكر فيه احتمالان: احتمالُ أن يكونَ الرجمُ للقتل، أي: لتَقتلنّكم بالرَّجم بالحجارة، واحتمالُ أن يكونَ للأذى، أي: لَنؤذينّكم بذلك. وأخرج عبد بنُ حُميد عن مجاهدٍ أنَّه قال: أي: لَنشتمنَّكم. ثم قال: والرجمُ في القرآن كلِّه الشَّتم. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ قال في ((البحر)): وهو الحريق(٢). وقيل: عذابٌ غيرُه تبقَى معه الحياة، والمراد: لَنقتلنَّكم بالحجارة، أو: لَنعذبنَّكم إذا لم نقتلكم عذاباً أليماً لا يقادَر قدرُه تتمنَّون معه القتل. وقيل: أُريد بالعذاب الأليم العذابُ الرُّوحاني، وأُريد بالرَّجم بالحجارة النوعُ المخصوصُ من الأَذى الجسمانيّ، فكأنَّهم قد ردَّدوا الأمرَ بين إيذاءِ جسمانيّ وإيذاءٍ روحاني. وقيل: أُريد بالعذاب الأليم الجسمانيُّ، وبالرَّجم العذابُ والأذى الرُّوحاني، بناءً على أنَّ المرادَ به الشَّتم. وقَيَل غيرُ ذلك. ﴿قَالُواْ﴾ أي: الرُّسل؛ ردّاً عليهم: ﴿طَّكُمْ﴾ أي: سببُ شؤمِكم ﴿مَعَكُمْ﴾ لا من قِبَلنا كما تزعمون، وهو سوءُ عقیدتِکم وڤُحُ أعمالِكم. وأخرج ابنُ المنذرِ عن ابن عباسٍ أنَّه فسَّر الطائرَ بنفس الُّؤْم، أي: شؤمُكم معكم، وهو الإِقامةُ على الكفر، وأمَّا نحن فلا شؤمَ معنا؛ لأنَّا ندعوا إلى التوحيد وعبادةِ اللهِ تعالى، وفيه غايةُ اليُمنِ والخيرِ والبركة. وعن أبي عبيدةً (٣) والمبرِّد: ((طائركم)) أي: حظّكم ونصيبُكم من الخير والشرِّ (١) في المحرر الوجيز ٤٤٩/٤. (٢) البحر ٣٢٧/٧. (٣) مجاز القرآن ١٥٩/٢. سُوٌَّلاَ يَسْ ٢٩٤ الآية : ١٩ معكم من أَفعالكم، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. وقرأ الحسنُ وابنُ هُرمزٍ وعَمرو بن عبيدٍ وزِرُّ بن حُبَيش: ((طَيْرُكم)) بياءٍ ساكنةٍ بعد الطاء(١). قال الزجَّاج (٢): الطائرُ والطيرُ بمعنى. وفي ((القاموس))(٣): الطيرُ جمعُ: طائر، وقد يقع على الواحد. وذُكر أنَّ الطيرَ لم يقع في القرآن الكريم إلَّا جمعاً، كقوله تعالى: ﴿وَالَّيْرُ صَنَّفَّةٍ﴾ [النور: ٤١] فإذا كان في هذه القراءةِ كذلك، فـ(طائر)) وإنْ كان مفرداً، لكنَّه بالإِضافة شاملٌ لكلِّ ما يتطيّر به، فهو في معنى الجمع، فالقراءتان متوافقتان. وعن الحسن أنَّه قرأ: ((إِظَّيُّرُكم)) (٤) مصدر: إِظَيَّر الذي أصله تطيّر، فأُدغمت التاءُ في الطاء، فاجتُلبت همزةُ الوصلِ في الماضي والمصدر. ﴿أَبِن ذُكِرْثُ﴾ بهمزتين: الأولى همزةُ الاستفهام، والثانيةُ همزةٌ ((إنْ)) الشرطية، حقَّقها الكوفيُّون وابنُ عامر، وسهَّلها باقي السبعة (٥). واختلف سيبويه ويونس(٦) فيما إذا اجتمع استفهامٌ وشرطٌ أيُّهما يجاب، فذهب سيبويه إلى إِجابة الاستفهام، أي: تقدير المستفهم عنه، وكأنّه يستغنَى به عن تقدير جوابِ الشَّرط، فالمعنى عليه: أَئن ذكِّرتم ووُعظَتم بما فيه سعادتُكم، تتطيّرون، أو: تتوعَّدون، أو نحو ذلك، ويقدَّر مضارعٌ مرفوع، وإن شئتَ قدَّرت ماضياً، كـ : تطیَّرتم . وذهب يونس إلى إجابة الشرطِ، وكأنَّه يُستغنَى به عن إجابة الاستفهام وتقدير مصبٌّ له، فالتقدير: أئن ذُكِّرتم تتطيَّروا، أو نحوُه مما يدلُّ عليه ما قبل، ويقدّر مضارعٌ مجزوم، وإن شئتَ قدَّرت ماضياً مجزومَ المحلّ. وقرأ زِرِّ بهمزتين مفتوحتين، وهي قراءةُ أبي جعفرٍ وطلحة، إلّا أنَّهما ليّنا الثانيةَ (١) البحر ٣٢٧/٧، ونسبها في القراءات الشاذة ص ١٢٥ للحسن. (٢) في معاني القرآن ٤/ ٢٨٢. (٣) مادة (طير). (٤) البحر ٣٢٧/٧. (٥) البحر ٣٢٧/٧، وانظر التيسير ص ٣١-٣٢، والنشر ٣٦٢/١-٣٦٤. (٦) انظر الكتاب ٨٢/٣-٨٣. الآية : ١٩ ٢٩٥ بينَ بين(١)، وعلى تحقيقهما جاءَ قولُ الشاعر: أَأنْ كنتَ داودَ بنَ أَحوى مرجّلاً فلست براع لابن عمِّك مَحرماً(٢) فالهمزةُ الأولى للاستفهام، والثانيةُ همزةُ ((أنْ)) المصدرية، والكلامُ على تقدير حرفٍ لامِ الجرّ، أي: أَلِأَن ذُكِّرتم تطَيَّرتم . وقرأ الماجشونُ يوسفُ بن يعقوبَ المدنيُّ بهمزةٍ واحدةٍ مفتوحة (٣)، فيحتمل تقدير همزةِ الاستفهام، فشَّحد هذه القراءةُ والتي قبلها معنّى، ويحتمل عدم تقديرِها، فيكون الكلامُ على صورةِ الخبر، وهو - على ما قيل - مسوقٌ للتعجُّب والتوبيخ، وتقديرُ حرفِ الجرِّ على حاله، والجارُّ متعلِّق بمحذوفٍ على ما يُشعر به كلامُ (الكشاف))(٤) أي: تطیّرتم لِأَنْ ذكِّرتم. وقال ابن جِنِيٌّ(٥): ((أن ذكِّرتم)) على هذه القراءةِ معمولُ ((طائركم معكم))، فإنَّهم لمَّا قالوا: ((إنا تطيرنا بكم)) أُجيبوا: بل طائرُكم معكم أنْ ذكِّرتم، أي: هو معكم لأَنْ ذكِّرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا، فاكتفى بالسَّبب الذي هو التذكيرُ عن المسبَّب الذي هو الانتهاء، كما وضعوا الطائرَ موضعَ مسَّبه وهو التشاؤمُ لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيبَ الغرابِ أو بُروحَه. وقرأ الحسنُ بهمزةٍ واحدةٍ مكسورةٍ (٦)، وفي ذلك احتمالان: تقديرُ الهمزة، فتتَّحد هذه القراءةُ وقراءةَ الجمهور، وعدم تقديرها، فيكون الكلامُ على صورة الخبر، والجوابُ محذوفٌ لدلالة ما قبلُ عليه، وتقديرُه كما تقدَّم. وقرأ أبو عَمرٍو في رواية، وزِرٌّ أيضاً، بهمزتين مفتوحتَين بينهما مدَّةً(٧)، كأنَّه استثقل اجتماعَهما، ففصل بينهما بأَلِف. (١) البحر ٣٢٧/٧، وانظر التيسير ص ٣١-٣٢، والنشر ٣٦٢/١-٣٦٤. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٠، والبحر المحيط ٣٢٧/٧ دون نسبة. (٣) المحتسب ٢٠٥/٢، والبحر ٣٢٧/٧. (٤) ٣١٨/٣. (٥) في المحتسب ٢٠٦/٢. (٦) البحر ٣٢٧/٧. (٧) المصدر السابق. الآية : ٢٠ ٢٩٦ وقرأ أيضاً أبو جعفرٍ والحسن، وكذا قرأ قتادةُ والأعمشُ وغيرُهما: ((أَيْنَ)) بهمزة مفتوحةٍ وياءٍ ساكنةٍ وفتح النون ((ذُكِرتم)) بتخفيف الكاف (١)، على أنَّ ((أين)) ظرفٌ أداةُ شرط، وجوابُها محذوفٌ لدلالة ((طائركم)) عليه، على ما قيل، أي: أين ذُکِرتم صَحِبکم طائرُکم، والمراد: شؤمُکم معکم حیث جری ذکرکم. وفیه من المبالغةِ بشؤمهم ما لا يخفى. وفي ((البحر)) (٢): مَن جوَّز تقديمَ الجزاءِ على الشرط - وهم الكوفُّون وأبو زيدٍ والمبرِّد ۔ یجوّز أن یکونَ الجواب: «طائرُکم معكم))، وکان أصلُه: أین ذُكِرتم فطائرُكم معكم، فلما قدِّم حُذفت الفاء. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ أي: عادتُكم الإِسرافُ ومجاوزةُ الحدِّ في العصيان، مستمرُّون عليه، فمن ثَمَّ أتاكم الشؤمُ لا من قِبَل اللهِ تعالى وتذكيرِهم. فهو إِضرابٌ عمَّا يقتضيه قولُه تعالى: (أَيِن ذُكِرَةٌ) من إِنكار أن يكونَ ما هو سببُ السعاداتِ أجمعَ سببَ الشؤم؛ لأنه تنبيهٌ وتعريكٌ إلى البتّ عليهم بلِزام الشُّؤْم، وإثباتِ الإسرافِ الذي هو أَبلغ، وهو جالبُ الشؤم كلِّه. أو: بل أنتم قوم مسرفون في ضلالِكم متمادون في غَیکم، حیث تتشاءمون بمن يجب التبرُّكُ به من الهُداة لدين اللهِ تعالى. فهو إِضرابٌ عن مجموعِ الكلام، أجابوهم بأنَّهم جعلوا أسباباً للسعادة، مدمجين فيه التنبيه على سوءٍ صنيعهم في الحرمانِ عنها، ثم أَضربوا عنه إلى ما فعل القومُ من التعكيس لما يقتضيه النظرُ الصحيح، فتأمَّل. ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾ أي: من أَبعد مواضِعها ﴿رَجُلٌ﴾ أي: رجلٌ عند اللهِ تعالى، فتنوينُه للتعظيم. وجوِّز أن يكونَ التنكيرُ لإِفادة أنَّ المرسَلين لا يعرفونه ليتواطؤوا معه. اسمُه - على ما رُوي عن ابن عباسٍ وأبي مِجلَزٍ وكعبِ الأحبار ومجاهدٍ ومقاتل - حبيب، وهو ابنُ إِسرائيلَ على ما قيل، وقيل: ابن مرّى. (١) المحتسب ٢٠٥/٢، والبحر ٣٢٧/٧. (٢) ٣٢٧/٧-٣٢٨. الآية : ٢٠ ٢٩٧ وكان - على المشهور - نجَّاراً، وقيل: كان حرَّاثاً، وقيل: قصَّاراً، وقيل: إِسكافاً، وقيل: نحَّاتاً للأَصنام. ويمكن أن يكونَ جامعاً لهذه الصِّفات. وذكر بعضُهم أنَّه كان في غارٍ مؤمناً يعبد ربَّه عزَّ وجلّ، فلمَّا سمع أنَّ قومَه كذَّبوا الرُّسل، جاء ﴿يَسْعَى﴾ أي: يعدو ويُسرع في مَشيه حرصاً على نصح قومِه. وقيل: إنَّه سمع أنَّ قومَه عزموا على قتل الرُّسل، فقصد وجهَ اللهِ تعالى بالذَّبِّ عنهم، فسعى هنا مِثْلُها في قوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وهو مجازٌ مشهور، وكونُه في غارٍ لا ينافي مجيئه من أَقصى المدينة؛ لجواز أن يكونَ في أَقصاها غارٌ. نعم هذا القولُ ظاهرٌ في أنَّه كان مؤمناً، وهو ينافي أنَّه كان نخَّاتاً للأَصنام. وأُجيب بأنَّ المرادَ ينحت التماثيلَ لا للعبادة، وكان في تلك الشريعةِ مباحاً. وحُكي القولُ بإيمانه عن ابن أبي ليلى، ونقل في ((البحر))(١) عنه أنَّه قال: سُبَّاقُ الأمم ثلاثةٌ لم يكفروا قٌّ طرفةَ عين: عليّ بن أبي طالب، وصاحبُ يس، ومؤمنُ آلٍ فرعون. وذكر الزمخشريُّ وجماعةٌ هذا حديثاً عن رسول اللهِ وَّةٍ(٢)، وكذا ذكروا أنَّه ممَّن آمن برسول اللهِ وَّهِ كما آمن به تُبَّع الأكبرُ وورقةُ بن نوفلٍ وغيرُهما. ولم يؤمن أحدٌ بنبيّ غيره عليه الصلاة والسلام قبلَ ظهوره. وقيل: كان مجذوماً، وكان منزلُه أقصى بابٍ من أبواب المدينة، عبد الأصنامَ سبعين سنة، يدعوهم لكشف ضُرِّه، فلم يكشَف، فلمَّا دعاه الرسلُ إلى عبادة اللهِ تعالى قال: هل مِن آية؟ قالوا: نعم، ندعوا ربَّنا القادرَ يفرِّج عنك ما بك، فقال: إنَّ هذا لعَجب، لي سبعون سنةً أدعو هذه الآلهةَ فلم تستطع تفريجَه، فكيف يفرِّجه ربُّكم في غَداةٍ واحدة ؟ قالوا: ربُّنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفعُ شيئاً ولا تضرّ، (١) ٣٢٨/٧. (٢) الكشاف ٣١٩/٣، والحديث أخرجه بنحوه أحمد في فضائل الصحابة (١٠٧٢) و(١١١٧) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن النبي ◌َّر، وفي إسناده عمرو بن جميع البصري، قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٠: وهو متروك. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١١٥٢) من حديث ابن عباس ﴿ها، وقال ابن كثير عن تفسير الآية (٢٦) من هذه السورة: هذا حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر، وهو متروك. سُوٌَّلاَيَسْن ٢٩٨ الآية : ٢٠ فآمن، ودعَوا ربَّهم سبحانه، فکشف عزَّ وجلَّ ما به، كأن لم یکن به بأس، فأقبل على التكسُّب، فإذا أمسى تصدَّق بنصف كسبِهِ وأَنفق النصفَ الآخَرَ على نفسه وعياله، فلما همَّ قومُه بقتل الرُّسل، جاءَ من أقصى المدينةِ يسعى. وعلى هذا نحتُه للأصنام غيرُ مشكل، ولا يحتاج إلى ذلك الجوابِ البعيد. نعم بين هذا وبين خبرٍ: ((سُبَّاقُ الأممِ ثلاثة)) وأنَّه ممَّن آمن برسول اللهِ وَّ كما آمن تُبَّع = منافاة، وكونُ إيمانِه به عليه الصلاة والسلام إنَّما كان على يد الرُّسل وإنْ كان خلافَ الظاهر، دافعٌ للمنافاة بينه وبين الأَخير، فتبقى المنافاةُ بينه وبين الخبرِ الأوَّل، إلَّا أن يقال: المراد: سُبَّاقُ الأمم إلى الإِيمان بعد الدعوةِ ثلاثةٌ لم يكفروا بعدها قطُّ طرفةَ عين. ومما يدلُّ بظاهره أنَّ الرجلَ لم يكن قبلُ مؤمناً ما حُكي أنَّ المرسلَين اللَّذَين أُرسلا أوَّلاً لمَّا قَرُبا إلى المدينة، رأياه يرعى غنماً، فسألهما فأَخبراه، فقال: أَمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريضَ ونُبرئ الأكمهَ والأَبرص، وكان له ولدٌ مريض، فمسحاه فبرئ، فآمن. وحَملُ آمَنَ على: أظهر الإِيمان، خلافُ الظاهر، والذي يترجَّح في نظري أنَّه كان مؤمناً بالمرسلين قبلَ مجيئه ونصحِه لقومه، ولا جزمَ لي بإِيمانه ولا عدمِه قبل إرسالِ الرسل، وظواهرُ الأخبارِ في ذلك متعارضة، ومع هذا لم يتحقَّق عندي صحةٌ شيءٍ منها، واللهُ تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. وجاء ((من أقصى المدينة)) هنا مقدَّماً على ((رجل)) عكس ما جاء في ((القَصص)) [الآية: ٢٠]، وجعله أبو حيَّان(١) من التفنُّن في البلاغة. وقال الخفاجيّ(٢): قدِّم الجارُّ والمجرورُ على الفاعل الذي حقُّه التقديمُ؛ بياناً لفضله، إذ هداه اللهُ تعالى مع بُعده عنهم، وأن بُعدَه لم يمنعْه عن ذلك؛ ولذا عبَّر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية، إشارةً إلى السَّعة (٣)، وأنَّ اللهَ تعالى يَهدي مَن يشاء، سواءٌ قَرُب أو بَعُد. (١) في البحر ٣٢٨/٧. (٢) في حاشيته ٢٣٦/٧ -٢٣٧. (٣) في حاشية الخفاجي: للسعد، بدل: إلى السعة. الآية : ٢١ ٢٩٩ سُورَةٌ كَسْن وقيل: قدِّم للاهتمام، حيث تضمَّن الإِشارةَ إلى أنَّ إنذارَهم قد بلغ أَقصى المدينة، فيُشعر بأنَّهم أتَوا بالبلاغ المبين. وقيل: إنَّه لو أخِر تُوهِّم تعلَّقه بـ (يسعى))، فلم يُقِد أنَّه من أهل المدينةِ مسكنُه في طرفها، وهو المقصود. وجملةُ ((يسعى)) صفةُ ((رجل)) وجوَّز كونَها حالاً منه مَن جوَّز مجيءَ الحالِ من النكرة. وقولُه تعالى: ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيّ، كأنَّه قيل: فماذا قال عندَ مجيئه؟ فقيل: قال: ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ وجوِّز كونُه بياناً للسعي، بمعنى قصد وجهِ الله عزَّ وجلَّ. ولا يخفَى ما فيه. والتعرُّض لعنوان رسالتِهم لحثِّهم على اتّباعهم، كما أنَّ خطابَهم بـ: ((يا قومٍ)) لتأليف قلوبِهم واستمالتِها نحو قَبولِ نصيحته. وقولُه تعالى: ﴿أَثَّبِعُواْ مَنْ لَّا يَسْتَلُكُمْ أَجْرً﴾ تكريرٌ للتأكيد، وللتوسُّل به إلى وصفهم بما يتضمَّن نفيَ المانعِ عن اتباعهم بعد الإِشارة إلى تحقَّق المقتضي. وقولُه سبحانه: ﴿وَهُمْ تُهْتَدُونَ ﴾ أي: ثابتون على الاهتداءِ بما هم عليه إلى خير الدُّنيا والآخرة. جملةٌ حاليةٌ فيها ما يؤكّد كونَهم لا يَسألون الأجر، ولا ما يتبعه من طلب جاهٍ وعُلُوّ؛ ولذا جُعلت إِيغالاً حسناً، نحو قولِ الخنساء: وإنَّ صخراً لتأتُّ الهداةُ به كأنَّه عَلَمٌ في رأسه نارُ(١) والظاهرُ أنَّ الرجلَ لم يقل ذلك إلَّا بعد سبق إِيمانه. ورُوي أنَّه لمّا بلغته الدعوةُ جاء يسعى، فسمع كلامَهم وفهمه، ثم قال لهم: أتطلبون أَجراً على دعوتكم هذه؟ قالوا: لا، فدعا عند ذلك قومَه إلى اتِّباعهم والإِيمانِ بهم قائلاً: يا قومٍ .. إلخ. وللنحويِّين في مثل هذا التركيبٍ وجهان: أحدُهما: أن تكونَ ((مَن)) بدلاً مِن ((المرسلين)) بإِعادة العامل، كما أُعيد إذا كان حرفَ جرّ، نحوُ قولِه تعالى: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] وإليه ذهب بعضُهم. وثانيهما - وإليه ذهب (١) البيت للخنساء، وهو في الديوان ص٤٩، وسلف ١٨/١٩. والإيغال: هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها. الإتقان ٨٦٩/٢. 3 ٣٠٠ الآية : ٢٢ الجمهور -: أنَّه ليس ببدل؛ فإنَّه مخصوصٌ بما إذا كان العاملُ المعادُ حرفَ جرّ، أمَّا إذا كان رافعاً أو ناصباً، فيسمُّون ذلك بالتَّبيع لا بالبدل. واستُدلَّ بالآية على نقصٍ مَن يأخذ أجرةً على شيءٍ من أفعال الشَّرع، والبحثُ مستوفّى في الفروع. ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ﴾ تلطّف في إِرشاد قومِه بإِيراده في معرض المناصحةِ لنفسه وإمحاضِ النُّصح، حيث أراهم أنَّه اختار لهم ما يختارُ لنفسه، والمرادُ تقريعُهم على ترك عبادةٍ خالِقهم إلى عبادة غيرِهِ، كما ينبئُ عنه قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ مبالغةً في تهديدِهم بتخويفهم بالرُّجوع إلى شديد العقاب، مواجهةً وصريحاً، ولو قال: وإليه أُرجع، كان فيه تهديدٌ بطريق التعريض. وعُدَّ التعبيرُ بـ ((إليه تُرجَعون)) بعد التعبيرِ بـ ((ماليّ لا أَعبد)) من باب الالتفات؛ لمكان التعريضٍ بالمخاطَبين في ((ما لي لا أعبد)» إلخ، فيكون المعبَّر عنه في الأسلوبين واحداً، بناءً على ما ذهب إليه الخطيبُ والسعدُ التفتازانيُّ من أنَّ التعريضَ إما مجازٌ أو كناية، وهو هاهنا مجاز؛ لامتناع إرادةِ الموضوعِ له، فيكون اللفظُ مستعملاً في غير ما وُضع له، فيتَّحد المعبّر عنه. وحقَّق السيدُ السندُ أنَّ المعنى التعريضيَّ من مستتبعات التركيب، واللفظُ ليس بمستعملٍ فيه، بل هو بالنّسبة إلى المستعملِ فيه إمَّا حقيقة، أو مجازٌ، أو كناية، وعليه فضميرُ المتكلِّم في ((ما لي)) إلخ ليس مستعملاً في المخاطَبين، فلا يكون المعبَّر عنه في الأسلوبين واحداً، فلا التفات. وجوَّز بعضُهم كونَ الآيةِ مِن الاحتباك، والأصلُ: وماليَ لا أَعبد الذي فطرني وإليه أُرجع، ومالكم لا تَعبدون الذي فطركم وإليه تُرجَعون. فحُذف من الأوَّل نظيرُ ما ذُكر في الثاني، وبالعكس. وهو مفوِّت لِمَا سمعت. وظاهرُ كلامِ الواحديٌّ(١) أنَّه لا تعريضَ في الآية، حيث قال: لمَّا قال الرجل: (يا قوم اتبعوا المرسلين)) إلخ، رفعوه إلى المَلِك، فقال له الملك: أَفأنت تَتْبعهم؟ (١) في الوسيط ٥١٢/٣.