Indexed OCR Text

Pages 261-280

:
سُوْمَلا كس
صحَّ من حديث الإِمامِ أحمدَ وأبي داودَ والَّسائيِّ وابنِ ماجه والطبرانيِّ وغيرِهم
عن مَعقل بن يسارٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((يس قلبُ القرآن)) (١) وعدَّ ذلك أحدَ
أسمائها .
وبيَّن حجَّة الإِسلامِ الغزاليُّ عليه الرحمةُ وجهَ إِطلاق ذلك عليها بأنَّ المدارَ
على الإيمان، وصحَّتُه بالاعتراف بالحشر والنَّشر، وهو مقرَّر فيها على أبلغِ وجهٍ
وأحسنِهِ؛ ولذا شبِّهت بالقلب الذي به صحَّةُ البدنِ وقِوامُه. واستحسنه الإِمامُ
الرازي (٢).
وأُورد على ظاهره أنَّ كلَّ ما يجب الإيمانُ به لا يصحُّ الإيمانُ بدونه، فلا وجهَ
لاختصاص الحشرِ والنشرِ بذلك.
وأُجيب بأنَّ المرادَ بالصحَّة في كلام الحجّةِ ما يقابل السقمَ والمرض، ولا شكَّ
أنَّ مَن صحَّ إِيمانُه بالحشر يخاف من النَّار، ويرغب في الجنة دارِ الأَبرار، فيرتدع
عن المعاصي التي هي كأَسقام الإِيمان؛ إذ بها يختلُّ ويضعف، ويشتغل بالطّاعات
التي هي كحفظ الصحّة، ومَن لم يقوَ إيمانُه به كان حالُه على العكس، فشابه
الاعتراف به بالقلب الذي بصلاحه يصلحُ البدنُ وبفساده يفسد.
وجوِّز أن يقال: وجهُ الشبهِ بالقلب أنَّ به صلاحَ البدنِ وفساده، وهو غیرُ
مشاهدٍ في الحسّ، وهو محلٌّ لانكشاف الحقائقِ والأمورِ الخفيّة، وكذا الحشرُ من
المغيَّيات، وفيه يكون انكشافُ الأمور، والوقوفُ على حقائق المقدور، وبملاحظته
(١) أخرجه أحمد (٠٣٠٠)، وإسناده ضعيف، وسلف ٣٢١/١.
(٢) تفسير الرازي ٢٦/ ١١٣.

٢٦٢
سُوٌ لايَسْن
وإصلاح أسبابِه تكون السعادةُ الأبدية، وبالإِعراض عنه وإفسادٍ أسبابِهِ يُبتلَى
بالشَّقاوة السَّرمدية.
وفي ((الكشف)»: لعلَّ الإِشارةَ النبويَّة في تسمية هذه السورةِ قلباً - وقلبُ كلِّ شيءٍ:
لُّه وأصلُه، الذي ما سواه إمَّا من مقدِّماته وإمَّا من متمِّماته - إلى ما أسلفناه في تسمية
((الفاتحة)) بأمِّ القرآنِ من أنَّ المقصودَ من إِرسال الرُّسل وإنزالِ الكتب إِرشادُ العباد إلى
غايتهم الكماليةِ في المعاد، وذلك بالتحقُّق والتخلَّقِ المذكورين هنالك، وهو المعبّر
عنه بسلوك الصراط المستقيم، ومدارُ هذه السورةِ الكريمةِ على بيان ذلك أتمَّ بیان. اهـ.
ويُعلَم منه وجهُ اختصاصِ الحشرِ بما ذُكر في كلام الحجَّة، فلا وجهَ لقول
البعضِ في الاعتراض عليه: فلا وجه .. إلخ. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى آخرَ الكلامِ
في تفسير السورةِ الإشارةُ إلى ما اشتملت عليه من أمَّهات علم الأصول، والمسائلِ
المعتبَرةِ بين الفحول، وتقريرها بأبلغ وجهٍ وأتمِّه، ولعلَّ هذا هو السرُّ في الأمر
الواردٍ في صحيح الأخبارِ بقراءتها على الموتى(١)، أي: المحتضَرين، وتسمَّى أيضاً
العظيمةَ عند اللهِ تعالى.
أَخرج أبو نصرِ السِّجزيُّ في ((الإبانة)) وحسَّنه عن عائشةَ ؤُها قالت: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ في القرآن لَسورةً تدعَى العظيمةَ عند الله تعالى، ويدعى صاحبُها
الشريفَ عند اللهِ تعالى، يشفع صاحبُها يوم القيامةِ في أكثرَ من ربيعةَ ومُضَر، وهي
سورةُ يس))(٢) .
وذكر أنَّها تسمَّى أيضاً المُعِمَّة، والمدافعة القاضية، أَخرج سعيدُ بن منصورٍ
والبيهقيُّ(٣) عن حسانَ بن عطيةَ أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال: ((سورةُ يس تدعَى في التوراة
(١) أخرج أبو داود (٣١٢١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٤٦) و(١٠٨٤٧)، وابن ماجه (١٤٤٨)
عن معقل بن يسار، عن رسول الله وَطر: ((اقرؤوها على موتاكم)) يعني (يس)).
وفي التلخيص الحبير ١٠٤/٢ عن الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد ومجهول المتن،
ولا يصح في الباب حدیث.
(٢) الدر المنثور ٢٥٧/٥، وينظر كنز العمال (٢٣٦٢).
(٣) في شعب الإيمان ٢/ ٤٨١.

٢٦٣
سُورَةُ يَسْن
المعمَّة، تعمُّ صاحبَها بخير الدنيا والآخرة، وتكابدُ عنه بلوى الدنيا والآخرة،
وتدفع عنه أَهاويلَ الدنيا والآخرة، وتدعَى المدافعةَ القاضية، تدفع عن صاحبها كلَّ
سوء، وتقضي له كلَّ حاجة ... )) الخبرَ(١). وتعقَّبِه البيهقيُّ فقال: تفرَّد به محمدُ بن
عبد الرحمن بنِ أبي بكرِ الجُدعانيِّ عن سليمانَ بنِ دفاع (٢)، وهو منگر.
وهي - على ما أخرج ابن الضُّرَيس والنخَّاس وابنُ مردويه والبيهقيُّ عن ابن
عباس - مكِّية(٣). واستثنَى منها بعضُهم قولَه تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحِى الْمَوْقَى) الآية
مدَّعياً أنَّها نزلت بالمدينة لما أراد بنو سلمةَ النُّقلةَ إلى قُرب مسجدِ النبيِّ وَّه وكانوا
في ناحية المدينة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ آثارَكم تكتب)) فلم ينتقلوا(٤).
وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى ما قيل في ذلك. وقولَه سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُواْ مِنَا
وَزَقَّكُمُ اللَّهُ) الآية لأنَّها نزلت في المنافقين، فتكون مدنيّة. وتُعقِّب بأنه لا صحَّة له.
وآيها ثلاثٌ وثمانون آيةً في الكوفي، واثنتانٍ وثمانون في غيره.
وجاء ممَّا يشهد بفضلها وعُلوِّ شأنِها عدَّةُ أخبارٍ وآثار، وقد مرَّ آنفاً بعضُ ذلك.
وصحَّ من حديث معقلٍ بن يسار(٥): ((لا يقرؤها عبدٌ يريد اللهَ تعالى والدارَ الآخرةَ
إلَّا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)».
وأخرج التِّرمذي والدارميُّ من حديثٍ أنس: ((مَن قرأ ((يس))، كتب اللهُ تعالى له
بقراءتها قراءة القرآنِ عشرَ مرَّات)»(٦) ولا يلزم من هذا تفضيلُ الشيءٍ على نفسه؛ إذ
المرادُ بقراءة القرآنِ قراءتُه دون ((یس)).
(١) جاء في هامش الأصل: وأخرج الخطيب عن أنس مثله. اهـ. منه.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: مرقاع. ينظر ميزان الاعتدال ٣١٤/٣.
(٣) فضائل القرآن لابن الضريس (١٧)، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٩٤/٢، ودلائل النبوة
للبيهقي ١٤٢/٧- ١٤٣.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري مُه، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٥) يعني به حديث قراءة سورة (يس)) على الموتى، وقد سلف الكلام عليه قريباً.
(٦) جامع الترمذي (٢٨٨٧)، وسنن الدارمي (٣٤١٦). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي
إسناده هارون أبو محمد شيخ مجهول.

٢٦٤
سُ لايَسْ
وقال الخفاجي(١): لا يلزم ذلك؛ إذ يكفي في صحَّة التفضيلِ المذكورِ التغايرُ
الاعتباري، فإنَّ (يس)) من حيث تلاوتُها فردةً غيرُ كونِها مقروءةٌ(٢) في جملته،
كما إذا قلتَ: الحسناءُ في الحُلَّة الحمراءِ أحسنُ منها في البيضاء، وقد يكون
للشيءٍ مفرَداً ما ليس له مجموعاً مع غيره، كما يشاهَد في بعض الأدوية. ورَجًا أن
يكونَ أقربَ ممَّا قدَّمنا، وأنا لا أَرجو ذلك.
والظاهرُ أنَّه يُكتب له الثوابُ المذكورُ مضاعفاً، أي: كلُّ حرفٍ بعشر حسنات،
ولا بِدعَ في تفضيل العملِ القليلِ على الكثير؛ فلله تعالى أن يمنَّ بما شاءَ على مَن
شاء، ألا ترى ما صحَّ أنَّ هذه الأمةَ أقصرُ الأممِ أَعماراً وأكثرُها ثواباً، وإنكارُ
الخصوصياتِ مكابرة، ولله تعالى دَرُّ مَن قال:
فإنَّ المسكَ بعضُ دمِ الغزالِ(٣)
فإِنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم
وذكر بعضُهم أنَّ مَن قرأها أُعطي من الأَجر كمن قرأ القرآنَ اثنتين وعشرين
مرَّة.
وأخرج البيهقيُّ في ((شُعَب الإِيمان)) عن أبي قِلابةَ - وهو من كبار التابعين - أنَّ
مَن قرأها فكأنَّما قرأ القرآن إحدى عشرة مرَّة. وعن أبي سعيدٍ أنَّه قال: مَن قرأ
(يس)) مرَّة، فكأنَّما قرأ القرآنَ مرَّتين (٤).
وحديثُ العشرِ مرفوعٌ عن ابن عباسٍ ومعقلٍ بن يسار وعقبةً بن عامرٍ وأبي هريرةً
وأنسٍ مَّه، فعليه المعوَّل(٥) .
ووجهُ اتِّصالها بما قبلَها - على ما قاله الجلالُ السُّيوطيّ(٦) - أنَّه لما ذُكر في
سورة فاطر قولُه سبحانه: ﴿وَجَآءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ [الآية: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿وَفْسَمُواْ بِاللَّهِ
(١) في حاشيته ٧/ ٢٥٧.
(٢) في حاشية الشهاب: مقرونة.
(٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٥١/٣، وسلف ٣٣٥/٢.
(٤) شعب الإيمان ٢/ ٤٨١-٤٨٢.
(٥) وأورده عنهم السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٧.
(٦) في تناسق الدرر ص ٧٥.

الآية : ١
٢٦٥
جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَيِنِ جَهُمْ نَذِيرٌ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [الآية: ٤٢] وأُريد
به محمدٌ وَل﴾ وقد أَعرضوا عنه وكذَّبوه = افتتح هذه السورةَ بالإِقسام على صحّة
رسالتِّه عليه الصلاة والسلام، وأنَّه على صراطٍ مستقيم لينذرَ قوماً ما أُنذر آباؤهم،
وقال سبحانه في ((فاطر)): ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ﴾ [الآية: ١٣]
وفي هذه السورة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
وَالْقَمَرَ فَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [الآية: ٣٨-٣٩] إلى غير ذلك. ولا يخفَى أنَّ أمرَ المناسبةِ يتُّ
على تفسير النذيرِ بغيره وَلِّ أيضاً، فتأمَّل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكلامُ فيه کالكلام في ﴿الَّمَ﴾ ونحوِه من الحروف المقطّعة في
﴿یس
أَوائل السُّور، إعراباً ومعنّى عند كثير. وأخرج ابنُ أبي شيبةَ وعبدُ بن ◌ُمَید وابن جَریرٍ
وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتمٍ من طرقٍ عن ابن عباسٍ أنَّه قال: ((يس): يا إِنسان(١).
وفي روايةٍ أخرى عنه زيادة: بالحبشيَّة. وفي أخرى عنه أيضاً: في لغة طيِّئ.
قال الزمخشريّ(٢): إن صحَّ هذا، فوجهُه أن يكونَ أصلُه: يا أُنيسين، فكثر
النداءُ به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القَسَم: مُ الله، في:
أيمن الله .
وتعقّبه أبو حيانَ(٣) بأنَّ المنقولَ عن العرب في تصغير إنسان: أُنَيْسِيان، بياءٍ قبل
الألف، وهو دليلٌ على أنَّ الإِنسانَ من النِّسيان، وأصله إِنسيان، فلمَّا صُفِّر، ردَّه
التصغيرُ إلى أصله، ولا نعلمهم قالوا في تصغيره: أُنَيْسين. وعلى تقدير أنَّه بقيةٌ
أنيسين، فلا يجوز ذلك إلّا أن يبنى على الضمِّ ولا يبقى موقوفاً؛ لأنَّه منادى مقبَلٌ
عليه، ومع ذلك لا يجوز التصغيرُ في أسماء الأنبياءِ عليهم السلام، كما لا يجوز
(١) الدر المنثور ٢٥٨/٥، وتفسير الطبري ٣٩٨/١٩.
(٢) في الكشاف ٣١٣/٣-٣١٤.
(٣) في البحر ٣٢٣/٧.

سُوٌَّلاَ يَسْن
٢٦٦
الآية : ١
في أسماء اللهِ عزَّ وجلّ. وما ذكره في ((مُ)) من أنَّه شطرُ أَيمن قول، ومن النَّحويين
مَن يقول ((م) حرفُ قَسَمٍ وليس شطرَ أيمن. انتهى.
قال الخَفاجي(١): لزومُ البناءِ على الضمِّ ممَّا لا كلامَ فيه، فلعلَّ مَن فسَّره بذلك
يقرؤه بالضمِّ على الأَوجَه فيه، وأمَّا الاعتراضان الآخران فلا ورودَ لهما أصلاً،
فأما الأوَّل؛ فلأنَّ مَن يقول: أُنيسيان على خلافِ القياس - وهو الأصحّ - لا يلزمه
فيما غيِّر منه أن يقدِّرَه كذلك، وهو لم يلفظ به حتى يقالَ له: إنَّك نطقتَ بما لم
تنطق به العرب، بل هو أمرٌ تقديري، فإذا قال: المقدَّر مفروضٌ عندي على
القياس، هل يتوجَّه عليه السؤال؟ وأمَّا الأخير؛ فلأنَّ التصغيرَ في نحو ذلك
إنَّما يمتنع منَّا، وأمَّا من الله تعالى، فله سبحانه أن يُطلقَ على نفسه عزَّ وجلَّ
وعظماءِ خَلقه ما أراد، ويُحمل حينئذٍ على ما يَليق، كالتعظيم والتحبيبِ ونحوِه من
معاني التصغير، كما قال ابنُ الفارض:
ما قلت حُبَيِّبي من التحقير
بل يَعذُب اسمُ الشيءِ بالتصغيرِ (٢)
والذي قاله أبو حيَّان في توجيه ذلك أنَّهم يقولون: إيسان، بمعنى إنسان،
ويجمعون على أَياسين، فهذا منه. ولا يخفى أنَّه يحتاج إلى إثبات(٣)، وبَعْدَه
لا يخفى ما في التخريج عليه.
وقالت فِرقة: ((يا)) حرفُ نداء، والسينُ مُقامة مُقَامَ إنسان، انتُزع منه حرفٌ فأُقيم
مُقامَه، ونظيرُه ما جاء في الحديث: ((كفَى بالسيفِ شاء(٤) أي: شاهداً، وأيِّد
بما ذهب إليه ابنُ عباسٍ في ((حم عسق)) [الشورى: ١] ونحوِه من أنَّها حروفٌ من
جملة أسماءٍ له تعالى، وهي رحيمٌ وعليم وسميع وقدير، ونحو ذلك.
(١) في حاشيته ٢٣٢/٧.
(٢) الديوان ص ١٩٤ .
(٣) كذا قال، وقد سبق أبا حيان في هذا التوجيه ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٤٤٥/٤، كما أن
قولهم: إيسان، في إنسان، وجمعه على أياسين، هي لغة طيء كما نقل ابن الأنباري في
الزاهر ٣٨٣/١، والأزهري في تهذيب اللغة ٦٢/١٣ عن الفراء.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩١٨) من طريق الحسن عن النبي وَظافر مرسلاً .

الآية : ١
٢٦٧
وظاهرُ كلامِ بعضِهم - كابن جُبير - أنَّ (يس)) بمجموعه اسمٌ من أسمائه عليه
الصلاة والسلام، وهو ظاهرُ قولِ السيِّد الحِميري(١):
يا نفسُ لا تَمحضي بالؤُدِّ جاهدةٌ على المودَّة إلَّا آلَ ياسينا
ولتسميته ب * بهذين الحرفَين الجليلَين سرٌّ جليلٌ عند الواقفين على أَسرار
الحروف، وقد تكلَّمتُ - ولله تعالى الحمدُ - فيما تعلَّق بهذه الكلمةِ الشريفةِ ثلاثةً
أيام، أَشرع كلَّ يومٍ منها بعد العصرِ وأَختم قُبيلَ المغرب، وذلك في مجلس وعظي
في المسجد الجامعِ الداودي، واليومَ لا أستطيع أن أذكرَ من ذاك بِنتَ شَفَة، بل
لا أتذكّر منه إلَّ رسماً هبَّ عليه عاصفُ الزمانِ الغَشومِ فَنَسَفَه، فحسبي اللهُ عمَّن
سواه، فلا ربَّ غيرُه، ولا يرجَى إلَّا خيرُه.
وقُرئ بفتح الياء، وإمالتِها محضاً، وبينَ بين(٢). وقرأ جمعٌ بسكون النونِ
مدغمةً في الواو، وآخرون بسكونها مظهَرة. والقراءتان سَبعيَّتان(٣). وقرأ ابنُ
أبي إسحاقَ وعيسى بفتح النُّون(٤).
قال أبو حاتم: قياسُ قولِ قتادة: إنَّه قَسَم، أن يكونَ على حدٍّ: اللهَ لأَفعلنَّ،
بالنصب.
ويجوز أن يكونَ مجروراً بإِضمار باءِ القَسَم، وهو ممنوعٌ من الصرف.
وقال الزّجَّاج(٥): النصبُ على تقدير: أُتْلُ ((يس))، وهذا على قول سيبويه(٦) أنَّه
اسمٌ للسورة.
(١) هو أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري، رافضي من فحول الشعراء، له
مدائح بديعة في أهل البيت. مات سنة (١٧٣ أو ١٧٨ هـ). السير ٤٤/٨. والبيت في
المحرر الوجيز ٤ / ٤٤٥.
(٢) التيسير ص ١٨٣، والنشر ٢/ ٧٠، والبحر ٣٢٣/٧.
(٣) التيسير ص ١٨٣، والنشر ١٧/٢.
(٤) المحتسب ٢٠٣/٢، والبحر ٣٢٣/٧.
(٥) في معاني القرآن ٤/ ٢٧٧ .
(٦) انظر الكتاب ٢٥٦/٣-٢٥٨.

سُوٌمَ ا كَسْن)
٢٦٨
الآية : ٢ - ٣
وقيل: هو مبنيّ، والتحريكُ للجِدِّ في الهرب من التقاء الساكنين، والفتحُ
للخِقَّة، كما في ((أَينَ)). وسببُ البناءِ غيرُ خفيٍّ عليك إذا أحطتَ خُبراً بما قَرَّروا في
((ألم)) أوَّلَ سورةِ البقرة.
ولا تغفُلْ عمَّا قالوا في النصب بإِضمار فعلِ القَسَم من أنَّه لا يسوغ؛ لمَا فيه
من جمع قَسَمين على مُقسَم عليه واحد، وهو مستكرَه، ولا سبيلَ إلى جعل الواو
بعدُ للعطف لا للقَسَم؛ لمكان الاختلافِ إعراباً .
وقرأ الكلبيُّ بضمِّ النون(١). وخرِّج على أنَّه منادى مقصود، بناءً على أنَّه بمعنى
إنسان، أو على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أو مبتدأُ خبرُه محذوف، ويقدَّر ((هذه)) إذا كان
اسماً للسُّورة، و((هذا)) إنْ كان اسماً للقرآن، وهو يُطلَق على البعض كما يُطلَق على
الكلِّ. وجَعلُه مبتدأً محذوفَ الخبرِ وهو قَسَم، أَي: ((يس)) قسمي، نحو: أَمانةُ اللهِ
لأَفعلنَّ، بالرفع = لا يخفَى حالُه. وقيل: الضمَّة فيه ضمةُ بناءٍ كما في ((حيثُ)).
وقرأ أبو السمَّالِ وابنُ أبي إسحاقَ أيضاً بكسرها(٢)، وخرّج على أنَّه للجِدِّ في
الهرب عن السَّاكَنَين بما هو الأصل، فتأمَّل وتذَّر.
﴿وَالْقُرْءَانِ﴾ ابتداءُ قسم، وجوِّز أن يكونَ عطفاً على ((يس)) على تقدير كونه
مجروراً بإِضمار باءِ القسم، لا أنَّه قسمٌ بعد قَسَم؛ لِمَا سمعتَ من كلامهم.
﴿اَلْحَكِيمِ ﴾﴾ أي: ذي حِكمة، على أنَّه صيغةُ نسبة، كـ: لابِن وتامر، أي:
متضمِّن إياها، أو الناطقُ بالحكمة كالحيّ، على أن يكونَ من الاستعارة المكنيّة،
أو المتَّصف بالحكمة، على أنَّ الإسنادَ مجازيّ، وحقيقتُه الإسنادُ إلى الله تعالى
المتكلِّم به. وفي ((البحر))(٣): هو إمّا فَعيلٌ بمعنى مُفْعَل، ك: أَعقدتُ العسلَ فهو
عَقيد، أي: مُعقَد، وإمّا للمبالغة من حاكم.
﴾ جوابٌ للقسم، والجملة لردِّ إنكارِ الكفرةِ رسالتَه عليه
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (
(١) المحتسب ٢٠٣/٢، والبحر ٣٢٣/٧.
(٢) المحتسب ٢٠٣/٢، ونسبها ابن خالويه ص ١٢٤ لأبي السمال فقط. وانظر البحر ٣٢٣/٧.
(٣) ٣٢٣/٧.

٠
الآية : ٤
٢٦٩
الصلاة والسلام، فقد قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] وتقدَّم ما يُشعر بأنَّهم على
جانبٍ عظيم من الإِنكار، أعني قولَه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ***
أَسْتِكْبَارًا فِ اَلْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّ﴾ [فاطر: ٤٢-٤٣] وهذه الآيةُ من جملة ما أُشير إليه بقوله
تعالى في جوابِهم عن إنكارهم: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَيَبْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣].
وتخصيصُ القرآنِ بالإِقسام به أوَّلاً، وبوصفه بالحكيم ثانياً، تنويةٌ بشأنه على
أكمل وجه.
خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ»، واختاره الزجَّاجِ(١)
وقوله تعالى: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
قائلاً: إنَّه الأحسنُ في العربية. أو حالٌ من ضميره عليه الصلاة والسلام المستكِنِّ
في الجارِّ والمجرور، أو الواقع اسمَ ((إِنَّ)، بناءً على رأي مَن يجوِّز الحالَ من
المبتدأ. وجوِّز أن يكونَ متعلِّقاً بـ ((المرسلين))، وليس المرادُ به الحالَ أو الاستقبال،
أي: لَمِن الذين أُرسلوا على صراطٍ مستقيم، وأن يكونَ حالاً من عائد الموصولِ
المستترِ في اسم الفاعل، أو حالاً من نفس ((المرسلين)). والزمخشريُّ(٢) لم يذكر
من هذه الأَوجُهِ سوى كونِهِ خبراً، وكونِهِ صِلةً للمرسلين.
وأيَّاما كان، فالمرادُ بـ ((الصِّراط المستقيم)) ما يعمُّ العقائدَ والشرائعَ الحقَّة، وليس
الغرضُ من الإِخبار الإعلامَ بتمييز مَن أُرسلَ على صراط مستقيم عن غيره ممَّن ليس
على صفته ليقال: إنَّ ذلك حاصلٌ قبله؛ لما أنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنَّ المرسَلين لا يكونون
إلَّا على صراطٍ مستقيم، بل الغرضُ الإعلام بأنَّه موصوفٌ بكذا، وأنَّ ما جاء به
الموصوفُ بكذا؛ تفخيماً لشأنهما، فسُلكا في مسلك سلوكاً لطريق الاختصار.
وأيضاً التنكيرُ في ((صراط)) للتفخيم، فهو دالٌّ على أنَّه أُرسل مِن بين الصُّرطِ
المستقيمةِ على صراطٍ لا يُكتَنَه وصفُه، وهذا شيءٌ لم يُعلَم قبل.
ولا يَرِدِ أنَّ الطريقَ المستقيمَ واحدٌ ليس إلَّا، ألا ترى إلى قولِه تعالى: ﴿فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا
تَنَِّعُوا السُبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؟ لأنَّ لكلِّ نبيِّ شارعٍ منهاجاً هو مستقيم، وباعتبار
(١) في معاني القرآن ٤/ ٢٧٧-٢٧٨.
(٢) في الكشاف ٣١٤/٣.

٢٧٠
الآية : ٥
الرجوعِ إلى المرسِل تعالى شأنُه الكلُّ متَّحد، وباعتبار الاختصاصِ بالمرسَل والشرائعِ
مختلِفٌ، فصحَّ أنه أُرسل من بين الصُّرطِ المستقيمة ... إلخ. وأيضاً هو فرض،
والفرضُ تعظيمُ هذا الصراطِ بأَنَّه لا صراطَ أقومُ منه واقعاً أو مفروضاً، ولا نظرَ على أنَّ
هنالك آخَرَ أو لا، وهذا قريبٌ من أسلوب: مِثْلُك لا يفعل كذا(١)، فافهم ولا تغفُل.
نصبٌ على المدح، أو على المصدريَّة
وقولُه تعالى: ﴿تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِم ®
لفعلٍ محذوفٍ، أي: نزِّل تنزيلَ.
وقرأ جمعٌ من السبعة وأبو بكرٍ وأبو جعفرٍ وشيبةُ والحسنُ والأعرجُ والأعمشُ
بالرفع(٢) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، والمصدرُ بمعنى المفعول، أي: هو تنزيل
- أي: مُنزل - العزيزِ الرحيم، والضميرُ للقرآن، ويجوز إِبقاؤه على أصله بجعله عينَ
التنزيل، وجوِّز أن يكونَ خبرَ ((يس)) إنْ كان المرادُ بها السورة، والجملةُ القَسَمية
معترِضة، والقَسَم لتأكيد المقسَمِ عليه والمقسَمِ به اهتماماً، فلا يقال: إنَّ الكفارَ
يُنكرون القرآنَ فكيف يُقْسَم به لإِلزامهم؟
وقرأ أبو حَيوة، واليزيديّ، والقُورصيُّ عن أبي جعفر، وشيبةٌ، بالخفض على
البدليَّة من ((القرآن)) أو الوصفية له(٣).
وأيَّاما كان، ففيه إظهارٌ لفخامة القرآنِ الإضافية، بعد بيانِ فخامتِه الذاتية
بوصفه بالحِكمة، وفي تخصيص الاسمينِ الكريمين المُعرِبَين عن الغلبة الكاملةِ
والرحمةِ الفاضلة، حتٍّ على الإِيمان به، ترهيباً وترغيباً، وإشعاراً بأنَّ تنزيلَه ناشئٌ
عن غاية الرَّحمة، حسبما أَشار إليه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً
لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(١) أي: أنت لا تفعله، ولكنهم قصدوا المبالغة في نفيه عنه، لأنهم إذا نفوه عمن يناسبه ويسدُّ
مسدّه، فإن نفيه عنه أولى. ينظر تفسير البيضاوي ٥١/٥.
(٢) البحر ٣٢٣/٧. وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. التيسير ص ١٨٣، والنشر ٣٥٣/٢.
(٣) البحر ٣٢٣/٧، وقراءة اليزيدي في القراءات الشاذة ص ١٢٤. والقورصي ورد في البحر
بالصاد، وذكره ابن الأثير في طبقات القراء ١/ ١٨٥ بالسين، وقال: انفرد في قراءة أبي
جعفر بغرائب.

الآية : ٦
٢٧١
﴿لِنُنذِرَ﴾ متعلِّق بـ ((تنزيل))، أو بفعله المضمَرِ على الوجه الثاني في إعرابه،
أي: نُزِّل تنزيلَ العزيزِ الرحيم لتنذرَ به، أو بما يدلُّ عليه ((لمن المرسلين)) أي:
أُرسلتَ، أو: إنَّك مرسلٌ لتنذَرَ ﴿قَوْمَا ◌َّ أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ﴾ أي: لم تُنذَر آباؤهم، على
ما رُوي عن قتادة. فـ ((ما)) نافية، والجملةُ صفةُ ((قوماً)) مبيّنة لغاية احتياجهم إلى
الإِنذار.
والمرادُ بالإنذار الإِعلامُ أو التخويفُ، ومفعولُه الثاني محذوف، أي: عذاباً؛
لقوله تعالى: ﴿إِنََّ أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
والمرادُ بآبائهم آباؤهم الأدنَون، وإلّا فالاً بعدون قد أَنذرهم إسماعيلُ عليه
السلام، وبلَّغهم شريعةً إبراهيم عليه السلام. وقد كان منهم مَن تمسَّك بشرعه على أتمّ
وجه، ثم تراخى الأمرُ وتطاول المُدَد، فلم يبقَ من شريعته عليه السلام إلَّ الاسم.
وفي ((البحر)): الدعاءُ إلى الله تعالى لم ينقطع عن كلِّ أمة، إمَّا بمباشرة من
أَنبيائهم، وإمَّا بنقلٍ إلى وقت بعثةٍ نبيِّنا وَّه، والآياتُ التي تدلُّ على أنَّ قريشاً
ما جاءهم نذيرٌ معناها: لم يباشرُهم ولا آباءَهم القريبين. وأمَّا أنَّ النذارةَ انقطعت
فلا، ولمَّا شرعت آثارُها تَنْدرِس بُعث النبيُّ وَّه، وما ذكره المتكلِّمون من حال أهل
الفتراتِ فهو على حسب الفَرْض(١). اهـ.
وعليه، فالمعنى: ما أَنذر آباءَهم رسولٌ، أي: لم يباشرهم بالإنذار، لا أنَّه لم
ينذرهم منذرٌ أصلاً، فيجوز أن يكونَ قد أَنذرهم من ليس بنبيّ، کزيد بن عمرو بنِ
نفيل وقُسِّ بنِ ساعدة، فلا منافاةً بين ما هنا وقولِهِ تعالى: ﴿وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا
نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وليس في ذلك إنكارُ الفترةِ المذكورةِ في قوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَقْ
مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] لأنَّها فترةُ إرسالٍ وانقطاعها زماناً، لا فترةُ إنذارٍ مطلقاً.
وعن عكرمة: ((ما)) بمعنى ((الذي))، وجوِّز أن تكونَ موصوفة، وهي على
الوجهين مفعولٌ ثانٍ لـ ((تُنذر))، أي: لتنذرَ قوماً الذي أَنذره - أو شيئاً أَنذره - الرُّسلُ
آباءهم الأَبعدِین.
(١) البحر ٧/ ٣١٠، وجاء في مطبوعه: العرض، بدل: الفرض.

سُوَلاَ يَسْ
٢٧٢
الآية : ٧
وقال ابنُ عطية (١): يحتمل أن تكونَ ((ما)) مصدريَّة، فتكون نعتاً لمصدرٍ مؤكِّدٍ،
أي: لتنذرَ قوماً إنذاراً مثلَ إنذارِ الرسلِ آباءهم الأَبعدين.
وقيل: هي زائدة. وليس بشيء.
﴿فَهُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ هو على الوجه الأوَّل متفرِّع على نفي الإنذار ومتسبِّب
عنه، والضميرُ للفريقين، أي: لم ينذَر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون،
وعلى الأَوجُه الباقيةِ متعلّق بقوله تعالى: ((لتنذر)) أو بما يفيده ((إنك لمن المرسلين))
واردٌ لتعليل إِنذاره عليه الصلاة والسلام أو إِرساله بغفلتهم المحوِجة إليه، نحو :
اسقِهِ فإنَّه عطشان، على أنَّ الضميرَ للقوم خاصَّة، فالمعنى: فهم غافلونَ عنه، أي:
عمَّا أُنذر آباؤهم.
وقال الخفاجي(٢): يجوز تعلُّقه بهذا على الأوَّل أيضاً، وتعلُّقه بقوله تعالى:
(تنذر)) على الوجوه، وجَعْلُ الفاءِ تعليلية، والضميرُ لهم أو لآبائهم. اهـ. ولا يخفَى
عليك أنَّ المنساقَ إلى الذِّهن ما قرِّر أولاً .
﴿لَقَدْ حَقِّ﴾ جوابٌ لقَسَم محذوف، أي: واللهِ لقد ثبت ووجب ﴿اَلْقَوْلُ﴾ الذي
قلتُّه لإبليسَ يومَ قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وهو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ﴿عَلَّىَّ أَكْثَرِهِمْ﴾ متعلِّق بـ ((حقَّ))، والمراد: سبق في
علمي دخولُ أكثرِهم فيمن أَملأ منهم جهنّم، وهم تَبَعة إِبليسَ كما يشير إليه تقدیمُ
الجِنةِ على الناس، وصرَّح به قولُه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَنْ تَعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[ص: ٨٥]. ولا مانعَ من أنْ يراد بالقول، لكن المشهورَ ما تقدَّم.
وظاهرُ كلامِ الراغبِ (٣) أنَّ المرادَ بالقول علمُ اللهِ تعالى بهم، ولا حاجةَ إلى
التزام ذلك.
وقيل: الجارُّ متعلِّق بالقول، ويقال: قال عليه، إذا تكلّم فيه بالشرّ، والمراد:
(١) في المحرر الوجيز ٤٤٦/٤.
(٢) في حاشيته ٧/ ٢٣٣.
(٣) في المفردات (قول).

الآية : ٨
٢٧٣
لقد ثبت في الأزلِ عذابي لهم. وفيه ما فيه. ويؤيِّد تعلُّقَه بـ ((حقَّ)) قولُه تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ونقل أبو حيَّانَ(١) أنَّ
المعنى: حقَّ القولُ الذي قاله اللهُ تعالى على لسان الرُّسلِ عليهم السلام من التوحيد
وغیرِهِ، وبَانَ برهانُه. وهو كما ترى.
﴿فَهُمْ﴾ أي: الأَكثر ﴿لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ بإنذارك إيَّهم، والفاءُ تفريعيةٌ داخلةٌ
على الحكم المسبَّب عمَّا قبله، فيفيد أنَّ ثبوتَ القولِ عليهم عِلَّة لتكذيبهم وكفرِهم،
وهو عِلَّة له باعتبار سَبقِ العلم بسوءِ اختيارِهم وما هم عليه في نفس الأمر؛ فإنَّ
علمَه تعالى لا يتعلَّق بالأشياءِ إلَّا على ما هي عليه في أَنفُسها، ومالُه إلى أنَّ سوءً
اختيارِهم وما هم عليه في نفس الأمرِ عِلَّة لتكذيبهم وعدم إِيمانهم بعد الإِنذار،
فليس هناك جبرٌ محض، ولا أنَّ المعلومَ تابعٌ للعلم.
وقال بعضُهم: الفاءُ إمَّا تفريعية، وكونُ ثبوتِ القولِ علَّةً لعدم إيمانهم مبنيٍّ على
أنَّ المعلومَ تابعٌ للعلم، وإمَّا تعليلية مفيدةٌ أنَّ عدمَ الإيمانِ عَّة لثبوت القول، بناءً
على أنَّ العلمَ تابعٌ للمعلوم. ولا يلزم الجبرُ على الوجهين، أمَّا على الثاني فظاهر،
وأمَّا على الأوَّل؛ فلأنَّ العلمَ ليس عِلّةً مستقلّة عند القائلِ بذلك، بل لاختيارهم
وكسبِهم مدخلٌ فيه، فتأمَّل. والتفريعُ هو الذي أَميل إليه.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ﴾ جمع ◌ُنق، بالضمِّ ويضمَّتين، وهو الجِيْد، ويقال:
عَنِيق، كأَمير، وعُنَق، كصُرَد ﴿أَغْلَلًا﴾ جمع غُلِّ، بالضمِّ، وهو على ما قيل: ما يُشْدُّ
به اليدُ إلى العُنق للتعذيب والتشديد. وفي ((البحر))(٢): الغلُّ: ما أحاط بالعُنق على
معنى التثقيفِ(٣) والتضييقِ والتعذيبِ والأَسر، ومع العُنق اليدانِ أو اليدُ الواحدة.
وذكر الراغبُ (٤) أنَّه ما يقيَّد به فتجعل الأَعضاءُ وسَطَه، وأصلُه من الغَلَل: تدرُعُ
الشيءٍ وتوسُّطُه، ومنه الغَلَلُ للماء الجاري بين الشَّجر، وقد يقال له: الغِيل. وكأنَّ
(١) في البحر ٣٢٣/٧-٣٢٤.
(٢) ٣٢٤/٧.
(٣) كذا في الأصل و(م) والمحرر الوجيز ٤٤٧/٤، وفي البحر: التعنيف.
(٤) في المفردات (غلل).

٢٧٤
الآية : ٨
في الكلام عليه قلباً، أي: جعلنا أعناقَهم في أَغلال، كما تقول: جعلتُ الخاتمَ في
إِصبعي، أي: جعلتُ إِصبعي في الخاتم، وجوّز أن يكونَ على حدّ: ﴿ وَلَأُصَلِنَّكُمْ فِ
◌ُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] والتنوينُ للتعظيم والتهويل، أي: أغلالاً عظيمةً هائلة،
وإِسنادُ الفعلِ إلى ضمير العظمةِ مما يؤيِّد ذلك.
﴿فَهِىَ﴾ أي: الأَغلال كما هو الظاهرُ ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع: ذَقَن بالتحريك:
مجتمعُ اللَّحيّين من أَسفلهما، و((أل)) للعهد، أو عوضٌ عن المضاف إليه، والظرفُ
متعلّق بكونٍ خاصٍّ خبر ((هي))، أي: فهي واصلة أو منتهيةٌ إلى أَذقانهم، والفاءُ
للتفريع، وقيل: لمجرَّد التعقيب، بناءً على عدم حملِ التنوين على التعظيم والتهويل،
وقولُه تعالى: ﴿فَهُم ◌ُقْمَحُونَ ﴾﴾ نتيجةُ ((فهي إلى الأذقان)) فالفاءُ تفريعيةٌ أيضاً.
والمقمَح على ما في ((النّهاية)) (١): الذي يرفع رأسه ويغضُّ بصرَه، وكأنّه أراد
المجهول بحیث یرفع ... إلخ.
وقال أبو عُبيدة: يقال: قَمَحَ البعيرُ قموحاً، إذا رفع رأسَه عن الحوضِ ولم
يشرب، والجمع: قِمَاح، ومنه قولُ بشرٍ يصف سفينةً أَخذهم المَيدُ فيها:
ونحن على جوانبها قعودٌ نغضُّ الظَّرفَ كالإِبل القماحِ (٢)
وقال الليث: هو رفعُ البعيرِ رأسَه إذا شرب الماءَ الكريه ثم يعود، ومنه قيل
للكانونَين: شهرا قماح، بضمِّ القافِ وكسرِها؛ لأنَّ الإِبلَ إذا وردت الماءَ ترفع
رؤوسَها لشدَّة بردِه.
وقال الراغب(٣): القَمْح: رفعُ الرأسِ لسفِّ الشيءِ المتَّخذِ من القمح، أي:
البُرِّ إذا جرى في السُّنبل مِن لدن الإنضاج إلى حينِ الاكتناز، ثم يقال لرفع الرأسِ
كيفما كان: قَمْحٌ، وقَمَحَ البعير: رفعَ رأسَه، وأَقْمَحْتُ البعير: شدَدْتُ رأسَه إلى
خلف. وقيل: المُقمَح الذي يجذب ذَقَّتَه حتى يصيرَ في صدرِه ثم يرفع.
(١) مادة (قمح).
(٢) ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي ص ٩١، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١٥٧.
(٣) في المفردات (قمح).

الآية : ٨
٢٧٥
وقال مجاهدٌ: القامح: الرافعُ الرأسَ الواضعُ يدَه علی فِيْهِ.
وقال الحسن: هو الطامحُ ببصره إلى موضع قدمِه. وظاهرُه يقتضي أن يكونَ
هناك نكسٌ للرأس، والمعروفُ في القَمح الرفع.
ووجهُ التفريعِ أنَّ طوقَ الغُلِّ الذي في عُنق المغلولِ يكون في ملتقَى طَرَفَيه تحت
الذَّقَن حلقةٌ فيهاَ رأسُ العمودِ نادراً (١) من الحلقة إلى الذَّقَن، فلا يُخليه يطأطئُ
ويوطئ قَذَاله، فلا يزالُ مقمَحاً، لا سيّما إذا كان الغُلُّ عظيماً.
وقال ابنُ عطية(٢): إنَّ الأَغلالَ عريضةٌ تبلغ بحروفها الأَذقان، أي: فيحصل
القَمح. وكلامُ ابنِ الأثيرِ يشعر أنَّ القمحَ لضيق الغُلّ. وإن أُريد: جعلنا في كلٍّ من
أَعناقهم أغلالاً، كان أمرُ القمحِ أظهرَ وأظهر.
وقال البغويُّ والطبريُّ والزّجَّاج والطبرسيُّ(٣): ضميرُ ((هي) للأيدي وإن لم
يتقدَّم لها ذِكر؛ لوضوح مكانِها من المعنى، لأنَّ الغُلَّ يتضمَّن العنقَ واليد، ولذلك
سمِّي جامعة، وما يكون في العُنق وحده أو في اليد وحدَها لا يسمَّى غُلًّا، فمتى
ذُكر مع العنق، فاليدُ مرادةٌ أيضاً، ومتى ذُكر مع اليد، كما في قراءة ابنِ عباس:
(في أيديهم أَغلالاً)) وفي قراءة ابنِ مسعود: ((في أَيْمانِهم أَغلالاً))(٤) فالعنق مرادٌ
أيضاً. وهذا ضربٌ من الإِيجاز والاختصار، ونظيرُ ذلك قولُ الشاعر(٥):
أريد الخيرَ أيُّهما يليني
وما أدري إذا يمَّمتُ أرضاً
أم الشرُّ الذي لا يأتليني
أألخيرُ الذي أنا أبتغيه
حيث ذكر الخيرَ وحده وقال: أيُّهما، أي: الخير والشرّ، وقد علم أنَّ الخيرَ
والشرَّ يَعرضان للإِنسان.
(١) أي: خارجاً. ينظر الكشاف ٣١٥/٣، وتفسير النسفي ٢٣٥/٤، والمعجم الوسيط (ندر).
(٢) في المحرر الوجيز ٤٤٧/٤ .
(٣) تفسير البغوي ٦/٤، والطبري ٤٠٣/١٩، ومعاني القرآن ٢٧٩/٤، ومجمع البيان ٩/٢٢.
(٤) الكشاف ٣١٦/٣.
(٥) هو المثقب العبدي، والبيتان في ديوانه ص ٢١٢ -٢١٣.

٢٧٦
الآية : ٩
واختار الزمخشريُّ(١) ما تقدَّم، ثم قال: والدليلُ عليه قوله تعالى: (فَهُم
مُقْمَحُونَ) ألا ترى كيف جعل الإقماحَ نتيجةَ (فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ)، ولو كان الضميرُ
للأيدي لم يكن معنى التسبُّب في الإقماح ظاهراً؟ على أنَّ هذا الإضمارَ فيه ضربٌ
من التعسُّف، وتركُ الظاهرِ الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطنِ الذي يجفو
عنه، تركٌ للحقِّ الأَبلَج إلى الباطل اللَّجْلَجِ. اهـ.
وصاحب ((الانتصاف))(٢) أَراد الانتصارَ للجماعة، فقال: يحتمل أن تكونَ الفاءُ
في ((فهم مقمحون)) للتعقيبٍ كسابقه، أو للتسبُّب؛ فإنَّ ضغطَ اليدِ مع العُنق يوجب
الإِقماح، لأنَّ اليدَ تبقى ممسكةً بالغُلِّ تحت الذقَن رافعةً لها، ولأنَّ اليدَ إذا كانت
مطلقةً كانت راحةً للمغلول، فربَّما يتحيَّل بها على فِكاك الغُلِّ، فيكون منبِّهاً على
انسداد باب الحیلة. اهـ.
قال صاحبُ ((الكشف)): والجوابُ أنَّه لا فخامةَ للتعقيب المجرَّد، ثم إنَّ ما ذكره
الزمخشريّ - وقد أشرنا إليه نحن فيما سبق - مستقلٌّ في حصول الإِقماح، فأين
التعقيب؟ وبه خرِّج الجوابُ عن التسبُّب، وقولُه: ولأنَّ اليد .. إلخ، لا يستقلّ
جواباً دون الأَوَّلَين. اهـ. وعلى العِلَّات رجوعُ الضميرِ إلى الأغلالِ هو الحريُّ
بالاعتبار، وبلاغةُ الكتابِ الكريم تقتضيه ولا تكاد تلتفت إلى غيره.
﴿وَجَعَلْنَا﴾ عطفٌ على ((جعلنا)) السابقِ ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾ من قُدَّامهم ﴿سَنَّا﴾
عظيماً، وقيل: نوعاً من السدّ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ مِن ورائهم ﴿سَذًا﴾ كذلك. والقدَّامُ
والوراءُ كنايةٌ عن جميع الجهات ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ﴾ فغَّينا بما جعلناه من السدِّ
أبصارَهم. وعن مجاهد: ((فأغشيناهم)) فأَلبسنا أبصارَهم غِشاوةً ﴿فَهُمْ﴾ بسبب ذلك
﴿لَا يُصِرُونَ ﴾﴾ لا يقدرون على إِبصار شيءٍ ما أصلاً.
وقرأ جمعٌ من السبعة وغيرِهم: ((سُدّا) بضمِّ السين(٣)، وهي لغةٌ فيه. وقيل:
(١) في الكشاف ٣١٦/٣.
(٢) بهامش الكشاف ٣١٥/٣.
(٣) قرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بفتح السين، والباقون بضمها. التيسير ص ١٨٣،
والنشر ٣١٥/٢.

الآية : ٩
٢٧٧
ما كان من عمل الناسِ فهو بالفتح، وما كان من خلقِ اللهِ تعالى فهو بالضّم. وقيل
بالعکس.
وقرأ ابنُ عباس، وعمرُ بن عبدِ العزيز، وابنُ يَعمَر، وعِكرمة، والنَّخَعي، وابنُ
سيرين، والحسن، وأبو رجاءٍ، وزيدُ بن عليٍّ، وأبو حنيفة، ويزيدُ البربري،
ويزيدُ بن المهلَّب، وابن مِقسم: ((فأَعشيناهم)) بالعين(١)، من العَشَا، وهو ضَعفُ
البصر.
ومجموعُ المتعاطفَين من قوله تعالى: (إِنَّا جَمَلْنَا) إلخ، تأكيدٌ وتقريرٌ لما دلَّ
عليه قولُه سبحانه: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَّ أَكْثَرِمْ) إلخ، من سوء اختيارِهم وقُبحِ
حالهم؛ فإنَّ جَعْلَ اللهِ تعالى إياهم بما أَظهر فيهم من الإِعجاب العظيمِ بأنفسهم
مستكبرين عن اتِباع الرسلِ عليهم السلام، شامخين برؤوسهم، غيرَ خاضعين لمَا
جاؤوا به، وسدِّ أبوابِ النظرِ فيما ينفعهم عليهم بالكلِّية، ليس إلَّا لأنَّهم سيِّئو
الاختيارِ وقبيحو الأحوال، قد عشقَتْ ذواتُهم ما هم عليه عشقاً ذاتياً، وطلبته طلباً
استعداديّاً، فلم تكن لها قابليةٌ لغيره، ولم تلتفتْ إلى ما سواه، وإذا قايستَ بين
ذواتِهم وما هم عليه وبين الجسم والحيِّز أو الثلاثةِ والفرديةِ مثلاً، لم تكد تجد
فرقاً: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] ففي الكلامِ
تشبيهاتٌ متعدِّدة كما لوَّحنا إليه، وهذا الوجهُ هو الذي يقتضيه ما عليه كثيرٌ من
الأَجِلَّة وإنْ لم يذكروه في الآية.
وفي ((الانتصاف))(٢): إذا فرِّق التشبيه، كان تصميمُهم على الكفر مشبَّهاً
بالأغلال، وكان استكبارُهم عن قَبول الحقِّ والتواضعِ لاستماعه مشبَّهاً بالإِقماح؛
لأنَّ المقمَح لا يطأطئ رأسَه، وقولُه تعالى: (فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ) تتمَّة للزوم الإِقماح
لهم، وكان عدمُ النظرِ في أحوال الأمم الخاليةِ مشبَّهاً بسدٍّ مِن خلفهم، وعدمُ النظرِ
في العواقب المستقبلةِ مشبَّهاً بسدٍّ من قدَّامهم.
(١) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والمحتسب ٢٠٤/٢، والبحر ٣٢٥/٧.
(٢) بهامش الكشاف ٣١٥/٣.

الآية : ٩
٢٧٨
وفي ((التيسير)): جمعُ الأَيدي إلى الأذقانِ بالأغلال عبارةٌ عن منع التوفيقِ حتى
استكبروا عن الحقِّ؛ لأنَّ المتكبِّرِ يوصَف برفع العُنق، والمتواضع بضدِه، كما في
قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ولم يذكر المرادَ بجعل السدّ.
وذكر الإِمامُ(١) أنَّ المانعَ عن النظر في الآيات قسمان: قسمٌ يمنع عن النظر في
الأَنفس، فشِّه ذلك بالغُلِّ الذي يجعل صاحبَه مُقمَحاً لا يرى نفسَه، ولا يقع بصرُه
على بدنه. وقسمٌ يمنع عن النظرِ في الآفاقِ، فشبِّه ذلك بالسدِّ المحيط، فإنَّ
المحاطَ بالسدِّ لا يقع نظرُه على الآفاق، فلا يظهرُ له ما فيها من الآيات، فمن
ابتُلي بهما حُرِم عن النظر بالكلِّيَّة.
واختار بعضُهم كونَ ((إنا جعلنا)) إلخ تمثيلاً مسوقاً لتقرير تصميمِهم على الكفر،
وعدمٍ ارعوائهم عنه، فيكون قد مثِّل حالُهم في ذلك بحال الذين غُلَّت أعناقُهم،
وجوَّز في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا) إلخ أن يكونَ تتمَّةً لذلك وتكميلاً له، وأن يكونَ
تمثيلاً مستقلًا؛ فإنَّ جَعلَهم محصورين بين سدَّين هائلَين قد غطّيا أبصارهم بحيث
لا يُبصرون شيئاً قطعاً، كافٍ في الكشف عن كمال فظاعةٍ حالهم، وكونِهم
محبوسين في مطمورة الغَيِّ والجهالات.
وقال أبو حيَّان(٢): الظاهرُ أنَّ قولَه تعالى: (إِنَّا جَعَْنَا) الآيةُ على حقيقتها، لمَّا
أَخبر تعالى أنَّهم لا يؤمنون، أخبر سبحانه عن شيءٍ من أحوالهم في الآخرة إذا
دخلوا النَّار، والتعبيرُ بالماضي لتحقّق الوقوع، ولا يُضعِف هذا - كما زعم ابنُ
عطية(٣) - قولُه تعالى: (فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ) لأنَّ بصرَ الكافرِ يومئذٍ حدیدٌ یری
قُبحَ حاله، أَلا ترى إلى قولِه سبحانه: ﴿وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾
[الإسراء: ٩٧] وقوله سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٥] فإمَّا أن يكونَ
ذلك حالَين، وإمَّا أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿فَصَرُكَ الْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] كنايةً عن
إِدراكه ما يؤول إليه حتى كأنَّه يُبصره.
(١) في التفسير الكبير ٤٥/٢٦ .
(٢) في البحر ٣٢٤/٧.
(٣) في المحرر الوجيز ٤٤٦/٤.

الآية : ٩
٢٧٩
سُوٌ لايَسْ
واعترض بعضُهم عليه بأنَّه يلزم أن يكونَ الكلامُ أجنبيّاً في البَين، وتوجيهُه بأنَّه
كالبيانِ لقوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىَّ أَكْثَرِ) قد دغدغ فيه، والإِنصافُ أنَّه خلافُ
الظاهر.
وقال الضخَّاك والفرَّاء (١): في قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا) استعارةٌ
لمنعهم من النفقة في سبيل اللهِ تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى
عُنُفِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. ولعلَّه جعل الجملةَ الثانيةَ استعارةً لمنعهم عن رؤية الخيرِ
والسعيٍ فيه، ولا يخفَى أنَّ كونَ الكلامِ على هذا أجنبيّاً في البَين في غاية الظُّهور.
وأَخرج ابنُ مردويه وأبو نُعَيمٍ في ((الدَّلائل)) عن ابن عباسٍ قال: كان النبيُّ ◌َّل
يقرأ في المسجد فيجهرُ بالقراءة، فتأذَّى به ناسٌ من قريش، حتى قاموا ليأخذوه،
فإذا أيديهم مجموعةٌ إلى أعناقهم، وإذا هم لا يُبصرون، فجاؤوا إلى النبيِّ لَّ،
فقالوا: نَنشدك اللهَ تعالى والرَّحمَ يا محمد، قال: ولم يكن بطنٌ من بطون قريشٍ إلَّا
وللنبيِّ وَّر فيهم قرابة، فدعا النبيُّ عليه الصلاة والسلام حتى ذهب ذلك عنهم،
فنزلت (يسَ * وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ) إلى قوله سبحانه: (أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [الآية:
١٠] فلم يؤمنْ من ذلك النَّفرِ أحد(٢) .
ورُوي أنَّ الآيتين نزلتا في بني مخزوم، وذلك أنَّ أبا جهلٍ حمل حجراً لينالَ
بها ما يريد برسول اللهِوَل﴿ وهو يصلي، فأُثبتت يدُه على عنقه، حتى عاد إلى
أصحابِهِ والحجرُ قد لزقَ بيده، فما فكُّوه إلَّا بجهد، فأخذه مخزوميٌّ آخَر، فلمَّا دنا
من الرَّسُول ◌َّ، طمس اللهُ تعالى بصرَه، فعاد إلى أصحابه، فلم يُبصرهم حتى
نادَوه، فقام ثالثٌ فقال: لأَشدخَنَّ أنا رأسَه، ثم أخذ الحجرَ وانطلق، فرجع
القهقرى ينكص على عقبيه حتى خَرَّ على قفاه مغشياً عليه، فقيل له: ما شأنُك؟
قال: عظيم! رأيت الرجلَ، فلمَّا دنوتُ منه، فإذا فحلٌ ما رأيت فحلاً أعظمَ منه
حال بيني وبينه، فواللاتٍ والعزَّى لو دنوت منه لأَكلني. فجَعلُ الغُلِّ يكون استعارةً
(١) في معاني القرآن ٣٧٣/٣.
(٢) الدر المنثور ٢٥٨/٥.

٢٨٠
الآية : ١٠
عن منع من أراد أَذاه عليه الصلاة والسلام، وجعل السدِّ استعارةً عن سلب قوَّةٍ
الإِبصار كما قيل.
وقال السُّدِّي: السدُّ ظلمٌ حالت فمنعت الرُّؤية.
وجاء في الآثار غيرُ ذلك ممَّا يقرب منه، والرابطٌ عليها غيرُ ظاهر، ولعلَّه
باعتبار إِشارة الآيتين إلى ما هم عليه من التصميم على الكفر وشدَّة العناد. ومع
هذا، الأَرجحُ في نظر البليغِ حَمْلُ الكلامِ على غير ما تقتضيه ظواهرُ الآثارِ ممَّا
سمعتَ، وليس فيها ما ينافيه عندَ التحقيق، فتأمَّل.
﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرّهُمْ﴾ أي: مستوٍ عندهم إنذارُك إياهم وعدمُه،
حسبَما مرَّ تحقيقُه في أوائل سورة البقرة. والظاهرُ أنَّ العطفَ على ((إنا جعلنا))
وكأنَّه جيءَ به للتَّصريح بما هم عليه في أنفسِهم بعد الإِشارة إليه فيما تقدَّم، بناءً
على أنَّه ممَّا يستتبع الجعلَ المذكور. وقريبٌ منه القولُ بأنَّ ما تقدَّم لبيان حالِهم
المجعول، وهذا لبيان حالِهِم من غيرِ ملاحظةِ جَعْلٍ، وفيه تمهيدٌ لقوله تعالى:
(إِنَّمَا نُذِرُ) إلخ.
وفي «إرشاد العقلِ السليم)): هو بيانٌ لشأنهم بطريق التصريحِ إثرَ بيانِه بطريق
التمثيل(١). وفي ((الحواشي الخَفاجيّة)): لم يُورد بالفاء مع ترُّبه على ما قبلَه إمّا
تفويضاً لذهنِ السامع، أو لأنَّه غيرُ مقصودٍ هنا(٢). انتهى.
وانظر هل تجدُ مانعاً من العطف على ((لا يبصرون)) ليكونَ خبراً لهم أيضاً
داخلاً في حيِّز الفاءِ والتفريع على ما تقدَّم، كأنَّه قيل: فهم سواءٌ عليهم .. إلخ؟
واختلافُ الجملتين بالاسمية والفعليةِ لا أراك تَعدُّه مانعاً.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ استئنافٌ مؤكِّد لما قبله، مبيّن لما فيه من
إِجمالِ ما فيه الاستواء، أو حالٌ مؤكّدة له، أو بدلٌ منه.
(١) تفسير أبي السعود ٧/ ١٦٠ .
(٢) حاشية الشهاب ٧/ ٢٣٤.