Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ٣٦
٢٤١
سُوَالأَفَظِل
وقرأ عيسى والحسن: ((فيموتون)) بالنون (١) عطفاً - كما قال أبو عثمان
المازنيّ - على ((يُقضى)) كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] أي:
لا یُقضَی علیھم ولا يموتون.
﴿وَلَا يُحَنَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ المعهود لهم، بل كلَّماَ خَبَتْ زِيْدَ إسعارُها،
والمراد دوامُ العذاب، فلا ينافي تعذيبَهم بالزمهرير ونحوه.
ونائب فاعل ((يُخَفَّف)): ((عنهم))، و((من عذابها)) في موضع نصب، ويجوز
العكس. وجُوِّز أن تكون ((من)) زائدة، فيتعيَّن رفعُ مجرورها على أنَّه النائب عن
الفاعل، على ما قال أبو البقاء(٢).
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((ولا يُخفَّفْ)) بإسكان الفاء، شبَّه المنفصل
بالمتصل(٣)، کقوله:
فاليوم أشربْ غيرَ مُستَحْقِبٍ(٤)
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلَ ذلك الجزاء الفظيع ﴿نَجْزِى كُلَّ كَفُورِ ﴾﴾ مبالغٍ في
الكفر أو الكفران، لا جزاء أخفّ وأدنى منه.
وقرأ أبو عمرو وأبو حاتم عن نافع: ((يُجْزَى)) بالياء مبنيّاً للمفعول، و((كلُّ)
بالرفع على النيابة عن الفاعل(٥) .
وقرئ: ((نُجازي)) بنونٍ مضمومةٍ وألف بعد الجيم (٦).
(١) المحتسب ٢/ ٢٠١، والبحر المحيط ٣١٦/٧.
(٢) في الإملاء ٢/ ٢٠٠.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والبحر المحيط ٣١٦/٧.
(٤) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٢٢، وسلف ٤٢١/١١.
(٥) البحر المحيط ٣١٦/٧، وقراءة أبي عمرو في التيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٥٢/٢.
(٦) لم أقف عليها. وذكر الزمخشري في الكشاف ٣١٠/٣، والبيضاوي في تفسيره مع حاشية
الشهاب ٢٢٨/٧، وأبو السعود في تفسيره ٧/ ١٥٤ أنه قرئ: يجازى.

سُؤَالّفَظلم
٢٤٢
الآية : ٣٧
﴿وَهُمْ يَصْطَرُِّونَ فِيهَا﴾ افتعالٌ من الصراخ، وهو شدَّة الصياح، والأصل:
يصرخون، فأبدلت التاءُ طاءً، ويستعملُ كثيراً في الاستغاثة؛ لأنَّ المستغيثَ يصيح
غالباً، وبه فسَّره هنا قتادة، فقال: يستغيثون فيها .
واستغائتهم بالله عزَّ وجلَّ، بدليل ما بعده. وقيل: ببعضهم لحيرتهم. وليس
بذاك.
﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ بإضمار القول، أي:
ويقولون، بالعطف، أو: يقولون، بدونه على أنَّه تفسيرٌ لما قبله، أو: قائلين، على
أنَّه حالٌ من ضميرهم .
وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسُّر على ما عملوه من غير
الصالح، مع الاعتراف به، والإشعارِ بأنَّ استخراجهم لتلافيه، فهو وصفٌ مؤكِّد،
ولأنَّهم كانوا يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً، فكأنَّهم قالوا: نعمل صالحاً غير الذي
كنّا نحسبُه صالحاً فنعمله، فالوصف مقيّد.
وذكر أبو البقاء أنَّ ((صالحاً)) و((غير الذي)) يجوزُ أن يكونا صفتين لمصدرٍ
محذوف، أو لمفعولٍ محذوف، وأن يكون (صالحاً)) نعتاً لمصدر، و((غير الذي))
مفعول ((نعمل))(١).
وأيَّاما كان، فالمراد: أخرِجنا من النار، ورُدَّنا إلى الدنيا نعمل صالحاً،
وكأنَّهم أرادوا بالعمل الصالح التوحيد، وامتثالَ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام،
والانقياد له.
وعن ابن عباس ﴿مّا أنَّه قال: ((نعمل صالحاً)): نقل: لا إله إلا الله.
﴿أَوْلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرُ﴾ جوابٌ من جهته تعالى وتوبيٌ لهم في
الآخرة حين يقولون: ((ربنا)) إلخ، فهو بتقدير: فنقول لهم، أو: فيقال لهم: ((أَوَ لم
نُعمِّرْكم» إلخ. وفي بعض الآثار أنَّهم يجابون بذلك بعد مقدار الدنيا .
(١) إملاء ما من به الرحمن ٢٢١/٤-٢٢٢.

الآية : ٣٧
٢٤٣
والهمزةُ للإنكار، والواو للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، و((ما)) موصولةٌ، أو
موصوفةٌ، أي: ألم نمهلكم ونعمِّركم الذي - أي: العمرَ الذي - أو عمراً يتذكّر فيه
من تذكَّر، أي: يتمكَّنُ فيه من أراد التذكّر وتحقَّقت منه تلك الإرادة من التذكّر
والتفُّر.
وقال أبو حيان: ((ما)) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، أي: أَلَم نُعمِّرْكم في مدَّة تذكُّر(١).
وتُعقِّبَ بأنَّ ضمير ((فيه)) يأباه؛ لأنَّها لا يعود عليها ضميرٌ إلا على نظر
الأخفش، فإنَّه يرى اسميَّتها، وهو ضعيف، ولعلَّه يجعلُ الضمير للعمر المفهوم من
(نعمر))(٢). وفيه بعد.
وجَعلُ ((ما)) نافيةً لا يصحُّ - كما قال ابن الحاجب - لفظاً ومعنى(٣).
وهذا العمر على ما رُوي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(٤)، وأخرجه جماعةٌ
- وصحَّحه الحاكم - عن ابن عباس(٥) سُّون سنةً.
وقد أخرج الإمام أحمد والبخاريُّ والنسائيُّ وغيرهم عن سهل بن سعد(٦) قال:
قال رسول الله وَله: ((أعذرَ الله تعالى إلى امرئٍ أخّر عمره حتى بلغ ستِّين سنة)).
وقيل: هو خمسون سنة.
وفي روايةٍ عن ابن عباس أنَّه ستٍّ وأربعونَ سنة.
(١) البحر ٣١٦/٧.
(٢) في الأصل: يعمر.
(٣) أمالي ابن الحاجب ٢٠٧/١.
(٤) أخرجه الطبري ٣٨٦/١٩.
(٥) المستدرك ٢/ ٤٢٧، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٨٥/١٩.
(٦) كذا ذكر المصنف تبعاً للسيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤، ولعله سبق قلم، فالحديث مرويٌّ
عن أبي هريرة ﴿ه، وهو عند أحمد (٧٧١٣)، والبخاري (٦٤١٩)، والنسائي في الكبرى
(١١٨٢٢).
أما حديث سهل بن سعد فأورده السيوطي في الدر المنثور إثر الحديث السابق، وأخرجه
الطبراني في الكبير (٥٩٣٣)، والحاكم في المستدرك ٤٢٨/٢، والقضاعي في مسند
الشهاب (٤٢٣). وعند الحاكم: سبعين سنة. بدل: ستين.

سِوَالأَوَظِ
٢٤٤
الآية : ٣٧
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن أنَّه أربعون سنة (١).
وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه سنُّ البلوغ.
وقيل: سبع عشرة سنة.
وعن قتادة: ثمان عشرة سنة.
وعن عمر بن عبد العزيز: عشرون سنة.
وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.
وقرأ الأعمش: ((ما يذَّكَّر فيه من اذَّكَّر)) بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً
بها في الدرج(٢).
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ عطفٌ على معنى الجملة الاستفهامية، فكأنَّه قيل: عمَّرناكم
وجاءكم النذير، فليس من عطف الخبر على الإنشاء، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَّ
وَوَضَعْنَا عَنِكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١-٢] وجُوِّزَ أن يكون عطفاً على
نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
((نعمِّركم))، ودخول الهمزة عليهما، فلا تغفل.
والمراد بـ: ((النذير)) - على ما روي عن السُّدِّيِّ وابن زيد - رسولُ اللهِ وَله.
وقيل: ما معه من القرآن.
وقال أبو حيان: المراد جنسُ النذير، وهم الأنبياء عليهم السلام، فكلُّ نبيٍّ
نذيرُ أمَّته، ويؤيِّده أنَّه قرئ: ((النذُر)) جمعاً (٣).
وعن ابن عباس وعكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع والحسين بن الفضل والفرَّاء(٤)
والطبريّ(٥): هو الشيب.
(١) الدر المنثور ٢٤٥/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٤٤١/٤، والبحر المحيط ٣١٦/٧.
(٣) البحر المحيط ٣١٦/٧، والقراءة أيضاً في الكشاف ٣١١/٣، وتفسير القرطبي ٣٩٠/١٧.
(٤) في معاني القرآن له ٢/ ٣٧٠.
(٥) في تفسيره ١٩/ ٣٨٧.

الآية : ٣٨
٢٤٥
وفي الأثر: ما من شعرةٍ تبيضُّ إلَّا قالت لأختها: استعدِّي فقد قرب الموت.
ومن هنا قيل:
لصاحبه وحسبُك من نذير(١)
رأيتُ الشيب من نُذُرِ المنايا
وسوِّد شعرَ شيبك بالعبير
وقائلةٍ تخضَّب يا حبيبي
ولستُ مسوِّداً وجهَ النذير(٢)
فقلتُ لها المشيبُ نذيرُ عمري
وقيل: الحمَّى. وقيل: موت الأهل والأقارب. وقيل: كمالُ العقل.
والاقتصارُ على النذير؛ لأنَّه الذي يقتضيه المقام.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ﴾ لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلَها من التعمير
ومجيء النذير، وفي قوله سبحانه: ﴿فَمَا لِلِّمِينَ مِن تَصِيرٍ ﴾﴾ للتعليل.
والمراد بالظلم هنا الكفر، قيل: كان الظاهر: فما لكم، لكن عَدَل إلى المُظْهَر
التقريعهم، والمراد استمرارُ نفي أن يكون لهم نصيرٌ يدفعُ عنهم العذاب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَكَلِمُ غَيْبِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: كل غيبٍ فيهما، أي: لا يخفى
عليه سبحانه خافيةٌ فيهما، فلا تخفى عليه جلَّ شأنُه أحوالُهم التي اقتضت الحكمةُ
أن يعاملوا بها هذه المعاملة، ولا يُخْرَجوا من النار.
وقرأ جناح بن حبيش: ((عالمٌ)) بالتنوين ((غيبَ)) بالنصب على المفعوليَّة
لـ ((عالم))(٣).
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ قيل: إنَّه تعليلٌ لما قبله؛ لأنَّه تعالى إذا علم
مضمرات الصدور، وهي أخفى ما يكون، كان عزَّ وجلَّ أعلمَ بغيرها. وفيه نوع
خفاء .
(١) أورده الدينوري في المجالسة ٢١١/٤، والقرطبي في تفسيره ٣٩١/١٧ دون نسبة.
(٢) ذكر هذين البيتين ابن قتيبة في عيون الأخبار ٥١/٤، والمبرد في الكامل ٧٠٣/٢، وابن
عبد ربه في العقد الفريد ٥١/٣. ونسبه المبرد للعتبي. وفي رواية البيت الأول منهما اختلاف
بين المصادر.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والبحر المحيط ٣١٦/٧.

٢٤٦
الآية : ٣٩
وقال الإمام: إنَّ قوله تعالى: (إنَّ الله)) إلخ تقريرٌ لدوامهم في العذاب مع أنَّهم
ما كفروا إلَّا أيَّاماً معدودةً، فكأنَّ سائلاً يسأل عن وجه ذلك، فقيل: إنَّ الله تعالى
لا يخفى عليه غيبُ السماوات والأرض، فلا يخفى عليه ما في الصدور، فكان
يعلمُ سبحانه من الكافر أنَّ الكفرَ قد تمكَّن في قلبه بحيثُ لو دام إلى الأبد
لما أطاع الله تعالى ولا عَبَدَه(١). انتهى.
وظاهره أنَّ الجملةَ الأولى تعليلٌ للثانية على عكس ما قيل.
ويمكن أن يقال: إنَّ قوله تعالى: (فَمَا لِلَّذِينَ مِن نَّصِيرٍ) متضمِّنٌ نفيَ أنْ يكون
لهم نصيرٌ على سبيل الاستمرار، ومستدعٍ خلودَهم في العذاب، فكان مظنَّةً أن
يقال: كيف ينفي ذلك على سبيل الاستمرار، والعادةُ في الشاهد قاضيةٌ بوجود نصيرٍ
لمن تطولُ أيَّام عذابه؟ فأجيبَ بـ ((إنَّ الله عالمُ غيب السماوات والأرض)) على معنى
أنَّه تعالى محيطٌ بالأشياء علماً، فلو كان لهم نصيرٌ في وقتٍ من الأوقات لعلِمَه،
ولمَا نفى ذلك على سبيل الاستمرار. وكذا مظنَّة أن يُقَال: كيف يخلدون في العذاب
وهم قد ظلموا في أيام معدودة؟ فأجيبَ بـ ((إنه عليمٌ بذات الصدور)) على معنى أنَّه
تعالى يعلمُ ما انطوت عليه ضمائرُهم، فيعلم أنَّهم صمّموا على ما هم فيه من
الضلال والكفر إلى الأبد، فكلٌّ من الجملتين مستأنفٌ استئنافاً بيانياً، فتأمل.
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُنْ خَفَ فِى الْأَرْضِ﴾ ملقّى إليكم مقاليدُ التصرُّف والانتفاع
بما فيها، أو: جعلَكم خلفاء ممَّن قبلَكم من الأمم، وأورثَكم ما بأيديهم (٢) من متاع
الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة، أو: جعلكم بدلَ من كان قبلكم من الأمم الذين
كذَّبوا الرسل فهلكوا، فلم تَّعظوا بحالهم وما حلَّ بهم من الهلاك.
والخطاب - قيل - عامٌّ، واستظهره في ((البحر))(٣). وقيل: لأهل مكّة.
والخلائف جمع: خليفة، وقد اطّرد جمع فعيلة على فعائل، وأما الخلفاء
(١) تفسير الرازي ٣٠/٢٦.
(٢) في (م): بأيديكم.
(٣) ٣١٧/٧.

الآية : ٤٠
٢٤٧
سُوَالأَّفَظِ
فجمع خليف، ككريم وكرماء، وجَوَّزَ الواحديُّ كونه جمع خليفة أيضاً. وهو
خلاف المشهور.
﴿فَنْ كَفَرَ﴾ منكم مثلَ هذه النعمة السنيّة وغمطَها، أو: فمن استمرَّ على الكفر
وتركِ الإيمان، بعد أن لُطِف به وجُعِل له ما ينبِّهه على ما يترتَّب على ذلك ﴿فَعَّهِ
كُفْرَةٌ﴾ أي: وبالُ كفره وجزاؤه، لا على غيره.
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ إِلَّا مَقْنًا﴾ أشدّ الاحتقار والبغض والغضب.
﴿وَلَا يَزِيدُ اَلْكَفِرِينَ كُفْرُهُ إِلَّ خَسَارًا (2) في الآخرة. وجملة ((ولا يزيد)) إلخ بيانٌ
وتفسيرٌ لقوله تعالى: ((فعليه كفره))، ولزيادة تفصيله نزِّلَ منزلةَ المغاير له، ولولا ذلك
لفصل عنه، والتكرير لزيادة التقرير، والتنبيهِ على أنَّ اقتضاءَ الكفر لكلِّ واحدٍ واحد
من الأمرين الأمرَّين المقتِ والخسارة مستقلٌّ باقتضاء قبحه ووجوب التجنُّب عنه،
بمعنى أنَّه لو لم يكن الكفر مستوجباً لشيءٍ سوى مَقْتِ الله تعالى لكفى ذلك في
قبحه، وكذا لو لم يستوجب شيئاً سوى الخسار لكفى.
﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم: ﴿أَرَيْتُمْ شُرَكََّكُمُ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: آلهتكم،
والإضافةُ إليهم لأدنى ملابسة، حيث إنَّهم هم الذين جعلوهم شركاء لِلّه تعالى،
واعتقدوهم كذلك، من غير أنْ يكون له أصلٌ ما أصلاً.
وقيل: الإضافةُ حقيقيّةٌ من حيث إنَّهم جعلوهم شركاءَ لأنفسهم فيما يملكونه،
أو جعلهم الله تعالى شركاء لهم في النار، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والصفةُ عليهما مقيِّدةٌ لا مؤكِّدة، وسياقُ
النظم الكريم وسباقه ظاهران فيما تقدَّم.
﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ بدل اشتمال من ((أرأيتم)) لأنَّه بمعنى أخبروني،
كأنَّه قيل: أخبروني عن شركائكم، أروني أيَّ جزءٍ خلقوا من الأرض حتى يستحقُّوا
الإلهيّة والشركة. وجُوِّزَ أنْ يكونَ بدلَ كلّ.
وقال أبو حيان: لا تجوز البدليَّة؛ لأنَّه إذا أُبدِل ممَّا دخلَ عليه الاستفهام،
فلا بدَّ من دخول الأداة على البدل، وأيضاً إبدالُ الجملة لم يُعهَد في لسانهم، ثمَّ

سُوَالأَنَظِم
٢٤٨
الآية : ٤٠
البدلُ على نيَّة تكرار العامل، ولا يتأتّى ذلك هاهنا؛ لأنَّه لا عامل لـ ((أرأيتم)). ثم
قال: والذي أذهبُ إليه أنَّ ((أرأيتم)) بمعنى أخبروني، وهي تطلب مفعولين؛
أحدُهما منصوبٌ، والآخرُ مشتملٌ على الاستفهام، كقول العرب: أرأيتَ زيداً
ما صنع، فالأول هنا ((شركاءكم))، والثاني ((ماذا خلقوا))، و((أروني)) جملةٌ
اعتراضيَّةٌ، فيها تأكيدٌ للكلام وتسديد، ويحتملُ أنْ يكون ذلك أيضاً من باب
الإعمال؛ لأنَّه تواردَ على ((ماذا خلقوا)): ((أرأيتم))، و((أروني))؛ لأن ((أروني)) قد
تُعَلَّق عن مفعولها الثاني كما عُلِّقت رأى التي لم تدخل عليها همزة النقل عن
مفعولها في قولهم: أمَا ترى أيُّ برقٍ هاهنا، ويكون قد أعمل الثاني على المختار
عند البصریین(١). انتهى.
وما ذكره احتمالٌ في الآية الكريمة، كما أنَّ ما ذُكر أوَّلاً احتمال، وما قاله
في ردِّه ليس بشيءٍ؛ أمَّا الأوَّل فلأنَّ لزومَ دخول الأداة على البدل فيما إذا كان
الاستفهامُ باقٍ على معناه، أمّا إذا نُسخ عنه كما هنا فليس ذلك بلازم، وأمَّا
الثاني فلأنَّ أهل العربية والمعاني نصُّوا على خلافه، وقد ورد في كلام العرب
کقوله :
أقول له ارحل لا تقيمنَّ عندنا وإلَّ فكن في السرِّ والجهرِ مسلما (٢)
وأمَّا الثالث فلأنَّ كونَ البدل على نيَّة تكرار العامل إنَّما هو - كما نقل الخفاجيُّ
عنهم(٣) - في بدل المفردات.
وليس لك أن تقول: العامل هنا موجودٌ، وهو ((قل))؛ لأنَّ العبرةَ بالمقول،
ولا عامل فيه إذ يقال، وهو ظاهر.
وجُوِّز أنْ لا يكون ((أرأيتم)) بمعنى أخبروني، بل المراد حقيقةُ الاستفهام عن
الرؤية، و((أروني)) أمر تعجيزٍ للتبيين، أي: أَعَلِمْتُم هذه التي تَدْعونها ما هي، وعلى
(١) البحر المحيط ٣١٧/٧.
(٢) سلف الشطر الأول ١٠/ ٤٥٢.
(٣) في حاشيته ٢٢٩/٧.

الآية : ٤٠
٢٤٩
سُؤَدَلاَ فَظِ
ما هي عليه من العجز؟! أو تتوهمون فيها قدرةً؟! فإن كنتم تعلمونَها عاجزةً، فكيف
تعبدونها؟ أو كنتم توهَّمتم فيها قدرةً، فأروني أثرَها؟! وما تقدَّم أظهر.
﴿أَمْ لَمْ شِرْكُ فِ التَّمَوَتِ﴾ أي: بل ألهم شركةٌ مع الله عزَّ وجلَّ في خلق
السماوات حتى يستحقُّوا ما زعمتم فيهم.
وقال بعضهم: الأَوْلى أن لا يقدَّر مضافٌ، على أنَّ المعنى: أم لهم شركةٌ معه
سبحانه في السماوات خلقاً وإبقاءً وتصرُّفاً؛ لأنَّ المقصودَ نفي آيات الإلهية عن
الشركاء، وليست محصورةً في الخلق. والتقديرُ أوفقُ بما قبله.
والكلام - قيل - من باب التدرُّج من الاستقلال إلى الشركة، ثمَّ منها إلى حُجَّةٍ
وبيِّنةٍ مكتوبةٍ بالشركة، كأنَّه قيل: أخبروني عن الذين تَدعون من دون الله، هل
استبدُّوا بخلق شيءٍ من الأرض حتى يكونوا معبودين مثلَ الله تعالى، بل ألهم شركةٌ
معه سبحانه في خلق السماوات ﴿أَمْ ءَاتِيْنَهُمْ كِنَبًا﴾ أي: بل أآتيناهم(١) كتاباً ينطقُ
بأنَّا اتخذناهم شركاء ﴿فَهُمْ عَلَى بَيْنَتٍ مِّنْهُ﴾ أي: حُجَّةٍ ظاهرةٍ من ذلك الكتاب بأنَّ
لهم شركةً معنا.
وقال في ((الكشف)): الظاهرُ أنَّ الكلام مبنيٌّ على الترقِّي في إثبات الشركة؛
لأنَّ الاستبدادَ بخلق جزءٍ من الأرض شركةٌ ما معه عزَّ وجلَّ، والاشتراكُ معه
سبحانه في خلق السماوات أدلُّ على إثباتها، ثم إيتاءُ كتابٍ منه تعالى على أنَّهم
شرکاؤه أدلُّ وأدل.
وقيل: ((هم)) في ((آتيناهم) للمشركين، وكذا في ((فهم))، كما في قوله تعالى:
مْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم: ٣٥] إلخ، ففي الكلام التفاتٌ من ضمير الخطاب
إلى ضمير الغيبة؛ إعراضاً عن المشركين، وتنزيلاً لهم منزلة الغُيَّب. والمعنى: إنَّ
عبادة هؤلاء إمَّا بالعقل، ولا عقل يحكمُ بصحةِ عبادةٍ مَن لا يخلق جزءاً ما من
الأرض ولا له (٢) شرٌ في السماء، وإمَّا بالنقل، ولم نؤتِ المشركينَ كتاباً فيه الأمرُ
بعبادة هؤلاء. وفيه تفكيكٌ للضمائر.
(١) في (م): آتيناهم، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٢) في (م): دلالة. وهو تصحيف، وانظر البحر المحيط ٣١٨/٧.

سُوَالأَفَظلم
٢٥٠
الآية : ٤١
وقال بعضهم: ضمير (آتيناهم)) للشركاء كالضمائر السابقة، وضمير ((فهم على
بينة)) للمشركين، و((أم)) منقطعةٌ للإضراب عن الكلام السابق، وزُعِم أنْ لا التفاتَ
حينئذٍ ولا تفكيك، فتأمل.
وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر: ((على بيِّناتٍ)) بالجمع(١)، فيكون إيماءً
إلى أنَّ الشركَ خطيرٌ لا بدَّ فيه من تعاضد الدلائل، وهو ضربٌ من التھگُم.
﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ﴾﴾ لمَّا نَفى سبحانه ما نَفى من
الحُجج في ذلك، أضربَ عزَّ وجلَّ عنه بذكر ما حملَهم على الشرك، وهو تقريرُ
الأسلاف للأخلاف، وإضلال الرؤساء للأتباع بأنَّهم شفعاءُ عند الله تعالى، يشفعون
لهم بالتقُّب إلیھم.
والآية عند الكثير في عبدة الأصنام، وحكمها عامٌّ. وقيل: في عبدة غير الله عزَّ
وجلَّ؛ صنماً كان أو مَلَكاً أو غيرهما.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَةِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ استئنافٌ مقرِّرُ لغاية قبح الشرك وهولِه،
أي: إنَّ الله تعالى يحفظُ السماوات والأرضَ كراهة زوالهما، أو لئلا تزولا وتضمحلًا،
فإنَّ الممكن كما يحتاجُ إلى الواجب سبحانه حالَ إيجاده، يحتاج إليه حالَ بقائه.
وقال الزجاج: ((يمسك)) بمعنى: يمنع(٢)، و((أن تزولا)) مفعولُه على الحذف
والإيصال؛ لأنَّه يتعدَّى بـ ((من))، أي: يمنعهما من أن تزولا. وفي ((البحر)): يجوزُ
أنْ يكون ((أن تزولا)) بدلَ اشتمال من ((السماوات والأرض))، أي: يمنع سبحانه
زوالَ السماوات والأرض(٣).
وفَسَّر بعضُهم الزوال بالانتقال عن المكان، أي: إنَّ الله تعالى يمنعُ السماوات
من أن تنتقلَ عن مكانها فترتفع أو تنخفض، ويمنعُ الأرض أيضاً من أن تنتقلَ
كذلك. وفي أثرٍ أخرجه عبد بن حميد وجماعةٌ عن ابن عباس ما يقتضيه (٤).
(١) وهي قراءة الكسائي وأبي جعفر أيضاً. انظر التيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٥٢/٢.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٧٣ .
(٣) البحر المحيط ٣١٨/٧.
(٤) الدر المنثور ٢٥٥/٥.

الآية : ٤١
٢٥١
وقيل: زوالهُما دورانهُما، فهما ساكنتان، والدائرةُ بالنجوم أفلاكُها، وهي غير
السماوات، فقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد عن
شقيق قال: قيل لابن مسعود: إنَّ كعباً يقول: إنَّ السماءَ تدورُ في قطبة مثل قطبة
الرَّحى في عمودٍ على منكب مَلَك، فقال: كذب كعب، إنَّ الله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ
يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولًا)، وكفى بها زوالاً أنْ تدور(١).
والمنصورُ عند السلف أنَّ السماوات لا تدور، وأنَّها غيرُ الأفلاك، وكثيرٌ من
الإسلاميين ذهبوا إلى أنَّها تدورُ، وأنَّها ليست غيرَ الأفلاك، وأمَّا الأرضُ فلا خلافَ
بين المسلمين في سكونها، والفلاسفةُ مختلفون، والمعظم على السكون، ومنهم من
ذهب إلى أنَّها متحرِّكةٌ، وأنَّ الطلوع والغروب بحركتِها، وردّ ذلك في موضعه.
والأولَى في تفسير الآية ما سمعتَ أوَّلاً، وكذا كونها مسوقة لما ذكرنا .
وقيل: إنَّه تعالى لمَّا بَيَّن فسادَ أمر الشركاء، ووقف على الحجَّة في بطلانها،
عقَّب بذكر عظمته عزَّ وجلَّ وقدرتِه سبحانه؛ ليتبيَّن الشيءُ بضدِه، وتتأكَّدَ حقارةُ
الأصنام بذكر عظمة الله تعالى.
﴿وَلَيْنِ زَالَتَآَ﴾ أي: إن أشرفتَا على الزوال، على سبيل الفرض والتقدير، ويؤيِّده
قراءةُ ابن أبي عبلة: ((ولو زالتا))(٢).
وقيل: إنَّ ذلك إشارةٌ إلى ما يقعُ يومَ القيامة من طيِّ السماوات ونسف الجبال.
﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ أي: ما أمسكَهما ﴿مِنْ أَحَدٍ مِّنُّ بَعْدِهِّهِ﴾ أي: من بعدِ إمساكِه
تعالى، أو من بعدِ الزوال. والجملة جوابُ القَسَم المقدَّر قبل لام التوطئة في
(ئن))، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة جواب القَسَم عليه، و((أمسك)) بمعنى
يمسك، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ
قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] و(من)) الأولى (٣) مزيدةٌ لتأكيد العموم، والثانية للابتداء.
(١) الدر المنثور ٥/ ٢٥٥. وأخرجه الطبري ٣٩١/١٩.
(٢) البحر المحيط ٣١٨/٧.
(٣) في (م): الأول.

سُؤُالأَفَظلم
٢٥٢
الآية : ٤٢
٤١
فلذا حَلُم على المشركين، وغَفَر لمن تاب منهم، مع
﴿إِنَُّ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
عظم جرمهم المقتضي لتعجيل العقوبة وعدم إمساك السماوات والأرض وتخريب
العالم الذي هم فيه، فلا يتوهم أنَّ المقام يقتضي ذكر القدرة لا الحلم والمغفرة.
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ﴾ أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ
ما في وسعهم: ﴿لَيْنِ جَهُمْ نَذِيرٌ لَّيْكُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ الضمائر لقريش، وذلك
أنَّهم بلغَهم قبلَ مبعثِ النبيِّ وَّرِ أنَّ طائفةً من أهل الكتاب كذَّبوا رسلَهم، فقالوا :
لعنَ الله تعالى اليهود والنصارى أتتهم الرسلُ فكذَّبُوهم، فواللهِ لئن جاءنا رسولٌ لنكوننَّ
أهدى من إحدى الأمم، فكان منهم بعدُ ما كان، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
و((ولئن جاءهم)) جاء على المعنى، وإلّا فهم قالوا: ((جاءنا))، وكذا ((ليكونُنَّ)).
و((إحدى)) بمعنى: واحدة، والظاهر أنَّها عامَّةٌ وإن كانت نكرةً في الإثبات؛
لاقتضاء المقام العموم.
وتعريف ((الأمم)) للعهد، والمراد: الأمم الذين كذَّبوا رسلهم. أي: لئن جاءنا
نذيرٌ لنكونَنَّ أهدى من كلِّ واحدةٍ من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم، فنؤمن
جميعاً، ولا يكذب أحدٌ منَّا. أو المعنى: لنكونَنَّ أهدى من أمَّةٍ يقال فيها: إحدى
الأمم، تفضيلاً لها على غيرها من الأمم، كما يقال: هو واحدُ القوم، وواحدٌ
عصره، وكما قالوا: هو أحد الأحدين، وهي إحدى الإِحَد، يريدون التفضيلَ في
الدهاء(٢) والعقل، قال الشاعر:
حتى استثاروا(٣) بيَ إحدى الإحَدِ ليئاً هِزَبْراً ذا سلاحٍ معتدٍ(٤)
وقد نصَّ ابنُ مالك في ((التسهيل)) على أنَّه قد يُقال لمَا يستعظم ممَّا لا نظير له
هو إحدى الإِحَد(٥). لكن قال الدمامينيُّ في ((شرحه)): إنَّما ثبت استعمالُه في إحدى
(١) أورده السيوطي في لباب النقول ص ١٨١، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٢) في (م): الدعاء.
(٣) في (م): استشاروا.
(٤) هو للمرَّار بن سعيد، كما في الأغاني ٣١٧/١٠، والخزانة ٣٥٢/٧.
(٥) التسهيل ص ١١٨ .

الآية : ٤٢
٢٥٣
سُؤ ◌َلاَ فَظِل
ونحوه المضافِ إلى جمع مأخوذٍ من لفظه، كإحدى الإِحَد، وأَحَد الأَحَدین، أو
المضاف إلى وصفٍ، كأحد العلماء وإحدى الكبر، أمَّا في المضاف إلى أسماء
الأجناس کالأمم، فیحتاج إلی نقل.
وبُحِثَ فيه بأنَّه قد ثبتَ استعمال إحدى في الاستعظام من دون إضافةٍ أصلاً،
فإنهم يقولون للداهية العظيمة: هي إحدى من سبع، أي: إحدى ليالي عادٍ في
الشدّة، وشاع: واحدُ قومه، وأوحدهم، وواحد (١) أمّه، ولم يظهر فارقٌ بين
المضاف إلى الجمع المأخوذِ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين المضاف إلى
أسماء الأجناس، ولا أظنُّ أنَّ مثل ذلك يحتاجُ إلى نقلٍ، فليتدبر.
وقال صاحب ((الكشف)): إنَّ دلالة ((إحدى الأمم)) على التفضيل ليست
بواضحة، بخلاف: واحد القوم ونحوه، ثمَّ وجهها أنَّه على أسلوب:
أو يرتبط بعض النفوس حمامُها(٢)
يعني أنَّ البعضَ المبهمَ قد يُقْصَدُ به التعظيم كالتنكير، فإحدى مثلُه.
وفيه أنَّه متى ثبتَ استعمالُه للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح.
﴿فَلَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾، وأيُّ نذيرٍ، وهو أشرفُ الرسل محمدٌ مَِّ، كما روي عن ابن
عباس وقتادة، وهو الظاهر.
وعن مقاتل: هو انشقاق القمر، وهو أخفى من السُّها(٣)، والمقام عنه يأبى.
﴿مَّا زَادَهُمْ﴾ أي: النذير، أو مجيئه ﴿إِلَّا نُفُورًا ﴾﴾ تباعُداً عن الحقِّ وهرباً
منه. وإسنادُ الزيادة إلى ذلك مجازٌ؛ لأنَّه هو السببُ لها.
والجملةُ جوابُ ((لمّا))، واستدلَّ بالآية على حرفيَّتها؛ لمكان النفي المانع عن
عمل ما بعده فيها. وفيه بحث.
(١) في (م): وأوحد.
(٢) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص٣١٣، وسلف ٢٣٩/٧.
(٣) السها: كوكبٌ خفيٌّ يمتحن الناس به أبصارهم.

سُؤ ◌َالافَظِل
٢٥٤
الآية : ٤٣
وقوله تعالى: ﴿أَسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ﴾ بدلٌ من ((نفوراً)). وقال أبو حيان: الظاهر
أنَّه مفعول من أجله، ونَقَلَ الأوَّلَ عن الأخفش(١).
وقيل: هو حال، أي: مستکبرین.
﴿وَمَكْرَ السَِّّ﴾ هو الخداعُ الذي يرومونه برسول الله ◌َّ والکیدُ له، وقال
قتادة: هو الشرك. وروي ذلك عن ابن جريج. وهو عطف على ((استكباراً))، وأصل
التركيب: وأنْ مكروا السيِّيَ، على أن ((السيِّئ» صفةٌ لموصوفِ مقدَّرٍ، أي: المكر
السيئ(٢)، ثم أقيم المصدرُ مقام ((أن)) والفعل، وأضيف إلى ما كان صفةً.
وجُوِّزَ أنْ يكون عطفاً على ((نفوراً)).
وقرأ الأعمش وحمزة: ((السيئ)) بإسكان الهمزة في الوصل (٣)؛ إجراءً له مجرى
الوقف، أو لتوالي الحركات وإجراء المنفصل مجرى المتصل.
وزعم الزجَّاج (٤) أن هذه القراءة لحن؛ لما فيها من حذف الإعراب كما قال
أبو جعفر (٥).
وزعم محمد بن يزيد أنَّ هذا الحذفَ لا يجوز في نثرٍ ولا شعر؛ لأنَّ حركات
الإعراب دخلت للفرق بين المعاني.
وقد أعظمَ بعض النحويين أنْ يكون الأعمشُ قرأ بها، وقال: إنَّما كان يقفُ
على هذه الكلمة، فغلطً من أدَّى عنه، والدليل على هذا أنَّها تمام الكلام، ولذا لم
يقرأ في نظيرها كذلك مع أنَّ الحركة فيه أثقل؛ لأنَّها ضمَّةٌ بين كسرتين.
والحقُّ أنَّها ليست بلَحْن، وقد أكثر أبو عليٍّ في ((الحجة)) (٦) من الاستشهاد
(١) البحر المحيط ٣١٩/٧.
(٢) في (م): المسيء.
(٣) تفسير القرطبي ٣٩٦/١٧، والبحر المحيط ٣١٩/٧، وقراءة حمزة في التيسير ص ١٨٢،
والنشر ٣٥٢/٢.
(٤) في معاني القرآن له ٤/ ٢٧٥.
(٥) النحاس في معاني القرآن له ٣٧٧/٣.
(٦) ٣١/٦-٣٢.

الآية : ٤٣
٢٥٥
◌ُوالا فَظلم
والاحتجاج للإسكان من أجل توالي الحركات والوصل بنيّة الوقف.
وقال ابن القشيريّ: ما ثبتَ بالاستفاضة أو التواتر أنَّه قُرِئ به فلا بدَّ من
جوازه، ولا يجوز أن يقال: لَحْن، ولعمري إنَّ الإسكان هاهنا أحسنُ من الإسكان
في ﴿بارثُكم﴾ [البقرة: ٥٤] كما في قراءة أبي عمرو(١).
وروي عن ابن كثير: ((ومكر السَّأْيِ)) بهمزة ساكنة بعد السين، وياءٍ بعدها
مكسورة (٢)، وهو مقلوبُ السَّيْءِ المخفَّفِ من السيِّئ، كما قال الشاعر:
ولا يَجزونَ من غِلَظِ بلينِ (٣)
ولا يَجْزونَ من حسنٍ بِسَيْء
وقرأ ابن مسعود: ((ومكراً سيِّئًا)) (٤) عَطَفَ نكرةً على نكرة.
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ﴾ أي: لا يحيطُ ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وقال الراغب: أي:
لا يصيبُ ولا ينزل(٥). وأيَّاما كان فهو إنَّما وردَ فيما يُكره.
وزعم بعضُهم أنَّ أصلَ حاق: حقَّ، فجيء بدل أحد المثلين بالألف نحو: ذمَّ
وذام، وزلَّ وزال، وهذا من إرسال المَثَل، ومن أمثال العرب: مَن حفر لأخيه جبّاً
وقع فيه منكباً .
وعن كعب أنَّه قال لابن عباس: قرأتُ في التوراة: مَن حفر مغواةً وقعَ فيها.
قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله تعالى، فقرأ الآية.
وفي الخبر: ((لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ
(١) التيسير ص ٧٣.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والبحر المحيط ٣٢٠/٧.
(٣) البيت لأبي الغول الطهوي، وهو في الحماسة ١٦/١ (شرح التبريزي)، وكتاب الحيوان
١٠٦/٣، والشعر والشعراء ٤٢٩/١، والأمالي ٢٦٤/١، والخزانة ٣١٤/٨.
ووقع في كتاب الحيوان وفي الشعر والشعراء: من خير بشر، بدل: من حسن بسيءٍ.
(٤) المحتسب ٢٠٢/٢، والكشاف ٣١٢/٣، والمحرر الوجيز ٤٤٣/٤، وتفسير القرطبي
٣٩٨/١٧، والبحر المحيط ٣٢٠/٧.
(٥) المفردات (حاق).

سُؤالأوَظلم
٢٥٦
الآية : ٤٤
الْمَكْرُ السَِّّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً، فإنَّ الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا
بَغْيُكُمْ عَى أَنفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]))(١) .
وقد حاقَ مكرُ هؤلاء بهم يوم بدر. والآية عامَّة على الصحيح، والأمور
بعواقبها، والله تعالى يُمهِلُ ولا يُهمِل، ووراءَ الدنيا الآخرة ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أََّّ
مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
وبالجملة مَنْ مَكَرَ به غيرُه، ونفذَ فيه المكرُ عاجلاً في الظاهر، ففي الحقيقة هو
الفائز، والماكرُ هو الهذلك، أسألُ الله تعالى بحرمةِ حبيبه الأعظم ◌َّ أن يدفعَ ويرفعَ
عنا مكرَ الماكرين، وأنْ يعاملَهم في الدارين بعَدْله، إنَّه سبحانه القويُّ المتين.
وقُرِئ: ((ولا يُحيق)) بضمِّ الياء ((المكرَ السيئ)) بالنصب(٢)، على أنَّ يُحِيقُ من
أحاق المتعدِّي، وفاعلُه ضميرٌ راجعٌ إليه تعالى، و((المكر)) مفعوله.
﴿فَهَلْ يَظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرون، وهو مجازٌ بجعل ما يُستقبَلُ بمنزلة ما يُنتظر
ويُتُوقَّع ﴿إِلَّ سُنَّتَ الْأَوَِّينَ﴾ أي: إلَّا سنَّةَ الله تعالى فيهم بتعذيب مكذِّبيهم.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ بأنْ يضعَ سبحانه موضع العذاب غير العذاب (٣)
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الهِ تَحْوِيلًا ﴾﴾ بأن ينقلَ عذابَه من المكذِّبين إلى غيرهم. والفاء
لتعليل ما يفيدُه الحكم بانتظارهم العذابَ من مجيئه.
ونفيُ وجدانِ التبديل والتحويل عبارةٌ عن نفي وجودهما بالطريق البرهانيّ،
وتخصيصُ كلِّ منهما بنفي مستقلٌّ؛ لتأكيد انتفائهما، والخطاب عامٌّ، أو خاصٌّ به
عليه الصلاة والسلام.
﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ استشهادٌ على ما قبله
من جريان سنَّة الله تعالى على تعذيب المكذِّبين بما يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم
في رحلتهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الأمم الماضية، وعلامات هلاكهم.
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٢٥) من طريق الزهري عن النبي ◌َّو مرسلاً.
(٢) الكشاف ٣١٢/٣، والبحر المحيط ٣٢٠/٧.
(٣) قوله: غير العذاب. ساقط من (م).

الآية : ٤٥
٢٥٧
سُؤالأنظ
والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدَّرٍ يليقُ بالمقام - على رأي - أي:
أَقَعَدوا ولم یسیروا .
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ أَشَدَ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾ في موضع الحال بتقدير ((قد))، أو بدونها.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ أي: ليس من شأنه عزَّ شأنه أن يسبقَه ويفوتَه ﴿مِن
شَهْرٍ﴾ أي: شيءٌ، و((من)) لاستغراق الأشياء ﴿فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ﴾ هو نظيرُ:
﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩] والواو حالية أو عاطفة.
وفي ((الإرشاد)): الجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمَا يُفهم ممَّا قبلَه من استئصال الأمم
السالفة(١). وظاهره أنَّ الواو اعتراضية.
﴿إِنَُّ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ مبالغاً في العلم والقدرة، والجملةُ تعليلٌ لنفي
الإعجاز.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ جميعاً ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ فعلوا من السيئات كما واخذ
أولئك ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ أي: ظهر الأرض، وقد سبق ذكرها في قوله تعالى:
(فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ) فليس من الإضمار قبل الذكر كما زعمه الرضيُّ.
وظهرُ الأرض مجاز عن ظاهرها، كما قال الراغب(٢) وغيره. وقيل: في
الكلام استعارةٌ مكنيّةٌ تخيليَّةٌ، والمراد: ما ترك عليها .
﴿مِن دَآبَةٍ﴾ أي: من حيوانٍ يدِبُّ على الأرض؛ لشؤم المعاصي، وقد قال
سبحانه: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] وهو
المرويُّ عن ابن مسعود.
وقيل: المراد بالدابَّة الإنس وحدَهم، وأيِّد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَّه
أَجَلٍ مُسَتٌَّ﴾ وهو يوم القيامة، فإنَّ الضميرَ للناس؛ لأنَّه ضميرُ العقلاء، ويومُ القيامة
الأجلُ المضروب لبقاء نوعهم.
(١) تفسير أبي السعود ٧/ ١٥٧.
(٢) في المفردات (ظهر).

سُوالأنظلم
٢٥٨
التفسير الإشاري (١-٣٥)
وقيل: هو لجميع من ذكر تغليباً، ويوم القيامة الأجلُ المضروب لبقاء جنس
المخلوقات.
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ﴾﴾ فيجازي المكلَّفين منهم
عندَ ذلك بأعمالهم، إنْ شرّاً فشرّ، وإن خيراً فخير. وجملة: ((فإنَّ الله)) إلخ موضوعةٌ
موضعَ الجزاء، والجزاءُ في الحقيقة: يُجازي(١)، كما أشرنا إليه(٢).
هذا والله تعالى هو الموفِّق للخير ولا اعتماد إلَّا عليه.
ومن باب الإشارة: ﴿اْحَمْدُ لِلَِّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارةٌ إلى إيجاد عالَمي
اللطافة والكثافة، وإلى أنَّ إيجادَ عالم اللطافة مقدَّمٌ على إيجاد عالم الكثافة، ويشيرُ
إلى ذلك ما شاعَ: خَلَقَ الله تعالى الأرواحَ قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة (٣).
﴿جَاعِ الْمَتِكَةِ رُسُلًا﴾ في إيصال أوامره إلى مَنْ يشاءُ من عباده، أو وسائطَ
تَجْري إرادتُه سبحانه في مخلوقاته على أيديهم ﴿أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَثُلَثَ وَرُبَغْ﴾ إشارةٌ
إلى اختلافهم في الاستعداد ﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ عامٌّ في المَلَك وغيره، وفسِّرت
الزيادة بهبة استعدادٍ رؤيته عزَّ وجلَّ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.
﴿َّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ الزيادة المشار إليها وغيرها ﴿فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا
يُمْسِكَ فَلَ مُرْبِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ رحمته سبحانه سبقت غضبه عزَّ
وجلَّ.
﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لحبيبه ◌َّةِ، وإرشادٌ لورثته إلى
الصبر على إيذاء أعدائهم لهم، وتكذبيهم إيَّاهم، وإنكارهم عليهم.
(١) في الأصل: مجازي. وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) يعني في قوله: فيجازي المكلفين ... ، فهو إشارة إلى أن قوله: ((فإن الله)) إلخ ليس هو
الجزاء، بل وضع موضعه لأنه مجاز عن الجزاء. ينظر حاشية الشهاب ٧/ ٢٣١ .
(٣) سلف ١٣/ ٤٦١. وفيه: بألفي سنة.

٢٥٩
التفسير الإشاري (١-٣٥)
﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَزْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَابًا فَسُقْتَهُ إِلَى بَدٍ مَِّتٍ فَأَخْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْهَّ﴾
جرت سنَّته تعالى في إحياء الأرض بهذه الكيفيَّة، كذلك إذا أرادَ سبحانه إحياءً
أرض القلب، فيرسلُ أوَّلاً رياحَ الإرادة، فتثيرُ سحابَ المحبَّة، ثمَّ يأتي مطرُ الجود
والعناية، فينبتُ في القلب رياحين الروح، وأزهار البسط، ونوَّار الأنوار، ويطيبُ
العیش.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًاً﴾ إشارةٌ إلى أنَّ العزَّةَ الحقيقيَّةَ لا تحصلُ
بدون الفناء، ولا تغفل عن حديث: ((لا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل))(١) إلخ.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ﴾ وهو أبعدُ المخلوقاتِ من الحضرة وأسفلُها وأكثفُها
﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ وفيها نوعٌ ما من اللطافة ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَبَ﴾ إشارةٌ إلى ما حصل
لهم من ازدواج الروح اللطيف العلويِّ والقالب الكثيف السفليِّ، وهو مبدأُ استعدادٍ
الوقوف على عوالم الغيب والشهادة.
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ﴾ قيل: أي: بحرُ العلم الوهبيِّ، وبحرُ العلم الكسبيِّ
﴿هَذَا﴾ أي: بحرُ العلم الوهبيّ ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَخْ شَرَبُهُ﴾ لخلوِّه عن عوارضٍ
الشكوك والأوهام ﴿وَهَذَا﴾ أي: بحرُ العلم الكسبيّ ﴿مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ لما فيه من مشقَّة
الفكر، ومرارةٍ الكسب، وعروض الشكوك والتردُّد والاضطراب ﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ
لَحْمًا طَرِئًا﴾ إشاراتٍ لطيفةً تتغذّون بها، وتتقوَّون على الأعمال ﴿وَتَْتَخْرِجُونَ عِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي الأخلاقُ الفاضلةُ، والآدابُ الجميلة، والأحوال المستحسنة التي
تُكسبُ صاحبَها زينةً ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ سفن الشريعة والطريقة ﴿فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ جاريةً
﴿لِتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ بالوصول إلى حضرته عزَّ وجلَّ فعل ذلك.
﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ﴾ في سائر شؤونكم، ومراتبُ الفقر متفاوتةٌ،
وكلَّما ازداد الإنسان قرباً منه عزَّ وجلَّ ازدادَ فقره إليه؛ لازدياد المحبَّة حينئذٍ،
وكلَّما زاد العشقُ زاد فقرُ العاشق إلى المعشوق حتى يفنى ﴿وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾
فيه من البشارة ما فيه.
(١) سلف ١/ ١٣٢.

سُورَالفَظل
٢٦٠
التفسير الإشاري (١-٣٥)
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ أي: العلماء به تعالى وبشؤونه، فهم
كلَّما ازدادوا علماً ازدادوا خشيةً؛ لما يظهر لهم من عظمته عزَّ وجلَّ، وأنَّهم بالنسبة
إليه تعالى شأنُه لا شيء.
﴿ِثُمَّ أَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قيل: الظالمُ لنفسه السالكُ، والمقتصد السالكُ
المجذوبُ، والسابق المجذوبُ السالك. والسالك هو المتقرِّب، والمجذوب هو
المقرَّبُ، والمجذوب السالك هو المستهلك في كمالات القرب، الفاني عن نفسه،
الباقي بربِّه عزَّ وجلَّ.
﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾ حَزَنَ تخيُّل الهَجْر، فلا حزن للعاشق
أعظمُ من حزن تخيُّل هجر معشوقه له وجفوته إياه ﴿إِن رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ فلا بِدعَ
إذا أذهبَ عنَّا ذلك، وآمننا من القطيعة والهجران.
﴿الَّذِىّ أَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌّ﴾ هو نَصبُ الأبدان وتعبُها
من أعمال الطاعة للتقرُّب إليه سبحانه ﴿وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ هو لغوبُ القلوب
واضطرابُها من تخيُّل القطيعة والردِّ وهجر الحبيب.
وقيل: لا يمسُّنا فيها نصبُ السعي في تحصيل أيِّ أمرٍ أردناه، ولا يمسُّنا فيها
لغوبُ تخيُّل ذهاب أيِّ مطلوبٍ حصَّلناه. وقد أشاروا إلى أنَّ كلَّ ذلك من فضلِ الله
تعالى، والله عزَّ وجلَّ ذو الفضل العظيم.
هذا ونسألُ الله تعالى من فضلِهِ الحلو ما تنشقُّ منه مرارةُ الحسود، وينفطرُ به
قلبُ كلِّ عدوٌ، وینتعشُ فؤادُ كلِّ محبٍّ ودود.