Indexed OCR Text
Pages 181-200
الآية : ١٠ ١٨١ سُؤَالَ فَظِل كُتِبَ له ذلك، وتُقُبِّل منه، وعليه وزرُ ترك الفرائض، والله تعالى يتقبَّل من كلٍّ من اتَّقى الشرك. انتهى. ولعلَّ المرادَ برفع العملِ الصالحِ الكلمَ الطيِّبَ رفعُ قَدْرِهِ، وجَعْلُه بحيث يترتَّبُ عليه من الثواب ما لم يترتَّب عليه إذا كان بلا عمل. وحديث: ((لا يقبلُ الله قولاً إلَّا بعمل، ولا يقبلُ قولاً وعملاً إِلَّا بنيَّة، ولا يقبلُ قولاً وعملاً ونيّةً إلَّا بإصابة السُّنَّة))(١) المذكورُ في ((الكشاف)) لا أظنُّ صحَّته. وقيل: إنَّه لو سُلُّم صحَتُه، فالمراد نفيُ القَبولِ التامُّ. ويجوز أن يكون المراد برفعه إيَّه تحقيقَه وتقويته، وذلك باعتبار أنَّ الكلم (٢) الطيب هو الإيمان، فإنَّه لا شكَّ أنَّ العملَ الصالحَ يُثَبِّتُ الإيمانَ ويحقِّقُه بإظهار آثاره، إذ به يعلم التصديقُ القلبيُّ. وقيل: الفاعل ضميرٌ يعودُ على ((الكلم الطيب))، وضمير النصب يعودُ على ((العمل الصالح)) أي: يرفع الكلمُ الطيِّب العملَ الصالحَ. ونسبَ أبو حيَّان(٣) هذا القولَ إلى أبي صالح وشهر بن حوشب، وأُيِّدَ بقراءة عيسى وابن أبي عبلة: (العملَ الصالحَ)) بالنصب على الاشتغال(٤)، وفيه بحثٌ لعدم تعيُّن ضمير ((الكلم)) للفاعليَّة عليها . ومعنى رفع الكلمِ الطيِّب العملَ الصالحَ؛ قيل: أن يزيده بهجةً وحسناً. ومن فسَّرَ الكلمَ الطيِّب بالتوحيد قال: معنى ذلك جعلُه مقبولاً، فإنَّ العملَ لا يقبل إلَّا بالتوحيد. (١) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٦٩٢) من حديث أنس، وفيه أبان بن أبي عياش، وهو متروك. وانظر تتمة الكلام عنه في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٣٨. (٢) في (م): الكلام. (٣) في البحر ٧/ ٣٠٤. (٤) القراءات الشاذة ص ١٢٣، والبحر المحيط ٣٠٤/٧. سُ الأَفَظلم ١٨٢ الآية : ١٠ وقيل: الفاعلُ ضميرُه تعالى، وضمير النصب يعودُ على العمل، وأخرج ذلك ابنُ المبارك عن قتادة، أي: والعملُ الصالح يرفعُه الله تعالى ويقبله(١). قال ابن عطية: هذا أرجحُ الأقوال عندي(٢). وقيل: ضميرُ الفاعل يعود على العمل، وكذا الضمير المنصوب، والكلام على حذف مضاف، أي: والعمل الصالح يرفعُ عاملَه ويشرِّفه، ونَسَبَ ذلك أبو حيَّان إلى ابن عباس، ثم قال: ويجوزُ عندي أنْ يكون ((العمل)، معطوفاً على ((الكلم))، و((يرفعه)) استئنافُ إخبار، أي: يرفعهما الله تعالى، ووحَّدَ الضميرَ لاشتراكهما في الصعود، والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة، فيكون لفظه مفرداً والمراد به التثنية، فكأنَّه قيل: ليس صعودهما من ذاتهما، بل ذلك برفع الله تعالى إِيَّاهما(٣). اهـ. وهو خلاف الظاهر جدًّا، ومثلُه ما نسبَ(٤) إلى ابن عباس، وأنا لا أظنُّ صحَّة نسبته إليه، وعلى التسليم يحتملُ أنَّه ◌َبه أرادَ بقوله: العملُ الصالحُ يرفعُ عاملَه ويشرِّفه = بيانَ ما تشير إليه الآيةُ في الجملة. والذي يتبادر إلى ذهني من الآية ما روي عن قتادة، واختاره ابنُ عطية. وتخصيصُ العمل الصالح برفع الله تعالى إيَّاه على ذلك؛ قيل: لما فيه من الكُلْفة والمشقَّة؛ إذ هو الجهادُ الأكبر. وظاهرُ هذا أنَّ العمل أشرفُ من الكلام، ولا كلام في ذلك إذا أريد بالعمل الصالح ما يشتملُ العمل القلبيَّ كالتصديق، ولعلَّ الكلام عليه نظير قوله تعالى: ﴿وَلَّمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. وكلامُ الإمام صريحٌ في أنَّ ((الكلم الطيب)) المفسَّر بالذكر أشرفُ من العمل، (١) الزهد لابن المبارك (٩١). (٢) المحرر الوجيز ٤٣١/٤. (٣) البحر المحيط ٧/ ٣٠٤. (٤) في (م): نسبه. الآية : ١٠ ١٨٣ سُوَالأَنَظلم حيث جَعَل صعودَ الكلم بنفسه دليلَ ترجيحه على العمل الذي يرفعُه غيره، وقال في وجه ذلك: الكلامُ شريف؛ فإنَّ امتياز الإنسان عن كلِّ حيوانٍ بالنطق، والعملُ حركةٌ وسكون، يشتركُ فيه الإنسان وغيره، والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يُمْنَع، ومَن دونَه لا يجدُ الطريقَ إلَّا عند الطلب، ويدلُّ على هذا أنَّ الكافرَ إذا تكلَّم بكلمة الشهادة أمنَ من عذاب الدارين إن كان ذلك عن صدق، وأمنَ في نفسه ودمه وحرمه في الدنيا إن كان ظاهراً، ولا كذلك العملُ بالجوارح، وأيضاً إنَّ القلب هو الأصلُ، وما فيه لا يظهر إلَّ باللسان، وما في اللسان لا يبين صدقه إلَّا بالفعل، فالقولُ أقربُ إلى القلب من الفعل، فيكون أشرفَ منه(١). اهـ. وفي القلب منه شيءٌ، فتدبر. ﴿وَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ﴾ أي: المكرات السيئات، أو أصناف المكرات السيئات، على أنَّ ((السيئات)) صفةٌ لمحذوف، وليس مفعولاً به لـ ((يمكرون))؛ لأنَّ (مَكَرَ)) لازمٌ، وجُوِّزَ أنْ يكونَ مفعولاً على تضمين يقصدون أو يكسبون، وعلى الأوَّل فيه مبالغةٌ للوعيد الشديد على قصد المكر، أو هو إشارةٌ إلى عدم تأثير مكرهم. والموصول مبتدأ، وجملة قوله تعالى: ﴿لَمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبره، أي: لهم بسبب مكرهم عذابٌ شديد لا يقادَر قدره، ولا يُعبأ بالنسبة إليه بما يمكرون. والآية - على ما روي عن أبي العالية - في الذين مَكّروا برسول الله وص له في دار الندوة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوٌ﴾ [الأنفال: ٣٠] والمضارعُ لحكاية الحال الماضية. ووَضعُ اسم الإشارة موضعَ ضميرهم في قوله سبحانه: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَكَ﴾ للإيذان بكمال تميُّزهم بما هم عليه من الشرِّ والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على ترامي أمرهم في الطغيان، وبُعد منزلتهم في العدوان، أي: ومكرُ أولئك المفسدين المشهورين ﴿هُوَ يَبُرُ ﴾﴾ أي: يَفْسُدُ، وأصلُ البوار: فرط الكساد أو الهلاك، فاستعير هنا للفساد وعدم التأثير؛ لأنَّ فرط الكساد يؤدِّي إلى الفساد، كما قيل: كسد حتى فسد، أو لأنَّ الكاسد یکسدُ في الغالب لفساده، ولأنَّ الهالك فاسدٌ لا أثر له. (١) تفسير الرازي ٨/٢٦-٩. سُ الأَفَظلم ١٨٤ الآية : ١٠ و((مكر)) مبتدأ، خبره جملة ((هو يبور))، وتقديمُ الضمير للتقوِّي أو الاختصاص، أي: مكرهم هو يَفسدُ خاصَّةً لا مكرنا بهم. وأجاز الحوفيُّ وأبو البقاء(١) كون الخبر جملة ((يبور))، و((هو)) ضمير فصل. وتعقّبه في ((البحر)) بأنَّ ضميرَ الفصل لا يكون ما بعده فعلاً، ولم يذهب إلى ذلك أحدٌ فيما علمنا إلَّا عبد القاهر الجرجانيّ في ((شرح الإيضاح)) له، فإنَّه أجازَ في: كان زيد هو يقوم، أن يكون ((هو)) فصلاً، ورُوَّ ذلك عليه(٢). وجوَّز أبو البقاء أيضاً كون ((هو)) تأكيداً للمبتدأ(٣). والظاهر ما قدمناه. وقد أبار الله تعالى أولئك الماكرين بعد إبارة مكرهم، حيث أخرجهم من مكّة وقتلَهم وأثبتَهم في قَليب بدر، فجمعَ عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقِّه عليه الصلاة والسلام بواحدةٍ منهنَّ، وحقَّق عزَّ وجلَّ فيهم قوله سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٣]. ووجه ارتباط الآية بما قبلَها - على ما ذكره شيخ الإسلام - أنَّها بيانٌ لحال الكلم الخبيث والعمل السَّيِّئ وأهلهما، بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح(٤). وقال في ((الكشف)): كأنَّه لمَّا حصرَ سبحانه العزَّة وخصَّها به تعالى يعطيها من يشاء، وأرشد إلى نيل ما به يُنال ذلك المطلوب، ذكر على سبيل الاستطراد حالَ من أراد العزَّة من عند غيره عزَّ وجلَّ وأخذ في إهانة مَن أعزَّه الله تعالى فوق السماکین قَدْراً، وما رجع إلیھم من وبال ذلك کالاستشهاد لتلك الدعوى. وهو خلاصةُ ما ذكره الطيبيُّ في وجه الانتظام. (١) في الإملاء ٢١٨/٤. (٢) البحر المحيط ٣٠٤/٧. (٣) الإملاء ٢١٨/٤. (٤) تفسير أبي السعود ١٤٦/٧ . الآية : ١١ ١٨٥ سُوَالأَفَظلم وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب أنَّ الآيةَ في أصحاب الرياء، وهي مثَّصلةٌ بما عندها على ما روي عن شهر، حيث قال: ((والذين يمكرون السيئات)) أي: يراؤون ((ومكر أولئك هو يبور)) هم أصحاب الرياء، عملُهم لا یصعد. وقال الطيبيُّ: إنَّ الجملة على هذه الرواية عطفٌ على جملة الشرط والجزاء، أعني قوله تعالى: ((من كان يريد العزة)) إلخ فيجب حينئذٍ مراعاةُ التطابق بين القرينتين والتقابل بين الفقرتين بحسب الإمكان، بأن يُقدَّرَ في كلٌّ منهما ما يحصلُ به التقابلُ بدلالة المذكور في الأولى على المتروك في الأخرى، وبالعكس. اهـ. ولا يخفى بُعْدُه. وأيَّما كان فالمضارعُ للاستمرار التجدديِّ. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَّكُمْ مِّنْ تُرَابٍ﴾ دليلٌ آخر على صحَّة البعث والنشور، أي: خلقكم ابتداءً منه في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقاً إجماليّاً ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أي: ثمَّ خلقَكم منها خلقاً تفصيليّاً ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَبَأْ﴾ أي: أصنافاً ذكراناً وإناثاً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَا﴾ [الشورى: ٥٠] وأخرجه ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ، وأخرج هو وغيره عن قتادة أنه قال: قدَّر بينكم الزوجيَّة، وزوَّج بعضكم بعضاً (١) . ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ،﴾ حالٌ من الفاعل، و((من)) زائدة، أي: إلَّا ملتبسةً بعلمه تعالى، ومعلومية الفاعل راجعةٌ إلى معلوميَّة أحواله مفصّلةً، ومنها حالُ ما حملته الأنثى ووضعته، فجعلُه من ذلك أبلغُ معنّى وأحسنُ لفظاً مِنْ جعله من المفعول، أعني المحمول والموضوع؛ لأنَّ المفعولَ محذوفٌ متروك، كما صرَّح به الزمخشريُّ في ((حم السجدة))(٢)، وجعلُه حالاً من الحمل والوضع أنفسهما خلافُ الظاهر. (١) الدر المنثور ٢٤٦/٥، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٤٢/١٩. (٢) ينظر كلامه عند تفسير الآية (٤٧) من سورة فصلت. سُؤُالأَنَظلم ١٨٦ الآية : ١١ ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرٍ﴾ أي: من أحدٍ، أي: وما يمدُّ في عُمر أحدٍ، وسمِّيَ معمَّراً باعتبار الأَوْل، نحو: ﴿إِنّ أَرَبِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، و: ((مَن قَتَلَ قتيلاً))(١)، على ما ذكر غيرُ واحدٍ، وهذا لئلا يلزمَ تحصيلُ الحاصل. وجُوِّزَ أن يقال: لأنَّ (يُعمَّر)) مضارعٌ، فيقتضي أنْ لا يكون معمَّراً بعدُ، ولا ضرورةً للحمل على الماضي. ﴿وَلَا يُنقَسُ مِنْ عُمُرِيِةٍ﴾ الضمير عائدٌ على مُعَمَّرٍ آخر، نظير ما قال ابنُ مالك في: عندي درهمٌ ونصفه، أي: نصفُ درهم آخر، ولا يضرُّ في ذلك احتمالُ أنْ يكونَ المراد: مثل نصفه، لأنَّه مثال، وهو استخدامٌ أو شبيهٌ به، وإلى ذلك ذهب الفرَّاء(٢) وبعض النحويين، ولعله الأظهر، وفسَّروا المعمَّر بالمُزادِ عمرُه، بدليل ما يقابله من قوله تعالى: ((ولا يُنْقَص)) إلخ، وهو الذي دعاهم إلى إرجاع الضمير إلى نظير المذكور دون عينه؛ ضرورةَ أنَّه لا يكونُ المزيدُ في عمره منقوصاً من عمره. وقيل عليه: هب أنَّ مرجعَ الضمير معمَّرٌ آخر، أليس قد نسب النقصَ في العمر إلى معمّر، وقد قلتم إنَّه المزادُ عمره. أجيبَ بأنَّ الأصلَ: وما يعمَّر من أحدٍ، فسمِّيَ معمَّراً باعتبار ما يَؤول إليه، وعاد الضمير باعتبار الأصل المحوَّل عنه، فمآل ذلك: ولا ينقص من عمر أحدٍ، أي: ولا يُجعلُ من ابتداء الأمر ناقصاً، فهو نظير قولهم: ضيّق فمَ الرَّكَيَّة(٣). وقال آخرون: الضميرُ عائدٌ على المعمَّر الأول بعينه، والمعمَّر هو الذي جَعل الله تعالى له عمراً طال أو قصر، ولا مانع أن يكون المعمّر ومن ينقصُ من عمره شخصاً واحداً، والمراد بنقص عمره ما يمرُّ منه وينقضي، مثلاً يكتب عمره مئة سنة، ثمَّ يكتب تحتَه: مضى يومٌ، مضى يومان، وهكذا حتى يأتي إلى آخره، (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، والبخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) عن أبي قتادة ﴿ه. ويذكر شاهداً على تنزيل المُقْبِلِ على الأمر المشارِفِ له منزلةَ الشارع فيه. (٢) في معاني القرآن له ٣٦٨/٢. (٣) الركية: بئر تحفر. تهذيب اللغة ٣٥٠/١٠. الآية : ١١ ١٨٧ سُوَالأَنَظِمِ وروي هذا عن ابن عباس وابن جبير وأبي مالك وحسان بن عطية والسُّدّيِّ، وقيل بمعناه : حياتُك أنفاسٌ تُعَدُّ فكلَّما مضى نَفَسٌ منها انتقصت به جزءا(١) وقيل: الزيادةُ والنقص في عمرٍ واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح، كما ورد في الخبر: ((الصدقةُ تزيدُ في العمر))(٢)، فيجوزُ أنْ يكونَ أحدٌ معمَّراً، أي: مزاداً في عمره إذا عمل عملاً، وينقص من عمره إذا لم يعمله، وهذا لا يلزم منه تغيير التقدير؛ لأنَّه في تقديره تعالى معلّق أيضاً، وإن كان ما في علمه تعالى الأزليّ وقضائه المبرم لا يعتريه محوٌّ على ما عُرِفَ عن السلف، ولذا جاز الدعاءُ بطول العمر. وقال كعب: لو أنَّ عمر ظُه دعا الله تعالى، أخّر أجله. ويعلم من هذا أنَّ قولَ ابن عطية: هذا قولٌ ضعيفٌ مردودٌ يقتضي القولَ بالأجلين، كما ذهبت إليه المعتزلة(٣) = ليس بشيء. ومن العجيب قولُ ابن كمال: النظرُ الدقيق يحكمُ بصحَّة أن المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ ذلك العمر، وأن لا يبلغَ، فيزيد عمره على الأول، وينقص على الثاني، ومع ذلك لا يلزم التغيير في التقدير؛ لأنَّ المقدَّر في كلِّ شخصٍ هو الأنفاس المعدودة لا الأيام المحدودة والأعوام الممدودة، ثم قال: فافهم هذا السرَّ العجيب، وكتب في الهامش: حتى ينكشفَ لك سرُّ اختيار حبس النفس، ويتَّضح وجهُ صحة قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ (١) البيت في الديوان المنسوب لعليٍّ ◌َ لُّه ص ١١، ونسبه ابن عبد البر في بهجة المجالس ٣٣٩/٣ لمحمود الوراق، وكذا ذُكرَ في ديوانه ص ٢٤٠ في الأبيات المنسوبة له. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ (٣١) من حديث عمرو بن عوف ظله، وفيه كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف. وجاء في معنى هذا الحديث ما أخرجه البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) من حديث أنس به: ((مَن سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسَأ له في أثره، فليصل رحمه)). وينظر تفسير القرطبي ٧/ ٣٦١. (٣) المحرر الوجيز ٤٣٢/٤. سُورَةً وَطا ١٨٨ الآية : ١١ الصدقة والصلةَ تعمران الديار، وتزيدان في الأعمار))(١). اهـ. وتعقَّبه الشهابُ الخفاجيّ(٢) بأنَّه مما لا يعوِّل عليه عاقلٌ، ولم يقل به أحدٌ غيرُ بعض جهلة الهنود، مع أنَّه مخالفٌ لما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم والنسائيُّ وابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود من قول النبيِّ وََّ لامٌّ حبيبة، وقد قالت: اللهم أمتعني بزوجي النبيِّ 9َّ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية: (سألتِ الله تعالى لآجالٍ مضروبة، وأيَّام معدودة)) الحديث(٣)، وأطال الجلبيُّ في ردّه، وهو غنيٌّ عنه. اهـ. وقال بعضهم: يجوزُ أنْ لا يبلغ من قُدِّرَ له عمرٌ طويل ما قُدِّرَ له، بأن يغيّر ما قُدِّرَ أوَّلاً بتقديرٍ آخر، ولا حَجْر على الله تعالى. ويشيرُ إلى ذلك قولُه عليه الصلاة والسلام في حديث التراويح: ((خشيت أنْ تُفرضَ عليكم)) (٤)، وقوله ◌َّ في دعاء القنوت: ((وقني شرَّ ما قضيت))(٥)، وخوفُه - عليه من الله تعالى آلافُ آلافٍ صلاةٍ وسلام - من قيام الساعة إذا اشتدَّت الريح(٦)، مع إخباره بأنَّ بين يديها خروجَ (١) أخرج أحمد في مسنده (٢٥٢٥٩) من طريق القاسم عن عائشة ﴿نا، أن النبي وخلفي قال: (صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)). (٢) في حاشيته ٧/ ٢٢٠. (٣) صحيح مسلم (٢٦٦٣)، وسنن النسائي الكبرى (١٠٠٢٢) و(١٠٠٢٣)، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٧٣/٣-٣٧٤. (٤) سلف عند تفسير الآية (١٥) من سورة الأنعام. (٥) قطعة من حديث الحسن بن علي ه مرفوعاً، أخرجه أحمد (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي ٢٤٨/٣، وابن ماجه (١١٨٧). (٦) لم أقف على ذكر لخوف النبي ◌َّه من قيام الساعة عند هبوب الريح. وأخرج البخاري في صحيحه (١٠٣٤) من حديث أنس يقول: كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي ◌َطهر. وأخرج مسلم في صحيحه (٨٩٩): (١٤) عن عائشة رؤيا قالت: كان رسول الله# إذا كان يوم الريح والغيم، عرف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرَّ به، وذهب عنه ذلك. قالت عائشة: فسألته. فقال: ((إني خشيت أن يكون عذاباً سلط على أمتي)). ويقول إذا رأى المطر: ((رحمة)). الآية : ١١ ١٨٩ سُؤ ◌َالَفَظلم المهديِّ والدجَّال والدابَّة، وطلوع الشمس من مغربها، إلى غير ذلك ممَّا لم يَحدُث بَعْدُ، وغايةُ ما يلزم من ذلك تغيُّر المعلوم، ولا يلزمُ منه تغيُّر العلم، على ما بُيِّن في موضعه، وعلى هذا لا إشكال في خبر: ((الصدقة تزيدُ في العمر))(١)، ويتَّضحُ أمرُ فائدة الدعاء، وما يحكى عن بعضهم من نفي القضاء المبرَم يرجعُ إليه. وقد رأيتُ كُرَّاسةً لبعض الأفاضل أطال الكلام فيها لتشييد هذا القول وتثبيت أركانه، والحقُّ عندي أنَّ ما في العلم الأزليِّ المتعلِّقِ بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر لا يتغيّر، ويجب أن يقعَ كما علم، وإلَّا يلزم الانقلاب، وما يتبادرُ منه خلافُ ذلك - إذا صحَّ - مؤولٌ، وخبرُ: ((الصدقةُ تزيدُ في العمر))(٢) قيل: إنَّه خبرُ آحاد، فلا يعارضُ القطعيَّات. وقيل: المراد أنَّ الصدقةَ وكذا غيرها من الطاعات، تزيدُ فيما هو المقصودُ الأهمُّ من العمر، وهو اكتساب الخير والكمال والبركة التي بها تُستَكْمَلُ النفوسُ الإنسانيَّة، فتفوز بالسعادة الأبديَّة، والدعاءُ حُكْمُه حُكْمُ سائر الأسباب من الأكل والشرب والتحقُّظ من شدّة الحرِّ والبرد مثلاً، ففائدته كفائدتها . وقيل: هو لمجرَّد إظهار الاحتياج والعبوديّة، فليتدبر. وقيل: الضمير للعمر، والنقص لغيره، أي: ولا ينقصُ من عمر المعمَّر لغيره، بأن يُعطَى له عمرُ ناقصٍ من عمره. وقيل: الضميرُ للمنقوص من عمره، وهو - وإن لم يصرَّح به ـ في حُكم المذكور كما قيل : وبضدِّها تتبيَّنُ الأشياء(٣) فيكون عائداً على ما عُلِم من السياق، أي: ولا يُنقص من عمر المنقوص من عمره بجعله ناقصاً . (١) سلف قريباً. (٢) سلف قريباً. (٣) عجز بيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٤٩/١، وسلف ٣٧١/٧. سُوَالأَفَظلم ١٩٠ الآية : ١١ وقرأ الحسن وابن سيرين وعيسى: ((ولا يَنْقُص)) بالبناء للفاعل(١)، وفاعله ضميرُ المعمَّر، أو: ((عمره))، و ((من)) زائدة في الفاعل، وإن كان متعدياً جازَ كونُه ضمير الله تعالى. وقرأ الأعرجُ: ((من عُمْرِه) بسكون الميم (٢). ﴿إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ عن ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. وجُوِّزَ أنْ يرادَ به صحيفةُ الإنسان، فقد أخرجَ ابنُ المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال: قال رسول الله وَله: ((يدخلُ الملكُ على النطفةِ بعدما تستقرُّ في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلةً، فيقول: يا ربّ، أشقيٍّ أم سعيد؟ أذكرٌ أم أنثى؟ فيقول الله تعالى، ويكتب، ثم يكتب عملَه ورزقَه وأجلَه وأثرَه ومصيبته، ثم تُطْوى الصحيفةُ، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها(٣). وجُوِّزَ أيضاً أنْ يُراد به علمُ الله عزَّ وجلَّ. وذكر في ربط الآيات أنَّ قولَه تعالى: ((والله خلقكم من تراب)) إلخ مُسَاقٌ للدلالة على القدرة الكاملة، وقوله سبحانه: ((ما تحمل من أنثى)) إلخ للعلم الشامل، وقوله عز وجل: ((وما يعمَّر من معمَّر)) إلخ لإثبات القضاء والقدر، والمعنى: ((وما يعمَّر)) منكم، خطاباً لأفراد النوع الإنساني، وأيّد بذلك الوجهُ الأول من أوجه: ((وما يعمر)) إلخ. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من الخَلْق وما بعده، مع كونه محاراً للعقول والأفهام ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾ لاستغنائه تعالى عن الأسباب، فكذلك البعث والنشور. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٣ عن الحسن وابن سيرين ويعقوب، ونسبها في البحر المحيط ٣٠٤/٧ ليعقوب وسلام، وعبد الوارث وهارون كلاهما عن أبي عمرو. وقراءة يعقوب في النشر ٢/ ٣٥٢ من رواية روح، وبخلف عن رويس. (٢) أوردها القرطبي في تفسيره ٣٦٢/١٧ وزاد نسبتها للزهري. وهي في القراءات الشاذة ص١٢٣ عن أبي عمرو، وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة الجمهور. (٣) الدر المنثور ٢٤٧/٥، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٦٤٤)، وأحمد (١٦١٤٢). الآية : ١٢ ١٩١ سُالأَفَظِّم ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ﴾ طيِّبٌ ﴿فُرَاتٌ﴾ كاسر العطش ومزيله. وقال الراغب: الفراتُ: الماء العذب، يقال للواحد والجمع(١). ولعلَّ الوصف على هذا على طرز: أسودُ حَالِكٌ، وأصفرُ فاقِعٌ. ﴿سَآَيَغْ شَرَابُهُ﴾ سهلٌ انحداره لخلوِّه ممَّا تعافه النفس. وقرأ عيسى: ((سيِّغ)) كميِّت بالتشديد، وجاء كذلك عن أبي عمرو وعاصم (٢). وقرأ عيسى أيضاً: ((سَيْغ)) كَميْت بالتخفيف(٣). ﴿وَهَذَا مِلْحُّ﴾ متغيّرٌ طعمُه التغيُّر المعروف. وقرأ أبو نهيك وطلحة: (مَلِح)) بفتح الميم وكسر اللام(٤). قال أبو الفضل(٥) الرازي: وهي لغةٌ شاذَّةٌ. وجُوِّزَ أن يكون مقصوراً من مالح للتخفيف، وهو مبنيٌّ على ورود مالح، والحقُّ ورودُه بقلَّةٍ، وليس بلغةٍ رديئةٍ كما قيل. وفرَّقَ الإمام بين الملح والمالح بأنَّ الملحَ الماءُ الذي فيه الطعم المعروف من أصل الخلقة، كماء البحر، والمالحُ الماء الذي وُضِع فيه ملحٌ فتغيَّر طعمُه، ولا يقال فيه إلَّا مالح(٦). ولم أره لغيره. وقال بعضهم: لم يَرِدْ مالح أصلاً، وهو قولٌ ليس بالمليح. ﴾ شديد الملوحة والحرارة، من قولهم: أجيجُ النار وأَجَّتُها، ومن هنا قيل: هو الذي يحرقُ بملوحته، وهذا مثلٌ ضُرِبَ للمؤمن والكافر. (١) المفردات (فرت). (٢) البحر المحيط ٧/ ٣٠٥، والقراءة عن عيسى في القراءات الشاذة ص ١٢٣، وقراءة أبي عمرو وعاصم المتواترة عنهما كقراءة الجمهور. (٣) المحتسب ١٩٨/٢، والبحر المحيط ٣٠٥/٧. (٤) البحر المحيط ٧/ ٣٠٥، وهي في المحتسب ١٩٩/٢، والمحرر الوجيز ٤٣٣/٤، وتفسير القرطبي ٣٦٢/١٧ عن طلحة فقط. (٥) في الأصل و(م): أبو الفتح، وهو خطأ، والتصويب من البحر ٧/ ٣٠٥، والكلام منه. (٦) تفسير الرازي ٢٦/ ١١. سُؤَادَةَ فَطِ ١٩٢ الآية : ١٢ وقوله تعالى(١): ﴿وَمِن كُلِّ﴾ أي: من كلِّ واحدٍ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أي: غضّاً جديداً، وهو السمكُ، على ما رُويَ عن السُّدِّيِّ. وقيل: الطير والسمك. واختار كثيرٌ الأول. والتعبيرُ عن السمك باللحم مع كونه حيواناً، قيل: للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل، ووصفُه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيهِ على المسارعة إلى أكله لئلا يتسارعَ إليه الفسادُ، كما ينبئ عنه جَعْلُ كلِّ من البحرين مبدأَ أكلِه. واستدلَّ مالكٌ والثوريُّ بالآية - حيث سَمَّى فيها السمكَ لحماً - على حِنْثٍ من حَلَفَ: لا يأكلُ لحماً، فأكلَ سمكاً. وقال غيرهما: لا يحنث؛ لأنَّ مبنى الأيمان على العرف، وهو فيه لا يسمَّى لحماً، ولذلك لا يحنَثُ من حلف لا يركبُ دابَّة فركب كافراً، مع أنَّ الله تعالى سمَّاه دابَّةً في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٥٥]. ولا يبعدُ عندي أنْ يُراد بـ ((لحماً)) لحم السمك، ودعوى التلويح بانحصار الانتفاع بالسمك في الأكل لا أظنُّها تامَّةً. ﴿وَتَسْتَخْرُونَ﴾ ظاهره: ومن كلٍّ تستخرجون ﴿ِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ والحليةُ التي تُستخرَجُ من البحر الملحِ اللؤلؤُ والمرجان، ويلبس ذلك الرجالُ والنساء، وإن اختلفت كيفيَّة اللبس، أو يقال: عبَّر عن لبس نسائهم بلبسِهم؛ لكونهنَّ منهم، أو لکون لبسهنَّ لأجلهم. ولا نعلم حليةً تستخرجُ من البحر العذب، ولا يظهر هنا اعتبارُ إسناد ما للبعض إلى الكلِّ، كما اعتُبرَ ذلك في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلَُّلُ وَالْمَرْحَاتُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وكون بعض الصخور التي في مجاري السيول قد تكسّر فيوجد فيها ماس وهو حِلْيةٌ تلبسُ - إنْ صحَّ - لا ينفعُ اعتبارُه هنا، إذ ليس فيه استخراجُ الحِلْية من البحر العذب ظاهراً. (١) جاء فوقها في الأصل: مبتدأ. اهـ. وسيأتي بيان خبره في الصفحة التالية. الآية : ١٢ ١٩٣ سُؤَادَلاَفَظِ وقيل: لا يَبعُدُ أنْ تكون الحلية المستخرجةُ من ذلك عظامَ السمك التي يصنعُ منها قبضاتٌ للسيوف والخناجر مثلاً، فتحملُ ويتحلَّى بها . وفيه ما فيه، لا سيمًا إذا كانت الحلية كالحليّ: ما يتزيَّن به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة. وقال الخفاجيُّ: لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة، وإن لم نَرَهُ(١). ولا يخفى ما فيه من البعد. وذهب بعض الأجلَّة للخلاص من القيل والقال أنَّ المرادَ: وتستخرجونَ من البحرِ الملح خاصَّةً حليةً تلبسونها. ويشعرُ به كلامُ السُّدِّيِّ. یحتملُ(٢) ثلاثة أوجه: الأوَّلُ: أنَّه استطرادٌ في صفة البحرين، وما فيهما من النعم والمنافع. والثاني: أنَّه تتميمٌ وتكميلٌ للتمثيل؛ لتفضيل المشبّه به على المشبّه، وليس من ترشيح الاستعارة - كما زعم الطيبيُّ - في شيء، بل إنَّما هو استدراكٌ لدعوى الاشتراك بين المشبّه والمشبَّه به، يلزمُ منه أنْ يكونَ المشبّهُ أقوى، وهذا الاستدراكُ مخصوصٌ بالملح، وإيضاحُه أنَّه شبَّه المؤمن والكافر بالبحرين، ثمَّ فضَّل الأُجَاج على الكافر بأنَّه قد شارك الفرات في منافع، والكافر خِلْوٌ من النفع، فهو على طريقة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنُ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ ثمّ قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَّجَرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَلْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْبَةِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٧٤]. والثالث: أنَّه من تتمَّة التمثيل، على معنى أنَّ البحرين وإن اشتركا في بعض الفوائد تفاوتا فيما هو المقصودُ بالذات؛ لأنَّ أحدَهما خالطَه ما لم يبقِه على صفاء فطرته، كذلك المؤمنُ والكافر، وإن اتَّفق اتِّفاقهما في بعض المكارم، کالشجاعة (١) حاشية الشهاب ٢٢١/٧. (٢) فوقها في الأصل: خبر قوله تعالى. اهـ منه. سُؤُالأَفَظ ١٩٤ الآية : ١٢ والسخاوة، متفاوتان فيما هو الأصلُ؛ لبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر، فجملة ((ومن كلِّ)) إلخ حالية. وعندي خيرُ الأوجهُ الثلاثة أوسطُها، وعلى كلِّ يحصلُ الجواب عمَّا قيل: كيف يناسب ذكرُ منافع البحر الملحِ، وقد شبَّه به الكافر؟ وقال أبو حيان: إنَّ قوله تعالى: ((وما يستوي البحران)) إلخ لبيان ما يستدلُّ به كلُّ عاقلٍ على أنَّه ممَّا لا مدخل لصنمٍ فيه(١) . وقال الإمام: الأظهرُ أنه دليل لكمال قدرة الله عزَّ وجلَّ(٢). وما ذكرنا أوَّلاً من أنَّه تمثيلٌ للمؤمن والكافر هو المشهور روايةً ودرايةً، وفيه من محاسن البلاغة ما فيه. ﴿وَرَىَ اٌلْفُلْكَ﴾ السفن ﴿فِيهِ﴾ أي: في كلٌّ منهما، وانظر هل يحسنُ رجوعُ الضمير للبحر الملح، لانسياق الذهن إليه من قوله سبحانه: ((وتستخرجون حليةً تلبسونها)) بناءً على أنَّ المعروفَ استخراجُها منه خاصَّة؟ وأمرُ الفُلك فيه أعظم من أمرها في البحر العذب، ولذا اقتصر على رؤية الفلك فيه على الحالة التي ذكرها(٣) الله تعالى. وأفردَ ضميرَ الخطاب مع جمعه فيما سبق وما لحق؛ لأنَّ الخطاب لكلِّ أحدٍ تتأتَى منه الرؤية، دون المنتفعين بالبحرين فقط. ﴿مَوَاخِرَ﴾ شواقَّ للماء، يجريها مقبلةً ومدبرةً بريحِ واحدة، فالمخرُ: الشقُّ. قال الراغب: يقال: مَخَرَتِ السفينةُ مَخْراً ومُخُوراً: إذا شقَّت الماء بجوجُئِها (٤). (١) البحر المحيط ٧/ ٣٠٤. والعبارة فيه: يُستَدلُّ بها على كل عاقل أنه ممَّا ... (٢) تفسير الرازي ٢٦/ ١٠. (٣) في (م): الحال التي ذكر. (٤) المفردات (مخر)، وجؤجؤ الطائر والسفينة: صدرهما. مختار الصحاح (جاجاً). الآية : ١٢ ١٩٥ سُؤَالأَ فَظِل وفي ((الكشاف))(١): يقال: مخرتِ السفينةُ الماء، ويقال للسحاب: بناتُ مَخْر؛ لأنَّها تمخرُ الهواء، والسُّفْنُ الذي اشتُقَّت منه السفينة قريبٌ من المخر؛ لأنَّها تسفِنُ الماء كأنها تقشره كما تمخره. وقيل: المخر: صوتُ جري الفُلْك. وجاء في سورة النحل: ﴿وَتَرَى الْفَلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [الآية: ١٤] بتقديم ((مواخر)) وتأخير ((فيه)) وعَكَسَ هاهنا، فقيل في وجهه: لأنَّه علَّق ((فيه)) هنا بـ ((تری))، وثمت بـ ((مواخر)). ولا يحسم مادة السؤال. والذي يظهر لي في ذلك أنَّ آية ((النحل)) سيقت لتعداد النعم، كما يؤذنُ بذاك سوابقُها ولواحقُها، وتعقيبُ الآيات بقوله سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، فكان الأهمُّ هناك تقديمَ ما هو نعمةٌ، وهو مخرُ الفلك للماء، بخلاف ما هنا، فإنَّه إنما سيق استطراداً أو تتمَّةً للتمثيل كما علمت آنفاً، فقدم فيه ((فيه)) إيذاناً بأنَّه ليس المقصود بالذات ذلك، وكأنَّ الاهتمامَ بما هناك اقتضَى أنْ يقال في تلك الآية: (وَلِتَبْتَغُوا) بالواو، ومخالفة ما هنا لذلك اقتضت تركَ الواو في قوله سبحانه: ﴿لِبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من فضل الله تعالى بالنقلة فيها. وهو سبحانه وإنْ لم يَجْرِ له ذكرٌ في الآية، فقد جرى له تعالى ذكرٌ فيما قبلها، ولو لم يَجْرِ لم يُشْكِلْ؛ لدلالة المعنى عليه عزَّ شأنُه. واللام متعلّقة بـ (مواخر))، وجُوَّزَ تعلُّقها بمحذوفٍ دلَّ عليه الأفعال المذكورة، كـ : سخّر البحرين، وهيَّأهما، أو: فعل ذلك ((لتبتغوا من فضله)). ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣)﴾ تعرفونَ حقوقَه تعالى، فتقومونَ بطاعته عزَّ وجلَّ وتوحيده سبحانه. و((لعلَّ) للتعليل على ما عليه جمعٌ من الأجلَّة، وقد قدّمنا ذلك. وقال كثير: هي للترجِّي، ولمَّا كان محالاً عليه تعالى كان المرادُ اقتضاءً ما ذُكر من النعم للشكر، حتَّى كأنَّ کلّ أحدٍ یترجّاه من المنعِم علیه بها، فهو تمثیلٌ یؤول إلى أمره تعالى بالشكر للمخاطبين. (١) ٣٠٤/٣. سُورَةَ فَظِ ١٩٦ الآية : ١٣ ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِ﴾ بزيادةٍ أحدهما ونقص الآخر بإضافة بعض أجزاء كلٍّ منهما إلى الآخر. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطفٌ على ((يولج)) واختلافُهما صيغةً؛ لما أنَّ إيلاجَ أحد المَلَوين في الآخر متجدِّدٌ حيناً فحيناً، وأما تسخيرُ النّيِّرَين فأمرٌ لا تعدُّد فيه، وإنَّما المتعدِّدُ والمتجدِّدُ آثارُه، وقد أشير إليه بقوله تعالى: ﴿كُلِّ﴾ من الشمس والقمر ﴿يَجْرِى﴾ أي: بحسب حركته على المدارات اليوميّة المتعدِّدة حسبَ تعدُّدِ أيَّام السنة، أو بحسب حركتيه - الخاصة وهي من المغرب إلى المشرق، والقسريّة التي هي من المشرق إلى المغرب - جرياناً مستمرّاً . ﴿لِأَجَلِ مُسَنَّى﴾ قدَّره الله تعالى لجريانهما، وهو يوم القيامة، كما روي عن الحسن . وقيل: جريانُهما عبارةٌ عن حركتيهما الخاصَّتين بهما، والأجلُ المسمَّى عبارةٌ عن مجموع مدَّةٍ دورتيهما، أو منتهاها، وهي للشمس سنة، وللقمر شهر، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك مفصّلاً. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى فاعل الأفاعيل المذكورة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بغاية العظمة. وهو مبتدأ، وما بعدَه أخبارٌ مترادِفَةٌ، أي: ذلكم العظيم الشأنِ الذي أبدع هذه الصنائع البديعة ﴿اللَّهُ رَّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ وفيه من الدلالة على أنَّ إبداعَه تعالى لتلك البدائع ممَّا يوجِبُ ثبوتَ تلك الأخبار له تعالى. وفي ((الكشاف))(١): ويجوزُ في حكم الإعراب إيقاعُ اسم الله تعالى صفةً لاسم الإشارة، أو عطف بيان، و((ربكم)) خبراً، لولا أنَّ المعنى يأباه. اهـ. قال في ((الكشف)): فيه نظر؛ لأنَّ الاسمَ الجليل جارٍ مجرى العَلَم، فلا يجوز أنْ يقعَ وصفاً لاسم الإشارة ألبتَّة، لا لفظاً ولا معنى، وكأنَّه فُرِض على تقدير عدم (١) ٣٠٤/٣. الآية : ١٣ ١٩٧ سُوَ الأَفَظِلِ الغلبة، وأمَّا إباءُ المعنى على تقدير تجويز الوصف، فقد قيل: إنَّ المقصودَ أنَّه تعالى المنفردُ بالإلهية، لا أنَّ المنفرد بالإلهية هو ربُّكم؛ لأنَّ المشركين ما كانوا معترفين بالمنفرد على الإطلاق، وأمَّا عطفُ البيان، فقيل: لأنَّه يوهمُ تخييل الشركة، ألا ترى أنَّك إذا قُلت: ذلك الرجل سيِّدُك عندي، ففيه نوع شركة؛ لأن ((ذا)) اسم مبهم، وكأنَّه أرادَ أنَّ البيانَ حيث يذهبُ الوهم إلى غيره ويحتملُ الشركة مناسبٌ لا في مثل هذا المقام. وأفاد الطيبيُّ أنَّ ((ذلك)) يشارُ به إلى ما سبق؛ للدلالة على جدارة ما بعده بسبب الأوصاف السابقة، ولو كان وصفاً أو بياناً لكان المشارُ إليه ما بعده. وهذا في الأول حسنٌّ دونَ الثاني، اللهم إلَّا أنْ يكون قولُه: أو عطف بيان، إشارةً إلى المذهب الذي يجعلُ الجنس الجاري على المبهم غير وصف، فيكون حكمُه حكمَ الوصف إذ ذاك، وبعدَ أن تبيَّنَ أنَّ المقام للإشارة إلى السابق، فاسمُ الإشارة قد يُجَاء به لأغراضٍ أخر. اهـ. وأبو حيَّان منعَ صحَّة الوصفيَّة للعلمية، ثم قال: لا يظهرُ إباءُ المعنى ذلك(١). ويجوز أنْ يكون قولُه تعالى: ((له الملك)) جملةً مبتدأةً واقعةً في مقابلة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن فِظْمِيرٍ ﴾﴾ ويكون ذلك مقرِّراً لما قبله من التفرُّد بالإلهية والربوبيَّة، واستدلالاً عليه، إذ حاصلُه: جميعُ الملك والتصرُّف في المبدأ والمنتهَى له تعالى، وليس لغيره سبحانه منه شيءٌ، ولذا قيل: إنَّ فيه قياساً منطقياً مطويّاً. وُجُوِّزَ أن يكون مقرِّراً لقوله تعالى: ((والله خلقكم)) إلخ، وقوله تعالى: (يولج)) إلخ، فجملة ((الذين تدعون)) إلخ عليه؛ إمَّا استئنافيةٌ أيضاً، وهي معطوفةٌ على جملة ((له الملك))، وإمَّا حالٌ من الضميرِ المستقرِّ في الظرف، أعني: له. وعلى الوجه الأوَّل هي معطوفةٌ على جملة ((ذلكم الله)) إلخ، أو حالٌ أيضاً. والقِظْمِير على ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد: لفافةُ النواة(٢)، وهي (١) البحر المحيط ٣٠٥/٧. (٢) تفسير الطبري ١٩/ ٣٥٠. سُورَة فَظِل ١٩٨ الآية : ١٤ القشرُ الأبيضُ الرقيق الذي يكونُ بين التمر والنواة، وهو المعنى المشهور. وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر(١): أنَّه القمعُ الذي هو على رأس التمرة. وأخرجَ عبد بن حميد عن قتادة: أنَّه القشرةُ على رأس النواةُ(٢)، وهو ما بين القمع والنواة. وقال الراغب: إنَّه الأثرُ على ظهر النواة(٣). وقيل: هو قشرُ الثوم. وأيَّاما كان، فهو مَثَلٌ للشيء الدنيء الطفيف، قال الشاعر: وأبوك يخصفُ نعله متورِّكاً ما يملكُ المسكين من قطميرٍ(٤) وقرأ عيسى وسلام ويعقوب: ((يَدْعون)) بالياء التحتانية(٥). ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله، كاشفٌ عن جليَّة حال ما يَدعونه بأنَّه جمادٌ ليس من شأنه السماع، هذا إذا كان الكلامُ مع عَبَدَةِ الأصنام، ويحتمل أنْ يكون مع عَبَدَتها وعَبَدَة الملائكة وعيسى وغيرهم من المقرَّبين، وعدمُ السماع حينئذٍ، إمَّا لأنَّ المعبودَ ليس من شأنه ذلك، كالأصنام، وإمَّا لأنَّه في شُغل شاغل، وبُعدٍ بعيد عن عابده، كعيسى عليه السلام، ورويَ هذا عن البلخيّ، أو لأنَّ الله عزَّ وجلَّ حفظَ سمعَه من أن يصل إليه مثلُ هذا الدعاء؛ لغاية قبحه وثقله على سمع من هو في غاية العبوديَّة لله سبحانه، فلا يردُ أنَّ الملائكةَ عليهم السلام يسمعون وهم في السماء - كما ورد في بعض الآثار - دعاءً المؤمنین ربَّهم سبحانه. (١) عن الضحاك، كما في الدر المنثور ٢٤٨/٥. (٢) وأخرجه الطبري في تفسيره ١٩/ ٣٥٠. (٣) المفردات (قطمر). (٤) هو في البحر المحيط ٣٠٥/٧، والدر المصون ٢٢١/٩ دون نسبة. (٥) القراءات الشاذة ص ١٢٣ و١٢٤، والبحر المحيط ٣٠٥/٧. وقراءة يعقوب هي من طريق المعدل عن روح كما في النشر ٢/ ٣٥٢، وهي خلاف المشهور عنه. الآية : ١٤ ١٩٩ سُؤَالَ فَظِيم وفي نظم ذوي النفوس القدسيَّة في سلك الملائكة عليهم السلام من حيثيَّة السماع وهم في مقارِّ نعيمِهم = توقُّفٌ عندي، بل في سماع كلٍّ من الملائكة عليهم السلام وهم في السماء، وذوي النفوس القدسيَّة وهم في مقارِّ نعيمِهم، نداءَ من ناداهم غيرَ معتقدٍ فيهم الإلهية = توقُّفٌ عندي أيضاً، إذ لم أظفر بدليلٍ سمعيٍّ على ذلك، والعقلُ يجوِّزُه، ولكن لا يُكتفَى بمجرَّد تجويزه في القول به. ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ﴾ على سبيل الفرض والتقدير ﴿مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ﴾ لأنَّهم لم يُرزَقوا قوَّة التكلُّم، والسماعُ لا يستلزمُ ذلك، فالمرادُ بالاستجابة الاستجابةُ بالقول، ويجوزُ أنْ يُرَاد بها الاستجابةُ بالفعل، أي: ولو سمعوا ما نفعوكم؛ لعجزهم عن الأفعال بالمرَّة، هذا إذا كان المدعوّون الأصنام، وأمَّا إذا كانوا الملائكة عليهم السلام أو نحوهم من المقرَّبين، فعدمُ الاستجابة القوليَّة لأنَّ دعاءهم من حيث زعم أنَّهم آلهةٌ، وهم بمعزلٍ عن الإلهية، فكيف يجيبون زاعم ذلك فيهم؟ وفيه من التهمة ما فيه. وعدم الاستجابة الفعليّة يحتملُ أنْ يكونَ لهذا أيضاً، ويحتملُ أنْ يكون لأنَّ نفعَ من دعاهم ليس من وظائفهم. وقيل: لأَنَّهم يرونَ ذلك نقصاً في العبوديَّة والخضوع لله عزَّ وجلَّ. ويجوز أنْ يكون هذا تعليلاً للأول أيضاً، فتأمَّل. ﴿وَبَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فضلاً عن أن يستجيبوا لكم إذا دعوتموهم، و((شرك)) مصدرٌ مضافٌ إلى الفاعل، أي: ويومَ القيامة يجحدونَ إشراكَكم إيَّاهم وعبادتكم إيَّاهم، وذلك بأنْ يُقدرَ اللهُ تعالى الأصنامَ على الكلام، فيقولون لهم: ﴿َّا كُتُّ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] أو يظهرَ من حالها: ظهورَ نارِ القِرى ليلاً على عَلَمٍ (١) ما يدلُّ على ذلك، ولسانُ الحال أفصحُ من لسان المقال، ومِنْ هذا القبيل قول ذي الرُّمَّة : يخاطبُني آثارُه وأخاطبُه وقفتُ على ربعٍ لميَّةَ ناطقٍ (١) سلف عند تفسير الآية (٢) من سورة الأعراف. سُوَ الأَنَظم ٢٠٠ الآية : ١٥ وأسقيهٍ حتى كادَ مما أبتُه تكلِّمني أحجارُه وملاعبُه(١) وإن كان المدعوون الملائكة ونحوهم، فأمرُ التكلُّم ظاهرٌ، وقد حكى الله تعالى قولَ الملائكة للمشركين في السورة السابقة بقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١]. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾﴾ أي: لا يخبرك بالأمر مخبرٌ مثل مخبرٍ خبير أخبرك به، يعني به تعالَى نفسَه، كما روي عن قتادة وغيره، فإنَّه سبحانه الخبيرُ بكُنْه الأمور، وهو خطابٌ للنبيِّ وَِّ، ويجوزُ أن يكونَ غيرَ مختصٍّ، أي: لا يخبركَ أيُّها السامعُ كائناً من كنتَ مخبرٌ هو مثلُ الخبير العالم الذي لا تَخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء، والمراد: تحقيقُ ما أخبر سبحانه به من حال آلهتهم، ونفيُّ ما يَدَّعون لهم من الإلهيّة. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ذلك من تمام ذكر الأصنام، كأنَّه قيل: ولا يخبرك مخبرٌ مثلُ مَن يخبرك عن نفسه، وهي قد أخبرت عن أنفسها بأنَّها ليست بآلهة(٢). وفيه من البعد ما فيه. ﴿وَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ﴾ في أنفسكم، وفيما يعنُّ لكم من أمرٍ مهمٍّ أو خطبٍ ملمّ. وتعريف ((الفقراء)) للجنس أو للاستغراق، إذ لا عهد، وعُرِّفَ كذلك للمبالغة في فقرهم، كأنَّهم لكثرة افتقارهم وشدَّة احتياجِهم هم الفقراء فحسب، وأنَّ افتقارَ سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم بمنزلة العدم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَحِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. ولا يَرِدُ الجنُّ، إذ هم لا يحتاجون في المطعم والملبس وغيرهما كما يحتاجُ (١) ديوان ذي الرمة ٢/ ٨٢١، وعجز البيت الأول فيه: فما زلت أبكي عنده وأخاطبُه (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٤٣٤.