Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٣
١٦١
سُو الأنظلم
وقوله تعالى: ﴿يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بالمطر والنبات، كلامٌ مبتدأ لا محلّ
له من الإعراب، لا صفة ((خالق)) باعتبار لفظه أو محلِّه.
قال في ((الكشف)): لأنَّ المعنى على التقريع والتذكير بما هم معترفون به،
فكأنَّه قيل: هل من خالقٍ لتلك النعم التي أمرتم بذكرها، أو مطلقاً - وهو أولى،
وتدخل دخولاً أوَّليّاً - غير الله، ثم تمَّم ذلك بأنَّه يرزُقكم من السماء والأرض،
وذلك أيضاً يقتضي اختصاصه تعالى بالعبادة، كما أنَّ الخالقيَّة تقتضي ذلك. وفيه
أنَّ الخالقَ لا يكونُ إلَّا رازقاً، ولو قيل: هل من خالقٍ رازقٍ من السماء والأرض
غيرُ الله؟ يخرج الكلام عن سَنَته المقصود.
وجوزَ أن يكون ((خالق)) فاعلاً لفعلٍ مضمرٍ يفسِّره المذكور، والأصل: هل
يرزقكم خالقٌ، و((من)) زائدة في الفاعل.
وتُعقِّبَ بأنَّ ما في النظم الجليل إن كان من باب: هل رجلٌ عرف؟ فقد صرَّح
السكاكيُّ(١) بقبح هذا التركيب؛ لأن «هل)) إنما تدخلُ على الجملة الخبرية، فلا بدَّ
من صحتها قبل دخول ((هل))، و:رجل عرف، لا يصحُّ بدون اعتبار التقديم
والتأخير؛ لعدم مصحِّح الابتدائية سواه، وإذا اعتبر التقديم والتأخير كان الكلامُ
مفيداً لحصول التصديق بنفس الفعل، فلا يصحُّ دخول ((هل)) عليه؛ لأنَّها لطلب
التصديق، وما حُصِّلَ لا يُظْلَب؛ لئلا يلزمَ تحصيلُ الحاصل، ولاحتمال أنْ يكون
رجل فاعلَ فعلٍ محذوف؛ قال بالقبح دون الامتناع.
وإن كان من باب: هل زيد عرف؟ فقد صرَّح العلّامة الثاني السعدُ التفتازانيُّ
بأنَّه قبيحٌ باتِّفاق النحاة، وأنَّ ما ذكره صاحب ((المفضَّل)) من أنَّ نحو: هل زيد
خرج؟ على تقدير الفعل: تصحيحٌ للوجه القبيح البعيد، لا أنَّه شائعٌ حسنٌّ، غايةٌ
ما في الباب أنَّ سببَ قبحه ليس ما ذكر في قبح: هل زيد عرف؟ عند السكاكيّ؛
لعدم تأتِيه فيه، بل السبب أنَّ ((هل)) بمعنى ((قد)) في الأصل، وأصله: أَهَلْ،
کقوله :
(١) في مفتاح العلوم ص ٣٠٨-٣٠٩.

سُ الأَفَظلم
١٦٢
الآية : ٣
أهل عرفتَ الدار بالغرتين(١)
وترك الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام، فأقيمت هي مقام الهمزة
وتطفَّلت عليها في الاستفهام، و((قد)) من لوازم الأفعال، فكذا ما هي بمعناها، ولم
يقبح دخولها على الجملة الاسمية التي طرفاها اسمان؛ لأنَّها إذا لم تر الفعل في
حيِّزها تتسلَّى عنه ذاهلةً، وهذا بخلاف ما إذا رأته، فإنَّها حينئذٍ تتذكر عهوداً
بالحمى، وتحنُّ إلى الإلف المألوف، وتطلبُ معانقته، ولم ترضَ بافتراق الاسم
بينهما، ويعلمُ من هذا أنَّه لا فرقَ عند النحاة بين: هل رجل عرف؟ و: هل زید
عرف؟ في القبح، لذلك.
وأجابَ بعضُهم بأنَّ مُجوِّزَ هذا الوجه الزمخشريُّ ومتابعوه، وهو لا يسلِّم
ما ذكر؛ لأنَّ حرفَ الشرط كان مثلاً ألزمَ للفعل من ((هل))؛ لأنَّه لا يجوزُ دخولُه
على الجملة الاسميَّة التي طرفاها اسمان كما دخلت عليها ((هل))، وقد جازَ بلا قبحٍ
عملُ الفعل بعده على شريطة التفسير، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَّ
أُسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، فيجوز في ((هل)) بالطريق الأَوْلَى.
وقيل: يجوز أن يكون ((يرزقكم)) إلخ مستأنفاً في جواب سؤالٍ مقدَّر، تقديره:
أيُّ خالقٍ يسأل عنه؟ وأن يكون هو الخبر لـ ((خالق)).
ولا يخفى على متأمِّلٍ أنَّ ما نقل عن ((الكشف)) قاضٍ بمرجوحيَّة هذه الأوجه
جميعها، فتأمّل.
وفي الآية على ما هو الأَوْلَى في تفسيرها وإعرابها ردٌّ على المعتزلة في قولهم:
العبدُ خالقٌ لأفعاله، ونصرةٌ لأهل السنة في قولهم: لا خالق إلا الله تعالى.
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوٌ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ للنفي المفهوم ممَّا تقدَّم قصداً، ولم يجوِّز
(١) كذا في الأصل و(م)، وسيأتي ١٨/٢٥ بلفظ بالغَرِيَّيْن. وهو الصواب. والغريَّان: موضع
بالكوفة نحو فرسخين منها، وهو مثنى الغَرِيّ، بفتح الغين المعجمة وكسر الراء المهملة
وتشديد الياء. كذا قال عبد القادر البغدادي في الخزانة، وهو من قصيدة لخطام المجاشعي
من البحر السريع. انظر الخزانة ٢٦١/١١- ٢٦٩.

الآية : ٣
١٦٣
سُوَالأَنَظلم
جارُ الله أن يجعل صفة لـ ((خالق)) كما جعل ((يرزقكم)) صفة له، حيث قال: ولو
وصلت جملة ((لا إله إلا هو)) كما وصلت ((يرزقكم)) لم يساعد عليه المعنى؛ لأنَّ
قولَك: هل من خالقٍ آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق، غيرُ مستقيم؛ لأنَّ
قولَك: هل من خالق سوى الله، إثباتٌ لله تعالى، فلو ذهبت تقول ذلك كنتَ
مناقضاً بالنفي بعد الإثبات(١). اهـ.
وبيَّن صاحبُ (الكشف)، وجهَ المناقضة على تقدير أنْ يكون ((غير الله)) صفة،
بأنَّ الكلامَ مسوقٌ لنفي المشاركة في الصفة المحقَّقة، أعني: الخَلْق، فقولك: هل
من خالقٍ آخر سوى الله، إثباتٌ لله تعالى ونفي المشارك له فيها، ثم وصفُ الآخر
بانحصار الإلهية فيه يكون لنفي خالقيته دون تفرُّدٍ بالإلهية، والتفرُّد بالإلهية مع
مغايرته لله تعالى متناقضان؛ لأنَّ الأولَ ينفيه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، والثاني
ثبتُه مع الغير، جلَّ عن كلِّ شريكٍ ونقص.
ثم قال: والتحقيقُ في هذا أنَّ ((هل)) لإنكار ما يليها، وما تلاهُ إنْ كان من تتمَّته
ينسحبُ عليه حكم الإنكار بالتبعيَّة(٢)، وإلّا كان مُبْقَى على حاله نفياً وإثباتاً، ولمَّا
كان الكلامُ في الخالقية على ما مرَّ، لم يكن الوصفان - أعني تفرُّد الآخر بالإلهيّة
ومغايرَته للقيوم الحقِّ - مصباً له، وهما متناقضان في أنفسهما على ما بُيِّن، فيلزم
ما ذكره جارُ الله لزوماً بيِّناً . اهـ.
وقد دَفَع بتقريره ذلك كثيراً من القال والقيل، بيد أنَّه لا يخلو عن بحث،
ويمكنُ تقرير المناقضة على تقدير الوصفيَّة بوجهٍ أظهر، لعلَّه لا يخفى على
المتأمِّل، ويجوزُ أنْ يكونَ المانعُ من الوصفيَّة النظمَ المعجز، وحاكمه الذوق
السليم، والكلام في ذلك طويلٌ فتأمَّل.
والفاء في قوله سبحانه: ﴿فَنَّى تُؤْقَّكُونَ ﴾﴾ لترتيب إنكار عدولهم عن
التوحيد إلى الإشراك على ما قبلها، كأنَّه قيل: وإذا تبيَّن تفرُّده تعالى بالألوهيَّة
والخالقيّة والرازقيَّة، فمن أيِّ وجهٍ تُصرَفون عن التوحيد إلى الشرك؟!
(١) الكشاف ٣/ ٣٠٠.
(٢) في (م): بالبقية.

سُالأَنَظِّم
١٦٤
الآية : ٤ - ٥
وقوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلخ تسليةٌ له عليه الصلاة
والسلام بعموم البليَّة والوعدِ له ◌َ ﴿ والوعيدِ لأعدائه، والمعنى: وإن استمرُّوا على
أن يكذّبوك فيما بلَّغتَ إليهم من الحقِّ المبين بعد ما أقمتَ عليهم الحجّة وألقمتَهم
الحَجَر، فتأسَّ بأولئك الرسل في الصبر، فقد كذَّبهم قومُهم وصبرُوا، فجملة: ((قد
كذبت رسل من قبلك)» قائمةٌ مقام جواب الشرط، والجواب في الحقيقة: تأسَّ،
وأقيمت تلك الجملةُ مقامَه اكتفاءً بذكر السبب عن ذكر المسبّب، وجُوِّز أن تُجعَل
هي الجواب من غير تقدير، ويكون المترتّب على الشرط الإعلام والإخبار، كما في
قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِن نِعْمَلٍ فَمِنَ الَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وتنكير ((رسل)) للتعظيم والتكثير الموجبَين لمزيد التسلية، والحثِّ على التأسِّي
والصبر على ما أصابه عليه الصلاة والسلام من قومه، أي: رسلٌ أولو شأنٍ خطيرٍ
وعددٍ كثير.
﴿وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾﴾ لا إلى غيره عزَّ وجلَّ، فيجازي سبحانه كلّ منك
ومنھم بما يليقُ به.
وفي الاقتصار على ذكر اختصاص المرجع به تعالى مع إبهام الجزاء ثواباً
وعقاباً من المبالغة في الوعد والوعيد ما لا يخفى.
وقُرئ: (تَرجع)) بفتح التاء (١)، من الرجوع، والأوَّل أدخلُ في التهويل.
﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ﴾ المشار إليه بقوله سبحانه: ((وإلى الله ترجع الأمور))
من البعث والجزاء ﴿حَقٌّ﴾ ثابتٌ لا محالةَ من غير خُلْفٍ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَا﴾
بأن يذهلكم التمتُّع بمتاعها ويلهيكم التلهِّي بزخارفها عن تداركٍ ما ينفعكم يومَ
حلول الميعاد. والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإنْ توَجَّه النهيُ صورةً إليها نظيرَ
قوله تعالى: ﴿لَا يَحْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ﴾ [هود: ٨٩]، وقولك: لا أرينك هنا.
﴿وَلَا يَغْرََّّكُمْ بِالَّهِ﴾ حيث إنَّه جلَّ شأنه عفوٌ كريمٌ رؤوفٌ رحيمٌ ﴿اَلْفَرُورُ (@)
(١) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب. انظر التيسير ص ٨٠، والنشر
٢٠٨/٢-٢٠٩.

الآية : ٦ - ٧
١٦٥
سـ
الأَوَظِيم
أي: المبالغ في الغرور، وهو - على ما رويَ عن ابن عباس والحسن
ومجاهد ـ الشيطانُ، فالتعريف للعهد، ويجوز التعميم، أي: لا يغرَّنَّكم كلٌّ من
شأنُه المبالغةُ في الغرور، بأن يمنِّيكم المغفرةَ مع الإصرار على المعصية قائلاً:
إنَّ الله يغفرُ الذنوب جميعاً، فإنَّ ذلك وإن أمكن، لكن تعاطي الذنوب بهذا التوقُّع
من قبيل تناول السمّ تعويلاً على دفع الطبيعة.
وتكرير فعل النهي؛ للمبالغة فيه، ولاختلاف الغرورين في الكيفية.
وقرأ أبو حيوة وأبو السمَّال: ((الغُرُور)) بالضمِّ(١) على أنَّه مصدر غرَّه يغرُّه، وإن
قلَّ في المتعدِّي، أو جمع غَارّ، كقُعود وسُجود مصدرين وجمعين، وعلى المصدريَّة
الإسنادُ مجازيّ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ عداوةً عامَّةً قديمةً لا تكاد تزول، ويُشعِرُ بذلك
الجملةُ الاسميَّة و((لكم))، وتقديمُه للاهتمام ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ بمخالفتكم إيَّه في
عقائدكم وأفعالكم، وكونوا على حذرٍ منه في مجامع أحوالكم.
﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ تقريرٌ لعداوته، وتحذيرٌ من
طاعته، بالتنبيه على أنَّ غرضَه في دعوة شيعته إلى اتِّباع الهوى والركونِ إلى ملاذٌ
الدنيا ليس إلَّا توريطَهم وإلقاءهم في العذاب المخلد من حيث لا يشعرون، فاللام
ليست للعاقبة، وزعم ابن عطية أنَّها لها(٢).
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَمُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بسبب كفرهم، وإجابتهم لدعوة الشيطان،
واتِّباعهم لخطواته، ولعلَّ تنكير ((عذاب)) لتعظيمه بحسب المدَّة، فكأنَّه قيل: لهم
عذاب دائم شدید.
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرُ ﴾﴾ لا غايةَ
لهما بسبب ما ذُكر من الإيمان والعمل الصالح.
و((الذين كفروا)) مبتدأ، خبره: ((لهم عذاب))، وكذا ((الذين آمنوا)) و((لهم
(١) البحر المحيط ٧/ ٣٠٠، وانظر تفسير القرطبي ٣٤٦/١٧.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ٤٣٠.

سُالأَنَظِلى
١٦٦
الآية : ٨
مغفرة)) إلخ. وجَوَّزَ بعضُهم كون ((الذين كفروا)) في موضع خفض بدلاً من ((أصحاب
السعير))، أو صفةً له، أو في موضع نصب بدلاً من ((حزبه)»، أو صفة له، أو في
موضع رفع بدلاً من ضمير («ليكونوا)»، والكلُّ مفوِّتٌ لجزالة التركيب كما لا يخفى
على الأريب.
﴿أَفَنَ زُيِنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ﴾ أي: حُسِّن له عمله السيِّئ ﴿فَرَءَاهُ﴾ فاعتقده بسبب
التزيين ﴿حَسَنَّا﴾ فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، و((من)) موصولةٌ في موضع
رفع على الابتداء، والجملةُ بعدها صلتُها، والخبر محذوف، والفاء للتفريع،
والهمزة للإنكار، فإن كانت مقدَّمةً من تأخير - كما هو رأي سيبويه والجمهور في
نظير ذلك - فالمراد تفريعُ إنكار ما بعدَها على ما قبلها من الحكمين السابقين، أي:
إذا كانت عاقبةُ كلٍّ من الفريقين ما ذُكر، فليس الذي زُيِّن له الكفرُ من جهة عدوِّه
الشيطان فاعتقدَه حسناً وانهمك فيه، كمن استقبحه واجتنبَه واختار الإيمان والعمل
الصالح، وإن كانت في محلّها الأصليّ وكان العطفُ على مقدَّرٍ تكون هي داخلةً
عليه(١) - كما ذهب إليه جمعٌ - فالمرادُ إنكارُ(٢) ما في حيِّزها، ويكون التقدير:
أهما - أي: الذين كفروا والذين آمنوا وعملوا الصالحات - متساويان، فالذي زُيِّنَ له
الكفرُ من جهة عدوِّه الشيطان، فاعتقدَه حسناً وانهمك فيه، كمن استقبحَه واجتنبَه
واختارَ الإيمان والعمل الصالح؟ أي: ما هما متساويان، ليكون الذي زُيِّنَ له الكفر
كمن استقبحه، وحذف هذا الخبر لدلالة الكلام عليه، واقتضاء النظم الجليل إِيَّاه.
وقد صرَّح بالجزأين في نظير الآية الكريمة من قوله تعالى: ﴿أَفَنْ كَانَ عَلَىَ بَِّةِ
مِّن رَّيِّ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]، وقوله سبحانه: ﴿أَفَّنْ يَعْلُ أَنَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِن ◌َّيَّكَ لُّْ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ [الرعد: ١٩]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِ، فِ النَّاسِ كَمَن ◌َّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وفي التعبير عن الكافر بمن زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسناً إشارةٌ إلى غاية ضلاله،
(١) في (م): إليه.
(٢) لفظة: إنكار. ليست في (م).

الآية : ٨
١٦٧
حتى كأنَّه غلبَ على عقله، وسَلَبَ تمييزَه، فشأن المغلوب على عقله ذلك كما يشير
إليه قول أبي نواس:
حسناً عندي القبيحُ(١)
واسقني حتى تراني
وظاهرُ كلام الزجَّاج أنَّ (مَن)) شرطية، حيث قال: الجوابُ على ضربين:
أحدهما: ما يدلُّ عليه قوله تعالى: (فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ) إلخ، ويكون المعنى:
أفمن زُيِّن له سوءُ عمله فأضلَّه اللهُ ذهبت نفسُك عليهم حسرة.
وثانيهما: ما يدلُّ عليه قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ) إلخ، ويكون المعنى: أفمن زُيِّنَ له
سوءُ عمله كمن هداهُ الله تعالى(٢). وإلى ذلك ذهب ابنُ مالكٍ أيضاً(٣).
واعترض ابنُ هشام على التقدير الثاني بأنَّ الظرفَ لا يكون جواباً، وإن قلنا:
إِنَّه جملة(٤). ووجهُه أنَّ الرضيّ صرَّح بأنَّه لا يكون مستقرّاً في غير الخبر والصفة
والصلة والحال، ولم يَذكر الجواب، لا أنَّ ذلك لعدم الفاء، وتقديرُها (٥) داخلةً
على مبتدأ يكون الظرف خبره، والجملةُ بتمامها جزاءً = غير جائز؛ لما فيه من
التكلُّف، كما قيل.
وزعم بعضهم أنَّه يجوزُ أن يكون الزَّجَّاجُ قد ذهب إلى أن ((من)) موصولة،
وأطلق على خبرها الجواب لشَّبَهه به في المعنى، ألا تراهم يدخلون الفاء في خبر
الموصول الذي صلته جملةٌ فعليَّةٌ، كما يدخلونها في جواب الشرط، فيقولون:
الذي يأتيني فله درهم.
وفيه أنَّه خلاف الظاهر، ولا قرينة على إرادته سوى عدم صحة الجزائية.
(١) ديوان أبي نواس ص ١٦٩ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٦٤ .
(٣) في شرح الألفية، كما صرح بذلك الشهاب في حاشيته ٧/ ٢١٧. وانظر شرح ابن الناظم
على الألفية ص ٢٧٥ .
(٤) مغني اللبيب ص ٧٥٦ -٧٥٧ .
(٥) أي: الفاء. انظر حاشية الشهاب ٢١٧/٧.

سُ الأَفَظلم
١٦٨
الآية : ٨
وضُعِّفَ التقديرُ الأول بالفصل بين ما فيه الحذف ودليلِ المحذوف، مع خفاء
ربط الجملة بما قبلها عليه.
ولا ينبغي أنْ تكون ((من)) شرطيَّةً جوابها: فرآه؛ لما في ذلك من الركاكة
الصناعية، فإنَّ الماضيَ في الجواب لا يقترنُ بالفاء بدون («قد»، مع خفاء أمر إنكار
رؤية سوءِ العمل حسناً بعد التزيين، وتفريعِه على ما قبله من الحكمين.
وكونُ الإنكار لما أنَّ المزيِّنَ هو الشيطان العدوُّ، والتفريعُ على قوله تعالى: (إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوَّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ) = لا يخفى حالُه.
فالوجهُ المعوَّلُ عليه ما تقدَّم، وجُعل عليه قوله تعالى(١): ﴿فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ
يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَدُ﴾ تعليلاً لسبيَّة التزيين لرؤية القبيح حسناً، وفيه دفعُ استبعاد أن
يَرى الشخصُ القبيحَ حسناً بتزيين العدوِّ إِيَّاه، ببيان أنَّ ذلك بمشيئة الله عزَّ وجلَّ
التابعةِ للعلم المتعلّق بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر، وإيذانٌ بأنَّ أولئك
الكفرةَ الذين زُيِّنَ لهم سوءُ عملهم فرأوه حسناً ممَّن شاء الله تعالى ضَلالهم، وقوله
تعالى: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَزَتْ﴾ تفريعٌ عليه، أي: إذا كان الأمر كذلك
«فلا تذهب نفسك» إلخ.
وذكر المولى سعدي جلبي أنَّ الهمزةَ في ((أفمن)) على التقدير الأول من التقديرين
اللذين نُقِلا عن الزَّجَّاح لإنكار ذهاب نفسه وَّفي عليهم حسرة، والفاء في قوله
سبحانه: ((فإن الله)) إلخ تعليلٌ لما يُقْهِمه النظمُ الجليل من أنَّه لا جدوى للتحسُّر.
وفي (الكشّاف)) أنَّه تعالى لمَّا ذكرَ الفريقين؛ الذين كفروا والذين آمنوا، قال
سبحانه لنبيِّه وَّهِ: ((أفمن زُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسناً»، يعني: أفمن زُيِّنَ له سوءُ
عملِه من هذين الفريقين كمن لم يزيَّن له، فكأنَّ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام
قال: لا، فقال تعالى: ((فإنَّ الله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسُك
عليهم حسرات))(٢).
(١) في (م) :... ما تقدم جعل عليه، وقوله تعالى ...
(٢) الكشاف ٣٠١/٣.

الآية : ٨
١٦٩
سُ الأَفَظِّ
ويفهم من كلام الطيبيّ أنَّ فاء ((فلا تذهب)) جزائية، وفاء ((فإنَّ الله)) للتعليل، وأن
الجملة مقدَّمةٌ من تأخير، فقد قال: إنَّه وَِّ كان حريصاً على إيمان القوم، وأن يُسْلِكَ
الضالِّين في زمرة المهتدي، فقيل له عليه الصلاة والسلام على سبيل الإنكار لذلك:
(أفمن زُيِّنَ له سوءُ عمله)) من هذين الفريقين كمن لم يزيَّن له، فلا بدَّ أن يُقِرَّ وَّه بالنفي
ویقول: لا ، فحينئذٍ یقال له: فإذا کان کذلك «فلا تذهب نفسُك علیھم حسرات»
((فإِنَّ الله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء))، فقدَّم وأخّر. انتهى. وفيه نظر.
وفي الآيات على ما يقتضيه ظاهر كلام الزمخشريِّ لفٍّ ونشرٌ، وبذلك صرَّحَ
الطيبيُّ، ثم قال: الأحسنُ أن تجعل الآيات من الجمع والتقسيم والتفريق، فقوله
تعالى: ((يا أيها الناس إن وعد الله حق)) جَمَعَ الفريقين معاً في حكم نداء الناس،
وجَمَعَ ما لهما من الثواب والعقاب في حكم الوعد، وحذرهما معاً عن الغرور
بالدنيا والشيطان، وأمَّا التقسيمُ فهو قوله تعالى: ((الذين كفروا لهم عذابٌ شديدٌ
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ))، وأمَّا التفريق فقوله تعالى:
(أفمن زُيِّن له سوء عمله))؛ لأنَّه فرَّقَ فيه، وبيَّنَ التفاوتَ بين الفريقين، كما قال
الزمخشريُّ: أفمن زُيِّنَ له سوءُ عمله من هذين الفريقين كمن لم يزيَّن له (١). وفٌرٌعَ
على ذلك ظهورُ أنَّ الفاء في ((أفمن)) للتعقيب، والهمزةُ الداخلةُ بين المعطوف
والمعطوف عليه لإنكار المساواة، وتقريرِ البونِ بين الفريقين، وأنَّ المختارَ من
أوجهٍ ذكرها السكاكيُّ في ((المفتاح)»(٢) تقديرُ: كمن هداه الله تعالى، فحُذِف؛
لدلالة: ((فإن الله يضلُّ من يشاء ويَهدي من يشاء)).
ولهم في نظم الآيات الكريمة كلامٌ طويل غير ما ذكرناه، من أرادَه فليتَبَّع كتبَ
التفاسير والعربية، ولعلَّ فيما ذكرناه مقنعاً لمن أوتي ذهناً سليماً وفهماً مستقيماً.
والحسرات جمعُ حسرة، وهي الغمُّ على ما فاته أو الندم(٣) عليه، كأنَّه انحسَر
عنه ما حمله على ما ارتكبه، أو انحسر قواه من فرط غمٍّ، أو أدركه إعياءٌ عن
(١) الكشاف ٣٠١/٣.
(٢) ص ٢٧٩.
(٣) في (م): والندم.

سُالأَّفَظلم
١٧٠
الآية : ٨
تَدارك ما فَرَطَ منه. وانتصبت على أنَّها مفعولٌ من أجله، أي: فلا تُهلِك نفسَك
للحسرات، والجمعُ - مع أنَّ الحسرة في الأصل مصدرٌ صادقٌ على القليل
والكثير - للدلالة على تضاعف اغتمامه عليه الصلاة والسلام على أحوالهم، أو على
كثرة قبائح أعمالهم الموجبة للتأسُّف والتحسُّر.
و((عليهم)) صلةُ (تذهب))، كما يقال: هلك عليه حبّاً، و: مات عليه حزناً، أو
هو بيانٌ للمتحسّر عليه، فيكون ظرفاً مستقرّاً ومتعلَّقه مقدَّر، كأنَّه قيل: على من
تذهب؟ فقيل: عليهم. وجُوِّزَ أن يتعلَّق بـ ((حسرات)) بناءً على أنَّه يُغتَفر تقديمُ معمول
المصدر عليه إذا كان ظرفاً، وهو الذي أختارُه، والزمخشريُّ لا يجوِّزُ ذلك. وجَوَّزَ
أنْ يكون ((حسرات)) حالاً من ((نفسك)) كأنَّ كلَّها صارت حسراتٍ لفرط التحسُّر،
کما قال جرير:
مشقَ الهواجرُ لحمهنَّ مع السُّرَى حتى ذَهَبْنَ كَلَائِلاً وصُدورا(١)
يريد: رجعنَ كلاكلاً وصدوراً، أي: لم يبق إلَّا كلاكلها وصدورُها(٢). وهو
الذي ذهب إليه سيبويه(٣) في البيت، وقال المبرِّد: كلاكلاً وصدوراً: تمييزٌ محوَّلٌ
عن الفاعل، أي: حتى ذهب كلاكلها وصدورها، ومن هذا قوله:
حسراتٍ وذِكْرُهُم لي سَقامُ(٤)
فعلى إِثْرِهم تَساقَطُ نفسي
وفيه مبالغاتٌ ثلاث.
وقرأ عبيد بن عمير: ((زَيَّنَ)) مبنيّاً للفاعل، ونصب ((سوءً)). وعنه أيضاً: ((أسوأً))
على وزن أفعل، وأريدَ بأسوأ عملِهِ الشركُ.
(١) ديوان جرير ٢٢٧/١، والكتاب ١٦٢/١. قوله: مشق، أي: أذهب لحومهنّ، والكلاكل:
الصدور، كأنه أراد هنا أعلى الصدر، فلذلك ذكر معه الصدر، وَصَفَ رواحل أهزلها دُؤوب
السير في الهواجر والليل. ينظر شرح الشواهد للشنتمري ص ١٣٣ .
(٢) الكشاف ٣/ ٣٠١.
(٣) انظر الكتاب ١/ ١٦٢.
(٤) البيت لأبي دؤاد الإيادي كما في الشعر والشعراء ٢٣٩/١، والأصمعيات ص ١٨٨،
والحماسة البصرية ٢٧٨/١، وخزانة الأدب ٩/ ٥٩١.

الآية : ٩
١٧١
سُؤَالافَظِل
وقرأ طلحة: ((أمن)) بغير فاء(١)، قال صاحب ((اللوامح)): فالهمزةُ للاستخبار
والتقرير، ويجوز أن تكون للنداء، وحذف ما نودي لأجله، أي: تفكّر وارجع
إلى الله ((فإنَّ الله)) إلخ.
والظاهر أنها للإنكار، كما في قراءة الجمهور.
وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب وشيبة وأبو حيوة وحميد والأعمش
وابن محيصن: ((تُذْهِب)) مِن أَذْهَبَ مسنداً إلى ضمير المخاطب ((نفسَكَ)) بالنصب
على المفعولية، ورويت عن نافع(٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾﴾ في موضع التعليل لما قبله، وفيه وعيد للكفرة،
أي: إنَّه تعالى عليمٌ بما يصنعونه من القبائح، فيجازيهم عليه.
والآيات من قوله تعالى: (أَفَمَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ،) إلى هنا نزلت - على ما روي
عن ابن عباس - في أبي جهل ومشركي مكة، وأخرج جويبر عن الضحاك(٣) أنها
نزلت في عمر ريه وأبي جهل، حيث هدى الله تعالى عمر، وأضلَّ أبا جهل.
﴿وَاللَّهُ الَّذِيّ أَرْسَلَ الرِّيَحَ﴾ مبتدأ وخبر، وقرأ حمزة والكسائيُّ وابن كثير:
((الريحَ)) (٤)، وصيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿فَتُثِرُ سَحَابًا﴾ لحكاية الحال الماضية
استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالّة على كمال القدرة والحكمة، وكثيراً ما يفعلون
ذلك بفعلٍ فيه نوعُ تميُّزٍ وخصوصية بحالٍ تستغرب أو تهمُّ المخاطَبَ أو غير ذلك،
ومنه قول تأبَّط شرّاً:
بما لاقيتُ عند رَحَى بِطَانِ
ألا مَنْ مبلغٌ فتيانَ فَهْمٍ
بِسَهْبٍ كالصَّحيفة صَحْصَحَانِ
بأنّي قد رأيتُ الغُولَ تهوي
(١) البحر المحيط ٣٠١/٧.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٣٠١، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٥١/٢.
(٣) لباب النقول ص ١٨١، ووقع في مطبوع الدر المنثور ٢٤٥/٥: وأخرج الطبري من طريق
جويبر عن الضحاك؟! والخبر ليس في تفسير الطبري.
(٤) التيسير ص ٧٨، والنشر ٢٢٣/٢. وهي قراءة خلف من العشرة.

سُالأَفَظِم
١٧٢
الآية : ٩
أخو سفرٍ فخلِّي لي مكاني
فقلت لها كِلَانا نِضْوُ أرضٍ(١)
لها كفِّي بمصقولٍ يماني
فشدَّت شدَّةً نحوي فأهوَتْ
صريعاً لليدين وللجِرانِ (٢)
فأضربُها بلا دَهَشٍ فخرَّت
ولأنَّ الإثارة خاصِّيَّةٌ للرياح وأثرٌ لا ينفكُ - في الغالب - عنها، فلا يوجدُ إلَّا
بعد إيجادها، فيكون مستقبلاً بالنسبة إلى الإرسال، وعلى هذا يكون استعمالُ
المضارع على ظاهره وحقيقته من غير تأويل؛ لأنَّ المعتبرَ زمانُ الحكم لا زمان
التكلُّم، والفاء دالَّةٌ على عدم تراخي ذلك، وهو شيءٌ آخر.
وجُوِّزَ أن يكون الإتيانُ بما يدلُّ على الماضي ثمَّ بما يدلُّ على المستقبل إشارةً
إلى استمرار الأمر وأنَّه لا يختصُّ بزمانٍ دون زمان، إذ لا يصحُّ المضيُّ والاستقبال
في شيءٍ واحد إلّا إذا قصد ذلك.
وقال الإمام(٣): اختلافُ الفعلين لأنَّه لمّا أسندَ فعل الإرسال إلى الله تعالى،
وما يفعلُ سبحانه يكون بقوله عزَّ وجلَّ: ((كن))، فلا يُبقي في العدم زماناً ولا جزءً
زمان = جيء بلفظ الماضي دون المستقبل؛ لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنَّه كان،
وكأنه(٤) تعالى فرغَ من كلِّ شيء، فهو سبحانه قَدَّرَ الإرسال في الأوقات المعلومة،
وإلى المواضع المعينة، والتقدير كالإرسال، ولمَّا أسندَ فعل الإثارة إلى الرياح،
وهي تؤلّف في زمان قال سبحانه: (تثير)) بلفظ المستقبل. اهـ.
وأُورد عليه قوله تعالى: في سورة الروم ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرَّحَ فَتُثِيرُ سَحَابً﴾
[الآية: ٤٨]، وفي سورة الأعراف ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيْهِ﴾
[الآية: ٥٧] حيث جيء في الإرسال فيهما بالمضارع، فتأمَّل.
﴿فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ قطعةٌ من الأرض لا نباتَ فيها.
(١) في الديوان: أين.
(٢) ديوان تأبط شراً ص ٢٢٢-٢٢٥، والأغاني ١٣٤/٢١. والجران: مقدم عنق البعير من
مذبحه إلى منحره. والسهب: الفلاة. والصحصحان: ما استوى من الأرض. القاموس
(جرن) و(سهب) و(صحح).
(٣) في تفسيره ٢٦/ ٧.
(٤) في الأصل و(م): ولأنه، والمثبت من تفسير الرازي.

الآية : ٩
١٧٣
سُؤَادَةُ فَطِ
وقرئ (ميت)» بالتخفيف(١)، وهما بمعنّى واحد في المشهور.
وفي ((كلِّيَّات)) أبي البقاء الكفوي: الميْت بالتخفيف هو الذي مات، والميِّت
بالتشديد والمائت هو الذي لم يمت بعدُ، وأنشد:
وما الميْتُ إلَّا من إلى القبرِ يُحمَلُ(٢)
ومن يكُ ذا روحٍ فذلك مبِّتُ
والمعوّل عليه هو المشهور.
﴿فَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أي: بالمطر النازل منه المدلولِ عليه بالسحاب، فإنَّ
بينهما تلازماً في الذهن كما في الخارج، أو بالسحاب، فإنَّه سببُ السبب، وإحياءُ
الأرض إنباتُ الشجر والكلأ فيها ﴿بَعْدَ مَوْنِهًا﴾ يبسها وخلوِّها عن ذلك.
وإيراد الفعلين بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق، وإسنادُهما إلى نون العظمة
المنبئ عن الاختصاص به تعالى؛ لما فيهما من مزيد الصنع، ولتكميل المماثلة بين
إحياءِ الأرض وبين البعث الذي شُبِّه به بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اُلْتُّشُورُ ﴾﴾ في كمال
الاختصاص بالقدرة الربَّانيّة.
وقال الإمام عليه الرحمة: أسند ((أَرْسَل)) إلى الغائب، و((ساق)) و((أحيى)) إلى
المتكلّم؛ لأنَّه في الأول عَرَّفَ سبحانه نفسَه بفعلٍ من الأفعال، وهو الإرسال، ثمَّ
لمَّا عُرِفَ قال تعالى: أنا الذي عَرَفْتني سُقْتُ السحابَ، وأحييتُ الأرضَ، ففي
الأول كان تعريفاً بالفعل العجيب، وفي الثاني كان تذكيراً بالنعمة، فإنَّ كمالَ نعمتَي
الرِّيَاحِ والسُّحُبِ بالسَّوق والإحياء(٣). وهو كما ترى.
وقال سبحانه: ((فأحیینا به الأرض» دون: فأحییناه ـ أي: البلد المیت - به؛
تعليقاً للإحياء بالجنس المعلوم عند كلِّ أحدٍ، وهو الأرض، ولأنَّ ذلك أوفقُ بأمر
(١) هي قراءة شعبة وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. انظر التيسير ص ٨٧،
والنشر ٢٢٤/٢-٢٢٥.
(٢) الكليات ص ٨٥٨، وأورد البيت أيضاً صاحب تاج العروس (موت) وقال: قال الخليل:
أنشدني أبو عمرو. وقبله:
أيا سائلي تفسير مَيْتٍ وميِّتٍ فدونك قد فسَّرتُ إن كنت تعقلُ
(٣) تفسير الرازي ٢٦/ ٧.

سُ الآنَطلِ
١٧٤
الآية : ٩
البعث. وقال تعالى: ((بعد موتها)) مع أنَّ الإحياء مؤذِنٌ بذلك؛ لما فيه من الإشارة
إلى أنَّ الموتَ للأرض الذي(١) تعلَّق بها الإحياء معلومٌ لهم، وبذلك يَقْوَى أمرُ
التشبيه، فليتأمَّل.
و((النشور)) على ما في ((البحر)) مصدرُ نَشَرَ الميتُ: إذا حيي، قال الأعشى:
حتى يقولَ الناس ممَّا رأوا يا عجباً للميِّت الناشر(٢)
وفي ((نهاية)) ابن الأثير: يقال: نَشَر الميتُ يَنْشُر نشوراً، إذا عاش بعد الموت،
وأنشره الله تعالى: أحياه(٣) .
وقال الراغب: قيل: نشرَ الله تعالى الميت وأنشرَه بمعنى، والحقيقة أن نَشَر الله
تعالى الميتَ مستعارٌ من نَشْرِ الثوب، أي: بَسْطِه، كما قال الشاعر:
طَوَتْكَ خطوبُ دهركَ بعد نشر كذاك خطوبُهُ طِيّاً ونشرا (٤)
والمراد بالنشور هنا إحياءُ الأموات في يوم الحساب، وهو مبتدأ، والجارّ
والمجرور قبلَه في موضع الخبر. وقيل: الكاف في حيِّز الرفع على الخبرية، أي:
مِثْلُ ذلك الإحياءِ الذي تشاهدونَه إحياءُ الأموات يومَ القيامة، في صحَّة المقدوريَّة،
وسهولة التأتِّي، من غير تفاوتٍ بينهما أصلاً، سوى الإلف في الأول دون الثاني.
وقال أبو حيان: وقع التشبيهُ بجهات؛ لمَّا قبلت الأرض الميتة الحياةَ اللائقة
بها، كذلك الأعضاء تقبلُ الحياة، أو كما أنَّ الريحَ تجمعُ قِطَعَ السحاب، كذلك
يجمعُ الله تعالى أجزاء الأعضاء وأبعاض الموتى، أو كما يسوق سبحانه السحابَ
إلى البلد الميت يسوقُ عزَّ وجلَّ الروحَ والحياة إلى البدن(٥) .
وقال بعضهم: التشبيه باعتبار الكيفية. فقد أخرج ابنُ جرير وغيرُه عن
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: التي.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٣٠٢، والبيت في ديوان الأعشى ص١٩١.
(٣) النهاية (نشر).
(٤) المفردات (نشر)، والبيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص ٤٤٢، وفيه: نشراً وطيًّا.
(٥) البحر المحيط ٣٠٣/٧.

الآية : ٩
١٧٥
سُالأَفَظلم
رُه قال: يقومُ مَلَك بالصور بين السماء والأرض، فينفخُ فيه،
عبد الله بن مسعود
فلا يبقى خلقٌ لله في السماوات والأرض إلَّا مَن شاء الله تعالى إلَّا ماتَ، ثم
يرسل الله تعالى من تحت العرش ماءً كمنيٌّ الرجال، فتنبتُ أجسامهم من ذلك
الماء، وقرأ الآية، ثم يقوم مَلَكٌ فينفخ فيه، فتنطلقُ كلُّ نفسٍ إلى جسدها (١).
وفي حديث مسلم مرفوعاً: ((يُنزلُ الله تعالى مطراً كأنَّه الظَّلُّ، فينبتُ أجساد
الناس))(٢).
ونباتُ الأجساد من عَجْب الذنب، على ما ورد في الآثار، وقد جاء أنَّه
لا يبلى، وهو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز (٣).
وقال أبو زيد الوقواقي(٤): هو جوهرٌ فردٌ يبقى من هذه النشأة لا يتغيَّر.
ولا حاجةً إلى التزام أنَّه جوهرٌ فردٌ.
ووراء ذلك أقوالٌ عجيبة في هذا العجب، فقيل: هو العقل الهيولانيّ، وقيل: بل
الهيولى، وعن الغزالي: إنَّما هو النفس، وعليها تنشأ النشأة الآخرة. وعن الشيخ
الأكبر(٥) أنَّه العين الثابت من الإنسان، وعن بعض المتكلِّمين أنَّه الأجزاءُ الأصلية.
وقال الملَّا صدرا الشيرازي في «أسفاره): هو عندنا القوَّة الخياليَّة؛ لأنَّها آخر
الأكوان الحاصلة في الإنسان، من القوى الطبيعية والحيوانية والنباتية المتعاقبة في
الحدوث للمادة الإنسانيَّة في هذا العالم، وهي أول الأكوان الحاصلة في النشأة
الآخرة. ثم بيَّن ذلك بما بَيَّن، وإنَّه لأضعف من بيت العنكبوت وأوهن، والمعوَّلُ
عليه ما يوافقُ فهمَ أهل اللسان، وأيُّ حاجةٍ إلى التأويل بعد التصديق بقدرة الملك
الديَّن جلَّ شأنُه وعَظُم سلطانه.
(١) الدر المنثور ٢٤٥/٥، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. وهو عند الطبري في
تفسيره ٣٣٦/١٩.
(٢) صحيح مسلم (٢٩٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها، وفيه: ((فتنبت منه أجساد الناس)).
(٣) انظر ما سلف عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الإسراء.
(٤) كما في الفتوحات المكية ٣١٢/١، وفيه: الرقراقي. ولم أعرفه.
(٥) ينظر الفتوحات المكية ٣١٢/١.

سُوَالأَنَظلم
١٧٦
الآية : ١٠
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ الشرفَ والمَنَعَةَ من قولهم: أرضٌ عَزَاز، أي: صُلبة،
وتعريفُها للجنس، والآية في الكافرين؛ كانوا يتعزَّزون بالأصنام، كما قال تعالى:
﴿وَخَذُواْ مِن دُونِ الَّهِ وَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا﴾ [مريم: ٨١] والذين آمنوا بألسنتهم من
غير مواطأة قلوبِهم؛ كانوا يتعزَّزون بالمشركين، كما قال سبحانه: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ
اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ أَيَبْئَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩].
و (من) اسم شرط، وما بعده فعل الشرط، والجمع بين ((كان)) و((يريد)) للدلالة
على دوام الإرادة واستمرارها، وقوله تعالى: ﴿فَلَّهِ آلْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ دليل الجواب،
ولا يصحُّ جعله جواباً من حيث الصناعة؛ لخلوِّه عن ضميرٍ يعود على ((مَنْ))، وقد
قالوا: لا بدَّ أن يكون في جملة الجواب ضميرٌ يعود على اسم الشرط إذا لم يكن
ظرفاً، والتقدير: من كان يريد العزَّةَ فليطلبها من الله تعالى، فلله وحده لا لغيره
العزّةُ، فهو سبحانه يتصرَّفُ فيها كما يريد، فوضع السببَ موضع المسبَّب؛ لأنَّ
الطلبَ ممن هي(١) له وفي ملكه جميعها مسبّبٌ عنه.
وتعريفُ ((العزَّة)) للاستغراق بقرينة ((جميعاً))، وانتصابُه على الحال، والمراد عزَّةُ
الدنيا والآخرة، وتقديمُ الخبر على المبتدأ للاختصاص كما أشرنا إليه.
ولا ينافي ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لأنَّ
ما الله تعالى وحدَه العزَّةُ بالذات، وما للرسول وَّهِ العزَّةُ بواسطة قُرْبِه من الله تعالى،
وما للمؤمنين العزَّةُ بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكأنَّه للإشارة إلى ذلك
أعيد الجارُّ.
وقَدَّر بعضهم الجوابَ: فليطع الله تعالى، وأيِّدَ بما رواه أنس - كما في ((مجمع
البيان)) - عن النبيِّ وَ ﴿﴿ه قال: ((إنَّ ربكم يقول كل يوم: أنا العزيزُ، فمن أراد عزَّ
الدارين فليطع العزيز))(٢).
(١) في الأصل: هو. والمثبت من (م) وحاشية الخفاجي ٢١٨/٧.
(٢) مجمع البيان ٢٣٠/٢٢. والحديث أخرجه الخليلي في الإرشاد ٩٢١/٣، والخطيب في
تاريخ بغداد ٦٠/٦، ١٧١/٨، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/١٢، والقزويني في التدوين
في أخبار قزوين ٨٦/٢.

الآية : ١٠
١٧٧
سُؤالأنَظلم
ومن قَدَّر: فليطلبها من الله تعالى، قال: إنَّ الطلبَ منه تعالى إنَّما يكونُ
بالطاعة والانقياد.
وعن الفرَّاء: المعنى: من كان يريدُ علم العزَّة - أي: القدرة على القهر - لمن
هي؟ فلينسبها إلى الله تعالى، فهي له تعالى وحده (١).
وقيل: المعنى: من كان يريدُ العزَّةَ، أي: الغلبة، فهو مغلوبٌ؛ لأنَّ الغلبةَ لله
تعالى وحدَه، ولا تتُّ إلَّ به عزَّ وجلَّ، ونُسبَ هذا إلى مجاهد.
وقيل: تعريفُ ((العزّة)) الأولى للاستغراق أيضاً أو للعهد، والمراد الفرد
الكامل، والمعنى: من كان يريد العزَّةَ جميعها، أو الفردَ الكاملَ منها، وهي العزَّةُ
التي لا يشوبُها ذلَّةٌ من وجهٍ، فهو لا ينالُها، فإنَّها لله تعالى وحده.
وهذا القول أحسنُ من القولين قبله، وأظهرُ الأقوال عندي الأول، وهو
منسوبٌ إلى قتادة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ﴾ إلى آخره، كالبيان لطريق تحصيلِ العزَّة
وسلوك السبيل إلى نيلها، وهو الطاعةُ القوليَّةُ والفعليَّة. وقيل: بيانٌ لكون العزَّة
كلِّها لله تعالى وبيده سبحانه؛ لأنَّها بالطاعة، وهي لا يعتدُّ بها ما لم تقبل. وقيل:
استئناف كلام، وعلى الأول المعوَّل.
و ((الكلم)) اسم جنسٍ جمعيٍّ عند جمع، واحدُه: كلمة، والمراد بـ ((الكلم
الطيب)) على ما في ((الكشاف)) و((البحر)) عن ابن عباس: لا إله إلا الله (٢). ومعنى
كونه طيِّياً - على ما قيل - أنَّ العقلَ السليمَ يستطِيبُه ويستلذَّه؛ لما فيه من الدلالة على
التوحيد الذي هو مدار النجاة، والوسيلة إلى النعيم المقيم، أو يستلذَّه الشرع، أو
الملائكةُ عليهم السلام.
وقيل: إنَّه حسنٌ يقبله العقلُ ولا يردُّه.
= قال الخليلي: ولا يعرف له إسنادٌ غيره.
وأورده الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ٨٤/٤ في ترجمة سعيد بن هبيرة، من غرائبه.
(١) معاني القرآن للفراء ٣٦٧/٢.
(٢) الكشاف ٣/ ٣٠٢، والبحر المحيط ٣٠٣/٧.

سُالأَفَظلم
١٧٨
الآية : ١٠
وإطلاقُ الكلم على ذلك إنْ كان واحدُه هنا (١) الكلمةَ بالمعنى الحقيقيِّ ظاهرٌ؛
لتضمُّنه عدَّةَ كلمات، لكن في وصفه بالطيِّب بالنظر إلى غير الاسم الجليل خفاءٌ،
ولعلَّ ذلك باعتبار خصوصيَّة التركيب. وإن كان واحدُهُ هنا الكلمة بالمعنى
المجازيِّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٥]، و: ﴿كَلَّ إِنَّهَا
كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أصدقُ كلمة قالها
شاعر كلمةُ لبيد))(٢)، وقولهم: ((لا إله إلا الله)) كلمةُ التوحيد، إلى ما لا يُحصى
كثرةً، فإطلاقُ الكلم على ذلك؛ لتعدُّده بتعدُّد القائل، وكأنَّ القرينةَ على إرادة
المعنى المجازيٌّ للكلمة الصادقِ على الكلام الوصفُ بالطيب، بناءً على أنَّ
ما يستطيب ويستلذُّ هو الكلام دون الكلمة العريَّة عن إفادة حكم تنبسطُ منه النفس
أو تنقبض.
أو يقال: إنَّ كثرةَ إطلاق الكلمة على الكلام وشيوعه فيما بينهم، حتى قال
بعضهم - كما نقل الحمصيُّ في ((حواشي التصريح)) عن بعض شرَّاح الآجرومية -:
إِنَّه حقيقيةٌ لغويَّة = تغني عن القرينة.
وأخرجَ ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الأسماء
والصفات)) عن الحبر أنَّ فسَّر ((الكلم الطيب)) بذكر الله تعالى(٣).
وقيل: هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر. وهو ظاهرُ
أثرٍ أخرجه ابن مردويه والديلميُّ عن أبي هريرة(٤).
وقيل: هو: سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر،
وتبارك الله. وهو ظاهرُ أثرٍ أخرجه جماعةٌ عن ابن مسعود(٥).
(١) لفظة: هنا، ليست في (م).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦): (٣) من حديث أبي هريرة ﴿ه.
(٣) تفسير الطبري ٣٣٩/١٩، والأسماء والصفات (٨٩٩).
(٤) هو في الدر المنثور ٢٤٥/٥-٢٤٦.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٣٨/١٩، والطبراني في الكبير (٩١٤٤)، والبيهقي في الأسماء
والصفات (٦٦٧)، والحاكم ٤٢٥/٢.
=

الآية : ١٠
١٧٩
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب أنَّه القرآن(١).
وقيل: هو الثناءُ بالخير على صالحي المؤمنين.
وقيل: هو الدعاءُ الذي لا ظلمَ فيه.
وقال الإمام - وبه أقتدي -: المختارُ أنَّه كلُّ كلام هو ذكرُ الله تعالى، أو هو الله
سبحانه كالنصيحة والعلم (٢).
وأمَّا ما أفاده كلام الملَّا صدرا في ((أسفاره)) من أنَّه النفوسُ الطاهرة الزكيَّة،
فإنَّه تطلقُ الكلمة على النفس إذا كانت كذلك، كما قال تعالى في عيسى عليه
السلام: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَلِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] = فلا ينبغي أن يعدَّ في عداد
أقوال المفسرين كما لا يخفى.
وصعود الكلم إليه تعالى مجازٌ مرسلٌ عن قَبوله بعلاقة اللزوم، أو استعارةٌ
بتشبيه القَبول بالصعود. وجُوِّزَ أنْ يُجعَلَ الكلمُ مجازاً عما كُتب فيه بعلاقة الحلول،
أو يقدَّرَ مضافٌ، أي: إليه يصعدُ صحيفةُ الكلم الطيب، أو يُشبَّهَ وجودُه الخارجيّ
هنا ثم الكتابيُّ في السماء بالصعود، ثمَّ يطلقَ المشبّه به على المشبّه، ويُشتَقَّ منه
الفعلُ على ما هو المعروف في الاستعارة التبعيّة.
وقيل: لا مانعَ من اعتبار حقيقة الصعود للكلم، فلله تعالى تجسيدُ المعاني،
وكونِ الصعود إليه عزَّ وجلَّ من المتشابه، والكلامُ فيه شهير، والكلامُ بعد ذلك
كنايةٌ عن قَبوله والاعتناء بشأن صاحبه، وتقديم الجارِّ والمجرور لإفادة الحصر.
وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وابن مسعود ◌ُه والسلميُّ وإبراهيم: ((يُضْعِدُ))
من أَصعَد، ((الكلامَ الطَّيِّبَ)) بالنصب(٣) .
= قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٠/١٠: رواه الطبراني، وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه
اختلط، وبقية رجاله ثقات.
(١) الدر المنثور ٢٤٦/٥.
(٢) تفسير الرازي ٨/٢٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٢٣، والدر المصون ٢١٧/٩، وفيه: الكلم، بدل: الكلام.

١٨٠
الآية : ١٠
وقال ابنُ عطية: وقرأ الضحاك: ((يُصْعد)) بضمِّ الياء (١). ولم يَذْكُر مبنيًّا للفاعل
ولا مبنيًّا للمفعول، ولا إعرابَ ما بعده. وفي ((الكشاف)): وقُرِئ: ((إليه يُصْعَد
الكلمُ الطيب)» على البناء للمفعول، و((إليه يُصعِدُ الكلمَ الطيِّبَ)) من أصعدَ،
والمُصْعِدُ هو الرجل، أي: يُصْعِدُ إلى الله عزَّ وجلَّ الكلمَ الطيِّبَ(٢).
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴾: ((إليه يَصْعَدُ)) من صَعِد ((الكلامُ)) بالرفع(٣).
﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُذُ﴾ مبتدأ وخبرٌ على المشهور، واختلف في فاعل ((يرفع))
فقيل: ضميرٌ يعودُ على العمل الصالح، وضميرُ النصب يعودُ على ((الكلم))، أي:
والعمل الصالح يرفعُ الكلمَ الطيِّب، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وابن جبير
ومجاهد والضحاك وشهر بن حوشب على ما أخرجه عنه(٤) سعيد بن منصور
وغيره(٥) .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الأسماء
والصفات)) عن ابن عباس أنَّه فسَّر العملَ الصالح بأداء الفرائض، ثمَّ قال: فمن
ذكرَ الله تعالى وأدَّى فرائضَه، حملَ عملُه ذكرَ الله تعالى فصعد به إلى الله
تعالى، ومن ذكر الله تعالى ولم يؤدِّ فرائضَه رُدَّ كلامُه على عمله وكان عملُه
أولَی به(٦).
وتَعقَّب ذلك ابنُ عطية فقال: هذا قولٌ يردُّه(٧) معتقد أهل السنة، ولا يصحُّ عن
ابن عباس، والحقُّ أنَّ العاصيَ بترك فرائضه إذا ذكرَ الله تعالى وقال كلاماً طيباً،
(١) المحرر الوجيز ٤٣١/٤.
(٢) الكشاف ٣٠٢/٣.
(٣) البحر المحيط ٣٠٣/٧.
(٤) لفظة: عنه. ليست في الأصل.
(٥) الدر المنثور ٢٤٦/٥، وزاد نسبته إلى ابن جرير وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب.
وهو عند الطبري في تفسيره ٣٣٩/١٩، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٤٧).
(٦) تفسير الطبري ٣٣٩/١٩، والأسماء والصفات للبيهقي (٨٩٩)، وسلف بعضه قريباً.
(٧) في الأصل و(م): يرد. والتصويب من المحرر الوجيز ٤٣١/٤، وتفسير القرطبي ٣٥٦/١٧،
والبحر المحيط ٣٠٣/٧.