Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الآية : ١٢
وما ذكره في تدمر هو المشهور عند العامة، وقد ذكر ذلك الثعالبيُّ في ((تفسيره))
مع الأبيات المذكورة (١)، لكن في ((القاموس)): تَدْمُر، كتَنْصُر: بنتُ حسان بن
أُذَيْنَة، بها سمِّيت مدينتها(٢). وهو ظاهرٌ في المخالفة، ولعلَّ التعويل على ما فيه إنْ
لم يمكن الجمعُ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((غَدوتها))، و((رَوحتها)) على وزن فَعْلَةِ(٣)، وهي المرَّة
الواحدة من غدا وراح.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْفِطْرِ﴾ أي: النحاس الذائب، من قَطر يقطُر قطراً وقَطراناً
بسكون الطاء وفتحها(٤). وقيل: الفِلِزَّات؛ النحاس والحديد وغيرهما. وعلى
الأول جمهور اللغویین.
وأريد بـ ((عين القِطر)) مَعْدِنُ النحاس، ولكنَّه سبحانه أساله كما ألانَ الحديدَ
لداود، فنبع كما ينبعُ الماءُ من العين، فلذلك سُمِّيَ عينَ القطر باسم ما آل إليه.
وذكر الجلبيُّ أنَّ نسبةَ الإسالة إلى العين مَجازيَّةٌ، كما في: جرى النهر.
وقال الخفاجيّ(٥): إن كانت العينُ هنا بمعنى الماء المَعين، أي: الجاري،
وإضافتُها كما في لجين الماء، فلا تَجوُّزَ في النسبة، وإنَّما هو من مجازِ الأَوْل،
على أن العينَ منبع الماء، ولا حاجة إليه. اهـ. فتأمَّل.
وقال بعضهم: القِطْر: النحاس، و((عين)) بمعنى ذات، ومعنى ((أسلنا)): أذبنا،
فالمعنى: أذبنا له النحاس على نحو ما كان الحديد يلينُ لداودَ عليه السلام، فكانت
الأعمالُ تتأثَّى منه وهو باردٌ دون نار، ولم يَلِنْ ولا ذَابَ لأحدٍ قبلَه.
= الخزانة ٤٠٥/٣: الفَنَد بفتح الفاء والنون: خطأ الرأي والصنيع، وقال ابن الأعرابي:
الفند: الظلم. اهـ.
(١) تفسير أبي إسحاق الثعلبي ٧٤/٨.
(٢) القاموس (تدمر).
(٣) البحر المحيط ٢٦٤/٧.
(٤) وأما القطران المعروف فبكسرها. حاشية الشهاب ٧/ ١٩٤.
(٥) في حاشيته ٧/ ١٩٤.

سُورَةٌلَبًا
٤٢
الآية : ١٢
والظاهر المؤيَّدُ بالآثار أنَّه تعالى جعلَه في مَعْدِنه عيناً تسيلُ كعيون الماء؛ أخرج
ابن المنذر عن عكرمة أنَّه قال في الآية: أَسَالَ اللهُ تعالى له القطرَ ثلاثة أيَّامِ، يسيلُ
كما يسيل الماء، قيل: إلى أين؟ قال: لا أدري.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ قال: سُيِّلَتْ له عينٌ من نحاسٍ ثلاثةَ أيام(١).
وفي ((البحر)) عن ابن عباس والسُّدِّيِّ ومجاهد قالوا: أُجريت له عليه السلام
ثلاثةَ أيام بلياليهنَّ، وكانت بأرض اليمن. وفي روايةٍ عن مجاهد أنَّ النَّحاسَ سالَ
من صنعاء(٢). وقيل: كان يسيلُ في الشهر ثلاثة أيام.
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يحتملُ أنْ يكونَ الجارُّ والمجرور متعلِّقاً
بمحذوفٍ هو خبرٌ مقدَّم، و((مَنْ)) في محلِّ رفع مبتدأ، ويحتملُ أن يكون متعلّقاً
بمحذوفٍ وقع حالاً مقدَّماً من ((مَنْ))، وهي في محلِّ نصبٍ، عطف على ((الريح)).
وجُوِّز أن يكون ((من الجن)) عطفاً على ((الريح))، على أنَّ (مِنْ)) للتبعيض، و((من
يعمل)) بدلٌ منه. وهو تكلُّف.
و(يعمل)) إمَّا منزَّلٌ منزلةَ اللازم، أو مفعوله مقدَّرٌ يفسِّره ما سيأتي إن شاء الله
تعالى؛ ليكون تفصيلاً بعد الإجمال، وهو أوقعُ في النفس.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بأمره عزَّ وجلَّ ﴿وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يعدل منهم
عمَّا أمرناه به من طاعة سليمان عليه السلام.
وقرئ: ((يُزِغْ)) بضمِّ الياء من أزاغ مبنيّاً للفاعل(٣)، ومفعوله محذوف، أي:
من يُمل ويصرف نفسَه أو غيره. وقيل: مبنيّاً للمفعول فلا يحتاج إلى تقدير
مفعول (٤).
(١) الأثران في الدر المنثور ٢٢٨/٥.
(٢) البحر المحيط ٢٦٤/٧.
(٣) القراءات الشاذة ص١٢١، والبحر المحيط ٢٦٥/٧.
(٤) ينظر حاشية الشهاب ٧/ ١٩٤.

الآية : ١٣
٤٣
سُورَةَ سَبَاء
)﴾ أي: عذاب النار في الآخرة، كما قال أكثر
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ
١٢
المفسّرين، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال بعضهم: المراد تعذيبه في الدنيا، ورُوي عن السُّدِّيِّ أنَّه عليه السلام كان
معه مَلَكٌ بيده سَوظٌ من نار، كلَّما استعصَى عليه جنيٍّ ضربهَ من حيث لا يراه
الجنيُّ. وفي بعض الروايات أنَّه كان يَحْرِقُ من يخالفُه.
واحتراقُ الجِنِّيِّ مع أنَّه مخلوقٌ من النار غيرُ منكرٍ، فإنَّه عندنا ليس ناراً محضةً،
وإنَّما النارُ أغلب العناصر فيه.
﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ﴾ جمع: محراب، وهو - كما قال عطية - القصر،
وسمي باسم صاحبه؛ لأنه يحارب غيره في حمايته، فإنَّ المحراب في الأصل من
صيغ المبالغة اسمٌ لمن يكثر الحرب، وليس منقولاً من اسم الآلة، وإن جَوَّزهُ
بعضهم، ولا بن حَيُّوس(١) :
جمعَ الشجاعةَ والخشوعَ لربِّه
ما أحسنَ المحراب في محرابه (٢)
ويطلق على المكان المعروف الذي يقفُ بحذائه الإمام، وهو مما أُحدِث في
المساجد، ولم يكن في الصدر الأوَّل، كما قال السيوطيُّ، وألَّف في ذلك
رسالةٌ(٣)، ولذا كَرِهَ الفقهاءُ الوقوفَ في داخله.
وقال ابن زيد: المحاريب: المساكن.
وقيل: ما يصعدُ إليه بالدرج، کالغرف.
وقال مجاهد: هي المساجد، سمِّيت باسم بعضها تجوُّزاً على ما قيل. وهو
مبنيٌّ على أنَّ المحراب اسمٌ لحجرةٍ في المسجد يُعبَدُ الله تعالى فيها، أو لموقف
الإمام.
(١) هو شاعر الشام، أبو الفتيان، محمد بن سلطان بن محمد بن حَيُّوس، الغنوي صاحب
الديوان. مات بحلب سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة. سير أعلام النبلاء ٤١٣/١٨.
(٢) البيت في ديوانه ٩٩/١، وسلف ١٤٧/٤، وفيه: المحراب. بدل: محرابه.
(٣) سماها: إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب. وقد طبعت أكثر من مرة.

◌ُوٌ لا ◌َكبا
٤٤
الآية : ١٣
وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة تفسيرَها بالقصور والمساجد معاً(١).
وجملة ((يعملون له ما يشاء)) استئنافٌ لتفصيل ما ذُكر من عملهم، وجُوِّزَ كونُها
حالاً. وهو كما ترى.
﴿وَتَمَثِيلَ﴾ قال الضَّحَّاك: كانت صورَ حيوانات. وقال الزمخشريُّ: صور
الملائكة والأنبياء والصلحاء، كانت تُعمَل في المساجد من نحاس وصُفْر وزجاج
ورخام؛ ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم(٢)، وكان اتخاذُ الصُّور في ذلك الشرع
جائزاً، كما قال الضخَّاك وأبو العالية.
وأخرج الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) عن ابن عباس أنَّه قال في الآية:
أَنَّخذ سليمانُ عليه السلام تماثيلَ من نحاس، فقال: يا ربّ انفخ فيها الرح، فإنَّها
أقوى على الخدمة. فنفخ (٣) الله تعالى فيها الروح، فكانت تخدمُه، وإسفنديار من
بقاياهم(٤).
وهذا من العجب العجاب، ولا ينبغي اعتقادُ صحَّته، وما هو إلَّا حديثُ خرافة.
وأمَّا ما روي من أنَّهم عملوا له عليه السلام أسدين في أسفل كرسيه، ونَسرين
فوقه، فإذا أراد أن يصعدَ بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعدَ أظلَّه النسران
بأجنحتهما؛ فأمرٌ غيرُ مستبعدٍ، فإنَّ ذلك يكونُ بآلاتٍ تتحرَّك عند الصعود وعند القعود،
فتحرِّكُ الذراعين والأجنحة. وقد انتهت صنائعُ البشر إلى مثل ذلك في الغرابة.
وقيل: التماثيلُ ◌ِلَّسْمات(٥)، فتعمل تمثالاً للتمساح أو للذباب أو للبعوض،
فلا يتجاوزُه الممثَّل به ما دام في ذلك المكان، وقد اشتهر عملُ نحو ذلك عن
(١) الدر المنثور ٢٢٨/٥.
(٢) الكشاف ٣/ ٢٨٢.
(٣) في (م): فينفخ.
(٤) نوادر الأصول ص١١٢ .
(٥) الطَّلَّسم: خطوط وأعداد يَزعُم كاتبها أنَّه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع
السفلية؛ لجلب محبوب أو دفع أذى، وهو لفظ يوناني لكلِّ ما هو غامضٌ مبهمٌ، كالألغاز
والأحاجي. المعجم الوسيط (طلسم).

الآية : ١٣
٤٥
سُوَلاَ سَبًا
الفلاسفة، وهو مما لا يتمُّ عندهم إلا بواسطة بعض الأوضاع الفلكيّة، وعلى الباب
الشهيرة بباب الطلسم من أبواب بغداد تمثالُ حيَّةٍ يزعمونَ أنَّه لمنع الحيَّات عن
الإيذاء داخلَ بغداد، ونحن قد شاهدنا مراراً أناساً لسعتهم الحيَّات، فمنهم من لم
يتأذَّ، ومنهم من تأذَّى يسيراً، ولم نشاهد موت أحدٍ من ذلك، وقلَّما يسلمُ مَن
لَسَعَتْهُ خارجَ بغداد، لكن لا نعتقدُ أنَّ لذلك التمثال مدخلاً فيما ذُكر، ونظنُّ أنَّ ذاك
لضعف الصنف الموجود في بغداد من الحيَّات، وقلَّة شرِّه بالطبيعة.
وقيل: كانت التماثيل صور شجرٍ، أو حيوانات محذوفة الرؤوس ممَّا جُوِّزَ في
شرعنا .
ولا يُحتاج إلى التزام ذلك إلَّا إذا صحَّ فيه نقلٌ، فإنَّ الحقَّ أنَّ حرمةَ تصوير
الحيوان كاملاً لم تكن في ذلك الشرع، وإنَّما هي في شرعنا، ولا فرقَ عندنا بين
أنْ تكونَ الصورةُ ذات ظلِّ وأن لا تكون كذلك، كصورة الفرس المنقوشة على
کاغد أو جدارٍ مثلاً .
وحكى مكِّيٌّ في ((الهداية))(١) أنَّ قوماً أجازوا التصوير، وحكاه النَّحاسُ(٢)
أيضاً، وكذا ابنُ الفرس(٣)، واحتجُوا بهذه الآية.
وأنت تعلمُ أنَّه وَرد في شرعنا من تشديد الوعيد على المصوِّرين ما ورد،
فلا يلتفتُ إلى هذا القول ولا يصحُّ الاحتجاجُ بالآية. وكأنَّه إنَّما حرمت التماثيل؛
لأنَّه بمرورِ الزمان اتخذها الجهلةُ ممَّا يعبدُ، وظنُّوا وضعَها في المعابد لذلك،
فشاعت عبادةُ الأصنام، أو سدًّا لباب التشبُّه بمتَّخذي الأصنام بالكُلِّيَّة.
﴿وَحِفَانٍ﴾ جمع: جَفْنَة، وهي ما يوضع فيها الطعام مطلقاً، كما ذكره غيرُ
واحدٍ .
(١) هو الهداية إلى بلوغ النهاية، وهو في سبعين جزءاً في معاني القرآن وأنواع علومه. انظر
كشف الظنون ٢٠٤١/٢.
(٢) في إعراب القرآن له ٣٣٦/٣.
(٣) في أحكام القرآن له ٤٤٥/٣.

٤٦
الآية : ١٣
وقال بعض اللغويين: الجفنة أعظمُ القِصاع، ويليها القَصْعة، وهي ما تُشبع
العَشَرة، ويليها الصَّحْفَة، وهي ما تشبعُ الخمسة، ويليها المثكلة، وهي ما تشبع
الاثنين والثلاثة، ويليها الصحيفة، وهي ما تشبع الواحد، وعليه فالمراد هنا
المطلق؛ لظاهر قوله تعالى (كَالْجَوَابِ) أي: كالحياض العظام، جمع: جَابية، من
الجباية، أي: الجمع، فهي في الأصل مجازٌ في الطرف أو النسبة؛ لأنَّها يُجبّى
إليها، لا جابية، ثم غلبت على الإناء المخصوص غلبةَ الدابَّة في ذوات الأربع.
وجاء تشبيهُ الجفنة بالجابية في كلامهم، من ذلك قولُ الأعشى:
كجابيةِ السَّيْحِ العراقيِّ تفهقُ(١)
نَفَى الذمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ
وقول الأفوو الأوديِّ:
وقدورٍ كالرُّبى راسيةٍ وجفانٍ كالجَوابي مُتْرَعَهُ (٢)
وذُكِر في سَعة جِفان سليمان عليه السلام أنَّها كان على الواحدة منها ألفُ رجل.
وقرئ: ((كالجوابي)) بياء(٣)، وهو الأصل، وحَذْفُها للاجتزاء بالكسرة، وإجراءِ
((أل)) مجرى ما عاقبها، وهو التنوين، فكما يحذفُ مع التنوين يحذف مع ما عاقبه.
﴿وَقُدُورٍ﴾ جمع: قِدْر، وهو ما يُطْبَخ فيه من فخَّار أو غيره، وهو على شكلٍ
مخصوص.
﴿رَّاسِيَتٍ﴾ ثابتاتٍ على الأثافي، لا تنزلُ عنها لعظمها، قاله قتادة. وقيل:
كانت عظيمةً كالجبال.
(١) ديوان الأعشى ص ٢٧٥. السَّيح: الماء الذي يسيح على وجه الأرض، أي: يجري. والجابية:
الحوض الذي يجبى فيه الماء، أي: يجمع. أمالي القالي ٢٩٦/٢. وقال الحريري في درة
الغوَّاص ص١٨٠: عنى بالجابية دجلة، وأراد أن جفنة آل المحلَّق تُمَدُّ بالطعام بعد الطعام،
كما يُعَدُّ دجلة بالماء بعد الماء. ويقال: فهق الغدير، إذا امتلأ ماء فلم يكن فيه موضع مزید.
(٢) البيت ليس في ديوان الأفوه. وهو في البحر المحيط ٢٥٥/٧، والدر المصون ٩/ ١٦٢،
واللباب لابن عادل ٢٨/١٦.
(٣) أثبت الياء وصلاً ووقفاً من السبعة ابنُ كثير، وأثبتها في الوصل ورش - راوية
نافع - وأبو عمرو. انظر التيسير ص١٨٢، والنشر ٣٥١/٢.

الآية : ١٣
٤٧
وقُدِّمت المحاريبُ على التماثيل؛ لأنَّ الصورَ توضعُ في المحاريب، أو تنقشُ
على جدرانها .
وقُدِّمت الجفانُ على القدور، مع أنَّ القدور آلةُ الطبخ، والجفان آلةُ الأكل،
والطبخُ قبل الأكل؛ لأنَّه لمّا ذكرت الأبنيةُ الملكيَّة ناسبَ أنْ يشارَ إلى عظمة
السِّماط(١) الذي يمدُّ فيها، فذكرت الجفان أوَّلاً لأنَّها تكونُ فيها، بخلاف القدور
فإنَّها لا تُحْضَرُ هناك كما ينبئ عنه قوله تعالى: ((راسيات)) على ما سمعت أوَّلاً،
وكأنَّه لما بيَّن حال الجفان اشتاق الذِّهنُ إلى حال القدور، فذكرت للمناسبة.
﴿أَعْمَلُواْ عَلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ بتقدير القول على الاستئناف أو الحاليَّة من فاعل
سخرنا المقدَّر، و((آل)) منادى حذف منه حرف النداء.
و((شكراً)) نصب على أنَّه مفعولٌ له، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ العملَ حقُّه أنْ يكونَ
للشكر، لا الرجاء والخوف. أو على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لـ ((اعملوا)) لأنَّ الشكرَ نوعٌ من
العمل، فهو كـ : قعدتُ القرفصاء، وقيل: لتضمين ((اعملوا)) معنى اشكروا. وقيل:
لاشكروا، محذوفاً. أو على أنَّه حالٌ بتأويل اسم الفاعل، أي: اعملوا شاكرين؛
لأنَّ الشكر يعمُّ القلبَ والجوارح. أو على أنَّه صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: اعملوا
عملاً شكراً. أو على أنَّه مفعول به لـ ((اعملوا))، فالكلام كقولك: عملت الطاعة.
وقيل: إنَّ (اعملوا)) أقيم مُقَامَ اشكروا مشاكلةً لقوله سبحانه: ((يعملون)).
وقال ابنُ الحاجب(٢): إنَّه جُعِل مفعولاً به تجوُّزاً.
وأيًّا ما كان، فقد روى ابنُ أبي الدنيا، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن
مسعود (٣) قال: لمَّا قيل لهم: ((اعملوا آل داود شكراً) لم يأت ساعةٌ على القوم إلَّا
ومنھم قائمٌ یصلِّي.
(١) السماط: ما يمدُّ ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها. المعجم الوسيط (سمط).
(٢) في أماليه ١/ ٢٧٣ .
(٣) كذا في الدر المنثور ٢٢٩/٥ وعنه نقل المصنف. والذي في الشكر لابن أبي الدنيا (٧٣)،
وشعب الإيمان للبيهقي (٤٥٢٤): عن مسعر.

سُوَلا تَكيا
٤٨
الآية : ١٣
وفي رواية: كان مصلَّى آل داود لم يخلُ من قائم يصلِّي ليلاً ونهاراً، وكانوا
يتناوبونَه، وكان سليمانُ عليه السلام يأكلُ خبز الشعير، ويطعم أهله خشارته(١)،
والمساكينَ الدرمك؛ وهو الدقيق الحُوَّارى، وما شبع قطُ، وقيل له في ذلك،
فقال: أخافُ إذا شبعتُ أنْ أنسى الجياع.
وجَوَّزَ بعض الأفاضل دخولَ داود عليه السلام في الآل هنا؛ لأنَّ آل الرجل قد
يعمُّه. ويؤيِّده ما أخرجه أحمد في ((الزهد)) وابنُ المنذر والبيهقيُّ في ((شعب
الإيمان)) عن المغيرة بن عتيبة(٢) قال: قال داود عليه السلام: يا ربّ، هل باتَ
أحدٌ من خلقِك أطول ذِكْراً منِّي، فأوحى الله تعالى إليه: الضفدع، وأنزل سبحانه
عليه عليه السلام: ((اعملوا آل داود شكراً)) فقال داود عليه السلام: كيف أطيقُ
شكرك، وأنتَ الذي تنعمُ عليَّ، ثم ترزقني على النعمة الشكر، فالنعمةُ منك،
والشكرُ منك، فكيف أُطيق شكرك؟ فقال جلَّ وعلا: يا داود، الآن عرفتني حقَّ
معرفتي.
وجاء في رواية ابن أبي حاتم عن الفضيل أنَّه عليه السلام قال: يا ربّ، كيف
أشكرك، والشكرُ نعمةٌ منك؟ قال سبحانه: الآن شكرتني حين علمتَ النعمَ منِّي(٣).
وكذا ما أخرجه الفريابيُّ وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال داود لسليمان
عليهما السلام: قد ذكر الله تعالى الشكر، فاكفني قيامَ النهار أكفك قيام الليل.
قال: لا أستطيع. قال: فاكفني صلاة النهار، فكفاه(٤).
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ﴾﴾ قال ابن عباس: هو الذي يَشْكُرُ على أحواله كلِّها.
(١) في (م): خشادته. والخشارة من الشعير ما لا لبَّ له، وخشار المائدة ما يبقى عليها
مما لا خير فيه. المعجم الوسيط (خشر).
(٢) في مطبوع الدر المنثور ٢٢٩/٥: عتبة، وفي مطبوع الزهد للإمام أحمد ص٨٨: عيينة، وفي
مطبوع شعب الإيمان للبيهقي (٤٤١٣): عقبة. وانظر الجرح والتعديل ٢٢٧/٨، وتوضيح
المشتبه ٦/ ١٧٠.
(٣) الدر المنثور ٢٢٩/٥.
(٤) الدر المنثور ٢٢٨/٥، وذكره النحاس في معاني القرآن ٤٠١/٥.

٤٩
الآية : ١٤
وفي ((الكشاف)): هو المتوفّرُ على أداء الشكر، الباذلُ وسعه فيه، قد شغلَ به
قلبه ولسانه وجوارحَه؛ اعترافاً واعتقاداً وكدحاً، وأكثر أوقاته(١).
وقال السُّدِّيُّ. هو من يشكرُ على الشكر.
وقيل: من يرى عجزَه عن الشكر؛ لأنَّ توفيقَه للشكر نعمةٌ يستدعي شكراً آخرَ
لا إلى نهاية .
وقد نظم هذا بعضهم فقال:
عليَّ له في مثلها يجبُ الشكرُ
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً
وإن طالتِ الأيَّام واتَّسع العمرُ
فكيف بلوغ الشكر إلَّا بفضله
وإنْ مسَّ بالضرَّاء أعقبها الأجر(٢)
إذا مسَّ بالنعماء عمَّ سرورُها
وقد سمعتَ آنفاً ما روي عن داود عليه السلام.
وهذه الجملةُ يحتملُ أن تكون داخلةً في خطاب آل داود، وهو الظاهر، وأن
تكونَ جملةً مستقلَّةً جيء بها إخباراً لنبينا وَّهِ، وفيها تنبيهٌ وتحريضٌ على الشكر.
وقرأ حمزةُ: ((عبادي)) بسكون الياء، وفتحها الباقون(٣).
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ اٌلْمَوْتَ﴾ قيل: أي: أَوْقَعْنا على سليمان الموتَ، حاكمين به
عليه. وفي ((مجمع البيان)): أي: حكمنا عليه بالموت (٤). وقيل: أَوْجَبْناه عليه.
وفي ((البحر)): أي: أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من الموت، وأخرجناه
إلى حيِّز الوجود(٥). وفيه تكلُّف.
وأيّاً ما كان، فليس المراد بالقضاء أخا القدر، فتدبّر.
(١) الكشاف ٣/ ٢٨٣.
(٢) هي لمحمود الوراق كما في الفاضل في اللغة والأدب للمبرد ص ٩٥، وبهجة المجالس لابن
عبد البر ٣١٧/١.
(٣) التيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٥١/٢.
(٤) مجمع البيان ٢٢/ ١٩٣.
(٥) البحر المحيط ٢٦٦/٧.

٥٠
الآية : ١٤
و((لمَّا)) شَرطيّة، ما بعدها شرطُها، وجوابها قوله تعالى: ﴿مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا
دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ واستدِلَّ بذلك على حرفيتها. وفيه نظر.
وضمير ((دلَّهم)) عائدٌ على الجنِّ الذين كانوا يعملون له عليه السلام. وقيل:
عائدٌ على آل سليمان. ويأباه بحسب الظاهر قولُه تعالى بعد: ((تبيَّنت الجنُّ)).
والمراد بـ ((دابَّة الأرض)) الأرَضَة، بفتحات، وهي دُوَيبَّة تأكلُ الخشب ونحوه،
وتسمى: سُرْفة، بضمِّ السين وإسكان الراء المهملة وبالفاء.
وفي («حياة الحيوان)) عن ابن السكِّيت: أنَّها دُوَيبَّةٌ سوداءُ الرأس، وسائرُها
أحمر، تَّخذ لنفسها بيتاً مربَّعاً من دقاق العيدان، تضمُّ بعضَها إلى بعض بلُعابها، ثم
تدخل فيه وتموت(١). وفي المثل: أصنع من سُرْفة(٢).
وسمَّاها في ((البحر))(٣) بِسُوسة الخشب.
و((الأرض)) - على ما ذهب إليه أبو حاتم وجماعة - مصدرُ أَرَضَت الدابَّةُ الخشبَ
تأرِضِه: إذا أكلته، من باب ضرب يضربُ، فإضافةُ ((دابَّة)) إليه من إضافة الشيء إلى
فعله. ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ ابن عباس والعبّاس بن الفضل: ((الأَرَض)) بفتح الراء(٤)؛ لأنَّه
مصدر أَرِضَ من باب عَلِم المطاوع لأرَض من باب ضَرَبَ، يقال: أرَضت الدابَّة
الخشبَ، بالفتح، فأرِض بالكسر، كما يقال: أكلت القوادحُ(٥) الأسنان أكْلاً فأكِلت
أُكَلاً، فالأرْض بالسكون: الأكل، والأرَض بالفتح: التأثَّر من ذلك الفعل. وقد يفسّرُ
الأولُ بالتأثُّر الذي هو الحاصل بالمصدر؛ لتتوافق القراءتان.
وقيل: ((الأرض))، بالفتح: جمع: أَرَضَة، وإضافة ((دابَّة)) إليه من إضافة العامِ
إلى الخاص.
(١) حياة الحيوان ٢٠/٢.
(٢) مجمع الأمثال ١/ ٤١١.
(٣) ٢٦٦/٧.
(٤) البحر المحيط ٢٦٦/٧، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢١ الواقدي.
(٥) جمع قادحة، وهي دودة تكون في الأسنان. حاشية الشهاب ٧/ ١٩٥ .

الآية : ١٤
٥١
وقيل: إنَّ ((الأرْض)) بالسكون بمعناها المعروف، وإضافة ((دابَّة)) إليها؛ قيل:
لأنَّ فعلَها في الأكثر فيها .
وقيل: لأنَّها تؤثِّر في الخشب ونحوه، كما تؤثِّر الأرضُ فیه إذا دُفِن فيها .
وقيل غير ذلك، والأولى التفسيرُ الأوَّلُ، وإنْ لم تجئ الأرضُ في القرآن بذلك
المعنى في غير هذا الموضع.
وقوله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ في موضع الحال من (دابَّة))، أي: آكلةً
منسأته، والمنسأة: العصا، من نسأتُ البعيرَ: إذا طردتَه؛ لأنَّها يُطردُ بها، أو من
نَسَأْتُه: إذا أخَّرته، ومنه: النسيءُ، ويظهر من هذا أنَّها العصا الكبيرة التي تكون مع
الراعي وأضرابه.
وقرأ نافع وأبو عمرو(١) وجماعةٌ: ((منساته)) بألف، وأصله: منسأته، فأبدلت
الهمزة ألفاً بدلاً غير قياسيٍّ، وقال أبو عمرو: أنا لا أهمزها؛ لأنِّ لا أعرفُ لها
اشتقاقاً، فإنْ كانت ممَّا لا تهمز فقد احتطت، وإن كانت ممَّا تهمز فقد يجوز لي
ترك الهمز فيما يهمز. ولعلَّه بيانٌ لوجه اختيار القراءة(٢) بدون همزة، وبالهمز
جاءت في قول الشاعر:
ضربتُ بمنسأةٍ وجهَه
فصارَ بذاك مهيناً ذليلا (٣)
وبدونه في قوله:
إذا دببتَ على المنساة من هرمٍ
فقد تباعدَ منك اللهوُ والغزلُ (٤)
(١) في الأصل: وأبو عامر، وفي (م): وابن عامر. والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في
البحر المحيط ٧/ ٢٦٧ - وعنه نقل المصنف - والتيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٤٩/٢ وهي قراءة
أبي جعفر أيضاً من العشرة.
(٢) في الأصل: القرآن.
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٨٣/١٧. وذكره أبو حيان في البحر ٧/ ٢٥٥ بلفظ: منساءة،
بدل: منسأة. مستدلاً بها على مجيئها بالهمز والمد على وزن مفعالة.
(٤) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٤٥، والجاحظ في البيان والتبيين ٣١/٣، والطبري في

سُورَةٌ نَنُبًا
٥٢
الآية : ١٤
وقرأ ابن ذكوان وبكَّار والوليدُ بن أبي عتبة وابن مسلم وآخرون: ((منسأته))
بهمزةٍ ساكنة(١)، وهو من تسكين المتحرك تخفيفاً. وليس بقياس، وضعَّف النحاة
هذه القراءة؛ لأنَّه يلزمُ فيها أنْ يكون ما قبلَ تاء التأنيث ساكناً غير ألف.
وقيل: قياسها التخفيف بين بين، والراوي لم يضبط. وأنشد هارون بن موسى
الأخفش الدمشقيُّ (٢) شاهداً على السكون في هذه القراءة قول الراجز:
صريعُ خمرٍ قام من وَكَأْتِهْ كقومةِ الشيخ إلى منْسَأْتِهِ(٣)
وقُرِئ بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً، و((مِنْساءته)) بالمدِّ على وزن
مِفعالة (٤)، كما يقال في الميضأة - وهي آلة التوضُّؤ، وتطلق على محلّه
أيضاً - ميضاءة.
وقرئ: ((مِنْسَيَتِه)) بإبدال الهمزة ياءً(٥).
وقرأت فرقةٌ منهم عمرو بن ثابت عن ابن جبير: ((من)) مفصولةً حرف جرِّ
(سأتِهِ) بجرِّ التاء(٦)، وهي طرف العصا، وأصلها ما انعطفَ من طرفي القوس،
ويقال فيه: سِيَة أيضاً، استعيرت لما ذكر إمَّا استعارةً اصطلاحيَّةً؛ لأنَّها كانت
خضراء فاعوجَّت بالاتِّكاء عليها، على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى في القصّة، أو
لغويَّة باستعمال المقيَّد في المطلق. وبما ذُكر عُلِم ردُّ ما قاله البَطَلْيَوسيّ بعد ما نقل
= تفسيره ٢٣٩/١٩، وابن جني في المحتسب ١٨٧/٢، والقرطبي في تفسيره ٢٨٣/١٧،
وأبو حيان في البحر ٧/ ٢٥٥ .
(١) البحر المحيط ٢٦٧/٧، وقراءة ابن ذكوان - راوية ابن عامر - في التيسير ص ١٨٠، والنشر
٣٥٠/٢.
(٢) مقرئ دمشق، قرأ على ابن ذكوان وهشام، وله تصانيف في القراءات والعربية، توفي سنة
(٢٩٢ هـ). السير ١٣ /٥٦٦.
(٣) الرجز في التيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٥٠/٢، والبحر المحيط ٢٦٧/٧. وذكره القرطبي في
تفسيره ٢٨٣/١٧، والأول عنده: وقائم قد قام من تُكَأَتِهِ.
(٤) الكشاف ٢٨٣/٣، والبحر المحيط ٢٦٧/٧.
(٥) المحتسب ١٨٨/٢.
(٦) المحتسب ١٨٦/٢، والبحر ٢٦٧/٧. ووقع في مطبوع البحر: عمر بن ثابت، بدل: عمرو.

الآية : ١٤
٥٣
هذه القراءة عن الفراء (١): إنه تعجرفٌ لا يجوز أن يستعمل في كتاب الله عزَّ وجلَّ،
ولم يأتِ به روايةٌ ولا سماع، ومع ذلك هو غيرُ موافقٍ لقصَّة سليمان عليه السلام؛
لأنَّه لم يكن معتمداً على قوس، وإنما كان معتمداً على عصا.
وقُرئ: ((أَكَلَتْ منسأته)) بصيغة الماضي(٢)، فالجملة إمَّا حالٌ أيضاً بتقدير ((قد))،
أو بدونه، وإمَّا استئنافٌ بيانيٍّ.
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي: سقط ﴿نَيَّتِ لَلِنُّ﴾ أي: علمت بعد التباسِ أمر سليمان من
حياته ومماته عليهم ﴿أَنْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾﴾ أنَّهم
لو كانوا يعلمون الغيبَ - كما يزعمون - لعلموا موته زمنَ وقوعه، فلم يلبثوا بعدَه
حولاً في الأعمال الشاقَّة إلى أن خرَّ.
والمراد بالجنِّ الذين علموا ذلك ضعفاءُ الجنّ، وبالذين نَفَى عنهم علمَ الغيب
رؤساؤهم وكبارهم، على ما روي عن قتادة. وجُوِّز عليه أن يراد بالأمر الملتبس
عليهم أمرُ علم الغيب، أو المراد بالجنِّ الجنس، بأن يسند للكلِّ ما للبعض، أو
المراد كبارهم المدَّعونَ علمَ الغيب، أي: عَلِمَ المدَّعون علمَ الغيب منهم عجزَهم
وأنَّهم لا يعلمون الغيب. وهم وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم لكن أريد التهّم
بهم كما تقول للمبطل إذا دحضت حُجَّتَه: هل تَبَّنتَ أَنَّك مبطلٌ؟ وأنت تعلم أنَّه لم
یزل كذلك متبيِّناً.
وجُوِّز أن يكون ((تبين)) بمعنى بان وظهر، فهو غيرُ متعدٍّ لمفعول، كما في الوجه
الأول، فإنَّ مفعوله فيه ((أن لو كانوا)) إلخ، وهو في هذا الوجه بدلٌ من ((الجن)) بدل
اشتمال، نحو: تبيَّنَ زيدٌ جهلُه، والظهور في الحقيقة مسندٌ إليه، أي: فلمَّا خرَّ بانَ
للناس وظهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب.
(١) يعني قوله في معاني القرآن ٣٥٧/٢: ولو جاء في القراءة: ((من سأتِه)). إلا أن الفراء قال
بعد توجيهها: ولم يقرأ بها أحدٌ علمناه. والكلام من حاشية الشهاب ٧/ ١٩٥.
(٢) الكشاف ٢/ ٢٨٣ دون نسبة، وعزاها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١١/٤ لمصحف
عبد الله.

سُوَلاَ نُبًا
٥٤
الآية : ١٤
ولا حاجة على ما قُرِّرَ إلى اعتبار مضافٍ مقدَّرٍ، هو فاعلُ ((تبيَّن)) في الحقيقة،
إلّا أنَّه بعد حذفه أقيمَ المضاف إليه مُقامَه، وأسند إليه الفعل، ثم جعل ((أن لو
كانوا)) إلخ بدلاً منه بدل كلٍّ من كلّ، والأصل: تبيَّن أمر الجنِّ أنْ لو كانوا .. إلخ.
وجَعَل بعضهم في قوله تعالى: ((أن لو كانوا يعلمون)) إلخ قياساً طُويت كُبْراه،
فكأنه قيل: لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، لكنَّهم لبثوا في
العذاب المهين، فهم لا يعلمون الغيب.
ومجيء «تبيَّن)) بمعنى بان وظهر لازماً، وبمعنى أدرك وعلم متعدِّياً = موجودٌ
في كلام العرب، قال الشاعر:
تبيَّن لي أنَّ القماءةَ ذَلَّةٌ وأنَّ أعزَّاءَ الرجال طيالها (١)
وقال الآخر:
أفاطم إنِّي ميِّتُ فتبيَّني
ولا تجزعي كلُّ الأنام تموتُ(٢)
وفي ((البحر))(٣) نقلاً عن ابن عطيّة قال: ذهب سيبويه (٤) إلى أنَّ ((أنْ)) لا موضعَ
لها من الإعراب، وإنَّما هي منزَّلةٌ منزلةَ القسم من الفعل الذي معناه التحقيق
واليقين(٥)، لأنَّ هذه الأفعال التي هي: تحقّقتُ، وتيقَّنتُ، وعلمتُ، ونحوها،
(١) نسبه في الحماسة البصرية ١/ ٣٥ لأنيف بن زيَّان النهشلي، ونسبه عبد القادر البغدادي في
الخزانة ٤٨٨/٩، وشرح أبيات المغني ٦٧/٤-٦٨ لأثال بن عبدة بن الطبيب. وهو في
المحتسب ١٨٤/١، والمنصف ٣٤٢/١، وأمالي ابن الشجري ٨٦/١، وشرح المفصل
٨٨/١٠ دون نسبة. ونسبه المبرد في الكامل ١٢١/١، ١٠٤٤/٢ لرجل من بني سعد.
(٢) هو بهذا اللفظ في البحر المحيط ٢٦٧/٧، والدر المصون ١٦٨/٩.
وذكره أبو عبيد في الأمثال ص٣٣٥، والعسكري في جمهرة الأمثال ٢/ ١٥٧، والميداني في
مجمع الأمثال ١٣٣/٢، والصفدي في تصحيح التصحيف ص٥٥٥، برواية:
ولا تجزعي كل النساء يئيم.
وهو كذلك في المستقصى ٢٢٦/٢ ونسبه فيه لامرئ القيس. وليس في ديوانه.
(٣) ٢٦٧/٧-٢٦٨.
(٤) انظر الكتاب ١٠٧/٣-١٠٨.
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ٤١٢ .

الآية : ١٤
٥٥
تحلُّ محلَّ القسم، فـ ((ما لبثوا)) جواب القسم لا جواب ((لو)). اهـ. فتأمَّله فإنِّي
لا أكاد أتعقّلُه وجهاً يُلتفتُ إليه.
وفي ((أمالي العزِّ بن عبد السلام)) أنَّ ((الجنّ)) ليس فاعل ((تبيَّنت))، بل هو مبتدأ،
و((أنْ لو كانوا يعلمون)) خبرُه، والجملة مفسِّرةٌ لضمير الشأن في ((تبَّنت)) إذ لولا ذلك
لكان معنى الكلام: لمَّا مات سليمان وخرَّ ظهرَ لهم أنَّهم لا يعلمون الغيب.
وعلمُهم بعدم علمهم الغيب لا يتوقَّف على هذا، بل المعنى: تبيَّنت القصَّة ما هي،
والقصّة قوله تعالى: (الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ). اهـ.
والعجبُ من صدور مِثْلِه عن مِثْلِه، وما جعلَه مانعاً عن فاعلية ((الجن)) مدفوعٌ
بما سمعتَ في تفسير الآية كما لا يخفى.
وفي كتاب النحاس إشارةٌ إلى أنَّه قُرئ: ((تبيَّنت الجنَّ» بالنصب، على أنَّ
(تبيَّنْت)) بمعنى علمت، والفاعل ضمير ((الإنس))، و((الجنَّ) مفعوله(١).
وقرأ ابنُ عباس - فيما ذكر ابن خالويه(٢) - ويعقوب بخلافٍ عنه: ((تُبيِّنَت)) مبنياً
للمفعول(٣).
وقرأ أُبيِّ: ((تبيَّنت الإنس))، وعن الضَّحَّاك: ((تباينت الإنس)) بمعنى تعارفت
وتعالمت، والضمير في ((كانوا)) للجنِّ المذكور فيما سبق. وقرأ ابن مسعود: ((تبيَّنت
الإنسُ أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيب)»(٤)، وهي قراءاتٌ مخالفةٌ لسواد المصحف
مخالفةً كثيرة.
وفي القصة رواياتٌ، فروي أنَّه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف
في مسجد بيت المقدس المُدَدَ الطَّوال، فلمَّا دنا أجلُه لم يصبح إلَّا رأى في محرابه
(١) البحر المحيط ٢٦٨/٧، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٣٧/٣-٣٣٨، ومعاني القرآن له
٤٠٥/٥.
(٢) في القراءات الشاذة ص١٢١ .
(٣) هي قراءة رويس عن يعقوب. النشر ٣٥٠/٢.
(٤) ذكر هذه القراءات الزمخشري في الكشاف ٢٨٣/٣-٢٨٤، والأخيرة في المحتسب ١٨٨/٢.

٥٦
الآية : ١٤
شجرةً نابتةً قد أنطقَها الله تعالى، فيسألُها: لأيِّ شيءٍ أنت؟ فتقول: لكذا، حتى
أصبحَ ذاتَ يومٍ، فرأى الخرنوبة (١)، فسألَها، فقالت: نبتُّ لخرابٍ هذا المسجد،
فقال: ما كان الله تعالى ليخربه وأنا حيٍّ، أنتِ التي على وجهِك هلاكي وخرابُ
بيت المقدس. فنزعَها وغرسَها في حائطٍ له، واتخذَ منها عصا، وقال: اللهمَّ عَمِّ
على الجنِّ موتي، حتى يُعْلَم أنَّهم لا يعلمون الغيب كما يموِّهون. وقال لملك
الموت: إذا أُمِرتَ بي فأعلمني، فقال: أمرتُ بك، وقد بقيَ من عمرك ساعةٌ.
فدعا الجنَّ فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له بابٌ، فقام يصلِّي متكئاً على عصاه،
فقبض روحَه وهو متَّكِئٌّ عليها، وكانت الجنُّ تجتمعُ حولَ محرابه أينما صلَّى، فلم
يكن جنِّيٍّ ينظرُ إليه في صلاته إلَّا احترقَ، فمرَّ جنيٌّ فلم يسمع صوتَه، ثم رجع فلم
يسمع، فنظر إذا سليمان قد خرَّ ميتاً، ففتحوا عنه، فإذا العصا قد أكلتها الأرضة،
فأرادوا أنْ يعرفوا وقتَ موته، فوضعوا الأَرَضَة على العصا، فأكلت منها في يومٍ
وليلة مقداراً، فحسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون
بين يديه ويحسَبونه حيًّا، فتبيَّن أنَّهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب
سنة(٢).
ولا يخفى أنَّ هذا من باب التخمين والاقتصارِ على الأقل، وإلَّ فيجوزُ أن
تكونَ الأرَضَةُ بدأت(٣) بالأكل بعد موته بزمانٍ كثير، وأنَّها كانت تأكلُ أحياناً وتتركُ
أحياناً .
وأما كونُ بدئها في حياته فبعيد، وكونه بالوحي إلى نبيٍّ في ذلك
الزمان - كما قيل - فواهٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يحتاجوا إلى وضع الأرَضَة على
العصا ليستعلموا المدَّةَ.
(١) في الأصل: الخربوية، وفي الكشاف ٣/ ٢٨٤ - والكلام منه -: الخروبة. اهـ. والخروبة
والخرنوبة: شجر الينبوت، وقيل: الينبوت: الخشخاش. انظر تاج العروس (خرب).
(٢) قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر نحو هذا الخبر: وهذا الأثر - والله أعلم - إنما هو مِما تُلقِّي
من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدَّق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذَّب منها
إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.
(٣) في الأصل و(م): بدت، والمثبت من حاشية الشهاب ١٩٦/٧ .

الآية : ١٤
٥٧
سُوَلاَبًا
وروي أنَّ داود عليه السلام أسَّسَ بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى
عليه السلام، فمات قبل أن يُتِمَّه، فوصَّى به إلى سليمان، فأمرَ الجنَّ بإتمامه، فلمَّا
بقي من عمره سنة سأل أنْ يُعمَّى عليهم موتُه حتى يفرغوا منه، ولتبطلَ دعواهم علم
الغيب.
وهذا بظاهره مخالفٌ لما رويَ أنَّ إبراهيمَ عليه السلام هو الذي أسَّس بيتَ
المقدس بعد الكعبة بأربعين سنة (١)، ثم خرب، وأعاده داود، وماتَ قبل أن يتمَّه.
وأيضاً أنَّ موسى عليه السلام لم يدخل بيت المقدس، بل ماتَ في التِّيْهِ، وجاء
في الحديث الصحيح(٢) أنَّه عليه السلام سأل ربَّه عند وفاته أنْ يدنيه من الأرض
المقدَّسة رميً بحجر.
وأيضاً قد روي أنَّ سليمان قد فرغَ من بناء المسجد وتعبَّد فيه، وتجهّز بعده
للحجّ شكراً لله تعالى على ذلك.
وأجيب عن الأوَّل بأنَّ المرادَ تجديد التأسيس، وعن الثاني بأنَّ المرادَ بفسطاط
موسى فسطاطه المتوارث، وكانوا يضربونَه يتعبَّدون فيه تبرُّكاً، لا أنَّه كان يُضربُ
هنالك في زمنه عليه السلام.
ويحتاجُ هذا إلى نقلٍ، فإنَّ مثلَه لا يُقالُ بالرأي، فإنْ كان فأهلاً ومرحباً .
وقيل: المراد به مجمع العبادة على دين موسى، كما وقع في الحديث:
(فسطاط إيمان))(٣).
(١) أخرج البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠) من حديث أبي ذر ه قال: قلت: يا رسول الله،
أي المساجد وضع في الأرض أول؟ قال: ((المسجد الحرام)) قال: قلت: ثم أيّ؟ قال:
((المسجد الأقصى)) قلت ٢٢ بينهما؟ قال: ((أربعون سنة ... )).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢) من حديث أبي هريرة
(٣) يشير إلى حديث ابن عمر الذي أخرجه أبو داود (٤٢٤٢)، وأحمد (٦١٦٨) وفيه: (حتى
يصير الناس إلى فسطاطين؛ فسطاطِ إيمان لا نفاق فيه، وفسطاطِ نفاقٍ لا إيمان فيه ... ))،
وذكره القرطبي في التذكرة ص٥٥٩ - ٥٦٠ .

٥٨
الآية : ١٤
وقال القرطبيُّ في ((التذكرة): المرادُ به فرقةٌ منحازةٌ عن غيرها، مجتمعةٌ تشبيهاً
بالخيمة(١).
ولا يخفى ما فيهما، وإن قيل: إنَّهما أظهرُ من الأول.
وعن الثالث بأنَّ المرادَ بالفراغ القربُ من الفراغ، وما قاربَ الشيءَ له حكمه.
وفيه بعدٌ.
واختير أنَّ هذا رواية، وذاك رواية، والله تعالى أعلم بالصحيح منهما .
ورُوي أنَّه عليه السلام قد أمر ببناء صرحٍ له، فبنوه، فدخلَه مختلياً ليصفو له يومٌ
في الدهر من الكدر، فدخل عليه شابٌّ، فقال له: كيف دخلت عليَّ بلا إذن؟
فقال: إنَّما دخلتُ بإذن. فقال: ومَنْ أَذِنَ لك؟ قال: ربُّ هذا الصرح. فعلم أنَّه
مَلَكُ الموت أتى لقبض روحه. فقال: سبحان الله! هذا اليوم الذي طلبتُ فيه
الصفا، فقال له: طلبتَ ما لم يُخلَق، فاستوثقَ من الاتِّكاء على عصاه، فقبض
روحَه، وخفي على الجنِّ موتُه حتى سقط.
ورويَ أنَّ أفريدون جاء ليصعدَ كرسيّه، فلما دنا ضرب الأَسَدَانِ ساقَه
فكسراها(٢)، فلم يجسُر أحدٌ بعده أنْ يدنو منه، ولذا لم تَقربهُ الجنُّ وخفيَ أمرُ موته
عليهم.
ونُظر فيه بأنَّ سليمان كان بعد موسى بمدَّةٍ مديدة، وأفريدون كان قبلَه؛ لأن
منوجهر من أسباط أفريدون، وظهر موسى عليه السلام عليه في زمانه.
وعلى جميع الرويات الدالّة على موته عليه السلام: خرورُه لمَّا كُسِرت
العصا؛ لضعفِها بأكل الأرَضة منها، ونسبة الدلالة في الآية إليها نسبةٌ إلى
السبب البعيد.
ومن الغريب ما نُقِل عن ابن عباس أنَّه عليه السلام ماتَ في متعبَّده على فراشه
(١) التذكرة ص٥٦١.
(٢) في الأصل: فكسراهما. والمثبت من (م)، والكشاف ٢٨٤/٣.

الآية : ١٥
٥٩
سُورَةُ نُبًا
وقد أغلقَ الباب على نفسه، فأكلت الأرَضة المنسأة، أي: عتبة الباب، فلمَّا
خرَّ، أي: البابُ، عُلِم موتُه، فإنَّ فيه جَعْلَ ضمير ((خرَّ)) للباب، وإليه ذهب
بعضُهم.
وفيه أنَّه لم يُعهَد تسميةُ العتبة منسأة، وأيضاً كان اللازم عليه: خرَّت، بتاء
التأنيث. ولا يجيء حذفُها في مثل ذلك إلَّا في ضرورة الشعر، وكونُ التذكير على
معنى العود بعيدٌ، فالظاهر عدمُ صحَّة الرواية عن الحبر، والله تعالى أعلم.
وحَكى البغويُّ عنه أنَّ الجنَّ شكروا الأرَضَة، فهم يأتونَها بالماء والطين في
جوفِ الخشب(١).
وهذا شيءٌ لا أقول به ولا أعتقدُ صحَّة الرواية أيضاً.
وكان عمره عليه السلام ثلاثاً وخمسين سنة، ومَلَكَ بعد أبيه وعمره ثلاثَ عشرة
سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضينَ من ملكه، ثمَّ مضى وانقضى،
وسبحان من لا ينقضي ملكه ولا يزولُ(أَ) سلطانُه.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ الغيبَ لا يختصُّ بالأمور المستقبلة، بل يشملُ الأمور
الواقعة التي هي غائبةٌ عن الشخص أيضاً.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلِ﴾ لمَّا ذكر عزَّ وجلَّ حالَ الشاكرين لنعمه، المنيبين إليه تعالى،
ذكرَ حال الكافرين بالنعمة، المعرضينَ عنه جلَّ شأنُه؛ موعظةً لقريش، وتحذيراً لمن
كفرَ بالنِّعم وأعرضَ عن المنعِم.
وسبأ في الأصل اسمُ رجل، وهو سبأ بن يشجب ـ بالشين المعجمة والجيم،
كينصر - بنٍ يعرب بن قحطان، وفي بعض الأخبار عن فروة بن مسيك قال: أتيتُ
النبيَّي ◌َّمِ فقلت(٣): يا رسول الله، أخبرني عن سبأ، أرجلٌ هو أم امرأة؟ فقال: ((هو
رجلٌ من العرب ولد عشرةً، تَيَامَنَ منهم سنَّة، وتشاءم منهم أربعة، فأمَّا الذين
(١) تفسير البغوي ٥٥٢/٣.
(٢) في الأصل: ولا يزال.
(٣) الذي في المصادر أن الراوي رجلٌ مبهم.

سُوْدَةٌ سَبًا
٦٠
الآية : ١٥
تيامنوا، فالأَزْدُ وكندةُ ومَذْحِجٌ والأشعريون وأنمارٌ، ومنهم بَجِيلة، وأمَّا الذين
تشاءموا، فعاملةُ وغسَّانُ ولَخْمٌ وجُذامٌ)) (١).
وفي ((شرح قصيدة عبد المجيد بن عَبْدُون))(٢) لعبد الملك بن عبد الله بن بَدْرُون
الحضرميّ البستيّ(٣) أنَّ سبأ بن يشجب أوَّلُ ملوك اليمن في قول، واسمه
عبد شمس، وإنَّما سُمِّيَ سبأ؛ لأنَّه أولُ من سَبَى السبيَ من ولد قحطان، وكان ملكه
أربعَ مئة وأربعاً وثمانين سنةً، ثمَّ سُمِّيَ به الحيُّ.
ومَنَعَ الصرفَ عنه ابنُ كثير(٤) وأبو عمرو باعتبارٍ جَعْلِه اسماً للقبيلة، ففيه
العلميَّة والتأنيث، وقرأ قنبل بإسكان الهمزة على نيَّة الوقف(٥).
وعن ابن كثير قلبُ همزته ألفاً (٦)، ولعلَّه سكّنها أوَّلاً بنيَّة الوقف كقنبل، ثمَّ
قلبها ألفاً، والهمزةُ إذا سُكِّنت يطَّرد قلبُها من جنس حركة ما قبلها. وقيل: لعلَّه
أخرجَها بینَ بین، فلم يؤدِّه الراوي كما وجب.
والمراد بسبأ هاهنا؛ إمَّا الحيُّ أو القبيلة، وإمَّا الرجلُ الذي سمعت، وعليه
فالكلام على تقدير مضاف، أي: لقد كان في أولاد سبأ. وجُوِّزَ أنْ يرادَ به البلد،
وقد شاعَ إطلاقُه عليه، وحينئذٍ فالضميرُ في قوله تعالى: ﴿فِ مَسْكَنِهِمْ﴾ لأهلها،
أو لها مراداً بها الحيُّ على سبيل الاستخدام، والأمر فيه على ما تقدَّم ظاهر.
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٢٢) وفيه: أرض أو امرأة. بدل: أرجل هو أم امرأة. وسلف بعضه
ص٥ من هذا الجزء.
(٢) هو عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابرتي، أبو محمد، ذو الوزارتين، أديب الأندلس في
عصره، وكان كاتباً مترسلاً عالماً بالتاريخ والحديث، توفي سنة (٥٢٩هـ) وقيل غير ذلك.
الأعلام ١٤٩/٤ .
(٣) هو أبو القاسم، أديب أندلسي، اشتهر بشرحه لقصيدة ابن عبدون، وسماه: كمامة الزهر
وفريدة الدهر. توفي (بعد ٦٠٨هـ). الأعلام ٤/ ١٦١ .
(٤) في رواية البزي. انظر التيسير ص١٦٧، والنشر ٣٣٧/٢.
(٥) التيسير ص١٦٧، والنشر ٣٣٧/٢.
(٦) تفسير البيضاوي ١٧٢/٤، وليست في التيسير والنشر. وانظر حاشية الشهاب ١٩٦/٧.