Indexed OCR Text

Pages 1-20

زوج المحـ
في
تَفِي القرآن العَظِيمُ والِسُنْع المثَان
تأليف
شِهَابُ الرِّنْ أَبِيُ الثَّنّاء
◌َجٌمُوَدَيْنِ عَبْدُ اللَّهُ الألوسيْ الْبُعْدَادِي
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَة هَذَا الجزء
رضوالالْ مَائِرٌ فَارِعِبُ الغربي
سَاهُمْ في تحقيقه
ومخلص الفهدوي قام ففوري
المحلية الثاني والهشرورفع
مؤسسة الرسالة

3

تُفَعُ النََّابِى
في
تفِ القُرآن ◌َظِيمُ والِسُنْ المَاب
(٢٢)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَةٌ لِلنَّاسِرُ
الطَّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
لة
مؤسسو الرسـ
للطبَاعَة وَالنَّشْرَ وَالتّوزيع
بيروت - وعلى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةٌ سَبًا
مكِّيَّةٌ، كما رُوي عن ابن عباس وقتادة، وفي ((التحرير)): هي مكِّيَّةٌ بإجماعهم،
وقال ابنُ عطيّة: مكِيَّةٌ إلَّا قوله تعالى: ﴿وَبَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ [الآية: ٦](١).
ورَوى الترمذيُّ عن فروة بن مُسيكة المراديّ قال: أتيتُ النبيَّ وَّ فقلت:
يا رسول الله، ألا أقاتلُ من أدبرَ من قومي. الحديث. وفيه: وأُنْزِلَ في سبأ ما أنزل،
فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ الحديث(٢).
قال ابنُ الحصَّار(٣): هذا يدلُّ على أنَّ هذه القصّة مدنيَّةٌ؛ لأنَّ مُهاجَرةَ فروة بعد
إسلام ثقيف سنةَ تسع، ويحتملُ أنْ يكونَ قوله: ((وأُنْزِلَ)) حكايةً عمَّا تقدَّم نزولُه قبلَ
هجرته، فلا يأبى كونَها مكِيَّةً.
وآياتُها خمسٌ وخمسون في الشاميّ، وأربع وخمسون في الباقين. وما قيل:
خمسٌ وأربعون. سهوٌ من قلم الناسخ.
ووجهُ اتِّصالها بما قبلَها أنَّ الصفات التي أجريت على الله تعالى في مفتتحها
(١) المحرر الوجيز ٤٠٤/٤. وذكر أنه اختلف فيها؛ فقالت فرقة: هي مكية، وقالت فرقة: هي
مدنية .
(٢) سنن الترمذي (٣٢٢٢)، وهو عند أحمد (٨٩/٢٤٠٠٩)، وأخرجه أبو داود (٣٩٨٨)
مختصراً. واسم الصحابي في هذه المصادر: فروة بن مسيك، وهو أشهر كما قال الحافظ
ابن حجر في الإصابة ٨/ ٩٥.
(٣) هو علي بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن موسى، أبو الحسن الأندلسي الأصل، الفاسي
المنشأ، له كتابٌ في ناسخ القرآن ومنسوخه - سمعه منه الحافظ المنذري - وكتاب المدارك،
وصل به مقطوع حديث مالك والموطأ، وغيرها، توفي سنة (٦١١هـ). التكملة لوفيات النقلة
٣٠٩/٢-٣١٠، وتاريخ الإسلام ٣١٩/١٣، والأعلام ٣٣٠/٤-٣٣١.

الآية : ١
٦
سُورَةٌنَبًا
ممَّا يناسبُ الحكم التي في مختتم ما قبلُ من قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَّفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] إلخ. وأيضاً قد أُشير فيما تقدَّم إلى سؤال الكفّار عن
الساعة على جهة الاستهزاء، وها هنا قد حَكى عنهم إنكارَها صريحاً والطعنَ بمن
يقول بالمعاد على أتمٍّ وجهٍ، وذكر ممَّا يتعلَّق بذلك ما لم يذكر هناك.
وفي ((البحر)) أنَّ سبب نزولها أنَّ أبا سفيان قال لكفار مكَّة لما سمعوا: (لِيُعَذِّبَ
اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ): كأنَّ محمداً يتوعَّدنا بالعذاب بعد أن
نموت، ويتخوفنا (١) بالبعث، واللاتِ والعزَّى لا تأتينا الساعةُ أبداً ولا نبعث،
فقال الله تعالى: قل يا محمد: بلى وربِّي لتبعثنّ، قاله مقاتل. وباقي السورة تهديدٌ
لهم وتخويف، ومن هذا ظهرت المناسبةُ بين هذه السورة والتي قبلها (٢). انتهى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: له عزَّ وجلَّ خلقاً ومُلْكاً
وتصرُّفاً بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، جميعُ ما وُجِد فيهما، داخلاً في
حقيقتهما أو خارجاً عنهما، متمكِّناً فيهما، فكأنه قيل: له هذا العالم بالأسر،
ووصفُه تعالى بذلك - على ما قاله أبو السعود(٣) - لتقريرِ ما أفاده تعليقُ الحمد
المعرَّف بلام الحقيقة - عند أرباب التحقيق - بالاسم الجليل من اختصاص جميع
أفراد المخلوقات به عزَّ وجلَّ، ببيان تفرُّده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك، وكون
كلِّ ما سواه سبحانه من الموجودات التي من جملتها الإنسان تحتَ ملكوته تعالى،
ليس لها في حدِّ ذاتها استحقاقُ الوجود فضلاً عمَّا عداه من صفاتها، بل كلُّ ذلك
نِعَمٌ فائضةٌ عليها من جهتِه عزَّ وجلَّ، فما هذا شأنُه فهو بمعزلٍ من استحقاق الحمد
الذي مَدَارُه الجميلُ الصادر عن القادر بالاختيار، فظهر اختصاصُ جميع أفراده به
تعالى.
(١) في البحر المحيط: ويخوفنا.
(٢) البحر المحيط ٢٥٧/٧.
(٣) في تفسيره ٧/ ١٢٠.

الآية : ١
٧
وفي الوصف بما ذُكِرَ أيضاً إيذانٌ بأنَّه تعالى المحمودُ على نعم الدنيا، حيث
عقِّب الحمدُ بما تضمَّن جميعَ النعم الدنيويَّة، فيكون الكلام نظير قولك: احْمَدْ
أخاكَ الذي حملك وكساك. فإنَّكَ تريدُ به: احْمَدْهُ على حملانه وكسوته.
وفي عطف قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ اْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَ﴾ على الصلة كما هو الظاهر إيذانٌ
بأنَّه سبحانه المحمودُ على نعم الآخرة؛ ليتلاءم الكلام. وفي تقييد الحمد فيه بأنَّ
محلَّه الآخرة إيذانٌ بأنَّ محلّ الحمد الأوَّل الدنيا لذلك أيضاً، فتفيد الجملتان أنَّه
عزَّ وجلَّ المحمودُ على نِعَم الدنيا فيها، وأنَّه تبارك وتعالى المحمودُ على نِعَمِ
الآخرة فيها .
وجُوِّزَ أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك، وأصله: الحمد لله .. إلخ في
الدنيا، وله ما في الآخرة والحمد فيها، فأثبتَ في كلِّ منهما ما حذف من الآخر.
وقال أبو السعود: إنَّ الجملة الثانية لاختصاص الحمد الأخرويِّ به تعالى،
إثرَ بيان اختصاص الدنيويِّ به سبحانه، على أنَّ ((في الآخرة)) متعلِّقٌ بنفس
الحمد، أو بما تعلَّق به ((له)) من الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود
عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التعيين، كما اكتفي فيما سبق بذكر
كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد فيها أيضاً، بل ليعمَّ النَّعَمَ
الأخرويَّة، كما في قوله تعالى: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَثَنَا الْأَرْضَ
نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا أََْزَّنَّ
إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ * الَّذِىّ أَحَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤-٣٥]
وما يكونُ ذريعةً إلى نيلها من النعم الدنيويَّة، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَِّ
الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: لِمَا جزاؤه هذا النعيمُ من الإيمان والعمل
الصالح(١).
وأنت تعلم أنَّ المتبادر إلى الذهن هو ما قُرِّرَ أوَّلاً .
والفرقُ بين الحمدين - مع كون نِعَمِ الدنيا ونِعَمِ الآخرة بطريق التفضُّل - أنَّ
(١) تفسير أبي السعود ٧/ ١٢٠.

٨
الآية : ١
الأوَّل على نهج العبادة، والثاني على وجه التلذَّذ والاغتباط. وقد ورد في الخبر أنَّ
أهلَ الجنة يُلْهَمون التسبيحَ كما يُلْهَمون النَّفَس(١).
وقولُ الزمخشريِّ(٢): إنَّ الأوَّل واجبٌ؛ لأنَّه على نعمةٍ متفضَّلٍ بها، والثاني
ليس بواجب؛ لأنَّه على نعمةٍ واجبةِ الإيصال إلى مستحقٌّها = مبنيٌّ على رأي
المعتزلة. على أنَّ قوله: لأنَّه على نعمةٍ واجبة الإيصال. ليسَ على إطلاقه عندهم؛
لأنَّ ما يُعطي اللهُ تعالى العبادَ في الآخرة ليس مقصوراً على الجزاء عندهم، بل
بعضُ ذلك تفضُّلٌ وبعضُه أجر.
وتقديم الخبر في الجملة الثانية؛ لتأكيد الحصر المستفادٍ من اللام - على ما هو
الشائع - اعتناءً بشأن نِعَمِ الآخرة. وقيل: للاختصاص؛ لأنَّ النِّعَم الدنيويَّة قد تكون
بواسطة من يستحقُّ الحمدَ لأجلها، ولا كذلك نِعَمُ الآخرة. وكأنه أرادَ: لتأكيد
الاختصاص، أو بَنى الأمر على أنَّ الاختصاص المستفادَ من اللام بمعنى الملابسة
التامَّة لا الحصر، كما فصَّله الفاضلُ اليمنيّ، وأمَّا أنَّه أراد لاختصاص
الاختصاص، فكما ترى، ويَرِدُ على قوله: ولا كذلك نِعَم الآخرة: ﴿عَسَوَ أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فتأمَّل.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ الذي أحكم أمرَ الدارين ودبَّه حسبما تقتضيه الحكمة.
﴿اْخِيرُ ﴾﴾ العالمُ ببواطن الأشياء ومكنوناتها، ويلزم من ذلك علمُه تعالى
بغيرها، وعمَّم بعضهم مِنْ أوَّلِ الأمر، وما ذكر مبنيٌّ على ما قاله بعضُ أهل اللغة
من أنَّ الخبرة تختصُّ بالبواطن؛ لأنَّها من خَبِرَ الأرضَ: إذا شقّها.
وفي هذه الفاصلة إيذانٌ بأنَّه تعالى كما يستحقُّ الحمدَ لأنَّه سبحانه منعِمٌ يستحقُّه
لأنَّه - جلَّ شأنه - منعوتٌ بالكمال الاختياريِّ، وتكميلُ معنى كونه تعالى منعِماً أيضاً
(١) أخرج مسلم (٢٨٣٥): (١٩) من حديث جابر الله يقول: قال رسول الله وَله: ((يأكل أهلُ
الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوَّطون ولا يمتخطون ولا يبولون، ولكنْ طعامُهُم ذاك جُشَاءٌ
گرشْحِ المسك، یلهمون التسبیح کما یلھمون النفس».
(٢) في الكشاف ٢٧٨/٣ .

الآية : ٢
٩
سُؤَادَةُ نَبًا
بأنَّه على وجه الحكمة والصواب، وعن علم بموضع الاستحقاق والاستيجاب،
لا كمن يطلَقُ عليه أنَّه منعمٌ مجازاً.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ﴾ إلخ استئنافٌ لتفصيل بعض ما يحيطُ به
علمه تعالى من الأمور التي نيطت بها مصالحهم الدينيّة والدنيويَّة.
وجُوِّز أن يكون تفسيراً لخبير، وأن يكون حالاً من ضميره تعالى في: ((له ما في
السماوات)) فيكون: ((له الحمد في الآخرة)) اعتراضاً بين الحال وصاحبها.
أي: يعلمُ سبحانه ما يدخلُ في الأرض من المطر ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات،
قاله السُّدِّيُّ.
وقال الكلبيُّ: ما يدخلُ فيها من الأموات، وما يخرج منها من جواهر
المعادن .
والأَولَى التعميمُ في الموصولين، فيشملان كلَّ ما يلجُ في الأرض، ولو
بالوضع فيها، وكلَّ ما يخرجُ منها حتى الحيوان، فإنَّ كلَّه مخلوقٌ (١) من التراب.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: من الملائكة، قاله السُّدِّيُّ
والکلميُّ.
والأَولَى التعميمُ، فيشمل ((ما ينزل)) المطرَ والثلجَ والبرَدَ والصاعقةَ والمقاديرَ
ونحوها أيضاً، ((وما يعرجُ)) الأبخرةَ والأدخنةَ وأعمالَ العبادِ وأدعيَتَهم ونحوها
أيضاً، ويرادُ بـ ((السماء)) جهةُ العلوِّ مطلقاً .
ولعلَّ ترتيب المتعاطفات كما سمعت إفادةً للترقِّي في المدح، وضُمِّن العروجُ
معنى السير أو الاستقرار - على ما قيل - فلذا عُدِّي بـ ((في)) دون ((إلى)). وقيل:
لا حاجةَ إلى اعتبار التضمين، والمراد بـ ((ما يعرجُ فيها)): ما يعرجُ في ثخن السماء،
ويعلم من العلم بذلك العلمُ بما يعرجُ إليها من باب أولى. فتدبر.
(١) في الأصل: مخلوقين.

سُوٌَّلا ◌َها
١٠
الآية : ٣
وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه والسلميُّ: ((يُنَزِّل)) بضمِّ الياء وفتح النون وشدّ
الزاي، أي: الله، كذا في ((البحر))(١).
وفي ((الكشاف)) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قرأ: ((نُنَزِّل)) بالتشديد ونون
العظمة(٢).
للمفرِّطين في أداء
﴿وَهُوَ﴾ مع كثرة نعمته وسبوغ فضله ﴿الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (
مواجب شكرها، فهذا التذنيبُ - مع كونه مقرِّراً للخبرة - مفصّلٌ لما أُجمِل في قوله
سبحانه: ((له ما في السماوات وما في الأرض)) يُعْرَف منه كيف كان كلُّه نعمةً،
وكالتبصُّر لأنواع النعم الكلِّيَّة، فكلٌّ منه ومن التذنيب السابق في موضعه الأحقِّ(٣)،
فلا تتوهّم أنَّ العكسَ أنسب.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِيَنَا السَّاعَةٌ﴾ أرادوا بضمير المتكلِّم جنسَ البشر قاطبةً،
لا أنفسهم أو معاصريهم فقط، وبنفي إتيانها نفيَ وجودها بالكلِّيَّة، لا عدمَ حضورها
مع تحقُّقها(٤) في نفس الأمر، وإنما عبَّروا عنه بذلك لأنَّهم كانوا يُوعَدون بإتيانها .
وقيل: لأنَّ وجودَ الأمور الزمانيَّة المستقبلة - لا سيما أجزاء الزمان - لا يكون إلَّا
بالإتيان والحضور. وقيل: هو استبطاءٌ لإتيانها الموعود بطريق الهزء والسخرية،
كقولهم: ﴿مَتَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]. والأوَّل أولى.
والجملة - قيل - معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ القصَّة على القصّة، وجعلُها حاليَّةً
غيرُ ظاهر.
﴿قُلْ بَلَى﴾ ردٌّ لكلامهم، وإثباتٌ لما نفوه، على معنى: ليس الأمر إلَّا إتيانها،
وقولُه تعالى: ﴿وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ تأكيدٌ له على أتمِّ الوجوه وأكملها .
(١) ٢٥٧/٧.
(٢) الكشاف ٢٧٩/٣، وذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢١، والقرطبي في
تفسيره ٢٥٣/١٧.
(٣) في (م): اللاحق. وهو تصحيف.
(٤) في (م): تحقيقها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢١/٧، والكلام منه.

الآية : ٣
١١
سُوٌالانباء
وجاء القَسَمُ بالربِّ للإشارة إلى أنَّ إتيانَها من شؤون الربوبيَّة، وأتى به مضافاً
إلى ضميره وَّر؛ ليدلَّ على شدَّة القسم. ورَوى هارون - كما قال ابن جنِّي(١) - عن
طليق(٢) قال: سمعت أشياخنا يقرؤون: ((ليأتينَّكم)) بالياء التحتيّة، وخُرِّجت على أنَّ
الفاعل ضميرُ البعث؛ لأنَّ مقصودهم من نفي إتيان الساعة أنَّهم لا يبعثون. وقيل:
الفاعل ضمير ((الساعة)) على تأويلها باليوم أو الوقت. وتعقَّبه أبو حيان(٣) بأنَّه بعيدٌ؛
إذْ لا يكون مثلُ هذا إلَّا في الشعر نحو:
ولا أرضَ أبقلَ إيقالَها(٤)
وقوله تعالى: ﴿عَلِ الْغَيْبِ﴾ بدلٌ من المقسم به، على ما ذهب إليه الحوفيُّ
وأبو البقاء، وجُوِّزَ أنْ يكون عطفَ بيان، وأجاز أبو البقاء أن يكون صفةً له(٥).
وتُعقِّبَ بأَنَّه صفةٌ مشبَّهةٌ، وهي - كما ذكره سيبويه في ((الكتاب)) - لا تتعرَّفُ بالإضافة
إلى معرفة (٦)، والجمهور على أنَّها تتعرَّفُ بها، ولذا ذهب جمعٌ من الأجلَّة إلى أنَّه
صفةٌ .
ووصف سبحانه بإحاطة العلم إمداداً للتأكيد، وتشديداً له إثرَ تشديد، فإنَّ عظمةً
حال المقسَم به تؤذنُ بقوّة حال المقسَم عليه، وشدَّة ثباته واستقامته؛ لأنَّه بمنزلة
الاستشهاد على الأمر، وكلَّما كان المستشهَدُ به أعلى كعباً، وأبينَ فضلاً، وأرفعَ
منزلةً؛ كانت الشهادةُ أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبتَ وأرسخ. وخُصَّ هذا
الوصف بالذكر من بين الأوصاف - مع أنَّ كلَّ وصفٍ يقتضي العظمةَ يتأتَّى به
ذلك - لِمَا أنَّ له تعلُّقاً خاصّاً بالمقسَم عليه؛ فإنَّه أشهرُ أفراد الغيب في الخفاء، ففيه
مع رعاية التأكيد حسنُ الإقسام على منوال:
(١) في المحتسب ١٨٦/٢.
(٢) كذا في المحتسب. ووقع في القراءات الشاذة ص١٢١، وتفسير القرطبي ٢٥٤/١٧، والبحر
المحيط ٧/ ٢٥٧: طلق. بدل: طليق.
(٣) في البحر المحيط ٧/ ٢٥٧.
(٤) عجز بيت لعامر بن جُوين الطائي، وسلف ٢٣٩/٢.
(٥) إملاء ما من به الرحمن ٢٠٣/٤.
(٦) انظر الكتاب ٤٢٥/١ .

سُورَةَ سَبَا
١٢
الآية : ٣
وثنا ياكِ إنَّها إغريضُ(١)
كأنَّه قيل: وربِّي العالم بوقت قيامها لتأتينَّكم. وفيه إدماجُ أن لا كلام في
ثبوتها .
وقال صاحب ((الفرائد)): جيء بالوصف المذكور؛ لأنَّ إنكارَهم البعثَ باعتبار
أنَّ الأجزاءَ المتفرِّقة المنتشرةَ يمتنعُ اجتماعها كما كانت؛ يدلُّ عليه قوله تعالى:
﴿قَدْ عَلِنَا مَا نَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ﴾ الآية [ق: ٤]، فالوصف بهذه الأوصاف رَدٌّ لزعمهم
الاستحالة، وهو أنَّ من كان علمهُ بهذه المثابة، كيف يمتنع منه ذلك؟ انتهى.
واستحسنه الطيبيُّ.
وقال في ((البحر)): أتْبَعَ القَسَم بقوله تعالى: ((عالم الغيب)) وما بعده؛ ليعلم أنَّ
إتيانها من الغيب الذي تفرَّدَ به عزَّ وجلَّ.
وما ذُكِرَ أوَّلاً أبعدُ مغزى.
وفائدة الأمر بهذه المرتبة من اليمين أنْ لا يَبقى للمعاندين عذرٌ ما أصلاً، فإنَّهم
كانوا يعرفون أمانته و ﴿ ونزاهته عن وصمة الكذب، فضلاً عن اليمين الفاجرة،
وإنَّما لم يصدِّقوه عليه الصلاة والسلام مكابرةً.
وغَفَل صاحبُ ((الفرائد)) عن هذه الفائدة فقال: اقتضى المقامُ اليمينَ؛ لأنَّ من
أنكر ما قيل له، فالذي وجبَ بعد ذلك إذا أُريد إعادةُ القول له أنْ يكون مقترناً
باليمين، وإلا كان خطأ بالنظر إلى علم المعاني، وإن كان صحيحاً بالنظر إلى
العربية والنحو. وقد يَغْفُلُ الأريب.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر ورويس وسلام والجحدريُّ وقعنب: ((عالمٌ)) بالرفع(٢)،
على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو عالم. وجَوَّزَ الحوفيُّ أن يكون مبتدأً خبرُه
(١) صدر بيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٢٨٧/٢، وعجزه:
ولآلٍ تُومٌ وبرقٌ وميضُ
(٢) البحر المحيط ٢٥٧/٧. وقراءة نافع وابن عامر في التيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٤٩/٢، وفي
الأخير قراءة رويس راوية يعقوب. وهي أيضاً قراءة أبي جعفر المدني من العشرة.

١٣
الآية : ٣
محذوف، أي: عالم الغيب هو. وجَوَّز هو وأبو البقاء(١) أنْ يكون مبتدأً والجملةُ
بعده خبره.
وقرأ ابنُ وثَّاب والأعمش وحمزةُ والكسائيُّ: ((علَّام)) بصيغة المبالغة،
والخفض (٢).
وقُرئ: ((عالم)) بالرفع(٣) بلا مبالغة ((الغيوب)) بالجمع(٤).
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ أي: لا يَبعد، ومنه: روض عزيب: بعيدٌ من الناس. وقرأ
الكسائيُّ بكسر الزاي(٥) .
﴿مِثْقَالُ ذَرَّقٍ﴾ مقدارُ أصغر نملة ﴿فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: كائنةٍ
فيهما ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ أي: مثقالٍ ذَرَّة ﴿وَلاَ أَكْبَرُ﴾ أي: منه، والكلامُ
على حدٍّ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]. ورفعهما على الابتداء، والخبرُ
قوله تعالى: ﴿إِلَّ فِي كِتَبٍ تُبِينٍ ﴾﴾ هو اللوح المحفوظ عند الأكثرين.
والجملة مؤكِّدةٌ لنفي العزوب.
وقرأ الأعمشُ وقتادة، وأبو عمرو ونافع في روايةٍ عنهما: ((ولا أصغرَ
ولا أكبرَ)) بالنصب(٦)، على أنَّ ((لا)) لنفي الجنس عاملةٌ عمل ((إنَّ)، وما بعدَها
اسمها منصوبٌ بها؛ لأنَّه شبيهٌ بالمضاف، ولم ينوَّن للوصف ووزن الفعل،
فليس ذلك نحو: ((لا مانع لما أعطيت))(٧)، والخبر هو الخبر على قراءة
الجمهور.
(١) في الإملاء ٢٠٣/٤.
(٢) البحر المحيط ٢٥٨/٧، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٤٩/٢.
(٣) بعدها في (م): يكون.
(٤) الكشاف ٢٧٩/٣.
(٥) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٥/٢.
(٦) المحرر الوجيز ٤٠٥/٤، والبحر المحيط ٢٥٨/٧، وقراءة الأعمش وقتادة في القراءات
الشاذة ص١٢١. وقراءة نافع وأبي عمرو المتواترة عنهما كقراءة الجمهور.
(٧) قطعة من حديث متفق عليه، سلف ١٢/ ٤٨٣، وسلف ثمة الكلام فى هذه المسألة.

سُؤْللانباء
١٤
الآية : ٣
وقال أبو حيان: ((لا)) لنفي الجنس، وهي وما بني معها مبتدأ على مذهب
سيبويه، والخبر ((إلا في كتاب))(١).
وما ذكرناه في توجيه القراءتين هو الذي ذهب إليه كثيرٌ من الأجلَّة.
وقيل: إنَّ ذلك معطوفٌ في قراءة الرفع على ((مثقال))، وفي القراءة الأخرى
على ((ذَرَّة))، والفتحة فيه نيابة عن الكسرة للوصف والوزن، وإليه ذهب أبو البقاء(٢).
واستشكلَ بأنَّه يصير المعنى عليه إذا كان الاستثناء متَّصلاً كما هو الأصل:
لا يعزبُ عن علمه مثقال ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك
ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين، فإنَّه يعزبُ عنه فيه. وفسادُه ظاهرٌ.
والتزمَ السراجُ البلقيني على تقدير العطف المذكور أنْ يكونَ الاستثناءُ من
محذوف، والتقدير: ولا شيء إلَّا في كتابٍ، ثم قال: ولا بدع في حذف ما قُدِّر
لدلالة الكلام عليه، ويحصل من مجموع ذلك إثباتُ العلم الله تعالى بكلِّ معلومٍ،
وأنَّ كلَّ شيءٍ مكتوبٌ في الكتاب.
وقيل: العطفُ على ما ذكر، والاستثناء منقطع، والمعنى: لا يعزبُ عنه تعالى
شيءٌ من ذلك، لكن هو في كتاب.
وقيل: العطف على ((ذلك))، والكلام نهج قوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ(٣)
فالمعنى: إن كان يعزبُ عنه شيءٌ، فهو الذي في كتابٍ مبين، لكن الذي في
الكتاب لا يعزبُ عنه، فلا يعزبُ عنه شيءٌ. وفيه من البعد ما فيه.
وقيل: إنَّ المرادَ بقوله تعالى: ((لا يعزب)) إلخ أنَّه تعالى عالمٌ به، والمراد
بقوله سبحانه: ((إلَّا في كتاب)) نحو ذلك؛ لأنَّ الكتاب هو عِلْمُ الله تعالى،
(١) البحر المحيط ٢٥٨/٧، والكتاب ٢٧٥/٢.
(٢) الإملاء ٢٠٣/٤.
(٣) سلف ٥/ ٤٠٧.

الآية : ٣
١٥
سُورَةُ نَبًا
والمعنى: وما يعزبُ عنه مثقال ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء إلَّا يعلمُه،
ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلَّا في علمه، فيكون نظيرَ قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن
وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِ كُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَايِ إِلَّا فِ كِنَِ مُيٍ﴾
[الأنعام: ٥٩]. وفيه أنَّه أبعدُ ممَّا قبله.
وقيل: ((يعزب)) بمعنى يظهر ويذهب، والعطف على ما سمعت، والمعنى: لم
يظهر شيءٌ عن الله تعالى بعدَ خلقه له إلَّا وهو مكتوبٌ في اللوح المحفوظ،
وتلخيصه: كلُّ مخلوقٍ مكتوب. وفيه أنَّ هذا المعنى لـ ((يعزب)) غيرُ معروف،
وإنَّما المعروف ما تقدَّم. نعم قال الصغانيُّ في ((العباب)) قال أبو سعيد الضرير:
يقال: ليس لفلانٍ امرأة تُعزِبه، أي: تُذْهِب عزبتَه بالنكاح، مثل قولك: تُمْرِضُه،
أي: تقوم عليه في مرضِه، ثم قال الصغانيُّ: والتركيب يدلُّ على تباعدٍ وتَنَحِّ،
فتفهيره بالظهور بعيدٌ، ولئن سلَّمنا قربَه، فلأيّ شيء جمع بين الظهور والذهاب.
وقيل: ((إلا)) بمعنى الواو، و((هو)) مقدَّر في الكلام، والكلام قد تمَّ عند
(أكبر))، كأنه قيل: لا يعزبُ عنه ذلك، وهو في كتاب، ومجيءُ ((إلّا)) بمعنى الواو
ذهبَ إليه الأخفشُ من البصريين، والفرَّاء من الكوفيين(١). وخَرَّجَ عليه قومٌ:
﴿يَجْتَغِبُونَ كَبَهِرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ الََّمْ﴾ [النجم: ٣٢]، و: ﴿خَلِدِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧].
وقد حكى هذا القولَ مكِّيٍّ في نظير الآية، ثم قال: وهو قولٌ حسن، لولا أنَّ
جمیعَ البصریین لا یعرفون («إلّا)) بمعنى الواو.
وكأنَّه لم يقف على قول الأخفش، وهو من رؤساء نحاة البصرة، أو لم
يعتبره(٢)، فلذا قال: جميع البصريين، وقد كثر الكلام في هذا الوجه وارتضاه
السراجُ البلقيني، وأنا لا أراهُ مَرْضيّاً، وإن أوقدَ له ألفُ سراج.
(١) انظر معاني القرآن للأخفش ٣٤٣/١، ومعاني القرآن للفراء ٢٨٧/٢-٢٨٨. وانظر ما سلف
١٩٨/١١-١٩٩.
(٢) في الأصل: يعتبروه.

١٦
الآية : ٣
وقيل: العطف على ما سمعت، وضمير ((عنه)) للغيب، فلا إشكال، إذ المعنى
حينئذٍ: لا يبعدُ عن غيبه شيءٌ إلَّا ما كان في اللوح؛ لبروزه من الغيب إلى الشهادة
واطلاع الملأ الأعلى عليه.
وتُعقّب بأنَّ المعنى لا يساعدُه؛ لأنَّ الأمر الغيبيَّ إذا برز إلى الشهادة لم يعزب
عنه، بل بقي في الغيب على ما كان عليه مع بروزه، ومعناه أنَّ كونَه في اللوح
المحفوظ كنايةٌ عن كونه من جملة معلوماته تعالى، وهي إمَّا مغيبةٌ وإمَّا ظاهرةٌ،
وكلُّ مغيَّبٍ سيظهر، وإلا كان معدوماً لا مغيّباً، وظهورُه وقتَ ظهوره لا يرفعُ كونَه
مغيَّباً، فلا يكون الاستثناء متَّصلاً، ألا ترى أنَّك لو قلت: عِلْمُ الساعة مغيَّبٌ عن
الناس إلَّا علمَهم بها حين تقوم ويشاهدونها، لم يكن هذا الاستثناءُ مَّصلاً، كذا
قيل، فتأمَّل ولا تغفل.
وأنت تعلم أنَّ هذا الوجه على فرض عدم ورود ما ذُكر عليه ضعيفٌ؛ لأنَّ
الظاهرَ الذي يقتضيه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِى
السَّمَاءِ﴾ الآية [يونس: ٦١] رجوعُ الضمير إلى الله عزَّ وجلَّ.
والذي ذهب إليه أبو حيان(١) أنَّ الكتابَ ليس هو اللوح، وليس الكلامُ إلَّا
كنايةً عن ضبط الشيء والتحقُّظ به.
وقرأ زيد بن علي ﴿ًا: ((ولا أصغرِ من ذلك ولا أكبرٍ)) بكسر الراءين(٢).
وخُرِّجَ على أنَّه نويَ مضافٌ إليه، والتقدير: ولا أصغرِه ولا أكبره. و((من
ذلك)) ليس متعلُّقاً بأفعل، بل هو تبيينٌ؛ لأنَّه لما حذف المضاف إليه أُبهم
لفظاً، فبُيِّن بقوله تعالى: ((من ذلك))، أي: أعني من ذلك. ولا يخفى أنَّه
توجیه شذوذ.
﴿لَيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ متعلِّقٌ بقوله سبحانه: ((لتأتينَّكم))،
(١) في البحر ٧/ ٢٥٨.
(٢) البحر المحيط ٢٥٨/٧.

الآية : ٤ - ٥
١٧
سُوٌلاَ نُبًا
على أنَّه علةٌ له وبيانٌ لمقتضى إتيانها، فهو من تتمَّة المقسَم عليه، فحاصل
الكلام أنَّ الحكمة تقتضي إثباتَها، والعلمُ البالغُ المحيط بالغيب وجميعِ
الجزئيات جليِّها وخفيِّها حاصلٌ، والقدرةُ المقتضيةُ لإيجاد العالم وما فيه وجعله
نعمةً على ما مرَّ، فقد تمَّ المقتضي، وارتفعَ المانعُ، فليس في الآية اكتفاءٌ في
الردِّ بمجرّد الیمین.
واستظهر في ((البحر)) تعلَّقه بـ ((لا يعزب))، وذهب إليه أبو البقاء(١). وتُعقّبَ بأنَّ
علمه تعالى ليس لأجل الجزاء.
وقيل: متعلّق بمتعلَّق ((في کتاب)). وهو كما ترى.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول من حيث اتِّصافه بما في حيِّز الصلة، وما فيه
من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك الموصوفون
بالإيمان وعمل الأعمال الصالحات ﴿لَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لما فَرَطَ منهم
من بعض فرطاتٍ قلَّما يخلو عنها البشر ﴿وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾﴾ حسنٌ لا تعب فيه
ولا مَنَّ عليه.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَتِنَا﴾ بالقدح فيها، وصدِّ الناس عن التصديق بها ﴿مُعَجِزِينَ﴾
أي: مسابقين، يحسبون أنَّهم يفوتوننا، قاله قتادة. وقال عكرمة: مراغمين. وقال
ابن زيد: مجاهدين في إبطالها .
وقرأ جمعٌ: (مُعْجِزين)) مخفَّفاً(٢). وابنُ كثير وأبو عمرو والجحدريُّ
وأبو السمَّال مثقَّلاً(٣)؛ قال ابن الزبير: أي: مثبِّطين عن الإيمان من أراده، مدخِلين
عليه العجزَ في نشاطه. وقيل: معجزين قدرةَ الله عزَّ وجلَّ في زعمهم.
﴿أُوْلَكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر، وفيه إشارةٌ إلى بُعْدٍ منزلتهم في الشرِّ
(١) في الإملاء ٢٠٣/٤.
(٢) ذكرها السمين في الدر المصون ٢٩١/٨ عن الجحدري وابن الزبير، وهي قراءة شاذة.
(٣) البحر المحيط ٢٥٨/٧. وقراءة ابن كثير وأبي عمرو في التيسير ص١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢.

الآية : ٦
١٨
﴿لَهُمْ﴾
بسبب ذلك ﴿عَذَابٌ مِّن رَّجْزٍ﴾ أي: من سيِّئ العذاب وأَشَدِّه، و((من))
للبيان ﴿أَلِيمٌ ﴾﴾ بالرفع(١) صفة ((عذاب)).
وقرأ أكثر السبعة بالجرِّ، على أنَّه صفةٌ مؤكّدةٌ لـ ((رجز)) بناءً على ما سمعت من
معناه، وجعله بعضهم صفةً مؤسِّسةً له بناءً على أنَّ ((الرجز)) - كما روي عن
قتادة - مطلقُ العذاب، وجُوِّزَ جعلهُ صفة ((عذاب)) أيضاً، والجرُّ للمجاورة.
والظاهر أنَّ الموصول مبتدأ، والخبر جملة ((أولئك لهم عذاب))، وجُوِّز أنْ
يكون في محلِّ نصبٍ عطفاً على الموصول قبله، أي: ويجزي الذين سعوا، وجملة
((أولئك لهم)) إلخ التي بعده مستأنفةٌ، والتي قبله معترضة.
وفي ((البحر)): يحتمل - على تقدير العطف على الموصول - أنْ تكون الجملتان
المصدَّرتان بـ ((أولئك)) هما نفس الثواب والعقاب، ويحتمل أن تكونا مستأنفتين،
والثوابُ والعقابُ غير ما تضمنتا ممَّا هو أعظمُ، كـ : رضا الله تعالى عن المؤمن
دائماً، وسخطه على الكافر دائماً (٢).
وفيه أنَّه كيف يتأتَّى حملُ ذلك على رضا الله تعالى وضدِّه، وقد صرَّح أوَّلاً
بالمغفرة والرزق الكريم، وفي مقابله بالعذاب الأليم، وجعل الأول جزاءً.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي: ويعلمُ أولو العلم من أصحاب رسول الله وَّر،
ومن يطأ أعقابَهم من أمَّته عليه الصلاة والسلام، أو مَن آمن من علماء أهل
الکتاب، کما روي عن قتادة، کـ : عبد الله بن سلام و کعب وأضرابهما
﴿الَّذِىّ
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ﴾ أي: القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ بالنصب على أنَّه مفعول ثانٍ
لـ ((يرى))، والمفعول الأول هو الموصول الثاني، و((هو)) ضمير الفصل.
وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع(٣)، على جعل الضمير مبتدأ، وجعله خبراً، والجملة
(١) هي قراءة حفص وابن كثير من السبعة، ويعقوب من العشرة، وقرأ الباقون بالجر. التيسير
ص١٨٠، والنشر ٣٤٩/٢.
(٢) البحر المحيط ٢٥٩/٧.
(٣) البحر المحيط ٢٥٩/٧.

الآية : ٦
١٩
الأشياء
في موضع المفعول الثاني لـ ((يرى))، وهي لغة تميم؛ يجعلون ما هو فصلٌ عند
غيرهم مبتدأ .
وقوله تعالى: ((ويرى)) إلخ ابتداءُ كلامٍ غير معطوفٍ على ما قبله، مسوقٍ
للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات.
وفي ((الكشف)): هو عطفٌ على قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ)
على معنى: وقال الجهلة: لا ساعة، وعلم أولو(١) العلم أنَّه الحقُّ الذي نطق به
المنزل إليك الحقُّ.
وتُعقّبَ بأنَّه تكلُّفٌ بعيدٌ؛ فإنَّ دلالة النظم الكريم على الاهتمام بشأن القرآن
لا غير.
وقيل عليه: أنت خبيرٌ بأنَّ ما قبله من قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا
السَّاعَةٌ) وقولِه سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُرْ) إلخ في شأن الساعة ومنكري
الحشر، فكيف يكون ما ذُكر بعيداً بسلامة الأمير، فذكرُ حقِّيَّةِ القرآن بطريق
الاستطراد، والمقصود بالذات حقِّيَّةُ ما نطق به من أمر الساعة.
وقال الطبريُّ والثعلبيُّ(٢): إنَّ ((يَرى)) منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرةٍ عطفاً على ((يجزي))،
أي: وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة معاينةً أنَّه الحقُّ حسبما علموه قبلُ
برهاناً، ويحتجُّوا به على المكذِّبين، وعليه فقوله تعالى: (وَلَّذِينَ سَعَوْ) معطوفٌ على
الموصول الأول، أو مبتدأ والجملةُ معترضةٌ، فلا يضرُّ الفصل كما توهّم.
وجُوِّزَ أن يُرَاد بأولي العلم من لم يؤمن من الأحبار، أي: ليعلموا يومئذٍ أنَّه هو
الحق، فيزدادوا حسرةً وغمّاً.
وتُعقّبَ بأنَّ وصفَهم بأولي العلم يأباه؛ لأنها صفةٌ مادحةٌ، ولعلَّ المجوِّزَ
لا يسلّم هذا.
(١) في (م): أولي.
(٢) تفسير الطبري ٢١٣/١٩، وتفسير الثعلبي ٧٠/٨.

سُؤْرَةٌ تَكَبَاء
٢٠
الآية : ٧
نعم كون ذلك بعيداً لا ينكر، لا سيَّما وظاهرُ المقابلة بقوله تعالى: ((وقال
الذين كفروا)) يقتضي الحملَ على المؤمنين.
﴿وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ﴾ الذي يَقهر ولا يُقهر ﴿اَلْحَمِيدِ ﴾﴾ المحمود في
جميع شؤونه عزَّ وجلَّ، والمراد بصراطه تعالى التوحيدُ والتقوى، وفاعل ((يهدي))
إمَّا ضمير ((الذي أنزل))، أو ضمير الله تعالى، ففي ((العزيز الحميد)» التفاتٌ،
والجملة على الأوَّل إمَّا مستأنفةٌ، أو في موضع الحال من ((الذي)) على إضمار
مبتدأ، أي: وهو يهدي، كما في قوله:
نجوتُ وأَرْهَنُهُم مالكاً (١)
أو معطوفةٌ على ((الحق)) بتقدير: وأنَّه يهدي.
وجُوِّزَ أن يكون ((يهدي)) معطوفاً على ((الحقّ)) عطف الفعل على الاسم؛ لأنَّه
في تأويله، كما في قوله تعالى: ﴿مَنَّفَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ﴾ [الملك: ١٩] أي: قابضات،
وبعكسه قوله :
وألفيته يوماً يبرُّ (٢) عدوَّه
وبحرَ عطاءٍ يستخفُّ(٣) المعابرا
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هم كفار قريش، قالوا مخاطباً بعضهم لبعض على جهة
التعجُّب والاستهزاء: ﴿هَلْ نَدُلُّكُرُ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون به النبيَّ وَّهِ، والتعبيرُ عنه عليه
الصلاة والسلام بذلك من باب التجاهل، كأنَّهم لم يعرفوا منه وٍَّ إلَّا أنَّه رجلٌ،
وهو عليه الصلاة والسلام عندهم أظهرُ من الشمس:
وليس قولُكَ مَنْ هذا بضائِره
العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ(٤)
(١) أي: وأنا أرهنهم ... ، والبيت لعبد الله بن همام السلولي، كما في إصلاح المنطق
ص٢٥٧، ودلائل الإعجاز ص٢٠٥، ومعاهد التنصيص ٢٨٥/١، وصدره:
فلمَّا خشيتُ أظافِيرَهُم
(٢) هكذا في الأصل بتشديد الراء، وفي (م) ومطبوع البحر ٢٥٩/٧: يبير. وفي مطبوع ديوان
النابغة ص ٦٥ - والبيت له -: يبيد.
(٣) في (م) ومطبوع البحر المحيط: يستحق.
(٤) هو للفرزدق في مدح زين العابدين. ديوانه ١٧٨/٢.