Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٥٣
٤٢١
سُورَةُ الأَخْرَابَ
ما جاءهم)) و((بغياً)) ليسا مستثنيين، بل وقع عليهما المستثنى وهو الاختلافُ،
كما تقول: ما قمتُ إلا يومَ الجمعة ضاحكاً أمام الأمير في داره، فكلُّها يعمل فيها
الفعل المفرَّغُ من جهة الصناعة، وهي من جهة المعنى كالشيء الواحد لأنها
بمجموعها بعضٌ من المصدر الذي تضمَّنه الفعل المنفي، وهذا أحسنُ من أن يقدَّر:
اختلفوا بغياً بينهم؛ لأنه حينئذٍ لا يفيد الحصر، وعلى ما قلناه يفيد الحصر فيه
كما أفاده في قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا جَآَهُمُ الْعِلْمُ)، فهو حَصْرٌ في شيئين لكنْ
بالطريق الذي قلناه، لا أنه استثناءُ شيئين بل استثناءُ شيءٍ صادقٍ على شيئين،
ويمكن حملُ كلام الزمخشريِّ على ذلك، فقوله: وقع الاستثناء على الوقت والحال
معاً، صحيحٌ وأن المستثنى أعمّ؛ لأنَّ الأعمَّ يقع على الأخصِّ، والواقعُ على
الواقع واقعٌ، فتخلّص عمَّا ورد عليه من قول النحاة: لا يستثنَى بأداةٍ واحدةٍ دون
عطفٍ شيئان. انتهى فتدبّرْه.
وجوِّز أن يكون ((غير ناظرين)) حالاً من المجرور في ((لكم)) ولم يذكره
الزمخشري. وفي ((الكشف)): لو جعل حالاً من ذلك لأفاد ما ذكره من حيث إنه
نهيٌّ عن الدخول في جميع الأوقات إلا وقت وجود الإذن المقيد.
وقال العلّامة تقيُّ الدين: لم يجعل حالاً من ذلك وإن كان جائزاً من جهة
الصناعة لأنه يصير حالاً مقدَّرةً، ولأنهم لا يَصيرون منهيِّين عن الانتظار، بل يكون
ذلك قيداً في الإذن، وليس المعنى على ذلك بل على أنهم نُهوا أن يدخلوا إلا بإذنٍ،
ونُهوا إذا دخلوا أن يكونوا غير ناظرين إناه، فلذلك امتنع من جهة المعنى أن يكون
العامل فيه ((يؤذن)) وأن يكون حالاً من مفعوله. اهـ، ولعله أبعدُ نظراً مما في
«الکشف».
وقرأ ابن أبي عبلة: ((غيرٍ)) بالكسر(١) على أنه صفةٌ لـ ((طعام)) فيكون جارياً على
غير مَن هو له، ومذهب البصريين في ذلك وجوبُ إبراز الضمير، بأن يقال هنا:
غيرِ ناظرٍ أنتم، أو: غيرِ ناظرين أنتم، ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبسٌ
كما هنا، والتخريج المذكور عليه.
(١) الكشاف ٢٧١/٣، والبحر ٢٤٦/٧.

سُورَةُ الأَجْزَابُ
٤٢٢
الآية : ٥٣
وقد أمال حمزة والكسائي ((إناه))(١) بناءً على أنه مصدرُ أَنَى الطعامُ: إذا أَدْرَكَ.
وقرأ الأعمش: ((إناءه)) بمدَّةٍ بعد النون(٢).
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ﴾ استدراكٌ من النهي عن الدخول بغير إذنٍ، وفيه دلالةٌ
على أنَّ المراد بالإذن إلى الطعام الدعوةُ إليه.
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا﴾ أي: فإذا أكلتم الطعام فتفرَّقوا ولا تلبثوا، والفاءُ
للتعقيب بلا مهلةٍ للدلالة على أنه ينبغي أن يكون دخولهم بعد الإذن والدعوة على
وجهٍ يعقبه الشروعُ في الأكل بلا فصلٍ.
والآيةُ على ما ذهب إليه الجلُّ من المفسرين خطابٌ لقوم كانوا يتحيَّنون طعام
النبيِّ وََّ، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، مخصوصةٌ بهم وبأمثالهم ممن يفعل
مثلَ فعلهم في المستقبل، فالنهيُّ مخصوصٌ بمن دخل بغير دعوةٍ وجلس منتظراً
للطعام من غير حاجةٍ، فلا تفيد النهي عن الدخول بإذنٍ لغير طعام، ولا عن
الجلوس واللبث بعد الطعام لمهمٍّ آخر، ولو اعتُبر الخطاب عامًّا لكان الدخول
واللبثُ المذكوران منهيًّا عنهما، ولا قائلَ به.
ويؤيِّد ما ذُكر ما أخرجه عبد بن حميد عن الربيع بن(٣) أنس ظُه قال: كانوا
يتحيَّنون فيدخلون بيت النبيِّ وَّهِ، فيجلسون فيتحدَّثون ليُدْرِكَ الطعامُ، فأنزل الله
تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) الآية.
وكذا ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم قال: نزلت في الثقلاء(٤).
ومن هنا قيل: إنها آية الثقلاء. وتقدَّم لك القولُ بجواز كون ((إلى طعام)) قد تنازع
فيه الفعلان ((تدخلوا)) و((يؤذن)) والأمرُ عليه ظاهر.
وقال العلامة ابن كمال: الظاهر أنَّ الخطاب عامٌّ لغير المحارم، وخصوصُ
السبب لا يصلح مخصِّصاً على ما تقرَّر في الأصول، نعم يكون وجهاً لتقييد الإذن
(١) التيسير ص٤٩.
(٢) البحر ٢٤٦/٧.
(٣) في الأصل و(م): عن، والمثبت من الدر المنثور ٢١٣/٥، والكلام منه.
(٤) الدر المنثور ٢١٤/٥.

الآية : ٥٣
٤٢٣
سُورَةُ الأَجْزَائِ
بقوله تعالى: (إِلَى طَعَارٍ) فيندفع وهم اعتبارِ مفهومه. انتهى، وفيه بحثٌ فتأمل.
والمشهورُ في سبب النزول ما ذكرناه أولَ الكلام في الآية عن الإمام أحمد
والشیخین وغيرهم فلا تغفل.
﴿وَلَا مُسْتَئِنِينَ لِحَدِينٍ﴾ أي: لحديثِ بعضكم بعضاً، أو لحديثِ أهل البيت
بالتسمُّع له، فاللامُ تعليليةٌ، أو اللامُ المقوِّية، و((مستأنسين)) مجرورٌ معطوفٌ على
(ناظرين))، و((لا)) زائدة، ويجوز أن يكون منصوباً معطوفاً على ((غير)) كقوله تعالى:
(وَلَا الضَّآلّيْنَ). وجوِّز أن يكون حالاً مقدَّرةً أو مقارنةً من فاعِلٍ فِعْلٍ حُذف مع
فاعله، وذلك معطوفٌ على المذكور، والتقدير: ولا تدخلوها أو لا تمكثوا
مستأنسین لحديث.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: اللبثَ الدالَّ عليه الكلام، أو الاستئناسَ، أو المذكورَ من
الاستئناس والنظر، أو الدخولَ على غير الوجه المذكور. والأول أقوى ملاءمةً
للسياق والسباق.
﴿كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ﴾ لأنه يكون مانعاً له عليه الصلاة والسلام عن قضاء بعضٍ
أوطاره، مع ما فيه من تضييق المَنزِلِ عليهِ بَّر وعلى أهله.
﴿فَيَسْتَخِي، مِنكُمٌ﴾ أي: من إخراجكم بأن يقول لكم: اخرجوا، أو من
مَنْعِكم عما يؤذيه على ما قيل، فالكلامُ على تقديرِ المضاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا
يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ﴾ فإنَّه يدلُّ على أنَّ المستَحْيَى منه معنًى من المعاني لا ذواتُهم،
ليتوارد النفي والإثبات على شيءٍ واحد كما يقتضيه نظامُ الكلام، فلو كان المراد
الاستحياءَ من ذواتهم لقال سبحانه: والله لا يستَحْيي منكم، فالمراد بالحقِّ
إخراجُهم أو المنع عن ذلك، ووُضِعَ ((الحقّ)) موضعه لتعظيم جانبه، وحاصلُ الكلام
أنه تعالى لم يترك الحقَّ وأمركم بالخروج، والتعبيرُ بعدم الاستحياء للمشاكلة،
وجوِّز أن يكون الكلام على الاستعارة أو المجاز المرسل.
واعتبارُ تقدير المضاف مما ذهب إليه الزمخشريُّ (١) وكثيرٌ، وهو الذي ينبغي أن
يعوَّل عليه. وفي ((الكشف)): فإن قلت: الاستحياء من زيد للإخراج مثلاً هو
(١) في الكشاف ٢٧١/٣.

سُؤَّةُ الأَجْزَارِّ
٤٢٤
الآية : ٥٣
الحقيقةُ، والاستحياءُ من استخراجه توسُّعٌ بجَعْلٍ ما نشأ منه الفعل كالصلة، وكلتا
العبارتين صحيحةٌ يصحُّ إيقاع إحداهما موقعَ الأخرى.
قلت: أريدَ أنه لابدَّ من ملاحظة معنى الإخراج، فإما أن يقدَّر الإخراج ويوقَعَ
عليه، فيكثرَ الإضمارُ ولا يطابق اللفظَ نفياً وإثباتاً، وإمَّا أن يقدَّر المضاف فيقلَّ
ويطابقَ، ومع وجود المرجّح وفَقْدِ المانع لا وجهَ للعدول، فلا بدَّ مما ذكر.
وقال العلامة ابن كمال: إنَّ قوله تعالى: (فَيَسْتَجِيء مِنكُمٌ) تعليلٌ لمحذوفٍ
دلَّ عليه السياق، أي: ولا يخرجكم فيستحيي منكم، ولذلك صدِّر بأداةِ التعليل،
ولو كان المعنى: يستحيي من إخراجكم، لكان حقُّه أن يصدّر بالواو. وفيه أنَّ
الكلام بعد تسليم ما ذكر على تقدير المضاف.
وزعم بعضهم أنَّ الأصل: فيستحيي منكم من الحقِّ، والله لا يستحيي منكم من
الحق، والمراد بالحق إخراجُهم، على أنَّ ذلك من الاحتباك، وكِلَا حرفي الجرِّ
ليس بمعنّى واحدٍ، بل الأول للابتداء والثاني للتعليل، وقال: إنَّ الحمل على ذلك
هو الأنسبُ للإعجاز التنزيليِّ والاختصارِ القرآني، ولا يخفى ما فيه.
وقرأت فرقة كما في ((البحر)): ((فيستحِي)) بكسر الحاء مضارع اسْتَحَى، وهي
لغةُ بني تميم، والمحذوفُ إما عينُ الكلمة فوزنه يَسْتَفِلُ، أو لامها فوزنُه يَسْتَقِعُ (١).
وفي ((الكشاف)): قرئ: ((لا يستحي)) بياءٍ واحدةٍ (٢)، وأظنُّ أنَّ القراءة بياءٍ واحدة في
الفعل في الموضعين.
هذا والظاهرُ حرمةُ اللبث على المدعوِّ إلى طعامِ بعد أن يَطْعَمَ إذا كان في ذلك
أُذّى لربِّ البيت، وليس ما ذكر مختصًا بما إذا كان اللبث في بيت النبيِّ عليه الصلاة
والسلام، ومن هنا كان الثقيلُ مذموماً عند الناس، قبيحَ الفعل عند الأكياس.
وعن ابن عباس وعائشة(٣)
،: حَسْبُكَ في الثقلاء أنَّ الله عز وجل لم
يحتملهم.
(١) البحر ٢٤٧/٧.
(٢) الكشاف ٣/ ٢٧١.
(٣) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٢٤٧/٧، وجاء في المحرر الوجيز ٣٩٥/٤:

الآية : ٥٣
٤٢٥
سُورَةُ الأَجْزَاءَ
وعندي كالثقيل المذكورِ مَن يُدْعَى في وقتٍ معيَّنٍ مع جماعةٍ فيتأخّرُ عن ذلك
الوقت من غير عذرٍ (١) شرعيٍّ بل لمحضٍ أن يُنتظر ويَظْهِرَ بين الحاضرين مزيدُ
جلالته، وأنَّ صاحب البيت لا يَسَعُه تقديمُ الطعام للحاضرين قبل حضوره مخافةً
منه أو احتراماً له أو لنحو ذلك، فيتأذَّى لذلك الحاضرون أو صاحبُ البيت، وقد
رأينا من هذا الصنف كثيراً، نسأل الله تعالى العافية إنَّ فضله سبحانه كان كبيراً.
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الضمير لنساء النبيِّ وَّرِ المدلول عليهنَّ بذكر بيوته عليه الصلاة
والسلام، أي: وإذا طلبتم منهنَّ ﴿مَتَعًا﴾ أي: شيئاً يُتمتَّع به من الماعون وغيره
﴿فَسْئَلُوهُنَّ﴾ فاطلبوا منهنَّ ذلك ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ أي: ستر.
أخرج البخاريُّ وابن جرير وابن مردويه عن أنس به قال: قال عمر بن
الخطاب ﴿ه: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمَّهات
المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله تعالى آيةَ الحجاب(٢).
وكان ◌َُّ حريصاً على حجابهنَّ، وما ذاك إلا حبًّا لرسول الله وَّر، أخرج ابن
جرير عن عائشة أنَّ أزواج النبيِّ عليه الصلاة والسلام كنَّ يخرجنَ بالليل إذا
تبرَّزن(٣) إلى المناصع، وهو صعيدٌ أَفْيَحُ، وكان عمر بن الخطاب ظُه يقول
للنبيِّ وَّرَ: احجبْ نساءك. فلم يكن رسول الله وَ﴿ يفعل، فخرجت سودةُ بنتُ
زمعةَ ﴿ّا ليلةً من الليالي عشاءً، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمر ◌َؤُه بصوته
= وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: حسبك ... إلخ، ولعل أبا حيان رحمه الله وهم
فنقله: عن ابن عباس وعائشة.
والصواب أن الكلام لابن عائشة كما قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣٦،
وكما أخرجه الثعلبي في تفسيره ٥٨/٨-٥٩ من طريق الغلابي عن ابن عائشة، وابن عائشة
هو عبيد الله بن محمد بن حفص القرشي التيمي، أبو عبد الرحمن البصري، من ولد عائشة
بنت طلحة بن عبيد الله، توفي سنة (٢٢٨هـ)، والغلابي هو محمد بن زكريا، وهو أحد
الرواة عن ابن عائشة كما ذكر المزي في تهذيب الكمال ٤٩/١٩.
(١) بعدها في (م): كثير.
(٢) صحيح البخاري (٤٤٨٣)، وتفسير الطبري ١٦٧/١٩، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر
٢١٣/٥، وعنه نقل المصنف.
(٣) في الأصل و(م): برزن، والمثبت من المصادر على ما يأتي.

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٤٢٦
الآية : ٥٣
الأعلى: قد عرفناكٍ يا سودةُ. حرصاً على أن ينزل الحجابُ، فأنزل الله تعالى
الحجاب(١). وذلك أحدُ موافقات عمر عظَبه، وهي مشهورةٌ.
وعدَّ الشيعةُ ما وقع منه رَله في خبر ابن جرير من المثالب؛ قالوا: لِمَا فيه من
سوء الأدب وتخجيلٍ سودةَ حرمٍ رسول الله وَلّ وإيذائها بذلك.
وأجاب أهلُ السنَّة بعد تسليم صحة الخبر أنه تَُّبه رأى أنْ لا بأسَ بذلك؛ لِمَا
غلب على ظنّه من ترتُّب الخير العظيم عليه، ورسول الله وَّهِ وإن كان أعلمَ منه
وأَغْيَرَ لم يفعل ذلك انتظاراً للوحي، وهو اللائقُ بكمال شأنه مع ربِّه عز وجل.
وأخرج البخاريُّ في ((الأدب)) والنسائيُّ من حديث عائشة أنها كانت تأكل معه
عليه الصلاة والسلام وكان يأكل معهما بعضُ أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ يدَها،
فكره النبيُّ وَّر ذلك فنزلت(٢).
ولا يبعُدُ أن يكون مجموعُ ما ذكر سبباً للنزول.
ونزل الحجابُ - على ما أخرج ابن سعد عن أنس - سنةً خمس من الهجرة(٣)،
وأخرج عن صالح بن كيسان أنَّ ذلك في ذي القعدة منها(٤).
﴿ذَلِكُمْ﴾ الظاهرُ أنه إشارةٌ إلى السؤال من وراء حجاب، وقيل: هو إشارة
إلى ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول
وسؤال المتاع من وراء حجاب.
﴿أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: أكثرُ تطهُّراً من الخواطر الشيطانية التي تخطر
للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال، فإنَّ الرؤية سببُ التعلُّق والفتنة،
(١) تفسير الطبري ١٦٨/١٩، وهو عند البخاري (١٤٦)، ومسلم (٢١٧٠).
(٢) جاء في حاشية (م): وفي مجمع البيان أن مجاهداً روى عن عائشة أنها كانت تأكل مع
رسول الله ور حيساً في قعب، فمر عمر فدعاه عليه الصلاة والسلام فأكل، فأصابت أصبعه
أصبع عائشة فقال: لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين. اهـ منه، وهو في مجمع البيان ٢٢/ ١٦٢ .
وبهذا اللفظ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٥٣)، والنسائي في الكبرى (١١٣٥٥).
(٣) طبقات ابن سعد ١٧٤/٨ .
(٤) طبقات ابن سعد ٨/ ١٧٥ .

الآية : ٥٣
٤٢٧
سُؤَّةُ الأَجْزَارِ
وفي بعض الآثار: النظرُ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس(١). وقال الشاعر:
في أَعْيُنِ العِيْنِ موقوفٌ على الخَطَرِ
والمرءُ ما دام ذا عينٍ يقلِّبُها
يَسُرُّ مقلتَه ما ساء مهجته لا مرحباً بانتفاع جاء بالضررِ (٢)
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ أي: وما صحَّ وما استقام لكم ﴿أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
أي: تفعلوا في حياته فعلاً يكرهُه ويتأذَّى به، كاللبث والاستئناس بالحديث الذي
كنتم تفعلونه وغيرِ ذلك. والتعبيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتقبيح
ذلك الفعل، والإشارة إلى أنه بمراحل عمَّا يقتضيه شأنه وَّ؛ إذ في الرسالة مِن
نَفْعِهم المقتضي للمقابلة بالمِثْلِ دون الإيذاء ما فيها .
﴿وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًا﴾ من بعد وفاته أو فراقه، وهو
كالتخصيص بعد التعميم، فإن نكاح زوجة الرجل بعد فراقه إياها من أعظم الأذى.
ومِن الناس مَن تفرطُ غيرُه على زوجته حتى يتمنَّى لها الموت لئلّا تُنكح من بعده،
وخصوصاً العرب فإنهم أشدُّ الناس غيرةً.
وحكى الزمخشريُّ أنَّ بعض الفتيان قتل جاريةً له يحبُّها مخافةً أن تقع في يد
غيره بعد موته(٣).
وظاهر النهي أنَّ العَقْدَ غير صحيح، وعمومُ الأزواج ظاهرٌ في أنه لا فرق في
ذلك بين المدخول بها وغيرِها كالمستعيذة(٤)، والتي رأى بكَشْحها بياضاً، فقال
لها عليه الصلاة والسلام قبل الدخول: ((الحقي بأهلك)»(٥). وهو الذي نصّ عليه
(١) أخرجه الحاكم ٣١٣/٤-٣١٤ من طريق إسحاق بن عبد الواحد القرشي، عن هشيم، عن
عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثار، عن صلة بن زفر، عن حذيفة تؤ مرفوعاً،
وصححه، وقال الذهبي: إسحاق بن عبد الواحد القرشي واهٍ، وعبد الرحمن هو الواسطي
ضعَّفوه. اهـ. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٣٦٢) من حديث ابن مسعود مظلته، وفي
إسناده أيضاً عبد الرحمن الواسطي. فالحديث ضعيف ولكن معناه صحيح.
(٢) البيتان لعبد المحسن بن غالب الصوري كما في ذم الهوى لابن الجوزي ص١٠١ .
(٣) الكشاف ٣/ ٢٧٢ .
(٤) قال ابن عبد البر في الاستيعاب ١٢٧/١٣: اختلف في المستعيذة من رسول الله وَّلفيه اختلافاً
كثيراً، ولا يصح فيها شيء.
(٥) أخرجه أحمد (١٦٠٣٢)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢٢٣/٧، والطحاوي في شرح مشكل
=

سُورَةُ الأَجْتَانِ
٤٢٨
الآية : ٥٣
الإمامُ الشافعيُّ، وصححه في ((الروضة)). وصحَّح إمامُ الحرمين والرافعيُّ في
((الصغير)) أنَّ التحريم للمدخول بها فقط؛ لِمَا روي أنَّ الأشعث بن قيس الكنديَّ
نكح المستعيذةَ في زمن عمر رَظْه، فهمَّ عمر برجمه، فأُخبر أنها لم يكن مدخولاً
بها، فكفَّ من غير نكير(١).
وروي أيضاً أنَّ قتيلةَ بنتَ قيس أختَ الأشعث المذكورِ تزوَّجها عكرمةُ بن
أبي جهل بحضرموت، وكانت قد زوَّجها أخوها قبلُ من رسول الله وَّهِ، فَقَبْلَ أن
يدخل بها حملها معه إلى حضرموت وتوفِّي عنها عليه الصلاة والسلام، فبلغ ذلك
أبا بكر ظُه فقال: هممتُ أن أحرق عليها بيتها. فقال له عمر: ما هي من أمَّهات
المؤمنين، ما دخل بها وَّ﴿ ولا ضَرَبَ عليها الحجاب(٢).
وقيل: لم يحتجَّ عليه بذلك، بل احتجَّ بأنها ارتدَّتْ حين ارتدَّ أخوها فلم تكن
من أمَّهات المؤمنين بارتدادها(٣).
وكذا هو ظاهرٌ في أنه لا فرق في ذلك بين المختارة منهنَّ الدنيا كفاطمة بنت
الضحاك بن سفيان الكلابيِّ في رواية ابن إسحاق(٤)، والمختارةِ اللهَ ورسولَهَ وَّل
كنسائه عليه الصلاة والسلام التسع اللاتي توفّي عنهنَّ.
= الآثار من حديث كعب بن زيد الأنصاري، وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية
المسند، وحاشية تفسير القرطبي ١٢٦/١٧، والتلخيص الحبير ١٣٩/٣، والكشْح: ما بين
الخاصرة إلى الصِّلَع الخَلْف. المختار (كشح) ..
(١) ذكره الغزالي في الوسيط ٢١/٥، والماوردي وإمام الحرمين والقاضي حسين كما ذكر ابن
حجر في التلخيص الحبير ١٣٩/٣ وقال: ولا أصل له في كتب الحديث. وسلف ص ٢٠٠
من هذا الجزء.
(٢) ذكره الحاكم في المستدرك ٣٨/٤ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، وذكره أيضاً ابن عبد البر
في الاستيعاب ١٣٥/١٣.
(٣) أخرجه ابن سعد ١٤٧/٨-١٤٨ عن داود بن أبي هند، وأخرجه الطبري ١٩/ ١٧٠، والطحاوي
في شرح مشكل الآثار (٦٥٤) من طريق داود عن الشعبي، وكذا أخرجه أبو نعيم في المعرفة
کما ذکر الحافظ في التلخيص الحبير ١٣٩/٣ وقال: وأخرجه البزار من وجه آخر عن داود عن
عكرمة عن ابن عباس موصولاً، وصححه ابن خزيمة والضياء من طريقه في المختارة.
(٤) ذكره عن ابن إسحاق ابن عبد البر في الاستيعاب ١٢٦/١٣، وقال: وهذا عندنا غير
صحيح. وردَّه بما في الصحيح من حديث عائشة ﴿ّا أن رسول الله وَّه حين خيَّر أزواجه
بدأ بها فاختارت الله ورسوله، قالت: وتتابع أزواج النبي ◌َّو كلهن على ذلك.

الآية : ٥٤
٤٢٩
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وللعلماء في حلِّ مختارة الدنيا للأزواج طريقان؛ أحدهما طرد الخلاف،
والثاني القطعُ بالحلِّ، واختاره الإمام والغزاليُّ عليهما الرحمة(١).
وكأنَّ مَن قال بحلٌّ غير المدخول بها وبحلِّ المختارة المذكورة حَمَلَ الأزواج
على مَن كنَّ في عصمته يومَ نزول الآية، وعلى مَن يشبههنَّ ولَسْنَ إلا المدخولات
بهن اللاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام، وإذا حُمِلَ ذلك وأريدَ بقوله تعالى: (مِنْ
بَعْدِهِة): من بعد فراقه، يلزم حرمةُ نكاح مَن طلَّقها وَلِّ من تلك الأزواج على
المؤمنين، وهو كذلك.
ومن هنا اختلف القائلون بانحصار طلاقه بَ ﴿ بالثلاث، فقال بعضهم: تحلُّ له
عليه الصلاة والسلام مَن طلقها ثلاثاً من غير محلِّلٍ. وقال آخرون: لا تحلُّ له
أبداً .
وظاهر التعبير بالأزواج عدمُ شمول الحكم لأَمَةٍ فارقها وَ له بعد وطئها، وفي
المسألة أوجهٌ، ثالثُها أنها تحرم إن فارقها بالموت كـ: مارية ﴿يا، ولا تحرم إن
باعها أو وهبها في الحياة.
وحرمةُ نكاح أزواجه عليه الصلاة والسلام من بعده من خصوصياته وَله،
وسمعتُ عن بعض جهلة المتصوِّفة أنهم يحرِّمون نكاحَ زوجة الشيخ مِن بعده على
المريد، وهو جهلٌ ما عليه مزيد.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما ذكر من إيذائه عليه الصلاة والسلام ونكاحٍ أزواجه
من بعده، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد.
﴿كَانَ عِنْدَ اُللَّهِ﴾ في حكمه عز وجل ﴿عَظِيمًا ﴾﴾ أي: أمراً عظيماً وخَظباً
هائلاً لا يقادَرُ قَدْرُه. وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله وَّله وإيجابٍ حرمته حيًّا
وميتاً ما لا يخفى.
ولذلك بالغ عزَّ وجلَّ في الوعيد حيث قال سبحانه: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا﴾ ممَّا لا خيرَ
فيه على ألسنتكم، كأنْ تتحدَّثوا بنكاحهنَّ ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
(١) سلف الكلام في هذه المسألة ص١٩٩-٢٠١ من هذا الجزء.

سُورَةُ الأَجْزَانَ
٤٣٠
الآية : ٥٤
كاملَ العلم، فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي الباديةِ
٥٤
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
والخافيةِ لا محالة، وهذا دليلُ الجواب، والأصل: إن تبدوا شيئاً أو تخفوه يُجازكم
به، فإنَّ الله .. إلخ. وقيل: هو الجواب على معنى: فأخبركم أنَّ الله .. إلخ.
وفي تعميم ((شيء)) في الموضعين مع البرهان على المقصود من ثبوت علمه
تعالى بما يتعلَّق بزوجاته وَّهِ مزيدُ تهويلٍ وتشديدٍ ومبالغةٍ [في] (١) الوعيد.
وسبب نزول الآية على ما قيل أنه لمَّا نزلت آية الحجاب قال رجل: أنُنْهَى أن
نكلِّم بناتِ عمِّنا إلا من وراء حجاب، لئن مات محمد وَّه لنتزوَّجنَّ نساءه. وفي
بعض الروايات: تزوَّجْتُ عائشةً أو أمَّ سلمة.
وأخرج جويبر عن ابن عباس أن رجلاً أتى بعضَ أزواج النبيِّ وَّ فكلَّمها،
وهو ابن عمِّها، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((لا تقومنَّ هذا المقام بعد يومك
هذا)) فقال: يا رسول الله، إنها ابنةُ عمِّي، والله ما قلتُ لها منكراً ولا قالت لي.
قال النبي وَّجُ: ((قد عرفتُ ذلك، إنه ليس أحدٌ أَغْيَرَ من الله تعالى، وإنه ليس أحدٌ
أغيرَ مِنِّي)، فمضى ثم قال: عنَّفني من كلام ابنة عمِّي، لأتزوَّجنَّها من بعده. فأنزل الله
تعالى هذه الآية، فأعتق ذلك الرجلُ رقبةً، وحَملَ على عشرة أبعرةٍ في سبيل الله
تعالى، وحَّ ماشياً من كلمته (٢).
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة أنَّ طلحة بن عبيد الله
قال: لو قبض النبيُّ ◌َّه تزوَّجت عائشةَ. فنزلت: (وَمَا كَانَ لَكُمْ) الآية (٣).
قال ابن عطية: كون القائل طلحة ظه لا يصحُّ(٤). وهو الذي يغلب على
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١١٣/٧، والكلام منه.
(٢) الدر المنثور ٢١٤/٥، وأسباب النزول للسيوطي ص٣٠٧، وتحرف جويبر في الدر إلى: ابن
جرير.
(٣) الدر المنثور ٢١٤/٥، وهو في تفسير عبد الرزاق ١٢٢/٢ بلفظ: أن رجلاً قال ... ، ولم
يسمِّه.
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٦/٤. وقال أبو العباس القرطبي في المفهم ١٤٩/٤: وقد حكي هذا
القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله، وإنما الكذب في نقله، وإنما يليق
مثل هذا القول بالمنافقين والجهَّال.

الآية : ٥٥
٤٣١
سِوَّةُ الأَجْزَائِ
ظنِّي، ولا أكاد أسلِّم الصحة إلَّا إذا سلِّم ما تضمَّنه خبر ابن عباس مما يدلُّ على
الندم العظيم.
وفي بعض الروايات أنَّ بعض المنافقين قال حين تزوَّج رسول الله وَّهِ أَمَّ سلمة
بعد أبي سلمة، وحفصةً بعد خنيس بن حذافة: ما بالُ محمدٍ وَّهِ يتزوَّجُ نساءنا،
والله لو قد مات لأَجَلْنا السهام على نسائه. فنزلت(١).
ولعمري إنَّ ذلك غيرُ بعيدٍ عن المنافقين، وهو أبعدُ من العيُّوق عن المؤمنين
المخلصين، لا سيما مَن كان من المبشَّرين رضي الله عنهم أجمعين، ورأيتُ لبعض
الأجلَّة أنَّ طلحة الذي قال ما قال ليس هو طلحةً أحدَ العشرة، وإنما هو طلحةُ آخرُ
لا يَبْعدُ منه القول المحكيُّ، وهذا من باب اشتباه الاسم فلا إشكال.
﴿لَّا جُنَاحَ عَيْهِنَ فِىّ ءَابَآِنَّ وَلَّ أَبْنَاِهِنَّ وَلَ إِخْوَبِهِنَّ وَلَآَ أَبَِّ إِخْوَنِنَّ وَلَّ أَبْنَآءِ
أَخَوَتِهِنَّ﴾ استئنافٌ لبيان مَن لا يجبُ عليهنَّ الاحتجابُ عنه. روي أنه لمَّا نزلت آية
الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: أَوَنحن يا رسول الله نكلِّمهنَّ أيضاً من وراء
حجاب؟ فنزلت(٢).
والظاهر أنَّ المعنى: لا إثم عليهنَّ في ترك الحجاب من آبائهنّ .. إلخ، وروي
ذلك عن قتادة.
وعن مجاهد أنَّ المراد: لا جناحَ عليهنَّ في وضع الجلباب وإبداء الزينة
للمذکورین. وفي حُكْمِهم كلُّ ذي رحمٍ من نسبٍ أو رضاعٍ على ما روى ابن سعد
عن الزهري(٣). وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ((ناسخه)) عن عكرمة قال: بلغ
ابنَ عباس ﴿هَا أنَّ عائشة ﴿ّ احتجبت من الحسن ◌َله، فقال: إنَّ رؤيته لها
۴(٤)
٠
لحِل
ولم يذكر العمَّ والخال لأنهما بمنزلة الوالدين، أو لأنه اكْتَفَى عن ذكرهما بذکر
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٦/٤.
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٤٨٠، والزمخشري في الكشاف ٢٧٢/٣.
(٣) طبقات ابن سعد ٨/ ١٧٧.
(٤) الدر المنثور ٢١٥/٥.
.

سُورَةُ الأَجْزَائِ
٤٣٢
الآية : ٥٥
أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، فإنَّ مناط عدم لزوم الحجاب بينهنَّ وبين الفريقين
عينُ ما بينهنَّ وبين العمِّ والخال من العمومة والخؤولة لِمَا أنهنَّ عمَّاتٌ لأبناء
الإخوة، وخالاتٌ لأبناء الأخوات.
وقال الشعبي: لم يُذكرا وإن كانا من المحارم لئلا يصفاها لأبنائهما، وليسوا
من المحارم. وقد أخرج نحوَ ذلك ابنُ جرير وابن المنذر عن عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه(١). وقد كره الشعبيُّ وعكرمةُ أن تضع المرأة خمارها عند عمِّها أو خالها
مخافةَ وَصْفِه إياها لابنه (٢). وهذا القول عندي ضعيفٌ لجريان ذلك في النساء كلِّهنَّ
ممن لم يكنَّ أمهات محارم، ولا أرى صحة الرواية عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه.
﴿وَلَا نِسَابِهِنَّ﴾ أي: النساء المؤمنات على ما روي عن ابن عباس وابن زيد
ومجاهد. والإضافة إليهنَّ باعتبار أنهنَّ على دينهنَّ، فيحتجِبْنَ عن(٣) الكافرات ولو
کتابیَّاتٍ.
وفي ((البحر)): دخل في ((نسائهن)) الأمهاتُ والأخواتُ وسائرُ القرابات، ومَن
يَتَّصلُ بهنَّ من المتصرِّفات لهنَّ والقائمات بخدمتهنَّ(٤).
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَُهُنُّ﴾ ظاهره من العبيد والإماء، وأخرجه ابن مردويه عن
ابن عباس(٥). وإليه ذهب الإمام الشافعي. وقال الخفاجيّ: مذهب أبي حنيفة أنه
مخصوصٌ بالإماء(٦).
وعلى الظاهر استُثني المكاتَب؛ قال أبو حيان: إنه وَلّهِ أُمِرَ بضرب الحجاب
دونه، وفعلته أمُّ سلمة مع مكاتَّبِها نبهان(٧).
(١) كذا ذكر، والذي في الدر المنثور ٢١٥/٥ عن ابن جرير وابن المنذر أنهما أخرجاه عن
عكرمة، وسيأتي تخريجه لاحقاً عن عكرمة، ولم نقف عليه عن علي ضـ
(٢) أخرجه الطبري ١٧٣/١٩، وابن عبد البر في التمهيد ٢٣٠/١٦.
(٣) في (م): على.
(٤) البحر ٢٤٨/٧.
(٥) كما في الدر المنثور ٢١٥/٥.
(٦) حاشية الشهاب ٧/ ١٨٣ .
(٧) البحر ٢٤٨/٧.

الآية : ٥٥
٤٣٣
سُؤَّةُ الأَجْرَانِ
﴿وَنَّفِينَ اللَّهُ﴾ في كلِّ ما تأتينَ وتَذَرْنَ، لا سيما فيما أُمرتنَّ به وما نُهيتنَّ عنه.
وفي ((البحر)): في الكلام حذفٌ، والتقدير: اقتصِرْنَ على هذا واتَّقينَ الله تعالى فيه
أن تتعدّينه إلى غيره(١). وفي نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب فضلُ تشديدٍ في
طلب التقوى منهنَّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَنَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ لا تَخْفَى عليه خافيةٌ، ولا تتفاوتُ
في علمه الأحوالُ، فيجازي سبحانه على الأعمال بحسبها .
هذا واختُلف في حرمة رؤية أشخاصهنَّ مستترات؛ فقال بعضهم بها، ونُسب ذلك
إلى القاضي عياض، وعبارتُه: فَرْضُ الحجاب مما اختصصْنَ به، فهو فرضٌ عليهنَّ
بلا خلافٍ في الوجه والكفَّين، فلا يجوز لهنَّ كشفُ ذلك في شهادةٍ ولا غيرها،
ولا إظهارُ شخوصهنَّ وإنْ كنَّ مستترات إلا ما دعت إليه ضرورةٌ من براز. ثم استَدلَّ
بما في ((الموطأ) أنَّ حفصة لمَّا توفي عمر رَظُّه سترتها النساءُ عن أن يُرى شخصُها،
وأنَّ زينب بنت جحش جُعلت لها القبّة فوق نعشها لتستر شخصها(٢). انتهى.
وتعقّب ذلك الحافظ ابن حجر فقال: ليس فيما ذكره دليلٌ على ما ادَّعاه من
فرض ذلك عليهنَّ، فقد كنَّ بعد النبيِّ وَّهِ يحجُجْنَ ويَطُفْنَ، وكان الصحابة ومَن
بعدهم يسمعون منهنَّ الحديث وهنَّ مستتراتُ الأبدان لا الأشخاص (٣). اهـ.
وأنا أرى أفضلية ستر الأشخاص، فلا يبعُدُ القول بندبه لهنَّ وطَلَبِهِ منهنَّ أَزْيَدَ
من غيرهنَّ. وفي ((البحر)): ذهب عمر ظلبه إلى أنه لا يشهد جنازة زينب إلا ذو
محرم منها مراعاةً للحجاب، فدلَّته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبَّةٍ
تُضْرَبٌ عليه، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة، فصنعه عمر راه(٤). وروي
أنه صنع ذلك في جنازة فاطمةً بنتِ رسول الله وَلِيَ(٥).
(١) المصدر السابق.
(٢) إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم للقاضي عياض ٧/ ٥٧، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في
.4
الفتح ٨/ ٥٣٠. وسيأتي تخريج خبر زينب
(٣) فتح الباري ٥٣٠/٨.
(٤) البحر ٧/ ٢٤٧، والخبر أخرجه ابن سعد ١١١/٨.
(٥) البحر ٢٤٧/٧، والخبر أخرجه ابن سعد ٢٨/٨، والبيهقي ٣٤/٤.

سُورَةُالأَجْزَانِ
٤٣٤
الآية : ٥٦
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبْكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ كالتعليل لِمَا أفاده الكلام السابق من
التشريف العظيم الذي لم يُعهد له نظير، والتعبير بالجملة الاسمية للدلالة على
الدوام والاستمرار. وذُكر أنَّ الجملة تفيدُ الدوامَ نظراً إلى صدرها من حيث إنها
جملةٌ اسمية، وتفيد التجدُّدَ نظراً إلى عَجُزها من حيث إنه جملةٌ فعلية، فيكون
مفادُها استمرارَ الصلاة وتجدُّدَها وقتاً فوقتاً.
وتأكيدُها بـ ((إنَّ) للاعتناء بشأن الخبر، وقيل: لوقوعها في جواب سؤالٍ مقدَّر
هو: ما سبب هذا التشريف العظيم؟.
وعبّر بالنبيِّ دون اسمه ◌َّ على خلاف الغالب في حكايته تعالى عن أنبيائه
عليهم السلام إشعاراً بما اختصَّ به وَ لّ من مزيد الفخامة والكرامة وعلوِّ القَدْر،
وأكّد ذلك الإشعار بـ ((أل)) التي للغلبة إشارةً إلى أنه وَّرِ المعروف الحقيقُ بهذا
الوصف. وقال بعض الأجلَّة: إنَّ ذاك للإشعار بعلَّة الحكم.
ولم يعبّر بالرسول بدله ليوافق ما قبله من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ
رَسُولَ اللَّهِ) لأن الرسالة أفضل من النبؤَّة على الصحيح الذي عليه الجمهور،
خلافاً للعزِّ بن عبد السلام(١)، فتعليقُ الحكم بها لا يفيدُ قوةَ استحقاقه عليه الصلاة
والسلام للصلاة بخلافٍ تعليقه بما هو دونها مع وجودها فيه، وهو معنَى دقيقٌ،
فلا تسارغ إلى الاعتراض عليه.
وإضافة الملائكة للاستغراق. وقيل: ((ملائكته)) ولم يقل: الملائكة، إشارةً إلى
عظيم قَدْرِهم ومزيدٍ شرفهم بإضافتهم إلى الله تعالى، وذلك مستلزمٌ لتعظيمه اله
بما يصل إليه منهم، من حيث إنَّ العظيم لا يصدر منه إلا عظيمٌ، ثم فيه التنبيهُ على
كثرتهم، وأنَّ الصلاة من هذا الجمع الكثير الذي لا يحيط بمنتهاه غيرُ خالقه واصلةٌ
إليهِ رَ﴿ على ممرِّ الأيام والدهور مع تجدُّدِها كلَّ وقتٍ وحين، وهذا أبلغُ تعظيم
وأنهاه، وأشملُه وأكملُه وأزكاه.
واختلفوا في معنى الصلاة من الله تعالى وملائكته عليهم السلام على نبيِّهِ وَّ
على أقوال؛ فقيل: هي منه - عزَّ وجلَّ - ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمُه، ورواه
(١) في قواعد الأحكام ١٩٩/٢ .

الآية : ٥٦
٤٣٥
سُورَةُ الأُخَْانِ
البخاريُّ عن أبي العالية(١)، وغيرُه عن الربيع بن أنس، وجرى عليه الحليميُّ في
((شعب الإيمان))(٢)، وتعظيمُه تعالى إياه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهارٍ دينه وإبقاءٍ
العمل بشريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله
للأوَّلين والآخِرِين بالمقام المحمود وتقديمه على كافَّة المقرَّبين الشهود، وتفسيرها
بذلك لا ينافي عطف غيره كالآل والأصحاب عليه لأن تعظيم كلِّ أحد بحسب
ما يليق به، وهي من الملائكة الدعاء له عليه الصلاة والسلام على ما رواه عبد بن
حميد، وابن أبي حاتم عن أبي العالية.
وقيل: هي منه تعالى رحمتُه عزَّ وجلَّ، ونقله الترمذيُّ عن الثوريِّ وغيرٍ واحد
من أهل العلمِ (٣)، ونُقل عن أبي العالية أيضاً وعن الضحاك، وجرى عليه المبرِّدُ
وابنُ الأعرابي والإمامُ الماورديُّ، وقال: إنَّ ذلك أظهرُ الوجوه(٤).
واعتُرض بما مرَّ عند الكلام في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَكَتُهُ﴾
[الأحزاب: ٤٣] والجوابُ هو الجواب. وبأنَّ الصحابة ظه سألوا كما سيأتي قريباً إن
شاء الله تعالى لمَّا نزلت عن كيفية الصلاة، فلو لم يكونوا فهموا المغايرةَ بينها وبين
الرحمة ما سألوا عن كيفيتها مع كونهم علموا الدعاء بالرحمة في التشهُّد.
وأجيبَ بأنها رحمةٌ خاصةٌ، فسألوا عن الكيفية ليحيطوا علماً بذلك
الخصوص.
وهي من الملائكة كما سمعتَ أوَّلاً(٥)، ويلزم على هذا وذلك استعمالُ اللفظ
في معنيين، ولا يجوِّزه كثيرٌ كالحنفية، والقائلون بأحد القولين الذين لا يجوِّزون
الاستعمال المذكور اختلفوا في التفصِّي(٦) عن ذلك في الآية؛ فقال بعضهم: في
(١) صحيح البخاري قبل الحديث (٤٧٩٧).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان لأبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي ٢/ ١٣٤.
(٣) سنن الترمذي إثر الحديث (٤٨٥).
(٤) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٤٢١/٤ هذا القول وغيره، ولم نقف فيه على قوله: ذلك
أظهر الوجوه.
(٥) يعني عند تفسير الآية (٤٣) من هذه السورة.
(٦) أي: التخلص.

سُورَةُ الأُخْتَاب
٤٣٦
الآية : ٥٦
الآية حذفٌ، والأصل: إنَّ الله يصلّي وملائكته يصلُّون، فيكون قد أُدِّيَ كلُّ معنّى
بلفظ. وقال آخر: تعدُّد الفاعل صيَّر الفعل كالمتعدِّد.
وقال صدر الشريعة(١): يجوز أن يكون المعنى واحداً حقيقيًّا، وهو الدعاء،
والمعنى والله تعالى أعلم أنه تعالى يدعو ذاته والملائكة بإيصال الخير، وذلك في
حقِّه تعالى بالرحمة وفي حقِّ الملائكة بالاستغفار. وفيه دغدغةٌ لا تخفَى.
وقال جمعٌ من المحقّقين: يُتَفَصَّى عن ذلك بعموم المجاز، فيرادُ معنّى مجازيٌّ
عامٌّ يكون كلٌّ من المعاني فرداً حقيقيًّا له، وهو الاعتناء بما فيه خيره بَّ وصلاحُ
أمره وإظهارُ شرفه وتعظيمُ شأنه، أو الترخُّم والانعطاف المعنوي.
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ معنى الصلاة يختلفُ باعتبار حال المصلِّي والمصلَّى له
والمصلَّى عليه، والأَوْلَى أنها موضوعةٌ هنا للقَدْرِ المشترك، وهو الاعتناءُ بالمصلَّى
عليه، أو إرادةُ وصول الخير.
وقال آخر: الصوابُ أنَّ الصلاة لغةً بمعنَى واحدٍ وهو العطفُ، ثم هو بالنسبة
إليه تعالى الرحمةُ، وإلى الملائكة عليهم السلام الاستغفارُ، وإلى الآدميين الدعاء.
وتعقِّب بأنَّ العطف بمعناه الحقيقيّ مستحيلٌ عليه تعالى، فيلزم من اعتباره
مسنداً إليه تعالى وإلى الملائكة عليهم السلام ما يلزم.
وأجيب بأنَّا لا نسلِّم الاستحالةَ إلا إذا كان العطفُ في الغائب كالعطف في
الشاهد لا يتحقَّق إلا بقلبٍ ونحوِه من صفات الأجسام المستحيلةِ عليه سبحانه،
ونحن من وراء المنع، فكثيرٌ مما في الشاهد شيءٌ وهو في الله تعالى وراء ذلك،
ويُسند إليه سبحانه على الحقيقة كالسمع والبصر وكذا الإرادة.
وقد ذهب السلف إلى عدم تأويل الرحمة فيه تعالى بأحد التأويلين المشهورين،
مع أنها في الشاهد لا تتحقَّقُ إلا بما يستحيلُ عليه تعالى، ولو أوجب ذلك التأويل
لم يبقَ بأيدينا غير محتاجٍ إليه إلا قليل، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بهذا المطلب في غير
موضعٍ من هذا الكتاب.
(١) هو عبيد الله بن مسعود، فقيه حنفي، توفي سنة (٧٤٧هـ). الفوائد البهية ص١٠٩ - ١١٠.

الآية : ٥٦
٤٣٧
سُورَةُ الأَخْزَابِ
وقد يختار أنَّ الصلاة هنا تعظيمٌ لشأنه ◌ِّهِ يقارنه عطفٌ لائقٌ به تعالى
وبملائكته؛ وإذا انسحبت عليه عليه الصلاة والسلام وعلى أحدٍ من المؤمنين تعلَّقتْ
بكلِّ حَسْبَما يليقُ به.
وجمعُ الله سبحانه والملائكةِ في ضميرٍ واحدٍ لا ينافي قوله عليه الصلاة
والسلام لمن قال: مَن يُطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومَن يَعْصِهما فقد غوى: ((بئسَ
خطيبُ القوم أنت، قل: ومَن يَعْصِ الله ورسوله)» (١) لأن ذلك منه تعالى محضُ
تشريفٍ للملائكة عليهم السلام لا يُتْوَهَّم منه نقصٌ، ولذا قيل: إذا صدر مثلُه عن
معصوم قُبل كما في قوله وَّهِ: ((لا يؤمنُ أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبَّ إليه
مما سواهما))(٢).
وقال بعضهم: لا بأس بذلك مطلقاً، وذمّ الخطيب لأنه وقف على: يعصهما،
وسكت سكتةً. واستدلَّ بخبرٍ لأبي داود(٣).
وقيل: يقبحُ إذا كان في جملتين كما في كلام الخطيب، ولا يقبحُ إذا كان في
واحدةٍ كما في الآية وكلام الحبيب عليه الصلاة والسلام. وفيه بحث.
وقرأ ابن عباس وعبد الوارث عن أبي عمرو: ((وملائكتُه)) بالرفع(٤)، فعند
الكوفيين غيرَ الفرَّاء هو عطفٌ على محلٌّ ((إنَّ) واسمِها، والفرَّاء يشترطُ في العطف
على ذلك خفاءَ إعراب اسم ((إنَّ)) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ
وَالصَُّونَ﴾ [المائدة: ٦٩] وكما في قول الشاعر:
ومَن يكُ أمسَى في المدینة رَحْلُه
فإِنِّي وقيَّارٌ بها لغريبُ(٥)
(١) أخرجه أحمد (١٨٢٤٧)، ومسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم بق
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٣١٥١) من حديث أنس رضي الله، وهو عند البخاري (١٦)، ومسلم
(٤٣) بلفظ: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما ... )).
(٣) سنن أبي داود (١٠٩٩) و(٤٩٨١) من حديث عدي بن حاتم: أن خطيباً خطب عند النبي والده
فقال: مَن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصهما. فقال ((قم) أو قال: ((اذهب فبئس
الخطيب أنت)).
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٨٤/٧
(٥) معاني القرآن للفراء ٣١١/١، والبيت لضابئ بن الحارث البرجمي، وسلف ١٨٣/٧ و٣٣٦.

سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ
٤٣٨
الآية : ٥٦
وهل خفاءُ الإعراب شاملٌ للاسم المقصور والمضافِ للياء، أو خاصٌّ
بالمبنيّ؟ فيه خلاف.
وعند البصريين والفرَّاء هو مبتدأ، وجملةُ ((يصلُّون)) خبرُه، وخبر ((إنَّ) محذوفٌ
ثقةً بدلالة ما بعدُ عليه، أي: إنَّ الله يصلّي وملائكته يصلُّون.
﴿َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ أي: عظّموا شأنَه عاطفين عليه فإنكم أَوْلَى
بذلك. وظاهرُ سوق الآية أنه لإيجاب اقتدائنا به تعالى، فيناسبُ اتِّحادَ المعنى مع
اتّحاد اللفظ. وقراءةُ ابن مسعود: ((صلُّوا عليه كما صلَّى عليه))(١) وكذا قراءةٌ
الحسن، فـ ((صلُّوا عليه)) أظهرُ فيما ذكر، فيبعد تفسير ((صلُّوا عليه)) بـ: قولوا: اللهمَّ
صلِّ على النبيِّ، أو نحوِهِ. ومَن فسَّره بذلك أراد أنَّ المراد بالتعظيم المأمور به
ما يكون بهذا اللفظ ونحوه مما يدلُّ على طلب التعظيم لشأنه عليه الصلاة والسلام
من الله عز وجل؛ لقصور وسع المؤمنين عن أداء حقِّه عليه الصلاة والسلام.
وما جاء في الأخبار إرشادٌ إلى كيفية ذلك وصِفَتِهِ، لا أنه تفسيرٌ للَفْظِ ((صلوا))،
وجاء ذلك على عدَّة أوجهٍ والجمعُ ظاهر.
أخرج عبد الرزاق وابنُ أبي شيبةً والإمامُ أحمدُ وعبد بن حميد والبخاريُّ
ومسلمٌ وأبو داودَ والترمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه وابن مردويه عن کعب بن
عجرة به قال: قال رجل: يا رسول الله، أمَّا السلامُ عليك فقد علمناه، فكيف
الصلاة عليك؟ قال: ((قل: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيتَ على
آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ بارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت
على آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(٢).
(١) أخرجها ابن مردويه كما في الدر المنثور ٢١٥/٥، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز
٣٩٨/٤، وفيه: ((صلوا عليه كما صلى الله عليه)).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٣١٠٥)، ومصنف ابن أبي شيبة ٥٠٧/٢، ومسند أحمد (١٨١٠٤)
و(١٨١٠٥) و(١٨١٣٣)، ومسند عبد بن حميد (٣٦٨)، وصحيح البخاري (٣٣٧٠)
و(٤٧٩٧)، وصحيح مسلم (٤٠٦)، وسنن أبي داود (٩٧٦) و(٩٧٧)، وسنن الترمذي
(٤٨٣)، وسنن النسائي (المجتبى) ٤٧/٣، وسنن ابن ماجه (٩٠٤)، وجاء في بعض
الروايات: ((كما صليت على إبراهيم ... كما باركت على إبراهيم)» دون: ((آل)». وجاء في

الآية : ٥٦
٤٣٩
سُوَرَّةُ الأَجْزَابَ
وأخرج الإمام مالكٌ والإمام أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ وأبو داودَ والنسائيُّ وابنُ
ماجه وغيرُهم عن أبي حميد الساعديِّ أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلّي
عليك؟ فقال رسول الله وَلجر: ((قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وأزواجِه وذرِّتِه
كما صلَّيْتَ على آل إبراهيم، وبارِكْ على محمدٍ وأزواجِهِ وذرِّيته كما باركتَ على آل
إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد))(١).
وأخرج الإمام أحمدُ والبخاريُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه وغيرهم عن أبي سعيد
الخدريِّ: قلنا: يا رسول الله، هذا السلامُ عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك؟
قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ عبدِكَ ورسولِكَ كما صلَّيْتَ على إبراهيم،
وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم)»(٢).
وأخرج النسائيُّ وغيرُه عن أبي هريرة أنهم سألوا رسول الله وَّر: كيف نصلّي
عليك؟ قال: ((قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، وبارِكْ على محمدٍ
وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ وبارَكْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك
حميدٌ مجيدٌ، والسلامُ كما قد عَلِمْتُم)،(٣).
وأخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن بريدة(٤) ظلبه قال: قلنا:
يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلِّم عليك فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهمَّ
اجْعَلْ صَلواتِكَ ورَحْمتَكَ وبركاتِكَ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما جعلتها على
إبراهیم إنك حميد مجيد)»(٥) .
= بعضها: ((على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)). قال الحافظ في الفتح ١٥٦/١١: الحق أن ذكر
محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت في أصل الخبر، وإنما حَفِظ بعض الرواة
ما لم يحفظ الآخر.
(١) موطأ مالك ١٦٥/١، ومسند أحمد (٢٣٦٠٠)، وصحيح البخاري (٣٣٦٩)، وصحيح مسلم
(٤٠٧)، وسنن أبي داود (٩٧٩)، وسنن النسائي ٤٩/٣، وسنن ابن ماجه (٩٠٥).
(٢) مسند أحمد (١١٤٣٣)، وصحيح البخاري (٤٧٩٨) و(٦٣٥٨)، وسنن النسائي ٤٩/٣،
وسنن ابن ماجه (٩٠٣).
(٣) عمل اليوم والليلة للنسائي (٤٧)، وأخرجه أيضاً الطحاوي في شرح المشكل (٢٢٤٠).
(٤) في (م): عن ابن بريدة، وهو خطأ.
(٥) الدر المنثور ٢١٨/٥، وهو عند أحمد (٢٢٩٨٨)، وفيه أبو داود الأعمى نفيع بن الحارث،
وهو متروك كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية.

سُؤَدَّةُ الأَجْزَابِ
٤٤٠
الآية : ٥٦
إلى غير ذلك مما مُلئتْ منه كتبُ الحديث، إلَّا أنَّ في بعض الروايات المذكورة
فيها مقالاً. والظاهرُ من السؤال أنه سؤالٌ عن الصفة كما أشرنا إليه قبلُ، وهو الذي
رجَّحه الباجي وغيرُه، وجزم به القرطبي(١).
وقيل: إنه سؤالٌ عن معنى الصلاة، وبأيٍّ لفظٍ تؤذَّى، والحاملُ لهم على
السؤال على هذا أنَّ السلام لمَّا ورد في التشهُّد بلفظ مخصوص فهموا أنَّ الصلاة
أيضاً تقع بلفظ مخصوصٍٍ، ولم يفرُّوا إلى القياس لتيسُّر الوقوف على النصِ،
سيما والأذكارُ يراعَى فيها اللفظُ ما أمكن، فوقع الأمرُ كما فهموه؛ فإنه لم يقل عليه
الصلاة والسلام: كالسلام، بل علَّمهم صفةً أخرى. کذا قيل.
ويقال على الأول: إنَّهم لمَّا سمعوا الأمر بالصلاة بعد سماع أنَّ الله عز وجل
وملائكته عليهم السلام يصلُّون عليه بَّهِ، وفهموا أنَّ الصلاة منه عز وجل ومن
ملائكته عليه عليه الصلاة والسلام نوعٌ من تعظيم لائقٍ بشأن ذلك النبيِّ الكريم عليه
من الله تعالى أفضلُ الصلاة وأكملُ التسليم، لَمّ يَدْروا ما اللائقُ منهم من كيفياتٍ
تعظيم ذلك الجناب وسيِّد ذوي الألباب، صلى الله عليه وسلم صلاةً وسلاماً
يستغرقان الحساب، فسألوا عن كيفية ذلك التعظيم، فأرشدهم عليه الصلاة والسلام
إلى ما علم أنه أولى أنواعه وهو بهم رؤوفٌ رحيم، فقال بَّرِ: («قولوا: اللهمَّ صلِّ
على محمد)) إلى آخر ما في بعض الروايات الصحيحة، وفيه إيماء إلى أنكم
عاجزون عن التعظيم اللائق بي فاطلبوه من الله عز وجل لي.
ومن هنا يُعلم أنَّ الآتيَ بما أُمر به من طلب الصلاة له وَّهِ من الله(٢) عزَّ وجلَّ
آتٍ بأعظم أنواع التعظيم؛ لتضمُّنه الإقرارَ بالعجز عن التعظيم اللائق، وقد قيل
ونُسب إلى الصدِّيق ◌َبه: العجزُ عن دَرْكِ الإدراك إدراكٌ.
ويقرُبُ في الجملة مما ذكرنا قولُ بعض الأجلَّة ونقله أبو اليمن بن عساكر(٣)
(١) هو أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، وكلامه في كتابه المفهم ٢/ ٤٠. والباجي هو
أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي، وكلامه في كتابه المنتقى شرح الموطأ ٢٩٥/١،
ونقله المصنف عنهما بواسطة ابن حجر في الفتح ١١/ ١٥٥.
(٢) قوله: من الله، ساقط من (م).
(٣) عبد الصمد بن عبد الوهاب، أمين الدين الدمشقي الشافعي المحدث الزاهد نزيل الحرم،
=