Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ٥٠
٣٨١
سُورَّةُ الأَجْزَانِ
﴿وَسَرِّجُوهُنَّ﴾ أي: أخرجوهنَّ من منازلكم إذ ليس لكم عليهنَّ عدَّةٌ.
وأصل التسريح أن ترعى الإبلُ السرح، وهو شجرٌ له ثمرةٌ، ثم جُعل لكلِّ
إرسالٍ في الرعي، ثم لكلِّ إرسالٍ وإخراج.
﴿َسَرَمَا ◌َجِيلًا ﴾﴾ مشتملاً على كلام طيِّبٍ، عارياً عن أذَى ومنعٍ واجبٍ.
وقيل: السراح الجميل أن لا يطالبوهنَّ بما آتَوْهنَّ.
وقال الجبائي: هو الطلاق السنِّ. وليس بشيءٍ؛ لأن ذلك لعَطْفِه على التمتيع
الواقع بعد الفاء مرتَّبٌ على الطلاق، فيلزم ترتُّبُ الطلاق السنيّ على الطلاق،
والضميرُ لغير المدخول بهنَّ، فلا يمكن أن يكون ذلك طلاقاً مرتَّباً على الطلاق
الأول؛ لأنَّ غير المدخول بهنَّ لا يتصوَّر فيها لحوقُ طلاقٍ بعد طلاقٍ آخر مع أنها
إذا طلِّقت بانت.
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىِّ ءَاتَيْتَ أُجُوَهُنَ﴾ أي: مُهورَهنَّ كما قال
مجاهد وغيره. وأُطلق الأجرُ على المهر لأنه أجرٌ على الاستمتاع بالبضع وغيره
مما يجوزُ به الاستمتاع، وتقييدُ الإحلال له بإعطائها معجَّةً كما يُفْهَمُ من معنى
((آتيت)) ظاهراً، ليس لتوقُّف الحلِّ عليه بل لإيثار الأفضل له وَّ؛ فإنَّ في التعجيل
براءةُ الذمة وطِيبُ النفس، ولذا كان سنَّةَ السَّلَفِ لا يُعرف منهم غيره.
وقال الإمام: من الناس من قال بأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه
إعطاءُ المهر أوَّلاً، وذلك لأنَّ المرأة لها الامتناعُ من تسليم نفسها إلى أن تأخذ
المهر، والنبيُّ نَّ﴿ ما كان يستوفي ما لا يجب له، والوطءُ قبل إيتاء الصَّدَاق غيرُ
مستَحَقِّ وإن كان حلالاً، وكيف والنبيُّ عليه الصلاة والسلام إذا طلب شيئاً حرم
الامتناع، فلو طَلَبَ التمكينَ قبل إيتاء المهر لزم أن يجب وأن لا يجب وهو محالٌ،
ولا كذلك أحدنا(١). اهـ، وفيه بحث لا يخفى.
وحَمْلُ الإيتاء على الإعطاء وما في حكمه كالتسمية في العقد، وجَعْلُ التقييد
الإيثار الأفضل أيضاً فإنَّ التسمية أَوْلَى من تَرْكِها وإن جاز العقد بدونها ولزم مهرُ
المثل = خلافُ الظاهر.
(١) تفسير الرازي ٢٢٠/٢٥.

سُؤَةُ الأَجْزَانِ
٣٨٢
الآية : ٥٠
واستدلَّ أبو الحسن الكرخيُّ من أصحابنا بقوله تعالى: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ اَلَِّىّ
ءَتَّيْتَ أُجُورَهُبَ) على أنَّ النكاح ينعقدُ بلفظ الإجارة كما ينعقد بلفظ التزويج، ويكون
لفظُ الإجارة مجازاً عنه؛ لأنَّ الثابت بكلِّ منهما ملكُ منفعةٍ، فوجد المشترك.
ورُدَّ بأنه لا يلزم من تسمية المهر أجراً صحةُ النكاح بلفظ الإجارة، وما ذكر من
التجوُّز ليس بشيءٍ؛ لأن الإجارة ليست سبباً لملك المنفعة حتى يتجوَّز بها عنه؛
قاله في ((الهداية))(١).
وقال بعضهم: إنَّ الإجارة لا تنعقد إلا مؤقّتةً، والنكاحُ يُشتَرَطُ فيه نفيُه،
فيتضادَّان، فلا يُستعارُ أحدهما للآخر.
وتعقّب بأنه إن كان المتضادَّان هما العَرَضين اللذين لا يجتمعان في محلٌّ واحدٍ
لزمكم مثله في البيع من كونه لا يجامع النكاح مع جواز العقد به عند الأصحاب،
على أنَّ التحقيق أن التوقيت ليس مفهومَ لفظ الإجارة ولا جزءاً منه بل شرط
لاعتباره فيكون خارجاً عنه، فهو مجرَّدُ تمليك المنافع بعوضٍٍ، غير أنه إذا وقع
مجرَّداً لا يعتبر شرعاً، على مثال الصلاة، فإنها الأقوال والأفعال المعروفة، ولو
وجدت من غير طهارةٍ لا تعتبر، ولا يقال: إن الطهارة جزءُ مفهوم الصلاة (٢).
هذا ومثلُ تقييدٍ إحلالِ الأزواج بما ذكر - على ما قيل - تقييدُ إحلال المملوكة
بكونها ممن باشر سباءها، وشاهِدُه في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَاءَ اللَّهُ
عَلَيْكَ﴾ فإنَّ المشتراة لا يتحقَّقُ بدءُ أمرها وما جرى عليها؛ لجواز كون السبي ليس
في محلٌّه، ولذا نكح بعضُ المتورِّعين الجواري بعقدٍ بعد الشراء مع القول بعدم
صحة العقد على الإماء.
واستشكل ذلك بمارية بنت شمعون القبطية وثّا، فإنها لم تكن مسبيَّةً بل أهداها
له وَّ أميرُ القِبْط جريج بن مينا صاحبُ الإسكندرية ومصر.
وأجيب بأنَّ هذا غير واردٍ؛ لأنَّ هدايا أهل الحرب للإمام لها حكمُ الفيء(٣).
(١) الهداية مع فتح القدير ٣٤٩/٣.
(٢) فتح القدير ٣٤٩/٣.
(٣) حاشية الشهاب ١٧٩/٧ .

الآية : ٥٠
٣٨٣
سُورَةُالأَجْزَابِ
وقد يقال: إنه يستشكل بسُرِّيَّةٍ له وَّرِ أخرى، وهي جاريةٌ وهبتها له عليه الصلاة
والسلام زينب بنت جحش ﴿ّا، وكان هجرها عليه الصلاة والسلام في شأن صفية
بنت حييٍّ ذا الحجة والمحرَّم وصفر، فلمّا كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه
رضي عنها ودخل عليها فقالت: ما أدري ما أجزيك. فوهبتها له. وقد عدُّوها من
سراريه وَ﴿، والجوابُ المذكورُ لا يتسنَّى فيها.
ولعل الجواب عن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام تسرَّاها بياناً للجواز، ولا يبعُدُ
أنه كان متحقِّقاً بدءَ أمرها وما جرى عليها، بحيث كأنه باشر سَبْيَها وشاهَدَه،
ويحتمل أنها كانت ممَّا أفاء الله تعالى عليه عليه الصلاة والسلام فملكتْها زينب
ببعض أسباب الملك، ثم وهبتها له وَلثور.
ومع ذلك قد أُطلق له عليه الصلاة والسلام حِلُّ المملوكة بعدُ، ولم يقيّد
بحسب الظاهر بكونها ممَّا أفاء الله عليه، في قوله تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ
وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْفَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنٌُ).
ثم إنَّ هبة هذه الجارية كانت شَهْرَ وفاته وَّهِ، والآيةُ نزلت قبلُ لأنها نزلت
إما سَنَةَ الأحزاب وهي السنة الخامسة من الهجرة، وإما بُعيد الفتح وهو السنةُ
الثامنة منها، وعلى هذا يكون ما وقع من أمر مارية متقدِّماً على نزول الآية لأنها
أُهديت له وَّه السنةَ السابعة من الهجرة، فإنه عليه الصلاة والسلام فيها أرسل رُسُلَه
إلى الملوك ومنهم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي أرسله إلى المقوقس أميرٍ القبط
المتقدِّم ذكرهُ، فقدِم منه بمارية وبأختها شيرين، وبأخٍ أو بابنِ عمِّ لها خصيٍّ يقال
له: مابور، وببغلةٍ تسمَّى دُلْدُلاً، وبحمارٍ يسمَّى يعفّوراً أو عفيراً، وبألفٍ مثقالٍ
ذهباً، وبغير ذلك فتدبّر.
ومثلُ ما ذكر - على ما قيل - تقييدُ القرائب بكونها مهاجراتٍ معه وَّر في قوله
سبحانه: ﴿وَبَنَاتٍ عَّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَيِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾
فهنَّ أفضلُ من غيرهنَّ، والمعيَّة للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان
كـ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ﴾ [النمل: ٤٤]. قال أبو حيان: يقال: دخل فلان معي وخرج
معي، أي: كان عملُه كعملي وإن لم يقترنا في الزمان، ولو قلت: خرجنا معاً

سُؤَدَّةُ الأَجْزَائِيَ
٣٨٤
الآية : ٥٠
اقتضى المعنيين: الاشتراكَ في الفعل، والاقترانَ في الزمان(١). وهو كلامٌ حسنٌ.
وحكى الماورديُّ(٢) قولاً بأنَّ الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق،
وهو ضعيفٌ جدًّا. وقولاً آخر بأنها شرط في إحلال قراباته عليه الصلاة والسلام
المذكورات، واستدلَّ له بما أخرجه ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذيُّ وحسنه،
وابنُ جرير، وابن أبي حاتم، والطبرانيُّ، والحاكم وصحَّحه، وابن مردويه،
والبيهقيُّ، عن أمِّ هانىء فاختةَ بنتِ أبي طالب قالت: خطبني رسول الله وَّر،
فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَعْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ) إلى قوله
سبحانه: (هَاجَرْنَ مَعَكَ) قالت: فلم أكن أحِلُّ له لأنّي لم أهاجر معه، كنتُ من
الطلقاء(٣).
وأجيب بأنَّ عدم الحِلِّ لفَقْدِ الهجرة إنما فُهم من قول أمّ هانىء، فلعلها
إنما قالت ذلك حَسبَ فهمها إياه من الآية، وهو لا ينتهضُ حجةً علينا إلا إذا
جاءت به روايةٌ عن النبيِّ وَّ.
لا يقال: إنه أخرج ابن سعد عن أبي صالح مولى أمِّ هانئ قال: خطب
رسول اللهِ وَ﴿ أَمَّ هانىء بنتَ أبي طالب، فقالت: يا رسول الله إنِّي مُؤْتِمَةٌ وبنيَّ صغار.
فلمَّا أدرك بنُوها عرضت نفسها عليه عليه الصلاة والسلام فقال: ((أمَّا الآن فلا، إنَّ الله
تعالى أنزل عليَّ: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ) إلى (الَّتِ هَاجْنَ مَعَكَ))(٤). ولم
تكن من المهاجرات، وهو يدلُّ على أنه نفسَه وَلِ﴿ فهم الحرمة وإلا لتزوَّجها .
لأنَّا نقول بعد تسليم صحة الخبر: لا نسلم أنه وَّر فهم الحرمة، وعدمُ التزوُّج
يجوزُ أن يكون لكونه خلافَ الأفضل.
(١) البحر ٢٤١/٧.
(٢) في النكت والعيون ٤١٤/٤.
(٣) طبقات ابن سعد ١٥٣/٨، وسنن الترمذي (٣٢١٤)، وتفسير الطبري ١٣٠/١٩-١٣١،
والمعجم الكبير ٢٤/ (١٠٠٧)، والمستدرك ٢/ ٢٤٠، وسنن البيهقي ٥٤/٧، وعزاه لعبد بن
حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر ٢٠٨/٥. قال ابن العربي في أحكام
القرآن ١٥٤١/٣: وهو ضعيف جدّاً، ولم يأتِ هذا الحديث من طريق صحيح يحتج بها.
(٤) طبقات ابن سعد ١٥٣/٨. وأبو صالح مولى أم هانئ ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب.

الآية : ٥٠
٣٨٥
سُورَةُ الأَجْزَانِ
ويدلُّ خبر أمِّ هانئ على أنَّ هذه الآية نزلت بعد الفتح، فلا تغفل.
وادَّعى بعضُهم أنَّ تحريم نكاح غير المهاجرة عليه وَلي كان أولاً ثم نسخ. وعن
قتادة أنَّ معنى ((هاجَرْنَ معك)»: أسلمن معك. قيل: وعلى هذا لا يحرم عليه عليه
الصلاة والسلام إلا الكافرات، وهو في غاية البُعْدِ كما لا يخفى.
والظاهر أنَّ المراد بأزواجك اللاتي آتيت مهورهنَّ نساؤه وَ﴿ اللاتي كنَّ في
عصمته وقد آتاهنَّ مهورهنَّ، كعائشة وحفصة وسودة، وبما ملكت يمينُك ممّا
أفاء الله عليك نحوُ ريحانةَ بناءً على ما قاله محمد بن إسحاق أنه وِّي لمَّا فتح قريظةً
اصطفاها لنفسه فكانت عنده حتى توفیتْ عنده وهي في ملكه(١).
ووافقه في ذلك غيره؛ أخرج الواقديُّ بسنده إلى أيوب بن بشير قال: إنه عليه
الصلاة والسلام أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أمِّ المنذر، فكانت عندها حتى
حاضت حيضةً، ثم طَهُرتْ من حيضها، فجاءت أمُّ المنذر فأخبرته وَّر، فجاءها في
منزل أمِّ المنذر فقال لها: ((إن أحببتٍ أن أُعتقكِ وأتزوَّجَكِ فعلتُ، وإن أحببت أن
تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلتُ)) فقالت: يا رسول الله، أحبُّ أن أخفَّ
عليك، وأن أكون في ملكك. فكانت في ملك رسول الله وَ له يطؤها حتى ماتت(٢).
وذهب بعضهم إلى أنه عليه الصلاة والسلام أعتقها وتزوَّجها، وأخرج ذلك
الواقديُّ أيضاً عن ابن أبي ذئب عن الزهريِّ ثم قال: وهذا الحديث أثبتُ عندنا(٣).
وروي عنها أنها قالت: لمَّا سُبيتْ بنو قريظةً عُرِضَ السبي على رسول الله وَّهِ،
فكنتُ فيمَنْ عُرِضَ عليه، فَأَمر بي فعُزِلتُ، وكان له صفيُّ كلِّ غنيمةٍ، فلمَّا عُزِلْتُ
خَارَ الله تعالى لي فأرسل بي إلى منزل أمُّ المنذر بنت قيس أياماً حتى قتل الأسرى
وفرَّق السبي، فدخل عليَّ وَّرِ فتجَبتُ منه حياءً، فدعاني فأجلسني بين يديه فقال:
(إن اخترتِ الله ورسوله اختارك رسولُ الله لنفسه)) فقلت: إني أختار الله تعالى
ورسوله. فلمَّا أسلمتُ أعتقني رسول الله وَّه وتزوَّجني وأَصْدَقَني اثنتي عشرةَ أوقيةً
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢٤٥/٢.
(٢) مغازي الواقدي ٢/ ٥٢١.
(٣) المصدر السابق.

سورة الاجْزَان
٣٨٦
الآية : ٥٠
ذهباً كما كان يُصْدِقُ نساءه، وأعرس بي في بيت أمِّ المنذر، وكان يقسم لي
كما يقسم لنسائه، وضرب عليَّ الحجاب(١).
ولم يذكر ابنُ الأثير غيرَ القول بإعتاقها وتزوّجها(٢). ومنهم مَن ذهب إلى أنها
أسلمت فأعتقها عليه الصلاة والسلام فلحقت بأهلها وكانت تحتجبُ عندهم
وتقول: لا يراني أحدٌ بعد رسول اللهِ وَله، وحُكي لحوقُها بأهلها عن الزهريِّ(٣).
وادَّعى بعضهم بقاءها حيَّةً بعده عليه الصلاة والسلام، وأنها توفِيت سنة ستَّ
عَشْرَةَ أيامَ خلافة عمر ◌َهُ(٤).
وذكر ابن كمال في تفسيره لبيان الموصول صفية وجويرية. والمذكورُ في أكثر
المعتبرات في أمرهما أنَّ صفية لمَّا جمع سبي خيبر أخذها دحيةُ وقد قال له وَّ:
(ذهب فخذ جاريةً)) ثم أُخبر عليه الصلاة والسلام أنها لا تصلح إلا له لكونها بنتَ
سيدٍ قومه، فقال لدحية: ((خذ غيرها))، وأخذها رسول الله ◌ِوَ له وأعتقها وتزوَّجها،
وكان صَداقُها نَفْسَها(٥).
وأنَّ جويريةً في غزوة بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس
الأنصاريِّ، فكاتبته على نفسها ثم جاءت إلى رسول الله وَّ فقالت: يا رسول الله،
أنا جويريةُ بنت الحارث، وكان من أمري ما لا يخفى عليك، ووقعتُ في سهم
ثابت بن قيس، وإِنِّي كاتبتُ نفسي فجئتُ أسألك في كتابتي. فقال عليه الصلاة
والسلام: ((فهل لك إلى ما هو خير))؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((أؤدِّي
عنك كتابتك وأتزوَّجُك)) قالت: قد فعلتُ(٦).
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٢٩/٨.
(٢) كذا نقل المصنف عن القسطلاني في المواهب اللدنية، والذي في الكامل لابن الأثير أن
رسول الله خير حين أراد أن يتزوجها قالت: اتركني في ملكك فهو أخف عليَّ وعليك. ينظر
شرح المواهب للزرقاني ٢٧٣/٣، والكامل لابن الأثير ٣٠٩/٢.
(٣) قطعة من الخبر الذي أخرجه الواقدي عن ابن أبي ذئب عن الزهري، وفيه: فأعتقها
وتزوَّجها، وكانت تحتجب في أهلها وتقول: لا يراني ... ، وقد سلف تخريجه قريباً.
(٤) تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي ص ٢٣، والبداية والنهاية ٢٣٢/٨-٢٣٣ ..
(٥) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥) من حديث أنس
٠
(٦) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٥)، وأبو داود (٣٩٣١) عن عائشة

الآية : ٥٠
٣٨٧
سُورَةُ الأَجْزَابَ
وقال ابن هشام: ويقال: اشتراها ◌َّ﴿ من ثابتٍ وأعتقها وتزوَّجها وأَصْدَقَها أربعَ
مئة درهم(١).
ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد إحلالَ ما ملكت يمينه وَّ ر حين الملك من
حيث إنه ملكٌ له وإن لم يحصل وطءٌ بالفعل، يدخل جميع ما ملكه عليه الصلاة
والسلام من الجواري حين الملك، ولا يضرُّ الإعتاق والتزوُّجُ بعد ذلك، وحلُّ
الوطء بسبب النكاح لا الملك، وإن كان المراد إحلالَ ذلك مع وقوع الوطء بالفعل
ووَصْفُ الملك قائمٌ، لا يصحُّ بيانُ الموصول إلا بمملوكةٍ وطئها عليه الصلاة
والسلام وهي ملكه، كريحانة في قولٍ، وجاريةٍ أصابها في بعض السبي وعدُّوها من
سراريه وَّه ولم يذكر المعظَمُ اسمها، وعدَّ الجلبي من سراريه عليه الصلاة والسلام
جاريةً سماها: زليخة القرظية، فلعلها هي التي لم تُسمَّ، وكمارية القبطية، والجاريةِ
التي وهبتها له عليه الصلاة والسلام زينب، وقد سمعتَ الكلام فيهما آنفاً .
والمراد ببنات عمَّه وبناتِ عمَّاته بناتُ القرشيين وبناتُ القرشيات، فإنه يقال
للقرشيين قَرُبوا أو بَعُدوا أعمامه نَّهِ، وللقرشيات قَرُبْنَ أو بَعُدْنَ عمَّاته عليه الصلاة
والسلام، والمراد ببنات خاله وبنات خالاته بناتُ بني زهرة ذكورِهم وإناثهم، وإلى
هذا ذهب الطبرسيُّ في ((مجمع البيان)) ولم يذكر غيرَه(٢).
وإطلاقُ الأعمام والعمات على أقارب الشخص من جهة أبيه ذكوراً وإناثاً قربوا
أو بعدوا، والأخوال والخالات على أقاربه من جهة أمِّه كذلك، شائعٌ في العرف
كثيرٌ في الاستعمال.
واللاتي نكحهنَّ ودخل بهنَّ وَّهِ من القرشيات ستٌّ، وكان نكاحُه بعضَهنَّ قبل
نزول الآية بيقينٍ، ونكاحُه بعضَهنَّ الآخَرَ محتمِلٌ للقَبْلية والبَعْدية كما لا يخفى على
مَن راجع كتب السِّير، وسمع ما قيل في وقت نزول الآية.
ولم نقف على أنه عليه الصلاة والسلام نكح أحداً من الزهريات أصلاً، فالمراد
بإحلال نكاح أولئك مجرَّدُ جوازه، وهو لا يستدعي الوقوع.
(١) ينظر السيرة النبوية لابن هشام ٢٩٥/٢-٢٩٦، ونقل المصنف كلام ابن هشام بواسطة
القسطلاني في المواهب اللدنية كما في شرح المواهب للزرقاني ٢٥٥/٣.
(٢) مجمع البيان ٢٢/ ١٥٤ .

سُورَةُ الأَجْتَان
٣٨٨
الآية : ٥٠
وإذا حمل العمُّ على أخي الأب، والعمةُ على أخته، والخالُ على أخي الأم،
والخالةُ على أختها، اقتضى ظاهرُ الآية أن يكون له وَّهِ عمّ وعمةٌ وخالٌ وخالةٌ
كذلك، وأن يكون لهم بنات، وذلك مشهورٌ في شأن العمَّ والعمَّة وبناتهما، فقد
ذكر معظمُ أهل السير عدَّة أعمام له ◌ِّهِ وعدَّةَ بناتٍ لهم: كالعباس ومن بناته أمّ
حبيبةً(١) تزوَّجها أسود المخزوميُّ(٢)، وكان قد خطبها رسول الله وَّلفيه على ما قيل
فوجد أباها أخاه من الرضاعة، كان قد أرضعتهما ثويبةٌ مولاةُ أبي لهب.
وكأبي طالب ومن بناته أمُّ هانئ وقد سمعتَ ما قيل في شأنها، وجمانةُ كانت
إحدى المبايعات له وَ ﴿، وكانت تحت أبي سفيان بن الحارث عمِّها.
وكأبي لهب ومن بناته خالدةٌ تزوَّجها عثمان بن أبي العاصي الثقفيُّ وولدت له،
ودرَّةُ أسلمت وهاجرت وكانت تحت الحارث بن نوفل، ثم تحت دحية الكلبي،
وعزةُ تزوَّجها أوفى بن أمية.
وكالزبير ومن بناته ضباعةُ زوجة المقداد بن الأسود، وأمُّ الحكم ويقال: إنها
أختُه عليه الصلاة والسلام من الرضاعة، وكان يزورها بالمدينة.
وكحمزة ومن بناته أمامةٌ، لمَّا قدم رسول الله وَله من عمرة القضاء أتى بها من
مكة وزوَّجها سلمة بن أمِّ سلمة، ومقتضى قول القسطلاني: إنَّ حمزة أخوه وَلِ﴾ من
الرضاعة أرضعتهما ثويبةُ بلبن ابنها مسروح(٣)، أنها لا تحلُّ له عليه الصلاة
والسلام، بل ذكر هو أيضاً أنها عُرضت عليه فقال: ((هي ابنةُ أخي من الرضاعة))(٤).
وكالحارث ومن بناته أروى زوجةُ أبي وداعة.
(١) أو: أم حبيب، وهو الأشهر، وأمها أم الفضل، فهي شقيقة الفضل وعبد الله. الإصابة
١٩١/١٣.
(٢) ابن سفيان بن عبد الأسد بن هلال، وهو ابن أخي أبي سلمة بن عبد الأسد زوج أم سلمة،
وذكر الزبير أن أباه سفيان قتل يوم بدر كافراً، قتله حمزة الله. الإصابة ٦٩/١.
(٣) شرح المواهب للزرقاني ٢٩٢/٣.
(٤) شرح المواهب ٣/ ٢٧٠، والحديث أخرجه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) من حديث
ابن عباس . وأخرجه مسلم (١٤٤٦) من حديث علي ظله، و(١٤٤٨) من حديث أم
سلمة

الآية : ٥٠
٣٨٩
سُورَةُ الأَخْزَانِ
وكالمُقَوّم(١) ومن بناته مَن اسمها أروى أيضاً زوجة ابن عمها أبي سفيان بن
الحارث.
وذكروا أيضاً له وَّهِ عدَّة عمَّاتٍ وعدَّة بناتٍ لهنَّ:
منهن أميمةُ، ومن بناتها زينب أمُّ المؤمنين، وهي التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿فَلَّمَا
قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّحْتَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وأُّ حبيبة وكانت زوجةَ عبد الرحمن بن
عوف، وحَمْنَةُ وكانت عند مصعب بن عمير، ثم عند طلحةً أحدٍ العشرة. حبيلها
ومنهنَّ البيضاء، ومن بناتها أروى أمُّ عثمان رَُه وأمُّ طلحة بنتا كریز بن ربيعة.
طبق ١٧
ومنهنَّ عاتكة، ومن بناتها قريبةُ بنت زاد الراكب أبي أمية بن المغيرة.
لنلة لم
ومنهنَّ صفيةُ، ومن بناتها صفيةُ بنت الحارث بن حارثة، وأمُّ حبيبة بنت
العوام بن خويلد.
وأما الخال والخالة فلم يَشْتَهِرْ ذكرُهما، نعم ذكر في ((الإصابة)) فريعة بنت
وهب الزهرية، رفعها النبيُّ وَّه وقال: ((من أراد أن ينظر إلى خالة رسول الله واله
فلينظر إلى هذه))(٢).
وفيها أيضاً فاختة بنت عمرو الزهرية خالةُ النبيِّ وَلّ؛ أخرج الطبراني من طريق
عبد الرحمن بن عثمان الوقاصيٍّ، عن ابن المنكدر، عن جابر: سمعتُ رسول الله إِلَّة
يقول: ((وهبتُ خالتي فاختةَ بنتَ عمرو غلاماً، وأمرتُها أن لا تجعله جازراً
ولا صائغاً ولا حجَّاماً)) والوقاصي ضعيف(٣).
مله الضالة
وقال في صفية بنت عبد المطلب: هي شقيقة حمزةً، أمُّهما هالةُ خالةٌ
رسول الله ◌َي(٤). أي: هالة بنت وهب كما في ((المواهب))(٥)، ولم نقف لهذه
(١) بضم الميم وفتح القاف وشدّ الواو مفتوحة ومكسورة، ويكنى أبا بكر، وهو شقيق حمزة.
شرح المواهب ٢٧٥/٣.
(٢) الإصابة ١٣/ ٩٠، وذكره ابن حبان في الثقات ٣٣٧/٣.
معها (١)
(٣) الإصابة ٦٥/١٣-٦٦، والحديث في المعجم الكبير ٢٤/ (١٠٧٣).
(٤) الإصابة ١٨/١٣ وفيه: صفية بنت عبد المطلب ... وهي شقيقة حمزة أمها هالة بنت وهب).
ولم يذكر فيه أن هالة هي خالة النبي وَّر.
(٥) الذي في المواهب: هالة بنت وهيب، فذكر الزرقاني أن وهباً ووهيباً هما ابنا

سُوَّةُ الأَجْزَارَّ
٣٩٠
الآية : ٥٠
الخالة على بنتٍ غيرِ صفية عمتِّه عليه الصلاة والسلام، وكذا لم نقف على بناتٍ
لمن ذکرنا قبلها .
ووقفنا على خالٍ واحدٍ له عليه الصلاة والسلام، وهو عبد يغوث بن وهب،
ولم نقف على بنتٍ له، وإنما وقفنا على ابنين:
أحدُهما: الأرقم، وله ابنٌّ يسمَّى عبد الله، وهو صحابيٌّ كَتَبَ لرسول الله ◌ِصلّه
ولصاحبيه، وكان على بيت المال في خلافة عمر له، وكان أثيراً عنده حتى إنَّ
حفصة روت عنه أنه قال لها: لولا أن يُنْكِرَ عليَّ قومُك لاستخلفتُ عبد الله بنَ
الأرقم(١). وقيل: هو ابن عبد يغوث والأرقم هو عبد يغوث. والبخاريُّ على
ما قلنا(٢)، وقد أسلم يومَ الفتح، وقال بعضهم فيه: خال رسول الله وَ ﴾. ومن
الناس من ذكر لعبد الله هذا أخاً سماه عبد الرحمن بن الأرقم وأثبت له الصحبة،
وفي ذلك مقال.
وثانيهما: الأسود، وأطلق عليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام اسم الخال، فقد
روي أنه كان أحدَ المستهزئين به وَ ﴿ فقصد جبريلُ عليه السلام إهلاكَه فقال ◌َله:
(يا جبريل خالي)) فقال: دعه عنك(٣). وله ابنٌّ هو عبد الرحمن، وبنتٌ هي خالدة،
وكانت من المهاجرات الصالحات، وقد أطلق عليها أيضاً اسم الخالة؛ أخرج
المستغفري من طريق أبي عمير الجرميِّ، عن معمر، عن الزهريِّ، عن عبيد الله
مرسلاً قال: دخل النبيُّ وَّ منزله فرأى عند عائشة امرأةً فقال: ((مَن هذه يا عائشة))
قالت: هذه إحدى خالاتك. فقال: ((إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب)) فقالت: هذه
خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال: ((سبحان الذي يُخرج الحيَّ من الميت))
فرآها مُثْقلةً(٤).
= عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فأُّ حمزة وأُّ النبيِّهِ كلٌّ منهما بنت عمِّ أمّ الآخر.
شرح المواهب ٢٧٥/٣.
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير ١/ ٦٧، وهو في الإصابة ٤/٦.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري ٣٢/٥، والإصابة ٤/٦.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة كما في الدر المنثور ١٠٨/٤.
(٤) الإصابة ٢١١/١٢. وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٥/ (٢٤٨)، وابن أبي حاتم ٦٢٦/٢
و١٣٥١/٤، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢٢٦/١ من طريق معمر به.
=

الآية : ٥٠
٣٩١
سُورَةُالأَخْتَانِ
وأخرج [الواقدي عن] موسى بن [محمد بن] إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلمة،
عن عائشة موصولاً نحوه(١).
وفي هذا الخبر وما قبله إطلاقُ الخال والخالة على قرابة الأمّ وإن لم يكن
الخالُ أخاها والخالةُ أختها، وبذلك يتأيَّد ما ذكرناه سابقاً، فاحفظ ذاك والله تعالى
يتولَّ هُداك، وإياك أن تظنَّ الأمر فرضيّاً، أو أنَّ الخطاب وإن كان خاصًّا في
الظاهر عامّ في الحقيقة، فيكفي وجود بنات خالٍ وبناتٍ خالاتٍ لغيره عليه الصلاة
والسلام كما يظنُّ ذلك مَن يشهد العمُّ بجهله ويصدِّقُ الخال بقلَّةٍ عقله.
هذا وقد كثر السؤال عن حكمة إفراد العمِّ والخال، وجمع العمَّة والخالة،
حتى إنَّ السبكي - على ما قيل - صنَّف جزءاً فيه سماه: ((الهمة في إفراد العمِّ وجمعٍ
العمة))(٢).
قال الخفاجي: وقد رأيتُ لهم فيه كلماتٍ ضعيفةً، كقول الرازي: إنَّ العمَّ
والخال على زنة المصدر ولذا لم يجمعا، بخلاف العمة والخالة.
وقيل: لم يُجْمَعا ليعمَّا إذا أُضيفا، والعمَّةُ والخالةُ لا يعمَّان لتاء الوحدة، وهي
إنْ لم تمنع العمومَ حقيقةً تأباه ظاهراً، ولا يأبى ذلك قولُه تعالى في سورة النور:
﴿بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَِّكُمْ﴾ [الآية: ٦١] لأنه على الأصل.
ثم قال: وأحسنُ منه ما قيل: إن أعمامه وَّهِ العباسُ وحمزةُ ما أخواه من
الرضاع لا تحلُّ له بناتُهما، وأبو طالب ابنتُه أمُّ هانئ لم تكن مهاجرةً (٣). اهـ.
= وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٧/١-١١٨ عن معمر عن الزهري أن النبي وخلفه دخل على
بعض نسائه فإذا عندها امرأة ... ، وفي الإصابة ٢١١/١٠: هذا أصح طرقه. اهـ.
ووقع في (م): قرأها مثقلة، والمثبت من الأصل والإصابة، ولم نقف على هذه العبارة في
باقي المصادر.
وعلى هذا الحديث تكون الخالة قد أطلقت على بنت ابن خال النبيِّ ◌َ*، كما ذكر ابن
عبد البر في الاستيعاب ٢٦٨/١٢.
(١) الإصابة ٢١١/١٢، وما بين حاصرتين منه.
(٢) ذكره الشهاب في الحاشية ١٧٩/٧، وعنه نقل المصنف.
(٣) حاشية الشهاب ١٧٩/٧ .

◌ُوَّةُ الأَجْزَاءُ
٣٩٢
الآية : ٥٠
:حملوما ادَّعى ضَعْفَه فهو كما قال، وما زَعَم أنه أحسنُ منه إن كان كما نقلناه بهذا
المقدار خالياً عن إسقاط شيءٍ حسبما وجدناه في نسختنا فهو ممَّا لا حُسْنَ فيه
فضلاً عن كونه أحسن، وإن كان له تتمةٌ فالنظر فيه بعد الاطلاع عليها إليك، وأظنه
على العلَّات ليس بشيء.
.. • وقال بعض الأجلَّةَ(١) المعاصرين من العلماء المحقّقين، لازال سعيدَ زمانه،
سابقاً بالفضل على أقرانه: يحتمل أن يكون إفرادُ العمِّ لأنه بمنزلة الأب، بل قد
يطلق عليه الأبُ، ومنه في قولٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] والأب
لا يكون إلا واحداً، فكان الإفراد أنسبَ بمن ينزل منزلته، ويكون جمع العمَّة
على الأصل، وإفرادُ الخال ليكون على وفق العمِّ، وجمعُ الخالة وإن كانت بمنزلة
الأمُّ لتكون على وفق العمَّات. ويحتمل أن يكون إفراد المذكَّر وجمعُ المؤنَّث لقلة
الذكور وكثرة الإناث، وقد ورد في الآثار ما يدلُّ على أنَّ النساء أكثر من
الرجال.
وقال آخرُ من أولئك الأجلَّة، لازالت مدارسُ العلم تزهو به وتشكر فضله: إنَّ
ذلك لِمَا فيه من الحسن اللفظي، فإنَّ بين العمِّ والعمَّات والخالِ والخالات نوعاً من
الجناس، ولأنَّ أعمامه عليه الصلاة والسلام كانوا على ما ذكره صاحب ((ذخائر
العقبى)) اثني عشر عمّاً، وعمَّاته كنَّ ستّاً(٢)، فلو قيل: أعمامك، لتوهّم أنهم أقلُّ
من اثني عشر لأنه جمع قلَّة، وغايةُ ما يَصْدُقُ هو عليه تسعةٌ أو عشرة على قول،
ولو قيل: عمتك، لم تتحقَّق الإشارة إلى قلَّتهنَّ، فلذا أفرد العُمُّ وجُمعت العمَّة،
وقيل: ((خالك)) و((خالاتك)) ليوافق ما قبل.
وأنا أقول: الذي يغلب على ظنِّي في ذلك ما حكاه أبو حيان عن القاضي
أبي بكر بن العربي من أنَّ ما ذكر عرفٌ لُغويٌّ(٣)، على معنى أنه جرى عرفُ
اللُّغويين في مثل ذلك على إفراد العمِّ والخال وجمع العمة والخالة، ونحن قد تتبّعنا
(١) في الأصل: أجلة.
(٢) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى لمحب الدين الطبري ص ١٧١ و٢٥٠.
(٣) البحر ٢٤١/٧، وأحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٤/٣-١٥٤٥. وقوله: عرف، تحرف في
مطبوع البحر إلى: حرف.

الآية : ٥٠
٣٩٣
سُورَةُ الأَجْرَان
كثيراً من أشعار العرب فلم نَرَ العمَّ مضافاً إليه ابن أو بنت بالإفراد أو الجمع
إلا مفرداً نحو قوله:
٣٠٠.
جاء شقيقٌ عارضاً رُمْحَه إنَّ بني عمِّك فيهم رماحُ(١).
طلاق
و قوله:
بصاحبه يوماً دماً فهو آكلُّه(٢)
فتّی لیس لابن العمِ کالذئب إن رأی
العمله
و قوله :
كان فقيراً معدماً قالت وإن(٣).
قالت بنات العمِّ يا سلمى وإن
الفرع ملف ٧
وقوله :
يا ابنةَ عمَّا لا تلومي واهجعي
فليس يخلو عنكِ يوماً مضجعي ®
إلى ما لا يُخْصَى كثرةً.
وأما اطّرادُ إفراد الخال وجمع العمَّة والخالة إذا أضيف إليها ما ذكرٍ فلستُ
على ثقةٍ من أمره، فإذا كان الأمر في المذكورات كالأمر في العمِّ فليس فوق هذا
الجواب جوابٌ، والظنُّ بالقاضي أنه لم يحكم بما حكم إلا عن بينةٍ، مع أنّي
لا أطلِقُ القول بعدم قبول حكم القاضي بعلمه ولا أفتي به، نعم لهذا القاضي حكمٌ
مشهورٌ في أمر الحسين ◌ُهُ ولَعَنَ مَن رضي بقتله، لا يرتضيه إلا يزيدُ، زادٌ الله عز
وجل عليه عذابه الشدید.
بمايلي
(١) البيت لحَجْل بن نَضْلة كما في المؤتلف والمختلف للآمدي ص ١١٢، وشرح ديوان
الحماسة المرزوقي ٢/ ٥٨٠. قال الآمدي: يعني شقيق بن جزء بن رياح أحد بني قتيبة بن
معن.
(٢) البيت للعجير السلولي كما في أمالي القالي ٢٧٥/١، ومعجم البلدان ٥/ ١٠٥ قاله في مدح
ابن عمّ له يقال له: جابر بن زيد. ونسبه البصري في الحماسة ٢٢٢/١ لزينب بنت الطثرية.
وهو دون نسبة في جمهرة الأمثال ٦٩/٢، والمستقصى ٢٩٩/١، ومجمع الأمثال ٤٩/٢.
(٣) البيت لرؤية بن العجاج، وهو في ديوانه ص١٨٦، وسلف ١٥٨/١٤.
لها
(٤) البيت لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص ١٣٤، والكتاب ٢١٤/٢، وأورده المبرد في
المقتضب ٢٥٢/٤ برواية: يا ابنة عمِّي، وقال: وبعضهم ينشد: يا ابنة عما.

وَرَّةُ الأَخْرَاب
٣٩٤
الآية : ٥٠
وعلى تقدير كون الأمر في العمِّ ومَن معه كما قال يحتمل أن يكون الداعي
لإفراد العمِّ والخال الرجوعَ إلى أصلٍ واحدٍ مع ما بين الذكور من جهة العمومة
والخؤولة في حقِّ الشخص المدلي بهما من التناصُر والتساعُد، فلذلك ترى الشخص
يهرع لدفع بليَّته إلى ذكور عمومته وخؤولته، وذلك التعاضُدُ يَجعل المتعدِّد في حكم
الواحد، ويقوّي هذا الاعتبارَ هنالك إضافةُ الفرع كالبنين والبنات إلى ذلك.
ولعل في الإفراد مع جمع المضاف المذكور إشارةً إلى أنَّ البنينَ والبناتِ وإن
كانوا بنينَ وبناتٍ لمتعدِّدينَ في نفس الأمر إلا أنهم في حكم البنين والبناتِ لواحدٍ،
وأنَّ كلَّ واحدٍ من الأعمام والأخوال لمزيدٍ شفقته على أبناءِ وبناتِ كلِّ كأنه أبٌّ
لأبناء وبناتِ كلِّ، وهذا الذي ذكرناه لا يوجد في العمَّات والخالات. ولا يَرِدُ عليه
جمعُ العمِّ والخال في آية ((النور)»، كما لا يخفى على مَن له أدنى نورٍ يهتدي به إذا
أشكلت الأمور.
ويمكن أن يقال في الحكمة هاهنا خاصةً: إنه لمَّا كان المفرد أصلاً والمجموعُ
فرعَه، والمذكَّرُ أصلاً والمؤنَّث فرعَه، أتى بالعمِّ والخال المذكَّرين مفردين، وبالعمة
والخالة المؤنَّثين مجموعين، فاجتمع في الأوَّلَيْنِ أصلان، وفي الأخيرين فرعان
بحُكْمٍ: شبيهُ الشيء منجذبٌ إليه، وإنَّ الطيور على أشباهها تقع، وما ألطف هذا
الاجتماع في منصّة مقام النكاح؛ لما فيه من الإشارة إلى الكفاءة، وأنَّ المناسب ضمُّ
الجنس إلى جنسه كما يقتضيه بعض الآيات، وهو لعمري ألطفُ من جمع المذكّر
وإفرادِ المؤنَّث ليجتمع في كلِّ أصلٍ وفرعٍ فيوافق ما في النكاح من اجتماعٍ ذَكَرٍ هو
أصلٌ وأنثى هي فرعٌ؛ لخلوِّه عن الإشارة إلى ذلك الضمِّ المناسب، المستحسَن عند
كلِّ ذي رأي صائب، على أنَّ في جمع أصلين في العمِّ موافَقةٌ لِمَا في النكاح من
جمع الزوجين اللذين هما أصلان لِمَا يتولَّد منهما، وإذا اعتُبر جمعهما في الخال
الذي قرابتُه من جهة الأمّ التي لا تعتبر في النسب وافَقَ الجملة ما في النكاح من
اجتماع أصلٍ وفرعٍ، فلا يفوتُ ذلك بالكلية على ما في النظم الجليل.
وأيضاً في الانتقال من الإفراد إلى الجمع في جانبي العمومة والخؤولة إشارةٌ
إلى ما في النكاح من انتقالِ كلِّ من الزوج والزوجة من حالِ الانفراد إلى حال
الاجتماع، فلله تعالی درُّ التنزيل.

الآية : ٥٠
٣٩٥
سُورَةُ الأَجْزَابَِّ
هذا ما عندي، وهو زهرةُ ربيع لا تتحمَّلُ الفَرْكَ، ومع هذا قِسْهُ إلى ما سمعتَ
عن ساداتنا المعاصرين واختر لنفسك ما يحلو، والله تعالى أعلمُ بأسرار كتابه (١).
﴿وَقْرَةً مُؤْمِنَةً﴾ بالنصب عطفاً على مفعول ((أحللنا)) عند جمعٍ، وليس معنى
((أحللنا)) إنشاءَ الإحلال(٢) الناجز، ولا الإخبارَ عن إحلالٍ ماضٍ، بل إعلام
بمطلق (٣) الإحلال المنتظِمِ لِمَا سبق ولَحِقَ، فلا يعكِّر على ذلك الشرط، وهذا
كما تقول: أَبَحْتُ لك أن تَكلِّم فلاناً إن سلَّم عليك. ولِمَا فيه من البحث قال
بعضهم: إنه نصبٌ بفعلٍ يفسِّره ما قبلُ، أي: ويُحلُّ لك امرأةً، أو: وأحللنا لك
امرأةً، وهو مستقبلٌ لمكانِ الشرط.
وقرأ أبو حيوة بالرفع(٤) على أنه مبتدأً والخبرُ محذوفٌ، أي: وامرأةٌ مؤمنةٌ
أحللناها لك أيضاً.
﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي: مَلَّكَتْه المتعةَ بها بأيِّ عبارةٍ كانت بلا مهر.
وقرأ أبيٍّ والحسنُ والشعبيُّ وعيسى وسلَّام: ((أنْ وهبت)) بفتح الهمزة(٥)، أي:
لأن وهبت. وقيل: أي: وقتَ أنْ وهبت، أو: مدَّةً أن وهبت، فتكون ((أن))
وما بعدها في تأويل مصدرٍ منصوب على الظرفية، وأكثرُ النحاة لا يُجيزونه في غير
المصدر الصريح كـ : آتيك خفوقَ النجم، وغيرٍ ((ما)) المصدرية. وجوِّز أن يكون
المصدر بدلاً من ((امرأة)).
وقرأ زيد بن عليٍّ ◌ِ﴿ّ: ((إذ وهبت))(٦)، و(إذا ظرفٌ لِمَا مضى، وقيل: هي مثلُها
في قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َلِلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
﴿إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَها﴾ أي: يتملَّكَ المتعةَ بها بأيِّ عبارةٍ كانت بلا مهرٍ،
(١) في الأصل: كلامه.
(٢) في (م): لإحلال، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٠٩/٧.
(٣) في تفسير أبي السعود: مطلق.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٤٢/٧، والكلام منه.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ١٨٢/٢، والبحر ٢٤٢/٧.
(٦) البحر ٧/ ٢٤٢.

◌َّ الأخْزَانَ،
٣٩٦
الآية : ٥٠
وهذا شرطٌ للشرط الأول في استيجاب الحِلِّ، فهِبتُها نفسَها منه وَّهُ لا يوجبُ له
حِلَّها إلا بإرادته نكاحَها، وهذه الإرادةُ جاريةٌ مجرى قبولِ الهبة، وقال ابن كمال:
الإرادةُ المذكورةُ عبارةٌ عن القبول، ولا وجهَ لحملها على الحقيقة؛ لأنَّ قوله
تعالى: (يَسْتَنكِحَها) يغني عن الإرادة بمعناه الوضعي، وهو يشير إلى أنَّ السين
للطلب، وكلامُ بعض الأجلَّة على هذا، حيث قال: إرادةُ طلب النكاح كنايةٌ عن
القبول.
. وقيل: استفعل هنا بمعنى فَعَلَ، فالاستنكاحُ بمعنى النكاح؛ لئلا يتوهّم
التكرارُ. وفيه نظر. واستظهر صاحبُ هذا القيلِ حَمْلَ الإرادة على الإرادة المتقدِّمة
على الهبة، بناءً على أنَّ التركيب يقتضي تقدُّمَ هذا الشرط، فقد قالوا: إذا اجتمع
شرطان فالثاني شرطٌ في الأوَّل متأخّرٌ في اللفظ متقدِّمٌ في الوقوع، وهو بمنزلةٍ
الحال، ومن هنا قال الفقهاء: لو قال: إنْ ركبتِ إنْ أكلتِ فأنتٍ طالق، لا تطلقُ
ما لم يتقدَّم الأكلُ على الركوب ليتحقَّق تقييدُ الحالية.
ية واستشكل السمين(١) هذه القاعدة بما هنا بناء على أنهم جعلوا ذلك الشرط
بمنزلة القبول لاقتضاء الواقع ذلك، ثم ذكر أنه عَرَضَه على علماء عصره فلم يجدوا
تخلصناً منه إلَّا بأنَّ هذه القاعدة ليست بكلِّيةٍ، بل مخصوصة بما لم تقم قرينةٌ على
تأخّر الثاني، كما في نحوٍ: إن تزوَّجْتُكِ إنْ طلَّقتكِ فعبدي حرٍّ، فإنَّ الطلاق لا يتقدَّم
التزوُّج، وما نحن فيه من هذا القبيل، ثم قال(٢): فمن جَعَلَ الشرط الثاني هنا
مقِدَّعاً لِمْ يُصِبْ.
ورأيتُ في الفنِّ السابع من ((الأشباه والنظائر)) النحوية للجلال السيوطيّ عليه
الرحمة كلاماً لابن هشام ذكر فيه أنَّ جَعْلَ الآية كالمثال ونَظْمَهما في سلكِ مسألةٍ
اعتراض الشرطِ على الشرط هو ما ذهب إليه جماعةٌ منهم ابنُ مالك، وذهب هو
إلى أنَّ المثال من مسألة الاعتراض المذكور دون الآية، واحتجَّ عليه بما احتَّ، ثم
ذكر الخلاف في صحة تركيب ما وقع فيه الاعتراض كالمثال، وأنَّ الجمهور على
(١) في الدر المصون ١٣٤/٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية.
(٢) لم نقف على هذا القول في الدر المصون، وذكره الشهاب في الحاشية، وعنه نقل
المصنف.

الآية : ٥٠
٣٩٧
سُورَةُ الأَخْزَائِّ
جوازه وهو الصحيح، وأنَّ المجيزين اختلفوا في تحقيق ما يقع به مضمون الجواب
الواقع بعد الشرطين على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه إنما يقع بمجموع أمرين؛ أحدهما حصول كلٍّ من الشرطين،
والآخر كون الشرط الثاني واقعاً قبل وقوع الأول، ففي المثال لا يقع الطلاق إلَّا
بوقوع الركوب والأكل مع (١) تقدُّم وقوع الأكل على الركوب، وذكر أنَّ هذا مذهبُ
الجمهور.
وثانيها: أنه يقع بحصول الشرطين مطلقاً، وذكر أنه حكاه له بعض العلماء عن
إمام الحرمين، وأنه رآه محكيًّا عن غيره بعدُ.
وثالثها: أنه يقع بوقوع الشرطين على الترتيب، فإنما تطلق في المثال إذا ركبت
أوَّلاً ثم أكلت.
وأَبْطلَ كلًّا من المذهبين الأخيرين، وذكر في توجيه التركيب على المذهب
عبده ليونا
الأول مذهبین:
الأول مذهب الجمهور: أنَّ الجواب المذكور للشرط الأول، وجوابُ الثاني
محذوفٌ لدلالة الأول وجوابِه عليه، ولإغناء ذلك عنه وقيامِه مقامَه لزم في وقوع
المعلَّق على ذلك أن يكون الثاني واقعاً قبل الأول ضرورةَ أنَّ الجواب لا بدَّ من
تأخُّره عن الشرط، فكذا الأمر في القائم مقام الشرط.
والثاني مذهب ابن مالك: أنَّ الجواب المذكور للأول، والثاني لا جوابَ له
لا مذكور ولا مقدَّر، لأنه مقيّدٌ للأول تقییده بحالٍ واقعةٍ موقعه، فالمعنى في
المثال: إن ركبتٍ آكلةً فأنتِ طالق. وفيه أنه خارجٌ عن القياس، وأنه لا يطّرد في:
إِنْ قمتٍ إن قعدتٍ فأنت طالق، وأنَّ الشرط بعيدٌ عن مذهب الحال لمكان
الاستقبال(٢).
وبالجملة قد أطال الكلام في هذه المسألة وهي مسألةٌ شهيرةٌ ذكرها الأصوليون
وغيرهم، وفيما ذكرنا فيها اكتفاءٌ بأقلِّ اللازم هاهنا فتأمل.
(١) في (م): من.
(٢) الأشباه والنظائر ١٠٧/٧- ١١٩.

سُورَةُ الأجْرَانِ
٣٩٨
الآية : ٥٠
وأكثرُ العلماء على وقوع الهبة، واختلفوا في تعيين الواهبة؛ فعن ابن عباس
وقتادةً وعكرمةً: هي ميمونةُ بنت الحارث الهلالية. وفي ((المواهب)) يقال: إنَّ
ميمونة وهبت نفسها للنبيِّ وَّ، وذلك أنَّ خطبته عليه الصلاة والسلام انتهت إليها
وهي على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله وَ ◌ّ 9. وكان ذلك سنةً سبع
بعد غزوة خيبر، وبنى عليها عليه الصلاة والسلام بسرف على عشرة أميال من
مكة (١)، وعليه تكون إرادة النكاح سابقةً على الهبة، فيضعف به قولُ السمين.
وعن عليّ بن الحسين ﴿ها والضحاك ومقاتل: هي أمُّ شريك غُزَيةٌ بنت جابر بن
حكيم الدوسية، قال في ((الصفوة)): والأكثرون على أنها هي التي وهبت نفسها
للنبي وَّ﴾ فلم يقبلها، فلم تتزوَّج حتى ماتت(٢). وفي ((الدر المنثور)) عن منير بن
عبد الله الدوسي أنه عليه الصلاة والسلام قَبِلَها(٣).
وعن عروة والشعبي: هي زينبُ بنتُ خزيمةً من الأنصار (٤)، كانت تُذْعَى في
الجاهلية أمَّ المساكين لإطعامها إياهم، وكان ذلك في سنة ثلاث ولم تلبث عنده وَّيه
إلا قليلاً حتى توفِیٹ ێا.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((السنن)) عن عائشة
قالت: التي وهبت نفسها للنبيِّ وَّهِ خولةُ بنتُ حكيم(٥). وقد أرجأها عليه الصلاة
والسلام فتزوَّجها عثمان بن مظعون بإذنه وَله.
وقال بعضهم: يجوز تعدُّد الواهبات؛ فقد أخرج الشيخان وغيرُهما عن عروة بن
(١) المواهب مع شرحه للزرقاني ٢٥٣/٣.
(٢) صفة الصفوة لابن الجوزي ٥٣/٢.
(٣) الدر المنثور ٢٠٨/٥، وقد عزاه السيوطي لابن سعد، وهو في طبقاته ٨/ ١٥٥ مطولاً، وفي
إسناده الواقدي، وهو متروك.
(٤) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٥٩/٧ نسبتها إلى الأنصار، وقد سبق أبا حيان
في ذلك الماوردي في النكت والعيون ٤١٥/٤، وتعقبه ابن كثير في البداية والنهاية ٢٢٣/٨
بقوله: وأما حكاية الماوردي عن الشعبي أن زينب بنت خزيمة أمَّ المساكين أنصارية فليس
بجيد؛ فإنها هلالية بلا خلاف. اهـ. قلنا: وقد ذكره البغوي ٣/ ٥٣٧ عن الشعبي فقال:
الهلالية.
(٥) الدر المنثور ٢٠٨/٥، وهو في سنن البيهقي ٧/ ٥٥.

الآية : ٥٠
٣٩٩
سُؤَةُ الأَجْتَانِ
سسسســ
الزبير قال: كانت خولة بنتُ حكيم من اللاتي وهبنَ أنفسهنَّ للنبيِّ بَِّ، فقالت
عائشة: أما تستحي المرأةُ أن تَهَبَ نفسَها للرجل. فلمَّا نزلت: (تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ)
قالت عائشة: يا رسول الله ما أرى ربَّك إلَّا يسارع في هواك (١). فقوله: من اللاتي
وهبن أنفسهنَّ صريحٌ في تعدُّدِهنَّ.
وأنكر بعضُهم وقوع الهبة، وقيل: إنَّ قوله تعالى: (إِن وَهَبَتْ) يشير إلى عدم
وقوعها وأنَّها أمرٌ مفروضٌ، وكذا تنكير ((امرأة)) فالمراد الإعلام بالإحلال في هذه
الصورة إن اتَّفقت.
وأنكر بعضهم القبول؛ أخرج ابن سعد عن ابن أبي عون أنَّ ليلى بنت الخطيم
وهبت نفسها للنبيِّ وَّهِ، ووَهَبْنَ نساءٌ أنفسهنَّ، فلم نسمع أنَّ النبيَّ وَّرْ قَبِلَ منهنَّ
أحداً (٢).
وما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبرانيُّ وابن مردويه، والبيهقيُّ في
(السنن)) عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول اللهمَ ﴿ امرأةٌ وهبت نفسها له(٣).
يحتمِلُ نَفْيَ القبول ويحتمل نَفْيَ الهبة.
وإيرادُهُ وَّ﴿ في الموضعين بعنوان النبوَّة بطريق الالتفات للتكرمة والإيذانِ بأنها
المناطُ لثبوت الحكم، فيختصُّ به عليه الصلاة والسلام حَسبَ اختصاصها به
كما ينطق به قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ﴾ ويتضمن ذلك الإشارةَ
إلى أنَّ هبة مَن تَهَبُ لم تكن حرصاً على الرجال وقضاءِ الوطر، بل على الفوزِ
بشرف خدمته وي طر والنزولِ في معدن الفضل.
(١) صحيح البخاري (٥١١٣)، قال ابن حجر في الفتح ٩/ ١٦٤: هذا مرسل لأن عروة لم يدرك
زمن القصة، لكن السياق يشعر بأنه حمله عن عائشة، وقد ذكر المصنف (يعني البخاري)
عقب هذه الطريق من صرَّح فيه بذكر عائشة تعليقاً. اهـ. وأخرجه موصولاً دون قول عروة
البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤) من حديث عائشة ﴿نا. وجاء في (م): يسارع
لك ... ، وهي رواية الحديث عند مسلم.
(٢) طبقات ابن سعد ٨/ ١٥٠.
(٣) الدر المنثور ٢٠٩/٥، وهو في تفسير الطبري ١٣٤/١٩، والمعجم الكبير (١١٧٨٧)، وسنن
البيهقي ٧/ ٥٥ .

سُرَةُ الأَجْتَام
٤٠٠
الآية : ٥٠
وبذلك يُعلم أنَّ قول عائشة: ما في امرأة وهبت نفسها لرجلٍ خيرٌ، وكذا
اعتراضها السابق، صادرٌ من شدَّة غيرتها ﴿ّا على رسول اللهِ وَِّ، ولا بِذْعَ
فالمحبُّ غیورٌ وقد قال بعض المحبِّین:
أغارُ إذا آنَسْتُ في الحيِّ أنَّةَ
حِذاراً وخوفاً أن تكون لحبِّه(١)
ونُصِبَ ((خالصةً)) على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ للجملة قبله، وفاعلة في المصادر على
ما قال الزمخشريُّ غيرُ عزيزِ كالعافية والكاذبة(٢)، وادَّعى أبو حيان عزَّتها(٣).
والكثيرُ على تعلُّق ذلك بإحلال الواهبة، أي: خلص لك إحلالُها خالصةً، أي:
خلوصاً .
وقال الزجَّاج: هو حالٌ من ((امرأة )) (٤) لتخصُّصها بالوصف، أي: أحللناها
خالصةً لك لا تحلُّ لأحدٍ غيرك في الدنيا والآخرة.
وقال أبو البقاء: هو حالٌ من ضمير ((وهبت))، أو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي:
هبةً خالصةً(٥).
وقرئ بالرفع(٦) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: ذاك خلوصٌ لك
وخصوصٌ، أو: هي - أي: تلك المرأة أو الهبةُ - خالصةٌ لك لا تتجاوز المؤمنين.
واستدلَّ الشافعية ﴿ه به على أنَّ النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة؛ لأنَّ اللفظ تابعٌ
للمعنى وقد خُصَّ عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختصُّ باللفظ.
وقال بعض أجلَّة أصحابنا في ذلك: إنَّ المراد بالهبة في الآية تمليكُ المتعة
بلا عوضٍ بأيٍّ لفظٍ كان، لا تمليكُها بلفظ: وهبتُ نفسي، فحيث لم یکن ذلك
نصًّا في التمليك بهذا اللفظ لم يصلح لأن يكون مناطاً للخلاف في انعقاد النكاح
(١) البيت لابن الخياط كما في الخزانة ٣١٣/١١.
(٢) الكشاف ٢٦٨/٣.
(٣) البحر ٢٤٢/٧.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٣٣.
(٥) الإملاء ٤/ ١٩٧.
(٦) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٦٩/٣، وأبو حيان في البحر ٢٤٢/٧.